يسرّنا أن نشارككم هذا الإعلان المهم إلى قرّائنا ومتابعينا الأعزاء.

خلال الأشهر الماضية، شعرنا بالفخر والتقدير أمام تنامي اهتمامكم بمحتوانا والارتفاع الملحوظ في عدد متابعينا على مختلف منصّاتنا. لقد منحنا تفاعلكم حافزًا إضافيًا ودفعنا إلى أن نطمح إلى ما هو أبعد، وأن نعمل بكل جدّ لنقدّم لكم خدمة إعلامية أفضل.

استجابةً لذلك، شرعنا في عملية إعادة تطوير شاملة لهويتنا الإعلامية وإعادة تصميم منصّتنا وجميع إصداراتنا. تمثّل هذه المرحلة الجديدة فرصةً لصقل شخصيتنا التحريرية والتركيز أكثر على ما يهمّكم: تقديم محتوى حصري، عميق، ومتفوق في تغطية شؤون السودان، وقضايا الإقليم، وتطورات الشؤون العالمية. هدفنا أن نقدّم لكم تقارير مميّزة، وتحليلات رصينة، ووجهات نظر أصيلة لا تجدونها في مكان آخر.

خلال هذه الفترة الانتقالية، ستشهد منصّاتنا بعض التغييرات بينما نستعد لإطلاق هويتنا الجديدة بطابع بصري متجدّد ورؤية تحريرية أكثر قوة ووضوحًا. نرجو منكم ألّا تبتعدوا، وأن تظلّوا على تواصل معنا، وأن تحافظوا على متابعتنا عبر قنواتنا المختلفة.

نتطلّع إلى استقبالكم من جديد على منصّاتنا بحلّتها الجديدة يوم الجمعة الموافق 20 فبراير 2026.

شكرًا لثقتكم، ووقّتكم، ودعمكم المتواصل.

إلى لقاء قريب.

رأي اليراع | اقتراح البرهان لضم تركيا لجهود الوساطة: مناورة سياسية أم استدعاء لحلفاء الماضي؟

تحليل اليراع خاص: مقترح عبد الفتاح البرهان بضم تركيا وقطر إلى جهود الوساطة لإنهاء الحرب في السودان لم يكن، في جوهره، اقتراحاً دبلوماسياً تقنياً بقدر ما كان مؤشراً سياسياً محمّلاً برسائل داخلية وخارجية. فخلف الألفاظ الهادئة التي ساقها قائد الجيش تختبئ محاولة واضحة لإعادة ترتيب موازين القوة، وإعادة إدخال حلفاء الإسلاميين إلى المشهد تحت ذريعة التوازن الإقليمي.

قال البرهان، في تصريحات لوكالة “الأناضول” وعدد من وسائل الإعلام التركية من مقر إقامته في بورتسودان، إنه يقترح “إضافة تركيا وقطر إلى مسار الوساطة الدولية” فيما يبدوا اشارة لدول “الرباعية” المتمثلة في مصر، السعودية، الإمارات، والولايات المتحدة مبرراً ذلك بأن السودان صمد في وجه الحرب “بدعم الأصدقاء والأشقاء”، وعلى رأسهم أردوغان.
الاقتراح بدا في ظاهره خطوة نحو توسيع دائرة الوساطة، لكنه في جوهره انعكاس مباشر لصراع النفوذ بين معسكرين إقليميين يتجاذبان الأزمة السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023: معسكر عربي–غربي تمثله الرباعية، ومعسكر آخر تحاول أنقرة والدوحة التمدد عبره بواجهات مدنية ودينية متشابكة.

خلفيات الرباعية وشروطها الصارمة

تأسست الآلية الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) عام 2025 لتوحيد مسارات الوساطة بعد فشل المبادرات السابقة. طرحت خطة متدرجة بثلاث مراحل — هدنة إنسانية، وقف إطلاق نار، ثم عملية انتقالية إلى حكم مدني — مع خمسة مبادئ رئيسية، أبرزها استبعاد الجماعات المتطرفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ووقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.
وقد مثّلت هذه الشروط، ضمناً، خطاً أحمر ضد عودة الإسلاميين إلى السلطة، وهو ما يفسّر حدة الهجوم الذي شنه “الكيزان”، أي كوادر الحركة الإسلامية السودانية، على بيان الرباعية. فقد رأى هؤلاء أن الخطة تهدف لتهميش المؤسسة العسكرية وإقصاء رموز النظام السابق.

وفي المقابل، رحبت القوى المدنية والسياسية، مثل تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، بالخطة ووصفتها بأنها “فرصة لإنهاء النزاع وبناء عملية سياسية شاملة”. أما الجيش بقيادة البرهان فدخل في حالة من التذبذب السياسي: يعلن القبول ثم يرفض ثم يعيد الحديث عن الانفتاح على مقترحات أخرى، وهو نمط مألوف من المراوغة السياسية في مسار السلطة منذ انقلاب أكتوبر 2021.

البرهان بين المراوغة والارتهان

منذ اندلاع الحرب، لم يتوقف البرهان عن إرسال إشارات متناقضة: يرفض “تدويل الأزمة” ثم يطلب وساطات إقليمية؛ يعلن استقلال قرار الجيش ثم يمتدح دعم دول بعينها. لكن اقتراحه بضم تركيا يمثّل قفزة في خطاب تمهيدي لمشروع أعمق مشروع إعادة تأهيل الإسلاميين عبر استثمار تحالفاتهم التاريخية مع أنقرة والدوحة.

جاء ذلك في توقيت حساس تزداد فيه الضغوط الدولية لعزله عن دور سياسي مستقبلي، كما تتصاعد الاتهامات الأميركية بارتباط الجيش بجماعة الإخوان المسلمين. فقد صرّح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، بأن أي دور للإخوان أو لإيران في السودان “خط أحمر”، تتبعه واشنطن بصرامة. تصريح دعمه الموقف المصري الذي رأى أن الجماعة كانت “سبباً رئيسياً في فوضى السودان”.

لكن البرهان، في تصعيد جديد، رفض وساطة الرباعية وعدّها منحازة، مشدداً على أن “أي تسوية يجب أن تُبنى على مقترحات الحكومة السودانية وحدها”. هذا الموقف لم يُفاجئ المراقبين، إذ يرى كثير منهم أن الجيش لم يتحرر من نفوذ الإسلاميين، وأن البرهان يوازن بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل التي تحكمها دوائر النفوذ العقائدية داخل المؤسسة العسكرية.

تحالفات متغيرة ومناورات مكشوفة

مساعي البرهان لتوسيع شبكة الحلفاء لم تتوقف عند أنقرة والدوحة. ففي منتصف 2024 أعاد السودان علاقاته مع إيران بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات، خطوة أثارت قلقاً إقليمياً واسعاً. وعلى التوازي، كثّف نائب البرهان مالك عقار اتصالاته مع موسكو، بينما تداولت تقارير غربية عن وجود طائرات مسيّرة إيرانية من طراز “مهاجر–6” في قواعد الجيش بأم درمان.
هذه التحركات لم تُقرأ كبحث عن حلول دبلوماسية بقدر ما عكست توجهاً براغماتياً للبقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كلّف الأمر التحالف مع خصوم الأمس.

الولايات المتحدة حذّرت وقتها بوضوح من “تعميق عزلة النظام العسكري” إذا مضى في اتفاقات الدفاع مع موسكو، لكن البرهان يرى في ذلك بطاقة ضغط سياسية تُشعر الرباعية أنه يملك بدائل، ولو رمزية، خارج تحالفاتها.

الإخوان من الظل إلى الواجهة

رغم نفي البرهان المتكرر لأي صلة تربطه بالإخوان، إلا أن دلائل ارتباط الجيش بالحركة الإسلامية لا يمكن إنكارها. ففي مقاطع مصوّرة متداولة، اعترف قياديون من كتيبة “البراء بن مالك” الإسلامية بأنهم يقاتلون إلى جانب الجيش منذ 2011، وأنهم جزء أصيل من ترسانة الدفاع الحالية.
حتى أحمد عباس، والي سنار الأسبق المقرّب من النظام السابق، تحدّى علناً تصريحات البرهان قائلاً إن جمهور الحركة الإسلامية يشكّل “75% من المقاتلين” في الحرب الحالية.

الواقع، كما يرى مراقبون، أن الجيش السوداني لم يتحرر منذ انقلاب 1989 من قبضة الإسلاميين الذين أعادوا تشكيله أيديولوجياً واقتصادياً وأمنياً، وبقوا كامنين داخل مفاصله بعد سقوط البشير عام 2019.
ولذلك فإنّ كل محاولة لإعادتهم إلى المشهد عبر مداخل دبلوماسية  مثل طلب ضم تركيا للوساطة  تبدو التفافاً على جوهر مطالب الثورة السودانية التي نادت بإقصائهم نهائياً من الحياة السياسية.

فهل هي مناورة مكشوفة أم مقامرة أخيرة؟

في نظر “اليراع”، إن مقترح البرهان بإشراك تركيا وقطر في جهود الوساطة ليس سوى مناورة مكشوفة تهدف لتقويض بنود الرباعية الدولية التي تُشترط استبعاد الإسلاميين. ومن خلال ذلك، يسعى البرهان إلى تثبيت معادلة جديدة تعيد التموضع السياسي للعسكر والإخوان ككتلة واحدة في مواجهة القوى المدنية والفاعلين الدوليين.

إن الحرب في السودان لم تعد فقط مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تحوّلت إلى صراع أعمق على هوية الدولة واتجاهها التاريخي: هل تعود إلى قبضة الإسلام السياسي العسكري، أم تنفتح على مسار مدني ديمقراطي؟
وفي لحظة التوازن الحرجة هذه، تبدو محاولة البرهان لجرّ تركيا مجدداً إلى قلب المعادلة رهاناً محفوفاً بالمخاطر، يختبر صبر الرباعية وإرادة السودانيين على حد سواء.

جريمة غابة السنط: حين تحترق رئة الخرطوم ويختنق الوعي البيئي

ليست جريمة غابة السنط حادثة معزولة، بل ذروة لمسار طويل من القطع الجائر والاحتطاب والصمت الرسمي، في بلد يواجه تهديدًا وجوديًا بفعل التصحر وتدهور الغطاء النباتي والجفاف الممتد.

أثار الدمار الممنهج الذي طال غابة السنط في قلب العاصمة الخرطوم صدمة وغضبًا عارمًا وسط السودانيين، خصوصًا الناشطين والمدافعين عن البيئة، بعد انتشار مقاطع مصوّرة تُظهر اختفاء الغابة تقريبًا من الوجود نتيجة للحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ما يرقى إلى جريمة بيئية كبرى ضد إحدى أهم المحميات الطبيعية المسجلة عالميًا في السودان، البلد الذي يقف منذ عقود على حافة هاوية بيئية بسبب التصحر والجفاف وتآكل ثروته الغابية. هذه الكارثة ليست بداية القصة، بل امتدادٌ لمسار طويل من الجرائم البيئية التي طالت الغابات والغطاء النباتي وهددت حياة الإنسان والطبيعة معًا.

 تاريخ طويل للقطع الممنهج والاحتطاب الجائر

منذ دخول الماكينات البخارية إلى السودان في فترة الاستعمار الثنائي البريطاني–المصري، اعتمدت القاطرات، والبواخر النهرية، ووسائل النقل الحديثة آنذاك على الأخشاب كوقود رئيسي، ما فتح الباب أمام قطع منظم ومكثف للأشجار دون رؤية بعيدة المدى أو خطط بديلة للتشجير واستدامة الغابات. ومع غياب بدائل أخرى للطاقة، ظل السودانيون يعتمدون لعقود على الحطب في الطهي والتدفئة، ثم انتقلوا لاحقًا إلى إنتاج الفحم النباتي الذي أصبح سلعة واسعة الانتشار وأساسية في الحياة اليومية.

توسّعت تجارة الفحم واستهلاكه، وتحولت إلى نشاط اقتصادي مربح من دون ضوابط فعّالة، فاندفع المنتجون إلى قطع الأشجار بصورة تجارية واسعة لتغطية احتياجات السكان في المدن والريف، حتى طالت عمليات القطع الغابات المنتِجة لمحاصيل نقدية كالصمغ العربي، وأجزاء واسعة من الأحزمة الشجرية الطبيعية. حاولت الحكومات المتعاقبة، في البداية، تنظيم عمليات القطع عبر مؤسسات الغابات والزراعة، لكن مع ضعف الدولة، وانتشار الفساد، وتراجع سلطة القانون، فقدت الجهات الرسمية السيطرة تدريجيًا على المنتجين، فشهد السودان جرائم قطع مروعة أدت إلى اختفاء العديد من الغابات، وتمدد التصحر، وانقراض أنواع من الكائنات البرية والنباتات.

 “الكمائن” وتعمق الجريمة البيئية

مع التمدد العمراني الحديث، وتحوّل البناء من الطوب النيّ (الطيني) إلى الطوب المحروق، ظهرت مأساة جديدة. إنتاج الطوب المحروق يتطلب كميات ضخمة من الوقود الخشبي، فانتشرت مصانع الطوب التقليدية المعروفة في السودان باسم “الكمائن”، والتي عملت ـ في كثير من الحالات ـ بنهم وجهل لمخاطر نشاطها، فصار أصحاب الكمائن يشجعون على قطع الأشجار لتوفير الوقود، ما رفع الطلب على الأخشاب، وعمّق دائرة القطع الجائر خارج أي إطار مستدام أو قانوني فعّال.

هذا التداخل بين الاحتطاب التجاري، وضعف الرقابة، وسوء التخطيط العمراني، جعل الدولة تفقد ما تبقّى من قدرتها على ضبط الجرائم البيئية. والنتيجة: تراجع الغطاء النباتي في أجزاء شاسعة من البلاد، تمدد الصحراء، تدهور التربة، وانكماش الموائل الطبيعية للثروة الحيوانية البرية التي كانت تعتمد على هذه الغابات.

«من الاحتطاب التقليدي إلى الكمائن التجارية: دورة تدمير متواصلة للغابات السودانية.»

غابة السنط… رئة الخرطوم وذاكرتها البيئية

لم تكن غابة السنط مجرد مساحة خضراء، بل نظامًا بيئيًا متكاملًا يقع عند ملتقى النيلين، على مساحة تناهز 1500 هكتار، أُدرج رسميًا ضمن منظومة المحميات الطبيعية منذ عام 1939، وصُنِّفت كأرض رطبة ذات أهمية عالمية. تتميز أشجار السنط بقدرتها على تحمل الفيضانات السنوية، ما جعل الغابة حزامًا طبيعيًا يحمي الخرطوم من تقلبات النيل ومن زحف الصحراء في الوقت نفسه.

كانت الغابة موطنًا لعشرات الأنواع من الطيور النادرة والمهاجرة، مثل الإوز، وخطاف البحر، ومالك الحزين، وأبو منجل، إلى جانب مئات الأنواع من العصافير والزواحف والحشرات. وكانت هذه الهجرات تخضع لرصد دوري من مراكز أبحاث وشرطة الحياة البرية، ما جعل الغابة جزءًا من شبكة بيئية تتجاوز حدود السودان. كما احتضنت الغابة في عام 1946 مدرسة خبراء الغابات التي خرّجت الرعيل الأول من الفنيين والمهندسين الذين شاركوا في مشاريع التشجير في البلاد، لتصبح الغابة، بذلك، جزءًا من الذاكرة المهنية والعلمية السودانية.

 الحرب وانهيار نظام بيئي كامل

مع اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، تغيّر كل شيء. فقد تحولت غابة السنط إلى ساحة مفتوحة لعمليات القطع الجائر، واستخدام الموارد في سياق اقتصاد حرب بلا ضوابط. الصور التي التقطها مصورون سودانيون وأظهرت أرضًا جرداء كانت يومًا ما غابة نابضة بالحياة، كشفت حجم الكارثة: انهيار نظام بيئي عمره عقود في غضون شهور قليلة.

