هل سيسهم تغيير أوراق العملة الوطنية في وقف تدهور الاقتصاد السوداني؟

الخرطوم – الأناضول: تقول الحكومة السودانية أنها استكملت إجراءات استبدال أكبر فئات العملة المحلية (الجنيه) في عدد من ولايات البلاد رغم الحرب الدائرة بين الجيش و»قوات الدعم السريع» والصعوبات التي تواجه عملية الاستبدال خلال وضع اقتصادي متدهور.
وأكدت اللجنة العليا لطرح واستبدال العملة برئاسة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر أن تدافع المواطنين لاستبدال العملة تعبر عن حالة وطنية متقدمة، حسب بيان من مجلس السيادة.
وانطلقت عملية استبدال العملة من فئتي 500 و1000 جنيه في العاشر من الشهر الحالي ديسمبر/كانون الأول واستمرت حتى الثالث والعشرين من الشهر نفسه وتمت عبر البنوك العاملة في البلاد.
وحسب البنك المركزي السوداني فإن عملية الاستبدال شملت ولايات نهر النيل الشمالية، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا (شرق)، والنيل الأزرق، وسنار (جنوب شرق ) والنيل الأبيض (جنوب) .
وفي 10 نوفمبر/تشرين ثاني الماضي أعلن بنك السودان المركزي عن طرح العملة الجديدة بسبب انتشار عملات فئة 1000 و500 جنيه مجهولة المصدر، أدت إلى زيادة السيولة النقدية وتأثيرها السلبي على استقرار الأسعار إلى تراجع قيمة العملة في السوق المحلية، إلى جانب ارتفاع تضخم أسعار السلع.
وقال البنك المركزي في حينه إن «خطوة استبدال العملة تأتي في إطار حماية العملة الوطنية وتحقيق استقرار في سعر صرفها، ومواجهة الآثار السلبية للحرب الدائرة، خاصة بعد عمليات النهب الواسعة التي قامت بها قوات الدعم السريع لمقار بنك السودان وشركة مطابع السودان للعملة في الخرطوم».
وحسب مراقبين، فإن استبدال العملة يأتي من أجل إعادة الكتلة النقدية إلى قطاع المصارف حيث يقدر أن الكتلة النقدية خارج القطاع المصرفي تتجاوز 80 في المئة من الكتلة النقدية.
يضاف إلى ذلك أن البنك المركزي يهدف إلى إعادة الثقة في القطاع المصرفي، وذلك من خلال استبدال العملة عبر فتح الحسابات المصرفية للمواطنين بإجراءات ميسرة.
ومن شأن ذلك – وفق البنك – أن يعيد الثقة في المصارف بعد الهزة التي أحدثتها الحرب بعد أن تعرضت مقاره للنهب والسلب والحرق عقب اندلاع القتال في 15 أبريل/نيسان 2023.
وكان البنك المركزي قد أوضح بشأن الولايات الأخرى التي لم تتم عملية الاستبدال فيها (11 ولاية بينها ولاية الجزيرة وولايات دارفور (وعددها 5) وولايات كردفان (ثلاث) بأن تأجيل استلام الفئات المسحوبة من التداول بواسطة فروع المصارف في الولايات غير المشمولة بالاستبدال حالياً يُعد إجراءً تنظيمياً استثنائياً لضمان تنفيذ خطة استبدال العملة بشكل مُحكم وبما يضمن حفظ حقوق جميع المواطنين.
وأضاف «وعليه، تظل هذه الفئات سارية ومبرئة للذمة إلى حين إجراء الاستبدال في هذه الولايات في وقت لاحق»؟.
وأشار بنك السودان المركزي إلى أن التحديات التي تواجهها بعض المناطق، لا تعني بأي حال إهمال حقوق المواطنين فيها، مضيفاً «البنك ملتزم بتطبيق الخطة الموضوعة للاستبدال بما يضمن شمولية العملية وعدالتها».
وفي رد فعل لقوات الدعم السريع على عملية استبدال الملة، أعلنت منع التعامل بالفئة الجديدة للعملة التي طرحها البنك المركزي في كل مناطق سيطرتها.
وأكدت في بيان هذا الأسبوع أن العملة بفئاتها القديمة هي المُبرِئة للذمة المالية في التعاملات بمناطق سيطرتها، معتبرة الإجراءات التي اتبعتها الحكومة في تغيير العملة غير القانونية وتستهدف تقسيم البلاد.
يقول الخبير المصرفي وليد دليل إنه «وفقاً لتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإن قرار استبدال العملة يرتبط بأسباب بينها أن العملات القديمة تصبح عرضة للتلف، والتزوير مع مرور الزمن، مما يستدعي استبدالها بعملات ذات تصميم أكثر أماناً يتماشى مع التقنيات الحديثة».
ويضيف في حديثه للأناضول «هذا الإجراء يُستخدم أحياناً كوسيلة لإعادة الثقة في العملة الوطنية في حالات الأزمات الاقتصادية والحرب أو التضخم المفرط…كما يسهم في تعزيز الشفافية من خلال دفع الاقتصاد غير الرسمي إلى إدراج أمواله في النظام المصرفي، خاصة مع إجبار الأفراد والشركات على استبدال العملات القديمة بأخرى جديدة من خلال القنوات المصرفية الرسمية».
ويتابع الخبير المصرفي القول «التقارير الاقتصادية تشير إلى أن السودان يعاني منذ سنوات من أزمات متكررة…ومنذ اندلاع الحرب تدهورت قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، نتيجة الحرب والانقسامات السياسية وانعكاساتها الاقتصادية»، وأبرزها ضعف الثقة في النظام المصرفي، وقيود الوصول إلى النقد الأجنبي، مما يدفع المواطنين والشركات نحو السوق الموازية.
ويرى أنه «من المفترض نظريا أن يقوم البنك المركزي بطبع كميات من النقود، تتوافق مع نمو حجم المعاملات التي تتم في الاقتصاد، بحيث يحدث البنك التوازن المناسب بين النمو في عرض النقود والنمو في حجم المبادلات في الاقتصاد».

إسبوتنك : هل يتجه السودان نحو السيناريو الليبي.. دولة واحدة وحكومتان؟

في ظل تصاعد حدة القتال بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” في العديد من الجبهات، وبشكل خاص في الخرطوم، عاد الحديث عن تشكيل حكومة مدنية في المناطق التي يسيطر عليها “الدعم السريع”، وهو مقترح طرحته الجبهة الثورية التابعة للتحالف المدني “تقدم” في بداية الشهر الجاري، وقُوبل بالرفض من جانب شركائها السياسيين.
فما مصير دعوات تشكيل حكومة جديدة في مناطق “الدعم السريع“، ومدى تأثيرها على الحرب الدائرة والحكومة الحالية في البلاد.. وهل يمكن أن تصبح السودان ليبيا جديدة، دولة واحدة وحكومتان، وهل تقبل “الدعم السريع” بهذا المقترح، الذي قد لا تقبله المنظمات الدولية وغالبية دول العالم؟
بداية، يقول الكاتب والمحلل السياسي السوداني، عثمان ميرغني، إن “فكرة تشكيل حكومة مدنية في المنفى هى فكرة أوعزت بها “قوات الدعم السريع” إلى تحالف (تقدم) المدني، لكن الجبهة الثورية وبعض الأحزاب والشخصيات العامة هي التي كانت أكثر حماسا بالنسبة للفكرة أو هذا الطرح منذ فترة ليست بالقصيرة، في الوقت ذاته هناك مجموعة ترفض تلك الفكرة، الأمر الذي أحدث نوعا من الانقسام داخل تحالف “تقدم”.
الجبهة الثورية
وأضاف ميرغني في تصريحات لـ”سبوتنيك”: “إذا ذهبت المجموعة المتحمسة لفكرة تشكيل حكومة مدنية على الأرض، ستكون تلك الحكومة تحت إدارة “قوات الدعم السريع”، لأنه سوف تمارس المهام المنوطة بها في المناطق التي تسيطر عليها “الدعم السريع”، وبالتالي ستكون تحركات تلك الحكومة تحت سيطرة “الدعم السريع”، وبالتالي سوف تموّل أنشطة تلك الحكومة من جانب طقوات الدعم السريع”، هذا هو ما دفع بعض القوى السياسية في “تقدم” لرفض الفكرة، وأن يكون هناك تحالف مباشر مع “الدعم السريع”.
وتابع ميرغني: “بسبب الحديث عن الحكومة، فإنه يمكن أن نقول إن هناك انقسام حاليا داخل تحالف “تقدم”، والملفت للنظر في الفترة الأخيرة التغريدة التي كتبها مستشار “قوات الدعم السريع”، يوسف عزت، والتي اعتبر خلالها أن الدعوة لتشكيل حكومة مدنية من جانب تلك القوى السياسية في مناطق “الدعم السريع” يمكن أن نصفه بأنه يشبه عملية استغلال لبندقية “الدعم السريع” دون الاعتراف بـ”الدعم السريع”، أي يمكن اعتبارها نوع من (الانتهازية السياسية) من جانب تلك القوى التي تطالب بتشكيل الحكومة”.
عواقبها وخيمة
وحول التداعيات التي يمكن حدوثها إذا ما تم بالفعل تشكيل تلك الحكومة، يقول عثمان ميرغني: “إذا تم تشكيل حكومة من جانب تلك القوى المدنية لن يكون لها تأثير سوى على من قام بتشكيلها، وستكون عواقبها وخيمة جدا عليهم، لكن الخطورة البالغة سوف تحدث إذا ما قامت أي حكومة أو جهة دولية بالاعتراف بتلك الحكومة أو تأييدها، هنا سوف نصبح أمام ما يشبه النموذج الليبي، بحيث تكون هناك حكومتان تدعم كل منهما جهات دولية معينة”.

وأشار ميرغني إلى أن “الجيش السوداني متقدم جدا خلال الأيام الماضية، وهو على مسافة تقارب 3 كيلومترات من القصر الجمهوري في الخرطوم، ونتوقع أن يقترب أكثر خلال الأيام القادمة من القصر، فإذا استطاع الوصول إلى القصر وفرض السيطرة عليه، فالطبيعي والعملي أن تعود الحكومة الحالية إلى الخرطوم، وهنا يصعب الحديث عن تشكيل حكومة أخرى”.

خطوة استراتيجية
في المقابل، تقول الخبيرة وباحثة في الشأن الأفريقي والسوداني، لنا مهدي: “إن تشكيل حكومة مدنية في المنفى يراها البعض خطوة استراتيجية للقوى المدنية والديمقراطية في السودان لإعادة تنظيم الصفوف السياسية، ومواجهة التعقيدات التي فرضها الصراع العسكري القائم على الأرض، ويرى مراقبون أن هذه التحركات تهدف إلى توحيد الجهود السياسية للمعارضة السودانية في الخارج، وخلق إطار تمثيلي يعبّر عن إرادة الشعب السوداني، ويكون قادرا على التفاوض مع المجتمع الدولي، لتأمين الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني للمدنيين الذين يعانون بسبب الحرب الحالية”.
وأضافت في تصريحات لـ”سبوتنيك”: “الأكثر واقعية أن تقوم “قوات الدعم السريع” بتشكيل حكومة داخل مناطق سيطرته في السودان، وهي خطوة أكثر عملية من تشكيل حكومة في المنفى، خاصة أنه يعكس توازنا مع الوضع الميداني الحالي، ويستفيد من الأرض التي يسيطر عليها”.
وتابعت مهدي: “إن تشكيل حكومة داخلية في مناطق سيطرة “الدعم السريع”، تتيح له تعزيز شرعيته على المستوى المحلي، وتُظهر قدرته على تقديم خدمات وإدارة المناطق التي يسيطر عليها، مما يمنحه ورقة تفاوضية قوية مع القوى المدنية والسياسية وكذلك مع المجتمع الدولي”.
حل شامل للأزمة
وأشارت الباحثة في الشأن الأفريقي إلى أن “هذه الخطوة يمكن أن تسهم في بناء إطار تنسيقي مع تلك القوى بهدف التوصل إلى حل شامل للأزمة، خاصة إذا تم تقديم الحكومة كجزء من مشروع سياسي أوسع يمثل مصالح الأطراف المختلفة وليس مجرد تكريس لسلطة عسكرية”.
وشددت مهدي على أن “التنسيق مع القوى المدنية والسياسية ضروري لجعل هذه الخطوة مقبولة، ويمنحها بُعدا وطنيا بدلا من أن تُفسر كخطوة أحادية قد تزيد من تعقيد المشهد، وإذا تم العمل على هذا الخيار بحنكة سياسية قد يكون وسيلة لتحقيق توازن بين الأطراف المتصارعة، وفتح مسار جديد للحوار السياسي الذي تحتاجه البلاد بشدة”.
وأوضحت: “الأمر الأهم أن تشكيل “قوات الدعم السريع” لحكومة في مناطق سيطرتها سيكون إعلانا قويا عن انتصارها، إذ تُظهر قدرتها ليس فقط على التفوق العسكري، بل أيضا على ملء الفراغ السياسي وإدارة الدولة، ما يمنحها شرعية الأمر الواقع على الأرض، ويُعزز موقفها كقوة قادرة على القيادة الوطنية، وهذه الخطوة ستفرض واقعا جديدا يُجبر القوى المدنية والدولية على التعامل معها كسلطة فاعلة في المشهد السوداني، خاصة إذا تمكنت من تقديم خدمات وإدارة فعّالة للمناطق الخاضعة لسيطرته، مما سيزيد من شعبيتها، ويكرّس صورتها كبديل قوي قادر على توجيه مستقبل البلاد وفق رؤيته”.
واستطردت مهدي: “تمتلك “قوات الدعم السريع” اليوم كفاءات سياسية وتنظيمية واقتصادية وإدارية متكاملة، إضافة إلى قاعدة مجتمعية واسعة تمكّنه من الانتقال بسرعة إلى مرحلة بناء حكومة فعّالة وقادرة على إدارة شؤون البلاد، وهذه الكفاءات ليست وليدة اللحظة، بل تم تطويرها على مدار سنوات من العمل الميداني، والتفاعل مع مختلف مكونات المجتمع السوداني، مما يجعل “الدعم السريع” في موقع فريد لتشكيل حكومة مدنية تُعبر عن واقع السلطة على الأرض، وتقدم حلولا عملية للأزمات الراهنة”.
الفراغ السياسي
ولفتت الباحثة في الشأن الأفريقي، لنا مهندي، إلى “وجود خبرات متخصصة في الاقتصاد والإدارة والتنظيم داخل منظومة “الدعم السريع”، مما يضمن تأسيس هيكل حكومي قادر على توفير الخدمات الأساسية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، إضافة إلى تعزيز التواصل مع القوى المدنية والإقليمية والدولية بما يخدم استقرار السودان ومستقبله”.
وأكدت مهدي على أن “تشكيل “الدعم السريع” لحكومة داخل مناطق سيطرته لا يعني بالضرورة السعي نحو الانفصال، بل يمكن تفسيره كخطوة عملية لإدارة الأوضاع المحلية في ظل الفراغ السياسي والأمني الناتج عن الصراع، وهذه الحكومة يمكن أن تكون جزءا من رؤية وطنية أوسع، تهدف إلى خلق توازن قوى وإعادة بناء السودان كوحدة سياسية موحدة، خاصة إذا تم التنسيق مع القوى المدنية والسياسية الأخرى لتقديم هذه الخطوة كمرحلة انتقالية تهدف إلى تحقيق الاستقرار، والتفاوض على حل شامل يُنهي الأزمة، ويؤسس لنظام حكم مستدام يعكس تطلعات جميع السودانيين”.
وكانت الجبهة الثورية السودانية والتي تُعد أحد مكونات التحالف المدني “تقدم” قد تقدمت بداية الشهر الجاري بمقترح تشكيل حكومة مدنية في المناطق الخاضعة للدعم السريع، إلا أن أن الآراء انقسمت حول المقترح بل يمكن القول بأن الغالبية رفضته، ثم عاد المقترح من جديد قبل أيام بعد إعلان تحالفات أخرى من خارج “تقدم” دعمها لتشكيل الحكومة.
كان رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، قد جدد التزام حكومة السودان بحماية المدنيين من بطش قوات الدعم السريع.
وخلال لقائه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة رمطان لعمامرة، طالب البرهان، الأمم المتحدة “باتخاذ إجراءات رادعة وحاسمة ضد الدول التي تقف خلف قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني، منذ أبريل/ نيسان 2023″، داعياً المجتمع الدولي لممارسة الضغوط على هذه القوات وإدانة الانتهاكات التي تمارسها بصورة أكثر صرامة ووضوح.
كما دعا البرهان، إلى ضرورة أن تتخذ المنظومة الأممية الإجراءات اللازمة حيال عدم تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بوقف إدخال السلاح إلى إقليم دارفور ووقف الهجوم على مدينة الفاشر.
وقال إنه “في حال عودة المواطنين السودانيين لمنازلهم وقراهم، سيتم بدء العملية السياسية وإجراء الانتخابات التي يقرر فيها الشعب السوداني مستقبله السياسي دون تدخلات خارجية”.
يذكر أن الحرب التي يشهدها السودان اندلعت في أبريل/ نيسان 2023، بين الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم للقتال.

مواطنون يوثقون فيضان النيل الأبيض وغمر البيوت في الجزيرة أبا

إغلاق الدعم السريع خزان جبل أولياء يهدد منطقة "الجزيرة أبا" بالغرق (مواقع التواصل)
إغلاق الدعم السريع خزان جبل أولياء يهدد منطقة “الجزيرة أبا” بالغرق (مواقع التواصل)

وثق مواطنون سودانيون، مشاهد لغمر فيضان النيل الأبيض أحياء سكنية بمدينة الجزيرة أبا، وذلك بعد قيام قوات الدعم السريع بإغلاق خزان جبل أولياء جنوبي الخرطوم.

وأظهرت مقاطع مصورة نشرها ناشطون على فيسبوك محاصرة مياه الفيضان للمنازل، وإخراج المواطنين مستلزماتهم خارج البيوت خوفًا من انهيارها فوق رؤوسهم.

وعبر وسم #الجزيرة_أبا_تغرق، أطلق رواد العالم الافتراضي في السودان حملة على منصات التواصل لتسليط الضوء على ما يعانيه الأهالي بسبب مياه الفيضانات.

 

وعلقوا على المشاهد من المنطقة بالقول “السودان المنسي يعاني بصمت”، وأضاف هؤلاء “أنقذوا أهلنا في ولاية النيل الأبيض منطقة الجزيرة أبا من الغرق، الوضع كارثي جدا، بسبب إغلاق خزان جبل أولياء من قبل قوات الدعم السريع .. البيوت تتهدم .. والأهالي ينزحون .. وآلاف الأسر والأطفال والنساء والشيوخ والرجال يحتاجون التدخل العاجل لإنقاذهم”.

ونقلت مواقع محلية عن وزير البنى التحتية في ولاية النيل الأبيض محمد الحسن قوله إن إغلاق قوات الدعم السريع لخزان جبل أولياء أدى إلى ارتفاع منسوب النيل الأبيض. وأضاف الوزير أن الدعم السريع يسيطر على خزان جبل أولياء الواقع جنوب الخرطوم منذ اندلاع الاقتتال بين الجيش السوداني والدعم السريع قبل أكثر من سنتين.

وأشار إلى أن الوزارة أوفدت 4 فرق إلى مناطق الدويم وشبشبه وكرة والكوة وأبو شاتين والجزيرة أبا، فضلا عن العباشية بكوستي والطويلة وقلي والفشاشوية، لتأهيل التروس الواقية وحمايتها.

وفي المقابل، اتهم الناطق باسم قوات الدعم السريع الفاتح قرشي -في بيان- الجيش بشن 70 غارة جوية منذ سيطرة قواته على المنطقة العسكرية بجبل أولياء، إضافة إلى القصف المدفعي المتواصل بقصد تدمير الخزان.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إن الفيضانات أدت إلى نزوح 40 أسرة من 4 مدارس كانت تستضيف نازحين بالإضافة إلى نزوح آخرين من أحياء حمر وزغاوة والرحمانية وأرض الشريفة.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

النائب العام لوكالة الأناضول: 200 ألف مرتزق يقاتلون إلى جانب “الدعم السريع”

– آخر المرتزقة الذين دخلوا السودان كولومبيون وهناك دول جوار معروفة دخل منها مرتزقة آخرون
– تم القبض على 120 شخصا من المرتزقة وسيحاكمون وفق القوانين السودانية
– الدعم السريع احتلت 540 ألفا من الأعيان المدنية، بينها 80 في المائة منازل مواطنين
– الدعم السريع حيث جندت 10500 طفل
– لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة لم تتعامل مع “انتهاكات” الدعم السريع بالصورة المهنية المطلوبة

قال النائب العام السوداني الفاتح محمد عيسى طيفور، إن هناك تقارير تتحدث عن “دخول أكثر من 200 ألف مرتزق إلى السودان ليقاتلوا إلى جانب قوات الدعم السريع” ضد قوات الجيش السوداني.

ومنذ منتصف أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل وما يزيد على 14 مليون نازح ولاجئ، وفق تقديرات الأمم المتحدة والسلطات المحلية.

وأضاف النائب العام السوداني في مقابلة مع الأناضول: “هناك تقارير (لم يوضحها) تتحدث عن دخول أكثر من 200 ألف مرتزق إلى السودان من عدد من الدول (دون تسمية)”.

وأشار إلى أن “آخر هؤلاء المرتزقة هم كولومبيون، وهنالك دول جوار معروفة دخلت منها المرتزقة (دون تسمية الدول)”.

وأضاف طيفور: “هؤلاء الكولمبيون جلبوهم من وراء البحار لتدمير البنية التحتية”، مشيرا إلى أن “الحكومة الكولومبية اعتذرت وقالت إن هؤلاء الأشخاص قد تم خداعهم”.

وأردف: “تم القبض على 120 شخصا من المرتزقة (لم يحدد جنسياتهم)، وسيحاكمون وفق القوانين السودانية في محاكمات عادلة تتوفر فيها كافة اشتراطات المحاكمة العادلة” .

وفي 3 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أعلنت وزارة الخارجية السودانية، تلقيها اعتذارا من كولومبيا على مشاركة بعض مواطنيها في القتال إلى جانب قوات “الدعم السريع”.

وفي 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلنت القوات المشتركة (الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا) والتي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، أنها “استولت على قافلة إمداد عسكري لقوات الدعم السريع، تحمل أسلحة ومعدات عسكرية ومرتزقة بينهم كولومبيون”.

وبثت على صفحتها الرسمية عبر “فيسبوك” مقطع فيديو عرضت من خلاله وثائق تعود لمواطنين كولومبيين يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع، فيما لم يصدر عن الأخيرة أي تعليق بهذا الخصوص.

** جرائم حرب

واتهم النائب العام السوداني قوات الدعم السريع “بارتكاب جرائم الاعتداء والقتل بحق المدنيين، كما ارتكبت جرائم عنف جنسي ممثلة في الاسترقاق الجنسي والاغتصاب والحمل القسري بقصد إحداث التغيير الديمغرافي”.

وأضاف: “وقد ارتكبت جرائم حرب، وضد الإنسانية، و تطهيرا عرقيا، وكذلك جرائم إرهابية باعتدائها على مطارات مدنية، واتلافها أجهزة الملاحة وإخراجها عن الخدمة”.

وأردف طيفور أن قوات الدعم السريع “احتلت 540 ألفا من الأعيان المدنية، بينها 80 في المائة منازل مواطنين، وأخرجت 250 مستشفى من الخدمة، بينها 14 مستشفى اتخذتها ثكنات عسكرية”.

