رأي اليراع | اقتراح البرهان لضم تركيا لجهود الوساطة: مناورة سياسية أم استدعاء لحلفاء الماضي؟

تحليل اليراع خاص: مقترح عبد الفتاح البرهان بضم تركيا وقطر إلى جهود الوساطة لإنهاء الحرب في السودان لم يكن، في جوهره، اقتراحاً دبلوماسياً تقنياً بقدر ما كان مؤشراً سياسياً محمّلاً برسائل داخلية وخارجية. فخلف الألفاظ الهادئة التي ساقها قائد الجيش تختبئ محاولة واضحة لإعادة ترتيب موازين القوة، وإعادة إدخال حلفاء الإسلاميين إلى المشهد تحت ذريعة التوازن الإقليمي.

قال البرهان، في تصريحات لوكالة “الأناضول” وعدد من وسائل الإعلام التركية من مقر إقامته في بورتسودان، إنه يقترح “إضافة تركيا وقطر إلى مسار الوساطة الدولية” فيما يبدوا اشارة لدول “الرباعية” المتمثلة في مصر، السعودية، الإمارات، والولايات المتحدة مبرراً ذلك بأن السودان صمد في وجه الحرب “بدعم الأصدقاء والأشقاء”، وعلى رأسهم أردوغان.
الاقتراح بدا في ظاهره خطوة نحو توسيع دائرة الوساطة، لكنه في جوهره انعكاس مباشر لصراع النفوذ بين معسكرين إقليميين يتجاذبان الأزمة السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023: معسكر عربي–غربي تمثله الرباعية، ومعسكر آخر تحاول أنقرة والدوحة التمدد عبره بواجهات مدنية ودينية متشابكة.

خلفيات الرباعية وشروطها الصارمة

تأسست الآلية الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) عام 2025 لتوحيد مسارات الوساطة بعد فشل المبادرات السابقة. طرحت خطة متدرجة بثلاث مراحل — هدنة إنسانية، وقف إطلاق نار، ثم عملية انتقالية إلى حكم مدني — مع خمسة مبادئ رئيسية، أبرزها استبعاد الجماعات المتطرفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ووقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.
وقد مثّلت هذه الشروط، ضمناً، خطاً أحمر ضد عودة الإسلاميين إلى السلطة، وهو ما يفسّر حدة الهجوم الذي شنه “الكيزان”، أي كوادر الحركة الإسلامية السودانية، على بيان الرباعية. فقد رأى هؤلاء أن الخطة تهدف لتهميش المؤسسة العسكرية وإقصاء رموز النظام السابق.

وفي المقابل، رحبت القوى المدنية والسياسية، مثل تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، بالخطة ووصفتها بأنها “فرصة لإنهاء النزاع وبناء عملية سياسية شاملة”. أما الجيش بقيادة البرهان فدخل في حالة من التذبذب السياسي: يعلن القبول ثم يرفض ثم يعيد الحديث عن الانفتاح على مقترحات أخرى، وهو نمط مألوف من المراوغة السياسية في مسار السلطة منذ انقلاب أكتوبر 2021.

البرهان بين المراوغة والارتهان

منذ اندلاع الحرب، لم يتوقف البرهان عن إرسال إشارات متناقضة: يرفض “تدويل الأزمة” ثم يطلب وساطات إقليمية؛ يعلن استقلال قرار الجيش ثم يمتدح دعم دول بعينها. لكن اقتراحه بضم تركيا يمثّل قفزة في خطاب تمهيدي لمشروع أعمق مشروع إعادة تأهيل الإسلاميين عبر استثمار تحالفاتهم التاريخية مع أنقرة والدوحة.

جاء ذلك في توقيت حساس تزداد فيه الضغوط الدولية لعزله عن دور سياسي مستقبلي، كما تتصاعد الاتهامات الأميركية بارتباط الجيش بجماعة الإخوان المسلمين. فقد صرّح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، بأن أي دور للإخوان أو لإيران في السودان “خط أحمر”، تتبعه واشنطن بصرامة. تصريح دعمه الموقف المصري الذي رأى أن الجماعة كانت “سبباً رئيسياً في فوضى السودان”.

لكن البرهان، في تصعيد جديد، رفض وساطة الرباعية وعدّها منحازة، مشدداً على أن “أي تسوية يجب أن تُبنى على مقترحات الحكومة السودانية وحدها”. هذا الموقف لم يُفاجئ المراقبين، إذ يرى كثير منهم أن الجيش لم يتحرر من نفوذ الإسلاميين، وأن البرهان يوازن بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل التي تحكمها دوائر النفوذ العقائدية داخل المؤسسة العسكرية.

تحالفات متغيرة ومناورات مكشوفة

مساعي البرهان لتوسيع شبكة الحلفاء لم تتوقف عند أنقرة والدوحة. ففي منتصف 2024 أعاد السودان علاقاته مع إيران بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات، خطوة أثارت قلقاً إقليمياً واسعاً. وعلى التوازي، كثّف نائب البرهان مالك عقار اتصالاته مع موسكو، بينما تداولت تقارير غربية عن وجود طائرات مسيّرة إيرانية من طراز “مهاجر–6” في قواعد الجيش بأم درمان.
هذه التحركات لم تُقرأ كبحث عن حلول دبلوماسية بقدر ما عكست توجهاً براغماتياً للبقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كلّف الأمر التحالف مع خصوم الأمس.

الولايات المتحدة حذّرت وقتها بوضوح من “تعميق عزلة النظام العسكري” إذا مضى في اتفاقات الدفاع مع موسكو، لكن البرهان يرى في ذلك بطاقة ضغط سياسية تُشعر الرباعية أنه يملك بدائل، ولو رمزية، خارج تحالفاتها.

الإخوان من الظل إلى الواجهة

رغم نفي البرهان المتكرر لأي صلة تربطه بالإخوان، إلا أن دلائل ارتباط الجيش بالحركة الإسلامية لا يمكن إنكارها. ففي مقاطع مصوّرة متداولة، اعترف قياديون من كتيبة “البراء بن مالك” الإسلامية بأنهم يقاتلون إلى جانب الجيش منذ 2011، وأنهم جزء أصيل من ترسانة الدفاع الحالية.
حتى أحمد عباس، والي سنار الأسبق المقرّب من النظام السابق، تحدّى علناً تصريحات البرهان قائلاً إن جمهور الحركة الإسلامية يشكّل “75% من المقاتلين” في الحرب الحالية.

الواقع، كما يرى مراقبون، أن الجيش السوداني لم يتحرر منذ انقلاب 1989 من قبضة الإسلاميين الذين أعادوا تشكيله أيديولوجياً واقتصادياً وأمنياً، وبقوا كامنين داخل مفاصله بعد سقوط البشير عام 2019.
ولذلك فإنّ كل محاولة لإعادتهم إلى المشهد عبر مداخل دبلوماسية  مثل طلب ضم تركيا للوساطة  تبدو التفافاً على جوهر مطالب الثورة السودانية التي نادت بإقصائهم نهائياً من الحياة السياسية.

فهل هي مناورة مكشوفة أم مقامرة أخيرة؟

في نظر “اليراع”، إن مقترح البرهان بإشراك تركيا وقطر في جهود الوساطة ليس سوى مناورة مكشوفة تهدف لتقويض بنود الرباعية الدولية التي تُشترط استبعاد الإسلاميين. ومن خلال ذلك، يسعى البرهان إلى تثبيت معادلة جديدة تعيد التموضع السياسي للعسكر والإخوان ككتلة واحدة في مواجهة القوى المدنية والفاعلين الدوليين.

إن الحرب في السودان لم تعد فقط مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تحوّلت إلى صراع أعمق على هوية الدولة واتجاهها التاريخي: هل تعود إلى قبضة الإسلام السياسي العسكري، أم تنفتح على مسار مدني ديمقراطي؟
وفي لحظة التوازن الحرجة هذه، تبدو محاولة البرهان لجرّ تركيا مجدداً إلى قلب المعادلة رهاناً محفوفاً بالمخاطر، يختبر صبر الرباعية وإرادة السودانيين على حد سواء.

السنغال تصعق المغرب وتتوّج بطلة لكأس الأمم الإفريقية بعد نهائي طغى عليه التوتر أثار الجدل

توج المنتخب السنغالي بلقب كأس الأمم الإفريقية 2026 للمرة الثانية في تاريخه، عقب فوزه المثير على نظيره المغربي 1-0 بعد التمديد، في مباراة نهائية حبست الأنفاس على ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، وسط أحداث مثيرة وغضب جماهيري غير مسبوق.

اليراع – الرياضي

شهد اللقاء المثير أزمة في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، حينما احتسب الحكم الكونغولي جان جاك ندالا ركلة جزاء للمغرب بعد عودته لتقنية الفيديو (VAR) لمراجعة تدخل المدافع الحاج مالك ديوف على إبراهيم دياز. القرار أثار غضب مدرب السنغال بابي تياو، الذي سحب لاعبيه من أرض الملعب احتجاجًا، بعدما كان الحكم قد ألغى قبل دقائق هدفًا لإسماعيلا سار بداعي خطأ على أشرف حكيمي.

اشتبك مشجعو السنغال مع رجال الأمن عقب احتساب ركلة الجزاء.

وبينما حاول لاعب ليفربول السابق والنصر السعودي حاليا ساديو ماني تهدئة الوضع وإقناع زملائه بالعودة، استمر التوقف لأكثر من 17 دقيقة وسط فوضى في المدرجات ومحاولات اقتحام من مشجعين غاضبين. وعندما استؤنف اللعب، تصدى الحارس السنغالي إدوارد ميندي لتسديدة دياز “بانينكا” الهادئة ببراعة، لينهي الحكم الوقت الأصلي بالتعادل السلبي.

وفي الشوط الإضافي الأول، منح متوسط ميدان فياريال بابي غي منتخب “أسود التيرانغا” هدف الفوز بقدمه اليسرى من تسديدة قوية في الدقيقة 94، ليقود بلاده إلى اللقب الثاني خلال خمس سنوات بعد تتويج 2022 أمام مصر.

مدرب المغرب وليد الركراكي وصف تصرف السنغال بـ”المخزي”، مضيفًا أنه “لا يشرف القارة الإفريقية”، فيما أقر المدرب تياو لاحقًا بخطئه، معتذرًا في تصريح لقناة بي إن سبورت: “تصرفنا كان خاطئًا تحت ضغط الموقف. كرة القدم أكبر من الغضب، ونعتذر لجمهور اللعبة.”

ساديو ماني، الذي اختير أفضل لاعب في البطولة، أكد عقب اللقاء أن “صورة كرة القدم الإفريقية أهم من أي فوز”. وأضاف: “كان علينا أن نكمل المباراة حتى لو شعرنا بالظلم. المهم أننا عدنا وانتصرنا.”

ميندي، حارس الأهلي السعودي، وصف الفوز بأنه “ثمرة التماسك والعمل الجماعي”، فيما أبدى اللاعب بابي غي فخره قائلاً: “شعرنا بالظلم، لكننا استجمعنا أنفسنا بعد نصيحة ماني، وعدنا لنفوز.”

على الجانب الآخر، ضاعت على المغرب فرصة تحقيق لقبه الثاني في التاريخ بعد نصف قرن من الغياب، رغم تألق هداف البطولة إبراهيم دياز بخمسة أهداف، وتألق الحارس ياسين بونو الذي نال جائزة أفضل حارس.

بهذا الفوز، ثبّتت السنغال مكانتها كقوة كروية بارزة في القارة، ووجهت رسالة استعداد للمونديال القادم، في حين ترك النهائي مرارة في نفوس المغاربة، بعدما تحوّل حلم التتويج على أرضهم إلى كابوس مؤلم.

اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان: تحالف إسلامي جديد أم محاولة لبقاء التيار الديني المحافظ؟

تشهد العواصم الثلاث، الرياض وأنقرة وإسلام أباد، منذ أشهر مشاورات متواصلة تهدف إلى صياغة اتفاق دفاعي ثلاثي يمثل خطوة غير مسبوقة نحو شراكة استراتيجية جديدة بين أبرز القوى ذات الثقل في العالمين العربي والإسلامي.

وأكد وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة حراج، في تصريحات لوكالة “رويترز”، أن الدول الثلاث أعدت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات امتدت نحو عام، مشيرًا إلى أن الاتفاق المرتقب “منفصل عن التفاهمات الثنائية الموقعة العام الماضي بين السعودية وباكستان”، وأن استكماله يتطلب توافقًا نهائيًا بين الأطراف الثلاثة.

ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، يعكس وفق مراقبين، سعي العواصم الثلاث إلى بناء جبهة إقليمية متماسكة في ظل تصاعد التوترات الأمنية بالمنطقة وعودة التحديات الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي من جهة، وبالتيار العالمي المعادي للإسلام من جهة أخرى. ويرى محللون أن التعاون الدفاعي المقترح يحمل بعدًا هوياتيًا وسياسيًا، إذ يجمع ثلاث دول تمثل التيار المحافظ في المنطقة، تسعى إلى إعادة التموضع كقوى ضامنة للاستقرار وليس طرفًا في التطرف أو الصراع.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن المحادثات بين الرياض وإسلام أباد شملت أيضًا بحث تحويل قروض سعودية بقيمة ملياري دولار إلى صفقة طائرات مقاتلة من طراز “جيه إف-17” لتطوير قدرات سلاح الجو السعودي ودعم الصناعة العسكرية الباكستانية، في إشارة إلى مستوى متقدم من التقارب الدفاعي بين الجانبين.

وبرغم رمزية هذا المسار الثلاثي، يستبعد مراقبون أن يكون بديلاً عن التحالفات الدولية القائمة، خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية التي ترتبط بعلاقات استراتيجية متشابكة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وبريطانيا. إلا أن المبادرة، وفق محللين، تعبّر عن رغبة سعودية – تركية – باكستانية في بلورة “منصة أمنية إسلامية” أكثر استقلالاً قادرة على موازنة النفوذ الخارجي في الإقليم.

من جانبه، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تُجري مشاورات مع السعودية وباكستان بشأن تعزيز التعاون الإقليمي، لكنه أوضح أنه “لم يُوقّع أي اتفاق حتى الآن”، مشددًا على أهمية بناء الثقة المتبادلة بين دول المنطقة لتجاوز حقبة الانقسامات التي أوجدت فراغًا استراتيجيًا استغلته قوى خارجية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذا الإطار الدفاعي “إذا ما وُقّع رسميًا ” قد يمهد لنواة تحالف إسلامي أوسع ينضم إليه عدد من الدول العربية والإسلامية، ما سيعيد رسم موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، ويفتح الباب أمام معادلات أمنية جديدة تتجاوز حدود المحاور التقليدية.