يرى خبراء الغابات أن ما حدث لا يُختزل في “إزالة أشجار”، بل في تدمير سلسلة بيئية كاملة كانت تحمي الخرطوم من التصحر، وتخفف تلوّث الهواء، وتلطّف درجات الحرارة، وتعمل كخزان طبيعي للكربون والرطوبة. اليوم، تبدو الخرطوم مكشوفة، أكثر حرارة، وأكثر اختناقًا، مع احتمالات متزايدة لتسارع تدهور التربة وتراجع معدلات الأمطار، في بلد يُعتبر أصلًا من بين المناطق الأكثر هشاشة أمام تغيّر المناخ في إفريقيا، بحسب تقارير منظمات دولية معنية بالبيئة والمناخ.

«غابة بلا أشجار: المشهد الصادم لغابة السنط بعد عمليات القطع خلال الحرب.»

 من جريمة محلية إلى قضية وجودية

إن جريمة غابة السنط لا تعني فقط فقدان “متنفس أخضر” للعاصمة؛ إنها تعبير عن انهيار الوعي البيئي وتراجع ثقافة الاستدامة في السودان. فالاحتطاب الجائر، وغياب بدائل الطاقة الرخيصة والنظيفة، وضعف سياسات التخطيط العمراني، كلها عوامل تراكمت لتدفع البلاد إلى حافة تهديد وجودي يشمل الأمن البيئي والغذائي والمائي.

تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمات إقليمية عديدة تؤكد أن السودان يفقد سنويًا جزءًا معتبرًا من غطائه الغابي، وأن موجات الجفاف والتصحر تُسهم في النزوح الداخلي، وتغذية الصراعات على الموارد، وإضعاف قدرة المجتمعات الريفية على الصمود. وبذلك، لا تعود الغابة مجرد “مشهد جميل” مفقود، بل خط الدفاع الأول عن حقّ الناس في الحياة في مواجهة التغير المناخي والفقر البيئي.

 ما بعد السنط… ماذا يمكن فعله؟

أمام هذه الصورة القاتمة، يصبح السؤال المركزي: ماذا بعد غابة السنط؟
الإجابة لا يمكن أن تقتصر على الحزن والأسف، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني ودولي يعيد الاعتبار للغابات السودانية، من خلال:

  • سنّ وتطبيق قوانين صارمة تمنع القطع الجائر، وتجريم الاحتطاب التجاري غير المنظم.

  • إطلاق برنامج وطني لإعادة التشجير حول المدن والقرى، مع التركيز على الأنواع المحلية المقاومة للجفاف.

  • توفير بدائل للطاقة (غاز، طاقة شمسية، حلول طهي نظيفة) لتقليل الاعتماد على الحطب والفحم.

  • إدماج التربية البيئية في المناهج التعليمية والإعلام، لبناء وعي جديد يعتبر البيئة جزءًا من الأمن القومي.

  • تفعيل الشراكات مع منظمات دولية (مثل UNEP، الفاو، وبرامج المناخ الدولية) لتمويل مشروعات استعادة الغابات ودعم المجتمعات المحلية.

إن اختفاء غابة السنط ليس نهاية الحكاية، لكنه جرس إنذار متأخر: إما أن يتحول إلى نقطة بداية جديدة لحماية ما تبقى من الغابات والموارد الطبيعية، أو أن يظل علامة على زمن فقد فيه الوطن ذاكرته البيئية وحقه في المستقبل.

 

كلمة اليراع

“نبيع بالخسارة لننجو من الديون”… مأساة مزارعي شرق السودان تعيد إلى الأذهان فضائح “تجار العيش” خلال مجاعة الثمانينات

في تقارير مقلقة نشرها موقع راديو دبنقا، أزيح الستار عن عودة المضاربات في إنتاج محاصيل الذرة بشرق السودان، في مشهد يعيد إلى الأذهان فضائح “تجار العيش” خلال مجاعة الثمانينات، حين مارست مجموعات نافذة مدعومة من بنوك إسلامية ممارسات احتكارية ساهمت في أحد أسوأ الأزمات الغذائية في تاريخ البلاد.

اليوم، وبعد أربعة عقود، يعيش مزارعو شرق السودان الدائرة ذاتها من الأوجاع الاقتصادية، حيث تحوّل موسم الحصاد من رمز للوفرة إلى لحظة انكشاف لخلل عميق في منظومة السوق الزراعي. فقد ذكر تقرير راديو دبنقا أن ضعف آليات التسعير وتفاوت القوة التفاوضية بين المنتجين والوسطاء جعل المزارعين يواجهون خسائر فادحة رغم وفرة الإنتاج.

في ولاية القضارف، العمود الفقري للأمن الغذائي السوداني، يجد آلاف المزارعين أنفسهم عالقين بين الإنتاج الوفير والأسعار المنهارة التي لا تغطي حتى تكاليف الحصاد والنقل. أحد المزارعين روى أنه اضطر لبيع محصوله بخسارة لتسديد أجور العمال وسداد ديونه البنكية، وهي مأساة مشتركة تتكرر كل عام في غياب نظام تسعير عادل ودعم حكومي حقيقي.

ووفق شهادات متقاطعة، يستمر الوسطاء في شراء المحاصيل بأسعار متدنية ثم إعادة بيعها لشركات تصدير أجنبية، في ممارسة تذكّر بفساد الثمانينات. هذا السلوك الاحتكاري أدى إلى ركود أسواق القضارف، رغم وفرة الذرة والسمسم، في وقت احتفظ فيه محصول “حب البطيخ” بسعر مرتفع نسبيًا كحالة شاذة وسط الانهيار العام للأسعار.

ويشير خبراء الاقتصاد الزراعي إلى أن الأزمة الحالية تمثل خللاً هيكليًا لا أزمة عابرة، حيث تفتقر المناطق المنتجة إلى البنية التحتية للتخزين، وتغيب سياسات الدولة لحماية المنتجين. ومع استحواذ سماسرة السوق على القرار السعري، يتحول المزارع إلى الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة الزراعية، ما يجعله عرضة للإفلاس أو فقدان الأرض.

التحذيرات تتصاعد من تكرار كارثة الثمانينات إن لم تُعالج هذه الاختلالات عبر تدخلات استراتيجية تشمل إنشاء مخازن وطنية، وتفعيل دور الدولة في الشراء المباشر، وضبط عمليات التصدير. فالموسم الحالي أثبت أن وفرة المحاصيل لا تعني رخاءً، بل قد تكون مؤشرًا على هشاشة اقتصاد يعيش على حافة الانهيار.

المصدر: راديو دبنقا — اليراع

اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان: تحالف إسلامي جديد أم محاولة لبقاء التيار الديني المحافظ؟

تشهد العواصم الثلاث، الرياض وأنقرة وإسلام أباد، منذ أشهر مشاورات متواصلة تهدف إلى صياغة اتفاق دفاعي ثلاثي يمثل خطوة غير مسبوقة نحو شراكة استراتيجية جديدة بين أبرز القوى ذات الثقل في العالمين العربي والإسلامي.

وأكد وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة حراج، في تصريحات لوكالة “رويترز”، أن الدول الثلاث أعدت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات امتدت نحو عام، مشيرًا إلى أن الاتفاق المرتقب “منفصل عن التفاهمات الثنائية الموقعة العام الماضي بين السعودية وباكستان”، وأن استكماله يتطلب توافقًا نهائيًا بين الأطراف الثلاثة.

ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، يعكس وفق مراقبين، سعي العواصم الثلاث إلى بناء جبهة إقليمية متماسكة في ظل تصاعد التوترات الأمنية بالمنطقة وعودة التحديات الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي من جهة، وبالتيار العالمي المعادي للإسلام من جهة أخرى. ويرى محللون أن التعاون الدفاعي المقترح يحمل بعدًا هوياتيًا وسياسيًا، إذ يجمع ثلاث دول تمثل التيار المحافظ في المنطقة، تسعى إلى إعادة التموضع كقوى ضامنة للاستقرار وليس طرفًا في التطرف أو الصراع.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن المحادثات بين الرياض وإسلام أباد شملت أيضًا بحث تحويل قروض سعودية بقيمة ملياري دولار إلى صفقة طائرات مقاتلة من طراز “جيه إف-17” لتطوير قدرات سلاح الجو السعودي ودعم الصناعة العسكرية الباكستانية، في إشارة إلى مستوى متقدم من التقارب الدفاعي بين الجانبين.

وبرغم رمزية هذا المسار الثلاثي، يستبعد مراقبون أن يكون بديلاً عن التحالفات الدولية القائمة، خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية التي ترتبط بعلاقات استراتيجية متشابكة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وبريطانيا. إلا أن المبادرة، وفق محللين، تعبّر عن رغبة سعودية – تركية – باكستانية في بلورة “منصة أمنية إسلامية” أكثر استقلالاً قادرة على موازنة النفوذ الخارجي في الإقليم.

من جانبه، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تُجري مشاورات مع السعودية وباكستان بشأن تعزيز التعاون الإقليمي، لكنه أوضح أنه “لم يُوقّع أي اتفاق حتى الآن”، مشددًا على أهمية بناء الثقة المتبادلة بين دول المنطقة لتجاوز حقبة الانقسامات التي أوجدت فراغًا استراتيجيًا استغلته قوى خارجية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذا الإطار الدفاعي “إذا ما وُقّع رسميًا ” قد يمهد لنواة تحالف إسلامي أوسع ينضم إليه عدد من الدول العربية والإسلامية، ما سيعيد رسم موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، ويفتح الباب أمام معادلات أمنية جديدة تتجاوز حدود المحاور التقليدية.

حين خانت النخبُ الاستقلال: قصة سقوط الدولة السودانية من وعد النهضة إلى هاوية الفشل

مقال المحرر: حاتم المدني

التاريخ السياسي الحديث للسودان مثالًا مكثّفًا على تعقّد مسارات بناء الدولة في البيئات ما بعد الاستعمارية، حيث تتداخل العوامل التاريخية بالتركيبة الاجتماعية وباختيارات النخب السياسية والعسكرية لتنتج مسارًا طويلًا من الإخفاق البنيوي في بناء دولة مستقرة ومنتجة وعادلة. فعلى الرغم من أن السودان دخل منتصف القرن العشرين وهو يمتلك مقومات موضوعية لنهضة كبيرة من موارد زراعية ومائية هائلة، وإرث إداري حديث، وموقع جغرافي إستراتيجي فإن مسيرته منذ الاستقلال اتجهت في اتجاه مغاير، نحو الانقلابات والصراعات الأهلية والانقسامات الجغرافية والانهيار التنموي. هذا التناقض بين الإمكانات والنتائج هو ما يحاول هذا المقال تحليله في إطار مقاربة سياسية–تاريخية–تنموية مترابطة.

إرث الحكم الثنائي وبذور الأزمة

تشكّلت الدولة السودانية الحديثة في ظل الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري الذي أعقب سقوط دولة المهدية في نهايات القرن التاسع عشر، حيث أعاد هذا الحكم بسط الأمن وفرض سلطة مركزية موحدة بعد فترة من الاضطراب والتنازع القبلي والديني. في إطار هذا الحكم، شُيِّدت أجهزة إدارية حديثة، وأُدخل التعليم النظامي المدني، وأُسِّست مؤسسات خدمية وصحية كانت بمثابة قطيعة نسبية مع أنماط التنظيم التقليدية، كما تم إطلاق مشروعات بنية تحتية كبرى مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والموانئ، ما جعل السودان جزءًا فاعلًا  وإن تابعًا  في الاقتصاد العالمي آنذاك. غير أن هذه الإنجازات جرى بناؤها فوق قاعدة اجتماعية مختلّة، إذ تركّز الاستثمار التعليمي والإداري في أقاليم الشمال النيلي والوسط، بينما حُرمت مناطق واسعة في الجنوب والغرب والشرق من فرص مماثلة، بما أرسى مبكرًا ملامح التفاوت الجهوي الذي سيتحوّل لاحقًا إلى أحد أعمدة الأزمة الوطنية.

السودنة، الاستقلال، واستمرار البنية الاستعمارية

مع تصاعد الحركة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، برزت النخبة المتعلمة التي أنتجها التعليم الاستعماري لاعبًا أساسيًا في المطالبة بالمشاركة في إدارة البلاد، فتبلورت سياسة “السودنة” باعتبارها انتقالًا تدريجيًا للسلطة من أيدي الإداريين الأجانب إلى السودانيين. غير أن هذه العملية اتسمت بالتعجل والاختلال، إذ جرى إحلال نخبة وطنية محدودة غالبيتها من الشمال النيلي والوسط محل جهاز إداري أجنبي متمرس، دون أن تُستكمل عملية التأهيل الفني والمؤسسي اللازمة، ودون معالجة فجوة تمثيل الأقاليم والمجموعات المختلفة داخل مؤسسات الدولة. 

وعندما رُفع علم الاستقلال في الأول من يناير 1956، كان استقلال السودان في جوهره استقلالًا سياسيًا عن المستعمر، لكنه لم يكن استقلالًا عن البنية التي صاغها ذلك المستعمر: دولة مركزية قوية في الخرطوم، محاطة بأطراف مهمشة، ونخبة ضيقة تمسك بمفاصل القرار.

في هذا السياق، جاء قرار الاستغناء السريع عن الكوادر الإدارية الأجنبية التي شكّلت لسنوات العمود الفقري للإدارة الحديثة له ليخلق فراغًا مؤسسيًا حادًا في لحظة كانت تحتاج إلى زيادة في الكفاءة لا إلى إنقاصها. وهكذا، تحوّل الاستقلال إلى لحظة رمزية عالية الشحنة العاطفية، لكنها لم تترافق مع مشروع عملي مدروس لبناء مؤسسات مستقرة، أو لإعادة توزيع السلطة والثروة على نحو يعكس تعددية المجتمع السوداني الفريدة.

الطائفية السياسية والنخب المتعلمة والعسكرة

لم يكن المشهد السياسي الذي ورث الاستعمار متجانسًا أو متوافقًا، بل تشكل من تحالفات وتقاطعات بين ثلاث قوى رئيسية: الأسر والبيوتات الطائفية ذات الجذور الدينية العميقة، والنخب المتعلمة المدنية، والمؤسسة العسكرية. فقد استطاعت الزعامات الطائفية، بحكم نفوذها الروحي والاجتماعي، أن تتحول إلى قوة سياسية منظَّمة من خلال الأحزاب المرتبطة بها، وأن تستثمر الحس الديني والعاطفي لدى قطاعات واسعة من الشعب في معارك سياسية حول السلطة والتمثيل. في المقابل، رأت النخب المتعلمة في هذه البيوتات بوابةً ضرورية للوصول إلى الجمهور وبناء قواعد انتخابية، فانخرطت في تحالفات عززت حضور الطائفية بدل أن تحدّ منه، وهو ما انعكس على بنية الأحزاب وطرق عملها وبرامجها.

ومع تعثر التجربة البرلمانية الأولى، وتفاقم الصراعات الحزبية، وتزايد الشعور بالعجز عن إدارة البلاد وفق قواعد ديمقراطية مستقرة، برز الجيش كفاعل سياسي “منقذ” في خطاب قطاعات من النخبة والمجتمع. فجاء انقلاب 1958 ليؤسس لأول مرة قاعدة تدخّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، ويتبعه لاحقًا انقلاب مايو 1969، ثم انقلاب 1989، في نمط يكشف عن أن الانقلابات العسكرية تحوّلت إلى “آلية دورية” لتغيير السلطة في ظل غياب تقاليد راسخة للتداول الديمقراطي. 

ومع كل دورة انقلابية، كانت المسافة بين الدولة والمجتمع تتسع، وتتغلغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في كل مفاصل إدارة الشأن العام، على حساب الخدمة المدنية المهنية والمؤسسات الرقابية.

التنمية غير المتوازنة والصراع الأهلي

على المستوى التنموي، لم تستطع الحكومات المتعاقبة مدنية كانت أم عسكرية تحويل الثروة المادية والبشرية للسودان إلى مشروع تنموي متوازن ومستدام، بل تم غالبًا توظيف التنمية نفسها كأداة من أدوات السيطرة السياسية. 