وتابع: “إجمالا ارتكبت المليشيا (الدعم السريع) مخالفات تقع تحت البند 18 من القانون الجنائي السوداني الذي يشتمل على مواد متعلقة بجرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية”.

كما أنها “ارتكبت جرائم متعلقة بمخالفة قانون مكافحة الإرهاب السوداني بالإضافة إلى المواد من 50 إلى 78 من القانون الجنائي السوداني” على حد قوله.

وذكر طيفور أن “المليشيا (الدعم السريع) ارتكبت جرائم خطيرة أيضا في حق الاطفال، حيث جندت 10500 طفل”.

كما اتهم النائب العام السوداني الدعم السريع “بنهب مخازن برنامج الاغذية العالمي في الخرطوم ومدن نيالا والجنينة وزالنجي (غرب)، والمخزون الإقليمي بولاية الجزيرة، والمخازن الرئيسية لمنظمة حماية الطفولة (يونيسف) في العاصمة الخرطوم”.

وتتهم منظمات دولية بينها “هيومان رايس وتش” قوات الدعم السريع “بارتكاب عمليات نهب وحصار القرى والعنف الجنسي المنهجي”.

وفي يناير/ كانون الثاني 2024 قدر تقرير لجنة خبراء مكلّفة من مجلس الأمن الدولي بمراقبة تطبيق العقوبات المفروضة على السودان أن “قوات الدعم السريع، بدعم من ميليشيات عربية (لم يسمها) قتلت ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص في بلدة الجنينة بولاية جنوب دارفور غربي السودان.

وفرض الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات على عدد من قادة الدعم السريع لدورهم في الحرب بالسودان، من بينهم شقيقا قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي عبد الرحيم والقوني”.

وتنفي قوات الدعم السريع قيامها بأي انتهاكات بل تؤكد أنها تسعى إلى تحقيق السلام.

** بلاغات جنائية:

وأفاد النائب العام السوداني، أن النيابة العامة واللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم الدعم السريع، قامت بإجراء تحقيقات كبيرة جدا.

وقال: “عدد البلاغات في جرائم الدعم السريع بلغت أكثر من 31 ألفا، وتم إصدار أحكام في 391 منها وإحالة 705 إلى المحكمة”.

ولفت طيفور، إلى أن “الإجراءات تسير بصورة طيبة جدا، وهنالك متهمين تم إعلانهم كمتهمين هاربين، وتم طلب متهمين عبر الإنتربول وآخرين سيتم طلبهم”.

وفي 3 أغسطس/ آب 2023، أصدر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قرارا بتشكيل لجنة لحصر “جرائم الحرب وانتهاكات وممارسات قوات الدعم السريع ضمت النائب العام والخارجية وعضوية ممثلين لوزارة العدل والقوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات العامة والمفوضية القومية لحقوق الإنسان.

وبشأن لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة اعتبر النائب العام السوداني أن اللجنة “لم تتعامل مع هذه الانتهاكات بالصورة المهنية المطلوبة في شأن التحقيق في القضايا”.

وزاد “اللجنة الدولية ذهبت لتتحدث عن مسائل سياسية تخرج عن اختصاصها، مثل المطالبة بمد سلطة المحكمة الجنائية إلى كامل التراب السوداني، وإحضار قوات حماية للمدنيين، وحظر السلاح على كامل التراب السوداني”.

وتابع قائلا : “هذا يخرج من اختصاصها تماما (.. ) لهذا فإن الأجهزة العدلية في السودان والدولة السودانية رفضت تقرير اللجنة أمام مجلس حقوق الإنسان وقدمت ملاحظات حوله وطالبت بإنهاء ولايتها”.

وأردف، “بكل أسف تم تجديد هذه الولاية، ونحن حتى الآن لا نلمس فيها عملا قانونيا يجعل المواطن السوداني يطمئن إلى عمل هذه اللجنة، هذه اللجنة لديها أجندات لا تتعلق بالقانون على الإطلاق”.

وكانت الخرطوم رفضت قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي قضى بتمديد ولاية بعثة “تقصي الحقائق في السودان” حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأعلنت الخرطوم منذ البداية رفضها قرار إنشاء البعثة الذي اعتمده مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بهدف توثيق انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في البلاد منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023.

الأناضول: دعوات لحكومة منفى تثير قلق السودانيين.. ما الأسباب؟

 – تتصاعد أحاديث عن تشكيل حكومة منفى أو حكومة موازية للحكومة الحالية بقيادة مجلس السيادة الانتقالي
– تنسيقية “تقدم” أحالت قضية تكوين حكومة منفى إلى آلية سياسية لإجراء دراسة إثر اختلافات بين مكونات التحالف
– تنسيقة “تقدم” قالت إن الحكومة الحالية لا تمثل شرعية ولا سند دستوري، فيما يلتزم مجلس السيادة الانتقالي الصمت
– حزب الأمة القومي رفض تشكيل حكومة منفى أو موازية وحذر من فتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم والاستقطاب
– المحلل عثمان فضل الله: “تقدم” مدفوعة بضغوط خارجية لإيجاد جسم له شرعية مبنية على ثورة ديسمبر وبرغبة “الدعم السريع” بكسب شرعية سياسية بالضغط على “تقدم” للانجرار إلى حكومة محروسة ببندقيتها
– المحلل طارق عثمان: ما يحدث محاولة للبحث عن شرعية “للدعم السريع” بعد أن فقدت أرصدتها الشعبية والسياسية من خلال الانتهاكات، وحال تشكيل حكومة فسيعني ذلك تقسيم البلاد وفرض أمر واقع من شأنه تعقيد أي مساعٍ للحل التفاوضي

من الهمس في الأروقة المغلقة تحول الحديث في السودان عن تشكيل حكومة منفى أو حكومة موازية إلى المجاهرة في العلن، حيث طرقت عليه بشدة قوة مدنية خلال الأيام القليلة الماضية.

ويدور الحديث عن تشكيل حكومة بعيدا عن الحكومة الحالية بقيادة مجلس السيادة الانتقالي الذي يدير شؤون البلاد، بعد مرور 20 شهرا على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” شبه العسكرية.

فمنذ أبريل/ نيسان 2023 يخوض الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان و”قوات الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل، وما يزيد على 14 مليون نازح ولاجئ، وفق تقديرات الأمم المتحدة والسلطات المحلية.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب، بما يجنب السودان كارثة إنسانية بدأت تدفع ملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال الذي امتد إلى 13 ولاية من أصل 18.

وأثار مقترح تشكيل حكومة منفى أو حكومة موازية قلقا وجدلا واسعا، عقب طرحه خلال اجتماعات الهيئة القيادية لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم”، برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في أوغندا بين 3 و6 ديسمبر/ كانون الجاري.

وأحال التحالف، خلال اجتماعاته، قضايا العملية السياسية، وبينها “نزع الشرعية من الحكومة السودانية وتكوين حكومة منفى”، إلى آلية سياسية جديدة، لإجراء مزيد من الدراسة إثر اختلافات بين مكونات “تقدم”.

ورغم استمرار التناول المكثف لمسألة تشكيل حكومة منفى، إلا أن السلطات السودانية تلتزم الصمت ولم تصدر أي تعليق بشأنها.

** انقسام داخل “تقدم”

حمدوك قال الجمعة إن “قضايا الجبهة المدنية والعملية السياسية ونزع الشرعية أُحيلت إلى الآلية السياسية المختصة، مع التركيز على التشاور الواسع بين مكونات التحالف لتطوير رؤية موحدة تلبي طموحات الشعب السوداني”.

و”تقدم” تضم أحزابا ومنظمات مدنية، أبرزها أحزاب قوى إعلان الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم سابقا)، وتكونت بعد اندلاع الحرب بهدف توحيد المدنيين للعمل على إنهائها.

وقالت “تقدم” في البيان الختامي لاجتماعاتها: “اندلعت حرب 15 أبريل 2023 لتفاقم أزمة الشرعية وتؤدي لانهيار الدولة، وسعت سلطة بورتسودان (الحكومة الحالية) للادعاء بأنها تمثل الشرعية، وهو ادعاء باطل لا سند دستوري ولا سياسي ولا شعبي له”.

وتابعت أن الآلية السياسية لتقدم “ستعكف على مناقشة خياراته للحفاظ على وحدة السودان أرضا وشعبا وتحقيق السلام الدائم والشامل واستكمال ثورة ديسمبر المجيدة”، في إشارة إلى الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 2019.

وبينما تحدث بعض قادة أحزاب “تقدم” عن تشكيل حكومة، أعلن حزب الأمة القومي – أكبر أحزاب التنسيقية – في 7 ديسمبر الجاري رفضه تشكيل حكومة.

وأكد الحزب موقفه “الرافض لأي محاولات لتشكيل حكومة من أي طرف وفي أي مكان، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم ويزيد من الاستقطاب”.

وفي 21 أغسطس/آب 2019 بدأ السودان مرحلة انتقالية كان مقررا أن تنتهي بإجراء انتخابات بداية عام 2024، وأن يتقاسم الجيش السلطة مع القوى المدنية والحركات المسلحة التي وقّعت اتفاق السلام في جوبا عام 2020.

لكن في 25 أكتوبر/ أكتوبر 2021، فرض البرهان قائد الجيش ومجلس السيادة إجراءات استثنائية، بينها حل مجلس الوزراء والسيادة الانتقاليين.

واعتبر منتقدون ما حدث “انقلابا عسكريا” على ثورة 2019، بينما رأى البرهان أنه “تصحيح لمسار المرحلة الانتقالية”، ووعد بإعادة السلطة إلى المدنيين عبر انتخابات أو توافق وطني، لكن هذا لم يحدث.

ومنذ الإطاحة بمجلس الوزراء برئاسة حمدوك، يقود السودان مجلس السيادة برئاسة البرهان.

** مخاوف التقسيم

ويدافع المطالبون بتشكيل حكومة منفى بأن الحكومة الحالية لا تسيطر على كل أجزاء البلاد، ما يمنح حكومة المنفى القدرة على إدارة الشؤون السياسية والخدمية في المناطق خارج سيطرة “حكومة بورتسودان” (الحالية).

إلا أن هذه الرؤية تجد معارضة من كثيرين، أبرزهم نقابة الصحفيين السودانيين، التي أعلنت في 11 ديسمبر الجاري رفضها تشكيل حكومة منفى.

وقالت النقابة: “شهدت الساحة السياسية في الأيام الماضية أصوات ودعوات إلى تشكيل حكومة، ونعتبر هذه الدعوات تهديدا خطيرا ومباشرا لوحدة البلاد وسيادتها، وتفتح الباب على مصراعيه أمام مخططات التقسيم”.

و”نرفض بشكل قاطع، وبأشد العبارات، هذه الدعوات التي تسعى إلى تمزيق نسيج الوطن تحت أي ذريعة كانت، ونؤكد أن وحدتنا الوطنية ليست محلا للمساومة أو العبث السياسي”، وفق البيان.

وتعدت مخاوف التقسيم النطاق المحلي، إذ حذر المبعوث الأمريكي توم بيريليو من أن تشكيل مثل هذه الحكومة قد يؤدي إلى تقسيم السودان.

وأضاف بيريليو عبر منصة إكس في 7 ديسمبر الجاري: “الولايات المتحدة، تشعر بقلق عميق إزاء التقارير التي تتحدث عن قيام بعض الفصائل والأفراد السودانيين بالدعوة الي إعلان هياكل حكم جديدة من جانب واحد”.

وقال إن من شأن مثل هذا الإجراء أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بشكل عميق وتفتيت السودان”.

وفي 2011 انفصل جنوب السودان عن شماله، وشكل دولة جنوب السودان، وذلك عبر استفتاء شعبي دعمته دول غربية، في مقدمتها الولايات المتحدة.

وعن حكومة المنفى المقترحة، قال وزير الإعلام السابق فيصل محمد صالح إن “مؤيدي الفكرة لم يستطيعوا أن يقدموا حيثيات مقنعة تجعلها مقبولة، كما أن مراجعة النتائج المتوقعة تجعل منها مغامرة قد تؤدي لنتائج كارثية”.

ورأى صالح، عبر فيسبوك، أن “أخطر هذه النتائج هو الإعلان الرسمي عن تقسيم البلاد، وهو شرٌّ يحاول العقلاء – قلوا أم كثروا – أن يجنبوه البلاد”.

ويسيطر الجيش والحكومة على 5 ولايات بالكامل من أصل 18، وهي نهر النيل والشمالية (شمال) والقضارف وكسلا والبحر الأحمر (شرق).

كما يسيطر بشكل شبه كامل على 3 ولايات هي سنار والنيل الأزرق (جنوب شرق) والنيل الأبيض (جنوب)، إلا من مناطق حدودية تشهد هجمات من “الدعم السريع”.

بينما تسيطر “الدعم السريع” على 4 ولايات في إقليم دارفور (غرب) هي شرق وغرب وجنوب ووسط، فيما تشهد ولاية شمال دارفور معارك بين الجيش وحلفائه من حركات الإقليم المسلحة في مواجهة “الدعم السريع”.

أما ولايات الخرطوم والجزيرة (وسط) وكردفان الثلاث (شمال وجنوب وغرب) فهي مناطق معارك شرسة ومستمرة بين الطرفين وتتفاوت بينهما نسبة السيطرة على مدنها وقراها.

** حكومة تحرسها بندقية

ويرى المحلل السياسي عثمان فضل الله، في حديث للأناضول، أن “المجموعة الداعية لتشكيل حكومة منفى ليس لديها أسباب منطقية”.

وتابع: “إنما يدفعها أمران، الأول ضغوط خارجية راغبة في جسم له قدر من الشرعية المبنية على ثورة ديسمبر، ولا يوجد في الساحة الآن جسم يمكن أن يتعامل مع المجتمع الدولي غير تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدم)” .

أما “الدافع الثاني فهو رغبة قوات الدعم السريع في كسب شرعية سياسية ولا يتأتى لها ذلك إلا بالضغط على تقدم للانجرار إلى حكومة محروسة ببندقيته”، كما زاد فضل الله.

** شرعية لـ”الدعم السريع”

“تلاعب بوحدة السودان”.. هكذا يصف المحلل السياسي طارق عثمان “أي اتجاه لتكوين حكومة منفى أو حكومة موازية للحكومة الحالية”.

وينتقد عثمان في حديث للأناضول “المقترح الذي تطرحه بعض المكونات المنضوية تحت تنسيقية تقدم وتروج له بكثافة”.

ويعتبر أنه “محاولة للبحث عن شرعية لقوات الدعم السريع، بعد أن فقدت أرصدتها الشعبية والسياسية من خلال الانتهاكات التي طالت المدنيين في مناطق سيطرتها”.

ويتابع: “الأصوات التي تسعى بكل جهدها هذه الأيام لها ارتباطات ما بالدعم السريع، لأن أي حكومة تُشكل في مناطق سيطرة الدعم السريع ستكون محمية ببندقيته، ومَن يحميك لا يمكن أن تتجاوزه، فالقوة بيده”.

ويزيد بأن “تشكيل حكومة منفى أو حكومة في مناطق سيطرة الدعم السريع هو استنساخ لتجارب في دول مجاورة طالها التقسيم”.

ويختم بالتحذير من أن “هذه الخطوة في حال تمت فسيعني ذلك تقسيم البلاد وفرض أمر واقع من شأنه تعقيد أي مساع للحل التفاوضي”.

يرجح انها ذخيرة أو أسلحة … طائرات اماراتية تستخدم مهبط تشادي لنقل عتاد للدعم السريع

لندن: أظهرت بيانات لرحلات جوية وصور أقمار اصطناعية أن عشرات من طائرات الشحن القادمة من الإمارات، هبطت منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان العام الماضي، على مهبط صغير للطائرات في تشاد، يشتبه خبراء من الأمم المتحدة ودبلوماسيون أنه استخدم لنقل أسلحة عبر الحدود إلى السودان.

وأشارت بيانات للرحلات الجوية ووثائق لشركات فحصتها رويترز، إلى 86 رحلة جوية على الأقل من الإمارات توجهت إلى مهبط للطائرات في أم جرس شرقي تشاد منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، لافتة إلى أن ثلاثة أرباع هذه الطائرات تديرها شركات طيران تتهمها الأمم المتحدة بنقل أسلحة قادمة من الإمارات إلى ليبيا.

الجيش السوداني: إمداد قوات الدعم السريع بأسلحة إماراتية “ليست اتهامات وإنما حقائق ملموسة”

وتقول الإمارات، وهي حليف رئيسي للغرب في الشرق الأوسط، إنها ترسل مساعدات إلى السودان عبر تشاد، وليس أسلحة.

ورفضت الإمارات تقريرا للجنة خبراء للأمم المتحدة صدر في يناير/ كانون الثاني، أشار إلى مزاعم “موثوق بها” أفادت بأن الإمارات قدمت إمدادات عسكرية عبر مهبط طائرات في تشاد لقوات الدعم السريع السودانية التي تقاتل الجيش السوداني في صراع أودى بحياة عشرات الآلاف، وأدى إلى نزوح الملايين.

ويُظهر مقطع مصور، اُلتقط هذا العام في أم جرس ولم ينشر من قبل وراجعته رويترز، منصتي نقل خشبيتين على المدرج محملتين بصناديق ذات لون كاكي وبعضها يحمل علم الإمارات.

وحجبت رويترز التاريخ الدقيق ومصدر اللقطات تجنبا لمخاطر حدوث أعمال انتقامية.

وقال ثلاثة خبراء أسلحة، عمل اثنان منهم محققين للأمم المتحدة، إن الصناديق فيما يبدو ليس فيها على الأرجح مساعدات إنسانية التي عادة ما تكون في صناديق من الورق المقوى ملفوفة بالبلاستيك، وتُرص فوق بعضها في كتل عالية على منصات خشبية تستخدم في النقل بسبب وزنها الخفيف. والصناديق في المقطع المصور معدنية فيما يبدو ومكدسة في كتل منخفضة الارتفاع على منصات النقل الخشبية.

وقال أحد الخبراء الذي عمل مفتشا للأسلحة في الأمم المتحدة وطلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية المعلومات، إن المحتويات “من المرجح بشدة أنها ذخيرة أو أسلحة، استنادا إلى تصميم الصناديق ولونها”. وأضاف أن طول الصناديق الموجودة على منصة النقل على الجانب الأيمن وقلة ارتفاعها، تشير إلى أن فيها أسلحة على الأرجح.

ولم يتسن لرويترز التحقق بشكل مستقل من محتويات الصناديق. وتحجم عن ذكر التاريخ الدقيق للتصوير لحماية المصدر.

وقالت حكومة الإمارات في بيان أرسلته إلى رويترز، إنها أرسلت 159 رحلة إغاثة تحمل أكثر من 10 آلاف طن من المساعدات الغذائية والطبية، وإن ذلك استهدف في جانب منه تزويد مستشفى ميداني أنشأته في أم جرس.

وجاء في البيان المكتوب بالإنكليزية “نرفض بشدة الادعاءات التي بلا أساس ولا سند بشأن توفير أسلحة ومعدات عسكرية لأي من الأطراف المتحاربة منذ بداية الصراع”.

ومنذ انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، تدخلت الإمارات في صراعات امتدت من اليمن إلى ليبيا هدفت في جزء منها لدحر الجماعات الإسلامية. وترى الإمارات في هذه الجماعات، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، تهديدا للاستقرار الداخلي.

ولطالما تمتع الإسلاميون المرتبطون بحكم الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير بنفوذ داخل الجيش السوداني.

ونفى العميد الركن عمر حمدان، أحد كبار ضباط قوات الدعم السريع، تلقي جماعته أي دعم خارجي. وقال للصحافيين في نيروبي في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إن قوات الدعم السريع تستخدم أسلحة وذخائر أنتجتها مصانع في السودان، دون تحديد هذه المصانع. ولم ترد قوات الدعم السريع لطلبات التعليق على هذا التقرير.

وقال العميد الركن نبيل عبد الله، المتحدث باسم الجيش السوداني، في بيان مكتوب بالعربية أرسله إلى رويترز، إن إمداد قوات الدعم السريع بأسلحة إماراتية “ليست اتهامات وإنما حقائق ملموسة. تدفق الأسلحة والمعدات من قبل الإمارات بهذه الطريقة لميليشيا الدعم السريع المتمردة لم ينقطع منذ اندلاع هذه الحرب، ونحن في القوات المسلحة قدمنا الكثير من الأدلة التي تثبت هذا التورط الإماراتي وتمثلت في أسلحة ومعدات وأدوية إماراتية وعليها شارة هذه الدولة في الكثير من المواقع التي سيطرت عليها قواتنا وكانت تحت أيدي المتمردين”.

“الخدمات اللوجستية تفوز بالحروب”

بدأت المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل/ نيسان 2023 حين تنافس الفصيلان اللذان استوليا معا على السلطة الكاملة في انقلاب قبل عامين على حماية مصالحهما قبل عملية انتقال إلى حكم مدني.

واكتسحت قوات الدعم السريع معظم أنحاء العاصمة الخرطوم، قبل أن تعزز قبضتها على إقليم دارفور المتاخم لتشاد في الغرب وتقدمها جنوبا. وتمتد جذور قوات الدعم السريع إلى ميليشيات الجنجويد التي استخدمتها الحكومة السودانية في قمعها الوحشي للتمرد في إقليم دارفور قبل عقدين.

وقال جاستن لينش، المحلل البارز في مرصد الصراع في السودان، الذي راجع تحليل رويترز للرحلات الجوية إن “الدعم اللوجستي يساعد في كسب الحروب، والإمارات استخدمت شبكة الطائرات هذه لتسهيل وصول الأسلحة باستمرار إلى قوات الدعم السريع”.

وأضاف أن “الأسلحة المقدمة من الإمارات لقوات الدعم السريع غيّرت ميزان القوى في الصراع في السودان، وأطالت أمد الحرب وزادت من أعداد الضحايا المدنيين”.

وقالت الإمارات إن عملها في أم جرس مقتصر على الجانب الإنساني مثل إنشاء مستشفى ميداني هناك، حيث عالج الهلال الأحمر الإماراتي أكثر من 18 ألف لاجئ سوداني.

وقال توماسو ديلا لونغا المتحدث باسم الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لرويترز، إن الاتحاد لم يشارك في العمليات في أم جرس ولم يكن على علم بالمستشفى حتى أعلن عنه مسؤولون إماراتيون. وأضاف أن بعثتين لتقصي الحقائق أرسلهما الاتحاد إلى تشاد لفهم الوضع بشكل أفضل لم تتمكنا من الوصول إلى المستشفى الميداني بسبب الوضع الأمني.

وقال وليام سبندلر، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن المفوضية لم ترسل أي لاجئين إلى المستشفى.

وقال أحد أفراد قوات الأمن التشادية الذي أرسل إلى أم جرس هذا العام أنه شهد وصول طائرات تحمل صناديق تشبه تلك التي تستخدمها وحداته لنقل الأسلحة. وقال المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه مخافة الانتقام، إن وحدته شاركت في حراسة الصناديق إلى الحدود مع السودان حيث تسلمها مقاتلو قوات الدعم السريع.

ولم ترد السلطات التشادية على طلب للتعليق على الرحلات والعمليات في أم جرس. ولم يرد الجيش السوداني بعد على طلب للتعليق.