النازحين يعيشون ظروف إنسانية صعبة والحكومة السودانية تطلق برنامجاً مجانياً للعودة الطوعية

طرابلس – اليراع -وكالة (اسبوتنيك الروسية) – أعلن السفير السوداني لدى ليبيا الدكتور إبراهيم محمد أحمد إبراهيم عن إطلاق برنامج مجاني يتيح للمواطنين السودانيين العودة الطوعية إلى بلادهم، متضمناً تأشيرة الخروج والترحيل الداخلي من ميناء سواكن إلى جميع الولايات الآمنة داخل السودان.
وتشهد ليبيا خلال الفترة الأخيرة تزايدا ملحوظا في أعداد النازحين السودانيين الفارين من ويلات الصراع الدائر في بلادهم، بحثا عن الأمان والاستقرار. وحسب السلطات الليبية في بلدية الكفرة، إن “مدينة الكفرة الواقعة في جنوب شرق ليبيا تواجه جملة من التحديات المتزايدة نتيجة الارتفاع الكبير في أعداد النازحين السودانيين داخل المدينة ومحيطها”.و أن عددا كبيرا من النازحين يعيشون في ظروف إنسانية صعبة، خاصة في المزارع الواقعة على أطراف المدينة، ما يجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض، خصوصا مع انخفاض درجات الحرارة، ويطال ذلك بشكل أكبر الأطفال والفئات الأكثر ضعفا من النساء وكبار السن.
وتعمل بعض المنظمات الدولية بتغطية مرتبات عدد من الأطباء في مشافي المدينة، إلى جانب تقديم مساعدات طبية وصحية للتخفيف من حدة هذه التحديات، وتعمل منظمات إنسانية بالتعاون مع المجلس البلدي بها وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية ومديرية أمن الكفرة، بتوزيع المساعدات الإنسانية.
التي تشمل مواد غذائية، ومواد تنظيف، وملابس، ومفروشات، وأغطية، مقدَّمة من عدة جهات في مقدمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي، والمنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) بالشراكة مع الهلال الأحمر

وقال عبد الرحمن محمد رحمة الله، القنصل العام بالقنصلية السودانية في بنغازي، لوكالة (اسبوتنيك الروسية) إن القنصلية العامة، بحكم تمثيلها للدولة السودانية، تضطلع بكامل واجباتها تجاه رعاياها في الخارج، من خلال تقديم مختلف الخدمات القنصلية، وتوفير مستندات إثبات الهوية، إلى جانب التنسيق والتواصل مع الجهات الرسمية لمعالجة القضايا الهجرية وتقديم الخدمات اللازمة للسودانيين المقيمين والنازحين.
وأضاف القنصل العام “، أن “القنصلية تقدم مساعدات مباشرة عبر التواصل والتنسيق المحكم مع المنظمات الدولية والهيئات المعنية بتقديم الدعم الإنساني بمختلف أشكاله، لأي فئة تمر بظروف إنسانية صعبة، لا سيما السودانيين الذين يواجهون أوضاعا استثنائية جراء ما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة وفظائع على يد مليشيات الدعم السريع المتمردة في السودان”.
وأكد أن القنصلية تعمل على ضمان اضطلاع هذه المنظمات بدورها الإنساني تجاه السودانيين، باعتبار ذلك حقا أصيلا لهم بحكم عضوية السودان في الأسرة الدولية.
وأشار إلى أن القنصلية العامة تنسق بشكل وثيق ومستمر مع مختلف السلطات الليبية بشأن أوضاع النازحين السودانيين، مثمنا الجهود التي تبذلها هذه السلطات في تقديم الخدمات المتاحة لهم، بما يشمل الإيواء والغذاء والكساء والرعاية الصحية والتعليم.
واعتبر رحمة الله أن أبرز التحديات تتمثل في الأعداد الكبيرة للنازحين، إلى جانب كيفية تلبية رغبة العديد منهم في العودة إلى السودان عبر برنامج العودة الطوعية، عقب طرد المليشيات من مناطقهم وعودة الحياة إلى طبيعتها.
الأوضاع الإنسانية التي يعيشها النازحين في مدينة الفاشر بدارفور وشمال كردفان في ظل الحصار والنقص الحاد في مواد الإغاثة
وأضاف: “ننسق باستمرار مع الجهات المختصة التي تسعى، مشكورة، إلى تحسين أوضاع السودانيين، من خلال تنفيذ القرارات الصادرة بشأن تسوية الأوضاع الهجرية، والإعفاء من ختم الدخول عند إصدار الإقامات، وتوفير فرص العمل بما يسهم في رفع المستوى المعيشي للأسر السودانية”.
وتابع القنصل العام أن هذا التنسيق يشمل أيضًا دعم استقرار العملية التعليمية، عبر إصدار المعادلات الدراسية، والإعفاء من شرط الإقامة للالتحاق بالنظام التعليمي الليبي، إلى جانب مواصلة فتح المدارس للراغبين في دراسة المنهج السوداني، وتنظيم الامتحانات المرحلية (الابتدائية والمتوسطة والثانوية) في مدرسة الأخوة السودانية الليبية بمدينة بنغازي.
وذكر أن القنصلية مستمرة في توسيع مظلة المساعدات المقدمة للسودانيين، وتحسين آليات تقديمها، من خلال لجان الجاليات السودانية في مختلف المناطق، بما يضمن وصول الدعم لمستحقيه وتعزيز الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

السودان على حافة مجاعة كبرى مع دخول الحرب عامها الثالث

33 مليون شخص مهددون بالجوع وسط تصاعد القتال وتراجع التمويل الدولي

يدخل النزاع الدامي في السودان يومه الألف، وسط تحذيرات متزايدة من منظمات الإغاثة الدولية من انهيار إنساني غير مسبوق يهدد حياة عشرات الملايين من السكان. فقد تسبب العنف واسع النطاق وتراجع المساعدات الخارجية في دفع أكثر من 33 مليون شخص نحو حافة المجاعة، وفق ما تؤكده منظمات غير حكومية دولية.

ويشير عاملون في القطاع الإنساني إلى أن السودان يشهد واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية في العالم، وسط حاجة عاجلة لمساعدات غذائية وطبية لقرابة نصف السكان. وتؤكد منظمة «الإغاثة الإسلامية» أن 45% من الشعب السوداني – أي أكثر من 21 مليون شخص – يعانون من نقص حاد في الغذاء، فيما تفيد التقييمات الميدانية في ولايتي القضارف ودارفور بأن 83% من الأسر لا تملك ما يسد رمقها.

حرب بلا نهاية وتدهور في دارفور وكردفان

اندلعت الحرب في أبريل/نيسان عام 2023 بين الجيش السوداني النظامي وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وأسفرت عن ملايين النازحين وتدمير واسع للبنية التحتية. وقد اتُهم الطرفان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينما تؤكد الأمم المتحدة أن الانتهاكات الواسعة المنسوبة إلى الدعم السريع في دارفور قد ترقى إلى جرائم إبادة جماعية.

وأفادت تقييمات أممية حديثة بأن الوضع في شمال دارفور كارثي، حيث يعاني أكثر من نصف الأطفال الصغار من سوء تغذية، في واحدة من أعلى النسب المسجلة عالميًا. كما أدت عودة المعارك في ولايات دارفور وكردفان إلى موجة نزوح جديدة، زادت من تعقيد الوضع المعيشي لملايين الأسر الفارة من القتال.

نداءات عاجلة من المنظمات الإنسانية

في بيان مشترك، طالبت 13 منظمة إغاثية المجتمع الدولي بتكثيف الجهود لإنهاء الحرب، وحثّت بريطانيا — بصفتها الحامل الرسمي لملف السودان في مجلس الأمن الدولي — على زيادة التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية، والتحرك الدبلوماسي الجاد لوضع حد للصراع.

وحذرت المنظمات من أن استمرار الحرب وتراجع الدعم الدولي يهددان بتحول أزمة السودان إلى “أكبر أزمة جوع في العالم”، مشيرة إلى أن ملايين النازحين يعيشون في مخيمات مكتظة وغير آمنة تفتقر للخدمات الأساسية وتنتشر فيها الأمراض والعنف الجنسي.

أظهرت الإحصاءات الجديدة أن الحرب أدت إلى تعطّل 70 إلى 80% من المستشفيات والمراكز الصحية، ما جعل نحو 65% من السكان بلا أي فرصة للحصول على الرعاية الطبية. كما انهارت شبكات المياه والصرف الصحي، وتوقفت الخدمات التعليمية في مساحات واسعة من البلاد.

وقال السادق النور، مدير البرامج في منظمة «الإغاثة الإسلامية» بالسودان، إنّ «هذه الحرب لا يمكن أن تستمر أكثر من ذلك. لألف يوم ونحن نشاهد بلادنا تتمزق، ويُهاجم المدنيون ويُجبرون على الجوع والنزوح».

أزمة التمويل العالمي واستنزاف المساعدات

يأتي هذا التدهور في الوقت الذي تشهد فيه المساعدات الإنسانية العالمية تراجعًا غير مسبوق. فبعد سلسلة من التخفيضات الكبيرة التي تبنتها الإدارة الأميركية السابقة، تجد منظمات الإغاثة العاملة في السودان نفسها مضطرة للمنافسة على موارد محدودة مع أزمات أخرى في غزة وأوكرانيا وميانمار.

وكانت الأمم المتحدة قد كشفت الشهر الماضي، عند إطلاقها نداء التمويل لعام 2026، أنها تواجه «خيارات قاسية»، إذ اضطرت إلى تقليص طلبها إلى 23 مليار دولار فقط  وهو نصف المبلغ المطلوب لتغطية الاحتياجات الفعلية، رغم أنّ حجم الأزمات الإنسانية حول العالم بلغ مستوى قياسيًا.

خطر النسيان

وقالت منظمات الإغاثة في بيانها إن «التخفيض الحاد في التمويل الخارجي أضعف عمليات الإغاثة الحيوية، وجرّد البرامج الأساسية من الدعم»، مؤكدة أن عواقب ذلك ستكون مدمرة: ملايين سيُحرمون من الغذاء والماء والرعاية الطبية والمأوى، مع تزايد مخاطر العنف ضد النساء والفتيات.

وشدّد سامي غيسابي، مدير منظمة «أكشن أغينست هانغر» في السودان، على ضرورة إبقاء الأزمة في دائرة الاهتمام العالمي، قائلاً: «لا يمكن أن يتحول السودان إلى مأساة منسية أو أزمة مهملة. حجم المعاناة هائل، ونرى الخوف والإرهاق في وجوه الناس الذين يبحثون عن مأوى وطعام وأمان».

ويرى المراقبون أن الأزمة السودانية تجاوزت منذ فترة طويلة حدودها الجغرافية لتصبح مسألة أمن إقليمي ودولي. فالسودان، الواقع في قلب القرن الأفريقي وعلى البحر الأحمر، يمثل منطقة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، ما يجعل استمرار الحرب فيه مصدر تهديد لاستقرار المنطقة بأكملها.

وتتّهم أطراف النزاع بعضها البعض بتلقي دعم خارجي من دول إقليمية، في حين تسعى قوى كبرى إلى حماية مصالحها في الذهب والممرات التجارية والطاقة. وبالرغم من الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار، لم تُظهر الأطراف المتحاربة استعدادًا حقيقيًا للتفاوض الجاد، وسط عجزٍ دوليٍ واضح عن فرض تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

ويشير محللون إلى أن غياب موقف موحّد من مجلس الأمن، إلى جانب انشغال العالم بأزمات أخرى مثل أوكرانيا وغزة وتايوان، ساهم في تراجع الاهتمام الدولي بالسودان، وهو ما حذّرت منه منظمات الإغاثة بوصفه مدخلًا لتحوّل الأزمة إلى كارثة منسية.

على الصعيد الإقليمي، تتخوّف دول الجوار  خصوصًا مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا من اتساع رقعة الصراع ووصول موجات النزوح إليها، في وقت تعاني فيه من أزمات اقتصادية وأمنية خاصة بها. كما يثير امتداد الفوضى خطر ظهور جماعات مسلحة جديدة واستغلال هشاشة الأوضاع في تهديد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويرى الخبراء أن أي تسوية دائمة تتطلب توافقًا دوليًا وإقليميًا يضمن وقف القتال، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح قنوات الإغاثة بصورة آمنة، مع دعم شامل لعملية انتقال سياسي تضع حدًا لتغوّل القوى العسكرية وتعيد للسودانيين السيطرة على مستقبلهم.

 نداء من قلب المأساة

بين أزيز الرصاص وصمت العالم، يعيش السودان اليوم واحدة من أقسى لحظات تاريخه الحديث. ملايين الجائعين والنازحين ينتظرون بارقة أمل في زمن تجف فيه منابع المساعدات وتتراجع فيه أولوية الضمير الإنساني أمام تنافس الأزمات العالمية.
فبين دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تمتد قصص لا تُروى إلا بلغة المعاناة، لأمهات فقدن أبناءهن جوعًا أو قصفًا، ولأطفال يكبرون بلا مدارس ولا مأوى.

تؤكد منظمات الإغاثة أن الوضع لا يحتمل الانتظار، وأن السكوت الدولي بات تواطؤًا صامتًا مع الجوع والدمار. فالسودان الذي كان يومًا سلة غذاء أفريقيا، يقف اليوم على هاوية مجاعة كبرى تحتاج إلى تضامن صادق وقرار سياسي شجاع يعيد للحياة لونها وللإنسان كرامته.

مليشيا فاغنر الروسية تغلق الممر بين إفريقيا الوسطى ودارفور وتربك موازين القوى في السودان

الخرطوم – اليراع
كشف مسؤول محلي في مدينة أم دافوق، الواقعة على الحدود بين السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، عن توغل قوات روسية متمركزة داخل الأراضي الإفريقية الوسطى إلى بلدة “كركر” السودانية، في تطور أمني غير مسبوق يشير إلى تصاعد التوتر في المنطقة الحدودية.

وأوضح المسؤول أن تلك القوات الروسية قامت بطرد عناصر الشرطة والطاقم الإداري التابع لقوات الدعم السريع من البلدة، ما يخلق واقعاً أمنياً جديداً ويلغي الترتيبات السابقة التي عقدتها قوات الدعم السريع مع جهات في إفريقيا الوسطى.

ويأتي هذا التوغل في ظل تزايد الاحتكاكات الحدودية وتداخل مناطق النفوذ العسكري، وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات سياسية وأمنية على استقرار إقليم دارفور والمناطق المتاخمة لإفريقيا الوسطى.

وأشار المسؤولون المحليون إلى أن المجموعات المعروفة سابقاً باسم “فاغنر” والتابعة حالياً لوزارة الدفاع الروسية تحت مسمى “الفيلق الإفريقي”، أغلقت الطريق البري الرابط بين جمهورية إفريقيا الوسطى وولاية جنوب دارفور، ما يمثل ضربة لقوات الدعم السريع التي تعتمد على هذا الممر الحيوي لتأمين الإمدادات العسكرية واللوجستية لمناطق سيطرتها في غرب السودان.

ويأتي التحرك بعد أسابيع من اتفاق بين قوات الدعم السريع والحكومة المحلية في محافظة “بيراو” بأفريقيا الوسطى لفتح نقاط تجارية حدودية، بهدف التخفيف من آثار قرار السلطات المحلية الموالية للجيش في شمال السودان بمنع مرور البضائع إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور وأجزاء من كردفان.

ويرى مراقبون أن هذا التطور يمثل تحولاً حاداً في المشهد الأمني الحدودي، إذ يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة السودانية على فرض سيادتها وضبط حدودها في ظل تنامي النفوذ الروسي. كما يسلط الضوء على صراع المصالح الإقليمية والدولية في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة.

وبحسب مصادر ميدانية، دفعت القوات الروسية بتعزيزات عسكرية ثقيلة ونشرت نقاط تفتيش محكمة على المعابر الرئيسية بين إفريقيا الوسطى وغرب السودان، ما أدى إلى تكدّس مئات الشاحنات التجارية على جانبي الحدود وتفاقم المخاوف من أزمات إنسانية واقتصادية في المجتمعات المحلية المعتمدة على هذا الممر.

ووفقاً لموقع “أوغندا بالعربي”، جاء قرار الإغلاق مباشرة من قيادة “فاغنر” في العاصمة بانغي، بالتزامن مع إعادة انتشار واسعة للقوات الروسية في منطقة “بيراو” القريبة من المثلث الحدودي، في ما يبدو أنه جزء من إعادة تموضع استراتيجي أوسع.

ويشير محللون إلى أن موسكو تسعى من خلال هذا التحرك إلى توسيع نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، بما يمنحها أوراق ضغط جديدة في علاقاتها مع القوى المحلية والإقليمية، خصوصاً الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد كشفت في ديسمبر الماضي أن الخرطوم عرضت على موسكو إنشاء أول قاعدة بحرية روسية على الأراضي الإفريقية في بورتسودان لمدة 25 عاماً، تشمل وجود نحو 300 جندي وأربع سفن حربية، من بينها سفن تعمل بالطاقة النووية، مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي في قطاع الذهب السوداني.

ويخوض السودان منذ أبريل 2023 حرباً دامية بين الجيش وقوات الدعم السريع، فيما يثير التدخل الروسي المباشر في مناطق النزاع مخاوف من اتساع رقعة الحرب ودخول أطراف دولية جديدة على خط الأزمة.