فقد تركزت الخدمات الأساسية والبنى التحتية والفرص الاقتصادية في العاصمة ومناطق محددة من الشمال والوسط، بينما بقيت الأقاليم الأخرى في حالة تهميش مزمن، يعاني سكانها من الفقر وضعف الخدمات وغياب التمثيل الملائم في مراكز اتخاذ القرار. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التفاوت مجرد فجوة اقتصادية، بل تحوّل إلى شعور عميق بالظلم لدى سكان الأطراف، غذّى الهويات المحلية والقبلية والإثنية بوصفها بدائل عن هوية وطنية جامعة لم يتح لها أن تتبلور في إطار دولة عادلة.

في هذا المناخ، تفجرت الحروب الأهلية في الجنوب، ثم في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وغيرها من الأقاليم التي شعرت أن الدولة المركزية تمارس عليها تهميشًا مركبًا: سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا ولاحقاً دينياً . 

وقد انتهى الصراع في الجنوب بانفصال دولة جنوب السودان عام 2011، في مشهد يعكس مدى فشل الدولة السودانية في إدارة التعدد وتحويله إلى مصدر قوة. أما في دارفور ومناطق أخرى، فقد تراكمت الانتهاكات والنزوح والدمار، وأصبحت صورة السودان في الأدبيات الدولية أقرب إلى نموذج “الدولة الهشة” أو “الدولة الفاشلة” التي تعجز عن احتكار العنف، وتقديم الخدمات الأساسية، وضبط حدودها، وحماية مواطنيها.

من الدولة الواعدة إلى الدولة الفاشلة 

إذا ما أُجريَت مقارنة بين السودان في منتصف القرن العشرين والسودان في بدايات القرن الحادي والعشرين، سيظهر الفارق بوضوح: فقد كان السودان في فترة ما قبل الاستقلال وبعده بقليل يُنظر إليه كدولة ذات إمكانات كبيرة، بمشروع زراعي عملاق، وشبكة سكك حديدية متقدمة على المستوى الإقليمي، وموارد طبيعية وثروات غير عادية معدنية وغيرها وبشرية قادرة على أن تجعل منه نموذجًا افريقيًا صاعدًا. في المقابل، وجد السودان نفسه بعد عقود من الاستقلال أمام واقع انهيار تلك البنى الإنتاجية، وانكماش المشروع الزراعي، وتدهور السكك الحديدية، وتراجع الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، واتساع رقعة الفقر والهجرة والنزوح.

هذا الانتقال من “الدولة الواعدة” إلى “الدولة الفاشلة الهشة ” لم يكن نتيجة ظرف طارئ، وإنما حصيلة مسار طويل من الخيارات السياسية الخاطئة، والتوظيف الزبائني لموارد الدولة، وإقصاء الكفاءات الإدارية لصالح المحسوبية الحزبية والقبلية والطائفية، بالإضافة إلى عسكرة الحياة العامة وإفسادها واستخدام العنف أداة لإدارة الخلاف. وهكذا، تآكلت شرعية الدولة، وفقد المواطن ثقته في قدرتها على تمثيله وحمايته وتوفير الحد الأدنى من العدل والكرامة.

آفاق الإنقاذ وإعادة البناء

أمام هذا الواقع المعقد، لا يعود السؤال هو: ما الذي حدث؟ بقدر ما يصبح: ما العمل؟ وما الشروط الضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الدولة الوطنية في السودان؟ يبدو واضحًا أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير نفس النخب التي أسهمت في صناعة الأزمة، ولا على مقاربة سطحية ترى الحل في تغيير الوجوه دون تغيير القواعد. المطلوب هو إعادة تفكير جذري في طبيعة الدولة نفسها، وفي العلاقة بين المركز والأطراف، وبين السلطة والمجتمع، وبين الاقتصاد والسياسة وبين توجهات الدولة ومعتقدات الفئات الدينية.

يتطلب ذلك، أولًا، إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والحياد، بما يعيد الاعتبار للمهنية الإدارية، ويقطع مع استخدام الوظيفة العامة كغنيمة سياسية أو طائفية أو دينية . كما يتطلب، ثانيًا، تبني نموذج حقيقي للامركزية او فيدرالية حقيقية تتيح للأقاليم المشاركة الفعلية في إدارة مواردها، ووضع خططها التنموية، والمشاركة في السلطة بعيدًا عن منطق “العطايا” المركزية. ويتطلب، ثالثًا، إخضاع المؤسسة العسكرية بكل تشكيلاتها للسلطة المدنية المنتخبة، وإعادة هيكلة القطاع الأمني بما يضمن احتكار الدولة للعنف في إطار القانون، لا في إطار الصراع بين مراكز قوى مسلحة متعددة.

إلى جانب ذلك، يحتاج السودان إلى مسار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية جاد، يعترف بالجرائم والانتهاكات التي وقعت في الحروب والنزاعات، ويمنح الضحايا حقهم في الحقيقة والإنصاف، ويفتح الباب أمام بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية لا على الهويات المتصارعة. كما يحتاج إلى رؤية تنموية تجعل الإنسان في كل أقاليم السودان محور السياسات، بدل أن يبقى رهينة تجاذبات النخب.

 قولة حق اخيرة 

يكشف التأمل في المسار التاريخي السياسي والتنموي للسودان أن الأزمة الراهنة ليست مجرد تعثر عابر، بل هي نتيجة تفاعل عميق بين إرث استعماري ترك دولة غير متوازنة، ونخب وطنية عجزت أو لم ترد  أن تحوّل الاستقلال إلى مشروع لبناء مؤسسات عادلة وفعّالة.

وبينما يحتفل السودانيون في كل عام بذكرى الاستقلال، لسبعة عقود متتالية يبقى السؤال مفتوحًا: أي استقلال نحتفي به ما لم تستقل الدولة عن الفساد والطائفية والعسكرة، وما لم تصبح مؤسساتها في خدمة المجتمع لا في خدمة فئة ضيقة منه؟ إن استعادة مشروع الدولة الوطنية في السودان لن تكون ممكنة إلا إذا جرى الانحياز بوضوح لكفاءة الإنسان لا لانتمائه، ولعدالة التنمية لا لامتياز النخب، ولحكم القانون لا لحكم السلاح، وهي خيارات صعبة لكنها وحدها ما يمكن أن يضع حدًا لمسار السقوط الحر الذي طال أمده.

كلمة اليراع: البرهان وحميدتي والإسلاميون… رهان الإفلات من العقاب وفقدان الثقة الشعبية

تدخل الحرب السودانية عامها الثالث، وسط واقع إنساني مأسوي خلف دمارًا واسعًا في البنية التحتية ومقتل عشرات الآلاف، فيما نزح أكثر من 13 مليون شخص داخل وخارج السودان، بحسب تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. ورغم عمق الكارثة، تظل جذورها السياسية والعسكرية ضاربة في تاريخ طويل من الصراع بين مراكز القوى في الدولة السودانية منذ عهد نظام البشير وحتى اليوم.

من دارفور إلى القيادة العامة: بدايات الجرح

بدأت ملامح الأزمة الراهنة منذ حرب دارفور التي شهدت جرائم تطهير عرقي واتهامات مباشرة لقيادات الجيش ومليشيات الجنجويد الخارجة عن السيطرة. كان اللواء عبد الفتاح البرهان وقتها يتولى قيادة سلاح المشاة في دارفور، ولعب دورًا محوريًا في تدريب وتسليح قوات الدعم السريع التي خرجت لاحقًا من رحم الجنجويد.

وبعد سقوط نظام البشير في ثورة ديسمبر 2019 الشعبية، انحاز البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) للثوار ظاهريًا، ليشكلا لاحقًا مجلس السيادة الانتقالي بالشراكة مع قوى الحرية والتغيير. ومع ذلك، أظهرت الأحداث اللاحقة أن العسكريين لم ينووا فعليًا تسليم السلطة لحكومة مدنية كاملة، ما جعل التحالف الانتقالي هشًا منذ البداية.

وفي يونيو 2019، ارتكب الجيش مدعومًا بقوات الدعم السريع وبتواطؤ من بقايا النظام الإسلامي مجزرة مروعة بحق المعتصمين أمام القيادة العامة في الخرطوم. قُتل مئات الشبان وتعرضت النساء لانتهاكات بشعة. ورغم إعلان البرهان وحميدتي تحقيقات لم تظهر نتائجها حتى اليوم، شكلت المجزرة نقطة سوداء في مسار الثورة، وعززت شعور السودانيين بانعدام العدالة وإفلات الجناة من العقاب.

انهيار الحكومة الانتقالية وانقلاب البرهان

تولت حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك المرحلة الانتقالية، محققة نجاحات اقتصادية ملموسة، لكنها واجهت هجمات متصاعدة من بقايا النظام البائد. تدخل البرهان وحميدتي في شؤونها بشكل متكرر، مما مهد لانقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة واعتقل قياداتها.

ورغم الضغط الشعبي والدولي ورفض الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الاعتراف بالانقلاب، أصر الجيش على فرض الأمر الواقع، لتدخل البلاد بعدها مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والاقتصادي انتهت بانفجار الحرب المفتوحة في أبريل 2023.

من شراكة هشة إلى حرب شاملة

بدأت الحرب بين الجيش والدعم السريع بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” الذي نص على خروج المكوّن العسكري من السياسة ودمج قوات الدعم السريع في الجيش. رفض حميدتي ذلك، واتهم البرهان بالسعي للبقاء في الحكم. سرعان ما تحولت الخلافات إلى معارك دامية في شوارع الخرطوم، امتدت إلى معظم ولايات السودان، لتسقط البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

القوى المدنية: تآكل الثقة وتشتت الموقف

عقب اندلاع الحرب، لجأت معظم القيادات المدنية، وعلى رأسها رموز قوى الحرية والتغيير، إلى الخارج. لكن ظهور بعض قياداتها في تحالفات ولقاءات مع حميدتي دعمًا لقواته أدى إلى فقدان ثقتها لدى الشارع الثوري الذي يرى أنها ساوت بين الضحية والجلاد. كما تفاقمت الانقسامات داخل صفوفها نتيجة الولاءات الجهوية والقبلية، ما جعل تأثيرها في الشأن الداخلي شبه معدوم.

الإسلاميون: عودة بوجوه قديمة وأساليب جديدة

منذ سقوط البشير، سعى الإسلاميون لعرقلة أي انتقال ديمقراطي حقيقي. عملوا على إشعال الخلاف بين الجيش والقوى المدنية، ثم انحازوا صراحة للبرهان في حربه ضد حميدتي. ورغم نفي الجيش المتكرر لوجودهم، تثبت الشواهد أنهم ظلوا يحركون الخيوط من وراء الستار، طامحين لاستعادة نفوذهم عبر بوابة الحرب. إلا أن عزلتهم الشعبية، والضغط الدولي لتجريم أنشطتهم، حدّا من قدرتهم على العودة العلنية إلى الساحة السياسية.

الجميع يخاف وقف الحرب

اليوم، تبدو مفارقة الأزمة السودانية في أن القوى المتحاربة جميعها تخاف من وقف الحرب: فالبرهان يخشى المحاسبة على الانقلاب والمجازر، وحميدتي يخاف العقوبة على جرائم قواته، والإسلاميون يدركون أن السلام الحقيقي يعني فتح ملفاتهم من جديد. في المقابل، يقف الشارع السوداني، المثقل بالموت والجوع، فاقدًا للثقة في كل القيادات القائمة.

الطريق إلى المستقبل

يبقى الأمل الوحيد في استعادة مسار التحول الديمقراطي الحقيقي مرهونًا بعودة القوى الشبابية التي فجّرت الثورة واستُبعدت من الحكم. وحدها تلك القوى غير المنخرطة في الفساد أو الدماء تملك الشرعية الأخلاقية لإعادة بناء السودان على أسس العدالة والمواطنة والمحاسبة. فبدونها، سيبقى البلد عالقًا في دوامة حرب يتغذى عليها من يراهنون على الإفلات من العقاب.

الكونغرس الأمريكي على أعتاب تصنيف الإخوان «إرهابيين عالميين»: عشرات الدول بينها السودان في مرمى النار

في تطور تشريعي لافت يحمل تداعيات إقليمية واسعة، صادقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي على مشروع قانون يُلزم الإدارة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في عدد كبير من الدول كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، في انسجام غير مسبوق مع مواقف دول عربية محورية مثل مصر والسعودية والإمارات والأردن. ويأتي هذا التحرك في لحظة سياسية حساسة تعيد فيها واشنطن تقييم مقاربتها لجماعات الإسلام السياسي، بعد سنوات من الجدل حول دور الإخوان وشبكاتهم العابرة للحدود وتأثيرها على الاستقرار في الشرق الأوسط والعواصم الغربية على حد سواء.
المقترح الذي قدّمه النائبان ماريو دياز–بالارت (جمهوري عن فلوريدا) وجاريد موسكوفيتز (ديمقراطي عن فلوريدا) حظي بتأييد كامل من الأعضاء الجمهوريين، إضافة إلى دعم ما يقرب من نصف الديمقراطيين في اللجنة، في مشهد نادر من التوافق بين الحزبين في قضية تتعلق بالأمن القومي. ولو تم إقراره، فإن «قانون تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً لعام 2025» سيلزم الإدارة بإضافة جماعة الإخوان وأي من فروعها أو الكيانات التابعة لها الناشطة في عشرات الدول – ومن بينها السودان ومصر واليمن وتونس والمغرب والأردن وقطر وتركيا ولبنان – إلى قائمة المنظمات الإرهابية التي تعتمدها وزارة الخارجية الأميركية.

وينتقل مشروع القانون الآن إلى الجلسة الكاملة لمجلس النواب لمناقشته، في حين ينتظر مشروع موازٍ يقوده السيناتور تيد كروز (جمهوري عن تكساس) أن يُقدَّم رسمياً في مجلس الشيوخ.

انقسام في الكونغرس حول الأمن القومي وحقوق المواطنين

في حين أشاد المؤيدون بمشروع القانون باعتباره اعترافًا متأخرًا بدور جماعة الإخوان في تأجيج التطرف عبر العالم الإسلامي، حذر المنتقدون من أن نطاق القانون الواسع قد يؤدي إلى الخلط بين النشاط الديني السلمي والإرهاب. حذر العضو البارز في اللجنة، غريغوري ميكس (ديمقراطي من نيويورك)، من أن التشريع قد يستهدف المجتمعات المسلمة بشكل غير عادل ويضر بالعلاقات الأميركية مع دول مثل قطر وتركيا، التي لها علاقات مع منظمات مرتبطة بالإخوان.
وقال ميكس: «أنا قلق جدًا بشأن الآثار الداخلية لهذا القانون، فالأحكام الشاملة المتعلقة بالتأشيرات والتصنيفات قد تفضي إلى حظر غير مباشر على المسلمين، مما يعرض ملايين الأشخاص لتدقيق تعسفي.»
غير أن المشارك في تقديم المشروع، النائب جاريد موسكوفيتز، رفض هذه المخاوف، مؤكدًا أن «حلفاءنا في المنطقة—السعودية، الأردن، مصر، والإمارات حظروا جميعهم جماعة الإخوان. هم يعرفون حقًا ما تمثله الجماعة. لقد حان الوقت لتلحق الولايات المتحدة بذلك

نقطة تحول في السياسة الأمريكية المضادة للإسلاموية

يأتي الدفع التشريعي هذا في أعقاب أمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترامب، يوجه فيه وزارة الخارجية ووزارة الخزانة لتقييم فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان لإمكانية تصنيفها. ويُعد هذا التحرك، حسب مصادر مطلعة، أحد أبرز إعادات الترتيب في مجال الأمن القومي خلال الولاية الثانية لترامب.

وبرزت جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928، كحركة عالمية تدعو إلى الوحدة الإسلامية الشاملة والإسلام السياسي تحت شعار الإصلاح المجتمعي. وبمرور الزمن، بنت الجماعة شبكة واسعة من الفروع والكيانات التابعة بعضها، مثل حركة حماس، وجماعات سرية متهمة بالمشاركة مباشرة في أعمال إرهابية.

