فرانس24 في السودان: سلسلة ريبورتاجات ترصد تداعيات الحرب الأهلية

موفدو فرانس24 إلى السودان – خلال شهر فبراير/شباط 2025 أعد موفدا فرانس24 إلى السودان محمد فرحات وباستيان رينويل أربعة ريبورتاجات، من بورتسودان إلى الخرطوم، التقيا خلالها مدنيين يعيشون منذ عامين تحت وطأة حرب طاحنة خلفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين.

نازحون في أحد شوارع بورتسودان. 9 فبراير/شباط 2025. © أ ف ب

منذ اندلاع الحرب في السودان في نيسان/أبريل 2023، يواجه الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان قوات الدعم السريع التي يتزعمها محمد حمدان دقلو المدعو”حميدتي”. خلفت هذه الحرب المدمرة عشرات الآلاف من القتلى و12 مليون نازح. من بورتسودان إلى الخرطوم، رصد محمد فرحات وباستيان رينويل تداعيات الصراع عبر ريبوتاجات تشهد على الظروف المعيشية للسودانيين، وهم يعانون أزمة إنسانية كبيرة.

1. المنظمات الإنسانية تنتقل إلى بورتسودان

دفعت الحرب الطاحنة منظمة أطباء بلاحدود إلى إعادة تنظيم نشاطها الإنساني. فبعدما كان مقرها في العاصمة الخرطوم إلى غاية أبريل/نيسان 2023 وهو تاريخ بدء الاقتتال الداخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اضطرت المنظمة إلى الانتقال على جناح السرعة إلى بورتسودان لمزاولة نشاطاتها. لكن عملية الانتقال لم تكن سهلة بسبب المشاكل الأمنية والإدارية التي واجتهها. 

طفل مع رجل في انتظار تلقي مساعدات غذائية في مروي بشمال السودان، 9 يناير 2025. © أ ف ب

2. مدينة عطبرة “مهد الثورة”

زار فريق فرانس24 مدينة عطبرة “مهد الثورة” التي أطاحت بعمر البشير في 2019، المدينة الرمزية بالنسبة إلى السودانيين والتي تقع على ضفاف نهر النيل بشمال شرق البلاد. ومنذ اندلاع الحرب، فرّ عشرات الآلاف من المدنيين إليها. ويعاني هؤلاء من ظروف معيشية مأساوية، خففها بعض الشيء تضامن السكان واستقبالهم للنازحين بصدر رحب.

صورة ملتقطة عن الشاشة. © فرانس24.

3. مستشفى البلك في أم درمان يستقبل المصابين بسوء التغذية

رغم استهدافه في عدة مناسبات بقذائف قوات الدعم السريع، يواصل مستشفى البُلُكْ للأطفال في أم درمان استقبال آلاف الحالات بما فيها المصابين بسوء التغذية الحاد، نجح الفريق الطبي في إسعاف العديد منها وإخراجها من دائرة الخطر. مع تحسن الوضع بعد استعادة الجيش السوداني مناطق عدة في ولاية الخرطوم، فتحت الطرقات أمام البعض لبلوغ المراكز العلاجية. ومنذ بداية الحرب، استقبل هذا المستشفى حوالي ألف طفل. تقول الأمم المتحدة إن حوالي 4 ملايين طفل سوداني يعانون من نقص حاد في التغذية.

مستشفى الأطفال في أم درمان، السودان. صورة ملتقطة عن الشاشة. © فرانس24.

4. في بحري تسعى “التكايا” لإطعام النازحين

الأوضاع الإنسانية بمخيمات اللجوء بأم درمان كارثية، حيث ألقت الحرب بظلالها على النازحين السودانيين الذين لجأوا للمدارس والأحراش القريبة من المدينة هربا من بطش قوات الدعم السريع. في منطقة بحري التي دمرت بشكل كبير تحاول التكايا إطعام النازحين وتقديم المساعدات -التي تساهم فيها الجالية السودانية وأهل الخير- للعائلات المتضررة.