اليراع + مصادر محلية ووكالات

أمريكا تتجاوز “خطا غير مقبول”: عملية عسكرية لاعتقال رئيس فنزويلا تفجّر أزمة قانونية ودبلوماسية عالمية

هزّت عملية عسكرية أميركية مفاجئة في فنزويلا، انتهت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، النظام الدولي وأعادت إلى الواجهة سجلّ واشنطن الطويل في التدخل في أميركا اللاتينية، وسط سيل من الإدانات والتحذيرات من انتهاك صارخ لسيادة الدول والقانون الدولي.

 هجوم ليلي واعتقال معلن

قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت كاراكاس، دوّت انفجارات قوية في العاصمة وضواحيها ترافقَت مع تحليق مروحيات هجومية، بحسب مراسلي وكالات الأنباء. واستهدفت الضربات قاعدة عسكرية رئيسية وقاعدة جوية ومواقع أخرى، واستمرت نحو ساعة قبل أن يعلن ترامب على منصة “تروث سوشال” أن “الولايات المتحدة الأميركية نفّذت ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها الرئيس نيكولاس مادورو، الذي جرى اعتقاله مع زوجته ونقلهما خارج البلاد”.

وفي واشنطن، أعلنت النائب العام الأميركية باميلا بوندي أن مادورو وزوجته سيُحاكمان أمام القضاء الأميركي بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب، متوعّدة بأن يواجها “كامل بطش العدالة الأميركية على الأراضي الأميركية”. أما في كاراكاس، فقد وصفت الحكومة الفنزويلية العملية بأنها “عدوان عسكري بالغ الخطورة” وطالبت بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي. وقالت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز في اتصال هاتفي مع التلفزيون الفنزويلي إنها لا تعرف مكان وجود مادورو وزوجته سيليا فلوريس، داعية واشنطن إلى تقديم “دليل حياة” للرئيس الذي يقود البلاد منذ 12 عاما، في وقت لا تزال فيه إعادة انتخابه عام 2024 موضع تشكيك واسع في المجتمع الدولي.

 رئيس “سلام” يفتح أكثر من جبهة

يأتي التصعيد الجديد بعد أقل من عام على عودة ترامب للبيت الأبيض وهو يرفع شعار “رئيس السلام”. غير أن سياسته الخارجية اتخذت منحى مغايرا؛ فقبل أيام فقط نفّذ الجيش الأميركي ضربة في نيجيريا في يوم عيد الميلاد قال ترامب إنها استهدفت “جهاديين” هاجموا مسيحيين، كما لوّح بتدخل عسكري محتمل في إيران إذا أقدمت السلطات هناك على “قتل متظاهرين” خرجوا إلى الشوارع.

وفي خطابه التنصيبي الثاني في 20 يناير/كانون الثاني من العام الماضي، قال ترامب إن “أكبر ما أعتز به هو إرث صانع السلام والموحد”، قبل أن يعيد لاحقاً تسمية وزارة الدفاع لتصبح “وزارة الحرب”، في خطوة رمزية اعتبرها مراقبون تعبيراً عن رؤية أكثر هجومية في السياسة الخارجية.

 إدانات ومواقف متباينة حول العالم

تدفقت ردود الفعل الدولية سريعاً، كاشفة انقساماً بين دول تعتبر مادورو فاقداً للشرعية لكنها ترفض التدخل العسكري، وأخرى ترى في ما حدث انتهاكاً سافراً لسيادة دولة مستقلة.

في الاتحاد الأوروبي، قالت مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس إن التكتل “ذكّر مراراً بأن مادورو يفتقر إلى الشرعية، ودافع عن انتقال سلمي للسلطة”، لكنها شدّدت في الوقت نفسه على أن “مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يجب أن تُحترم في كل الأحوال”، داعية إلى “ضبط النفس” من جميع الأطراف.

وفي أميركا اللاتينية، أدان الرئيس التشيلي غابريال بوريتش التحركات العسكرية الأميركية في فنزويلا، مؤكداً تمسّك بلاده بالمبدأ القاضي بحظر استخدام القوة وحل الأزمات بالوسائل السلمية.

ووصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الضربات على كاراكاس بأنها “هجوم إجرامي” ورفض أي عمل عسكري أحادي الجانب “من شأنه أن يفاقم الوضع أو يعرّض المدنيين للخطر”، داعياً إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن وخفض التصعيد.

من جهته، استخدم الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل عبارات حادة، إذ ندد بما وصفه “الهجوم الإجرامي” واعتبر أن “منطقة مسالمة تتعرض لهجمات وحشية”، متهماً الولايات المتحدة بممارسة “إرهاب الدولة ضد الشعب الفنزويلي والقارة الأميركية”.

وفي بوليفيا، وصف الرئيس رودريغو باز القصف الأميركي بأنه “عدوان إمبريالي وحشي” وانتهاك صارخ لسيادة فنزويلا، معلناً تضامنه الكامل مع شعبها.

في أوروبا، قالت وزارة الخارجية الألمانية إنها تتابع الوضع في فنزويلا “بقلق بالغ” وإن فريقاً معنيّاً بالأزمة سيجتمع لتقييم التطورات. أما الخارجية الإيطالية فأشارت إلى أنها “تراقب عن كثب” ما يجري، وأنها في حالة تأهب لحماية مواطنيها هناك.

وفي إسبانيا، أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز استعداد بلاده للعب “دور إيجابي” من أجل حل سلمي تفاوضي، وحثّ جميع الأطراف على التصرف بما ينسجم مع القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

وفي لندن، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن بلاده “لم تشارك” في الضربات الأميركية على فنزويلا، موضحاً: “أريد معرفة الحقائق أولاً. أريد التحدث إلى الرئيس ترامب وإلى حلفائنا”. وأضاف: “يمكنني أن أقول بوضوح تام إننا لم نكن ضالعين في الأمر… وأقول دائماً إنه يتعين علينا جميعاً التمسك بالقانون الدولي”.

 موسكو: انتهاك غير مقبول للسيادة روسيا، الحليف الأبرز لكاراكاس، أعربت عن “قلق بالغ” إزاء التقارير عن نقل مادورو وزوجته “قسراً” من البلاد.

وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان إنها تطالب “بتوضيح فوري” للملابسات، معتبرة أن مثل هذه الأفعال، “إن صحت، تمثل انتهاكاً غير مقبول لسيادة دولة مستقلة، والتي يشكل احترامها مبدأ رئيسياً من مبادئ القانون الدولي”. ودانت موسكو ما وصفته بـ”العمل العدواني المسلح الأميركي” ضد فنزويلا، مؤكدة تأييدها لعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي، ومشددة في الوقت نفسه على “حق فنزويلا في تقرير مصيرها دون تدخل عسكري خارجي”. كما أعلنت استعدادها لدعم حوار بين الأطراف الفنزويلية لتجنب انزلاق البلاد إلى فوضى أوسع.

مبدأ مونرو: “الفناء الخلفي” تحت الوصاية

أعاد التدخل الأخير في فنزويلا تسليط الضوء على تاريخ طويل من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، يعود إلى مطلع القرن التاسع عشر مع “مبدأ مونرو” الذي رفع شعار “أميركا للأميركيين” ومنح واشنطن، عملياً، حقاً ضمنياً في اعتبار القارة اللاتينية مجال نفوذ خاصاً بها. وبحسب دراسة صادرة عن جامعة أكسفورد في مارس/آذار 2019، بلغ عدد تدخلات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية منذ عام 1800 وحتى نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين آلاف المرات، تراوحت بين احتلال مباشر وهيمنة سياسية، وانقلابات عسكرية، وتدخلات اقتصادية وإعلامية محدودة قصيرة الأمد.

ومع مطلع القرن العشرين، أعاد الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت إحياء مبدأ مونرو وتوسيعه عبر ما عُرف بـ”مبدأ روزفلت” عام 1904، الذي لم يكتف بالدفاع ضد النفوذ الأوروبي، بل منح واشنطن حق التدخل في شؤون دول نصف الكرة الغربي بدعوى “ضعفها” أو “سوء إدارتها”. وأسفر ذلك عن موجة من الاحتلالات والسيطرة المباشرة على دول مثل بورتوريكو، ونيكاراغوا، وهاييتي، والدومينيكان، وكوبا في فترات متعاقبة.

الحرب الباردة والانقلابات المدعومة أميركياً

مع اندلاع الحرب الباردة بين عامي 1947 و1991، تكثفت التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية تحت شعار مواجهة الشيوعية و”التهديدات المستقبلية المحتملة”.

وقد وثّقت تقارير استقصائية، بينها تقرير لمجلة “ريفيستا” التابعة لجامعة هارفارد، ما لا يقل عن 41 حالة نجحت فيها الولايات المتحدة في تغيير أنظمة حكم بدول المنطقة بين عامي 1898 و1994، بينها 17 تدخلاً مباشراً تورطت فيها القوات الأميركية أو أجهزتها الاستخباراتية أو متعاونون محليون معها.

في غواتيمالا عام 1954، أطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بحكومة جاكوبو أربينز المنتخبة ديمقراطياً بعد تبنّيها إصلاحات طالت مصالح شركة “يونايتد فروت” الأميركية العملاقة.

خُصصت ملايين الدولارات للعملية، ودُرّب متمردون مسلحون، ومورست حرب نفسية وضغوط دبلوماسية واقتصادية، لينتهي الأمر بحرب أهلية دامية استمرت 36 عاماً وقُتل أو فُقد خلالها نحو 200 ألف شخص.

وفي نيكاراغوا خلال ثمانينيات القرن الماضي، دعم الرئيس رونالد ريغان ميليشيات “الكونترا” السرية ضد حكومة الساندينيين المنتخبة، مقدماً لها التدريب والسلاح ومئات الملايين من الدولارات، في صراع أوقع عشرات آلاف الضحايا وأغرق البلاد في أزمة اقتصادية خانقة.

وفي بنما عام 1989، أطلق الرئيس جورج بوش الأب عملية “القضية العادلة” التي شهدت إنزال أكثر من 26 ألف جندي أميركي للإطاحة بالرئيس مانويل نورييغا واعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة، حيث حُوكم بتهم تتعلق بالمخدرات والفساد، في مشهد يقارن به كثيرون ما يجري اليوم مع مادورو. وفي هايتي عام 2004، اتهم الرئيس جان برتران أريستيد واشنطن وباريس بدعم انقلاب أطاح به وأجبره على مغادرة البلاد على متن طائرة أميركية باتجاه جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية وتجفيف المساعدات واستخدام أدوات “الدعم الديمقراطي” لتمويل خصومه.

الانقلابات غير المباشرة و”القوة الناعمة”

إلى جانب التدخلات العسكرية المباشرة، لعبت واشنطن أدواراً حاسمة في انقلابات غير مباشرة عبر تمويل معارضين، وتحريك الإعلام، وفرض عقوبات اقتصادية، كما في البرازيل عام 1964، حيث دعمت عملية “الأخ سام” التي قامت بتزويد الجيش البرازيلي بالوقود والأسلحة خلال الانقلاب على الرئيس جواو غولارت، وفي الأرجنتين عام 1976، حيث كشفت وثائق رُفع عنها السرّية لاحقاً تواطؤ مسؤولين أميركيين مع قادة الانقلاب بقيادة الجنرال خورخي فيديلا.

وفي تشيلي، موّلت الحكومة الأميركية عمليات سرية للتأثير في الانتخابات ومنع فوز سلفادور أليندي، قبل أن تدعم انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973، الذي أسس نظاماً عسكرياً دكتاتورياً ارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قُدِّر عدد ضحاياها بأكثر من 40 ألفاً بين قتيل ومعتقل ومختفٍ قسرياً. ورغم تراجع وتيرة التدخلات العسكرية بعد نهاية الحرب الباردة، لم تتخلّ الولايات المتحدة عن سياسة “تغيير الأنظمة”، بل استبدلت كثيراً من أدواتها الصلبة بأدوات “ناعمة” تقوم على الحرب الاقتصادية والعقوبات، ودعم الحركات المعارضة، واستثمار الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، في إطار ما يوصف أحياناً بـ”الانقلابات الناعمة”.

وتندرج محاولات زعزعة الأنظمة في فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا في هذا السياق، بما في ذلك محاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز عام 2002، التي اتهم فيها واشنطن بلعب دور مباشر. 

دوافع مركبة

من النفط إلى السياسة الداخلية ترى دراسات أكاديمية، بينها دراسة جامعة أكسفورد المشار إليها، أن دوافع التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية مركّبة، وتشمل التوسع الإقليمي، والنزعة الثقافية التفوقية، واستغلال الموارد والبحث عن أسواق، والتنافس مع القوى الكبرى، والصراع الأيديولوجي أثناء الحرب الباردة، إضافة إلى اعتقاد راسخ لدى بعض صناع القرار الأميركيين بأن جزءاً من أزمات بلادهم الداخلية يُردّ إلى “مصادر” في الجنوب. وتلعب السياسة الداخلية الأميركية دوراً حاسماً في القرارات الخارجية، إذ أظهر تقرير “ريفيستا” أن التنافس الحزبي داخل واشنطن دفع رؤساء إلى تبني تدخلات عسكرية ليس استجابة لتهديدات حقيقية بقدر ما هو محاولة لقطع الطريق على خصومهم في الكونغرس. فقد كشفت وثائق داخلية أن الرئيس ليندون جونسون أمر بإرسال قوات إلى الدومينيكان عام 1965 تحت ضغط سياسي داخلي، لا بفعل خطر داهم.

جدل قانوني واسع

هل يمكن اعتقال رئيس دولة بهذه الطريقة؟ تثير عملية خطف رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من أراضيه، إذا تأكدت تفاصيلها، إشكاليات قانونية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.

فميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالتي الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن، ولم يعلن البيت الأبيض، حتى الآن، عن أي تفويض أممي أو حالة تهديد وشيك مصدرها فنزويلا تبرر الهجوم. كما أن نقل رئيس دولة قسراً لمحاكمته في دولة أخرى يضع سابقة خطيرة تتجاوز حتى حالات اعتقال رؤساء مخلوعين بموجب قرارات دولية أو بعد حروب أعلنت فيها الأمم المتحدة استخدام القوة، كما حدث في يوغوسلافيا السابقة أو العراق. ويرى خبراء في القانون الدولي أن استمرار العمل بهذه المقاربة يفتح الباب أمام نزاعات متبادلة، ويقوّض مبدأ الحصانة السيادية للقادة، ويضعف منظومة الأمن الجماعي التي يمثلها مجلس الأمن. وفي المقابل، يجادل مؤيدو التحرك الأميركي بأن مادورو فاقد للشرعية داخلياً ودولياً، ومتهم بجرائم عابرة للحدود، وأن “عدم التحرك” يعني ترك شعب فنزويلا تحت “حكم قمعي”. 

فنزويلا بين مطرقة التدخل وسندان الأزمة الداخلية

تأتي العملية الأميركية في ظل أزمة اقتصادية وسياسية عميقة تعيشها فنزويلا منذ سنوات، تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية والحصار المالي، كما تفاقمت بسبب سياسات داخلية تخص إدارة الثروة النفطية، وتهم الفساد، وضعف المؤسسات. وقد دفعت هذه الأوضاع ملايين الفنزويليين إلى الهجرة، وأدت إلى انهيار الخدمات الأساسية وتضخم قياسي. ويحذّر مراقبون من أن الضربة الأميركية الأخيرة، وما رافقها من اعتقال معلَن للرئيس، قد تعمّق الانقسامات داخل المجتمع والجيش، وتفتح الباب أمام صراع داخلي طويل الأمد، خصوصاً إذا سعت قوى محلية إلى ملء الفراغ السياسي بدعم خارجي متنافس.

المستقبل المجهول

مجلس الأمن على المحك في ظل دعوات متصاعدة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، يواجه النظام متعدد الأطراف اختباراً جديداً بعد سنوات من العجز أمام أزمات سابقة في العراق وسوريا وأوكرانيا وغيرها. وسيكون على الدول الكبرى حسم موقفها من سابقة اعتقال رئيس دولة بالقوة، وما إذا كانت ستتعامل معها كاستثناء أم كمؤشر لتحوّل أوسع نحو “شرعنة” تغيير الأنظمة بالقوة خارج أطر الأمم المتحدة.