ولعقود، عاملت الإدارات الأمريكية الإخوان كـ«بديل غير عنيف» عن الجماعات الجهادية مثل القاعدة أو داعش. غير أن المسؤولين والمحللين يرون الآن أن النهج البراغماتي للإخوان – الذي يعتمد على المشاركة السياسية وشبكات الطلاب والمنظمات المدنية للتأثير في المؤسسات – يمثل شكلاً أكثر خفاءً من التطرف يقوض المعايير الديمقراطية من الداخل.

التداعيات الداخلية في امريكا والدولية

إذا تم التصديق النهائي على التصنيف، فسيؤدي إلى فرض عقوبات قانونية ومالية شاملة، تشمل تجميد الأصول وحظر التأشيرات، وتدقيقاً أكبر للمنظمات أو الأفراد المشتبه في صلاتهم بكيانات تابعة لجماعة الإخوان. ويرى المحللون أن هذا الإجراء قد يعيد تشكيل استراتيجيات الولايات المتحدة في التعامل مع الدول ذات الأغلبية المسلمة، مما قد يضغط على العلاقات مع قطر وتركيا، أبرز داعمتي الجماعة.

غير أن المؤيدين يصرون على ضرورة إعادة التوازن. وقال أحد موظفي الكونغرس: «هذا ليس استهدافاً للدين، بل مواجهة لحركة أيديولوجية تستغل المساحة الديمقراطية لتحقيق أجندة غير ديمقراطية.»

كما واصلت اللجنة التقدم بتشريعات مصاحبة تتناول معاداة السامية في أوروبا، وعقوبات على علماء دين إيرانيين أصدروا دعوات للعنف ضد الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأكد المشرعون أن هذه الإجراءات جزء من استراتيجية أوسع لتنسيق الردود الأمريكية على التطرف العابر للحدود والتطرف الأيديولوجي المتزايد.

الزخم العالمي ونهاية التردد الاستراتيجي

تنضم الولايات المتحدة الآن إلى مجموعة متزايدة من الدول التي تعيد تقييم موقفها تجاه جماعة الإخوان. فقد صُنفت دول مثل النمسا والإمارات العربية المتحدة جماعة الإخوان ككيان إرهابي بعد تحقيقات كشفت عن محاولات للتسلل إلى المؤسسات التعليمية والخيرية والسياسية. ولم تعد الحكومات الأوروبية، التي كانت مترددة في البداية خوفًا من وصم المجتمعات المسلمة، تتجاهل النزعات السلطوية والمعادية للتعددية داخل الجماعة.

ويشير الخبراء إلى أن قرار واشنطن قد يحفز تحركات مماثلة بين حلفاء الولايات المتحدة. وقال أحد المحللين الأمنيين الأوروبيين: «إذا قامت الولايات المتحدة بتصنيف الإخوان، فلن يخلق ذلك سوابق قانونية فحسب، بل سيمنح أيضًا تفويضًا أخلاقيًا للديمقراطيات الأخرى لمواجهة التطرف الأيديولوجي الذي يستغل انفتاحها.»

وقد نفى قياديو الجماعة، الذين يتخذون من تركيا مقرًا لهم، وجود روابط تنظيمية مباشرة بين فروعهم الدولية، مؤكدين أن الفروع المحلية تعمل بشكل مستقل وفقًا لقوانين البلدان التي تتواجد فيها. مع ذلك، واصلت منصات الجماعة على الإنترنت تمجيد شخصيات تنتمي لجماعات ارهابية في المنطقة وعالميا، واصفة في كثير من الاحيان تطرفهم بأنها «بطولية» و«ملهمة» وهي لغة يرى المحللون أنها تقوض ادعاءاتهم بعدم العنف.

وسواء نجحت المبادرة في الكونغرس أو توقفت في مجلس الشيوخ، فإن الجدل يشير إلى تحوّل جوهري. بعد عقود من عدم اليقين والحذر الدبلوماسي، يبدو أن واشنطن مستعدة لمواجهة الإسلام السياسي كتهديد أمني عالمي وهو تهديد لم يعد يختبئ وراء الفاصل الدلالي بين «المعتدل» و«المسلح.»

مع اختتام عصر التردد الاستراتيجي، قد تكون الولايات المتحدة على وشك إعادة تشكيل نهجها الكامل تجاه الحركات الإسلامية مختبرة ما إذا كانت الديمقراطيات الغربية قادرة على الدفاع عن مبادئها دون المساومة على تعدديتها.

عرض قاعدة روسية على البحر الأحمر: يهدد بعزلة أعمق للخرطوم وتوتر أخطر مع واشنطن وأوروبا وخطر انفجار إقليمي

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن عرض سوداني لموسكو، قُدم في أكتوبر الماضي، يقضي بالسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر تطل على أحد أكثر الممرات الملاحية حيوية في العالم، في خطوة من شأنها، إذا تم تنفيذها، أن تعيد رسم خرائط النفوذ العسكري في المنطقة.

وبحسب التقرير، يتضمن العرض منح الكرملين حزمة واسعة من الامتيازات في قطاع التعدين، إلى جانب تزويد الخرطوم بأنظمة دفاع جوي متطورة، في إطار مقايضة تعكس سعي الحكومة العسكرية في السودان لتعميق شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، في لحظة يتصاعد فيها التنافس الدولي على التحكم في بوابة التجارة بين أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وسط مخاوف داخلية وخارجية من أن يدفع هذا التوجّه علاقات الخرطوم مع واشنطن والعواصم الأوروبية نحو مزيد من التوتر.

ورفضت الحكومة السودانية التعليق رسميًا على صحة هذه المعلومات، بينما يرى مراقبون أن الخطوة تعكس محاولة الخرطوم الموازنة بين الضغوط الغربية والعلاقات المتنامية مع موسكو
وتكشف المعطيات المنشورة عن العرض السوداني لإنشاء قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر عن تحول يتجاوز كونه ترتيبات ثنائية بين الخرطوم وموسكو،
ليعكس إعادة تموضع استراتيجي في قلب سباق دولي على الممرات البحرية وخريطة النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. في هذا السياق، يبدو السودان، الغارق في حرب داخلية مستمرة، وكأنه يحاول توظيف موقعه الجيوسياسي وموارده الطبيعية كورقة تفاوض كبرى مع القوى العالمية، في ظل تنافس أميركي روسي تتداخل فيه أيضًا الحسابات الصينية والأوروبية على التحكم في بوابة تربط بين المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس.​

مضمون العرض وحدوده

تفيد التقارير بأن المقترح الذي قُدّم لموسكو في أكتوبر يمتد لـ25 عامًا، ويمنح روسيا حق نشر ما يصل إلى 300 جندي وإرساء أربع سفن حربية، بينها سفن تعمل بالدفع النووي، في بورتسودان أو منشأة أخرى غير مسماة على البحر الأحمر. في المقابل، يحصل الكرملين على أفضلية في عقود التعدين السودانية، ولا سيما الذهب، إلى جانب تزويد الجيش السوداني بأنظمة دفاع جوي متطورة وأسلحة بأسعار تفضيلية. هذه الصيغة تجعل القاعدة أكثر من مجرد موطئ قدم عسكري، إذ تربط بين الحضور البحري الروسي وبين بنية النفوذ الاقتصادي في قطاع استراتيجي يشكل أحد أعمدة التمويل لحكومة الحرب في الخرطوم.​

الأبعاد الجيوسياسية في البحر الأحمر

يمثل البحر الأحمر اليوم إحدى أكثر الساحات ازدحامًا بالمشاريع العسكرية والتجارية المتنافسة، من القاعدة الصينية في جيبوتي والقواعد الأميركية في القرن الأفريقي، وصولاً إلى محاولات موسكو المستمرة منذ سنوات للحصول على منفذ دائم في بورتسودان. امتلاك قاعدة على هذا الشريط الساحلي يمنح روسيا قدرة أكبر على مراقبة الملاحة من وإلى قناة السويس، التي يمر عبرها نحو 12٪ من التجارة العالمية، ويتيح لها إعادة تموين وإصلاح سفنها في “مرفأ دافئ” طالما افتقرت إليه استراتيجيتها البحرية. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أي حضور عسكري روسي دائم في السودان أو ليبيا بوصفه خطوة تسمح لموسكو بتوسيع عملياتها و”العمل دون عقاب”، وفق توصيف مسؤولين وخبراء غربيين.​

حسابات السلطة في الخرطوم

من زاوية الداخل السوداني، يعكس العرض محاولة من الحكومة العسكرية لتوظيف الورقة الروسية لتعويض عزلتها المتزايدة عن الغرب والحصول على مصادر تسليح في ظل حرب تستنزف قدرات الجيش أمام قوات الدعم السريع. غير أن هذا الرهان محفوف بكلفة دبلوماسية محتملة، إذ حذر مسؤولون سودانيون من أن الصفقة قد تفتح جبهة توتر جديدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتعمّق صورة الخرطوم كحليف لمعسكر مناوئ للغرب في لحظة استقطاب عالمي حاد. كما تثير فكرة رهن مرفق بحري حيوي وعقود تعدين طويلة الأجل تساؤلات داخلية حول ثمن السيادة الاقتصادية والسياسية في بلد يعيش أصلًا تفككًا لمراكز القوة ومناطق النفوذ.​

انعكاسات محتملة على توازنات الإقليم

في حال مضت الصفقة قدمًا، فإنها لن تعيد تشكيل توازن القوى على ساحل البحر الأحمر فحسب، بل قد تعمّق أيضًا تداخل النزاعات المحلية مع أجندات خارجية، بما يحوّل السودان إلى ساحة تنافس مفتوح بين عواصم كبرى. فوجود قاعدة روسية دائمة بجوار ممرات تستخدمها البحرية الأميركية وحلفاؤها، ومع تقدم الصين في بناء الموانئ الأفريقية، يعزز سردية “عسكرة الممرات البحرية” ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى فضاء اشتباك بارد تتقاطع فيه خطوط التجارة مع خطوط الصراع. في هذا المشهد، تبدو خطوة الخرطوم أقرب إلى مقامرة استراتيجية: إما أن توفر مظلة حماية وتسليح تعزز موقع السلطة القائمة، أو أن تتحول إلى عبء يعمّق عزلتها ويزج بالبلاد أكثر في قلب صراعات لا تملك التحكم في مساراتها ولا في نتائجها.​

تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً: قرار ترامب الذي سيربك الإسلام السياسي في السودان والعالم العربي

اليراع– يُنظر إلى طلب الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية بوصفه تطوراً نوعياً في مقاربة واشنطن لقضايا الإسلام السياسي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على التوازنات الإقليمية، ولا سيما في دول مثل السودان التي شكّل فيها نفوذ الجماعة عاملاً حاسماً في مسار الدولة والصراع فيها. يستند هذا التوجّه إلى اعتبارات أمنية وسياسية متشابكة، تتجاوز البعد القانوني البحت إلى إعادة صياغة موازين القوى بين التيارات الإسلامية والأنظمة الحاكمة والقوى المدنية على حد سواء.​​

خلفية القرار الأمريكي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّه يستعد لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، مؤكداً أنّ الخطوة ستتم “بأقوى العبارات” وأنّ الوثائق النهائية للتصنيف قيد الإعداد في الدوائر المختصة. يأتي هذا الإعلان في سياق نقاش ممتد داخل المؤسسات الأمريكية منذ ولايته الأولى، حيث سبق أن طُرحت المبادرة عام 2019 دون أن تستكمل إجراءاتها القانونية آنذاك. يعكس القرار، بصيغته الجديدة، اتجاهاً أكثر تشدداً مدفوعاً بضغوط من تيارات محافظة في الكونغرس تعتبر الجماعة مصدر تهديد متصاعداً لاستقرار الشرق الأوسط والأمن القومي الأمريكي.​​

الأبعاد القانونية والسياسية للتصنيف

يعني إدراج الإخوان في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من الناحية العملية فرض قيود صارمة على التمويل والنشاط، من بينها تجريم تقديم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعة أو الكيانات المرتبطة بها، وتوسيع صلاحيات الملاحقة القضائية للأفراد والمؤسسات المتعاملة معها. كما يترتب على التصنيف حظر دخول كوادر الجماعة إلى الولايات المتحدة وتجميد الأصول المحتملة الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية، فضلاً عن تأثيره غير المباشر في تعامل المصارف الدولية والمؤسسات المالية مع أي واجهات يُشتبه في ارتباطها بها. سياسياً، يوجّه القرار رسالة واضحة لحلفاء واشنطن بأنّ الانخراط مع الجماعة لم يعد خياراً محايداً، بل مساراً قد يعرّض حكومات أو فاعلين غير حكوميين لمخاطر قانونية وعقوبات ثانوية.​

الإخوان المسلمون في السودان: مسار تاريخي مثقل بالأزمات

تعود جذور حضور جماعة الإخوان المسلمين في السودان إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث تمكّنت تدريجياً من التغلغل في الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، مستفيدة من ضعف البنى الحزبية التقليدية وتداخل الخطاب الديني مع المجال العام. لعب تحالفها مع نظام الرئيس جعفر النميري بعد “المصالحة الوطنية” عام 1978 دوراً محورياً في تمكينها اقتصادياً وسياسياً، وصولاً إلى الدفع باتجاه تبنّي قوانين الشريعة الإسلامية عام 1983، وهي خطوة أسهمت في إعادة إشعال الحرب بين الشمال والجنوب حتى توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005.

عقب سقوط نظام النميري، عادت الجماعة إلى الواجهة تحت مظلة “الجبهة الإسلامية” للمشاركة في المرحلة الديمقراطية التي أعقبت انتفاضة 1985، قبل أن تدعم انقلاب عمر البشير العسكري عام 1989، ما أتاح لها الإمساك بمفاصل السلطة لمدة ثلاثة عقود. شهدت تلك الحقبة توسعاً في نفوذ الأجهزة الأمنية، واندلاع حروب أهلية في أكثر من إقليم، واتساع رقعة الفساد، إلى جانب استخدام خطاب ديني لتبرير الإقصاء والانتهاكات بحق معارضي النظام ومكوّنات اجتماعية ودينية متعدّدة.

ما بعد البشير: عودة النفوذ عبر الدولة العميقة

مع الإطاحة بنظام عمر البشير في ثورة شعبية واسعة عام 2019، برزت مطالب صريحة في الشارع السوداني وفي أوساط القوى المدنية تدعو إلى حظر الجماعة ومساءلة رموزها عن الانتهاكات التي وقعت خلال فترة حكمها. ورغم اتخاذ إجراءات شكلية ضد بعض واجهاتها التنظيمية، فإنّ الشبكات المرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، ظلّت فاعلة ومؤثرة. تتهم قوى سياسية وديمقراطية سودانية الجماعة بلعب دور محوري في دعم انقلاب قائد الجيش على السلطة الانتقالية المدنية، وبتوظيف نفوذها داخل المؤسسة العسكرية لتعطيل مسار التحول الديمقراطي.

تذهب قراءات عديدة إلى أنّ استمرار الحرب في السودان يرتبط جزئياً برهانات من قِبل دوائر مرتبطة بالإخوان على أن بيئة الفوضى تتيح لها استعادة نفوذها أو على الأقل منع تشكّل نظام مدني ديمقراطي يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة. وفي مواجهة مبادرات سلام، وطنية ودولية، دعت إلى تحييد الجماعة عن أي تسوية مقبلة، لوحظ تمسّكها بخطاب يرفض الإقصاء من المجال السياسي، مع مؤشرات على استعداد بعض أجنحتها للجوء إلى العمل المسلح أو استثمار تحالفات مع جماعات عابرة للحدود إذا جرى إغلاق الأبواب أمام عودتها المباشرة إلى السلطة.

تأثير التصنيف الأمريكي على المشهد السوداني

يُرجَّح أن يؤثر أي تصنيف أمريكي رسمي للجماعة كمنظمة إرهابية على بيئة عملها في السودان، سواء على مستوى التمويل الخارجي أو حركة الكوادر والواجهات المدنية المرتبطة بها. قد يدفع ذلك السلطات أو الفاعلين الإقليميين إلى تشديد الرقابة على شبكاتها المالية والخيرية، خصوصاً في ظل حساسية السودان تجاه الضغوط الغربية بعد تجربة العقوبات الطويلة السابقة. كما يمكن أن يُستخدم القرار كأداة تفاوض دولية للضغط على الأطراف السودانية التي يُشتبه في تحالفها مع الجماعة أو تغطيتها لنشاطها السياسي.