وقال ثلاثة عمال إغاثة على دراية مباشرة بالوضع في شرق تشاد طلبوا عدم نشر أسمائهم بسبب حساسية القضية، إن عمليات تسليم المساعدات ليست قريبة بحال من الحجم الذي تقول الإمارات إنها أرسلته.

وقال مصدر مطلع على اجتماعات بين مندوبين من الإمارات ومسؤولين أمريكيين بارزين في واشنطن هذا الخريف، إن مندوبي الإمارات تراجعوا عن إنكار تقديم دعم لقوات الدعم السريع بعد أن أطلعوا في الاجتماعات على معلومات استخباراتية جمعتها واشنطن.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “نحن منهمكون في حوار على مستوى رفيع مع شركاء في المنطقة للتأكيد على المخاطر المرتبطة بدعم المتحاربين، وهو الأمر الذي قد يطيل أمد الصراع”. ورفض الإفصاح عن مزيد من التعليقات بشأن الاجتماعات.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق تقريرا ذكر أن الإمارات استخدمت المساعدات الإنسانية غطاء لشحن أسلحة وذخائر وطائرات مسيرة إلى قوات الدعم السريع عبر مهبط الطائرات في أم جرس، واستندت الصحيفة في تقريرها على صور للأقمار الاصطناعية ومسؤولين حاليين وسابقين من الولايات المتحدة وأوروبا ودول أفريقية.

أسلحة إلى ليبيا

ورصدت رويترز 170 رحلة إجمالا باستخدام صور الأقمار الاصطناعية المستقاة من شركات بلانيت وماكسار وبلاك سكاي لطائرات مركزها الإمارات واتجهت إلى أم جرس منذ بداية الحرب.

وتمكنت رويترز من التحقق، من أن 86 رحلة على الأقل، من بين تلك الرحلات، انطلقت من مطارات الإمارات، منها العين وأبوظبي ورأس الخيمة. ولم تتمكن رويترز من تأكيد نقطة انطلاق الرحلات الأخرى بسبب فجوات في تتبع الرحلات.

وتوصل فحص لرويترز للرحلات الجوية البالغ عددها 170 رحلة التي توجهت إلى شرق تشاد، إلى أن نحو نصفها كانت تديره أربع شركات طيران اتهمتها لجنة خبراء من الأمم المتحدة بنقل دعم عسكري إماراتي إلى القائد العسكري خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) في عامي 2019 و2020، وفقا لبيانات تتبع الرحلات الجوية.

والشركات هي زيتافيا وفلاي سكاي إيرلاينز ومقرهما أوكرانيا، وفلاي سكاي قرغيز وسابسان إيرلاينز ومقرهما قرغيزستان.

ولم تظهر تقارير من قبل عن تورط هذه الشركات الأربع، ولم تتمكن رويترز من تحديد ما كانت تحمله الطائرات.

وجاء في تقرير صدر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عن مرصد الصراع في السودان الذي تموله وزارة الخارجية الأمريكية، أن شركة طيران أخرى مشاركة في النقل الجوي إلى تشاد، وهي شركة نيو واي كارغو ومقرها قرغيزستان، تزود قوات الدعم السريع بدعم من الإمارات عبر تشاد.

ولم ترد شركات الطيران ومتحدث باسم حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا على طلبات التعليق.

وبعد النتائج التي توصلت إليها لجنة الأمم المتحدة في عام 2021، ألغت السلطات في أوكرانيا وقازاخستان تسجيل عدد من الطائرات، وجرى تسجيلها في قرغيزستان.

ولم تعلق شركتا زيتافيا وسابسان على نتائج اللجنة. وقالت شركة فلاي سكاي للطيران للجنة الأمم المتحدة إن الشحنة التي نقلتها “لم تكن شحنة عسكرية تخضع لعقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.

ووفق تحليل رويترز لبيانات من موقع فلايت رادار24، فإن كثيرا من الرحلات الجوية البالغ عددها 170 رحلة توقفت لفترة وجيزة في كينيا في مطارات في نيروبي ومومباسا، لكنها توقفت أيضا في مطار عنتيبي في أوغندا، وكيغالي في رواندا، وبوصاصو في ولاية بونتلاند شبه المستقلة في الصومال.

وفي أرض الصومال، الإقليم الصومالي الانفصالي، قال مسؤول كبير لرويترز إن الرحلات الجوية القادمة من الإمارات التي تتوقف في بربرة كانت تحمل معدات عسكرية، وفقا لمعلومات تضمنت طلبات الهبوط المرسلة إلى سلطات المطار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه بسبب حساسية المعلومات. ولم تتمكن رويترز من مراجعة طلبات الهبوط أو التأكد من المعلومات بشكل مستقل.

وقال ستة مسؤولين محليين ودبلوماسيون إن الإمارات أقامت علاقات مع أرض الصومال بدأت في عام 2017 ببناء قاعدة عسكرية في بربرة تحولت فيما بعد إلى مطار عسكري.

ولم ترد هيئة مطارات كينيا ووزارة الخارجية وسلطات المطارات في رواندا وأوغندا وبونتلاند وأرض الصومال على طلبات التعليق.

وقال تسعة مسؤولين من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأفريقي لرويترز إنهم يراقبون من كثب الدعم العسكري الذي يتدفق إلى قوات الدعم السريع من الإمارات عبر تشاد، على الرغم من أنهم لم يوجهوا أي اتهامات علنية.

ولم يرد الاتحاد الأفريقي على طلب للتعليق. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية إن المملكة المتحدة تواصل السعي بكل الطرق الدبلوماسية إلى إنهاء العنف.

(رويترز)

نظام الاغاثة العالمي معقد لكنه يواجه الفشل

واشنطن: قبل 20 عاما.. كان الصومال يتجه نحو كارثة، يهدد فيها الصراع والجفاف وانهيار الحكومة بسقوط 200 ألف شخص في براثن المجاعة.

لكن لم يكن لدى منظمات الإغاثة ما يكفي من الطعام للجميع ولم تكن لديها أيضا وسيلة ملائمة لتحديد من هم أكثر عرضة لخطر المجاعة. وأطلق رجل غاضب من حصة عشيرته المحدودة من المساعدات الغذائية النار على العاملين في المجال الإنساني.

وخطرت على بال نيكولاس هان، وهو أمريكي كان يعمل آنذاك في جهود الأمم المتحدة الإغاثية، فكرة وهي إنشاء نظام قائم على الأدلة يصنف انعدام الأمن الغذائي الحاد بشكل موضوعي ويشرك الخبراء الدوليين والقادة الصوماليين حتى يتفق الجميع على كيفية إدارة الأزمة.

وقال هان إن الفكرة نجحت. وساعد السكان في جمع الأدلة لتحليلها. وأضاف أن هذا أدى إلى قبول أكبر للقرارات الصعبة المتعلقة بالمكان الذي يجب إرسال المساعدات إليه.

وتطورت العملية، التي عمل هان وموظفو إغاثة آخرون على بلورتها لمدة شهر تقريبا، لتصبح في نهاية المطاف التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (آي.بي.سي)، وهي شراكة عالمية تشكل محورا في النظام الواسع المطبق حاليا لمراقبة وتخفيف الجوع. وتم تصميمه لدق ناقوس الخطر بشأن تطور أزمات الغذاء حتى تتمكن المنظمات من الاستجابة ومنع المجاعة وتفشي الجوع.

ولكن مع اجتياح أزمات الجوع أجزاء من العالم النامي هذا العام، فإن الافتراضات التكنوقراطية التي يرتكز عليها نظام تحذير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تصطدم بحقائق فوضوية وقاسية.

ففي مارس آذار، دق نظام التحذير ناقوس الخطر بشأن مجاعة وشيكة في شمال قطاع غزة. وفي أغسطس آب، قال إن المجاعة استشرت في جزء من ولاية شمال دارفور بالسودان.

ومع ذلك، قال مسؤولون من الأمم المتحدة في أوائل نوفمبر تشرين الثاني إن سكان شمال غزة بالكامل معرضون “لخطر الموت الوشيك بسبب المرض والمجاعة والعنف”. وفي دارفور، لم يصل سوى النزر اليسير من المساعدات إلى مخيم زمزم، وهو مخيم للنازحين يعاني من المجاعة، ويقدر عدد قاطنيه بنحو 500 ألف نسمة، وهم معرضون لخطر الموت لأسباب مرتبطة بالجوع.

والخطير في الأمر هو أن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يواجه صعوبة في الوصول إلى البيانات التي يحتاج إليها لإجراء تحليلات مستنيرة. ولأن معظم أزمات الغذاء في العالم مدفوعة بالصراعات، ازدادت صعوبة جمع المعلومات التي يحتاجها النظام لتصنيف الدول المعرضة للخطر على مقياس انعدام الأمن الغذائي الحاد المكون من خمس مراحل.

 

وفي غزة، أعاق القصف الإسرائيلي والقيود المفروضة على الحركة الجهود المبذولة لجمع الإحصاءات حول سوء التغذية والوفيات غير المرتبطة بالإصابات وغيرها من البيانات الضرورية.

وفي السودان، أدى العنف والحواجز العسكرية والعوائق البيروقراطية وانقطاع الاتصالات إلى تعطيل الجهود المبذولة لتقييم مدى تفشي سوء التغذية وإحصاء الوفيات وإجراء مسوح حول قدرة الناس على الحصول على الغذاء.

وهناك افتراض آخر يتبين كثيرا أنه خاطئ ويشكل جزءا من عمل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو أن العالم سيستجيب على الفور لتحذيراته. بينما على أرض الواقع، تأتي المساعدات الكبيرة أحيانا بعد موت الجوعى بالفعل بأعداد كبيرة.

ولعل أسوأ نقاط ضعف النظام، والتي أشار إليها هان نفسه، هو افتراض أن الحكومات في البلدان التي يعاني سكانها من الجوع سوف تتعاون بالكامل مع التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي والأمم المتحدة وغيرهما من جهات المساعدة الخارجية.

وقال هان إن مشاركة الحكومات قد تكون أعظم نقاط القوة في النظام، إذ تُمكن البلدان من حل مشاكلها بنفسها. لكن رويترز وجدت أن إشراك المسؤولين المحليين، وهو ما يفعله التصنيف عادة، يمكن أن يسفر أيضا عن تضارب في المصالح لأنه يمكنهم من تقويض عمل نظام مراقبة الجوع وإلحاق الضرر بمن يفترض أن يحميهم. وهذا صحيح بوجه خاص في حالات الحروب الأهلية، حيث قد تكون الاستراتيجية العسكرية الخاصة بالحكومات أكثر أهمية من الأهداف الإنسانية.

وقال جيريمي كونينديك رئيس منظمة اللاجئين الدولية الإغاثية والمدير السابق لمكتب المساعدة الخارجية في حالات الكوارث التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “إنه يمنح دون قصد حق النقض لأي طرف مشارك في الحرب لا يريد إعلان المجاعة”.

وفي ثلاث دول تعاني الآن من أزمات غذائية حادة، وجدت رويترز أن الحكومات أو المتمردين منعوا أو تلاعبوا في تدفق البيانات إلى التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أو حاولوا التكتم على نتائجه.

وفي إثيوبيا، لم تنل نتائج التصنيف، التي خلصت إلى معاناة 350 ألف شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد الكارثي، رضا الحكومة التي قررت وقف العمل مع التصنيف.

وفي اليمن، سيطر المتمردون الحوثيون على عملية البحث الخاصة بالتصنيف وضخموا أزمة الغذاء في محاولة للحصول على مزيد من المساعدات.

أما في السودان، حاولت الحكومة دحض نتائج مسح كشف عن معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال. وقال مسؤولون إثيوبيون وسودانيون لرويترز إن تحليلات التصنيف معيبة. وقال ممثلو الحوثيين إن بحثهم وثق أزمة إنسانية حقيقية.

ومن أسباب الإقدام على هذه الأفعال التي تفسد عمل التصنيف خوف الحكومات من الوصمة الدولية ومن الانتكاسات السياسية محليا بسبب عدم قدرتها على أداء أحد أهم واجباتها: وهو إطعام الشعوب.

وقال مارك لوكوك الذي كان منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة من عام 2017 إلى عام 2021 “لا تريد الدول أن يُقال لها إنها تشرف على مجاعة”.

وتابع “إن ذلك لا يجعلها تحظى بالثناء والإعجاب الدوليين. لذا فإن هذه الكيانات الحكومية تحاول التهرب والمراوغة لتجنب انكشاف الأمر”.

 “يداك مكبلتان”

يقر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي بأن تلك العوائق تؤدي أحيانا إلى إبطاء عمله وتأخير التنبيهات التي تهدف لتوفير الموارد اللازمة بشكل عاجل للأماكن التي تعاني أزمات جوع شديدة. وكان هذا أحد أسباب البروتوكولات الجديدة التي أعلن عنها التصنيف في 22 نوفمبر تشرين الثاني.

قال خوسيه لوبيز مدير البرنامج العالمي بالتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، ردا على أسئلة حول أوجه القصور في نظام التحذير، إن التصنيف سيلزم الآن خبراءه الفنيين بتولي التحليلات التي تقودها الحكومة في غضون أسبوعين من إشارة الأدلة إلى وجود مجاعة وظروف استثنائية، مثل التدخل أو التأخير من جانب الحكومة. ويقول النظام إن هذا التغيير يهدف إلى ضمان ورود تقارير غير متحيزة وفي الوقت المناسب خلال الأزمات، على أمل وقف المجاعة المتفشية ومنع حدوث وفيات على نطاق واسع.

في أكتوبر تشرين الأول، أصدر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي دليلا إرشاديا جديدا حول كيفية تجسيد المحللين أوضاع الصراعات في تقاريرهم. ويشير الدليل الإرشادي إلى فشل التصنيف في التحذير مبكرا بما يكفي من أن دولة جنوب السودان كانت تبدو متجهة نحو المجاعة في عام 2020. وكانت الميليشيات المسلحة تتقاتل على الموارد وبسبب مظالم تاريخية، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف.

وتقول الوثيقة إن المحللين لم يأخذوا في الحسبان بشكل كاف تأثير العنف المنظم على الأمن الغذائي. ويوجه الدليل الإرشادي المحللين إلى بحث الطرق التي يمكن أن يؤدي الصراع بها لانعدام الأمن الغذائي، مثل إعاقة الحصول على الغذاء، والتسبب في ارتفاع الأسعار ارتفاعا حادا وعرقلة إنتاج المحاصيل.

يستند فحص رويترز لكيفية عمل التصنيف وما إذا كان يمثل نظام تنبيه فعالا إلى وثائق واتصالات داخلية لدى التصنيف ومحاضر اجتماعات المنظمات الإنسانية والبيانات المتعلقة بتسليم المساعدات والأغذية والتبرعات. كما أجرى المراسلون مقابلات مع عشرات من موظفي الإغاثة والمسؤولين الحكوميين ومحللي التصنيف والأكاديميين الذين يدرسون الأمن الغذائي.

والكثير من المشاكل التي يعاني منها التصنيف خارجة عن سيطرته، مثل الحرب الأهلية والصراعات الأخرى التي تعيق جمع البيانات وردود الفعل المتلكئة على توقعاته من جانب مانحي وموزعي المساعدات.

ويقول التصنيف إن تحليلاته بشأن الجوع تساعد في توجيه ستة مليارات دولار من المساعدات سنويا إلى أكثر من 35 دولة يراقبها. لكن طلبات لجمع 15 مليار دولار من أجل جهود توفير الأمن الغذائي والتغذية على مستوى العالم لم تتم تلبيتها في عام 2023، وفقا لبيانات الأمم المتحدة التي تتابع تدفق المساعدات.

وقال مارتن غريفيث، الذي تنحى عن منصبه منسقا للأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ في يونيو حزيران، إن نقص البيانات والأموال وعدم القدرة على الوصول إلى المناطق التي يعاني فيها الناس من الجوع خلق وضعا “تكون فيه يداك مكبلتان خلف ظهرك منذ البداية”.

كما يمكن أن تعيق نقاط الضعف الداخلية لدى الأمم المتحدة جهود الإغاثة. ففي إثيوبيا، حادت كميات هائلة من المساعدات المقدمة من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن وجهاتها، فيما يرجع جزئيا إلى تراخي الضوابط الإدارية للمنظمة.

وأفادت رويترز أمس الأربعاء بأن تقريرا داخليا لبرنامج الأغذية العالمي عن السودان رصد مجموعة من المشاكل التي تواجه استجابة المنظمة للوضع هناك، مثل عدم القدرة على الاستجابة بشكل ملائم للأزمة، وفرص التمويل الضائعة وما يصفها “بتحديات لمكافحة الاحتيال”.

 البحث عن البيانات

أصبح التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الآن هيئة مستقلة تمولها الدول الغربية وتشرف عليها 19 منظمة إنسانية ومؤسسة حكومية دولية كبيرة. ورغم أن مهامه واسعة النطاق، فإن موارده محدودة فهو لا يضم سوى 60 موظفا يتلقون رواتب ولديه ميزانية سنوية تبلغ 8.5 مليون دولار.

ويعتمد النظام على مئات المحللين من الحكومات والوكالات الشريكة للخروج بتقارير عن الجوع وسوء التغذية الحاد في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

وتصنف تقارير النظام المناطق التي تشهد انعدام أمن غذائي حاد على مقياس من واحد إلى خمسة يتدرج من الحد الأدنى إلى الشدة والأزمة والطوارئ والمجاعة.

وفي كل بلد، تقوم “مجموعة عمل فنية”، ترأسها الحكومة الوطنية عادة، بتحليل البيانات وتصنيف المناطق على ذلك المقياس وإصدار تقارير دورية.

وبدلا من جمع بياناته بنفسه، يعتمد التصنيف على برنامج الأغذية العالمي، وهو موزع عالمي للمساعدات الغذائية بميزانية تقدر بمليارات الدولارات، ومنظمات إغاثة أخرى ووكالات حكومية لتوفيرها.

وعندما يتعلق الأمر بمجاعة، فإن التحليل غالبا ما يحصل على مرحلة إضافية من التدقيق، تتولاها لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي والمكونة من خمسة أعضاء والتي تفحص وتتحقق من النتائج.

وتتطلب تحليلات الجوع التي يجريها التصنيف فحصا دقيقا للبيانات المتعلقة بالعوامل المرتبطة علميا بالأمن الغذائي، مثل غلة المحاصيل وأسعار الطعام وسوء التغذية.

وقالت ديبمالا مهلا، كبيرة مسؤولي الشؤون الإنسانية في منظمة الإغاثة (كير)، الشريكة للتصنيف المرحلي المتكامل، إنه على الرغم من أهمية هذه المعايير الموحدة والدقة الفنية، فإن من الضروري ألا يصبح ذلك عائقا أو يبطئ عملية تقديم المساعدات.

وأضافت مهلا “أكبر الأسباب المنفردة للجوع في العالم هو الصراع. وهذا يعني أن الأشخاص الأكثر احتياجا يكونون في المناطق التي يصعب الوصول إليها. والتحدي الأكثر إلحاحا أمام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي هو صعوبة جمع بيانات الوفيات والتغذية من هذه المناطق”.

في غزة، أدت الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من 13 شهرا إلى نزوح ما يقدر بنحو 1.9 مليون فلسطيني، وكثير منهم نزحوا عدة مرات. ويحول القصف والقيود على الحركة وأوامر الإخلاء التي يصدرها الجيش الإسرائيلي دون حصول السكان على الرعاية الصحية كما يمنع وصول موظفي الإغاثة إلى من يحتاجون للمساعدات.

وقال موظفو إغاثة لرويترز إن كل هذا يجعل من الصعب للغاية على التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الحصول على بيانات عن إحصاءين يسعى إليهما لتحديد ما إذا كانت هناك مجاعة؛ وهما سوء التغذية والوفيات المرتبطة بالجوع.

والطريقة المفضلة للتصنيف حتى يقيّم مستويات سوء التغذية الحاد هي قياس أوزان الأطفال وأطوالهم. لكن القصف الإسرائيلي دمر العديد من المستشفيات والعيادات في غزة، ومعها أدوات قياس الوزن والطول. وكبديل عن ذلك، دربت المنظمات الإنسانية العاملين بالقطاع الصحي على قياس محيط أعلى ذراع الأطفال.

واعتمد التصنيف على هذه القياسات في أكتوبر تشرين الأول، عندما أفاد بأن معدلات سوء التغذية الحاد في غزة تتجاوز بعشر مرات ما كانت عليه قبل الصراع لكنها لا تزال أقل من الحد الذي يعتبر عنده المنطقة في مجاعة.

ولكن البيانات جُمعت في أغسطس آب وسبتمبر أيلول، قبل تدهور الأوضاع في شمال القطاع، حيث تشن إسرائيل هجمات مكثفة. ومنذ أكتوبر تشرين الأول، لم يتمكن العاملون بالقطاع الصحي من الوصول إلى هناك لجمع بيانات سوء التغذية.

كما يُعرض الصراع جامعي البيانات أنفسهم للخطر، وهم غالبا موظفو إغاثة. وقُتل ما لا يقل عن 337 موظف إغاثة في غزة منذ بدء العملية الإسرائيلية، وهو أكبر عدد على الإطلاق خلال أزمة واحدة، وفقا للأمم المتحدة.

وفي نوفمبر تشرين الثاني 2023، أي قبل أسابيع قليلة من بدء محللي التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي العمل لتحديد ما إذا كانت غزة تعاني مجاعة، تعرضت قافلة تقل موظفين من منظمة أطباء بلا حدود وأفرادا من عائلاتهم لإطلاق نار، مما أسفر عن مقتل شخصين. وقالت أطباء بلا حدود إن القافلة كانت تحمل بوضوح شعار المنظمة الإغاثية وإن جميع الأدلة تشير إلى أنه هجوم متعمد من إسرائيل.

وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قلقا للغاية بشأن سلامة موظفي الإغاثة في غزة لدرجة أنه نظم اجتماعات على برنامج زوم تتم المشاركة فيها دون الكشف عن الهوية حتى يتمكن من القيام بعمله، وذلك وفقا لما قاله ستة مشاركين لرويترز. وعمل بعض محللي التصنيف لصالح منظمات إنسانية على الأرض في غزة، وخشي التصنيف أن تستهدفهم إسرائيل.

لذلك، كان منسق يخفي هويات المحللين يوميا قبل السماح لهم بالدخول إلى اجتماعات زوم التي تعقد عبر الإنترنت. وبدلا من أن تكون لهم أسماء تظهر على الشاشة، كانت لديهم أرقام: المحلل رقم 1، المحلل رقم 2، المحلل رقم 3. ويُبقى الجميع كاميراتهم مغلقة.

لم يرد الجيش الإسرائيلي على أسئلة من رويترز حول واقعة قافلة أطباء بلا حدود أو الهجمات على موظفي الإغاثة أو الجهود التي يبذلها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لحماية محلليه.

وقالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، الهيئة الحكومية الإسرائيلية التي تشرف على المساعدات المقدمة إلى غزة، لرويترز إن مجلسا حكوميا إسرائيليا جديدا بدأ خلال الشهور القليلة الماضية في التركيز على سلامة العاملين بالمجال الإنساني. وأضافت أن المجلس “يسهل تبادل المعلومات بكفاءة وسرعة” لمساعدتهم على توزيع المساعدات بأمان وفاعلية.

مقاومة من الداخل

لم يكن لدى التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي مجموعة من المحللين تعمل في غزة عندما بدأت العملية العسكرية الإسرائيلية. لذا فقد شكل مجموعة مؤقتة، يرأسها موظفوه بدلا من ممثلي الحكومة المحلية. وقال مصدران في التصنيف إن الهدف من هذا الترتيب هو الحفاظ على حياد المجموعة.

