هزّت عملية عسكرية أميركية مفاجئة في فنزويلا، انتهت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، النظام الدولي وأعادت إلى الواجهة سجلّ واشنطن الطويل في التدخل في أميركا اللاتينية، وسط سيل من الإدانات والتحذيرات من انتهاك صارخ لسيادة الدول والقانون الدولي.
هجوم ليلي واعتقال معلن
قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت كاراكاس، دوّت انفجارات قوية في العاصمة وضواحيها ترافقَت مع تحليق مروحيات هجومية، بحسب مراسلي وكالات الأنباء. واستهدفت الضربات قاعدة عسكرية رئيسية وقاعدة جوية ومواقع أخرى، واستمرت نحو ساعة قبل أن يعلن ترامب على منصة “تروث سوشال” أن “الولايات المتحدة الأميركية نفّذت ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها الرئيس نيكولاس مادورو، الذي جرى اعتقاله مع زوجته ونقلهما خارج البلاد”.
وفي واشنطن، أعلنت النائب العام الأميركية باميلا بوندي أن مادورو وزوجته سيُحاكمان أمام القضاء الأميركي بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب، متوعّدة بأن يواجها “كامل بطش العدالة الأميركية على الأراضي الأميركية”. أما في كاراكاس، فقد وصفت الحكومة الفنزويلية العملية بأنها “عدوان عسكري بالغ الخطورة” وطالبت بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي. وقالت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز في اتصال هاتفي مع التلفزيون الفنزويلي إنها لا تعرف مكان وجود مادورو وزوجته سيليا فلوريس، داعية واشنطن إلى تقديم “دليل حياة” للرئيس الذي يقود البلاد منذ 12 عاما، في وقت لا تزال فيه إعادة انتخابه عام 2024 موضع تشكيك واسع في المجتمع الدولي.
رئيس “سلام” يفتح أكثر من جبهة
يأتي التصعيد الجديد بعد أقل من عام على عودة ترامب للبيت الأبيض وهو يرفع شعار “رئيس السلام”. غير أن سياسته الخارجية اتخذت منحى مغايرا؛ فقبل أيام فقط نفّذ الجيش الأميركي ضربة في نيجيريا في يوم عيد الميلاد قال ترامب إنها استهدفت “جهاديين” هاجموا مسيحيين، كما لوّح بتدخل عسكري محتمل في إيران إذا أقدمت السلطات هناك على “قتل متظاهرين” خرجوا إلى الشوارع.
وفي خطابه التنصيبي الثاني في 20 يناير/كانون الثاني من العام الماضي، قال ترامب إن “أكبر ما أعتز به هو إرث صانع السلام والموحد”، قبل أن يعيد لاحقاً تسمية وزارة الدفاع لتصبح “وزارة الحرب”، في خطوة رمزية اعتبرها مراقبون تعبيراً عن رؤية أكثر هجومية في السياسة الخارجية.
إدانات ومواقف متباينة حول العالم
تدفقت ردود الفعل الدولية سريعاً، كاشفة انقساماً بين دول تعتبر مادورو فاقداً للشرعية لكنها ترفض التدخل العسكري، وأخرى ترى في ما حدث انتهاكاً سافراً لسيادة دولة مستقلة.
في الاتحاد الأوروبي، قالت مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس إن التكتل “ذكّر مراراً بأن مادورو يفتقر إلى الشرعية، ودافع عن انتقال سلمي للسلطة”، لكنها شدّدت في الوقت نفسه على أن “مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يجب أن تُحترم في كل الأحوال”، داعية إلى “ضبط النفس” من جميع الأطراف.
وفي أميركا اللاتينية، أدان الرئيس التشيلي غابريال بوريتش التحركات العسكرية الأميركية في فنزويلا، مؤكداً تمسّك بلاده بالمبدأ القاضي بحظر استخدام القوة وحل الأزمات بالوسائل السلمية.
ووصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الضربات على كاراكاس بأنها “هجوم إجرامي” ورفض أي عمل عسكري أحادي الجانب “من شأنه أن يفاقم الوضع أو يعرّض المدنيين للخطر”، داعياً إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن وخفض التصعيد.