وبينما تتأرجح فنزويلا على حافة منعطف حاد، يشير كثير من المحللين في أميركا اللاتينية إلى أن السؤال الحقيقي يتجاوز شخص مادورو أو ترامب، ليمسّ جوهر النظام الدولي نفسه: هل ما زالت سيادة الدول مبدأً حاكماً، أم أنها باتت مشروطة بمصالح القوى الكبرى وموازين القوى؟ الإجابة ستتضح، على الأرجح، في أروقة نيويورك بقدر ما تتضح في شوارع كاراكاس.

فضيحة “آرش دو زوي”.. الثغرة الإنسانية التي فتحت أبواب الاتجار بالأطفال باسم الإغاثة

الخرطوم – نجامينا – باريس | إعداد: حاتم المدني

بعد مرور ثمانية عشر عاماً على واحدة من أفظع الوقائع في تاريخ العمل الإنساني بأفريقيا، ما تزال فضيحة “آرش دو زوي” (L’Arche de Zoé)، التي بدأت في صحارى تشاد وامتدت إلى قاعات القضاء الفرنسي، تمثل درساً قاسياً في هشاشة الرقابة الدولية على أنشطة الإغاثة في مناطق النزاع، وحكاية لم تكتمل فصولها بعد بالنسبة لعشرات الأطفال الذين خُطفوا باسم الرحمة.

في عام 2007، مثل اليوم كانت دارفور تتصدّر عناوين الأخبار بوصفها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، ومع تزايد صور النزوح والجوع، وجد عشرات النشطاء الأوروبيين في المأساة بوابةً نحو “التدخل الإنساني المنقذ”، إلا أن واحدة من تلك المبادرات تحوّلت إلى عملية اتجار بالبشر عابرة للحدود تحت غطاء الإغاثة، قادتها منظمة فرنسية غير حكومية تُعرّف نفسها بأنها “منقذة للأطفال”.

من نوايا الإغاثة إلى خديعة إنسانية

تأسست جمعية “آرش دو زوي” مطلع 2004 في باريس على يد رجل الإطفاء الفرنسي إيريك بروتو، الذي اكتسب شهرة أثناء عمليات الإغاثة بعد كارثة تسونامي في آسيا. قدّمت الجمعية نفسها كمنظمة غير ربحية تعمل لحماية الأيتام من مناطق النزاعات والكوارث الطبيعية.
لكن التحول المريب بدأ عندما أعلنت في صيف 2007 عبر موقعها الإلكتروني عن “خطة إنقاذ لأطفال دارفور”، مع حملة تبرعات واسعة في فرنسا وبلجيكا تحت شعار “أنقذوا أطفال دارفور قبل فوات الأوان”، زاعمة نيتها نقل حوالي 10 آلاف طفل إلى أسر فرنسية وأوروبية “كفيلة برعايتهم وتربيتهم”.

في الظاهر، حمل المشروع نوايا نبيلة. لكن الوثائق والتحقيقات اللاحقة كشفت أن الجمعية لم تحصل على ترخيص من السلطات السودانية أو التشادية، وأنها اعتمدت على وسطاء محليين لجمع الأطفال من مخيمات اللاجئين على الحدود. أحد هؤلاء الوسطاء أقرّ لاحقاً أمام المحكمة بأنه سلّم نحو ستين طفلاً “مقابل مبالغ محددة”، بناءً على وعود زائفة بأنهم سينتقلون إلى مدارس أوروبية آمنة.

لحظة الانكشاف: الطائرة التي أوقفت المشروع

في 25 أكتوبر 2007، أوقفت السلطات التشادية في مدينة أبيشي شرقي البلاد طائرة بوينغ كانت تستعد للإقلاع تقلّ 103 أطفال.
كان أعضاء المنظمة يحملون أوراقاً صادرة باسم برنامج إغاثي مزعوم، ويستعدون لنقل الأطفال إلى فرنسا عبر إسبانيا. إلا أن شكوك مسؤولين محليين وإفادات بعض السكان كشفت سريعاً أن معظم الأطفال ينحدرون من عائلات تشادية فقيرة وليست لهم أي علاقة بدارفور.

بعد ساعات من التحقيق، بدأت تتكشف الحقيقة: الأطفال لم يكونوا أيتاماً، وأُعدّت لهم وثائق هوية مزورة، بينما دفعت بعض الأسر الفرنسية ما بين 1700 إلى 9000 دولار لـ”كفالة” أحد هؤلاء الأطفال المزعومين كأيتام حرب.
وانفجر الغضب في نجامينا، وتحركت الشرطة لتوقيف ستة من أعضاء الجمعية، من بينهم بروتو وشريكته إيميل بريشارد، إضافة إلى عدد من المتعاونين الإسبان والبلجيك.

أزمة دبلوماسية بين باريس ونجامينا

الفضيحة لم تقتصر على الجانب الإنساني. فقد تطورت سريعاً إلى أزمة فرنسية – تشادية من العيار الثقيل.
في حين أصرت حكومة تشاد على محاكمة المتهمين وفق القانون المحلي بتهمة محاولة اختطاف ونقل قسري لأطفال عبر الحدود، تدخل الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي مباشرة، وقام بزيارة عاجلة إلى نجامينا، عاد بعدها إلى باريس مصطحباً عدداً من المتهمين الأجانب من غير الفرنسيين.

لكن القضاء التشادي أصدر أحكاماً قاسية بالسجن ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة ضد ستة فرنسيين، وتعويضات بلغت 25 مليون دولار لأسر الأطفال. ورغم أن ساركوزي ضغط لاحقاً لتسليمهم إلى فرنسا، حيث خفف القضاء الفرنسي العقوبة إلى السجن مع وقف التنفيذ، إلا أن الشق المعنوي للفضيحة بقي حاضراً، وأُغلقت منظمة “آرش دو زوي” نهائياً بعد أن أصبحت عنواناً للفشل الأخلاقي في العمل الإنساني.

موقف الأمم المتحدة: “لا رحمة خارج القانون

أدان صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) العملية بشدة، ووصفت المسؤولة الأممية آنذاك آن فينمان الحادث بأنه “خارج عن كل الأعراف والقوانين الدولية”، مضيفة:

“من غير المقبول أن يُنتزع الأطفال من أوطانهم دون استيفاء الإجراءات القانونية. ما حدث يهدد جوهر الثقة في العمل الإنساني بأفريقيا.”

كما أشارت تقارير صادرة لاحقاً عن الأمم المتحدة إلى أن معظم الأطفال الذين جرى تهريبهم كانوا يعيشون مع أحد والديهم على الأقل، مما يعني أن المنظمة استغلت فوضى الحرب لتبرير عملية نقل قسري مغلف بشعارات التعاطف.

الأطفال الذين لم يُعرف مصيرهم بعد

بعد مرور ثمانية عشر عاماً، لا يزال الغموض يلفّ مصير بعض الأطفال الذين لم يُستردوا أو حتى يُعرف مكان وجودهم.
تؤكد منظمات حقوقية في تشاد أن عدداً من الضحايا اختفوا من السجلات الرسمية، وأن العائلات لم تتلقَّ أي تعويض مادي.
يقول موسى إسحق، أحد آباء الأطفال الذين أُخذوا آنذاك:

“قالوا إنهم سينقلون ابني إلى مدرسة في فرنسا، لكنني لم أره منذ ذلك اليوم. كأن الأرض ابتلعته. يريدوننا أن ننسى، لكننا لن ننسى.”

الجانب الفرنسي التزم الصمت بعد العفو الرئاسي، بينما فضل بعض المشاركين السابقين في الجمعية تغيير أسمائهم أو العمل في مؤسسات أخرى. ومع غياب اعتراف رسمي بالمسؤولية، ظلت العدالة بالنسبة للأسر التشادية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

دروس لم تُستخلص… وتهديدات مستمرة

التحقيقات التي أجرتها لاحقاً لجان أوروبية ومنظمات رقابية خلصت إلى نتائج مقلقة:

  • ضعف آليات الإشراف على المنظمات غير الحكومية الفرنسية العاملة خارج الحدود.

  • تواطؤ غير مباشر من بعض الجهات الحكومية التي سهلت التنقل والدعم اللوجستي.

  • غياب المعايير الأخلاقية الواضحة عند إدارة حملات التبني والإغاثة في مناطق النزاعات.

ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان عام 2023 وتجدد موجات النزوح نحو تشاد، عادت المخاوف من تكرار مثل هذه العمليات تحت غطاءات “العمل الخيري”. فقد رصدت منظمات دولية حالات احتيال جديدة تتعلق بكفالة الأطفال واللاجئين في مناطق النزاع، ما أعاد إلى الأذهان فصول قضية “آرش دو زوي” كتحذير من أن التاريخ قد يعيد نفسه إن لم تُفرض رقابة صارمة وشفافية كاملة على أنشطة المنظمات الأجنبية.

بين دارفور ونجامينا وباريس… جرح لم يندمل

فضيحة “آرش دو زوي” لم تكن مجرد حادث موسمي في سجلّ الجمعيات. إنها نقطة سوداء في تاريخ العمل الإنساني الغربي، تكشف كيف يمكن للخير المعلن أن يُستخدم ستاراً للجريمة المنظمة.
وحتى اليوم، تبقى في الذاكرة صور الأطفال الواقفين في مطار أبيشي، والدموع في عيون الأمهات التشاديات اللواتي ودّعن أبناءهن إلى المجهول، وأملٌ لا يزال معلقاً على تحقيق عدالة ربما لن تأتي.

“أنقذوا الأطفال”، كان شعار الحملة قبل 18 عاماً… لكن أحداً لم يسأل: من سينقذهم من المنقذين أنفسهم؟

المصدر: اليراع

حين خانت النخبُ الاستقلال: قصة سقوط الدولة السودانية من وعد النهضة إلى هاوية الفشل

مقال المحرر: حاتم المدني

التاريخ السياسي الحديث للسودان مثالًا مكثّفًا على تعقّد مسارات بناء الدولة في البيئات ما بعد الاستعمارية، حيث تتداخل العوامل التاريخية بالتركيبة الاجتماعية وباختيارات النخب السياسية والعسكرية لتنتج مسارًا طويلًا من الإخفاق البنيوي في بناء دولة مستقرة ومنتجة وعادلة. فعلى الرغم من أن السودان دخل منتصف القرن العشرين وهو يمتلك مقومات موضوعية لنهضة كبيرة من موارد زراعية ومائية هائلة، وإرث إداري حديث، وموقع جغرافي إستراتيجي فإن مسيرته منذ الاستقلال اتجهت في اتجاه مغاير، نحو الانقلابات والصراعات الأهلية والانقسامات الجغرافية والانهيار التنموي. هذا التناقض بين الإمكانات والنتائج هو ما يحاول هذا المقال تحليله في إطار مقاربة سياسية–تاريخية–تنموية مترابطة.

إرث الحكم الثنائي وبذور الأزمة

تشكّلت الدولة السودانية الحديثة في ظل الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري الذي أعقب سقوط دولة المهدية في نهايات القرن التاسع عشر، حيث أعاد هذا الحكم بسط الأمن وفرض سلطة مركزية موحدة بعد فترة من الاضطراب والتنازع القبلي والديني. في إطار هذا الحكم، شُيِّدت أجهزة إدارية حديثة، وأُدخل التعليم النظامي المدني، وأُسِّست مؤسسات خدمية وصحية كانت بمثابة قطيعة نسبية مع أنماط التنظيم التقليدية، كما تم إطلاق مشروعات بنية تحتية كبرى مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والموانئ، ما جعل السودان جزءًا فاعلًا  وإن تابعًا  في الاقتصاد العالمي آنذاك. غير أن هذه الإنجازات جرى بناؤها فوق قاعدة اجتماعية مختلّة، إذ تركّز الاستثمار التعليمي والإداري في أقاليم الشمال النيلي والوسط، بينما حُرمت مناطق واسعة في الجنوب والغرب والشرق من فرص مماثلة، بما أرسى مبكرًا ملامح التفاوت الجهوي الذي سيتحوّل لاحقًا إلى أحد أعمدة الأزمة الوطنية.

السودنة، الاستقلال، واستمرار البنية الاستعمارية

مع تصاعد الحركة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، برزت النخبة المتعلمة التي أنتجها التعليم الاستعماري لاعبًا أساسيًا في المطالبة بالمشاركة في إدارة البلاد، فتبلورت سياسة “السودنة” باعتبارها انتقالًا تدريجيًا للسلطة من أيدي الإداريين الأجانب إلى السودانيين. غير أن هذه العملية اتسمت بالتعجل والاختلال، إذ جرى إحلال نخبة وطنية محدودة غالبيتها من الشمال النيلي والوسط محل جهاز إداري أجنبي متمرس، دون أن تُستكمل عملية التأهيل الفني والمؤسسي اللازمة، ودون معالجة فجوة تمثيل الأقاليم والمجموعات المختلفة داخل مؤسسات الدولة. 

وعندما رُفع علم الاستقلال في الأول من يناير 1956، كان استقلال السودان في جوهره استقلالًا سياسيًا عن المستعمر، لكنه لم يكن استقلالًا عن البنية التي صاغها ذلك المستعمر: دولة مركزية قوية في الخرطوم، محاطة بأطراف مهمشة، ونخبة ضيقة تمسك بمفاصل القرار.

في هذا السياق، جاء قرار الاستغناء السريع عن الكوادر الإدارية الأجنبية التي شكّلت لسنوات العمود الفقري للإدارة الحديثة له ليخلق فراغًا مؤسسيًا حادًا في لحظة كانت تحتاج إلى زيادة في الكفاءة لا إلى إنقاصها. وهكذا، تحوّل الاستقلال إلى لحظة رمزية عالية الشحنة العاطفية، لكنها لم تترافق مع مشروع عملي مدروس لبناء مؤسسات مستقرة، أو لإعادة توزيع السلطة والثروة على نحو يعكس تعددية المجتمع السوداني الفريدة.

الطائفية السياسية والنخب المتعلمة والعسكرة

لم يكن المشهد السياسي الذي ورث الاستعمار متجانسًا أو متوافقًا، بل تشكل من تحالفات وتقاطعات بين ثلاث قوى رئيسية: الأسر والبيوتات الطائفية ذات الجذور الدينية العميقة، والنخب المتعلمة المدنية، والمؤسسة العسكرية. فقد استطاعت الزعامات الطائفية، بحكم نفوذها الروحي والاجتماعي، أن تتحول إلى قوة سياسية منظَّمة من خلال الأحزاب المرتبطة بها، وأن تستثمر الحس الديني والعاطفي لدى قطاعات واسعة من الشعب في معارك سياسية حول السلطة والتمثيل. في المقابل، رأت النخب المتعلمة في هذه البيوتات بوابةً ضرورية للوصول إلى الجمهور وبناء قواعد انتخابية، فانخرطت في تحالفات عززت حضور الطائفية بدل أن تحدّ منه، وهو ما انعكس على بنية الأحزاب وطرق عملها وبرامجها.

ومع تعثر التجربة البرلمانية الأولى، وتفاقم الصراعات الحزبية، وتزايد الشعور بالعجز عن إدارة البلاد وفق قواعد ديمقراطية مستقرة، برز الجيش كفاعل سياسي “منقذ” في خطاب قطاعات من النخبة والمجتمع. فجاء انقلاب 1958 ليؤسس لأول مرة قاعدة تدخّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، ويتبعه لاحقًا انقلاب مايو 1969، ثم انقلاب 1989، في نمط يكشف عن أن الانقلابات العسكرية تحوّلت إلى “آلية دورية” لتغيير السلطة في ظل غياب تقاليد راسخة للتداول الديمقراطي. 

ومع كل دورة انقلابية، كانت المسافة بين الدولة والمجتمع تتسع، وتتغلغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في كل مفاصل إدارة الشأن العام، على حساب الخدمة المدنية المهنية والمؤسسات الرقابية.