وفي أي مكان آخر تقريبا يعمل فيه التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يرأس مسؤول حكومي مجموعة العمل. ويعمل التصنيف مفترضا أن الحكومات تريد توصيل المساعدات إلى السكان الجائعين.

ولكن رويترز وجدت أن عددا من الحكومات أو الفصائل الحاكمة سعت إلى التلاعب بالبيانات اللازمة لتحليلات التصنيف أو منعت جمعها. واستغلت هذه الأطراف متطلبات التصنيف الصارمة لاستبعاد الأدلة الدامغة على وجود المجاعة وتأخير نشر التقارير التي تحذر من خطر المجاعة.

وفي السودان، سعت الحكومة إلى عرقلة دراسة رئيسية عن سوء التغذية والوفيات ساعدت في إظهار أن مخيم زمزم الضخم للنازحين يعاني مجاعة. وتأسس المخيم في عام 2004، أثناء الهجمات التي شنتها الحكومة السودانية وميليشيات الجنجويد المتحالفة معها آنذاك والتي أسفرت عن عمليات قتل جماعي بدوافع عرقية. وهو يؤوي الآن نحو 500 ألف نازح.

واختارت منظمة أطباء بلا حدود عشوائيا 659 طفلا هناك في يناير كانون الثاني لقياس محيط الجزء العلوي من أذرعهم، أو العضد. ووجدت المنظمة أن نحو 25 بالمئة يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو ما يتخطى النسبة التي حددها التصنيف لرصد المجاعة والتي تبلغ 15 بالمئة. كما وجدت معدلات وفيات مرتفعة بشكل مثير للقلق بين السكان على نطاق أوسع.

وفي نهاية مارس آذار وأوائل أبريل نيسان، فحصت المجموعة 47 ألف طفل آخرين ووجدت أن واحدا من كل ثلاثة أطفال يعاني من سوء التغذية.

وقالت سهام عبد الله (28 عاما)، وهي طبيبة عملت في المسح ولا تزال تعالج المرضى هناك، إن بعض الأطفال ماتوا أثناء انتظارهم في الصف ليتم فحصهم. وأضافت أن آخرين ماتوا في الطريق إلى العيادة.

وقالت لرويترز “يتم رفض استقبال الأطفال لأنه لا توجد أسرَّة.. ثم يعودون لاحقا في حالة أسوأ”.

وتعطلت جهود منظمة أطباء بلا حدود في علاج الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية بسبب وصول شحنات المساعدات بشكل متقطع. ففي خريف هذا العام، لم تتمكن المنظمة من علاج 5000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد لأن طرفي الصراع كانا يمنعان وصول الإمدادات إلى المخيم.

ووفرت دراسة استقصائية أجرتها منظمة أطباء بلا حدود بشأن التغذية والوفيات بين الأطفال في يناير كانون الثاني بيانات قيمة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي خلال عمله على تحديد ما إذا كانت المنطقة تعاني من مجاعة. ويأخذ تحليل المجاعة في الاعتبار قدرة الناس على الحصول على الغذاء، إلى جانب معدلات سوء التغذية والوفيات.

لكن هذه الدراسة قوبلت برفض من الحكومة السودانية التي تخوض حربا أهلية مع قوات الدعم السريع وعارضت بشدة إعلان المجاعة لأسباب استراتيجية.

وقال إبراهيم خاطر مدير عام وزارة الصحة بشمال دارفور لرويترز في أغسطس آب إن أطباء بلا حدود بالغت فيما خلصت إليه بهدف حشد التمويل. وأضاف أن منظمات الإغاثة “تفعل ذلك كنوع من الدعاية حتى تتمكن من الحصول على المزيد من الدعم.. يعتمدون على المعاناة والجوع حتى يتسنى لهم الحصول على منازل جميلة وسيارات ورواتب”.

وردا على تصريحات خاطر، أشارت منظمة أطباء بلا حدود إلى الدقة الإحصائية لتحليلها ووصفت نتائجها بأنها “لا لبس فيها”.

وقال ميشيل أوليفييه لاشاريتيه رئيس برامج الطوارئ لدى أطباء بلا حدود في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني إلى رويترز “محنة الشعب السوداني، الذي لا يتلقى سوى النزر اليسير من المساعدات الإنسانية في أفضل الأحوال بينما يسقط نهبا للجوع والحرب، أقل ما يمكن وصفها به أنها شنيعة”.

كان سفير السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث محمد قد انتقد في يونيو حزيران جهود إعلان مجاعة في السودان تقوم بها أطراف من خارجه، والتي وصفها بأنها “رواية يمكن بموجبها فرض المجاعة من أعلى”. ومن شأن إعلان المجاعة أن يزيد الضغوط على الحكومة لفتح معبر حدودي رئيسي لشحن المساعدات من تشاد، والذي وصفه بأنه “صندوق شرور” من شأنه أن يفتح الباب أمام تهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع.

وأثار وزير الزراعة السوداني أبو بكر البشرى اعتراضات مماثلة في رسالة في وقت لاحق من ذلك الشهر إلى لوبيز. ورد لوبيز بأن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لا يستطيع أن يأخذ في الاعتبار المخاوف العسكرية السودانية في تحليله.

وقال لوبيز في الرسالة التي أرسلها بتاريخ الرابع من يوليو تموز واطلعت عليها رويترز “القضايا التي أثرتموها بشأن مخاطر تحويل المساعدات الإنسانية وتوسع الصراع المحتمل تتجاوز الغرض والأهداف من المراجعة الخاصة بالمجاعة”.

وبعد أن نشرت منظمة أطباء بلا حدود ما خلصت إليه بشأن التغذية والوفيات بمخيم زمزم في فبراير شباط، استغرق الأمر ستة أشهر من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لتنبيه العالم إلى حدوث مجاعة هناك. وخلال تلك الفترة، ارتفع متوسط ??عدد القبور التي يتم حفرها يوميا في المخيم.

واستخدمت رويترز صور أقمار صناعية عالية الدقة لفحص النشاط في سبع مقابر بمخيم زمزم. وتكشف الصور عن متوسط ??لا يقل عن 1.6 قبر جديد يضاف كل يوم في مارس آذار. وبحلول نوفمبر تشرين الثاني، ارتفع هذا المعدل إلى أربعة قبور على الأقل كل يوم. ومن المرجح أن يكون ذلك أقل من العدد الحقيقي لأنه من المستحيل معرفة ما إذا كانت الصور تكشف عن كل عملية دفن، خاصة قبور الأطفال الصغار. وفي فبراير شباط، أشارت تقديرات منظمة أطباء بلا حدود إلى أن طفلا يموت كل ساعتين في المخيم.

وقال هان إن استخدام وكالة رويترز لصور الأقمار الصناعية مثال على أنواع جديدة من البيانات التي يمكن دمجها في تحليلات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي. واستشهدت لجنة المراجعة بشأن المجاعة بعمل رويترز كأحد الأدلة في ما خلصت إليه بشأن المجاعة في أغسطس آب. وقال هان إن التصنيف يعمل حاليا مع مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل لاستكشاف طرق استخدام تحليلات مماثلة في تقاريره. كما يستكشف تقنيات التعلم الآلي، التي تعتمد على النماذج الكمبيوتر لتوقع النتائج.

ولا تزال المأساة مستمرة في مخيم زمزم. وقال متطوع ومنظمة إغاثة لرويترز إن المخيم تعرض لقصف مكثف هذا الأسبوع.

اختلاف على التقارير

السودان ليس المكان الوحيد الذي واجه فيه التصنيف مقاومة شديدة من جانب الحكومة. ففي يونيو حزيران 2021، عمل على تحليل خطر المجاعة في منطقة تيجراي بإثيوبيا، حيث كانت قوات شبه عسكرية آنذاك في خضم صراع عنيف مع القوات الحكومية. وخلص إلى أن أكثر من 350 ألف شخص كانوا في المرحلة الخامسة، أي في ظروف كارثية.

وتحدت الحكومة المركزية في إثيوبيا منهجية واستنتاجات التصنيف، لكنه نشر تحليله على أية حال. وأضاف إعلان إخلاء مسؤولية قال فيه “لم يتم اعتماد هذا التقرير من حكومة إثيوبيا”.

وجاء رد الحكومة غاضبا. وقال مسؤول حكومي كبير تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لرويترز “اعتبرت (الحكومة) أن النشر أحادي الجانب وغير مصرح به”. وطردت الحكومة في وقت لاحق سبعة مسؤولين كبار في الأمم المتحدة ومنعت دخول أي أحد آخر من التصنيف إثيوبيا.

ومنذ ذلك الحين، لم يجر التصنيف أي تحليل في إثيوبيا، غير أن المسؤول الحكومي قال إن محادثات بدأت في الآونة الأخيرة في محاولة لتحسين العلاقات بين الحكومة والتصنيف.

 سيطرة

كانت ممارسة التخويف والترهيب ضد التصنيف ونظام الإغاثة الإنسانية ككل شديدة في اليمن عام 2023 عندما حاولت قوات الحوثيين التي تسيطر على شمال البلاد تضخيم أزمة الجوع لجذب مساعدات إنسانية دولية، حسبما قالت أربعة مصادر مطلعة لرويترز. ويواجه الحوثيون اتهامات بتحويل مسار المساعدات على نطاق واسع هناك.

وأفادت ثلاثة مصادر من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بأن الذراع الإنسانية للحوثيين اختارت جامعي بيانات في 2023 لإجراء مسوحات لتقييم قدرة السكان على الحصول على الغذاء. ولم تتمكن رويترز من معرفة تفاصيل عن كيفية جمع البيانات.

وقال أحد أعضاء مجموعة عمل التصنيف الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن الحوثيين استخدموا البيانات بعد ذلك للضغط على التصنيف ليقول إن الكثير من المناطق الحضرية تشهد حالة طوارئ غذائية بينما كان الناس في واقع الأمر قادرين على الحصول على الغذاء والوصول للأسواق. وأضاف أن مسؤولين حوثيين هددوا أعضاء التصنيف من عواقب إذا لم يصنفوا المناطق وفق ما يريده الحوثيون. واعتقلت قوات الأمن الحوثية العشرات من موظفي الأمم المتحدة وموظفي المنظمات غير الحكومية وأودعتهم في حبس انفرادي.

وفي رد مكتوب على أسئلة من رويترز، قال المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية التابع للحوثيين إن الأزمة الإنسانية في اليمن “حقيقة لا جدال فيها وليست مختلقة”.

وأضاف “تمت عملية جمع البيانات بالطريقة المطلوبة وفقا للمعايير المتفق عليها مع برنامج الغذاء العالمي”، مشيرا إلى أن نصف جامعي البيانات تم اختيارهم من قبل برنامج الغذاء العالمي.

ونفى تحويل مسار المساعدات وتهديد موظفي الإغاثة، وقال إن اعتقال موظفي الأمم المتحدة كان قانونيا.

وقال البيان “هذه مزاعم كاذبة وغير صحيحة. نرفضها تماما. لم تتم ممارسة أي ضغوط على اللجنة”.

وقالت ثلاثة مصادر في التصنيف لرويترز إن فريقا عالميا من التصنيف راجع البيانات التي جمعها الحوثيون وخلص إلى أنها تبالغ في تقدير مستويات الجوع. وقرر التصنيف عدم نشر التحليل الذي قاده الحوثيون. وأفادت المصادر بأنه لم ينشر تقييمه الخاص أيضا بسبب المخاوف الأمنية.

قليل جدا.. متأخر جدا

حتى عندما لا تكون هناك معوقات أمام عمل التصنيف ويتم في الوقت المناسب، غالبا ما تكون استجابة الدول المانحة للتحذيرات من أزمة غذاء بطيئة. ويزداد تقديم المساعدات صعوبة بسبب الصراعات وإغلاق الحدود وفرض قيود على الانتقالات. وقد يترك ذلك الهيئات الإنسانية دون ما يكفي من المال اللازم للحيلولة دون تفاقم أزمة الجوع.

وبحسب بيانات من الأمم المتحدة، لم يقدم العالم سوى 39 بالمئة من المساعدات التي طلبتها الهيئات في 2023 لتخفيف حدة انعدام الأمن الغذائي وتحسين وضع التغذية. ومن المتوقع أن تكون نتائج العام الجاري أفضل قليلا.

وقال مسؤولون حكوميون من سبع دول مانحة إنهم يهتمون بمعرفة ما تخلص إليه تقارير التصنيف، لكنهم يضعون في الحسبان أيضا الأولويات المالية والسياسية والتوقعات الخاصة بالمناخ والعقبات اللوجستية أمام تسليم المساعدات وإجراءات الجهات المانحة الأخرى.

وقال أندرياس فون براندت ممثل ألمانيا لدى هيئات الأمم المتحدة في روما إن بلاده ستولي اهتماما لتحديد التصنيف حدوث مجاعة من المرحلة الرابعة أو الخامسة. لكن هذا لن يضمن الاستجابة. وقال فون براندت “أموالنا محدودة… حتى في أفضل السنوات، لم يكن لدينا كل الأموال الكافية”.

توضح أول مجاعة حددها التصنيف -في الصومال عام 2011- حجم الخسائر المدمرة التي قد تترتب على وصول المساعدات بعد فوات الأوان.

فقد أدى الجفاف والصراع بين الجماعات المسلحة التي تقاتل من أجل السيطرة على جنوب البلاد إلى نزوح جماعي ونقص حاد في الغذاء من 2010 إلى 2012. وحذرت تحليلات التصنيف مرارا من خطر مجاعة وشيكة.

ومع ذلك، تردد المانحون في إرسال المساعدات إلى منطقة تسيطر عليها جماعات مسلحة وصفتها الولايات المتحدة بأنها إرهابية. وانخفضت المساعدات الإنسانية إلى المنطقة المتأثرة إلى النصف من 2008 إلى 2011، حيث تعرض موظفو الإغاثة للهجوم.

ولم تستجب الدول والمنظمات المانحة بفيض من المساعدات إلا بعد أن خلص تحليل من التصنيف إلى أن المنطقة تعاني من مجاعة في يوليو تموز 2011. وبحلول ذلك الوقت، كان الكثير من الضرر قد وقع بالفعل.

وتبين أن هذه المجاعة كانت واحدة من أخطر المجاعات في القرن الحادي والعشرين. وتشير التقديرات إلى أن 258 ألف شخص، معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة، ماتوا لأسباب تتعلق بالجوع، بحسب تحليل أجري في 2013 بتكليف من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو). ووجدت الدراسة أن ما يقرب من نصفهم ماتوا قبل إعلان المجاعة.

وينظر هان بإحباط إلى العقبات الجيوسياسية وفشل الأذرع المختلفة لمنظومة المساعدات الإنسانية في العمل معا للحيلولة دون حدوث المجاعة، وذلك بعد 20 عاما من الخروج بفكرته لتصنيف الجوع.

وقال “كل ذلك يقع على عاتق المرأة والفتاة والصبي في زمزم الذين لا يستطيعون تناول الطعام الليلة، ولا ذنب لهم يمنعهم من تناول الطعام الليلة، لا ذنب لهم على الإطلاق”.

(رويترز)

المجموعات المسلحة تتزايد ومعها الخطر على مستقبل السودان

القاهرة (أ ف ب) – مدفوعا بيأسه من العثور على وظيفة في بلده الغارق في الحرب، التحق السوداني محمد إدريس (27 عاما) بمعسكر تدريب على الحدود الإريترية تمهيدا للانضمام إلى إحدى المجموعات المسلحة.

شاحنة تنقل مسلحين مرتبطين بالجيش السوداني في مدينة القضارف في السودان بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 © – / ا ف ب

يقول إدريس لوكالة فرانس برس من مدينة كسلا الحدودية “أكملت دراستي الجامعية ولم أجد فرصة عمل، وبالالتحاق بمعسكر التدريب سأدافع على الأقل عن بلدي وأهلي”.

وبقيت كسلا، مثل القضارف التي تقع على مسافة 200 كيلومتر غربها، بمنأى عن القتال بين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، والجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان الزعيم الفعلي للبلاد.

لكن مع استضافتهما مئات آلاف النازحين من بقية أنحاء السودان، تجوب شوارع المدينتين حاليا قوافل من سيارات الدفع الرباعي المجهزة بأسلحة مضادة للطائرات، محملة بشباب يلوحون ببنادق، وفق مراسلين لوكالة فرانس برس.

هؤلاء الشبان، مثل محمد إدريس، جزء من جيل مستقبله قاتم بسبب الحرب التي بدأت في نيسان/أبريل 2023، ويشكلون أرضا خصبة للجماعات المسلحة الجديدة التي تتشكل خصوصا على أسس عرقية وقبلية.

ويؤكد إدريس “القوات التي أريد الالتحاق بها من أبناء قبيلتي وأهلي”.

يوضح فيصل محمد صالح، المحلل السياسي ووزير الثقافة السابق، أن هذه “المجموعات المسلحة في شرق السودان لم تنخرط في الحرب الحالية ولم تشارك في القتال، ولكن هناك تخوفات من أن تكون هذه المجموعات تستعد لجولات مقبلة”.

تأسيس مجموعات مسلحة

لم يشهد السودان سوى فترات قصيرة من الحكم المدني منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1956، وينشط فيه عدد من الجماعات المسلحة بعضها لديه إمكانات جيش صغير.

وعلى مدى عقود، حارب العديد منها السلطة المركزية في الخرطوم، بدعوى الدفاع عن حقوق أقليات عرقية أو مناطق مهمشة.

في العام 2020، وقّع معظم المجموعات المسلحة اتفاق جوبا للسلام مع الخرطوم، وانضم العديد من قادتها إلى الإدارة الجديدة بزعامة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

ويوضح الباحث قصي همرور لوكالة فرانس برس أنه في بداية الحرب كانت جماعات عديدة “محايدة ولا تناصر أي طرف لكنها لاحقا انضمت إلى جانب الجيش في قتال الدعم السريع”.

والجديد بحسب فيصل محمد صالح “هي المجموعات السودانية من الشرق والتي يتدرب معظمها في إريتريا”.

وقال شهود عيان لوكالة فرانس برس في وقت سابق من هذا العام إن مقاتلين سودانيين يتدربون في خمسة معسكرات على الأقل في البلد المجاور الذي لم يعلق على هذه التقارير.

كما أكدت جماعات موالية للجيش أنها تتدرب على الجانب الآخر من الحدود.

لا ولاء

تاريخيا، الجماعات المسلحة العرقية أو القبلية “تكون مستقلة حتى لو تحالفت مع الجيش النظامي”، كما يشير أمير بابكر مؤلف كتاب “سلام السودان: مستنقع الميليشيات والجيوش غير النظامية”.

وتعتمد الخرطوم منذ فترة طويلة على جماعات مسلحة لشن الحروب في أجزاء أخرى من السودان. وتعد قوات الجنجويد، سلف قوات الدعم السريع، التي ارتكبت فظائع في دارفور في العقد الأول من الألفية بناء على أوامر الرئيس السابق عمر البشير، المثال الأكثر كارثية.

يقول بابكر لوكالة فرانس برس إن الجيش يعتمد مرة أخرى “على الميليشيات لتأمين المنطقة”، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى “تقوية هذه الجماعات، مما يجعل من المستحيل تجاوزها في المستقبل”.

في هذا الصدد، تؤكد مجموعة الأزمات الدولية أن “الطرفين المتحاربين الرئيسيين يواجهان مشكلات في القيادة والسيطرة” على قواتهما.

وقالت مجموعة الأبحاث في تقرير أصدرته في أيار/مايو إن البرهان “يخاطر بفقدان سيطرته على مختلف الفصائل” التي يعتمد عليها، وقوات الدعم السريع هي “تشكيلة متنوعة بشكل متزايد من الميليشيات القبلية وأمراء الحرب”.

وأضافت أن “انتشار الجماعات المتحالفة مع الطرفين المتحاربين والتي تسعى كل منها لتحقيق مصالحها الخاصة، يجعل من الصعب على نحو متزايد إدارة التحالفين المتنافسين”.

في تشرين الأول/أكتوبر، أعلن أبوعاقلة كيكل الانفصال عن قوات الدعم السريع، وورد أنه انضم مع مجموعته المسلحة إلى جانب الجيش، ما يشكل أول انشقاق على مستوى عال منذ بدء الحرب.

فصول تحت الأشجار وفي الميادين.. اللاجئون السودانيون في تشاد يصرون على التعلم

بالعلم تنهض الأمم وتتقدم، وبالجهل تتقهقر وتموت، من هذا المنطلق يواصل اللاجئون السودانيون في تشاد تحدي الظروف القاسية للحفاظ على مسيرتهم التعليمية وإنقاذ مستقبل أطفالهم المتأثرين بالحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

في مخيم “ميجي”، أقام اللاجئون فصولًا دراسية تحت الأشجار، وفي الميادين المفتوحة، بالإضافة إلى استخدام الفصول الدراسية المتاحة في محاولة لتوفير بيئة تعليمية للأطفال الذين أجبروا على مغادرة وطنهم.

وأظهرت مقاطع فيديو نشرها ناشط على منصات التواصل الاجتماعي أطفالًا يتلقون دروسهم في هذه المدارس البسيطة.

وأوضح محمد عبد الرحمن، مدير المدرسة الثانوية بالمخيم، أن جهودًا كبيرة بُذلت لإحصاء المعلمين والطلاب واستئناف الدروس منذ 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وأضاف: “نعاني من مشكلة في توفير المكان، لذلك نستعين بمدرسة ميجي الثانوية للدوام الثاني من الساعة 12 ظهرًا حتى 4 عصرًا، نقدم يوميًا ما بين 3 إلى 4 محاضرات، ونسبة الطلاب في ازدياد مستمر”.

وأشار عبد الرحمن إلى النقص الحاد في الموارد الأساسية للعملية التعليمية، مثل الطباشير والمياه، داعيًا الجهات المعنية لتقديم الدعم اللازم لمساعدة الطلاب على الوصول إلى امتحانات الشهادة الثانوية في السودان.

من جانبه، أكد المعلم هواري أبو بكر الحاجة الملحة لتوفير الكتب المدرسية، موضحًا أن النسخ الإلكترونية للكتب متاحة، لكن أغلب الطلاب لا يمتلكون هواتف ذكية، مما يشكل تحديًا كبيرًا مع اقتراب موعد الامتحانات المتبقي لها شهر ونصف فقط.

وفي سياق متصل، أصدرت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بيانًا يوم الخميس الماضي، أفادت فيه أن نحو 910 آلاف شخص عبروا إلى تشاد منذ بداية الأزمة في السودان، بينهم أكثر من 209 آلاف مواطن تشادي عائد إلى بلاده حتى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني.

كما توقعت أن يرتفع العدد إلى 240 ألفًا بحلول ديسمبر/كانون الأول المقبل، بسبب استمرار الصراع وتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في دارفور.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

توثيق أكثر من 300 حالة اغتصاب بينها 48 طفلة منذ اندلاع الحرب

الخرطوم ـ «القدس العربي»: حذر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة في السودان «أوتشا» من تصاعد العنف الجنسي واستهداف النساء في الحرب السودانية، مشيرا إلى تلقيه تقارير مثيرة للقلق عن تعرض الفتيات الصغيرات والمراهقات لاعتداءات جنسية، خلال موجة العنف المتصاعدة شرق ولاية الجزيرة.