من جهته، استخدم الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل عبارات حادة، إذ ندد بما وصفه “الهجوم الإجرامي” واعتبر أن “منطقة مسالمة تتعرض لهجمات وحشية”، متهماً الولايات المتحدة بممارسة “إرهاب الدولة ضد الشعب الفنزويلي والقارة الأميركية”.
وفي بوليفيا، وصف الرئيس رودريغو باز القصف الأميركي بأنه “عدوان إمبريالي وحشي” وانتهاك صارخ لسيادة فنزويلا، معلناً تضامنه الكامل مع شعبها.
في أوروبا، قالت وزارة الخارجية الألمانية إنها تتابع الوضع في فنزويلا “بقلق بالغ” وإن فريقاً معنيّاً بالأزمة سيجتمع لتقييم التطورات. أما الخارجية الإيطالية فأشارت إلى أنها “تراقب عن كثب” ما يجري، وأنها في حالة تأهب لحماية مواطنيها هناك.
وفي إسبانيا، أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز استعداد بلاده للعب “دور إيجابي” من أجل حل سلمي تفاوضي، وحثّ جميع الأطراف على التصرف بما ينسجم مع القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وفي لندن، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن بلاده “لم تشارك” في الضربات الأميركية على فنزويلا، موضحاً: “أريد معرفة الحقائق أولاً. أريد التحدث إلى الرئيس ترامب وإلى حلفائنا”. وأضاف: “يمكنني أن أقول بوضوح تام إننا لم نكن ضالعين في الأمر… وأقول دائماً إنه يتعين علينا جميعاً التمسك بالقانون الدولي”.
موسكو: انتهاك غير مقبول للسيادة روسيا، الحليف الأبرز لكاراكاس، أعربت عن “قلق بالغ” إزاء التقارير عن نقل مادورو وزوجته “قسراً” من البلاد.
وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان إنها تطالب “بتوضيح فوري” للملابسات، معتبرة أن مثل هذه الأفعال، “إن صحت، تمثل انتهاكاً غير مقبول لسيادة دولة مستقلة، والتي يشكل احترامها مبدأ رئيسياً من مبادئ القانون الدولي”. ودانت موسكو ما وصفته بـ”العمل العدواني المسلح الأميركي” ضد فنزويلا، مؤكدة تأييدها لعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي، ومشددة في الوقت نفسه على “حق فنزويلا في تقرير مصيرها دون تدخل عسكري خارجي”. كما أعلنت استعدادها لدعم حوار بين الأطراف الفنزويلية لتجنب انزلاق البلاد إلى فوضى أوسع.
مبدأ مونرو: “الفناء الخلفي” تحت الوصاية
أعاد التدخل الأخير في فنزويلا تسليط الضوء على تاريخ طويل من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، يعود إلى مطلع القرن التاسع عشر مع “مبدأ مونرو” الذي رفع شعار “أميركا للأميركيين” ومنح واشنطن، عملياً، حقاً ضمنياً في اعتبار القارة اللاتينية مجال نفوذ خاصاً بها. وبحسب دراسة صادرة عن جامعة أكسفورد في مارس/آذار 2019، بلغ عدد تدخلات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية منذ عام 1800 وحتى نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين آلاف المرات، تراوحت بين احتلال مباشر وهيمنة سياسية، وانقلابات عسكرية، وتدخلات اقتصادية وإعلامية محدودة قصيرة الأمد.
ومع مطلع القرن العشرين، أعاد الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت إحياء مبدأ مونرو وتوسيعه عبر ما عُرف بـ”مبدأ روزفلت” عام 1904، الذي لم يكتف بالدفاع ضد النفوذ الأوروبي، بل منح واشنطن حق التدخل في شؤون دول نصف الكرة الغربي بدعوى “ضعفها” أو “سوء إدارتها”. وأسفر ذلك عن موجة من الاحتلالات والسيطرة المباشرة على دول مثل بورتوريكو، ونيكاراغوا، وهاييتي، والدومينيكان، وكوبا في فترات متعاقبة.
الحرب الباردة والانقلابات المدعومة أميركياً
مع اندلاع الحرب الباردة بين عامي 1947 و1991، تكثفت التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية تحت شعار مواجهة الشيوعية و”التهديدات المستقبلية المحتملة”.