التنمية غير المتوازنة والصراع الأهلي

على المستوى التنموي، لم تستطع الحكومات المتعاقبة مدنية كانت أم عسكرية تحويل الثروة المادية والبشرية للسودان إلى مشروع تنموي متوازن ومستدام، بل تم غالبًا توظيف التنمية نفسها كأداة من أدوات السيطرة السياسية. 

فقد تركزت الخدمات الأساسية والبنى التحتية والفرص الاقتصادية في العاصمة ومناطق محددة من الشمال والوسط، بينما بقيت الأقاليم الأخرى في حالة تهميش مزمن، يعاني سكانها من الفقر وضعف الخدمات وغياب التمثيل الملائم في مراكز اتخاذ القرار. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التفاوت مجرد فجوة اقتصادية، بل تحوّل إلى شعور عميق بالظلم لدى سكان الأطراف، غذّى الهويات المحلية والقبلية والإثنية بوصفها بدائل عن هوية وطنية جامعة لم يتح لها أن تتبلور في إطار دولة عادلة.

في هذا المناخ، تفجرت الحروب الأهلية في الجنوب، ثم في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وغيرها من الأقاليم التي شعرت أن الدولة المركزية تمارس عليها تهميشًا مركبًا: سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا ولاحقاً دينياً . 

وقد انتهى الصراع في الجنوب بانفصال دولة جنوب السودان عام 2011، في مشهد يعكس مدى فشل الدولة السودانية في إدارة التعدد وتحويله إلى مصدر قوة. أما في دارفور ومناطق أخرى، فقد تراكمت الانتهاكات والنزوح والدمار، وأصبحت صورة السودان في الأدبيات الدولية أقرب إلى نموذج “الدولة الهشة” أو “الدولة الفاشلة” التي تعجز عن احتكار العنف، وتقديم الخدمات الأساسية، وضبط حدودها، وحماية مواطنيها.

من الدولة الواعدة إلى الدولة الفاشلة 

إذا ما أُجريَت مقارنة بين السودان في منتصف القرن العشرين والسودان في بدايات القرن الحادي والعشرين، سيظهر الفارق بوضوح: فقد كان السودان في فترة ما قبل الاستقلال وبعده بقليل يُنظر إليه كدولة ذات إمكانات كبيرة، بمشروع زراعي عملاق، وشبكة سكك حديدية متقدمة على المستوى الإقليمي، وموارد طبيعية وثروات غير عادية معدنية وغيرها وبشرية قادرة على أن تجعل منه نموذجًا افريقيًا صاعدًا. في المقابل، وجد السودان نفسه بعد عقود من الاستقلال أمام واقع انهيار تلك البنى الإنتاجية، وانكماش المشروع الزراعي، وتدهور السكك الحديدية، وتراجع الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، واتساع رقعة الفقر والهجرة والنزوح.

هذا الانتقال من “الدولة الواعدة” إلى “الدولة الفاشلة الهشة ” لم يكن نتيجة ظرف طارئ، وإنما حصيلة مسار طويل من الخيارات السياسية الخاطئة، والتوظيف الزبائني لموارد الدولة، وإقصاء الكفاءات الإدارية لصالح المحسوبية الحزبية والقبلية والطائفية، بالإضافة إلى عسكرة الحياة العامة وإفسادها واستخدام العنف أداة لإدارة الخلاف. وهكذا، تآكلت شرعية الدولة، وفقد المواطن ثقته في قدرتها على تمثيله وحمايته وتوفير الحد الأدنى من العدل والكرامة.

آفاق الإنقاذ وإعادة البناء

أمام هذا الواقع المعقد، لا يعود السؤال هو: ما الذي حدث؟ بقدر ما يصبح: ما العمل؟ وما الشروط الضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الدولة الوطنية في السودان؟ يبدو واضحًا أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير نفس النخب التي أسهمت في صناعة الأزمة، ولا على مقاربة سطحية ترى الحل في تغيير الوجوه دون تغيير القواعد. المطلوب هو إعادة تفكير جذري في طبيعة الدولة نفسها، وفي العلاقة بين المركز والأطراف، وبين السلطة والمجتمع، وبين الاقتصاد والسياسة وبين توجهات الدولة ومعتقدات الفئات الدينية.

يتطلب ذلك، أولًا، إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والحياد، بما يعيد الاعتبار للمهنية الإدارية، ويقطع مع استخدام الوظيفة العامة كغنيمة سياسية أو طائفية أو دينية . كما يتطلب، ثانيًا، تبني نموذج حقيقي للامركزية او فيدرالية حقيقية تتيح للأقاليم المشاركة الفعلية في إدارة مواردها، ووضع خططها التنموية، والمشاركة في السلطة بعيدًا عن منطق “العطايا” المركزية. ويتطلب، ثالثًا، إخضاع المؤسسة العسكرية بكل تشكيلاتها للسلطة المدنية المنتخبة، وإعادة هيكلة القطاع الأمني بما يضمن احتكار الدولة للعنف في إطار القانون، لا في إطار الصراع بين مراكز قوى مسلحة متعددة.

إلى جانب ذلك، يحتاج السودان إلى مسار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية جاد، يعترف بالجرائم والانتهاكات التي وقعت في الحروب والنزاعات، ويمنح الضحايا حقهم في الحقيقة والإنصاف، ويفتح الباب أمام بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية لا على الهويات المتصارعة. كما يحتاج إلى رؤية تنموية تجعل الإنسان في كل أقاليم السودان محور السياسات، بدل أن يبقى رهينة تجاذبات النخب.

 قولة حق اخيرة 

يكشف التأمل في المسار التاريخي السياسي والتنموي للسودان أن الأزمة الراهنة ليست مجرد تعثر عابر، بل هي نتيجة تفاعل عميق بين إرث استعماري ترك دولة غير متوازنة، ونخب وطنية عجزت أو لم ترد  أن تحوّل الاستقلال إلى مشروع لبناء مؤسسات عادلة وفعّالة.

وبينما يحتفل السودانيون في كل عام بذكرى الاستقلال، لسبعة عقود متتالية يبقى السؤال مفتوحًا: أي استقلال نحتفي به ما لم تستقل الدولة عن الفساد والطائفية والعسكرة، وما لم تصبح مؤسساتها في خدمة المجتمع لا في خدمة فئة ضيقة منه؟ إن استعادة مشروع الدولة الوطنية في السودان لن تكون ممكنة إلا إذا جرى الانحياز بوضوح لكفاءة الإنسان لا لانتمائه، ولعدالة التنمية لا لامتياز النخب، ولحكم القانون لا لحكم السلاح، وهي خيارات صعبة لكنها وحدها ما يمكن أن يضع حدًا لمسار السقوط الحر الذي طال أمده.

صلاح قوش في القاهرة: تحذيرات من «مخاطر على الولاية الشمالية» ودعوة لحماية استقرار السودان

القاهرة – في حديث نادر بعد فترة من الغياب عن المشهد العام، شدّد المدير الأسبق لجهاز المخابرات العامة السوداني، الفريق أول صلاح عبد الله قوش، على أن الأولوية في هذه المرحلة هي الحفاظ على أمن السودان واستقراره، محذراً من “مخاطر يجري التخطيط لها” تستهدف الولاية الشمالية، ومؤكداً أن ما يعنيه بالدرجة الأولى هو “حماية سكان الولاية” من أي اضطرابات أو انفلات محتمل.

جاءت تصريحات قوش، حسب ما تناقلت مواقع اخبارية محلية وفقاً لما رواه الناشط أحمد عبد الوهاب، خلال لقاء خاص أقيم في القاهرة بمنزل قوش بضاحية التجمع الخامس، بحضور عدد من الشخصيات السودانية والعربية، وذلك في مناسبة اجتماعية أقيمت على شرف أزهري المبارك، أحد أبناء الولاية الشمالية المعروفين بنشاطهم في الشأن الاجتماعي والإنساني.

لقاء اجتماعي يتحوّل إلى حوار حول الأمن والسياسة

وبحسب ما  تم نقله عن الناشط عبد الوهاب، فقد أوضح المنظّمون للحضور أن الدعوة “لا تحمل أي طابع سياسي”، غير أن النقاش تحوّل سريعاً إلى تناول ما تشهده البلاد من تطورات خطيرة في ظل الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ مطلع 2023.

وخلال كلمته، تحدّث قوش عن تجربته الطويلة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة، مشيراً إلى أن “كل مرحلة تحتاج إلى أشخاص قادرين على التعامل مع تحدياتها”، وداعياً إلى “خطوات مدروسة” لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد. وشدّد على أن السودان يعيش “منعطفاً خطيراً” يتطلّب إدارة رشيدة ووعياً وطنياً لتفادي مزيد من الانقسام.

الولاية الشمالية في دائرة الاهتمام

وكان  قوش في السابق ايضا يركز حديثه عن  الولاية الشمالية،  حيث اشار في عدة مناسبات سابقه في عهد النظام السابق الى إن هناك “تحركات وخططاً من مجموعات مليشياوية” تستهدف أمن المنطقة واستقرارها، داعياً السكان إلى اليقظة والتكاتف في حماية مجتمعهم.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه مناطق الشمال من مروي إلى دنقلا توتراً متزايداً بسبب النزوح، وتنامي النشاط المسلح على أطراف الحدود مع مصر وليبيا، وازدياد عمليات التهريب عبر طرق صحراوية معقدة.
ويحذر مراقبون من أن انتقال الصراع من العاصمة والمناطق الغربية إلى الشمال سيشكل تهديداً إضافياً لوحدة السودان واستمرار مؤسساته الحيوية.

إشادة بشخصيات محلية ودعوات للتنمية

وخلال اللقاء، أثنى قوش على شخصية أزهري المبارك، معتبراً أنه من “الكوادر القادرة على خدمة السودان والولاية الشمالية”، مؤكداً أن أنشطته وأعماله ذات “طابع مؤسسي وتنموي يحظى بتقدير واسع”.

وأوضح أن السودان بحاجة إلى “مشروعات متكاملة” تعيد الثقة بين المركز والأطراف، مشيراً إلى أن “المعسكرات والمبادرات الشبابية الجارية في الشمال تسهم في تضييق الفجوة التاريخية مع مناطق الغرب”، وهي الفجوة التي وصفها بأنها “من أعقد المشكلات التي واجهتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956”.

حديث تصالحي وتحذير من الانقسام

ورغم الطابع الأمني للمداخلة، اتسم خطاب قوش بنبرة تصالحية، إذ أكد أن “التغيرات الإيجابية بدأت تظهر رغم وجود أصوات تدعو للانقسام”، داعياً إلى الحفاظ على وحدة الصف الوطني ورفض الخطابات التي تزرع الكراهية بين المكونات الإقليمية.

ويرى محللون أن تصريحات قوش تأتي في سياق محاولات لفتح قنوات تواصل جديدة بين النخب الشمالية وجهاز الدولة، وسط حالة فراغ سياسي وأمني متفاقمة. ويشير البعض إلى أن ظهوره العلني في القاهرة قد يعكس رغبة في لعب دور توفيقي من خارج البلاد، خصوصاً في ظل موقعه السابق وحجم علاقاته الإقليمية الممتدة.

خلفية عن قوش ودلالات الظهور الجديد

يُعد صلاح قوش من أبرز الشخصيات الأمنية في السودان خلال العقدين الماضيين، إذ شغل مناصب حساسة في عهد النظام السابق، وكان له دور بارز في ملفات مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني الإقليمي، وارتبط اسمه بعلاقات موازية مع أجهزة استخبارات في دول عربية وغربية.
ومنذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير عام 2019، ابتعد قوش عن المشهد، قبل أن تعود الأضواء لتسلط عليه مع تعقّد الحرب بين الجيش والدعم السريع وتصاعد النقاش حول مستقبل بنية الدولة الأمنية.

ويُذكر أن الفريق صلاح قوش يُعد أحد الوجوه البارزة المحسوبة على الحركة الإسلامية السودانية، وارتبط اسمه منذ تسعينيات القرن الماضي بجماعة الإخوان المسلمين التي مثّلت المكوّن الفكري والسياسي الأبرز داخل نظام عمر البشير. فقد تولّى قوش أدواراً محورية في ترسيخ نفوذ الإسلاميين داخل أجهزة الدولة الأمنية، وكان من مهندسي التنسيق بين مؤسسات الحكم والسياسات الأمنية في تلك الحقبة.

ومع التغيّرات التي شهدها الإقليم منذ سقوط حكم البشير عام 2019، وجد قوش نفسه ومحيطه السياسي أمام موجة من التحولات والضغوط الدولية المتزايدة على تيارات الإسلام السياسي، خاصة بعد التراجع التنظيمي للإخوان في المنطقة. ويعتقد محللون أن ظهوره في القاهرة — رغم تجنّبه أي حديث حول الانتماءات الأيديولوجية — يحمل دلالات على محاولة إعادة التموقع ضمن مشهد إقليمي جديد يسعى فيه بعض رموز الإسلاميين السابقين إلى تقديم أنفسهم كقوى خبرة وطنية أكثر من كونهم تيارات عقائدية، في ظل بيئة دولية لا تزال تتعامل بحذر مع إرث الإسلام السياسي في السودان والمنطقة.

ويرى مراقبون أن ظهوره الأخير في القاهرة يحمل رسائل متعددة: أولها تطمينات للأوساط العسكرية والسياسية في الشمال، وثانيها تأكيد أن “الملف الأمني السوداني ما زال يحظى باهتمام من رجالات الدولة السابقين”، في وقت تتراجع فيه سلطة المؤسسات الرسمية داخل البلاد.

وفي ظل استمرار القتال، يبدو أن دعوة قوش للحفاظ على الاستقرار قد تلقى صدى واسعاً، لكنها قد تُقرأ أيضاً كمؤشر على تحركات أوسع لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي السوداني من خارج الحدود، في وقت تبحث فيه القوى الداخلية عن معادلات جديدة للخروج من الحرب التي أنهكت البلاد.

لماذا الآن؟ أردوغان يعد البرهان بمزيد من الدعم

إسطنبول – تعهّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، بتعزيز التعاون بين تركيا والسودان، خلال استقباله في أنقرة قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يخوض منذ أكثر من عامين حرباً مدمّرة ضد قوات الدعم السريع.

وذكرت الرئاسة التركية في بيان أن أردوغان “أشار إلى أن التعاون بين البلدين سيتسع في مجالات متعددة، من التجارة والزراعة إلى الصناعات الدفاعية والتعدين”. ولم تُنشر تفاصيل إضافية عن الاجتماع باستثناء صورتين للزعيمين على درج القصر الجمهوري وفي المكتب الرئاسي.

أردوغان، الذي يقدم دعماً اقتصادياً وعسكرياً للجيش السوداني، أعاد تأكيد إدانته لـ”إحدى أخطر الأزمات الإنسانية في العالم”، مشيراً إلى “ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لا سيما في منطقة الفاشر”. كما أعرب عن أمل بلاده في “الحفاظ على السلام والاستقرار وسلامة أراضي السودان”، مؤكداً استمرار المساعدات الإنسانية التركية للسكان المدنيين.

ووفقاً للبيان الرئاسي، فإن “الهدف هو تحقيق وقف دائم لإطلاق النار وإرساء السلام للشعب السوداني”.

حرب مستمرة ودعم متباين

يشهد السودان دماراً واسعاً منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، وسط تقارير عن انتهاكات جسيمة ومجاعة متزايدة.
ومنذ بداية النزاع، دعمت تركيا الجيش السوداني، خصوصاً عبر تزويده بطائرات مسيّرة، فيما تشير تقارير خبراء إلى تلقي قوات الدعم السريع دعماً من الإمارات، وهو ما تنفيه الأخيرة.

وتأتي زيارة البرهان إلى أنقرة في وقت تضغط فيه واشنطن وشركاء “الرباعية” (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) لوقف إطلاق النار مع اقتراب العام الجديد، في محاولة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
لكن مع غياب مؤشرات على قبول تسوية سياسية شاملة، وتقدم قوات الدعم السريع ميدانياً، يحتاج البرهان إلى دعم خارجي يمنحه قوة تفاوضية أكبر، خصوصاً بعد ضعف الاستجابة الأممية لمبادرة رئيس الوزراء المدني الأخيرة. ويبدو أن البرهان أراد بتلك الزيارة توجيه رسالة بأن الجيش ليس وحيداً، فيما سيعزز الدعم العسكري التركي موقعه في مواجهة قوات الدعم السريع.