أنباء عن حالات انتحار

وكانت تقارير محلية قد تحدثت عن شروع عشرات النساء في شرق ولاية الجزيرة وسط السودان في الانتحار خشية تعرضهن للاغتصاب، بالتزامن مع هجمات واسعة نفذتها قوات «الدعم» على المنطقة.
وحسب مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل في السودان سليمى إسحق، وثقت الوحدة 306 حالة اغتصاب بينها 48 طفلة منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل/ نيسان من العام الماضي، مرجحة في تصريح لـ «القدس العربي» أن تكون الأعداد أكثر من ذلك بكثير.
وأشارت إلى أن عمليات الرصد المذكورة لا تشمل الهجمات التي نفذتها قوات الدعم مؤخرا على قرى ومدن شرق الجزيرة، مشيرة إلى التحديات التي تواجه فرق العمل في توثيق الانتهاكات الجنسية بسبب انهيار النظام الصحي وانقطاع وضعف الاتصالات.
ولفتت إلى الصعوبات المتعلقة بالتحديات الأمنية وضعف الاتصالات بينما أصبحت الآليات المجتمعية غير قادرة على الربط بين الضحايا والوحدة، مشيرة إلى أن ضحايا العنف الجنسي لا يتلقون الرعاية والإسعافات المطلوبة بسبب انعدام الأمن وعدم الإبلاغ والوصول، فضلا عن عدم تناسب قدرات المؤسسات الصحية مع الضغط العالي والحاجة المرتفعة لتلقي الرعاية وإغلاق عدد من المستشفيات والمؤسسات الصحية في مناطق العمليات العسكرية.
وأضافت: «عادة تصلنا المعلومات عبر الجهات الصحية التي تبين عمر وحالة الناجية ووضعها الصحي، فضلا عن الخدمات التي تلقتها وإفادتها حول الجهة التي قامت بالانتهاك».
ولفتت إلى أنه «في غياب الخدمات الصحية تنهار عمليات الرصد والتوثيق بشكل كامل».
وقالت إن الوحدة تمكنت من رصد 26 حالة اغتصاب عند اجتياح الدعم السريع ولاية الجزيرة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ولم تتمكن من الوصول لبقية الضحايا في الولاية التي شهدت موجات متتالية من العنف واسع النطاق.
والأحد الماضي، أعلنت نقابة الأطباء السودانيين تسجيل 47 حالة اغتصاب خلال الهجمات التي نفذتها قوات «الدعم» مؤخرا على ولاية الجزيرة.
وأدانت حملة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي قالت إن قوات الدعم ارتكبتها بحق المدنيين العُزل في قرى ومدن ولاية الجزيرة.
وأشارت إلى رصدها حالات اغتصاب مروعة طالت نساء بعد أن سُفكت دماء الرجال بدم بارد.
وقالت إن «هذه الجرائم الدنيئة ليست فقط اعتداءً سافراً على كرامة وأمان هؤلاء الأبرياء، بل هي طعنة قاتلة للإنسانية وخطوة إلى الوراء في مسيرة حماية حقوق الإنسان».
وناشدت المجتمع الدولي بكل مؤسساته للتحرك فوراً، وفتح تحقيق عاجل ومستقل لكشف تفاصيل هذه الجرائم وتقديم مرتكبيها إلى العدالة، مشددة على أنه «لا يمكن السكوت على هذه الأفعال الوحشية التي تترك آثاراً مدمرة على الضحايا وعائلاتهم».
ومنذ 20 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تنفذ قوات «الدعم» هجمات واسعة على المحليات شرق ولاية الجزيرة، بعد استسلام قائد ميداني تابع لها في المنطقة للجيش، مما أسفر عن سقوط مئات القتلى وتهجير قرى بأكملها.

مبادرة «لا لقهر النساء»: أجسادنا ليست أرضاً لمعركتكم

وقالت لجان المقاومة أن قوات «الدعم» اقتحمت المنازل شرق الجزيرة، بالتزامن مع المعارك العنيفة التي تشهدها المنطقة ونفذت حملات انتقامية شرسة تُعد الأقوى من نوعها في المنطقة، مشيرة إلى رصد انتهاكات جنسية واغتصابات استهدفت النساء فضلا عن عمليات النهب الواسعة.
في أبريل/ نيسان الماضي تعرضت الفتاة العشرينية (ك. ل) للاغتصاب الجماعي بعد اختطافها من منزل أسرتها في مدينة الحصاحيصا الواقعة في ولاية الجزيرة وسط السودان.
وحسب سرد قدمته لجان المقاومة، قامت قوة مدججة بالسلاح تابعة لقوات الدعم باختطاف الفتاة من منزلها في أحد أحياء المدينة الواقعة غرب ولاية الجزيرة.
وتعرضت الفتاة للاغتصاب الجماعي والتعذيب طوال خمسة أيام، قبل أن تتم إعادتها في حالة نفسية سيئة، فيما عدته لجان المقاومة استمرارا لسلسلة الانتهاكات الوحشية والعنف الجنسي الموجه ضد النساء.

غياب المساءلة

واتهمت لجان المقاومة في مدينة الحصاحيصا وسط السودان، قوات الدعم باختطاف النساء وارتكاب انتهاكات جنسية واسعة في المدينة.
وعزت ارتفاع وتيرة الاعتداءات الجنسية إلى غياب المساءلة من قيادة القوات الموجودة في المدينة وخروج الجنود عن السيطرة، الأمر الذي ينذر بالمزيد من الانتهاكات.
كذلك نقل مؤتمر الجزيرة الحقوقي، عن شاهد عيان، تأكيده اغتصاب أفراد من الدعم لفتاة من الهلالية في ولاية الجزيرة، بشكل جماعي.
وقال إنه «شاهد مجموعة من أفراد الميليشيا يتناوبون على اغتصاب إحدى الفتيات في الهلالية، وهي في حالة من الذعر والخوف».
وكانت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان قد نددت بالاعتداءات الممنهجة ضد الفتيات والنساء السودانيات، محذرة من أن الحروب لا تخاض على أجساد النساء.
وطالبت بضغط دولي واسع لإيقاف تلك الجرائم التي وصفتها بـ «المتوحشة وغير الإنسانية».
وأكدت أن جريمة الاغتصاب جريمة كبيرة ومعقدة، لا ينتهي تأثيرها على الضحية، وأنه بخلاف الأذى الجسدي يستمر الأذى النفسي لفترات طويلة وقد يستمر مدى الحياة وقد يؤدي إلى الانتحار إن لم تتلق الضحية السند المناسب، ويمتد الأذى ليشمل الأسرة التي تعاني كثيراً جراء ذلك والمجتمع الذي يفقد الأمن والأمان.
واتهمت «الدعم» باستخدام الاغتصاب كسلاح في حروبها، مشيرة إلى أن ذلك حدث خلال حرب دارفور وفض اعتصام المدنيين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في 3 يونيو/ حزيران 2019 وأن تلك القوات عادت واستخدمته خلال الحرب الدائرة في الخرطوم ومناطق أخرى في السودان.
وقالت مبادرة «لا لقهر النساء» السودانية في خطاب وجهته للأطراف العسكرية، «أجسادنا ليست أرضاً لمعركتكم من أجل السلطة، ما تقوم به قواتكم من اغتصاب وقتل وترهيب وسرقة خلال حربكم التي نشأت مما صنعتموه بأيديكم (قوات الدعم السريع) هو مواصلة لما تم من اغتصاب وحرق وقتل للسودانيين خلال الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق».
فيما ذكرت منظمة «العفو الدولية» في تقرير نشرته، في أغسطس/ آب من العام الماضي، حمل عنوان «جاء الموت إلى بيتنا» إلى أن العنف أدى إلى مقتل وإصابة آلاف الأشخاص منذ اندلاع النزاع بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك تعرض نساء وفتيات لا تتجاوز أعمارهن 12 عامًا للعنف الجنسي، مشيراً إلى أن المدنيين في جميع أنحاء السودان يعيشون رعباً لا يمكن تصوره.
وخلال مخاطبته الدورة الثالثة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: لقد روعتني مزاعم العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب». وأضاف: تلقى مكتبي تقارير موثوقة، تشير إلى أنه في جميع الحالات تقريباً، تم تحديد الجاني من قبل قوات الدعم السريع». وتابع: « هناك القليل من فرص الحصول على الدعم الطبي والنفسي، والعديد من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها».
وفي تقرير نشرته بعثة تقصي الحقائق في السودان التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حملت قوات الدعم السريع مسؤولية ارتكاب انتهاكات جنسية بدرجة مهولة، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والخطف والاحتجاز ضمن ظروف ترقى الى «الاستعباد الجنسي».

إسبوتنك: هل دخل الصراع في السودان إلى مرحلة الحرب الأهلية؟

دخل الصراع في السودان خلال الأشهر الأخيرة وبعد مرور عام ونصف على الحرب مرحلة جديدة أصبحت تهدد ما تبقى من كيان الدولة وتقطع الطريق أمام الآمال في وقف نزيف الدم، كما تهدد وحدة البلاد نتيجة انتشار عمليات القتل على الهوية والعنصرية والعرق والدين، الأمر الذي حول الصراع إلى كابوس مخيف.
هل دخل السودان مرحلة الحرب الأهلية بعد تفاقم الصراعات العرقية والأزمة الإنسانية والانقسام المجتمعي؟
بداية يقول وليد علي، المحلل السياسي السوداني: “إن الحرب الحالية انتقلت إلى عناوين كثيرة من سياسية إلى مطلبية إلى مجتمعية، والآن تكتمل في أقصى وأقبح صورها في شكلها الأهلي الذي يتم فيه القتل على أساس إثنى ومناطقي، كما حدث في الجنينة وزالنجي ونيالا بدارفور، وكما حدث ولا زال يحدث في الجزيرة وشرقها وقرى ومدن ولاية سنار”.

حملات انتقامية

وأضاف في حديثه لـ “سبوتنيك”: “يبدو أن انشقاق كيكل قائد الدعم السريع بولاية الجزيرة أشعل هوسا هستيريا في قوات الدعم السريع حول عدم الثقة في أي مكون لا ينتمي لقبائل عرب دارفور داخل قوات الدعم السريع، و هذا ما أظهرته الحملات الانتقامية المسعورة التي تقوم بها ضد سكان ولايتي الجزيرة و سنار، و هي بلا شك حملات تقوم ضد مواطنين عزل لا حول و لا قوة لهم، و لا يملكون أي حيلة للدفاع عن أنفسهم أمام بطش جنود الدعم السريع، الذين أظهروا قدرا غير مسبوق من التوحش تجاه المدنيين و مارسوا كل أنواع الانتهاكات مع سبق الإصرار والترصد من قتل وسحل ونهب وإذلال واستعباد جنسي واغتصاب ضد مواطنين عزل، بل حتى ترددت عبارات مقولة (أقتل كيكل صغير قبل أن يكبر) قبل كل عملية إزهاق لروح طفل أو طفلة في مشهد مؤلم شهدته البشرية مع حروب التتار ضد شعوب آسيا المسلمة و مارسته دولة باطشة ضد شعب البوسنة و الهرسك و يذكرنا بالإبادة الجماعية و التطهير العرقي ضد شعب التوتسي”.
وأشار المحلل السياسي، إلى أن “الحرب دخلت فعليا مرحلة الوصف بالأهلية حين أعلن العديد من نظار وعمد قبائل عرب دارفور تأييدهم الدعم السريع في الحرب، وأكمل بالأمس ناظر الشكرية لوحة الحرب الأهلية الدامية، حين أعلن دخوله بشخصه وصفته وقبيلته الحرب للدفاع عن قبيلته وأرضها التي تعتبر الأكبر والأوسع انتشارا في سهول وبادية البطانة”.

كابوس مخيف

وتابع: “قد توالت وفود القبائل من حوله للحضور بالمال والسلاح والرجال وهذا كله يجعلنا نعتقد أن خيار وقف الحرب قد عبر لضفة بعيدة ليس من الممكن إدراكها قريبا، وقد يغرق المجتمع السوداني في دماء بعضه لفترة طويلة قبل أن تنتهي هذه الفتنة”.
وأوضح علي أنه “لم يستمع أحد لتحذيرات كل المراقبين بأن الحرب هذه سوف تتحول لطوفان جبار، لا يستطيع إيقافه المجتمع الدولي ولا أي مجموعة أخرى إقليمية”.
وأكد علي، أن المخيف هو أن فرصة تمدد المجموعات المتشددة إلى الداخل السوداني مثل تنظيم القاعدة وداعش وبوكو حرام سوف تكون مواتية للعمل على استغلال الأراضي السودانية المضطربة أمنيا لتوجيه قياداتهم لإعادة التموضع والتدريب والتقاط الأنفاس، بعد أن تم تضييق الخناق عليهم في شمال وجنوب الصحراء في السنوات الأخيرة.
وقال علي: “بينما ينشغل السودانيون في قتل وإفناء بعضهم سوف تنطلق من أرضهم عمليات حربية وإرهابية تستهدف أمن واستقرار أنظمة بدول الجوار
وتابع: “هنا أتساءل عن متى سوف تتخذ دول جوار السودان قرارا بدخول هذه الحرب لحماية أمنها القومي وسوف ننتظر الإجابة فيما تحمله الأيام القادمة من أحداث”.

جرائم مروعة

من جانبه، يقول الصافي إسماعيل، رئيس اللجنة الإنسانية بتجمع منظمات المجتمع المدني السودانية: “بعد مرور أكثر من عام ونصف منذ اندلاع الحرب في السودان تشهد ولايات الصراع أوضاع إنسانية مزرية من لجوء ونزوح وتجويع وانتهاكات إنسانية جسيمة، حيث رصدت المنظمات في الشهرين الماضيين الانتهاكات الانسانية في ولاية الجزيرة قرية ود النور، التي قتل فيها عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء، وكما نحمل المسؤولية لقائد الدعم السريع المنشق والهارب من العدالة المدعو أبو عاقلة كيكل”.
وأضاف في حديثه لـ “سبوتنيك”: “الجرائم الفظيعة التي ارتكبت ضد أهلنا في كنابي الجزيرة ومجزرة قرية ود النورة وكل قرى الجزيرة التي شهدت تلك الجرائم، تثبت بما لا يدع مجالا للشك عبثية هذه الحرب وهي بمثابة سيناريو كيزاني بغيض لتفتيت البلاد و تقسيمها على أسس جهوية عنصرية ومناطقية، وبذلك يسهل لهم حكمها، ولكن هيهات لهم”.

شعور بالخطر

وتابع الصافي: “نحن في تجمع منظمات المجتمع المدني نستشعر الخطر الداهم على بلادنا حيث انتشار خطاب الكراهية و يحاول مستخدموه أن يجروا الكل إلى هذا الدرك من التفكير، بحيث يصبح التشظي والتفكك المجتمعي هو مظهر هذا البلد”.
وأشار رئيس اللجنة الإنسانية، إلى أن الخطاب الكريه والتمييز على أساس المناطق وعلى والعنصر والسحنة، علاوة على أن استهداف بعض المجموعات الحاملة لخطاب الكراهية واستحقار كل ماهو آتٍ من غرب السودان، هي جريمة حاضرة في أذهانهم المريضة”.

حرب أهلية

وحذر الصافي، من “حرب أهلية شاملة تقضي على ماتبقى من هذا الوطن الجميل الطيب إن لم تتضافر الجهود من أجل إيقاف نزيف الدم، ومن ثم نتوافق على ما يجمعنا كلنا كأبناء وطن واحد”.
أعلن الجيش السوداني، الأحد الماضي، أن قائد قوات الدعم السريع بولاية الجزيرة أبوعاقلة كيكل انحاز للقوات المسلحة برفقة مجموعة من قواته، مؤكدا العفو عنه.
وقال الجيش في بيان إن “كيكل الذي كان يقود قوات الدعم السريع في وسط السودان وتتمركز قواته في ولاية الجزيرة وأجزاء من ولايتي سنار والنيل الأبيض المجاورتين، انحاز لجانب الحق والوطن”.
وأوضحت وسائل إعلام سودانية أن “الخطوة اكتملت بعد تفاوض طويل شاركت فيه عدة أطراف”.
وتأتي هذه الخطوة بعيد انتقال الجيش من مرحلة الدفاع إلى الهجوم منذ 26 سبتمبر/ أيلول الماضي، حيث حقق المزيد من التقدم العسكري على عدة جبهات.
واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل 2023، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في مناطق متفرقة من السودان، تتركز معظمها في العاصمة الخرطوم، مخلفةً المئات من القتلى والجرحى بين المدنيين.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم للقتال.
وظهرت الخلافات بين رئيس مجلس السيادة السوداني- قائد القوات المسلحة السودانية، عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، للعلن بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” المؤسس للفترة الانتقالية بين المكون العسكري والمكون المدني، في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، الذي أقر بخروج الجيش من السياسة وتسليم السلطة للمدنيين.

انشقاق كيكل عن “الدعم السريع”.. الدوافع والتداعيات بالسودان

انضمام كيكل للجيش السوداني مثّل ضربة عسكرية لقوات الدعم السريع (مواقع التواصل)

– انشقاق أبو عاقلة كيكل قائد قوات “الدعم السريع” في ولاية الجزيرة (وسط) وانضمامه إلى الجيش
– المحلل السياسي جمال إدريس: انشقاقه أمر طبيعي فقوات “الدعم السريع” غير نظامية وبلا استراتيجية
– اللواء المتقاعد أسامة محمد أحمد: ليس لدى كيكل قوات كبيرة وانشقاقه نصر معنوي للجيش

 

تغيير لافت أحدثه انشقاق قائد قوات “الدعم السريع” بولاية الجزيرة، أبو عاقلة كيكل، في الحرب المتواصلة بالسودان منذ أكثر من عام ونصف.

كيكل لم يكتف بانشقاقه، بل أعلن انضمامه إلى الجيش في قتاله ضد قوات “الدعم السريع”، في تطور مفاجئ أحدث ارتباكا كبيرا في الميدان.

والأحد، أعلن الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، عبر بيان، انشقاق كيكل عن قيادة “الدعم السريع” بولاية الجزيرة.

وأضاف أن كيكل انضم إلى الجيش ومعه “مجموعة كبيرة من قواته”، وذلك “بعد أن تكشف لهم زيف وباطل دعاوى الدعم السريع”.

أما متحدث “الدعم السريع” الفاتح القرشي فقال في بيان، إن قواتهم “رصدت في الآونة الأخيرة تحركات مريبة لكيكل، بعد أن أخفى نفسه رفقة أفراد من أسرته، وتحركاته مع بعض قيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول”، وهو حزب الرئيس المعزول عمر البشير (1989-2019).

وادعى أن “كيكل تم شراؤه في صفقة قادها شقيقه، عبر سلسلة اجتماعات في القضارف وبورتسودان (شرق) انتهت بمساومة قضت بتسليم نفسه للجيش مقابل عمل عسكري واستخباراتي مرتجى”.

وفي أغسطس/ آب 2023 انضم كيكل إلى قوات “الدعم السريع”، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وقاد قوات “درع السودان” التي تكونت مطلع 2022 في مناطق شرق ولاية الجزيرة، ويتجاوز عدد أفرادها 35 ألف مقاتل.

ومنذ ديسمبر/ كانون الأول 2023، سيطرت “الدعم السريع” بقيادة كيكل على مدن عدة بالجزيرة، المتاخمة للخرطوم من الناحية الجنوبية، بينها ود مدني مركز الولاية.

وقال كيكل حينها إن قواته تسعى لخلق توازن استراتيجي للبلاد، بعد اتفاق سلام جوبا الموقع في 2020 بين الخرطوم وحركات دارفور المسلحة (غرب)، معتبرا أنه جاء على حساب ولايات شمال وشرق ووسط السودان.

ومنذ منتصف أبريل/ نيسان 2023 يخوض الجيش و”قوات الدعم السريع” حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل وأزيد من 10 ملايين نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب بما يجنب السودان كارثة إنسانية بدأت تدفع الملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال الذي امتد إلى 13 ولاية من أصل 18.

نصر معنوي

الخبير الاستراتيجي اللواء المتقاعد أسامة محمد أحمد يرى أنه “يجب النظر إلى خلفية كيكل لمعرفة دوافعه، فهو تاجر سابق، كما عمل مهربا في فترات سابقة بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)”.

ويضيف أحمد للأناضول أن “ظهور كيكل في الساحة جاء بعد توقيع اتفاق سلام جوبا بين الحكومة والحركات المسلحة بدارفور في 2020، تحت مبرر أنه يجب أن يكون للوسط قوات عسكرية مثل الحركات المسلحة بدارفور”.

ويتابع: “كيكل انضم في 2023 إلى قوات الدعم السريع، وتلقى مثل آخرين أموال من قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو”.

ويعتبر أن “انشقاق كيكل الذي جاء عن طريق اتفاق مع الجيش، يمثل نصرا معنويا للجيش وقواته، وخصما من الروح المعنوية لقوات الدعم السريع، وخاصة قياداتها التي تخوض المعارك في الجزيرة”.

“كما أن انشقاقه يساهم في تحييد داعمين للدعم السريع، ويخفف من المجموعات التي تنهب وتسرق منازل المواطنين، وستخضع المناطق الواقعة تحت سيطرة كيكل للجيش”، كما زاد أحمد.

ولكنه يستدرك: “من منظور عسكري ليس لدى كيكل حاليا قوات كبيرة، وقد تكون دوافعه ناتجة عن رؤيته للمشهد المتغير لصالح الجيش، كما أن ضغط أهله وأهل منطقته عجل بالاتفاق مع الحكومة”.

أمر طبيعي

أما المحلل السياسي جمال إدريس فيقول إن “قوات الدعم السريع في الأصل مجموعة غير نظامية وليست لها استراتيجية محددة، لذلك فالانشقاقات في وسطها أمر طبيعي”.

ويرجع إدريس ذلك، في حديثه للأناضول، إلى أن “قائد كل مجموعة يتصرف بكامل حريته في العمليات العسكرية، بعيدا عن القيادة العليا التي لا يُعرف مكانها”.

ويرى أن “طول أمد سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق عديدة، دون أن يكون لها هدف واضح لما بعد ذلك، جعل كثير من القوات والجنود يفقدون حماسهم في القتال”.

وزاد هذا الوضع “خاصة بعد بدء الجيش في التحرك والهجوم (مؤخرا)، مما يجعلهم يفكرون في الاستسلام، أو الانحياز للجيش”، كما يختم إدريس.

والثلاثاء، أعلنت “قوات الدعم السريع” أنها تمكنت من صد هجوم واسع شنه الجيش على منطقة شرق الجزيرة.

وتشهد المنطقة منذ أيام معارك محتدمة، إذ يحاول الجيش السيطرة عليها مستفيدا من انشقاق أبو عاقلة كيكل وانضمامه إليه.

الجزيرة نت تكشف أسرار انشقاق الجنرال كيكل وانضمامه للجيش السوداني

انضمام كيكل للجيش السوداني مثّل ضربة عسكرية لقوات الدعم السريع (مواقع التواصل)

تلقت قوات الدعم السريع، أمس الأحد، ضربة عسكرية ومعنوية بانضمام قائد قواتها في ولاية الجزيرة (وسط السودان) أبو عاقلة محمد أحمد كيكل للجيش السوداني، وهو ما سيتيح للقوات المسلحة السودانية تسريع عملياتها التي انطلقت لتحرير الولاية كما يرجح خبراء عسكريون.