وقد وثّقت تقارير استقصائية، بينها تقرير لمجلة “ريفيستا” التابعة لجامعة هارفارد، ما لا يقل عن 41 حالة نجحت فيها الولايات المتحدة في تغيير أنظمة حكم بدول المنطقة بين عامي 1898 و1994، بينها 17 تدخلاً مباشراً تورطت فيها القوات الأميركية أو أجهزتها الاستخباراتية أو متعاونون محليون معها.
في غواتيمالا عام 1954، أطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بحكومة جاكوبو أربينز المنتخبة ديمقراطياً بعد تبنّيها إصلاحات طالت مصالح شركة “يونايتد فروت” الأميركية العملاقة.
خُصصت ملايين الدولارات للعملية، ودُرّب متمردون مسلحون، ومورست حرب نفسية وضغوط دبلوماسية واقتصادية، لينتهي الأمر بحرب أهلية دامية استمرت 36 عاماً وقُتل أو فُقد خلالها نحو 200 ألف شخص.
وفي نيكاراغوا خلال ثمانينيات القرن الماضي، دعم الرئيس رونالد ريغان ميليشيات “الكونترا” السرية ضد حكومة الساندينيين المنتخبة، مقدماً لها التدريب والسلاح ومئات الملايين من الدولارات، في صراع أوقع عشرات آلاف الضحايا وأغرق البلاد في أزمة اقتصادية خانقة.
وفي بنما عام 1989، أطلق الرئيس جورج بوش الأب عملية “القضية العادلة” التي شهدت إنزال أكثر من 26 ألف جندي أميركي للإطاحة بالرئيس مانويل نورييغا واعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة، حيث حُوكم بتهم تتعلق بالمخدرات والفساد، في مشهد يقارن به كثيرون ما يجري اليوم مع مادورو. وفي هايتي عام 2004، اتهم الرئيس جان برتران أريستيد واشنطن وباريس بدعم انقلاب أطاح به وأجبره على مغادرة البلاد على متن طائرة أميركية باتجاه جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية وتجفيف المساعدات واستخدام أدوات “الدعم الديمقراطي” لتمويل خصومه.
الانقلابات غير المباشرة و”القوة الناعمة”
إلى جانب التدخلات العسكرية المباشرة، لعبت واشنطن أدواراً حاسمة في انقلابات غير مباشرة عبر تمويل معارضين، وتحريك الإعلام، وفرض عقوبات اقتصادية، كما في البرازيل عام 1964، حيث دعمت عملية “الأخ سام” التي قامت بتزويد الجيش البرازيلي بالوقود والأسلحة خلال الانقلاب على الرئيس جواو غولارت، وفي الأرجنتين عام 1976، حيث كشفت وثائق رُفع عنها السرّية لاحقاً تواطؤ مسؤولين أميركيين مع قادة الانقلاب بقيادة الجنرال خورخي فيديلا.
وفي تشيلي، موّلت الحكومة الأميركية عمليات سرية للتأثير في الانتخابات ومنع فوز سلفادور أليندي، قبل أن تدعم انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973، الذي أسس نظاماً عسكرياً دكتاتورياً ارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قُدِّر عدد ضحاياها بأكثر من 40 ألفاً بين قتيل ومعتقل ومختفٍ قسرياً. ورغم تراجع وتيرة التدخلات العسكرية بعد نهاية الحرب الباردة، لم تتخلّ الولايات المتحدة عن سياسة “تغيير الأنظمة”، بل استبدلت كثيراً من أدواتها الصلبة بأدوات “ناعمة” تقوم على الحرب الاقتصادية والعقوبات، ودعم الحركات المعارضة، واستثمار الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، في إطار ما يوصف أحياناً بـ”الانقلابات الناعمة”.
وتندرج محاولات زعزعة الأنظمة في فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا في هذا السياق، بما في ذلك محاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز عام 2002، التي اتهم فيها واشنطن بلعب دور مباشر.