تعاون دفاعي و بعد اقتصادي وإقليمي

أردوغان لم يُخفِ شمول التعاون “للصناعات الدفاعية”، ما يعني تفاقم حرب المسيّرات في السودان. وتشير تقديرات إلى أن جزءاً من تقدم الجيش السوداني الأخير يعود إلى استخدام طائرات تركية من طراز “بيرقدار”، وسط جدل متزايد حول أثر هذا النوع من السلاح على الخسائر المدنية وتوازن القوى.

وتتبنى أنقرة في السودان نموذجاً مألوفاً في سياستها الخارجية يقوم على تصدير السلاح كأداة نفوذ، ثم بناء شراكات ممتدة في مجالات التدريب والصيانة وتوريد الذخائر، وهو النمط نفسه الذي اتبعته في ليبيا وسوريا.

إدراج “التعدين” في بيان الرئاسة التركية يعكس تطلع أنقرة إلى فرص استثمار جديدة وتأمين موطئ قدم في السوق السوداني، الغني بالموارد والمرتبط جغرافياً بممرات التجارة في البحر الأحمر.
ويعيد ذلك إلى الأذهان اتفاقيات سابقة بين تركيا والسودان بشأن مواقع ساحلية مثل جزيرة سواكن، والتي جُمّدت لاحقاً بفعل التحولات السياسية، فيما تعيد الحرب الحالية فتح باب التنافس الإقليمي على السيطرة والتأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

تناقض الأولويات الدولية

ورغم تأكيد أنقرة دعمها لجهود السلام، تكشف تحركاتها الميدانية عن مسار موازٍ وأحياناً متعارض مع نهج “الرباعية” الدولية. فبينما تركز واشنطن وشركاؤها على التهدئة الإنسانية كمدخل لعملية سياسية شاملة، تمضي تركيا في تعزيز دعمها العسكري للجيش السوداني.
وفي حين تتقاطع مصالحها جزئياً مع السعودية ومصر في تجنب انهيار الدولة السودانية، فإن التنافس المكتوم بينها وبين الإمارات على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يضفي بعداً إضافياً على المشهد الإقليمي، بينما تبقى فاعلية الضغط الأميركي لوقف الحرب موضع شك في ظل محدودية أدواته وتأثير عقوباته على الطرفين.

المصدر: اليراع \ وكالات

رئيس الوزراء كامل إدريس يقدّم لمجلس الأمن مبادرة سلام جديدة تتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار تحت رقابة دولية وإقليمية

دعا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، يوم الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى دعم خطة حكومته لتحقيق السلام في السودان، في ظل الحرب المستمرة منذ نيسان/أبريل 2023 التي أودت بحياة عشرات الآلاف، وتسببت بنزوح نحو 12 مليون شخص، مما جعلها، حسب توصيف الأمم المتحدة، “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

وأكد إدريس في كلمته أمام مجلس الأمن أن السودان قد دفع ثمناً باهظاً جراء النزاع المستمر منذ أكثر من عامين، مشدداً على أن خطته للسلام تمثل خارطة طريق متكاملة لإنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن المبادرة تنص على وقف شامل لإطلاق النار “يخضع لرقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية”، على أن يتزامن ذلك مع انسحاب “الميليشيا المتمردة” من جميع المناطق التي تسيطر عليها ونزع سلاحها الكامل.

وأوضح أن الخطة تتضمن تنفيذ برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج المقاتلين غير المدانين، بهدف تمكينهم من العودة إلى الحياة المدنية والمساهمة في إعادة البناء، مؤكداً أن “لا سلام بدون مساءلة”.

كما دعا إدريس إلى إطلاق حوار وطني سوداني خلال المرحلة الانتقالية للاتفاق على أسس الحكم وإدارة الدولة، على أن تُختتم الفترة الانتقالية بإجراء انتخابات عامة تحت رقابة دولية لضمان النزاهة والشفافية.

ورأى إدريس أن هذه المبادرة تمثل “خياراً مدروساً لاستبدال الفوضى بالنظام، والعنف بالقانون، واليأس بالأمل”، مشيراً إلى أن السودان يتعرض لما وصفه بأنه “عدوان من قبل مليشيا الدعم السريع وداعميها”.

وأعرب رئيس الوزراء عن أمله في أن يحظى المقترح بـ”دعم غير مشروط” من أعضاء مجلس الأمن، معتبراً أن خطته تشكل مكملاً لـ”مبادرة السلام السعودية – الأمريكية – المصرية”.

وأوضح أن مشاركته تأتي في لحظة مفصلية يسعى خلالها لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه السودان، من خلال استعراض الجهود الحكومية المبذولة لتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين في مختلف الولايات.

واندلعت الحرب في السودان في 15 نيسان/أبريل 2023 بين القوات المسلحة بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من 12 مليون شخص. وتصف الأمم المتحدة الوضع بأنه “أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً”.

الموقف الأمريكي وتعثر المفاوضات الدولية

من جانبه، قال جيف بارتوس، نائب المندوب الأمريكي لدى مجلس الأمن، إن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، عرضت عبر وزير الخارجية ماركو روبيو خطةً لوقف القتال تتضمن هدنة إنسانية، داعياً الأطراف السودانية إلى قبولها دون شروط مسبقة.

وشدد بارتوس على أن مسؤولية إنهاء الصراع تقع على عاتق كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، محذراً من أن تزويد أي طرف بالسلاح سيؤدي إلى إطالة أمد النزاع. كما أكد أهمية التزام جميع الأطراف بالقواعد الإنسانية، ولا سيما حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وآمن.

وأشار بارتوس إلى أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – التي عبّر عنها في تشرين الثاني/نوفمبر  بالتدخل لإنهاء الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قد ولّدت آمالاً بإمكانية تحقيق اختراق سياسي، إلا أن المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع وسطاء آخرين في إطار “التحالف الرباعي” الذي يضم مصر والسعودية والإمارات، انتهت إلى طريق مسدود.

المصدر: اليراع

تصعيد خطير باستخدام الطائرات المسيّرة يفاقم الكارثة الإنسانية

شهد السودان تصعيداً مقلقاً في وتيرة استخدام الطائرات المسيرة من قبل قوات الدعم السريع، وسط اتهامات بتكثيف الهجمات ضد أهداف مدنية وبنى تحتية حيوية، في سابقة تعكس تحول النزاع إلى “حرب مسيّرات” تزيد من معاناة الملايين.

هجوم جديد يقطع الكهرباء عن شمال وشرق السودان

تعرضت صباح اليوم الخميس محطة كهرباء تحويلية رئيسية في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل لهجوم بطائرات مسيرة، اتُهمت به قوات الدعم السريع، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من ولايات نهر النيل والبحر الأحمر شمال وشرق البلاد، وفقاً لمصادر رسمية وشهود عيان.

وأوضح شهود أن الهجوم أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الدفاع المدني وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير محولات رئيسية أوقفت إمدادات الطاقة في عدد من المناطق. كما استهدفت الطائرات المسيرة أحياءً سكنية ومطار عطبرة، ما تسبب بانفجارات عنيفة في المدينة بينما حاولت الدفاعات الأرضية التصدي للهجوم.

وتشير التحقيقات الأولية إلى أن الطائرات قد انطلقت من مناطق تخضع لسيطرة الدعم السريع في إقليم كردفان، وخاصة من مدينة بارا التي تشهد توتراً عسكرياً متزايداً منذ أكثر من شهرين.

استهداف المدنيين وموجات نزوح جديدة

وفي جنوب كردفان، تواصلت هجمات مماثلة ضد المدنيين. فقد ذكرت مصادر محلية أن طائرات مسيرة، يُعتقد أنها تابعة لقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية شمال، استهدفت قافلة نازحين كانت في طريقها من مدينة كادقلي نحو مناطق أكثر أماناً، ما أدى إلى مقتل ثماني نساء.

وأكدت تقارير ميدانية من منظمة الهجرة الدولية أن نحو 460 شخصاً فرّوا من كادقلي في الأيام الأخيرة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد الهجمات، مشيرة إلى أن هؤلاء النازحين يتوزعون الآن في مناطق من شمال كردفان والنيل الأبيض والخرطوم، في ظل نقص حاد في الغذاء والمساعدات الطبية.

السكان المحليون أعربوا عن قلق عميق من استمرار استهداف المدنيين، حيث أصبحت الخيارات ضئيلة أمام العائلات العالقة داخل مناطق النزاع، لا سيما مع غياب ممرات إنسانية آمنة وارتفاع مخاطر الانتهاكات على طرق النزوح.

الأمم المتحدة تحذر من حرب المسيرات وتدهور إنساني واسع

وفي بيان صدر من جنيف، أبدى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قلقاً بالغاً إزاء تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في النزاع، مشيراً إلى أن الهجمات الأخيرة أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني منذ مطلع ديسمبر في مناطق متفرقة من كردفان.

تورك كشف أن إحدى الغارات استهدفت روضة أطفال ومستشفى في بلدة كالوقي، أسفرت عن مقتل 89 شخصاً بينهم 43 طفلاً وثمان نساء، في مشهد وصفه بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني”.

كما دان المفوض السامي مقتل ستة من عناصر حفظ السلام الأمميين في هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة الأمم المتحدة في كادقلي الأسبوع الماضي، معتبراً أن هذا النوع من الاستهداف قد يرقى إلى جريمة حرب.

وكرّر تورك دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة، مطالباً الدول ذات النفوذ بالضغط على الأطراف السودانية لوقف دوامة العنف المتصاعد.

تحول مقلق في مسار الحرب

يرى محللون أن استخدام الطائرات المسيرة بكثافة من قبل الدعم السريع يمثل تحولاً نوعياً في مسار الحرب السودانية، ويجعل المدنيين في مرمى نيران لا تميّز بين أهداف عسكرية ومدنية. كما حذر خبراء من أن هذا النمط من الهجمات قد يُعزّز حالة الفوضى وانهيار الخدمات الحيوية، في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث.

كلمة اليراع: البرهان وحميدتي والإسلاميون… رهان الإفلات من العقاب وفقدان الثقة الشعبية

تدخل الحرب السودانية عامها الثالث، وسط واقع إنساني مأسوي خلف دمارًا واسعًا في البنية التحتية ومقتل عشرات الآلاف، فيما نزح أكثر من 13 مليون شخص داخل وخارج السودان، بحسب تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. ورغم عمق الكارثة، تظل جذورها السياسية والعسكرية ضاربة في تاريخ طويل من الصراع بين مراكز القوى في الدولة السودانية منذ عهد نظام البشير وحتى اليوم.

من دارفور إلى القيادة العامة: بدايات الجرح

بدأت ملامح الأزمة الراهنة منذ حرب دارفور التي شهدت جرائم تطهير عرقي واتهامات مباشرة لقيادات الجيش ومليشيات الجنجويد الخارجة عن السيطرة. كان اللواء عبد الفتاح البرهان وقتها يتولى قيادة سلاح المشاة في دارفور، ولعب دورًا محوريًا في تدريب وتسليح قوات الدعم السريع التي خرجت لاحقًا من رحم الجنجويد.

وبعد سقوط نظام البشير في ثورة ديسمبر 2019 الشعبية، انحاز البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) للثوار ظاهريًا، ليشكلا لاحقًا مجلس السيادة الانتقالي بالشراكة مع قوى الحرية والتغيير. ومع ذلك، أظهرت الأحداث اللاحقة أن العسكريين لم ينووا فعليًا تسليم السلطة لحكومة مدنية كاملة، ما جعل التحالف الانتقالي هشًا منذ البداية.

وفي يونيو 2019، ارتكب الجيش مدعومًا بقوات الدعم السريع وبتواطؤ من بقايا النظام الإسلامي مجزرة مروعة بحق المعتصمين أمام القيادة العامة في الخرطوم. قُتل مئات الشبان وتعرضت النساء لانتهاكات بشعة. ورغم إعلان البرهان وحميدتي تحقيقات لم تظهر نتائجها حتى اليوم، شكلت المجزرة نقطة سوداء في مسار الثورة، وعززت شعور السودانيين بانعدام العدالة وإفلات الجناة من العقاب.

انهيار الحكومة الانتقالية وانقلاب البرهان

تولت حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك المرحلة الانتقالية، محققة نجاحات اقتصادية ملموسة، لكنها واجهت هجمات متصاعدة من بقايا النظام البائد. تدخل البرهان وحميدتي في شؤونها بشكل متكرر، مما مهد لانقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة واعتقل قياداتها.

ورغم الضغط الشعبي والدولي ورفض الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الاعتراف بالانقلاب، أصر الجيش على فرض الأمر الواقع، لتدخل البلاد بعدها مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والاقتصادي انتهت بانفجار الحرب المفتوحة في أبريل 2023.

من شراكة هشة إلى حرب شاملة

بدأت الحرب بين الجيش والدعم السريع بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” الذي نص على خروج المكوّن العسكري من السياسة ودمج قوات الدعم السريع في الجيش. رفض حميدتي ذلك، واتهم البرهان بالسعي للبقاء في الحكم. سرعان ما تحولت الخلافات إلى معارك دامية في شوارع الخرطوم، امتدت إلى معظم ولايات السودان، لتسقط البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

القوى المدنية: تآكل الثقة وتشتت الموقف

عقب اندلاع الحرب، لجأت معظم القيادات المدنية، وعلى رأسها رموز قوى الحرية والتغيير، إلى الخارج. لكن ظهور بعض قياداتها في تحالفات ولقاءات مع حميدتي دعمًا لقواته أدى إلى فقدان ثقتها لدى الشارع الثوري الذي يرى أنها ساوت بين الضحية والجلاد. كما تفاقمت الانقسامات داخل صفوفها نتيجة الولاءات الجهوية والقبلية، ما جعل تأثيرها في الشأن الداخلي شبه معدوم.

الإسلاميون: عودة بوجوه قديمة وأساليب جديدة

منذ سقوط البشير، سعى الإسلاميون لعرقلة أي انتقال ديمقراطي حقيقي. عملوا على إشعال الخلاف بين الجيش والقوى المدنية، ثم انحازوا صراحة للبرهان في حربه ضد حميدتي. ورغم نفي الجيش المتكرر لوجودهم، تثبت الشواهد أنهم ظلوا يحركون الخيوط من وراء الستار، طامحين لاستعادة نفوذهم عبر بوابة الحرب. إلا أن عزلتهم الشعبية، والضغط الدولي لتجريم أنشطتهم، حدّا من قدرتهم على العودة العلنية إلى الساحة السياسية.

الجميع يخاف وقف الحرب

اليوم، تبدو مفارقة الأزمة السودانية في أن القوى المتحاربة جميعها تخاف من وقف الحرب: فالبرهان يخشى المحاسبة على الانقلاب والمجازر، وحميدتي يخاف العقوبة على جرائم قواته، والإسلاميون يدركون أن السلام الحقيقي يعني فتح ملفاتهم من جديد. في المقابل، يقف الشارع السوداني، المثقل بالموت والجوع، فاقدًا للثقة في كل القيادات القائمة.

الطريق إلى المستقبل

يبقى الأمل الوحيد في استعادة مسار التحول الديمقراطي الحقيقي مرهونًا بعودة القوى الشبابية التي فجّرت الثورة واستُبعدت من الحكم. وحدها تلك القوى غير المنخرطة في الفساد أو الدماء تملك الشرعية الأخلاقية لإعادة بناء السودان على أسس العدالة والمواطنة والمحاسبة. فبدونها، سيبقى البلد عالقًا في دوامة حرب يتغذى عليها من يراهنون على الإفلات من العقاب.

عرض قاعدة روسية على البحر الأحمر: يهدد بعزلة أعمق للخرطوم وتوتر أخطر مع واشنطن وأوروبا وخطر انفجار إقليمي

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن عرض سوداني لموسكو، قُدم في أكتوبر الماضي، يقضي بالسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر تطل على أحد أكثر الممرات الملاحية حيوية في العالم، في خطوة من شأنها، إذا تم تنفيذها، أن تعيد رسم خرائط النفوذ العسكري في المنطقة.