خبر مفاجئ.. عودة كيكل

مثلما أعلن كيكل انضمامه بشكل مفاجئ لقوات الدعم السريع بُعيد أسابيع من اندلاع القتال في السودان منتصف أبريل/نيسان 2023، عاد لخندق الجيش السوداني بشكل مفاجئ ومربك للذين هم خارج الدائرة الضيقة التي كانت تهندس هذه العملية.

لم يكن الجيش السوداني متعجلا في إذاعة النبأ، لكن تسرب صور لكيكل بين قادة الجيش السوداني في منطقة جبل الأبيتور بسهول البطانة وسط البلاد، التي ما زالت تحتفظ بكسوة الخريف جعل الجيش يعلن الخبر في بيان أُعد بعناية، ولكن قبل ذلك كانت 3 مصادر عسكرية في الجيش السوداني أكدت النبأ للجزيرة نت.

في حين تأخرت عن التعليق قوات الدعم السريع التي لاذت بالصمت لنحو 10 ساعات، وقد احتاطت بتوجيه منسوبيها بسحب كيكل من كل مجموعات التواصل الاجتماعية وذلك حتى قبل أن تتبين حقيقة مفارقته وعبوره للضفة الأخرى من النهر.

البحث عن كيكل

قبل أن نغرق في تفاصيل الأحداث والسيناريوهات المتوقعة والمتقاطعة، علينا أن نتوقف لمعرفة هذا الرجل الذي أوقف عقارب الساعة لبعض الوقت، أبو عاقلة محمد أحمد كيكل من قبيلة الشكرية ذات الحضور الواسع أواسط وشرقي السودان.

حسب مصادر في أسرته، لم يكمل كيكل تعليمه الثانوي وانخرط في مجال التجارة، ويميط الناطق السابق باسم الجيش السوداني الصوارمي خالد سعد اللثام -في حديثه للجزيرة نت- عن وجه الرجل المتقلب المزاج.

ويقول الصوارمي إن كيكل كان في الأصل يتاجر في مجال الأسلحة المهربة، خاصة في الحدود بين السودان وإثيوبيا وإريتريا، وهو ما مكنه من معرفة جغرافية المنطقة بشكل كبير، مشيرا إلى أن علاقة كيكل بالجيش السوداني قديمة وقدم خدمات مثمنة، خاصة في أثناء العمليات العسكرية خلال الحرب في جنوب السودان، لكنه لم يمنح رتبة عسكرية بشكل رسمي.

بيد أن رواية لأحد أفراد أسرته -الذي تحدث للجزيرة نت- تقول غير ذلك، وتثبت أن كيكل كان صاحب خلفية عسكرية قبل أن يتفرغ للتجارة، ثم يتصدى للحديث عما سماه “التهميش” الذي أصاب أهله، خاصة بعد توقيع اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في دارفور والنيل الأزرق في أكتوبر/تشرين الأول 2020، حيث كان محل اهتمام وتحت أنظار الاستخبارات العسكرية قوة “درع البطانة”، التي تحولت إلى “درع السودان” بعد فترة وجيزة.

هل كان الرجل عينا للجيش؟

مصدر عسكري مطلع في الجيش السوداني قال للجزيرة إن كيكل كان رجل الاستخبارات العسكرية داخل مضارب الدعم السريع، وإنه من أغرى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” بالتوسع في ولاية الجزيرة ثم جنوبها، وكان ذلك الخط منسجما مع إستراتيجية الجيش السوداني الهادفة لجذب العدو لمناطق بعيدة، ثم بعد ذلك تقطيع أوصاله.

لكن اللواء السابق بجهاز المخابرات العامة الدكتور المعتصم الحسن لا يتفق مع هذه الرؤية، إذ قال للجزيرة نت إن عملية استقطاب كيكل كانت عملية معقدة، واستغرقت في مرحلتها الأخيرة أكثر من شهرين، ولعبت فيها قوى اجتماعية من أهله وعشيرته دورا كبيرا بجانب قيادات مؤثرة في الجيش السوداني تمكنت من طمأنة الرجل الذي استشعر الخطر، خاصة بعد العمليات العسكرية الناجحة للجيش السوداني التي بدأت بانتهاء فصل الخريف.

ويذهب إلى التفسير ذاته العميد المتقاعد الصوارمي خالد سعد، الذي يستبعد فرضية أن كيكل كان في مهمة استخباراتية، ويقول إن إحساس الرجل بالخطر هو الذي دفعه لإعادة خطوط التواصل مع الجيش السوداني.

في قفص الاتهام

لم تكن رحلة كيكل في الدعم السريع على بساط أحمر رغم إعلانه قائدا للفرقة العسكرية الخامسة عقب سيطرة هذه القوات على حاضرة ولاية الجزيرة ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفقا للصحفي حافظ كبير.

وتحدث هذا الصحفي المقرب من الدعم السريع للجزيرة نت، وقال إن كيكل كان كثير الشكوى من زملاء السلاح ويتهمهم بعدم تنفيذ تعليماته، في حين كان البعض في قوات الدعم السريع ينظر إلى كيكل بعين الارتياب، إلا أن دعم حميدتي له كان مصدر قوته.

ويضيف الصحفي أن كيكل كان ميالا لتعظيم تسليح منسوبيه من قوات “درع السودان” بشكل ملاحظ. وقد جاءت الملاحظة نفسها التي قدمها الصحفي كبير في بيان لقوات الدعم السريع، جاء فيه أنهم رصدوا الآونة الأخيرة تحركات مريبة لكيكل بعد أن أخفى نفسه رفقة أفراد من أسرته.

وأضاف البيان أن قوات الدعم السريع رصدت تحركاته كافة، مشيرة إلى أنه تم “شراؤه” في صفقة قادها شقيقه عبر سلسلة اجتماعات في مدينتي القضارف وبورتسودان، وانتهت إلى مساومة حسب البيان.

لكن ادعاء الدعم السريع أن تحركات كيكل كانت تحت المراقبة فرضية يبددها اللواء المتقاعد في جهاز المخابرات العامة الدكتور معتصم الحسن قائلا: “لم تكن قوات الدعم السريع تراقب كيكل، ولكنها تدعي ذلك لتبرير فشلها في السيطرة عليه وتقليل مجهود الجيش في التواصل معه وإقناعه بالعودة عن المسار الخطأ”.

مفاوضات شاقة

تفاصيل المفاوضات لم يُفرج عنها بالكامل حتى الآن، بيد أن تسريبات قد أفادت بأن أول تواصل قد تم مع كيكل عبر أحد أصدقائه الذي يعمل ضابط صف برتبة رقيب، وأن الأمر تم عبر إشراف الاستخبارات العسكرية السودانية، وانتهت الجولة الأولى عقب سقوط مدينة سنجة جنوب شرقي السودان يونيو/حزيران الماضي بخلاصة أن كيكل يراوغ وغير جاد في مغادرة محطة الدعم السريع.

لكن تم نقل الملف لاحقا لمكتب نائب القائد العام الفريق شمس الدين كباشي وتحت إشراف نائب مدير الاستخبارات اللواء حسن بلال ودخل الفريقان في التفاصيل.

لكن الصحفي المقرب من الجيش السوداني أمير حسن أبو رغد يقول للجزيرة نت إن أول جلسة جمعت بين كيكل ووفد رسمي تمت في أغسطس/آب الماضي في مسقط رأس كيكل في قرية الكاهلي بولاية الجزيرة وسط السودان، وكان كيكل متعاونا حيث طرح لهم المعلومات والمستندات التي يملكها وكل تفاصيل العمليات العسكرية ومن ظل على قيد الحياة من قادة الدعم السريع وكيفية دخول الأسلحة للسودان.

ويضيف أبو رغد أن الوفد الرسمي عاد إلى بورتسودان المقر المؤقت للحكومة لتقييم مُخرجات اللقاء والتحقق من صحتها، وعُقد اجتماع آخر مع الوسطاء في بورتسودان في السابع من سبتمبر/أيلول الماضي.

ويوم 25 سبتمبر/أيلول الماضي، تمت الموافقة على جهود الوسطاء ووضع خريطة للتنفيذ، إذ ظهرت أمس الأحد النتيجة على أرض الواقع.

وحسب مصادر صحفية أخرى، فإن اجتماعا حاسما عقد مساء يوم الجمعة الماضي شارك فيه كيكل وبعض أقربائه، حيث وضعت اللمسات الأخيرة للاتفاق.

مصدر في قوات الدعم السريع تحدث للجزيرة نت أن كيكل تحرك مساء أول أمس السبت رفقة عدد من عربات الحراسة إلى خارج مناطق سيطرة الدعم السريع ثم انقطع الاتصال به حتى تسربت أخبار انشقاقه صباح أمس.

تأثير التموضع الجديد على سير العمليات

حمل بيان قوات الدعم السريع مؤشرات لتطمين القوات العاملة، خاصة في ولاية الجزيرة حيث كان كيكل القائد العام لتلك القوات، بعد تعيينه آمرا على الفرقة الخامسة بولاية الجزيرة، فقال بيان الدعم السريع: “لقد عملت قواتنا منذ وقت مبكر على سد الثغرات ووضع كافة التدابير العسكرية والاستخباراتية التي تحافظ على سيطرة قواتنا على مواقعها واستتباب الأمن وتوفير الحماية للمدنيين، ولن يغير هذا الحدث العابر من الواقع، وندعو إلى عدم الالتفات للشائعات التي يبثها الفلول والتي لن تحقق لهم انتصارا في الميدان”.

من جانبه، يعترف الصحفي حافظ كبير بأن كيكل كان يضيف تنوعا ورمزية مهمة في قوات الدعم السريع وربما كان مستقبله أفضل إن لم يتساقط في منتصف الطريق، ويشير كبير إلى أن طبيعة بناء قوات الدعم السريع تقلل من الأثر العسكري لانشقاق الرجل الذي كان الجيش السوداني ينتظر أن يسلمه ولاية الجزيرة، وهو أمر لم ولن يتحقق، حسب تعبيره.

وتحدث الصحفي والمحلل السياسي عثمان ميرغني للجزيرة نت عن آثار الحدث الكبير قائلا إن انضمام أبو عاقلة كيكل للجيش يعتبر نصرا عسكريا سياسيا كبيرا يشكل نقطة تحول في مسار الحرب.

ومن الناحية العسكرية، إن ذلك يعني سيطرة الجيش على محور ولاية الجزيرة الشرقي وقطع الطريق الرئيسي مع العاصمة الخرطوم، وإن الأثر السياسي ربما ينافس العسكري في كونه بعث برسالة داخلية وخارجية أن العد التنازلي للدعم السريع قد بدأ، خاصة بقراءة هذا الحدث مع الخطاب الأخير لزعيم الدعم السريع حميدتي الذي بدا فيه محبطا وملقيا باللائمة في تراجعه على دول كثيرة أخرى.

رحلة العد التنازلي

وفي الاتجاه ذاته، يمضي اللواء معتصم الحسن الذي يرى أن انشقاق كيكل وترحيب الجيش به يفتح الباب واسعا أمام آخرين تحدثهم أنفسهم بتفادي المصير المحتوم، بعد أن أطبق الجيش السوداني الخناق على كل متحركات الدعم السريع وباتت الخيارات أمام عناصر الدعم السريع لا تتجاوز الهروب أو الاستسلام أو الموت.

في حين يمضي الصحفي والباحث السياسي إبراهيم الصديق في تصريحات صحفية متلمسا الآثار الناتجة عن انشقاق كيكل وانضمامه للجيش السوداني، واصفا كيكل بالقائد العسكري الميداني المهم والمؤثر، وأن “انسلاخه من المليشيا” سيحدث تأثيرا كبيرا ومؤثرا، إذ إنه يحمل كنز معلومات وتفاصيل دقيقة، “من الصعب على المليشيا لملمة وقائعها قبل أن يتم توظيفها”.

ويضيف الصديق أن انسلاخ كيكل يفتح محورا جديدا للجيش السوداني في سهول البطانة المنبسطة، مما يصعب مرور أي تعزيزات عسكرية لصالح الدعم السريع.

من جهته، يرى حاكم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي -في حديثه للجزيرة نت- أن انشقاق كيكل هو عودة للصواب ودليل قاطع علي أن حال قوات الدعم السريع بات يتراجع و يتدحرج حيث بدأت رحلة العد التنازلي.

بدوره، يرى الصحفي عثمان ميرغني ضوءا في آخر النفق في انشقاق كيكل، ويعتبر أن التفاوض وسيلة ناجعة قليلة التكاليف لتحقيق ما تستهدفه الانتصارات العسكرية، فالجنرال كيكل ظل يفاوض لعدة أسابيع قبل أن يتخذ قراره، وهذا يعني أن مفاوضات عامة بين الجيش والدعم السريع يمكن أن تضع الحرب في أرشيف التاريخ السوداني.

لكن الدكتور أسامة عيدروس الباحث في الدراسات الإستراتيجية ينظر الى زاوية أخرى من المشهد في حديثه للجزيرة نت، إذ يرى في عودة كيكل “عودة الحكمة في تحرك الإدارات الأهلية (القيادات العشائرية) لإبعاد أبنائها من المليشيا حفظا للدماء ودفعا للمصالحة المجتمعية في طريق إنهاء الحرب وبناء السلام”.

ويضيف عيدروس: “لا شك أن هذا تحول ميداني كبير يضاعف من حظوظ نجاح خطة الجيش القائمة على التحرك المتزامن من أجل قطع خطوط الإمداد وتحويل المليشيا إلى جزر معزولة لا تستطيع فزع بعضها البعض. وبهذا يستفيد الجيش من الانتشار الواسع للمليشيا ويحوله لنقطة ضعفها في ما يسميه الإستراتيجيون باستباق العمق”.

يوم جديد في حياة قائد مثير للجدل

رغم إعلان اللواء كيكل -حسب بيان الجيش السوداني- أنه سينخرط في العمليات العسكرية، فإن مصادر عسكرية في الجيش السوداني أكدت أن كيكل سينخرط في استراحة محارب لبعض الوقت، وسيقوم بزيارة مهمة لبورتسودان للالتقاء بالقيادة السياسية والعسكرية بجانب الحديث الجهير عن أسباب قراره بمغادرة قوات الدعم السريع وعن الانتهاكات التي وقعت في ولاية الجزيرة ومسؤولية قيادة الدعم السريع عن تلك الانتهاكات.

لكن الصحفي السوداني حافظ كبير يرى أن عودة كيكل لصفوف الجيش ستكون محفوفة بالمصاعب، إذ إنه لا يستطيع منافسة جنرالات الجيش ولن يتاح له لعب أي دور عسكري، فالهواجس من رجل متقلب المزاج ستكون حاضرة، وفقا لتعبيره.

ماذا في جعبة كيكل؟ وكيف سيواجه الرأي الغاضب والرافض لأي تسويات؟ وهل يمكن لأهل الحق الخاص مقاضاته أمام المحاكم؟ أم أن حكمة السودانيين في العفو عما سلف ستفتح الأبواب أمام أبو عاقلة كيكل ليلعب شوطا ثالثا في الميدان السوداني؟ الإجابات عن كل تلك الأسئلة من أنباء الغد، والناس الآن مشغولون بآخر أخبار اليوم واللحظة.

المصدر : الجزيرة

انتهاكات حقوق الأقباط السودانيين من المهدية الى الدعم السريع

الخرطوم – دفعت الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 الأقباط مجددا في هذا البلد إلى الرحيل، في ظل انتهاكات تعرضوا لها طالت، بحسب نشطاء، حتى الأموات منهم ودور العبادة. ويعتبر الأقباط أكبر طائفة مسيحية في السودان، وينتمي معظم الأقباط إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وبحسب مؤرخين، فإن تاريخ وجودهم في السودان يعود إلى القرن الرابع الميلادي.

وسلط تحقيق لشبكة “عاين” السودانية الضوء على هذه الأقلية والانتهاكات التي تعرض لها أبناؤها خلال الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي دفعت إلى إجلائهم، ليكون الرحيل القسري الرابع لهم في العصر الحديث.

وقالت المحامية والناشطة في قضايا حرية الدين والمعتقد بابل إسحق إن “الاحتجاز الذي تعرض له عدد كبير من الأقباط في المنازل والكنائس بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل من العام الماضي، أثر سلبا على وضعهم النفسي قبل أن تتدخل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتجليهم”.

وأشارت بابل إلى أن الأقباط مجموعة مؤثرة في المجتمع السوداني، وأسهمت في تعزيز التنوع لتميزهم بالسلام الاجتماعي وقبول الآخر، وما تعرضوا له مماثل لما عانته المكونات السودانية الأخرى، والتي واجهت التهجير القسري ونهب الممتلكات الخاصة والعامة والاعتداءات الجسدية واللفظية، وتدمير دور العبادة وغيرها من الانتهاكات.

وعلى غرار مصر يعد أقباط السودان كتلة اقتصادية فاعلة في البلاد، ولهم بصماتهم في الحياة الثقافية والاجتماعية في كافة المناطق التي سكنوها، لاسيما مدن العاصمة السودانية الثلاث، الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، وود مدني عاصمة ولاية الجزيرة أواسط السودان، والأبيض في شمال كردفان، ونيالا في جنوب دارفور، بالإضافة إلى ولاية سنار، فقد أسسوا أول مدرسة أهلية للبنات في عام 1902.

وتمثل المكتبة القبطية التي تأسست عام 1908 في العاصمة الخرطوم، والتي تضم كتباً تاريخية ومخطوطات، وكانت مركزاً ثقافياً مهما، شاهدا على دور هذه الأقلية في النهوض بالحياة الثقافية. كما توجد كنيسة العهد الجديد في مدينة نيالا غربي البلاد، والتي كانت بمثابة مقر للاستنارة، لكن جميع هذه المعالم باتت تحت النيران، بينما هجرها أهلها في رحلات هروب جماعية.

وهذه المرة الرابعة التي يضطر فيها الأقباط السودانيون إلى مغادرة البلاد قسرا، فبحسب الروايات التاريخية فر العديد من الأقباط من السودان إبان حكم الدولة المهدية والتضييق الذي كانت تمارسه عليهم سلطة الخليفة عبدالله التعايشي وتخييرهم بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية، وعادوا مع بداية الحكم الإنجليزي – المصري للبلاد.

واضطر الأقباط إلى تنظيم هجرات من السودان خلال حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري وسن ما يعرف بقوانين سبتمبر سنة 1983، حيث مارست السلطات آنذاك تضييقا واسعا عليهم، وعلى أنشطتهم الاقتصادية والتجارية. وبلغت الانتهاكات ذروتها بعد صعود نظام الجبهة الإسلامية إلى الحكم بانقلاب عسكري في عام 1989، والذي كان وبالا على هذا المكون، إذ صُودِرَت ممتلكاتهم، ودفعهم ذلك إلى المغادرة لمختلف دول العالم.

وترى الحقوقية بابل إسحق، في حديثها مع “عاين”، أن عودة الأقباط إلى السودان مجددا مرهونة بتوقف الحرب ووحدة البلاد، مشددة على أن النظام السياسي الذي سيحكم السودان عقب القتال الحالي ينبغي أن يراعي قضايا الأقليات الدينية وإنصافها، وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان.

وتوقعت إسحق أن تشهد فترة ما بعد الحرب تغييرات كبيرة في أوضاع عامة المسيحيين في السودان. ولا توجد إحصاءات رسمية في السودان حول أعداد المسيحيين، وتقدر مؤسسات كنسية عددهم بعد انفصال جنوب السودان بنحو 1.4 مليون نسمة.

وينتشر المسيحيون في جميع أنحاء البلاد، وقدّرت وزارة الخارجية الأميركية عام 2022 أنّ 5.4 في المئة من عدد السكان البالغ 48 مليوناً هم من المسيحيين. وتضم مدينة عطبرة، التابعة لولاية نهر النيل، أكبر تجمع للمسيحيين الأقباط، وقبيل الحرب كان هناك تجمع كبير آخر في أم درمان المدينة التوأم للخرطوم.

وكانت ثورة ديسمبر التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين قد أنهت عقودا من الظلم المرتكب في حق السودانيين الأقباط، وأعادت لهم ممتلكاتهم التي صُودِرَت مع السماح لهم بتأسيس دور عبادة جديدة، لكن السلطة الانتقالية لم تستمر طويلا، فسرعان ما اُنْقُضّ عليها من قبل العسكريين، واندلعت الحرب ليعود الأقباط إلى عهد الانتهاكات والفرار القسري.

وقال الخبير القانوني نبيل أديب في مقابلة مع “عاين” إن “أغلب منتسبي طائفة الأقباط اضطروا إلى اللجوء خارج البلاد، وهو واقع مماثل لما عاشه عامة السودانيين الذين فروا من ديارهم هربا من الحرب”.

ولفت أديب إلى أن الأقباط طائفة دينية نشأت في مصر، وهاجرت إلى السودان بعد الغزو الإنجليزي والتركي – المصري للبلاد، وكان ذلك خلال عام 1820، واستمرت الهجرات طوال العهود اللاحقة، لكنها انقطعت خلال فترة حكم الدولة المهدية لتعود مع الحكم الثنائي، وهي مدة زمنية طويلة جعلت الأقباط يأخذون طباع المكونات الاجتماعية الأخرى في المناطق التي عاشوا فيها بالبلاد، مع احتفاظهم بالعادات المتصلة بمعتقداتهم الدينية.

◙ على غرار مصر يعد الأقباط في السودان كتلة اقتصادية فاعلة في البلاد، ولهم بصماتهم في الحياة الثقافية والاجتماعية

وشدد على أن “الأقباط أصبحوا يشكلون طائفة سودانية معروفة في المدن الكبيرة في شمال وغرب السودان، وفي العاصمة المثلثة على وجه الخصوص، وساهموا في الحركة الوطنية، وفي الحركة السياسية السودانية”.

واشتهر الأقباط المسيحيون الأرثوذكس بالعمل في الصناعة والتجارة، وتولوا وظائف في الخدمة المدنية والسياسية، إذ تولى وديع حبشي منصب وزير الزراعة، وموريس سدرة وزير الصحة، في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، وكانت تريزا شاكر نائبة في البرلمان في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، كما تقلدت رجاء نيكولا عبدالمسيح منصب عضو في مجلس السيادة ضمن السلطة الانتقالية التي تشكلت بعد ثورة ديسمبر.

ويرى القانوني نبيل أديب، الذي ينتمي إلى الطائفة القبطية، أن عودة السودانيين بمختلف مكوناتهم، بما في ذلك الأقباط، إلى ديارهم مرهونة بتوقف الحرب التي مازالت تشهد غموضا وبمدى قدرتهم ونجاحهم أو فشلهم في خلق بدائل للعيش والاستقرار في المناطق التي لجأوا إليها، لافتاً إلى أنه مع تواصل القتال حاول الفارون إيجاد أعمال تمكنهم من العيش في البلدان التي وصلوا إليها، خاصة مصر.

وكشف تقرير الحريات الدينية الأميركي لعام 2023 عن تعرض دور العبادة للقصف الجوي والمدفعي في السودان واستهداف متعمد من قبل طرفي الحرب للمباني الكنسية. وقال الأكاديمي السوداني النزير إدريس إن “الأقباط شريحة مميزة في المجتمع السوداني. ورغم قلة عددهم إلا أن دورهم في مختلف مناحي الحياة كان حاضراً ومؤثراً، وذلك من خلال معايشتهم عن قرب في مدينة نيالا غربي البلاد لسنتين، فالتعامل التجاري معهم مريح، إذ لا يعرفون الغش، ولا يزيدون الأسعار دون مبرر”.