دوافع مركبة
من النفط إلى السياسة الداخلية ترى دراسات أكاديمية، بينها دراسة جامعة أكسفورد المشار إليها، أن دوافع التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية مركّبة، وتشمل التوسع الإقليمي، والنزعة الثقافية التفوقية، واستغلال الموارد والبحث عن أسواق، والتنافس مع القوى الكبرى، والصراع الأيديولوجي أثناء الحرب الباردة، إضافة إلى اعتقاد راسخ لدى بعض صناع القرار الأميركيين بأن جزءاً من أزمات بلادهم الداخلية يُردّ إلى “مصادر” في الجنوب. وتلعب السياسة الداخلية الأميركية دوراً حاسماً في القرارات الخارجية، إذ أظهر تقرير “ريفيستا” أن التنافس الحزبي داخل واشنطن دفع رؤساء إلى تبني تدخلات عسكرية ليس استجابة لتهديدات حقيقية بقدر ما هو محاولة لقطع الطريق على خصومهم في الكونغرس. فقد كشفت وثائق داخلية أن الرئيس ليندون جونسون أمر بإرسال قوات إلى الدومينيكان عام 1965 تحت ضغط سياسي داخلي، لا بفعل خطر داهم.
جدل قانوني واسع
هل يمكن اعتقال رئيس دولة بهذه الطريقة؟ تثير عملية خطف رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من أراضيه، إذا تأكدت تفاصيلها، إشكاليات قانونية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
فميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالتي الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن، ولم يعلن البيت الأبيض، حتى الآن، عن أي تفويض أممي أو حالة تهديد وشيك مصدرها فنزويلا تبرر الهجوم. كما أن نقل رئيس دولة قسراً لمحاكمته في دولة أخرى يضع سابقة خطيرة تتجاوز حتى حالات اعتقال رؤساء مخلوعين بموجب قرارات دولية أو بعد حروب أعلنت فيها الأمم المتحدة استخدام القوة، كما حدث في يوغوسلافيا السابقة أو العراق. ويرى خبراء في القانون الدولي أن استمرار العمل بهذه المقاربة يفتح الباب أمام نزاعات متبادلة، ويقوّض مبدأ الحصانة السيادية للقادة، ويضعف منظومة الأمن الجماعي التي يمثلها مجلس الأمن. وفي المقابل، يجادل مؤيدو التحرك الأميركي بأن مادورو فاقد للشرعية داخلياً ودولياً، ومتهم بجرائم عابرة للحدود، وأن “عدم التحرك” يعني ترك شعب فنزويلا تحت “حكم قمعي”.
فنزويلا بين مطرقة التدخل وسندان الأزمة الداخلية
تأتي العملية الأميركية في ظل أزمة اقتصادية وسياسية عميقة تعيشها فنزويلا منذ سنوات، تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية والحصار المالي، كما تفاقمت بسبب سياسات داخلية تخص إدارة الثروة النفطية، وتهم الفساد، وضعف المؤسسات. وقد دفعت هذه الأوضاع ملايين الفنزويليين إلى الهجرة، وأدت إلى انهيار الخدمات الأساسية وتضخم قياسي. ويحذّر مراقبون من أن الضربة الأميركية الأخيرة، وما رافقها من اعتقال معلَن للرئيس، قد تعمّق الانقسامات داخل المجتمع والجيش، وتفتح الباب أمام صراع داخلي طويل الأمد، خصوصاً إذا سعت قوى محلية إلى ملء الفراغ السياسي بدعم خارجي متنافس.
المستقبل المجهول
مجلس الأمن على المحك في ظل دعوات متصاعدة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، يواجه النظام متعدد الأطراف اختباراً جديداً بعد سنوات من العجز أمام أزمات سابقة في العراق وسوريا وأوكرانيا وغيرها. وسيكون على الدول الكبرى حسم موقفها من سابقة اعتقال رئيس دولة بالقوة، وما إذا كانت ستتعامل معها كاستثناء أم كمؤشر لتحوّل أوسع نحو “شرعنة” تغيير الأنظمة بالقوة خارج أطر الأمم المتحدة.
وبينما تتأرجح فنزويلا على حافة منعطف حاد، يشير كثير من المحللين في أميركا اللاتينية إلى أن السؤال الحقيقي يتجاوز شخص مادورو أو ترامب، ليمسّ جوهر النظام الدولي نفسه: هل ما زالت سيادة الدول مبدأً حاكماً، أم أنها باتت مشروطة بمصالح القوى الكبرى وموازين القوى؟ الإجابة ستتضح، على الأرجح، في أروقة نيويورك بقدر ما تتضح في شوارع كاراكاس.