في المقابل، يحمل هذا المسار مخاطر موازية؛ إذ إنّ تضييق الهامش السياسي أمام الجماعة من دون توفير مسارات دمج قانونية وشفافة للفاعلين الإسلاميين غير المتورطين في العنف قد يدفع بعض الأجنحة نحو مزيد من الراديكالية. بالنسبة للسودان، الذي يقف على حافة انهيار شامل لمؤسسات الدولة، فإنّ أي انتقال لتنظيمات ذات مرجعية أيديولوجية من العمل العلني إلى العمل السري المسلح سيعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ويُطيل أمد الحرب.

السياق الإقليمي والدولي الأوسع

تأتي الخطوة الأمريكية في وقت أدرجت فيه دول عربية وإقليمية عدّة جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب لديها، بينما اتجهت دول أخرى إلى تقييد أنشطتها القانونية والعلنية مع الإبقاء على هامش محدود للحركة في المجال العام. في المقابل، تستضيف دول أوروبية وآسيوية شخصيات وقيادات مؤثرة من الجماعة، بعضها يمارس نشاطاً إعلامياً وسياسياً كثيفاً، ما يخلق تباينات واضحة بين المقاربات الغربية والعربية لملفّ الإخوان.​

من شأن تصنيف واشنطن للجماعة أن يعمّق الاستقطاب حولها؛ فدول ترى في القرار فرصة لمحاصرة نفوذها داخلياً وخارجياً، وأخرى تخشى من أن يؤدّي ذلك إلى دفع فروع محلية أكثر براغماتية نحو التماهي مع تيارات عنيفة. كما يثير القرار نقاشاً أوسع في مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار الغربية حول حدود التمييز بين الحركات الإسلامية التي تشارك في العملية السياسية وتلك التي تنخرط في العنف، وحول جدوى المعالجات الأمنية الصِرفة في مواجهة تحديات مركّبة يتداخل فيها الاجتماعي والديني والسياسي.

يبدو التوجّه الأمريكي لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية أشبه بإعادة رسم لخريطة العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي بعد عقود من سياسات مترددة ومتباينة. بالنسبة للسودان، يحمل القرار بعدين متعارضين: إمكانية دعم قوى الانتقال الديمقراطي التي تطالب بتحجيم نفوذ الجماعة، وفي الوقت نفسه خطر دفعها أو دفع بعض أجنحتها إلى مواقع أكثر تطرفاً في واقع هشّ أصلاً. نجاح أو فشل هذا المسار سيتوقف على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على موازنة مقتضيات المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، مع ضرورة بناء عملية سياسية شاملة لا تترك فراغاً تملؤه جماعات متطرفة أكثر عنفاً وتنظيماً.

رأي اليراع في نفي الامارات مرة اخرى التورط في النزاع السوداني رغم الاتهامات الدولية والمحلية المتزايدة

على الرغم من الأدلة المحلية والدولية التي تشير إلى تورط دولة الإمارات في النزاع الدموي الدائر في السودان، تواصل الإمارات إنكار أي دور لها في الصراع، مكافئة تلك الاتهامات بصفحات من الإنكار والتبرير. صحيفة أخبار الخليج الرسمية الصادرة أمس، أكدت نفي الإمارات لدورها في النزاع واتهامات تمويل ودعم مليشيات الجنجويد، المعروفة باسم قوات الدعم السريع، التي اتُهمت بارتكاب جرائم دموية واسعة.

في ذات الصدد، أعلنت الصحيفة أن الإمارات تبرعت بمبلغ 3.9 مليار دولار لدعم الجهود الإنسانية في السودان، مؤكدة أن هذه التبرعات تعكس حرصها على بناء علاقات تعاون وثقة مع السودان وشعبه. وشدّدت الصحيفة على أن التقارير السودانية والدولية التي تتهم الإمارات بالضلوع في الصراع هي «أكاذيب هدفها تشويه صورة وسمعة الإمارات»، مستشهدة بقرار محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعه السودان عليها، رغم أن المحكمة رفضت الحكم لصالح السودان لأسباب قانونية وإجرائية وليس على خلفية صحة أو بطلان الاتهامات.

واستعرضت الصحيفة تواريخ وحجم التبرعات الإنسانية التي قدمتها الإمارات للسودان خلال السنوات الماضية، مسلطة الضوء على دورها في تقديم الدعم المادي والإنساني، معتبرة أن ذلك ينفي أي تهمة بالتورط في أعمال العنف أو تمويل الميليشيات.

إنكار الإمارات بين الدعاية والحقيقة: هل يكفي المال لتبرئة الذمة؟

في مقابل التصريحات الإماراتية المتكررة بإنكار أي تورط في النزاع، يتساءل مراقبون وخبراء سياسيون حول ما إذا كان هذا الإنكار كافياً في ظل ظهور المزيد من الأدلة، في وقت تواجه الدولة ثغرات متزايدة في تعاطيها مع الأزمة السودانية. يرى محللو اليراع أن سياسة التبرؤ المستميتة من أي علاقة بالنزاع تمثل في الواقع «غطاء دعائي» يحاول تقليل الردود الدولية المنددة وكشف الجرائم التي باتت مرتبطة بالميليشيات المدعومة سراً إماراتياً.

المحللون يشيرون إلى أن الإمارات، التي تعد من أغنى دول العالم وقدمت تبرعات ضخمة، من غير المرجح أن يدفع المال وحده لتعويض الأضرار البشرية والاجتماعية والبنية التحتية المدمرة، التي نتجت عن الدعم المزعوم لمليشيات قامت بما وصفته منظمات حقوق الإنسان بـ«فظائع بشعة» شملت قتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتهجير الملايين، فضلاً عن نهب ثروات السودان على مدى عقود.

البعد القانوني الدولي:  اراء الخبراء

وكان قد ذكر أستاذ قانون دولي وعضو في منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان، إن «القانون الدولي يفرض على الدول الالتزام بعدم التدخل في النزاعات الداخلية للدول الأخرى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدعم فصائل مسلحة ترتكب انتهاكات جسيمة. إذا ثبت تورط الإمارات في دعم هذه المليشيات، فإنها قد تواجه مساءلة قانونية دولية وجزاءات متعددة، بما في ذلك مقاضاة قادتها في محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية».

مضيفا : «القرار الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في القضية المقامة من السودان ضد الإمارات لا يلغي وجود أدلة أخرى كثيرة على تورطها، إذ رفض الحكم لأسباب إجرائية، وليس لبراءة المدعى عليها. لذا من الضروري استكمال التحقيقات ذات الشفافية لتحديد المسؤوليات».

من جهتها، قالت ناشطة حقوقية سودانية، إن «التجاهل الإماراتي للاتهامات والإصرار على التبرؤ منهما يشكل تحديًا للعدالة ويطيل أمد المعاناة الإنسانية في السودان. لا تستطيع الأموال وحدها أن تغسل دماء آلاف القتلى أو أن تعيد للمشردين بيوتهم المهدمة».

الصدمة الإنسانية: نزوح ودمار واسع

في الميدان، القتال المستمر تسبب في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتهجير ملايين آخرين من منازلهم. تنقلت أعداد ضخمة من النازحين داخلياً وخارج البلاد، فيما تتسع دائرة المعاناة بسبب تفكك الخدمات الأساسية ودمار البنية التحتية.

تقارير عدة من منظمات إغاثة دولية وأممية توضح أن المدنيين يعيشون في ظروف مروعة تفتقر إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، مع تزايد أعداد النازحين داخلياً التي تعكس حجم الكارثة الإنسانية.

وجوب المساءلة والبحث عن الحل

يبقى التحدي الأكبر هو جرّ الأطراف المتورطة إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية. وفي ظل استمرار نفي الإمارات، يجب على المجتمع الدولي تصعيد التحقيقات ومطالباته بالشفافية والعدالة، وفتح تحقيقات مستقلة تمنع إفلات المسؤولين من العقاب.

في الوقت نفسه، يحتاج السودان إلى دعم دولي شامل يركز على وقف العنف وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، إلى جانب توفير الحماية للمدنيين وعودة النازحين إلى ديارهم بكرامة.

اليراع : انفضاح أسرار نهب معادن السودان وأبعاد الحرب الدولية الراهنة

لم يعد الذهب مجرد معدن رمزي للقيمة والرفاه، بل تحول في السودان إلى وقود صراعات ضارية وأداة للنهب المنظم، تثور حوله أطماع دول وجماعات إقليمية ودولية، وسط غياب شبه تام للشفافية والمحاسبة. يضم السودان أكثر من أربعين ألف موقع لتعدين الذهب، موزعة على ثلاثة عشر ولاية، تمتد من أقصى الشمال الصحراوي حتى جبال البحر الأحمر وغربي دارفور، ما يجعله أحد أغنى بلدان أفريقيا بهذا المعدن النفيس.

تاريخ طويل من النهب السري والعلني

منذ عهود ما قبل الاستعمار، ظل الذهب السوداني يُنهب سراً وعلناً في دورة متواصلة لم تنقطع. خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، اتخذ النهب طابعاً مؤسسياً عبر شبكات رغم تنظيم قوات خاصة لحماية حدود قوات خاصة كـ”الهجانة”، لكن سرعان ما تلاشى هذا الدور إثر الاستقلال عبر حكومات وطنية لم تفلح في حماية هذه الثروة. وبقي المواطن السوداني غائباً عن الصورة الحقيقية لإنتاج الذهب أو عوائده، رغم دخول شركات دولية في المجال منذ السبعينيات. التعتيم استمر حتى تسعينيات القرن الماضي مع لجوء نظام البشير إلى تعظيم مداخيل الذهب عقب فقدان عوائد النفط بانفصال جنوب السودان سنة 2011.

مع هذه التحولات، بدأت أسرار تجارة الذهب تنكشف تدريجياً إثر ضغوط العقوبات الاقتصادية الدولية، وازدياد أهمية الذهب في ميزانية الدولة التي فقدت أكثر من ثلاثة أرباع عائداتها النفطية وأكثر من 80% من مصادر النقد الأجنبي.

طرق التهريب العابرة للحدود وشبكات الجريمة المنظمة

سوق للذهب على الحدود بين السودان ومصر

يرتبط تهريب الذهب السوداني تاريخياً بمصر وليبيا، عبر طرق القوافل الصحراوية منذ العهود الفرعونية، متوغلة في إقليم كردفان ودارفور وشرق السودان. لم تشهد الحكومات السودانية المتعاقبة أي نجاحات في وقف النزيف، باستثناء محاولات بريطانية قصيرة الأجل. وظل عشرات الآلاف يشاركون في هذه التجارة، لتتحول إلى شبكة إجرامية عابرة للدول، تشمل قبائل مؤثرة وشركات تعدين عابرة للحدود.

في مصر، تحتضن مناطق النوبة والصحراء الشرقية وشركات دولية مثل “سنتمينت” و”شلاتين” عمليات تعدين الذهب وصناعته. هذه الشركات، وبعضها يرتبط بملاذات ضريبية، تواصل نشاطها في مناطق متاخمة للحدود. وتوسع مناطق التعدين السوداني منذ اندلاع الحرب الأخيرة في 2023 قرب الحدود المصرية، مستفيداً من الإمدادات اللوجستية، في ظل تسهيلات تُتهم السلطات المصرية بالتغاضي عنها بحكم حاجة الدولة لدعم احتياطي الجنيه المتراجع.

الإمارات: مركز عالمي لغسل الذهب السوداني

منذ سبعينيات القرن الماضي، برزت الإمارات وجهة رئيسة للذهب السوداني المهرب، متلقية كميات من المعدن عبر الموانئ البحرية والجوية، وتعيد تصديره إلى مصافي سويسرا وأوروبا. سُمي هذا النهب التجاري “التجارة الخفية”، وتم اكتشاف حجمه الحقيقي فقط مؤخراً بعد انكشاف العلاقة بين الإمارات وأعيان القبائل الصحراوية المسيطرة على مواقع التعدين.

مع انهيار الاقتصاد السوداني عقب فقدان النفط، تزايدت أهمية مواقع جديدة مثل جبل عامر، التي تحولت إلى مسرح صراع مسلح بين الدولة والمليشيات القبيلة، وتمكنت قوات “الجنجويد” بقيادة موسى هلال، ثم “الدعم السريع” بقيادة حميدتي، من السيطرة على المنطقة عبر اتفاقات مشبوهة مع شركات مثل “الجنيد” وارتباطات سرية مع الإمارات.

تبيع هذه الشركات الذهب خارج القنوات الرسمية، أحيانًا للبنك المركزي وأحيانًا لشبكات غير قانونية، مما مكّن الدعم السريع من بناء قوتها السياسية والعسكرية بعيداً عن رقابة السلطة المركزية، خاصةً بعد تعاون الدعم السريع مع شركات روسية مثل “مروي غولد” ومجموعة “فاغنر” لتوسيع نفوذها في دارفور.

الذهب: وقود النزاعات والتمويل الخارجي

انفوغراف الاناضول

سلطت تقارير الأمم المتحدة الضوء على تمويل الدعم السريع من تجارة الذهب المهرب عبر الإمارات، واستخدام جزء من هذا التمويل في الحرب الأهلية والمواجهات المسلحة ضد الجيش السوداني. أرسى الذهب أساس العلاقة المالية والاستراتيجية بين الدعم السريع وفاغنر الروسية، ما جعل الذهب السوداني مورداً لتمويل حرب روسيا في أوكرانيا، وسبيلًا لتحقيق استقلال مالي وسياسي حميدتي عبر شركات مسجلة في الإمارات.

ارتبطت تدفقات الذهب أيضاً بتجهيز الدعم السريع بالأسلحة عبر ليبيا وخليفة حفتر، ضمن شبكة من العلاقات الدولية والإقليمية تساهم في تمديد أمد الصراع المحلي، ودفع فاتورة الدم المدني، إذ تشير الأمم المتحدة إلى سقوط عشرات الآلاف من المدنيين في العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور في ظل عمليات دعم وتسليح كثيفة.

الإمارات: مركز لغسيل ذهب أفريقيا

بحسب منظمة “سويس إيد”، استوردت الإمارات في عام 2022 حوالي 39 طناً من الذهب السوداني بقيمة تفوق ملياري دولار، واستمرت الضغوط الدولية للحد من غسيل الذهب غير المشروع. إلا أن ثغرات النظام المالي في الإمارات تسمح بتحويل الذهب المهرب إلى شرعي، مما يعزز موقع الدولة كأكبر مركز عالمي لغسيل ذهب أفريقيا سنويًا.

الواقع الراهن: الاحتياطي والإنتاج والاستثمارات الأجنبية

يحتل السودان اليوم المرتبة الثالثة أفريقياً في إنتاج الذهب، بإنتاج سنوي يناهز 93 طنا حسب بيانات رسمية لعام 2018، واحتياطي يصل إلى نحو 1550 طنا. منحت الحكومة السودانية أكثر من 85 رخصة لشركات محلية ودولية للتنقيب والإنتاج، في مسعى لتعزيز موارد النقد الأجنبي، ورغم ذلك بقي الرقم الحقيقي للإنتاج محفوفاً بالغموض، مع استمرار جزء كبير منه في التسرب عبر قنوات التهريب.

تتفاوت التقديرات حول الكميات المؤكدة والمحتملة، إذ تشير مصادر رسمية إلى نحو 14 مليون طن بمعدل تركيز يبلغ 2.4 غرام ذهب لكل طن، لكن غموض الرقابة وضعف الدولة يستمر في تغذية دورة النهب السري والعلني، ما يجعل من معادن السودان وقوداً لصراعات إقليمية ودولية تفوق طاقته على الاحتمال والاستمرار.

تكشف خريطة نهب الذهب والمعادن في السودان عن مأساة مركبة تتجاوز فقدان الثروات إلى انهيار القيم الوطنية وتفكك البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. إن الحرب التي اندلعت عام 2023 لم تكن مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل تجسيد لتراكمات طويلة من سوء الإدارة واستغلال الموارد لصالح قلةٍ على حساب الملايين. فالمناجم التي تدر الذهب تحولت إلى مقابر للفقراء، والمناطق الغنية التي يفترض أن تكون مصدراً للتنمية أصبحت ساحة جوع ودمار وتهجير.