منظمات خيرية تساهم بإطعام النازحين في السودان. © فرانس24

فرانس24

«القدس العربي» في ودمدني: عودة الحياة بعد عام من الحرب

ودمدني ـ «القدس العربي»: تشهد مدينة ودمدني عاصمة ولاية الجزير، وسط السودان، قوافل متواصلة للعودة الطوعية لسكانها بعدما استطاع الجيش السوداني استعادتها من قبضة «الدعم السريع» قبل نحو شهر، في ظل تحديات توفير الخدمات الأساسية وإزالة آثار الدمار الذي خلفته المعارك.
وحسب مشاهدات مراسل «القدس العربي» الذي زار المدينة فإن آثار الحرب والدمار ارتسمت على المباني والطرقات، لكن رغم ذلك، بدأ الناس في العودة إلى بيوتهم ومزاولة نشاطاتهم، وبدأت الحياة تمضي نحو طبيعتها بعد إزالة المهددات الأمنية والانتشار المكثف للجيش والأجهزة الأمنية.
وأوضح أن الأسواق فتحت من جديد أبوابها، وكذلك المستشفيات والمرافق الحكومية فيما تشهد المدينة عمليات نظافة واسعة للأنقاض ومخلفات الدمار الذي خلفته الحرب، لافتاً إلى أن المشكلة الأبرز التي يعاني منها الناس هناك هي انقطاع التيار الكهربائي الذي أحال المدينة ليلاً إلى ظلام موحش قلل من حركة الناس. وأشار إلى أن السيارات المنهوبة والمدمرة تتناثر داخل شوارع المدينة وفي الأراضي الزراعية كذلك توجد أسواق محدودة للمسروقات من منازل المواطنين، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية تداهم أحياناً بعض الأحياء والقرى الطرفية بهدف القبض على بعض المتعاونين واللصوص. وقال إنه تحصل على معلومات تؤكد احتجاز المئات في سجن المدينة من عناصر الدعم السريع والمتعاونين معها.

آثار الدمار ارتسمت على المباني والطرقات

وكانت «الدعم السريع» قد فرضت سيطرتها على «ودمدني» بعد انسحاب مفاجئ من قبل الجيش في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2023، ووفقاً لإفادات من منظمات حقوقية ولجان مقاومة تعرض أهالي المدينة إلى حملات تنكيل وانتهاكات واسعة دفعت غالبيتهم إلى الفرار والنزوح نحو المناطق الآمنة داخل وخارج البلاد.
وقال المواطن متوكل النور (46 عاماً) إنهم عادوا إلى ودمدني بعد رحلة نزوح صعبة وإنهم قادرون على تجاوز كل التحديات بعد خروج «الدعم السريع» لافتاً إلى أن بيوتهم نهبت، وأنهم يواجهون صعوبات حقيقية في إرجاع بعض المنهوبات التي عثروا عليها في أقسام الشرطة بسبب الرشاوى والإجراءات المعقدة.
وطالب النور بالتعامل بالجدية والضبط المطلوب مع مسألة المنهوبات.
ويحتفظ بعض المواطنين الذين أصروا على البقاء في المدينة أيام وقوعها تحت يد «الدعم السريع» بحكايات مطولة عن المآسي ومشاهدات حية للمعارك التي دارت فيها مؤخراً وانتهت باستعادتها من قبل الجيش السوداني.
و قال أيمن منصور (34 عاماً) ويعمل حلاقاً: «أيام الجنجويد كانت صعبة، في رمضان العام الماضي كانوا يجبروننا على الإفطار وعدم الصيام بعد الجلد والتوبيخ، أعمال السلب لم تتوقف، في إحدى المرات ألقى جنود «الدعم السريع» القبض علي بسبب حملي كيس خضار واتهموني بالانتماء للاستخبارات العسكرية وقاموا بضربي واعتقالي لأيام قبل إطلاق سراحي».
وتابع: «اليوم الوضع أفضل مئة مرة عما كان عليه الحال في السابق، بدأ الناس في العودة، فتحت الأسواق والمستشفيات يمكن أن يتجول الشخص بحرية حتى وقت متأخر من الليل وهذا الأمر كان من سابع المستحيلات قبل أشهر».

موفد فرانس24 إلى السودان محمد فرحات: “الوضع الانساني كارثي، خاصة مع توقف المساعدات”

محمد فرحات موفد فرانس24 إلى السودان. 6 مارس/آذار 2025. © فرانس24

تبث فرانس24 ابتداء من الإثنين سلسلة من الريبورتاجات حول الوضع في السودان أنجزها موفدها الخاص محمد فرحات، الذي تمكن من الدخول إلى هذا البلد الذي يعيش حربا أهلية منذ نيسان/أبريل 2023. ترصد فرانس24 معاناة السكان، ولاسيما النازحين الذين تأثروا من نقص المساعدات الإنسانية وتأجج الصراع في كل مكان. فيما يلي مقابلة مع محمد فرحات يرسم خلالها صورة مخلصة لما يجري في الميدان.

منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع الذي يتزعمها محمد حمدان دقلو الشهير بـ”حميدتي”، يعيش هذا البلد الغني بالثروات أزمة إنسانية وصراعات دامية خلفت دمارا واسعا ونزوحا كبيرا للسكان.

بدأت الحرب عقب تصاعد التوترات بين الطرفين حول السيطرة على السلطة ودور كل واحد منهما في المرحلة الانتقالية التي كانت البلاد تأمل أن تقودها إلى الاستقرار بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير في 2019.

وتشير تقارير لمنظمات إنسانية تابعة للأمم المتحدة وأخرى غير حكومية إلى نزوح أكثر من 8 ملايين شخص داخل البلاد ولجوء مليونين آخرين إلى الدول المجاورة على غرار مصر وتشاد وكينيا وأوغندا. فيما تسببت الحرب بين الفرقاء السودانيين في مقتل حوالي 20 ألف شخص.

عناصر من الشرطة الانضباطية على متن سيارة رباعية الدفع يتجولون في الشارع لتأمين الأوضاع. 6 مارس/آذار 2025. © محمد فرحات/ فرانس24

وزار موفد فرانس24 محمد فرحات السودان حيث أعد تقارير عن الوضع في هذا البلد الذي يواجه الانقسام خاصة بعدما تم الإعلان عن تشكيل حكومة موازية في كينيا تضم ممثلين عن الدعم السريع ومنظمات سودانية أخرى. ويروي في هذا الحوار ظروف العمل في عدد من المدن مثل بورتسودان وبحري وأم درمان مقدما صورة واقعية وحقيقة عن الوضع الداخلي.

فرانس24: أنت ضمن صحافيين قلائل زاروا السودان مؤخرا. فكيف كانت ظروف السفر؟

محمد فرحات: ظروف السفر والتصوير في السودان هي الأصعب. فالانتقال من بورتسودان إلى الخرطوم يحتاج إلى أكثر من 13 ساعة. اعترضتنا أعداد كبيرة من نقاط التفتيش والحواجز للتثبت من حصولنا عن التصاريح الضرورية، خاصة التصريح الذي يخول لنا الدخول لولاية الخرطوم. المشكل الكبير الذي تعرضنا إليه هو البيروقراطية لأن الجميع كان يطلب منا تقديم التصاريح. وهي في الحقيقة سياسة معتمدة في كل شبر من السودان وتعكس نوعا من التخوف من كل شيء ومن أي شخص. فيما أصبحت الكاميرا بالنسبة للسودانيين مشبوهة.

كيف كانت ظروف التصوير والعمل؟

بالنسبة لظروف التصوير خارج الخرطوم، الصعوبات التي واجهتنا كانت مرتبطة بالحصول على التصاريح وأوراق الاعتماد في بعض الأحيان. هي مجرد إضاعة للوقت والذهاب من إدارة إلى أخرى ومن مكتب إلى آخر.

مقاتل سوداني على متن دراجة نارية 6 مارس/آذار 2025. © محمد فرحات/ فرانس24

وكان تصوير النازحين من الأمور المحرجة نوعا ما لأن الجميع كان ينتظر منك المساعدة ويعتقد أننا ننتمي إلى منظمة إنسانية. لكن عموما التصوير جرى بشكل جيد وفي ظروف حسنة. أما في ما يخص العمل في الخرطوم، فلم يكن أمامنا خيار سوى القبول بمرافقة ضابط من الجيش السوداني.

كيف يمكن وصف الوضع الأمني والإنساني حاليا في السودان؟

هناك عودة لهدوء حذر في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني والجماعات الموالية له. لكن الوضع الإنساني كارثي خاصة مع توقف المساعدات، لا سيما الأمريكية.

حتى السلطات السودانية لم تعد تقدم مساعدات للنازحين الذين يتكدسون في مدارس تحولت لمراكز إيواء في ظروف صعبة للغاية. ناهيك عن انتشار الأمراض مثل الكوليرا وسوء التغذية الحاد في صفوف الأطفال، ما ينبئ بكارثة إنسانية كبرى.