وأضاف إدريس أن “التجار الأقباط لعبوا دوراً كبيراً في توثيق وتوسيع العلاقات التجارية بين مصر والسودان؛ حيث كانت مصر طريق التجارة الخارجية للسودان إلى العالم”. واعتبر أن الانتهاكات والفظائع التي تعرض لها الأقباط خلال الحرب الحالية ربما تجعلهم يمتنعون عن العودة إلى ديارهم مجدداً؛ ما يشكل خسارة كبيرة للسودان.

حرب “الجنرالين” تهدد “بسرقة مستقبل جيل” من الأطفال

مخيم كايا للاجئين/ مقاطعة مابان (جنوب السودان)رويترز – كانت أمينة تنظر بعينين حمراوين مات التعبير فيهما وهي تتحدث همسا في حزن مسترجعة ذكرى اليوم الذي قُتل فيه ابنها البالغ من العمر 17 عاما في مدينة سنجة بجنوب شرق السودان.

وكانت تحاول الفرار بأطفالها الخمسة حين اندلع إطلاق نار بالقرب من منزلها، لكن ابنها أحمد وقع في مرمى النيران.

وقالت أمينة (52 عاما) لرويترز وهي تضع يدها على قلبها جالسة في مخيم كايا للاجئين في الجانب الآخر من الحدود في مقاطعة مابان بولاية أعالي النيل بدولة جنوب السودان “أطلقوا النار على صدره… لفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعي في منتصف الطريق”.

وحمل شقيقه الأكبر جثة أحمد إلى حقل، ودفنته الأسرة معا في قبر ضحل ثم واصلت المسير في رحلة استغرقت ستة أيام إلى الحدود.

وأمينة وأحمد ولاجئون آخرون في مخيم كايا، ممن سيأتي ذكرهم في هذا التقرير، أسماء مستعارة لحماية هوياتهم.

وفي وقت ينصب فيه اهتمام العالم على الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، تتكشف أزمة طاحنة في السودان، يتحمل فيها الأطفال، وهم الفئات الأضعف في المجتمع، وطأة العنف.

وأفرزت الحرب في السودان أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم لأن نحو خمسة ملايين طفل اضطروا إلى النزوح منذ بدء القتال قبل 18 شهرا.

وحصد الموت أرواح آلاف الأطفال الآخرين مثل أحمد.

والناجون منهم ينتظرهم مستقبل يبدو قاتما.

ويتدفق عشرات اللاجئين السودانيين عبر الحدود إلى مخيمات في دولة جنوب السودان كل يوم حاملين في ذاكرتهم قصصا مؤلمة تكشف مدى قسوة تأثير الصراع على الأطفال.

وتنتشر المجاعة في أجزاء من السودان ويعاني الأطفال من سوء تغذية حاد. وملايين الأطفال محرومون من التعليم والرعاية الصحية، وكثيرون منهم يواجهون العنف الجنسي والاستغلال والتجنيد في صفوف جماعات مسلحة.

وتجد وكالات الإغاثة صعوبة في معالجة الأزمة الإنسانية في السودان بسبب نقص المساعدات الخارجية والعراقيل أمام توصيل المساعدات بسبب ضراوة القتال واستهداف موظفي الإغاثة وإمدادات المساعدات. وتحذر هذه الوكالات من أن العواقب قد تكون كارثية على أطفال السودان.

وقال محمد عبد اللطيف، المدير المؤقت لمنظمة إنقاذ الطفولة في السودان ‭‭‭”‬‬‬حياة الأطفال في السودان‭‭ ‬‬دُمرت تماما وتغيرت إلى الأبد، بخسائر لا يمكن تصورها، ولحق بهم ألم جسدي وعاطفي، وانتهاكات واسعة النطاق لحقوقهم”.

وأضاف أن الأطفال “جائعون وخائفون ويعيشون يوما بيوم مع آباء في كرب يشغلهم الكفاح من أجل تلبية احتياجاتهم. لم يضع جيل بعد، لكن بدون مساعدة، ربما يضيع فعلا”.

هل تنجح مصر في “حلحلة” الأزمة السودانية خلال رئاستها لمجلس الأمن والسلم الأفريقي؟

رغم تعقيدات المشهد السوداني واحتدام الصراع خلال الأسابيع الماضية في الخرطوم وخارجها، علاوة على تغير الخارطة العسكرية، إلا أن ترأس مصر لمجلس الأمن والسلم الأفريقي هذا الشهر، ترك بادرة أمل لدى دعاة السلام ووقف الحرب.
فهل تنجح التحركات المصرية في إحداث فجوة في جدار الأزمة السودانية رغم تعقيدات المشهد وتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية، خاصة في ظل التطورات الكبيرة التي تشهدها المنطقة والمخاوف من تحول حرب غزة ولبنان إلى حرب إقليمية.
وما هى العقبات والعراقيل التي يمكن أن تعيق الدور الأفريقي في حل تلك الأزمة؟
بداية يقول السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، “رئاسة مصر لمجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي هذا الشهر، لكن عضوية مصر في المجلس ممتدة لمدة عامين اعتبارا من فبراير/شباط 2024، وجود مصر في عضوية المجلس ورئاستها له هذا الشهر فرصة جيدة تتيح لها التحرك الإيجابي والبناء وبشكل فاعل ومؤثر
إنجاز غير مسبوق
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك“: “أن البرنامج الموضوع في المجلس لفترة رئاسة مصر يتلخص في زيارة للجامعة العربية بالقاهرة ولقاء وزير الخارجية المصري ولقاء بعض التجمعات السياسية المصرية والسودانية أيضا، علاوة على الجولة في الأمم المتحدة والتي تتعلق بالسودان، علاوة على الزيارة التي قامت بها لجنة من المجلس خلال الأسبوع الفائت إلى العاصمة السودانية المؤقتة في بورتسودان”.
وتابع حليمة: “فيما يتعلق بحل الأزمة السودانية ووقف الحرب نجد أن العديد من المبادرات والوساطات طرحت منذ الساعات الأولى للحرب في 15 أبريل/نيسان من العام الماضي 2023، هناك جهد كبير بُذل على المستوى الأفريقي والعربي ثم على المستوى الأممي، وأعتقد أنه كانت هناك رؤية تتعلق بما تم طرحه من مبادرات، بما فيها مبادرة القاهرة والتي تمت في يوليو/تموز الماضي، وخلال يوليو تم تحقيق إنجاز غير مسبوق لم يتحقق في أي من المبادرات السابقة”.
وأضاف “أنها لم تقتصر على مسار واحد، بل تناولت المسار الإنساني والأمني العسكري ثم المسار السياسي، وكانت هناك مشاركة كبيرة من كافة الفرقاء السودانيين بما فيهم حركات لم تشارك في أي لقاءات من قبل مثل حركة عبد الواحد نور والحلو، وكان هناك توافق بين الجميع على ضرورة وقف الحرب وإحلال السلام”.
مؤتمر القاهرة
وأشار مساعد وزير الخارجية، إلى أن التحركات التي يقوم بها مجلس الأمن والسلم الأفريقي، ربما سوف تدفع أو تعمل على تفعيل مبادرة القاهرة واستكمالها، هذا ما يجري الآن وخاصة فيما يتعلق بالمسار السياسي الذي يهدف إلى تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة ذات كفاءات مستقلة وطنية ولا تنتمي لأي حزب من الأحزاب”.
وحول أهمية رئاسة مصر لمجلس الأمن والسلم الأفريقي في هذا التوقيت يقول حليمة: “لا شك أن الموقف العسكري على الأرض في الأسابيع الأخيرة يعزز من التحركات التي يقوم بها مجلس الأمن والسلم الأفريقي الذي تترأسه مصر هذا الشهر، خاصة وأن العديد من المواقف الدولية تجاه الوضع في السودان، وقد شاهدنا قبل أيام مشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة، علاوة على أن مبادرة مؤتمر القاهرة وفيما يتعلق بوضع الجيش كان هناك توافق على أن يكون جيش مهني ووطني وغير مسيس”.
فشل متوقع
في المقابل يعتقد مدير “مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان”، والمسؤول السابق والخبير في مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، الدكتور أحمد المفتي، “أن تحركات مجلس الأمن والسلم الأفريقي الذي ترأسه مصر هذا الشهر لن تنجح في إحداث اختراق للجمود الذي تعيشه الأزمة السودانية منذ منتصف أبريل/نيسان من العام الماضي، نظرا لتجميد الاتحاد الإفريقي لعضوية السودان فيه، والمجلس جزء من الاتحاد، في الوقت الذي لم تجمد فيه الأمم المتحدة عضويته وشاهدنا البرهان يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام قليلة”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “لم يفطن الاتحاد الأفريقي إلى أن تجميد عضوية السودان هو موقف (قحت/ تقدم)، وإن كان هذا سليما، فإن الأخذ به ليس من الكياسة السياسية في شئ، كما أن المجلس لم يأخذ تحفظات السودان في الاعتبار، بدليل أنه في الجولة قبل الأخيرة جعل رئاستها للرئيس الكيني، وإن كانت هى الإجراءات، فإنه لم يأخذ في الاعتبار أن السودان يتهم الرئيس الكيني بعلاقات تجارية مع حميدتي، مما جعل السودان يرفض الحضور”.
وأشار المفتي إلى أنه “في جلسة مجلس الأمن والسلم الأفريقي الأخيرة سمح المجلس بحضور وفد الدعم السريع دون إخطار السودان، فانسحب وفد السودان بقيادة عقار نائب رئيس مجلس السيادة”.
خلف الستار
وأوضح مدير مركز الخرطوم، أنه “رغم الأحاديث المتكرر عن الرغبة الإقليمية والدولية لوقف الحرب في السودان، إلا أن الحقائق على الأرض تؤكد أن المسؤولون الدوليون لا يسمحون من خلف الستار بحل افريقي ، قد لا يأخذ شواغلهم المشروعة وغير المشروعة في الاعتبار، ويريدون أن يكون الاتحاد الإفريقي وآلياته غطاء فقط استجابة لميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على الحلول الإقليمية وليس حلول المسؤولين قبل التدخل الأممي”.
ولفت المفتي إلى أنه ” منذ خطاب البرهان بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين أول 2021 وحتي قيام الحرب، كان الدور الإفريقي باهتا، نظرا لعلو صوت الرباعية الدولية على الدول الإفريقية لأسباب معلومة”.
تعقيدات المشهد
بدورها تقول أسماء الحسيني، مديرة تحرير صحيفة “الأهرام” المصرية – المتخصصة في الشؤون الأفريقية: “إن مصر تولي الأزمة السودانية كل الاهتمام منذ اندلاع المعارك بين الجيش والدعم السريع منتصف أبريل/نيسان من العام الماضي وحاولت جاهدة وقف الحرب، لكن تعقيدات وتطورات المشهد واتساع رقعة الحرب كانت حجر عثرة أمام التحركات المصرية، وتسعى اليوم من خلال مجلس الأمن والسلم الأفريقي الذي تترأسه هذا الشهر أن تحدث انفراجة في الوضع المتأزم”.
وأضافت في حديثها لـ”سبوتنيك”: “لقد قامت مصر خلال الأيام الماضية بالعديد من التحركات الإقليمية من أجل وقف الحرب والتسريع بإيصال المساعدات الإنسانية للنازحين في مناطقهم بعد التحذيرات الدولية بحدوث كارثة إنسانية غير مسبوقة ولم يشهدها العالم في العصر الحديث، وضمن التحركات الهامة التي قام بها مجلس الأمن والسلم الأفريقي بعد تقلد مصر رئاسته تمثلت في زيارة للعاصمة السودانية المؤقتة (بورتسودان) وهى الزيارة الأولى التي يقوم بها المجلس منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من 15 شهرا”.
وأشارت الحسيني إلى أن “دور مصر وتحركاتها الحالية تأتي في ظل تطورات في موازين القوى على الأرض وأوضاع إقليمية ودولية شديدة التعقيد تتطلب تحركات دولية وإقليمية مكثفة من أجل حلحلة تلك التعقيدات ووضع الأزمة على أولى خطوات الحل، حيث أن الأزمة بدأت منذ إجراءات 25 أكتوبر من العام 2021 والتي نُظر إليها على أنها انقلاب من جانب الاتحاد الأفريقي والذي قام بتجميد عضوية السودان”.
الاتحاد الأفريقي
وتابعت الحسيني، “خلال زيارة مجلس الأمن والسلم الأفريقي الأولى إلى بورتسوان، حملهم البرهان رسالة إلى المجلس مفادها أن توصيف ما حدث في 25 أكتوبر/تشرين 2021 غير دقيق وينافي الحقائق، في ذات الوقت أبلغ وفد مجلس الأمن الأفريقي البرهان بضرورة إيجاد البيئة الملائمة لاستعادة السودان لعضويته الدائمة في الاتحاد الأفريقي”.
وأوضحت مديرة تحرير صحيفة “الأهرام” المصرية، “أن هناك تعقيدات كبيرة في المشهد رغم النوايا الطيبة من جانب مصر لتجنيب السودان كل المخاطر، لكن هناك إجراءات تحكم هذا الأمر داخل الاتحاد الأفريقي، كما أن هناك تعقيدات تتعلق بالمجتمع الدولي والذي بدا واضحا في تصريحات المبعوث الأمريكي التي يطالب فيها بدخول قوات أفريقية لحماية المدنيين، وبالتالي أرى أيضا أن نجاح المساعي المصرية بشأن الأزمة يتعلق بالأطراف الداخلية في السودان”.
أعلن الجيش السوداني، اليوم الأربعاء، نجاح قواته في استعادة السيطرة على منطقة جريوة بولاية النيل الأزرق، التي كانت خاضعة لقوات الدعم السريع، ليحكم الجيش بذلك سيطرته على الولاية بالكامل.
وأشار الجيش السوداني، في بيان له، إلى أنه “في كل يوم تتكشف خيوط المؤامرة وأبعادها من جديد”، مضيفًا أن “ديباجة صناديق الذخائر والأسلحة والأدوية أدلة دامغة توضح بجلاء تورط دولة الإمارات العربية في دعم مليشيا آل دقلو الإرهابية”، على حد قوله.
واتهمت الحكومة السودانية، الشهر الماضي، الإمارات العربية المتحدة بـ”الدعوة لانتهاك سيادة البلاد” بعد مطالبة مجلس الأمن الدولي بمنح الوكالات الأممية تفويضًا لإيصال المساعدات الإنسانية للمتأثرين عبر خطوط النزاع.
ونقل موقع “سودان تربيون” عن وزارة الخارجية السودانية، بيانا قالت فيه إن “الخارجية الإماراتية، دعت لانتهاك سيادة السودان باسم إدخال المساعدات الإنسانية”، منوهة إلى أن “مطالبة أبو ظبي لمجلس الأمن تمثل محاولة بائسة للتنصل من مسؤولية الإمارات عن الحرب، التي تشنها المليشيا بتخطيط وتسليح وتمويل كامل منها”، وفق البيان.
وتتواصل المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 10 ملايين شخص، بما في ذلك مليوني شخص فروا عبر الحدود، وفقا للأمم المتحدة.

طرفا الصراع يهاجمان متطوعي مطابخ التكايا

القاهرة/دبي (رويترز) – يقول متطوعون محليون ساعدوا في إطعام أشد الناس فقرا في السودان على مدى 17 شهرا منذ اندلاع الصراع هناك إن هجمات تستهدفهم يشنها الطرفان المتحاربان تجعل من الصعب تقديم المساعدات الضرورية وسط أكبر أزمة جوع في العالم.

وفر كثير من المتطوعين خوفا من تهديدات بالاعتقال‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬أو العنف، وتوقفت المطابخ الخيرية (المعروفة في السودان باسم التكايا) التي أقاموها في بعض المناطق الأكثر نكبة عن تقديم الوجبات لأسابيع في كل مرة. وتشير تقديرات إلى أن مئات الأشخاص يموتون يوميا من الجوع والأمراض المرتبطة بالجوع في السودان.

وتحدثت رويترز مع 24 متطوعا يديرون مطابخ في ولاية الخرطوم بوسط السودان ودارفور في الغرب، وأجزاء من الشرق حيث فر الملايين من منازلهم وفقدوا سبل عيشهم منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية.

وكثفت منظمات إنسانية دولية دعمها للمتطوعين لأنها لم تتمكن من توصيل المساعدات الغذائية إلى مناطق بالبلاد يحدق بها خطر المجاعة. لكن عشرة من المتطوعين قالوا لرويترز عبر الهاتف إن هذا جعلهم أكثر عرضة للنهب من قبل قوات الدعم السريع.

وقال جهاد صلاح الدين، وهو متطوع غادر مدينة الخرطوم العام الماضي وتحدث من القاهرة “كنا في أمان عندما لم تكن قوات الدعم السريع على علم بالتمويل… ينظرون إلى مطابخنا كمصدر للطعام”.

وقال 12 متطوعا إن كلا من طرفي الصراع هاجم أو احتجز متطوعين للاشتباه في تعاونهم مع الطرف الآخر.

وتحدث معظم المتطوعين شريطة عدم نشر هوياتهم خوفا من الانتقام.

وقال متطوع في بحري، وهي مدينة تشكل إلى جانب الخرطوم وأم درمان منطقة العاصمة السودانية الكبرى، إن جنودا يرتدون زي قوات الدعم السريع سرقوا الهاتف الذي كان يستخدمه لتلقي التبرعات عبر تطبيق مصرفي على الهاتف المحمول إلى جانب ثلاثة ملايين جنيه سوداني (1200 دولار) نقدا مخصصة للغذاء في يونيو حزيران.

وأضاف أن هذه كانت واحدة من خمس وقائع هذا العام تعرض فيها للهجوم أو المضايقة من قبل القوات شبه العسكرية التي تسيطر على أحياء يشرف فيها على 21 مطبخا تخدم نحو 10 آلاف شخص.

وذكر أنه في وقت لاحق من شهر يونيو حزيران اقتحمت قوات منزلا يضم أحد المطابخ في منتصف الليل وسرقت أكياسا من الذرة والفول. وقال المتطوع، الذي كان نائما في ذلك المنزل، إنه تم تقييده وتكميمه وجلده لساعات من قبل القوات للحصول منه على معلومات حول من يمول مجموعة المتطوعين التي ينتمي إليها.

ولم تتمكن رويترز من التحقق من روايته بشكل مستقل، لكن ثلاثة متطوعين آخرين قالوا إنه أبلغ بقية المجموعة بما حدث في ذلك الوقت.

ووفقا لثمانية متطوعين من ولاية الخرطوم، التي تسيطر قوات الدعم السريع على معظمها، ارتفعت وتيرة هذه الحوادث مع زيادة التمويل الدولي للمطابخ الخيرية مع اقتراب فصل الصيف.

وهناك مطابخ كثيرة لا توثق الهجمات، بينما رفض البعض الآخر تقديم التفاصيل خوفا من جذب الانتباه غير المرغوب فيه. ومع ذلك، وصف المتطوعون لرويترز 25 واقعة استهدفت خلالها مطابخهم أو متطوعين في الولاية منذ يوليو تموز، بما في ذلك المزيد من السرقات والضرب واحتجاز ما لا يقل عن 52 شخصا.

وأعلنت مجموعات تدير مطابخ هناك عن مقتل ثلاثة متطوعين على الأقل في هجمات مسلحة، بما في ذلك شخص قالوا إنه قُتل برصاص قوات الدعم السريع في حي الشجرة بالخرطوم في سبتمبر أيلول. ولم تتضح هويات المهاجمين الآخرين حتى الآن، ولم تتمكن رويترز من التحقق من الروايات.

وقال إيدي رو مدير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في السودان “المطابخ المجتمعية في السودان تشكل شريان حياة للأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في مناطق تشهد صراعا مستمرا”. وأضاف لرويترز “من خلال دعمها، يتمكن برنامج الأغذية العالمي من توصيل الغذاء إلى أيدي مئات الآلاف من الأشخاص المعرضين لخطر المجاعة، حتى في مواجهة القيود الشديدة على الوصول إلى المساعدات”. وذكر أنه يجب ضمان سلامة عمال الإغاثة.

ولم ترد قوات الدعم السريع ولا الجيش السوداني على أسئلة بشأن هذا التقرير. ولكن قوات الدعم السريع نفت في وقت سابق استهداف فرق الإغاثة وقالت إن أي عناصر مارقة تفعل ذلك ستُقدم إلى العدالة.

وقال الجيش أيضا إنه لا يستهدف عمال الإغاثة، لكن أي شخص يتعاون مع قوات الدعم السريع “المتمردة” معرض للاعتقال.

* عناصر مارقة

يقول مسؤولون في الأمم المتحدة إن أكثر من نصف سكان السودان، أي 25.6 مليون شخص، يعانون من الجوع الحاد ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة. وفي المناطق الأكثر نكبة لجأ السكان النازحون بسبب القتال أو المحاصرون في منازلهم إلى أكل الحشائش وأوراق الشجر.

وأقام متطوعون محليون مئات المطابخ في بدايات الحرب والتي كانت تقدم مرة أو مرتين في اليوم وجبات ساخنة، تتكون عادة من عصيدة الذرة الرفيعة أو العدس أو الفول. ولكن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع التبرعات الخاصة، اضطر البعض إلى وقف أو تقليص الخدمات إلى خمس مرات فقط في الشهر.

وفي ولاية شمال دارفور، كان على مجموعة تدير مطابخ في مخيم يؤوي نصف مليون شخص نزحوا بسبب العنف العرقي التوقف عدة مرات عن تقديم الوجبات بسبب عدم كفاية التمويل، حسبما قال أحد المتطوعين هناك. وفي أغسطس آب، قالت هيئة عالمية معنية بأزمات الجوع في أغسطس آب إن الصراع والقيود المفروضة على تسليم المساعدات تسببا في مجاعة في مخيم زمزم.

وتدير (غرف الطوارئ)، وهي شبكة واسعة من المجموعات المجتمعية، الكثير من المطابخ الخيرية، وحاولت الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء وتوزيع المواد الغذائية والإمدادات الطبية.

ولا يثق الجيش ولا قوات الدعم السريع في هذه المجموعات، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها تضم أشخاصا كانوا أعضاء في “لجان المقاومة” التي قادت احتجاجات مؤيدة للديمقراطية خلال الانتفاضة التي أطاحت بعمر البشير في عام 2019. وقال المتطوعون الذين تحدثوا إلى رويترز إن أهداف غرف الطوارئ إنسانية بحتة.

وشارك الجيش وقوات الدعم السريع في انقلاب عسكري بعد عامين من الإطاحة بالبشير، لكن خلافات دبت بينهما لتشعل فتيل حرب مستمرة منذ أبريل نيسان 2023.

وفي المناطق الأكثر تضررا، قال متطوعون محليون إنهم يتعرضون للاستهداف أسبوعيا أو كل بضعة أيام من قبل عناصر مارقة، مقارنة بما يقرب من مرة واحدة في الشهر في وقت سابق من العام. وبدأ البعض في إخفاء الإمدادات الغذائية في مواقع مختلفة لتجنب خسارتها في هجوم واحد.

وتحدثت رويترز إلى تسعة متطوعين فروا من أجزاء مختلفة من السودان بعد استهدافهم من قبل طرفي الصراع.

وقال المتطوع صلاح الدين “هذه الهجمات لها تأثير سلبي كبير على عملنا. نخسر المتطوعين الذين يخدمون مناطقهم”.

وفي مناطق يحتفظ الجيش بالسيطرة عليها، وصف ستة متطوعين الاعتقالات والمراقبة التي قالوا إنها أثنت أشخاصا كانوا يساعدون في إدارة المطابخ عن مواصلة هذه المهمة، مما قلل من قدرتهم على العمل.