على الصعيد الإنساني، أدى استغلال الذهب وتمويل الحرب به إلى تفاقم واحدة من أسوأ الكوارث في أفريقيا المعاصرة. ملايين السودانيين نزحوا من مناطق التعدين ومن المدن التي مزقتها المعارك، وانعدمت الخدمات في الأقاليم الطرفية التي ترقد فوق الثروات. تدهورت أوضاع التعليم والصحة والتغذية، وتحوّل الأطفال والنساء إلى أكثر الفئات تضرراً. أما في دارفور والخرطوم، فالمجازر التي ارتكبت بدافع السيطرة على الموارد تركت جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي يصعب التئامها دون عدالة حقيقية ومحاسبة للمسؤولين عنها.

سياسياً واقتصادياً، يحتاج السودان إلى إعادة صياغة رؤية شاملة لإدارة موارده على أسس الشفافية والمساءلة. تبدأ هذه الرؤية بتفكيك شبكات التهريب والاحتكار المسلح، وإعادة الرقابة على قطاع المعادن للدولة تحت إشراف مؤسسات منتخبة ومستقلة. كما يتعين على الحكومة الانتقالية المقبلة، بدعم من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، تبني نظام صارم لتتبع الإنتاج عبر التكنولوجيا الحديثة، وإلزام الشركات المحلية والأجنبية بكشف بياناتها المالية والإنتاجية علناً.

ومن الإصلاحات الضرورية تشجيع التعدين المنظم ضمن سياسات بيئية واجتماعية تحمي المجتمعات المحلية وتعوضها عن الأضرار، وتخصيص نسبة واضحة من عائدات المعادن للتنمية الريفية والخدمات العامة. كما يجب إصدار قانون جديد للثروات الطبيعية يمنع أي طرف عسكري أو أمني من امتلاك أو إدارة مناجم.

إن إصلاح قطاع المعادن هو شرط لاستقرار السودان السياسي ورخائه الاقتصادي. فلا سلام دائم دون عدالة في توزيع الثروة، ولا سيادة حقيقية ما دام الذهب يهرب عبر الحدود ويغذي حروباً بالوكالة. إن إعادة الثروات إلى أهلها هي المدخل الوحيد لإنقاذ السودانيين من دوامة الحرب والفقر، وبناء دولة قادرة على تحويل كنوزها من لعنة إلى نعمة
في خضم هذه الفوضى، يبقى الأمل قائماً في أن تُبعث من بين ركام الحرب دولة جديدة تعي قيمة ترابها وثرواتها. فالسودان الذي أنهكته الأطماع يمكن أن يسترد عافيته إذا اختار طريق الإصلاح والشفافية. حين تتحول مناجم الذهب من أدوات تمويل للصراع إلى ركيزة للتنمية، وحين تُستبدل أسواق التهريب بمراكز إنتاج وطنية مراقبة، سيتغير وجه البلاد. إن العدالة في توزيع الموارد وسيادة القانون هما المفتاح الحقيقي للخلاص، ليصبح السودان نموذجاً لأفريقيا في تحويل الكنوز الطبيعية إلى طاقة بناء وسلام، لا إلى وقود للحروب والانقسام.

مقال ترويجي لمنصة رقمية من المحرر للمساهمة في حلول قضايا الرعاية الصحية بالسودان

مقدمة عن تطوير الموقع الإلكتروني والتطبيق

في عالم تتسارع فيه الابتكارات التكنولوجية والمبادرات الإنسانية، يسطع نور جديد من الأمل. فقد اطلق محرر (اليراع) منصة رقمية جديدة في غاية مهمة نبيلة تهدف إلى سد الفجوة بين الأفراد الذين يحتاجون إلى خدمات الرعاية الصحية والموارد التي يمكن أن تنقذ حياتهم في اللحظات الحرجة.
 ومن خلال تخطيط دقيق وإصرار لا يتزعزع، تم ابتكار موقع إلكتروني وتطبيق للهاتف المحمول يحدثان نقلة نوعية في طريقة حصول المواطنين على الإمدادات الطبية الحيوية.

هدف المنصة

الهدف الأساسي وراء هذه المنصة المبتكرة هو تسهيل عملية الحصول على المساعدة الطبية العاجلة وربط الأفراد بالصيدليات القريبة بسرعة وكفاءة. تركّز المنصة على السرعة والفعالية، وتسعى إلى إزالة العقبات التي يواجهها المرضى في الوصول إلى الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، خصوصاً في الحالات الحرجة.

المزايا والفوائد

يوفر هذا النظام الرقمي تجربة سهلة وسلسة بفضل واجهته البسيطة وتصميمه العملي. من أبرز ميزاته التواصل الفوري مع الصيادلة، وإمكانية الوصول السريع إلى المختصين في الرعاية الصحية، وقاعدة بيانات شاملة تتضمن المنتجات الطبية الأساسية المتوفرة في الصيدليات المحلية. هذا النهج المتكامل يضمن حصول الأفراد على المساعدة السريعة والمعلومات الدقيقة في الوقت المناسب.
كيفية عمل المنصة

من خلال توظيف التقنيات الحديثة والوظائف التفاعلية، تتيح المنصة الإلكترونية والتطبيق للمستخدمين التفاعل المباشر مع الصيادلة والمتخصصين في الرعاية الصحية. يمكن للمستخدمين طرح استفساراتهم، وتلقي النصائح الطبية من الخبراء، وتحديد موقع أقرب الصيدليات بكل سهولة. هذه العملية المختصرة توفر الوقت الثمين وتحسن التجربة الصحية بشكل عام لجميع سكان السودان.

ربط المجتمعات بالصيدليات والمتخصصين

في جوهر هذه المبادرة يكمن التزام عميق بتعزيز التواصل والتعاون بين جميع الأطراف الفاعلة في القطاع الصحي. من خلال إنشاء شبكة رقمية تربط الأفراد بالصيدليات والمرافق الصحية، تسهم المنصة في تقوية الروابط بين مقدمي الرعاية ومن يحتاجونها. ويشكّل هذا النظام المتكامل شريان حياة للمرضى الذين يسعون إلى المساعدة الفورية والإرشاد المهني.

التواصل المباشر للاحتياجات الطبية

من أبرز مميزات المنصة تركيزها على قنوات الاتصال المباشر، التي تتيح للمستخدمين التواصل مع مختصين معتمدين في المجال الصحي في الوقت الفعلي. سواء كان الأمر يتعلق باستشارة طبية، أو توضيح تعليمات وصفة دوائية، أو البحث عن دواء محدد، يمكن للمستخدمين الاعتماد على المنصة لتيسير تواصل واضح وسريع، مما يضمن ألا يبقى أي استفسار دون إجابة وأي حاجة طبية دون تلبية.

تسجيل الأطباء والصيادلة

لتوسيع نطاق المنصة وتعزيز فعاليتها، يُشجَّع الأطباء والصيادلة على التسجيل والمشاركة النشطة في الإجابة عن استفسارات المرضى العاجلة. ومن خلال الاستفادة من خبراتهم، تتحول المنصة إلى مركز شامل للمعرفة والدعم للأفراد الذين يبحثون عن توجيه صحي موثوق. عملية التسجيل سهلة وسلسة، وتوفر للممارسين فرصة لتوسيع خدماتهم والمساهمة في خدمة المجتمع.

دعوة للمشاركة

في روح المسؤولية الجماعية والالتزام بخدمة المصلحة العامة، تُوجَّه دعوة مفتوحة إلى الصيادلة وأصحاب الصيدليات والمتخصصين في الرعاية الصحية في مختلف أنحاء السودان للانضمام إلى هذه المبادرة التحولية. من خلال مشاركتهم الفاعلة، يسهم هؤلاء في قضية نبيلة ويلعبون دوراً محورياً في تشكيل مستقبل الرعاية الصحية وسهولة الوصول إليها في البلاد. فالتعاون والمشاركة هما الركيزتان الأساسيتان اللتان تجسدان قيم الخدمة المجتمعية والإنسانية.

التعاون مع الجهات الرسمية

إدراكاً لأهمية الإشراف المؤسسي والدعم الرسمي، تسعى المنصة إلى التعاون مع الجهات المختصة مثل وزارة الصحة والإمدادات الطبية. ومن خلال هذا التعاون البنّاء، تهدف المبادرة إلى الالتزام بأعلى معايير تقديم الرعاية الصحية، والامتثال للإرشادات التنظيمية، والاستفادة من توجيهات الجهات الرسمية لتحسين جودة الخدمات. هذا التعاون يعزز مصداقية المنصة ويؤسس لنمو مستدام وتأثير فعّال.

الخدمات المجانية

تقدَّم خدمات الموقع الإلكتروني والتطبيق مجاناً كعمل خيري يعكس روح العطاء والإنسانية لدى مطورها حاتم المدني، الذي يتطلع إلى بناء نظام صحي يمكن للجميع الوصول إليه دون قيود مالية. ومن خلال إزالة الحواجز وتعزيز الشمولية، تشكل المنصة منارة أمل لأولئك الذين يحتاجون إلى دعم طبي عاجل.

دعوة للدعم والمساندة

إن نجاح هذه المبادرة التحولية يعتمد على دعم المجتمع وتعاونه. بصفتك عضواً فاعلاً في المجتمع، فإن مساندتك وترويجك لهذه المنصة يسهمان في توسيع نطاق تأثيرها وإحداث فرق حقيقي في حياة الناس في السودان. شارك الوعي، وادعُ الآخرين لاستخدامها، وكن جزءاً من التغيير الإيجابي نحو تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية وتعزيز رفاه المجتمع.

نداء للعمل

ندعوك لزيارة المنصة عبر الرابط التالي: www.sudanpharmahub.com، لتتعرف بنفسك على خصائصها ووظائفها. إن تفاعلك وملاحظاتك ومشاركتك الفعالة تشكّل مساهمة قيمة في مسيرة هذه المبادرة الإنسانية. فلنعمل معاً لبناء مجتمع أكثر صحة وترابطاً، حيث تكون الخدمات الطبية في متناول كل من يحتاج إليها.

شكر وتقدير من حاتم المدني

في الختام، أقدّم خالص الشكر والتقدير لكل فرد يساند هذه المبادرة ويسهم في إنجاحها. إن التزامكم بتعزيز الوصول إلى الرعاية الصحية ودعم رفاه المجتمع يجسد روح التعاطف والتكافل التي تعرّف إنسانيتنا المشتركة. بكل الامتنان والتقدير، أشكركم على كونكم مصدر إلهام وأداة تغيير في مشهد الرعاية الصحية في السودان.

الأسئلة المتكررة (FAQs)

هل المنصة متاحة للأفراد في جميع مناطق السودان؟

نعم، صُمّمت المنصة لتشمل جميع المناطق، ما يضمن وصول الخدمات الصحية بشكل متكافئ.

كيف يمكن للأطباء والصيادلة التسجيل في المنصة؟

يمكنهم التسجيل بسهولة عبر اتباع إجراءات التسجيل الموضحة في الموقع.

ما اللغات المتوفرة على الموقع والتطبيق؟

تدعم المنصة عدة لغات لتلبية احتياجات المستخدمين، منها العربية والإنجليزية.

هل الخدمات آمنة وسرية؟

تلتزم المنصة بأعلى معايير حماية البيانات، لضمان سرية وأمان معلومات المستخدمين.

هل يمكن للأشخاص الذين لا يملكون هواتف ذكية استخدام المنصة؟

نعم، يمكنهم الدخول عبر الموقع الإلكتروني لتبقى الخدمات متاحة وشاملة للجميع.

اليراع: أعلنوا قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، وحاكموا قادتها وداعميها على جرائم الإبادة الجماعية

المنفذون المميتون: قادة قوات الدعم السريع ودورهم في الفظائع

في نسيج التاريخ السوداني المتقلب، خيّم ظلّ حالك مخيف لجماعة اشتهرت بالإجرام والوحشية: الجنجويد. هذه العصابات التي ظهرت في بداياتها كلصوص يعيثون فساداً في المجتمعات الضعيفة، سرعان ما تطوّرت تحت رعاية نظام الطاغية عمر البشير في مطلع الألفية إلى أداة رعب ودمار. بدوافع عنصرية متجذّرة ضد القبائل الإفريقية في دارفور، تحول الجنجويد من قطاع طرق فوضويين إلى سلاح دولة مرخّص، شرع في حملة لا هوادة فيها من القتل والنهب والإخضاع.

تجنيدهم على يد نظام البشير

استدعى النظام الاستبدادي تلك الميليشيات لتكون جنوده في حربه “المقدسة” ضد المتمرّدين من القبائل السود. استغل البشير الأحقاد التاريخية والموروثات العنصرية ليجعل من الجنجويد أداة لتصفية الحسابات وبسط الهيمنة في الإقليم. ما بدأ بصراع محلي تحوّل إلى مجازر إبادة مروعة تركت قرى وأقواماً بأكملها في رمادها.ومع تزايد الضغوط الدولية، حاول البشير تجميل صورة الجنجويد عبر دمجهم في هيكل الدولة تحت اسم جديد: قوات الدعم السريع. هذا “التأهيل الشكلي” لم يُخفِ حقيقتهم، بل منحهم شرعية جديدة لمواصلة إرثهم الدموي. تحوّلوا من ميليشيا مسلحة إلى قوة رسمية تنشر الفوضى والموت بغطاء القانون.

تصعيد الفظائع في أنحاء البلاد

حتى بعد سقوط النظام، استمر شبح الإرهاب الذي تمثله قوات الدعم السريع بلا رادع. من إحراق القرى ونهب الموارد إلى ترويع المدنيين، تمددت يدها الدموية لتطال كل شبر من السودان. تحوّل عناصرها من أتباع نظام ساقط إلى مرتزقة يعملون لحساب من يدفع، يختزلون الوطن في غنيمة.

تورطهم في نزاعات إقليمية

لم تكتفِ قوات الدعم السريع بجرائمها داخل السودان، بل صدّرت رعبها إلى ما وراء الحدود. شاركت في صراعات خارجية كمقاتلين مأجورين، تبيع دماء السودانيين لمن يرغب في خدماتهم الوحشية. بهذا المنطق التجاري للحرب، أسقطت ما تبقى من إنسانيتها، وأكدت للعالم أن تدخل المجتمع الدولي ليس خياراً بل ضرورة.

الدعوات لنزع سلاحهم وتفكيكهم

أمام تصاعد الغضب الشعبي ومطالبات الشارع بالعدالة، ارتفع الصوت بضرورة نزع سلاح قوات الدعم السريع وتفكيكها بالكامل. لكنّ تشابك النفوذ داخل المؤسسة العسكرية حال دون خطوات جادة، وظلّ الإفلات من العقاب هو السائد، مما منح هذه العصابة جرأة أكبر للاستمرار في إرهابها المعلن.

استغلال الثروات والعلاقات الخارجية

سيطرتهم على الموارد مكّنتهم من تمويل جرائمهم وبناء شبكة نفوذ عابرة للحدود. من مناجم الذهب إلى عقود الارتزاق في الخارج، استخدمت قوات الدعم السريع الأموال السودانية لتغذية آلة القمع. ورغم الإدانات الدولية، ظلّ تدفق الأموال والعلاقات يحميهم من المحاسبة.

توثيق الجرائم

في استعراض فجّ للا إنسانية، وثّق عناصر الدعم السريع جرائمهم علناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. صور ومقاطع توثق القتل والاغتصاب والتعذيب بدم بارد. تحوّل العالم إلى شاهد صامت على انحدار لا مثيل له في القيم والأخلاق، بينما المجرمون يتباهون بإثمهم علناً.

غياب التدخل الدولي

رغم وفرة الأدلة، بقيت استجابة العالم رهينة التردد والصمت. انشغلت القوى الكبرى بمصالحها، تاركة السودان فريسة للجلادين. هذه اللامبالاة كشفت عجز النظام الدولي عن حماية المظلومين وأظهرت أن قيم العدالة والكرامة تُرفع كشعارات فقط حينما تخدم المصالح.