وبحسب التقرير، يتضمن العرض منح الكرملين حزمة واسعة من الامتيازات في قطاع التعدين، إلى جانب تزويد الخرطوم بأنظمة دفاع جوي متطورة، في إطار مقايضة تعكس سعي الحكومة العسكرية في السودان لتعميق شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، في لحظة يتصاعد فيها التنافس الدولي على التحكم في بوابة التجارة بين أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وسط مخاوف داخلية وخارجية من أن يدفع هذا التوجّه علاقات الخرطوم مع واشنطن والعواصم الأوروبية نحو مزيد من التوتر.

ورفضت الحكومة السودانية التعليق رسميًا على صحة هذه المعلومات، بينما يرى مراقبون أن الخطوة تعكس محاولة الخرطوم الموازنة بين الضغوط الغربية والعلاقات المتنامية مع موسكو
وتكشف المعطيات المنشورة عن العرض السوداني لإنشاء قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر عن تحول يتجاوز كونه ترتيبات ثنائية بين الخرطوم وموسكو،
ليعكس إعادة تموضع استراتيجي في قلب سباق دولي على الممرات البحرية وخريطة النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. في هذا السياق، يبدو السودان، الغارق في حرب داخلية مستمرة، وكأنه يحاول توظيف موقعه الجيوسياسي وموارده الطبيعية كورقة تفاوض كبرى مع القوى العالمية، في ظل تنافس أميركي روسي تتداخل فيه أيضًا الحسابات الصينية والأوروبية على التحكم في بوابة تربط بين المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس.​

مضمون العرض وحدوده

تفيد التقارير بأن المقترح الذي قُدّم لموسكو في أكتوبر يمتد لـ25 عامًا، ويمنح روسيا حق نشر ما يصل إلى 300 جندي وإرساء أربع سفن حربية، بينها سفن تعمل بالدفع النووي، في بورتسودان أو منشأة أخرى غير مسماة على البحر الأحمر. في المقابل، يحصل الكرملين على أفضلية في عقود التعدين السودانية، ولا سيما الذهب، إلى جانب تزويد الجيش السوداني بأنظمة دفاع جوي متطورة وأسلحة بأسعار تفضيلية. هذه الصيغة تجعل القاعدة أكثر من مجرد موطئ قدم عسكري، إذ تربط بين الحضور البحري الروسي وبين بنية النفوذ الاقتصادي في قطاع استراتيجي يشكل أحد أعمدة التمويل لحكومة الحرب في الخرطوم.​

الأبعاد الجيوسياسية في البحر الأحمر

يمثل البحر الأحمر اليوم إحدى أكثر الساحات ازدحامًا بالمشاريع العسكرية والتجارية المتنافسة، من القاعدة الصينية في جيبوتي والقواعد الأميركية في القرن الأفريقي، وصولاً إلى محاولات موسكو المستمرة منذ سنوات للحصول على منفذ دائم في بورتسودان. امتلاك قاعدة على هذا الشريط الساحلي يمنح روسيا قدرة أكبر على مراقبة الملاحة من وإلى قناة السويس، التي يمر عبرها نحو 12٪ من التجارة العالمية، ويتيح لها إعادة تموين وإصلاح سفنها في “مرفأ دافئ” طالما افتقرت إليه استراتيجيتها البحرية. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أي حضور عسكري روسي دائم في السودان أو ليبيا بوصفه خطوة تسمح لموسكو بتوسيع عملياتها و”العمل دون عقاب”، وفق توصيف مسؤولين وخبراء غربيين.​

حسابات السلطة في الخرطوم

من زاوية الداخل السوداني، يعكس العرض محاولة من الحكومة العسكرية لتوظيف الورقة الروسية لتعويض عزلتها المتزايدة عن الغرب والحصول على مصادر تسليح في ظل حرب تستنزف قدرات الجيش أمام قوات الدعم السريع. غير أن هذا الرهان محفوف بكلفة دبلوماسية محتملة، إذ حذر مسؤولون سودانيون من أن الصفقة قد تفتح جبهة توتر جديدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتعمّق صورة الخرطوم كحليف لمعسكر مناوئ للغرب في لحظة استقطاب عالمي حاد. كما تثير فكرة رهن مرفق بحري حيوي وعقود تعدين طويلة الأجل تساؤلات داخلية حول ثمن السيادة الاقتصادية والسياسية في بلد يعيش أصلًا تفككًا لمراكز القوة ومناطق النفوذ.​

انعكاسات محتملة على توازنات الإقليم

في حال مضت الصفقة قدمًا، فإنها لن تعيد تشكيل توازن القوى على ساحل البحر الأحمر فحسب، بل قد تعمّق أيضًا تداخل النزاعات المحلية مع أجندات خارجية، بما يحوّل السودان إلى ساحة تنافس مفتوح بين عواصم كبرى. فوجود قاعدة روسية دائمة بجوار ممرات تستخدمها البحرية الأميركية وحلفاؤها، ومع تقدم الصين في بناء الموانئ الأفريقية، يعزز سردية “عسكرة الممرات البحرية” ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى فضاء اشتباك بارد تتقاطع فيه خطوط التجارة مع خطوط الصراع. في هذا المشهد، تبدو خطوة الخرطوم أقرب إلى مقامرة استراتيجية: إما أن توفر مظلة حماية وتسليح تعزز موقع السلطة القائمة، أو أن تتحول إلى عبء يعمّق عزلتها ويزج بالبلاد أكثر في قلب صراعات لا تملك التحكم في مساراتها ولا في نتائجها.​

مناوي وياسر العطا يتهمان الإمارات وجهات دولية بدعم تغيير ديمغرافي في السودان

اتهم كل من ياسر العطا ومني أركو مناوي دولة الإمارات وجهات دولية أخرى بدعم مخطط مزعوم لتغيير التركيبة السكانية في السودان، عبر دعم قوات الدعم السريع وتسهيل التهجير القسري وجرائم واسعة النطاق بحق المدنيين، خاصة في دارفور ومناطق أخرى. يعاد عرض الاتهامات هنا بصياغة مهنية محايدة قدر الإمكان، مع إبراز أنها تصريحات منسوبة لأطراف سودانية في سياق حرب مفتوحة.

اتهامات ياسر العطا للإمارات

اتهم ياسر العطا، مساعد القائد العام للجيش السوداني وعضو مجلس السيادة، دولة الإمارات بما وصفه بشراء صمت المجتمع الدولي إزاء ما يقول إنها جرائم ترتكبها قوات الدعم السريع في السودان، عبر التمويل المالي والسياسي. ووجّه العطا اتهامات مباشرة لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، قائلاً إنه يدعم خطة تستهدف “تطهير السودان من القبائل الأفريقية” من خلال دعم عسكري ولوجستي واسع لقوات الدعم السريع.

وخلال لقاء صحفي في مدينة أم درمان، قال العطا إن أبوظبي تخوض “حرباً عنصرية” ضد الشعب السوداني عبر دعمها لقوات الدعم السريع، التي اتهمها بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة في أنحاء مختلفة من البلاد خلال العامين ونصف الماضيين، كان آخرها في مدينة الفاشر. وأضاف أن مصدراً في دبي حذّره قبل اندلاع الحرب بعام من أن محمد بن زايد كان يصف قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بـ“أمير السودان”، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً يتجاوز حدود الدعم السياسي التقليدي.​

مزاعم “مشروع” لتغيير ديموغرافي واسع

كشف العطا عما وصفه بـ“مشروع إماراتي” يستهدف إحداث تغيير ديموغرافي واسع في السودان، عبر خطة تهجير وتطهير عرقي مزعومة. وتشمل الخطة وفق روايته تهجير سكان شمال السودان والقبائل النوبية إلى داخل الأراضي المصرية، إضافة إلى دفع قبائل النوبة الجنوبية وقبائل أخرى من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق نحو دولة جنوب السودان. وأكد أن هذه التصورات، التي قال إن أجهزة المخابرات السودانية تتابعها، تمثل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي السوداني ووحدة أراضي البلاد.​

وأشار العطا إلى أن المعلومات المتاحة لدى الاستخبارات السودانية تفيد – بحسب قوله – بأن الإمارات أنشأت سلسلة قيادة في أبوظبي لإدارة ملفات الحرب في السودان، تشمل تنسيق الإمداد بالسلاح لقوات الدعم السريع، إلى جانب أدوار إعلامية ولوجستية. واعتبر أن استمرار هذا الدعم يسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.​

مناوي يكرر الاتهامات ويتحدث عن تغيير هوية دارفور

في موازاة ذلك، وجّه حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، اتهامات مشابهة للإمارات وجهات دولية أخرى لم يسمها، قائلاً إنها توفر دعماً لقوات الدعم السريع بهدف إحداث تغيير ديموغرافي في الإقليم. وجاءت تصريحات مناوي الأربعاء خلال مخاطبته حشداً من النازحين الفارّين من مدينة الفاشر في منطقة الدبة بالولاية الشمالية، حيث اتهم تلك الأطراف بمحاولة تغيير هوية سكان دارفور التاريخية عبر التهجير القسري وإحلال مكونات سكانية أخرى محلهم.​

وكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت في 26 أكتوبر الماضي على مدينة الفاشر، آخر معاقل السلطة المركزية في دارفور، قبل أن تُتهم بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين شملت القتل والنهب والاغتصاب والتهجير القسري، وهي ممارسات أثارت إدانات إقليمية ودولية متكررة. ويقول مناوي إن هذه الانتهاكات جزء من نمط ممنهج يستهدف تغيير التركيبة السكانية للإقليم وترهيب سكانه الأصليين لإجبارهم على الفرار.​

موقف الحكومة السودانية ومعاناة النازحين

تتهم الحكومة السودانية بدورها الإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي وبشري لقوات الدعم السريع، من خلال تجنيد آلاف المقاتلين الأجانب الذين يشاركون في القتال ضد الجيش السوداني، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي وتعتبرها مزاعم لا تستند إلى أدلة كافية بحسب تصريحات سابقة لمسؤولين إماراتيين. وتربط الخرطوم بين هذا الدعم وبين توسع سيطرة قوات الدعم السريع في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان وما نتج عنه من موجات نزوح ضخمة.​​

وقال مناوي أمام النازحين إن “هوية دارفور لا يمكن أن تُنتزع”، متعهداً بالعمل على إعادتهم إلى ديارهم بمجرد توقف القتال وتحسن الأوضاع الأمنية. ووصف أوضاع الفارين من الإقليم بأنها “مأساة إنسانية عميقة”، مؤكداً أن المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في معسكرات النزوح لا يستحقون هذه الظروف، وأن ما يواجهونه هو نتيجة مباشرة لما سماه “الظلم وتقصير المجتمع الدولي ودعم بعض الدول للمليشيات المسلحة”.​

اتهامات بالإبادة وتقصير دولي

شدّد مناوي على أن إقليم دارفور يشهد ما وصفه بـ“إبادة جماعية مستمرة”، مؤكداً أن الجرائم التي ارتُكبت عام 2003 لا تزال تتكرر اليوم على يد الفاعلين أنفسهم تقريباً، في إشارة إلى قوات الجنجويد السابقة، وقوات الدعم السريع، ومقاتلين أجانب جرى استقدامهم من دول في غرب أفريقيا وفق تعبيره. وقال إن مصادر التمويل والتسليح التي تغذي هذه المجموعات لا تزال تتدفق من “الدول ذاتها” التي دعمتها في السابق.​

وانتقد مناوي بشدة موقف الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، متهماً إياها بعدم الوفاء بواجباتها الأخلاقية والقانونية تجاه السودان كدولة عضو “تدفع المال والدم وتستحق الحماية”، على حد وصفه. ووصل آلاف النازحين من مدينة الفاشر إلى بلدة الدبة في الولاية الشمالية في ظروف إنسانية قاسية، بعد رحلة فرار شاقة أعقبت الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع في الإقليم.

مستشار ترامب: تصريحاته البرهان “مبنية على حقائق مغلوطة” وقدمنا خطة لإنهاء الحرب رفضها الطرفان

قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، إن تصريحات القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بحقه “مبنية على حقائق مغلوطة”، مؤكداً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتبر إنهاء الحرب في السودان أولوية، وأن واشنطن قدمت خطة قوية لوقف الحرب رفضها الطرفان.

وأوضح بولس، في إفادة إعلامية بأبوظبي إلى جانب المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش، أنه اطّلع على إعلان قوات الدعم السريع وقف الأعمال القتالية من جانب واحد، معرباً عن أمله في صمود هذه الخطوة والتزام الجانبين بها، ومشدداً في الوقت نفسه على إدانة الولايات المتحدة للانتهاكات التي ارتكبها كل من الجيش والدعم السريع وضرورة محاسبة المسؤولين عنها.

وأشار بولس إلى أن واشنطن طرحت خلال الأسابيع الماضية سلسلة مقترحات، بينها هدنة إنسانية، وأنها تتطلع إلى قبول الطرفين للنص الشامل المقدم من الإدارة الأمريكية، مضيفاً أن الولايات المتحدة، في حال مضت في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، ستدقق في نشاطات فروعها في المنطقة. في المقابل، جدد البرهان، في خطاب أمام قادة الجيش، رفضه لـ”أنصاف الحلول”، واعتبر أن مقترحات الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) تعني عملياً إلغاء الجيش والأجهزة الأمنية والإبقاء على قوات الدعم السريع، وهو ما وصفه بأنه غير مقبول، منتقداً دور الإمارات في الوساطة ومتهماً إياها بدعم قوات الدعم السريع، ومبدياً تحفظه على دور بولس وما يراه محاولة لفرض حلول لا تراعي شواغل الدولة السودانية.

وأكد البرهان أن الحكومة طرحت خريطة طريق بديلة تقوم على انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي سيطرت عليها بعد منبر جدة، وتجميعها في مواقع متفق عليها تمهيداً لعودة النازحين وبدء عملية سياسية داخلية. من جهته، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن الأسبوع الماضي عزمه التدخل لوقف الصراع الذي اندلع في أبريل/نيسان 2023 وأدى إلى انتشار الجوع وأعمال قتل ذات طابع عرقي ونزوح واسع. ويواصل الجيش السوداني الاعتراض على مشاركة الإمارات في مفاوضات السلام، مؤكداً أنه لن يقبل بأي هدنة قبل انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المدنية، ومتهماً أبوظبي بتسليح تلك القوات، وهو ما تنفيه الإمارات.

من جانبه، أعلن قائد مليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” موافقة قواته على هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، قائلاً إنها استجابة للمساعي الدولية وفي مقدمتها مبادرة ترامب، ومتعهداً بوقف الأعمال العسكرية خلال مدة الهدنة، وتسهيل العمل الإنساني، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وحماية العاملين في المجال الإنساني ومقار ومخازن المنظمات الدولية. كما أعلن قبول إنشاء آلية ميدانية لمراقبة الهدنة تشرف عليها دول الرباعية إلى جانب الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، مع التعهّد بمحاسبة أي عناصر يثبت تورطها في انتهاكات ضد المدنيين، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل مدخلاً لوقف العدائيات والانخراط في حل سياسي شامل يستثني الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم السابق وواجهاتهما.

وقد رحّبت قوى سياسية ومدنية سودانية بإعلان الهدنة من طرف واحد، واعتبر حزب الأمة القومي الخطوة إيجابية ومدخلاً ضرورياً لتخفيف معاناة المدنيين وتهيئة الظروف لمسار سياسي شامل، داعياً قيادة الجيش إلى التعاطي الإيجابي معها وإعلان وقف لإطلاق النار يمكّن من فتح ممرات آمنة وحركة المدنيين. كما حذّر الحزب من أن استمرار الحرب يهدد وحدة البلاد في ظل التدهور الاقتصادي وانهيار الخدمات، ودعا القوى السياسية والمدنية إلى توحيد الصف ومحاربة خطابات الكراهية ودعم جهود السلام. وفي السياق نفسه، وصف خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود” ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، إعلان حميدتي بأنه موقف مسؤول يستحق الترحيب، معرباً عن أمله في أن تتجاوب القوات المسلحة بخطوة مماثلة لإنهاء الحرب، ومؤكداً أن الحلول السلمية تبقى الطريق الأقصر والأكثر أماناً لمعالجة أزمات السودان.