وتوصلت بعثة لتقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أنه من بين 65 قضية نظرتها محاكم شكلها الجيش لمن قال إنهم “قادة وموظفون” يتبعون قوات الدعم السريع حتى يونيو حزيران، استهدفت 63 دعوى نشطاء وعاملين في المجال الإنساني. وقالت البعثة في تقريرها إن من بينهم أعضاء في غرف الطوارئ.

ووفقا لموظفي إغاثة، استخدم كلا الجانبين تكتيكات تشبه الحصار لمنع وصول الغذاء والإمدادات الأخرى إلى الجانب الآخر. وأضافوا أن قوات الدعم السريع وميليشيات متحالفة معها نهبت مراكز المساعدات والمحاصيل.

وتبادل الطرفان المتحاربان الاتهامات بشأن تأخير تسليم مواد الإغاثة الغذائية، في حين نفت قوات الدعم السريع نهب المساعدات.

وقال قائد الجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في سبتمبر أيلول إنهما ملتزمان بتسهيل تدفق المساعدات.

* تردد المانحين

قال عبد الله قمر، أحد المنظمين بولاية الخرطوم إنه مع تفشي الجوع أنشأت غرف الطوارئ 419 مطبخا بهدف خدمة أكثر من مليون شخص يوميا في الولاية وحدها. لكن المتطوعين يكابدون لتأمين 1.175 مليون دولار لازمة لذلك كل شهر. وقال قمر لرويترز إنهم تلقوا في سبتمبر أيلول نحو 614 ألف دولار.

وقال قمر إن معظم الدعم كان يأتي في البداية من السودانيين المغتربين، لكن موارد هؤلاء المانحين نضبت.

وأشار موظفو الإغاثة إلى أن كثيرا من المانحين الأجانب ترددوا في تمويل المطابخ لأن المجموعات التي تديرها غير مسجلة لدى الحكومة وتستخدم في الغالب حسابات مصرفية شخصية.

وقالت ماتيلد فو، مسؤولة الشأن السوداني في المجلس النرويجي للاجئين “هناك الكثير من العزوف عن المخاطرة عندما يتعلق الأمر بدعم البرامج غير المسجلة”.

وأضافت أن المجلس بدأ في دعم جهات محلية تقدم مساعدات في السودان العام الماضي. وقالت “الآن نرى أن الكثير من المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة بدأت تدرك أننا لا نستطيع تقديم أي استجابة إنسانية -أي لا يمكننا إنقاذ الأرواح- بدونهم”.

ويعمل بعض المانحين الآن من خلال وسطاء مسجلين للحصول على تمويل للمطابخ الخيرية. على سبيل المثال، بدأ برنامج الأغذية العالمي في الشراكة مع مجموعات المساعدة المحلية في يوليو تموز لمساعدة حوالي 200 مطبخ في توفير وجبات ساخنة لما يصل إلى 175 ألف شخص يوميا في منطقة الخرطوم الكبرى، حيث أنفق أكثر من مليوني دولار حتى الآن، حسبما قالت المتحدثة باسم البرنامج في السودان ليني كينزلي.

ورحب المتطوعون بالدعم لكنهم قالوا إن الأمر قد يستغرق أسابيع حتى تصل الأموال إلى المطابخ من خلال الوسطاء. وقالوا إن المتطلبات المرهقة المتعلقة بتقديم التقارير تزيد من التأخير.

وقال محمد عبد الله، المتحدث باسم غرفة الطوارئ في جنوب الخرطوم “تعمل المطابخ بشكل متقطع، لا يوجد تمويل ثابت”. وقال إن غرفة الطوارئ لا تملك في بعض الأحيان سوى ما يكفي لتوفير وجبات الطعام مرة واحدة في الأسبوع، بما في ذلك في الأحياء المعرضة لخطر المجاعة.

وقال جاستن برادي رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان، إن المانحين يحتاجون إلى ما يضمن استخدام الأموال للغرض المستهدف لكنهم اتخذوا خطوات لتبسيط العملية.

وفي الوقت نفسه، تتزايد الاحتياجات.

وقال المتطوعون إن قدوم موسم الأمطار خلال الصيف تسبب في فيضانات مفاجئة وفاقم خطر الإصابة بأمراض قاتلة من بينها الكوليرا والملاريا، مما أدى إلى استنزاف الموارد بشكل أكبر.

وانخفضت قيمة الجنيه السوداني 300 بالمئة مقابل الدولار في السوق الموازية منذ بداية الحرب، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنفس النسبة تقريبا، وفقا لمسوحات برنامج الأغذية العالمي.

وقالت هند لطيف، المتحدثة باسم المتطوعين في منطقة شرق النيل المجاورة لمدينة بحري حيث قالت إن العديد من الناس يموتون من الجوع كل شهر “في أحياء كان لدينا فيها مطبخ واحد، نحتاج الآن إلى ثلاثة مطابخ أخرى… ومع استمرار الحرب، سنرى المزيد من الناس يصلون إلى الحضيض”.

وفي أحد أحياء بحري يصطف الناس مرتين في اليوم حاملين أوعية ودلاء لجمع مغارف من العصيدة التي يتم إعدادها على نار في فناء منزل أحد المتطوعين. ويقف بينهم معلمون وتجار وغيرهم ممن انقطعت سبل عيشهم.

وقالت ربة منزل تبلغ من العمر 50 عاما، طلبت عدم نشر اسمها مثل غيرها من الذين أجريت معهم المقابلات لأسباب أمنية “ليس لدينا أي طعام في المنزل لأننا لا نملك المال. نعتمد على المطبخ… ليس لدينا بديل”.

(الدولار = 2500 جنيه سوداني)

معلم سوداني يلقي حصة دراسية داخل فصل مهجور بسبب الحرب

معلم سوداني يلقي حصة دراسية بفصل مهجور بسبب الحرب آملا عودة طلابه (مواقع التواصل)

من جديد يعود اسم المعلم السوداني مهاجر عبد الرحمن إلى صدارة التفاعلات على منصات التواصل في البلاد، بعد انتشار مقطع فيديو له وهو يعطي حصة دراسية افتراضية من داخل فصل في إحدى المدارس بمدينة الخرطوم بحري، هجره التلاميذ بسبب الحرب، متمنيا عودتهم واستئناف الدراسة.

وأشاد مغردون سودانيون بالأستاذ مهاجر وحرصه على الطلاب، وعلى إكمال مسيرتهم التعليمية بالرغم من الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وأعاد ناشطون تداول العبارة الشهيرة للأستاذ مهاجر “مكان الطلقة نجيب طبشيرا” والتي أطلقها خلال جولة تفقدية لعدة مدارس وأحياء بمدينة بحري، ووجد خلال الجولة طلقات من الرصاص بدلا من الطباشير.

 

وكان مهاجر قد قرر في يوليو/تموز الماضي حزم حقائبه والعودة من القاهرة إلى أم درمان، وتمنى عودة جميع من شردتهم الحرب.

وحرص المعلم السوداني على تعليم طلاب المرحلة الثانوية عبر حصص بنظام “أون لاين” وفق مقاطع فيديو نشرتها مؤسسات تعليمية كان آخرها في 8 يوليو/تموز الجاري.

واشتهر مظهر بعدما ظهر باكيا في مقاطع فيديو منتصف يونيو/حزيران 2023 وهو يردد عبارة “إيش اللي بيحصل فينا، إحنا شعب المفروض ما يتهان، لكننا خرجنا من ديارنا”.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

تصاعد الحرب في السودان مع اقتراب موسم الأمطار من نهايته

دبي (رويترز) – بعد ما يقرب من 18 شهرا على اندلاع الحرب في السودان، تتصاعد حدة القتال مع اقتراب موسم الأمطار من نهايته إذ يشن الجيش السوداني غارات جوية مكثفة ويستعين بمقاتلين متحالفين لتعزيز مواقعه استعدادا لأي هجوم محتمل من قوات الدعم السريع.

وقد يؤدي تصعيد القتال إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المفجعة التي تسببت في حدوث مجاعة ونزوح أكثر من عشرة ملايين شخص يمثلون خمس سكان البلاد، وهو أكبر عدد للنازحين على مستوى العالم.

وكثيرا ما أخفقت وكالات الأمم المتحدة في إيصال المساعدات.

وقال دبلوماسي غربي كبير في المنطقة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لاعتبارات سياسية “لن يحدث تطور كبير”.

وأضاف “ما نتوقعه في الخريف هو مزيد من الانقسام ودخول المزيد من الجماعات المسلحة في الصراع… وهو ما سيجعل الوضع عموما أكثر تعقيدا”.

وكانت لقوات الدعم السريع شبه العسكرية اليد العليا خلال معظم فترة الصراع لكن في الأسبوع الماضي، شن الجيش السوداني أكبر هجوم له حتى الآن في العاصمة الخرطوم وتقدم عبر جسر رئيسي فوق نهر النيل، وذلك بعد إحجامه عن المشاركة في المحادثات التي قادتها الولايات المتحدة في سويسرا.

وفي دارفور، احتشدت جماعات متمردة سابقة ومتطوعون من مخيمات النازحين للدفاع عن مدينة الفاشر المكتظة بالسكان، آخر معاقل الجيش في المنطقة الغربية، في مواجهة موجات هجمات قوات الدعم السريع.

وقال مصدران بالجيش إن الجيش عكف لأشهر على إعادة التزود بالأسلحة من بينها الطائرات المسيرة والطائرات الحربية مع تدريب متطوعين جدد في مسعى لتعزيز وضعه على الأرض قبل أي مفاوضات.

وقال ثلاثة من سكان العاصمة، التي تتألف من الخرطوم ومدينتي أم درمان وبحري المجاورتين لها،‭‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬‬إن الجيش نفذ في الأيام القليلة الماضية عمليات قصف جوي بعدد أكبر من الطائرات المسيرة والطائرات المقاتلة مقارنة بما كان يفعله في الهجمات السابقة.

وبينما استخدم الجيش قدراته الجوية المتفوقة في نهاية موسم الأمطار لقصف الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الخرطوم ودارفور وولاية الجزيرة، فمن المتوقع أن تستعيد قوات الدعم السريع -وهي قوات برية في الأساس- بعض فاعليتها وقدرتها علي سرعة التحرك مع بدء موسم الجفاف اذ تصبح الطرق أسهل في العبور.

ونشرت قوات الدعم السريع يوم الاثنين مقطع فيديو يظهر مقاتليها وهم يتوعدون “بشتاء ساخن” لخصومهم في ولاية سنار حيث تباطأ تقدمها في وقت سابق بسبب الأمطار. وأفاد شهود في سنار وفي العاصمة بوقوع قتال عنيف يوم الخميس.

ويقول دبلوماسيون ومحللون إن الطرفين عززا قدراتهما العسكرية مع احتدام الصراع في أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة مستفيدين من الدعم المالي الذي يقدمه داعمون أجانب.

* معركة في العاصمة

بدأت الحرب في أبريل نيسان 2023 مع سعي الجيش وقوات الدعم السريع لحماية نفوذهما وثرواتهما قبل انتقال كان مخططا له إلى الحكم المدني والانتخابات الحرة.

وسيطرت قوات الدعم السريع، على جزء كبير من العاصمة بسرعة قبل تعزيز قبضتها على دارفور وعلى ولاية الجزيرة إلى الجنوب من الخرطوم. وانبثقت قوات الدعم السريع عن ميليشيا الجنجويد التي ساعدت الحكومة في سحق تمرد جماعات غير عربية في دارفور في أوائل العقد الأول من هذا القرن.

وفي وقت سابق من هذا العام وسع الجيش نطاق سيطرته في أم درمان بعد الحصول على طائرات مسيرة إيرانية.

لكن لم يتم البناء على هذا التقدم حتى وقع الهجوم المباغت الذي بدأ الأسبوع الماضي في اليوم الذي قال فيه قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إن أي جهود سلام تعتمد على إلقاء قوات الدعم السريع سلاحها.

ويسيطر الجيش الآن على جسر الحلفايا في العاصمة، مما يسمح له ببناء موطئ قدم في بحري من قواعده في أم درمان. كما صمد الجيش في وجه اشتباكات عنيفة ونيران قناصة ليتقدم عبر جسر آخر فوق النيل يؤدي إلى قلب العاصمة، وفقا لمصادر عسكرية وشهود.

* مرض وجوع

منذ شهور تحاصر قوات الدعم السريع مدينة الفاشر، حيث يعيش نحو 1.8 مليون من السكان والنازحين. وحذر ناشطون ودبلوماسيون من إراقة دماء بدوافع عرقية إذا سقطت المدينة، وذلك في أعقاب أعمال عنف مماثلة أشارت أصابع الاتهامات فيها نحو قوات الدعم السريع وحلفائها في أماكن أخرى في دارفور.

وقال شاهدان في الفاشر لرويترز إن قوات الدعم السريع تقصف مناطق كبيرة من المدينة بينما رد الجيش بضربات جوية.

وأضافا أن المعركة مستمرة إذ تقاتل جماعات متمردة غير عربية ومتطوعون من مخيمات النازحين -مجهزون للقتال البري بشكل أفضل من الجيش- لحماية أنفسهم وأسرهم.

وقالت منظمة محلية تمثل النازحين في دارفور هذا الأسبوع إن القتال أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني في 20 مخيما بمختلف أنحاء منطقة دارفور “والتي تعاني جميعها من نقص الضروريات اليومية”، وإن المرض والجوع ينتشران.

ويقول عمال إغاثة ونشطاء في حقوق الإنسان إن هناك زيادة ضئيلة في الإغاثة الإنسانية، على الرغم من تعهدات الجانبين بتحسين توصيل المساعدات.

وكثيرا ما يتم إغفال أزمة السودان وسط الصراعات المسلحة في أوكرانيا وغزة وأماكن أخرى، لكنها حظيت ببعض الاهتمام الدبلوماسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي.

لكن إيزوبيل كولمان نائبة مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قالت لرويترز إنه ليس هناك تقدم يذكر في إقناع الأطراف الخارجية بالتوقف عن تأجيج الحرب.

وقالت “كلا الطرفين في هذا الصراع، كلا الجانبين، يتمتعان بدعم خارجي يعتقد كل منهما أنه سيرجح كفة الميزان لصالحه”.

سبوتنيك: ما حقيقة الانتصارات الكبرى التي حققها الجيش السوداني على “الدعم السريع” في الخرطوم؟

كلما دب الأمل في النفوس بأن تكون هناك حلول لوقف نزيف الدم والمأساة التي يعيشها الشعب السوداني، وأن تضع الحرب أوزارها، تتعالى أصوات الطلقات وتشتد وتيرة القتل بين الجيش والدعم السريع، والتي عادت بقوة خلال الساعات الماضية إلى العاصمة الخرطوم، وأعلن الجيش أنه حقق خلال هجماته الأخيرة انتصارات كبرى.
ما حقيقة ما يجري في الخرطوم والانتصارات التي حققها الجيش على الدعم السريع واستعادة العديد من المناطق والجسور والمرافق الخدمية والاستراتيجية. ولماذا تزامن الهجوم مع تواجد البرهان في نيويورك وأن يتم الإعلان عن تلك الانتصارات فور وصوله. وهل يتراجع الجيش من المناطق التي سيطر عليها أم يتشبث بها ويتقدم إلى مناطق أخرى؟
بداية يقول الفريق جلال تاور، الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني: “إن مشاركة الفريق البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كرئيس لمجلس السيادة السوداني أعطى بعد دبلوماسي كبير جدا لموقف مجلس السيادة والحكومة الحالية، حيث وجد البرهان والحكومة فرصة دولية لشرح موقفهم وساندته في ذلك عدة دول عربية وأفريقية ومن خارج المنطقة”.

استعادة المناطق

وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “أن التقدم الدبلوماسي الذي تحقق مع البرهان والحكومة الحالية، ليس هو السبب المباشر في الهجوم الذي تم في ولاية بحري والخرطوم خلال اليومين الماضيين ضد قوات الدعم السريع، لكن تزامنت تلك العمليات التي كانت جاهزة مع خطاب البرهان في نيويورك، فقد بدأت العمليات في الخرطوم يوم الخميس الماضي في الساعة الخامسة صباحا لإعادة سيطرة القوات المسلحة على مواقعها ، هذه المواقع التي استردتها القوات المسلحة كانت قوات الدعم السريع تقوم بحراستها من قبل باعتبارها جزء من القوات المسلحة ثم تمردت بعد ذلك وانقلبت وظلت في تلك المناطق الموجودة بها أصلا”.
وتابع تاور: “إن الإشارة التي بعثت بها القوات المسلحة بعد استعادة تلك المناطق في بحري تقول إن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”، وأن الجيش السوداني قادر بإمكانياته وقدراته وخبرته التراكمية التي تقارب المئة عام قادر على إعادة تموضعه والسيطرة أو الإمساك بزمام المبادرة”.

تحول كبير

وأشار الخبير العسكري إلى أن “ما تحقق خلال الأيام الماضية هو التحول إلى الهجوم والسيطرة على ثلاث كباري استراتيجية في بحري وكذا السيطرة على عدد من الكباري الداخلية، ولم يتبق أمام الجيش السوداني سوى اثنين من الكباري فقط، وتلك العمليات لها نتائج كبيرة جدا وتظهر في بحري بشكل خاص (من أبو حليمة إلى موقف شندي) بالقرب من سلاح الإشارة، هذا كله أصبح تحت سيطرة الجيش، وأيضا تمت السيطرة فعليا على العديد من المناطق”.
وأوضح تاور: “إن المشكلة الآن في مصفاة الجيلي النفطية والتي بها خمسة أبواب، والهجوم الأخير مكن الجيش من السيطرة على ثلاث بوابات والبوابتين الأخريين فيهما أماكن الشركات وهيكل المصفى فقط، ويجري حتى اللحظة قتال عنيف للسيطرة على هاتين المنطقتين، وأهم شىء مفيد في تلك العملية أن المصفاة محاصرة ولا يمكن خروج الوقود منها إلى قوات الدعم السريع المنتشرة في الجزيرة، كما أن من نتائج عملية القوات المسلحة الأخيرة أنها استطاعت تخليص المواطنين المحتجزين كأسرى لدى الدعم السريع في المناطق التي تمت استعادتها”.

السيطرة الكاملة

أما بالنسبة للخرطوم يقول الخبير العسكري: “تلك العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة مكنتها من السيطرة على أجزاء واسعة جدا في المدينة تمثلت في العديد من المرافق الخدمية والثقافية التاريخية الهامة التي جرى العبث بها خلال الأشهر الماضية، وأيضا تمت استعادة مناطق جامعة السودان وجامعة النيلين ومنطقة الميريديان وغيرها، كل هذه المناطق سيطر عليها الجيش، كما تمت السيطرة على عدد من المناطق الإستراتيجية، هذا الهجوم الكبير لم يكن في الخرطوم فقط، بل في العديد من المناطق مثل مدني وسنار وهناك أخبار لم يعلنها الجيش بعد”.

ضوء أخضر

من جانبه يقول وليد علي، المحلل السياسي السوداني: “الولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة على إضافة شيء ملموس حاليا للملف السوداني لأسباب عدة، أبرزها الصراع المتزايد الذي يدور في الشرق الأوسط و محاولاتها لوقف انزلاق المنطقة لحرب شاملة سوف تقضي على مكتسباتها في المنطقة قبل أي أضرار أخرى على الشعوب”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “الاعتقاد بأن البرهان تلقى ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة القتال والهجوم الأخير في الخرطوم وبحري أمر مستبعد، وأغلب الظن أن اجتماعاته مع المسؤولين الأمريكيين انتهت بوعود الأمل في العودة للتفاوض، أخشى أن الشعب السوداني قد سقط في فخ التهويل الإعلامي عن مجرى الاشتباكات، وبالرغم من أن القتال بين الجيش السوداني والدعم السريع دخل مرحلة مختلفة جدا بعد انفتاح الجيش السوداني على الهجوم بدلا من الدفاع، إلا أن نتائج هذا الهجوم حتى الآن لم تغير المعادلة على الأرض، ولازال تحرير العاصمة وبقية الولايات من قبضة الدعم السريع مبكرا”.

تضخيم إعلامي

وقال علي: “يبدو أن هناك آلية إعلامية تدعم الجيش السوداني عملت على تضخيم الانتصارات بصورة أوحت للعديد من المواطنين أنهم قاب قوسين أو أدني من العودة لمنازلهم التي أخرجوا منها قهرا بسبب قوات الدعم السريع التي نكلت بهم و حرمتهم حق الحياة الطبيعي في ديارهم، ولكن الحقيقة أن مستوى تقدم الجيش لم يتجاوز الكيلومترات المعدودة في ولاية الخرطوم وقد انسحب من قرى حجر العسل التي حررها بعد أن كان يسيطرعليها الدعم السريع شهورا عديدة، وما زال الأمل معقود على أن تسهم ضغوط المجتمع الداخلي بالسودان مع جهود دول الجوار في إقناع الطرفين بتقديم خطوات تعزيز الثقة بينهم للعودة لطاولة التفاوض”.
وأشار المحلل السياسي إلى أن “الحديث عن تعمد الولايات المتحدة غض الطرف عما سيقوم به البرهان أو حميدتي في مقبل الأيام ليس دقيقاً، ولكنها غير متفرغة لحل أزمة السودان وليست على طاولة الرئيس بايدن ونائبته هذه الأيام على الإطلاق، مما يعني المزيد من تدفق السلاح لطرفي النزاع واشتداد أوزار الحرب وتمزق حتمي للمجتمع السوداني”.

حالة إحباط

وأردف: “يعيش السودانيون حالة إحباط كبيرة بعد ظهور نتائج الإنفتاح العسكري الأخير والتي لم تلب أشواق المواطنين في العودة لديارهم، وربما ظهور أعداد شهداء القوات المسلحة التي ضمت رتب رفيعة بينها بالأمس الأول كانت صادمة للجميع وغير متناسقة مع الدعاية الطاغية التي تحدثت عن نصر كاسح شمال الخرطوم وتحرير مصفى الجيلي”.
وتوقع علي “أن يقوم الدعم السريع بالتصعيد الأيام القادمة وقد ينتهك المواطنين بالمناطق التي دخلها الجيش ثم ينسحب منها بعد أن تُلقى “زغرودة” الأفراح من نساء حجر العسل وشمال بحري، ولا يسعنا إلا الدعاء بأن لا يتعرضوا لأعمال انتقامية بعد عودة قوات الدعم السريع لمواقعها بهذه المناطق”.
وأعلن الجيش السوداني، مساء الجمعة الماضية، سيطرته بشكل كامل على حي في مدينة بحري المتاخمة للعاصمة السودانية الخرطوم شمالا، وهي المدينة التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ بدء الحرب منتصف أبريل/نيسان 2023.
ويشار إلى أن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، قد حذر من “الخطر الكبير” لأعمال العنف في السودان، فيما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن “قلق بالغ إزاء التصعيد في السودان”.
وكان رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد أكد في أغسطس/ آب الماضي، أن الحرب لن تتوقف ما لم تتم تلبية مطالب الجيش، أبرزها انسحاب الدعم السريع من المدن لاسيما الخرطوم، وتسليم السلاح.
وتتواصل المعارك بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023، ما أسفر عن نحو 13 ألفا و100 قتيل، فيما بلغ إجمالي النازحين في السودان نحو 7.9 مليون شخص، ونحو 2.1 مليون شخص إلى دول الجوار، بحسب بيانات الأمم المتحدة.