ضرورة الإدانة والمحاسبة

لقد فات زمن المجاملات الدبلوماسية والمواقف الرمادية. يجب أن تُدان قوات الدعم السريع دون مواربة، وأن يُقدَّم قادتها وداعموهم للمحاكمة بتهم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية. إعلانهم منظمة إرهابية ليس مسألة قانونية فحسب، بل موقف أخلاقي وإنساني، يعلن أن الهمجية لن تُغسل بغطاء السياسة.

عواقب استمرار الدعم

استمرار بعض القوى في تمويل هذه العصابة هو مشاركة في الجريمة. من يتغاضى عن أفعالهم يسهم في إطالة معاناة الأبرياء وفتح الطريق أمام فوضى جديدة في المنطقة. تلك اللامبالاة تلطّخ ضمير العالم، وتكشف انهيار القيم التي قامت عليها الإنسانية.

نداء للعدالة والضمير الإنساني

في خضم هذا الجحيم، تُختبر إنسانية البشر لا بقدرتهم على الكلام، بل بجرأتهم على الفعل. إرهاب قوات الدعم السريع يذكّرنا بأن الصمت أمام الشر هو تواطؤ معه. لقد حانت اللحظة لأن يتوحّد العالم في إدانة صريحة لا لبس فيها، ولأن ينتصر للعدل كي تُستعاد كرامة الإنسان السوداني، وتُكتب كلمة النهاية في سجل الإبادة والظلم.

على كل فرد راغب في الإنصاف أن يتخذ موقفاً ملموساً: بدعم الحملات المطالبة بالعدالة، ومساندة ضحايا وناجي الفظائع، وتضخيم أصوات من ذاقوا ويلات هذه العصابة التي سمّت نفسها زوراً “قوات دعم”

بريطانيا تفرض عقوبات على شركتي “لوك أويل” و”روسنفت” الروسية وتستهدف “أسطول الظل” للضغط على موسكو والهند والصين

لندن – مراسل “اليُراع”- فرضت بريطانيا حزمة عقوبات جديدة واسعة على شركتي النفط الروسيتين الأكبر، “لوك أويل” و**”روسنفت”**، إلى جانب عشرات الناقلات التابعة لما يُعرف بـ”أسطول الظل”، في محاولة جديدة لقطع شريان الإيرادات النفطية التي تمول الحرب الروسية في أوكرانيا، وتشديد الخناق على الدول التي لا تزال تشتري الخام الروسي.

وجاءت هذه الإجراءات، التي أُعلنت يوم الأربعاء كجزء من حزمة تضم 90 عقوبة جديدة، لتؤكد أن لندن ماضية في جهودها لخنق العائدات النفطية التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل عمليات الكرملين العسكرية.

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية، يفيت كوبر، إن الوقت قد حان “لتكثيف الضغط على الاقتصاد الروسي”، مشيرة إلى أن الإجراءات الجديدة تستهدف 44 ناقلة تستخدم للالتفاف على القيود الغربية. وأضافت: “نحن مصممون على أن استمرار عدوان بوتين يجب أن يأتي بتكلفة واضحة ومتزايدة”.

ضرب في قلب قطاع الطاقة الروسي

وذكرت وزارة الخارجية البريطانية أن “روسنفت” – المسؤولة عن نحو 6% من إنتاج النفط العالمي ونحو نصف إنتاج روسيا – إلى جانب “لوك أويل”، تصدران معًا ما يقارب 3.1 ملايين برميل يوميًا. وتشمل العقوبات الجديدة حظرًا كاملاً على تعامل الأفراد والشركات البريطانية مع الكيانَين.

وقالت وزيرة المالية ريتشل ريفز، أثناء زيارتها إلى الولايات المتحدة، إن الغاية من الخطوة ليست فقط ضرب الشركات الروسية الكبرى، بل أيضًا تفكيك الشبكات التي تمكّنها من الاستمرار في تصدير النفط.

وأضافت: “نحن نطبق عقوبات تستهدف أكبر شركتين نفطيتين في روسيا، (لوك أويل) و(روسنفت). وفي الوقت نفسه، نزيد الضغط على الشركات في دول ثالثة، بينها الهند والصين، التي تواصل تسهيل دخول النفط الروسي إلى الأسواق العالمية”.

وشملت القائمة السوداء أيضًا سبع ناقلات للغاز الطبيعي المسال ومحطة “بيهاي” الصينية للغاز الطبيعي المسال في شمال البلاد، التي تستورد شحنات من مشروع “آركتيك إل إن جي 2” الروسي الخاضع أصلًا لعقوبات غربية.

تمدد الضغط شرقًا

ومن بين الكيانات المتضررة مباشرة شركة “نايارا” الهندية لتكرير النفط، ومقرها مومباي، والمملوكة جزئيًا لـ”روسنفت”. وتُعد هذه المصفاة إحدى أبرز نقاط معالجة النفط الروسي المتجه إلى جنوب آسيا، وقد طالتها سابقًا العقوبات الأوروبية، ما زاد من صعوبة استمرار تشغيلها.
ورغم أن “نايارا” أدانت العقوبات الأوروبية في وقت سابق، فإنها لم تُعلّق على العقوبات البريطانية الأخيرة.

وبهذه الخطوة، يوجّه البريطانيون رسالة ضغط واضحة نحو الدول الآسيوية الكبرى التي أطاحت محل المشترين الغربيين، ما يقوّض الجهود الرامية إلى عزل موسكو عن النظام التجاري العالمي للطاقة.

وقالت ريفز إن لندن لن تتردد في اتخاذ “إجراءات ثانوية” ضد الشركات التي تساهم في تسويق النفط الروسي أو تقدم له الدعم اللوجستي الحيوي. وأضافت: “لا مكان لروسيا في الأسواق العالمية، وسنفعل كل ما يلزم لوقف تمويل موسكو لحربها في أوكرانيا”.

خنق “أسطول الظل”

كما استهدفت العقوبات “أسطول الظل”، وهو شبكة من الناقلات القديمة والمموهة تُستخدم لنقل النفط الروسي عبر وسطاء وكيانات غير خاضعة للقانون الغربي.
وتعمل هذه السفن غالبًا تحت أعلام دول مثل ليبيريا وبنما لتجنّب التدقيق وكشف الملكية الحقيقية.

وقال متعاملون في مجال تجارة النفط الروسي إن تلك الإجراءات البريطانية ستقلل من عدد السفن وخدمات التأمين المتاحة أمام موسكو، ولا سيما أن بعض الشحنات كانت لا تزال تُنقل وتُؤمَّن بواسطة شركات بريطانية. ومن شأن ذلك أن يرفع التكاليف ويبطئ عمليات التسليم ويزيد من اضطراب الأسواق البحرية.

غير أن مراقبين يرون أن هذه الخطوة قد تدفع روسيا إلى الاعتماد أكثر على خدمات بديلة غير غربية، مشيرين إلى أن عدد سفن “أسطول الظل” تجاوز الآن 1,500 ناقلة، وهو ما يكفي لمواصلة تصدير كميات كبيرة من النفط إلى آسيا رغم المخاطر المتزايدة.

وقد رفضت موانئ صينية وهندية سابقًا تفريغ شحنات وصلت على متن ناقلات مجهولة أو مدرجة في قوائم العقوبات، ما أجبر السفن على تغيير وجهتها وتكبّد خسائر إضافية.

رد موسكو وتحذيرات الأسواق

من جهتها، وصفت السفارة الروسية في لندن العقوبات الجديدة بأنها “إجراء مرتدّ”، محذّرة من أنها ستزعزع استقرار أسواق الطاقة العالمية وترفع الأسعار على المستهلكين البريطانيين.
وجاء في بيانها: “على عكس التصريحات الصاخبة للقادة البريطانيين، فإن هذه القيود لن تؤثر على المسار السياسي الخارجي الروسي”.

ويرى محللون أن هذا التصعيد البريطاني، بالتوازي مع خطوات واشنطن والاتحاد الأوروبي، يضيق الخناق تدريجيًا على تجارة النفط التقليدية الروسية، ويدفع الكرملين إلى الاعتماد على قنوات مظلمة تفتقر إلى الشفافية.

وبينما تدخل الحرب عامها الثالث، يبدو أن الغرب مصمم على أن كل برميل نفط روسي وكل ناقلة تحمل خامه، يجب أن تدفع ثمنًا متزايدًا — ثمنًا يهدف إلى تجفيف منابع التمويل التي تغذي ماكينة الحرب في أوكرانيا.

الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تفرضان عقوبات على شبكة احتيالية إلكترونية ضخمة في جنوب شرق آسيا

فيما وصفه المسؤولون بأنها أحد أوسع حملات محاربة الجريمة الإلكترونية في التاريخ الحديث، فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة معًا عقوبات على إمبراطورية احتيالية إلكترونية ضخمة تتمركز في جنوب شرق آسيا، وهي شبكة جمعت بين الاتجار بالبشر وعمليات الاحتيال بالعملات المشفرة، فضلاً عن عمليات غسل أموال واسعة النطاق.

رجل الأعمال الكمبودي تشين زهي

واستهدفت العقوبات رجل الأعمال الكمبودي تشين زهي، حيث تركزت على مجموعة “برينس”، وهي تكتل كمبودي يرأسه تشين زهي، رجل الأعمال الصيني-الكمبودي
المتهم بإنشاء شبكة احتيال إلكتروني عابرة للحدود استهدفت ضحايا حول العالم.

وبحسب الحكومتين، قامت منظمة تشين باستدراج الآلاف من العمال المتجر بهم إلى “مراكز احتيال استثماري” متخفية تحت ستار شركات تجارية في كمبوديا وميانمار ودول مجاورة، حيث أُجبروا تحت تهديد التعذيب على إدارة ما وصفته السلطات الأمريكية بـ”إمبراطورية احتيال إلكتروني مترامية الأطراف”.

وفي 8 أكتوبر، كشفت النيابة الأمريكية عن لائحة اتهام في محكمة بروكلين الاتحادية ضد تشين بتهم التواطؤ للاحتيال عبر الإنترنت وغسل الأموال. وتزعم وزارة العدل أن العمال الضحايا، تحت إشراف تشين، شاركوا في حملات احتيال معقدة تُعرف باسم “تجويع الخنازير” — علاقات إلكترونية وهمية تُقنع الضحايا باستثمار أموالهم في منصات عملات رقمية احتيالية.

مصادرة عملات بيتكوين الرقمية  بقيمة 14 مليار دولار

أكبر عملية مصادرة للعملات الرقمية في تاريخها

إلى جانب لوائح الاتهام، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن أكبر عملية مصادرة للعملات الرقمية في تاريخها، حيث جرى ضبط حوالي 127,271 بيتكوين بقيمة نحو 14 إلى 15 مليار دولار، يُعتقد أنها من عائدات عمليات مجموعة “برينس”. وقد تم تتبع البيتكوين إلى 25 محفظة غير مُستضافة يديرها تشين؛ وذكر المدعون أنها ظلت غير نشطة منذ 2020، وتسعى الوزارة الآن للحصول على مصادرة دائمة للأصول في أكبر إجراء حجز بالأصول بتاريخ الوزارة.

هذه الأموال، بحسب الاتهام، غُسلت عبر شركات قمار رقمية وشركات تعدين العملات المشفرة، ومُولت بها مشتريات فاخرة مثل طائرات خاصة وأعمال فنية نادرة (من بينها لوحة لبيكاسو) وعقارات فارهة في عدة دول.

تجميد الأصول وإمبراطورية عقارات لندن

السلطات جمدت 19 عقارًا في لندن تتجاوز قيمتها 200 مليون جنيه إسترليني ضمن العقوبات على تشين وشبكته، بينها قصر بقيمة 12 مليون جنيه في شمال لندن

في المملكة المتحدة، أكدت وزارة الخارجية أن السلطات جمدت 19 عقارًا في لندن تتجاوز قيمتها 200 مليون جنيه إسترليني ضمن العقوبات على تشين وشبكته، بينها قصر بقيمة 12 مليون جنيه في شمال لندن ومبنى مكاتب بقيمة 100 مليون جنيه قريب من برج “Walkie Talkie” في قلب المدينة. ووفق مسؤولين بريطانيين، استُخدمت هذه العقارات لإخفاء عائدات الجريمة وغُسلت الأموال عبر شركات أوفشور مسجلة في جزر فيرجن البريطانية.

وصفت وزيرة الخارجية، يفيت كوبر، العملية بأنها ضربة ضد “مجرمين انتهازيين يدمّرون حياة الأبرياء ويستثمرون ثرواتهم على حساب معاناة البشر”، مضيفة: “هؤلاء العقل المدبر كانوا يشترون منازل لندن لإخفاء الأموال القذرة—هذا انتهى اليوم”.

حجم شبكة الاحتيال

كشفت التحقيقات أن مجموعة “برينس” وفروعها—بما في ذلك “مجموعة جين بي”، و”منتجعات جولدن فورتشن”، و”بورصة Byex”—أسست أو أدارت ما لا يقل عن عشرة مجمعات في كمبوديا حيث تم حبس العمال وإجبارهم على إدارة عمليات احتيال رقمية. كما استخدمت هذه المراكز استراتيجيات كالعلاقات الرومانسية المزيفة لتضليل الضحايا ودفعهم لتحويل مبالغ ضخمة على أساس وعود استثمارية وهمية.

كانت منظمات حقوقية مثل العفو الدولية قد أثارت المخاوف سابقًا من أن بعض هذه المجمعات تمارس تعذيبًا واسع النطاق وضربًا وتهديدات لأعضاء أجنبية، وغالبًا ما يُستدرجون بعروض عمل زائفة.

تشير أوراق المحكمة كذلك إلى أن اثنين من مراكز الاتصال التابعة للمجموعة كانت تدير أكثر من 76 ألف حساب على شبكات التواصل الاجتماعي، وتستعمل أدوات “بناء الثقة” التي تنصح العمال بعدم استخدام صور لنساء “جميلات للغاية” لجعل الحسابات تبدو أكثر مصداقية للضحايا.

حملة دولية منسقة

مؤسسة إجرامية قامت على معاناة الإنسان

عاقبت الولايات المتحدة 146 فردًا وكيانًا مرتبطًا بمجموعة “برينس”، فيما استهدفت بريطانيا ستة كيانات وستة أفراد آخرين. كما لجأت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية (FinCEN) لبند 311 في قانون باتريوت، معتبرة مجموعة “هويون” ممولًا أساسيًا للعملية، ووصفتها كجهة غسيل أموال خطيرة.

وصف مساعد نائب عام أمريكا، جون آيزنبرغ، الشبكة بأنها “مؤسسة إجرامية قامت على معاناة الإنسان”، فيما قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت إن واشنطن ستواصل “قيادة الجهود العالمية لمنع هؤلاء المجرمين من استخدام النظام المالي الدولي كميدان لهم”.

التداعيات والمتابعة المستمرة

لا يزال تشين زهي فارًا، وقد أصدرت السلطات الأمريكية والبريطانية مذكرات اعتقال بحقه. وفي حال الإدانة، قد يواجه عقوبة تصل إلى 40 عامًا في السجن.

ويُعتقد أن عمليات مجموعته امتدت تتجاوز جنوب شرق آسيا لتؤثر على ضحايا في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأفريقيا، وكونت جزءًا من موجة أوسع من مخططات “تجويع الخنازير” العابرة للحدود والتي استنزفت مليارات الدولارات من الضحايا حول العالم.

اختتم وزير مكافحة الاحتيال البريطاني، اللورد هانسون، الرسالة بحدة: “المحتالون يستغلون اليائسين والطامحين على حد سواء… هذه العقوبات اليوم توجه رسالة واضحة سواء كنت تعمل من بنوم بنه أم ماي فير، فإن العالم الحر يضيق الخناق”

فوز السياسية الفنزويلية المعارضة ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام 2025

“عندما يستولي المستبدون على السلطة يجب تكريم المدافعين الشجعان عن الحرية الذين ينهضون ويقاومون”

أعلنت لجنة نوبل، على صفحتها على منصة إكس اليوم الجمعة، فوز زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام. ووفقا لرئيس لجنة نوبل النرويجية، يورغن واتنه فليدنس في أوسلو فإن ماريا كوريا ماتشادو “قدمت مثالا استثنائيا على الشجاعة في النشاط المدني في أمريكا اللاتينية في الفترة الأخيرة”.