بالتوازي، وجّهت “المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات” و”هيئة محامي دارفور” مذكرة مشتركة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تطلب تفعيل منبر جدة ودعوة طرفي الحرب والقوى السياسية السودانية إلى مفاوضات جديدة. وتضمنت المذكرة، التي جاءت في ضوء سلسلة محادثات استضافتها جدة منذ مايو/أيار 2023 برعاية سعودية أمريكية، جملة مقترحات عملية، من بينها إلزام طرفي النزاع بوقف الأعمال القتالية أثناء التفاوض، وفتح الممرات الإنسانية، والسماح بوصول المساعدات للمحتاجين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، مع الإشارة إلى وجود آلاف المحتجزين عقب سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر. كما شددت المذكرة على أهمية وضع معايير واضحة لمشاركة القوى السياسية في التفاوض بما يمنع ادعاء أي طرف تمثيل الشعب السوداني بمفرده، ويضمن حضور قوى ذات قاعدة جماهيرية حقيقية وتأثير ملموس.

ودعت المذكرة إلى تشكيل لجنة مستقلة لرقابة وقف إطلاق النار ومنع الأعمال العدائية، مع وضع جداول زمنية واضحة للتفاوض وترتيبات وقف النار، وتفعيل قرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك القرار 2724/2024 المتعلق بفك الحصار عن مدينة الفاشر وحماية المدنيين. وأوضح رئيس المجموعة، الصادق علي حسن، أن الهدف من هذه الخطوة هو تحويل تصريحات الرئيس ترامب بشأن السودان إلى خطوات عملية تفضي إلى وقف الحرب عبر مسار تفاوضي منظم ومدعوم إقليمياً ودولياً، مع التأكيد على أولوية حماية المدنيين ووقف الانتهاكات، وعلى أن أي تسوية سياسية مستدامة تتطلب التزامات واضحة من جميع الأطراف بإنهاء العنف واحترام حقوق الإنسان.

تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً: قرار ترامب الذي سيربك الإسلام السياسي في السودان والعالم العربي

اليراع– يُنظر إلى طلب الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية بوصفه تطوراً نوعياً في مقاربة واشنطن لقضايا الإسلام السياسي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على التوازنات الإقليمية، ولا سيما في دول مثل السودان التي شكّل فيها نفوذ الجماعة عاملاً حاسماً في مسار الدولة والصراع فيها. يستند هذا التوجّه إلى اعتبارات أمنية وسياسية متشابكة، تتجاوز البعد القانوني البحت إلى إعادة صياغة موازين القوى بين التيارات الإسلامية والأنظمة الحاكمة والقوى المدنية على حد سواء.​​

خلفية القرار الأمريكي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّه يستعد لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، مؤكداً أنّ الخطوة ستتم “بأقوى العبارات” وأنّ الوثائق النهائية للتصنيف قيد الإعداد في الدوائر المختصة. يأتي هذا الإعلان في سياق نقاش ممتد داخل المؤسسات الأمريكية منذ ولايته الأولى، حيث سبق أن طُرحت المبادرة عام 2019 دون أن تستكمل إجراءاتها القانونية آنذاك. يعكس القرار، بصيغته الجديدة، اتجاهاً أكثر تشدداً مدفوعاً بضغوط من تيارات محافظة في الكونغرس تعتبر الجماعة مصدر تهديد متصاعداً لاستقرار الشرق الأوسط والأمن القومي الأمريكي.​​

الأبعاد القانونية والسياسية للتصنيف

يعني إدراج الإخوان في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من الناحية العملية فرض قيود صارمة على التمويل والنشاط، من بينها تجريم تقديم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعة أو الكيانات المرتبطة بها، وتوسيع صلاحيات الملاحقة القضائية للأفراد والمؤسسات المتعاملة معها. كما يترتب على التصنيف حظر دخول كوادر الجماعة إلى الولايات المتحدة وتجميد الأصول المحتملة الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية، فضلاً عن تأثيره غير المباشر في تعامل المصارف الدولية والمؤسسات المالية مع أي واجهات يُشتبه في ارتباطها بها. سياسياً، يوجّه القرار رسالة واضحة لحلفاء واشنطن بأنّ الانخراط مع الجماعة لم يعد خياراً محايداً، بل مساراً قد يعرّض حكومات أو فاعلين غير حكوميين لمخاطر قانونية وعقوبات ثانوية.​

الإخوان المسلمون في السودان: مسار تاريخي مثقل بالأزمات

تعود جذور حضور جماعة الإخوان المسلمين في السودان إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث تمكّنت تدريجياً من التغلغل في الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، مستفيدة من ضعف البنى الحزبية التقليدية وتداخل الخطاب الديني مع المجال العام. لعب تحالفها مع نظام الرئيس جعفر النميري بعد “المصالحة الوطنية” عام 1978 دوراً محورياً في تمكينها اقتصادياً وسياسياً، وصولاً إلى الدفع باتجاه تبنّي قوانين الشريعة الإسلامية عام 1983، وهي خطوة أسهمت في إعادة إشعال الحرب بين الشمال والجنوب حتى توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005.

عقب سقوط نظام النميري، عادت الجماعة إلى الواجهة تحت مظلة “الجبهة الإسلامية” للمشاركة في المرحلة الديمقراطية التي أعقبت انتفاضة 1985، قبل أن تدعم انقلاب عمر البشير العسكري عام 1989، ما أتاح لها الإمساك بمفاصل السلطة لمدة ثلاثة عقود. شهدت تلك الحقبة توسعاً في نفوذ الأجهزة الأمنية، واندلاع حروب أهلية في أكثر من إقليم، واتساع رقعة الفساد، إلى جانب استخدام خطاب ديني لتبرير الإقصاء والانتهاكات بحق معارضي النظام ومكوّنات اجتماعية ودينية متعدّدة.

ما بعد البشير: عودة النفوذ عبر الدولة العميقة

مع الإطاحة بنظام عمر البشير في ثورة شعبية واسعة عام 2019، برزت مطالب صريحة في الشارع السوداني وفي أوساط القوى المدنية تدعو إلى حظر الجماعة ومساءلة رموزها عن الانتهاكات التي وقعت خلال فترة حكمها. ورغم اتخاذ إجراءات شكلية ضد بعض واجهاتها التنظيمية، فإنّ الشبكات المرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، ظلّت فاعلة ومؤثرة. تتهم قوى سياسية وديمقراطية سودانية الجماعة بلعب دور محوري في دعم انقلاب قائد الجيش على السلطة الانتقالية المدنية، وبتوظيف نفوذها داخل المؤسسة العسكرية لتعطيل مسار التحول الديمقراطي.

تذهب قراءات عديدة إلى أنّ استمرار الحرب في السودان يرتبط جزئياً برهانات من قِبل دوائر مرتبطة بالإخوان على أن بيئة الفوضى تتيح لها استعادة نفوذها أو على الأقل منع تشكّل نظام مدني ديمقراطي يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة. وفي مواجهة مبادرات سلام، وطنية ودولية، دعت إلى تحييد الجماعة عن أي تسوية مقبلة، لوحظ تمسّكها بخطاب يرفض الإقصاء من المجال السياسي، مع مؤشرات على استعداد بعض أجنحتها للجوء إلى العمل المسلح أو استثمار تحالفات مع جماعات عابرة للحدود إذا جرى إغلاق الأبواب أمام عودتها المباشرة إلى السلطة.

تأثير التصنيف الأمريكي على المشهد السوداني

يُرجَّح أن يؤثر أي تصنيف أمريكي رسمي للجماعة كمنظمة إرهابية على بيئة عملها في السودان، سواء على مستوى التمويل الخارجي أو حركة الكوادر والواجهات المدنية المرتبطة بها. قد يدفع ذلك السلطات أو الفاعلين الإقليميين إلى تشديد الرقابة على شبكاتها المالية والخيرية، خصوصاً في ظل حساسية السودان تجاه الضغوط الغربية بعد تجربة العقوبات الطويلة السابقة. كما يمكن أن يُستخدم القرار كأداة تفاوض دولية للضغط على الأطراف السودانية التي يُشتبه في تحالفها مع الجماعة أو تغطيتها لنشاطها السياسي.

في المقابل، يحمل هذا المسار مخاطر موازية؛ إذ إنّ تضييق الهامش السياسي أمام الجماعة من دون توفير مسارات دمج قانونية وشفافة للفاعلين الإسلاميين غير المتورطين في العنف قد يدفع بعض الأجنحة نحو مزيد من الراديكالية. بالنسبة للسودان، الذي يقف على حافة انهيار شامل لمؤسسات الدولة، فإنّ أي انتقال لتنظيمات ذات مرجعية أيديولوجية من العمل العلني إلى العمل السري المسلح سيعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ويُطيل أمد الحرب.

السياق الإقليمي والدولي الأوسع

تأتي الخطوة الأمريكية في وقت أدرجت فيه دول عربية وإقليمية عدّة جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب لديها، بينما اتجهت دول أخرى إلى تقييد أنشطتها القانونية والعلنية مع الإبقاء على هامش محدود للحركة في المجال العام. في المقابل، تستضيف دول أوروبية وآسيوية شخصيات وقيادات مؤثرة من الجماعة، بعضها يمارس نشاطاً إعلامياً وسياسياً كثيفاً، ما يخلق تباينات واضحة بين المقاربات الغربية والعربية لملفّ الإخوان.​

من شأن تصنيف واشنطن للجماعة أن يعمّق الاستقطاب حولها؛ فدول ترى في القرار فرصة لمحاصرة نفوذها داخلياً وخارجياً، وأخرى تخشى من أن يؤدّي ذلك إلى دفع فروع محلية أكثر براغماتية نحو التماهي مع تيارات عنيفة. كما يثير القرار نقاشاً أوسع في مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار الغربية حول حدود التمييز بين الحركات الإسلامية التي تشارك في العملية السياسية وتلك التي تنخرط في العنف، وحول جدوى المعالجات الأمنية الصِرفة في مواجهة تحديات مركّبة يتداخل فيها الاجتماعي والديني والسياسي.

يبدو التوجّه الأمريكي لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية أشبه بإعادة رسم لخريطة العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي بعد عقود من سياسات مترددة ومتباينة. بالنسبة للسودان، يحمل القرار بعدين متعارضين: إمكانية دعم قوى الانتقال الديمقراطي التي تطالب بتحجيم نفوذ الجماعة، وفي الوقت نفسه خطر دفعها أو دفع بعض أجنحتها إلى مواقع أكثر تطرفاً في واقع هشّ أصلاً. نجاح أو فشل هذا المسار سيتوقف على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على موازنة مقتضيات المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، مع ضرورة بناء عملية سياسية شاملة لا تترك فراغاً تملؤه جماعات متطرفة أكثر عنفاً وتنظيماً.

الدعم السريع تدفع بحشود عسكرية و مقاتلين أجانب، عبر الحدود الليبية نحو منطقة المثلث الحدودي

شهدت الحدود الليبية السودانية تصعيدًا خطيراً في الوضع الأمني مؤخراً، حيث كشفت تقارير إعلامية ومصادر موثوقة عن قيام قوات الدعم السريع بدفع حشود عسكرية ضخمة، شملت مقاتلين أجانب، عبر الحدود الليبية نحو منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر. وتأتي هذه التحركات تزامناً مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية داخل السودان واستمرار النزاع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ظل مخاوف محلية ودولية من اتساع رقعة النزاع وتزايد التدخلات الخارجية في الشأن السوداني.​

وأكدت مصادر لقناة العربية أن أرتال الدعم السريع تحركت من معسكرات داخل الأراضي الليبية، مدعومة بمجموعات من المرتزقة، ودخلت السودان يوم الثامن من نوفمبر الجاري باتجاه منطقة المثلث الاستراتيجي. ويعتبر هذا التطور امتداداً لسلسلة من الاتهامات التي وجهتها السلطات السودانية لقوات ليبية بقيادة خليفة حفتر بالمشاركة المباشرة في القتال إلى جانب الدعم السريع، كما أشار بيان رسمي لوزارة الخارجية السودانية إلى أن هذا الهجوم يُعد اعتداءً سافراً على السيادة السودانية ويهدد الأمن الإقليمي والدولي.​

وقد شهدت منطقة المثلث الحدودي في الأشهر الأخيرة مواجهات عنيفة وسيطرة متبادلة بين الأطراف المتنازعة، إذ أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على أجزاء استراتيجية من المثلث، ونشرت مقاطع فيديو لوحداتها العسكرية بالمنطقة، في حين أكد الجيش السوداني أن انسحابه جاء ضمن ترتيبات دفاعية لمواجهة السيناريوهات الميدانية المختلفة. ويقول مراقبون إن منطقة المثلث أصبحت محور صراع إقليمي تتداخل فيه مصالح قوى خارجية، مع استمرار تدفق المرتزقة والسلاح عبر الحدود، في ظل اتهامات متكررة للإمارات وليبيا بدعم قوات الدعم السريع، الأمر الذي تنفيه هذه الدول بشكل رسمي.​

وفي ظل تراخي المجتمع الدولي ومؤسساته عن اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف التدخلات الخارجية، تصبح الحدود السودانية الليبية معبراً رئيسياً لنقل الأسلحة والمنظمات المسلحة، ما ينذر بمزيد من التصعيد وتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في السودان

مجموعة السبع تدعو إلى هدنة فورية وخفض التصعيد في السودان

نياغرا أون ذي لايك (كندا) – في ختام اجتماعهم الذي عُقد يوم الأربعاء، حذّر وزراء خارجية دول مجموعة السبع من تصاعد النزاع في السودان، وأصدروا بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن إدانتهم العنف الوحشي الجاري وسط أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً.​

وأكد البيان أن الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تسبب في مقتل أكثر من 40 ألف شخص ونزوح ما يقرب من 12 مليون مواطن منذ أبريل 2023، ليصبح السودان مسرحاً لأزمة نزوح هي الأكبر عالمياً. وأشار الوزراء إلى الجريمة الجماعية في مدينة الفاشر بدارفور وأكدوا أنّ تقارير موثقة تشير إلى أعمال قتل جماعي واعتداءات ذات طابع عرقي في الإقليم.​

ودعا البيان المشترك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى خفض التصعيد، والالتزام بهدنة فورية ودائمة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة ودون عوائق إلى المتضررين. كما أدان الوزراء العنف الجنسي بشكل قاطع، مطالبين بضرورة احترام حقوق الإنسان من جميع الأطراف. وأكدت مجموعة السبع دعمها للجهود الدبلوماسية الدولية لإعادة السلام والأمن إلى السودان، مطالبة الجهات الخارجية بلعب دور إيجابي في إنهاء الأزمة.​

من جانبه، حثّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المجتمع الدولي على قطع إمدادات الأسلحة عن قوات الدعم السريع، محمّلاً هذه القوات مسؤولية تفاقم التصعيد الدموي في البلاد. وقال للصحفيين: “يجب أن يتحمل الجميع المسؤولية لوقف تدفق السلاح والدعم لقوات الدعم السريع التي تواصل تحقيق تقدم عسكري على الأرض”.​

يأتي هذا ضمن سلسلة من الاتهامات الموجهة للإمارات بتسليح الدعم السريع عبر دول أفريقية، وهي اتهامات نفتها أبوظبي مراراً. ويُذكر أن الصراع احتد بعد استيلاء قوات الدعم السريع قبل أسبوعين على الفاشر، آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور، ما أدى إلى موجة تقارير وشهادات عن ارتكاب فظائع بحق المدنيين.​

وأكد وزراء خارجية مجموعة السبع التزامهم بدعم الجهود الدولية لاستعادة السلام، وحثوا جميع الأطراف على احترام حقوق الإنسان، وخفض التصعيد فوراً، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية لكل المتضررين دون عوائق