Venezuelan opposition leader Maria Corina Machado won the Nobel Peace Prize on October 10, 2025.
زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو الفائزة بجائزة نوبل للسلام في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025. © لقطة شاشة من موقع جائزة نوبل

ظفرت السياسية الفنزويلية المعارضة ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام الجمعة.

تعليقا على فوزها، قالت ماتشادو، “أنا تحت وقع الصدمة”.

وقالت لجنة نوبل النرويجية في بيان إن ماتشادو فازت “بفضل عملها الدؤوب في تعزيز الحقوق الديمقراطية لشعب فنزويلا ونضالها من أجل تحقيق انتقال عادل وسلمي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية”.

وأضافت “عندما يستولي المستبدون على السلطة يجب تكريم المدافعين الشجعان عن الحرية الذين ينهضون ويقاومون”.

واختارت اللجنة التركيز على فنزويلا في عام هيمنت عليه تعليقات الرئيس الأميركي دونالد ترامب العلنية المتكررة بأنه يستحق جائزة نوبل للسلام.

وقبل الإعلان قال خبراء في شؤون الجائزة إن ترامب لن يفوز بها، لأنه يعمل على تفكيك النظام العالمي الذي تقدره لجنة نوبل.

ومن المقرر تسليم جائزة نوبل للسلام -والتي تبلغ قيمتها 11مليون كرونة سويدية (نحو 1.2 مليون دولار)- في أوسلو في 10 ديسمبر/كانون الأول المقبل، وهو ذكرى وفاة رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل الذي أسس الجوائز في وصيته عام 1895.

حملة ضغط
وخاض ترامب حملة ضغط “عدوانية وغير مسبوقة” على لجنة نوبل النرويجية للفوز بجائزة للسلام، ولفتت صحيفة تايمز البريطانية إلى سوابق تاريخية لرؤساء أميركيين مثيرين للجدل حازوا على الجائزة.

ونقلت الصحيفة أمس الخميس عن إريك آسهيم المتحدث باسم معهد نوبل أن اللجنة اتخذت قرارها النهائي يوم الاثنين (الماضي)، أي قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، مما يعني أن الاتفاق الأخير لم يؤثر في قرارها الذي سيُعلن عنه غدا.

وأوضح تقرير “تايمز” أن مداولات اللجنة سرية تماما، وأن أعضاء اللجنة النرويجية الخمسة يؤدون قسما بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل، كما أن قوائم الترشيحات للجائزة تبقى سرية لمدة 50 عاما.

وكان بين المرشحين الآخرين الذين ذُكروا بشكل متكرر يوليا نافالنايا أرملة المعارض الروسي أليكسي نافالني، إضافة إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)​ وشبكة من المبادرات الإنسانية في السودان.
وقبل الإعلان، قال خبراء في شؤون الجائزة إن ترامب لن يفوز بها لأنه يعمل على تفكيك النظام العالمي الذي تُقدره لجنة نوبل.

ومن المقرر تسليم جائزة نوبل للسلام، التي تبلغ قيمتها 11 مليون كرونة سويدية (حوالي 1,2 مليون دولار) في أوسلو في العاشر من ديسمبر / كانون الأول، وهو ذكرى وفاة رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل، الذي أسس الجوائز في وصيته عام 1895.

هل تمنح جائزة نوبل للسلام إلى “غرف الطوارئ” السودانية؟

في وقت تخلو فيه الساحة العالمية من مرشح يُنظر إليه على أنه الأكثر حظاً لنيل جائزة نوبل للسلام هذا العام، برز اسم سوداني على نحو غير متوقع ضمن الترشيحات المتداولة في أوسلو: شبكة غرف الطوارئ
السودانية (Emergency Response Rooms – ERR).

تشير قوائم معهد أبحاث السلام في أوسلو إلى هذه الشبكة باعتبارها من بين “الأجدر” بحمل جائزة نوبل للسلام لعام 2025، تقديراً لاستجابتها المنقذة للحياة خلال الحرب التي اندلعت في السودان عام 2023، من خلال توزيع الغذاء والمياه والدواء، وتنفيذ عمليات إجلاء للمدنيين، وتشغيل مطابخ مجتمعية تطوعية عُرفت باسم “التكايا”، ضمن بنية لامركزية متجذرة في المجتمع المحلي.

من نضال الشارع إلى مرشحية نوبل

ارتبط الزخم الذي أحاط بـ”غرف الطوارئ” مؤخراً بفوزها بجائزة رافتو النرويجية، إلى جانب إشادات أوروبية علنية بجهود آلاف المتطوعين العاملين ضمنها. وقالت مؤسسة رافتو إن هذه المجموعات تتألف من متطوعين يضعون أنفسهم في مواجهة مخاطر جسيمة تشمل الاعتقال والتعذيب والسرقة، دون أن تتوفر لهم الحماية التي تحظى بها المؤسسات الإنسانية الرسمية.

انبثقت فكرة غرف الطوارئ السودانية من رحم لجان المقاومة التي لعبت دوراً محورياً في حراك عام 2019، واتخذت غرف واتساب أداة رئيسية للتنسيق بين الفرق المنتشرة في الأحياء داخل مناطق النزاع. وجاء ظهورها استجابة لانهيار منظومات الإمداد وغياب المنظمات الدولية في مناطق الحرب، ما جعلها تسد فجوات أساسية في توفير الماء والكهرباء والعلاج والإجلاء.

مبادرة مجتمعية في زمن الانهيار

 

قدّمت غرف الطوارئ خلال العامين الماضيين مساعدات مباشرة لملايين السودانيين، شملت توزيع الغذاء والمياه والدواء، وتزويد المستشفيات بالوقود والمواد الأساسية، وصيانة نقاط المياه وشبكات الاتصال، إلى جانب تشغيل مطابخ مجتمعية “تكايا” لإطعام أعداد كبيرة من النازحين والسكان المحاصرين داخل المدن.

سباق نوبل 2025

في العام الجاري، بلغ عدد المرشحين لجائزة نوبل للسلام 338 فرداً وجهة، بينما كانت جائزة 2024 قد مُنحت لمجموعة “نيهون هيدانكيو” اليابانية المكونة من ناجين من القصف النووي لهيروشيما وناغازاكي، تكريماً لنضالها ضد الأسلحة النووية.

وعُقد اجتماع لجنة نوبل النرويجية الأخيرة يوم الاثنين، قبل أن تُعلن المؤسسة يوم الجمعة اسم الفائز لعام 2025. ويرى مدير الأبحاث في المعهد النرويجي للشؤون الدولية، هالفارد ليرا، أن اللجنة “عادت في السنوات الأخيرة إلى التركيز على قضايا أكثر تحديداً، وأقرب إلى المفاهيم الكلاسيكية للسلام، دون الابتعاد عن قضايا الديمقراطية وحرية الصحافة وحقوق الإنسان”. ويضيف ليرا: “حدسي يقول إن اللجنة تميل هذا العام إلى اختيار فائز أقل إثارة للجدل”.

احتمالات وتكهنات

من بين المرشحين المحتملين أيضاً هيئات دولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وجهات تنشط في حرية الصحافة كـ”لجنة حماية الصحافيين” و”مراسلون بلا حدود”. وكما جرت العادة، قد تفاجئ اللجنة العالم باختيار اسم غير متوقع من خارج قائمة الترشيحات المتداولة.

وفي خضم هذه الترشيحات، يبرز مجدداً اسم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي عبّر مراراً عن رغبته في الفوز بالجائزة، رغم استبعاد مراقبين لذلك هذا العام، رغم دوره في التوسط للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة.

وبينما تتعدد الترشيحات والتوقعات، يظل اسم غرف الطوارئ السودانية رمزاً لجهد محلي استثنائي في مواجهة الكارثة الإنسانية التي خلفتها حرب 2023، وربما نموذجاً جديداً للسلام من قلب المعاناة.

تقرير جديد لمنظمة “سنتري” يكشف شبكة أعمال قوات الدعم السريع في الإمارات

كشف تحقيق جديد أجرته منظمة “ذا سنتري” عن اعتماد قوات الدعم السريع السودانية على شبكة غامضة من الشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة لتمويل أنشطتها. ويظهر التقرير الروابط المالية التي تربط قائد القوات شبه العسكرية، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مع شقيقيه عبد الرحيم والقونّي دقلو.

عبد الرحيم دقلو

وبحسب التحقيقات، ساهم رجال أعمال مقيمون في دبي في إنشاء مجموعة من الشركات الواجهة، تراوحت بين شركات لتجارة الذهب، ومكتب استشارات إدارية، وحتى شركة للتصميم الداخلي، وجميعها لعبت دوراً في تحويل الموارد والنفوذ إلى قيادة قوات الدعم السريع.

القوني دقلو

أحد الأسماء البارزة التي أشار إليها التقرير هو مازن فضل الله، الذي اشترى في عام 2019 مئات السيارات من نوع “تويوتا” لصالح شركة “ترا-دايف”، وهي شركة واجهة تابعة لقوات الدعم السريع تعرضت لاحقاً لعقوبات أميركية. هذا الكشف جاء أولاً من خلال صحفيي “غلوبال ويتنس” بناءً على بيانات مسربة من داخل القوات. فضل الله، إلى جانب رجل الأعمال السوداني أبوذر حبيب المعروف أيضاً باسم “أبو ذر”، أنشأ عدداً من الشركات المرتبطة بالدعم السريع. ومن أبرز هذه التحركات، استحواذهما على ملكية شركة “الجيل القادم” من عبد الرحيم دقلو، والتي كانت بدورها مساهماً في بنك “الخليج” المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الدعم السريع.

وفي عام 2025، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أبوذر حبيب لدوره في شركة “كابيتال تاب”، متهمة إياه بتوريد أسلحة إلى قوات الدعم السريع بملايين الدولارات. ورغم أن العقوبات استهدفت حبيب بشكل مباشر، إلا أن التقرير يثير تساؤلات حول دور رجل الأعمال الإماراتي ناصر الحمادي الذي لعب دوراً رئيسياً في تأسيس “كابيتال تاب”. كل من الحمادي وفضل الله رفضا الرد على طلبات التعليق، بينما نفى حبيب تورطه في أي مخالفات.

شبكة غامضة من الشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة لانشطة الدعم السريع

وتسلط هذه النتائج الضوء على الكيفية التي استغلت بها قوات الدعم السريع شبكات تجارية في الإمارات للتوسع في نفوذها، وغسل عائدات تجارة الذهب السوداني، والحصول على معدات عسكرية. ويحذر محللون من أن التحقيق يكشف عن قنوات مالية راسخة تدعم هذه الميليشيا، ما يجعل جهود قطع التمويل عنها أكثر تعقيداً، في ظل استمرار الصراع المدمر في السودان.

يمكن الاطلاع على التقرير الكامل هنا عبر منظمة “ذا سنتري”: TheSentry_Org

ريك مشار على المحك: صراعات السلطة والانقسامات العرقية ومستقبل دولة هشة في جنوب السودان

من المقرر أن تنعقد محكمة خاصة في جنوب السودان يوم الأربعاء لبدء الاستماع إلى أدلة الادعاء ضد النائب الأول للرئيس ريك مشار، في محاكمة أثارت بالفعل جدلاً واسعاً وزادت من حدة التوترات السياسية في قلب الدولة الوليدة. المحكمة التي أقرت بأن لها ولاية قضائية في القضية، توجه لمشار وسبعة متهمين آخرين تهم القتل والخيانة وجرائم ضد الإنسانية، رغم اعتراض فريق دفاعه الذي اعتبر أن هذه المحكمة تفتقر للشرعية الدستورية.

رحلة ريك مشار السياسية ارتبطت دوماً بتاريخ جنوب السودان المضطرب. فبعد أن كان قائداً ميدانياً يقود تمرداً في الأحراش، أصبح مشار نائباً للرئيس سلفا كير عقب اتفاق السلام الموقع عام 2018، الذي سعى إلى إنهاء سنوات طويلة من الحرب الأهلية. غير أن هذا الاتفاق الهش تعرض مراراً للاختبار، وجاءت تقارير عن وضعه قيد الإقامة الجبرية ثم تقديمه للمحاكمة لتؤكد هشاشة التوازن بين أبرز خصمين سياسيين في البلاد.

تتهمه الحكومة بالتحريض على التمرد والسعي لإفشال الانتخابات المقبلة. وتشير السلطات إلى أنه قاد قوات “الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان – المعارضة” لشن هجمات على مواقع حكومية، في خطوة اعتُبرت تهديداً للاستقرار. وتستند أخطر التهم إلى أحداث مارس 2025، عندما اجتاحت ميليشيا “الجيش الأبيض” – التي تضم أساساً مقاتلين من قبيلة النوير المتحالفة مع مشار – حامية عسكرية حكومية، مما أدى إلى مقتل جنود ومدنيين. الادعاء يزعم أن مشار قاد تلك العمليات ويحمّله مسؤولية جرائم ضد الإنسانية.

تساؤلات حول النزاهة والشرعية

المحاكمة، التي بدأت في سبتمبر 2025، أُجلت أكثر من مرة. منظمات المجتمع المدني أعربت عن قلقها من القيود المفروضة على الصحفيين والمراقبين، وحذرت من أن غياب الشفافية قد يحول القضاء إلى أداة سياسية بيد السلطة. ويرى محللون أن المحاكمة أشبه بامتداد لصراع سياسي مزمن بين مشار وكير أكثر من كونها مسعى لتحقيق العدالة.

البعض يخشى أن تهدد المحاكمة استمرارية اتفاق السلام لعام 2018، إذ أنها قد تُبعد قاعدة مشار الشعبية وتدفع البلاد إلى جولة جديدة من الاقتتال الأهلي.

جذور قبلية وصراع تاريخي

تعود جذور الأزمة إلى التنافس بين الدينكا والنوير، أكبر جماعتين عرقيتين في جنوب السودان. الرئيس سلفا كير ينتمي إلى الدينكا، بينما ينتمي مشار إلى النوير. ويعود تاريخ صراعاتهما إلى قرون خلت لكنه استعر في تسعينيات القرن الماضي، حينما انقسمت صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان على خلفيات عسكرية وسياسية.

وبالرغم من تقاسمهما السلطة منذ سنوات، فإن الشكوك المتبادلة بينهما لم تتلاشَ. قوات موالية لكير استهدفت مراراً مناطق يقطنها النوير، وهو ما أدى إلى ردود مسلحة من جانب قوات محسوبة على مشار. ورغم أن الصراع يُقدَّم في كثير من الأحيان كصراع قبلي، إلا أن جوهره سياسي يرتبط بالسلطة وطبيعة الحكم.

مخاطر عودة الحرب الأهلية

يحذر مراقبون من أن المحاكمة قد تُشعل فتيل التوترات مرة أخرى، خصوصاً في ظل وجود ميليشيات مسلحة قوية مثل “الجيش الأبيض”. وإذا شعر أنصار مشار أن المحاكمة مسيّسة، فقد يندفعون للقتال، وهو ما يهدد بانزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة.

أبعد من القبيلة: أزمة بناء الدولة

ويرى محللون أن الأزمة لا تقتصر على الهوية العرقية، بل هي انعكاس لفشل مؤسسات الدولة. فكلا الزعيمين – كير ومشار – نتاج عقود من الكفاح المسلح، لكنهما لم يتمكنا من التحول إلى قادة دولة مدنية مستقرة. غياب الحكم الرشيد والتنافس على الموارد والسلطة هو ما يدفع بالأحداث نحو الانفجار.

ومع وقوف مشار أمام القضاء، تبدو المحاكمة اختباراً حقيقياً لقدرة جنوب السودان على الموازنة بين العدالة والسلام. فالنتيجة قد تحدد مستقبل مشار السياسي، لكنها في الوقت ذاته تمثل مؤشراً على ما إذا كانت البلاد قادرة على النجاة كوطن موحد وسط واحدة من أعقد الأزمات التي عاشتها منذ استقلالها