جزء من الخراب والدمار الذي طال السودان بسبب الحرب بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع. 6 مارس/آذار 2025. © محمد فرحات/ فرانس24

أين تتركز المعارك بشكل أكبر وما هي تداعياتها على المدنيين؟ 

تتركز المعارك في محيط العاصمة السودانية الخرطوم وفي مناطق أخرى غرب البلاد. الجيش السوداني تمكن في الآونة الأخيرة من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة جدا خاصة في محيط الخرطوم وتحرير عدد من المناطق المهمة جدا في طريق استعادة العاصمة من قبضة الدعم السريع، على غرار منطقة بحري وأجزاء كبيرة من أم درمان ومدني. لكن المدنيين هم المتضررون الأساسيون خاصة مع تواصل اعتماد قوات الدعم السريع للقذائف واستهداف المرافق المدنية والأحياء السكنية التي وجدت نفسها منذ بدء الصراع محرومة من الخدمات والمياه وانقطاع شبه تام للكهرباء وانعدام لأبسط مقومات العيش.

 ما هو الوضع في مدينة بورتسودان الاستراتيجية والتي يسيطرعليها الجيش السوداني؟

تحولت بورتسودان إلى عاصمة السودان الجديدة. هذه المدينة الساحلية الهادئة رفعت جملة من التحديات لاستقبال جميع المؤسسات الحكومية ورئاسة الجمهورية بالإضافة إلى توافد الآلاف من النازحين إليها هربا من الاشتباكات وبطش الدعم السريع. لكن بورتسودان التي تأقلمت مع هذا الظرف الاستثنائية تعاني من الاكتظاظ السكاني وغياب البنية التحتية ومياه الشرب.

في غضون سنتين عرفت المدينة قفزة كبيرة خاصة على المستوى العمراني واتسعت رقعتها الجغرافية لكن المعيشة باهظة بالنسبة للوافدين الذين يعانون من الارتفاع المشط في الأسعار على جميع المستويات.

وفي العاصمة الخرطوم؟

عدة مناطق مازالت إلى حد اللحظة في قبضة الدعم السريع على غرار جزيرة توتي، لكن الجيش السوداني نجح في تحقيق عدة مكاسب ميدانية في رحلة استعادة العاصمة. لكن تقدمه يواجه صمودا كبيرا من الدعم السريع الذي نشر قناصة في المباني المرتفعة ويقصف مناطق تمركز الجيش بشكل دائم بالمدفعية الثقيلة ناهيك عن اعتماده لسياسة حرب الشوارع والطائرات المسيرة.

لماذا لم يتوصل السودانيون إلى تسوية سياسية؟ وماهو دور الدول المجاورة؟

القطيعة بين حميدتي والبرهان وصلت إلى نقطة اللاعودة ولم تتضافر أيضا الجهود أو الوساطات الكافية للضغط في سبيل التوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار. بعض الدول المجاورة الداعمة خاصة للدعم السريع هي من تسببت أيضا في توسيع الخندق بينها وبين الجيش وبالتالي تحول السودان إلى ساحة معركة أو نفوذ عدد من الدول الأجنبية التي ترى في ثروات السودان خاصة منها الذهب هدفها الرئيسي.

امرأة سودانية تبيع مواد غذائية في الشارع لكسب لقمة العيش 6 مارس/آذار 2025. © محمد فرحات/ فرانس24

تم تشكيل حكومة سودانية موازية في كينياما هو دور هذه الحكومة وكيف يراها السودانيون؟

إلى حد اللحظة لا تحظى هذه الحكومة الموازية التي شكلها الدعم السريع وحلفاؤه بشرعية لا داخليا ولا خارجيا. العديد من الدول وعلى رأسها السعودية الداعمة للجيش السوداني ترفض رفضا قاطعا ولادة حكومة موازية. الأكيد أنه إلى حدود اللحظة تسيطر هذه الحكومة الموازية على جزء كبير من غرب السودان، بما فيها دارفور وأجزاء من كوردفان. لكن السودانيين الذين قابلناهم لم يباركوها لأنها منبثقة عن فصيل شبه عسكري تمرد على الدولة من أجل السلطة وأدخل السودان في حرب طاحنة منذ سنتين. بالإضافة إلى الانتهاكات التي يرتكبها مقاتلوه على حساب المدنيين في كل المناطق الخاضعة لسيطرته، واستهدافه المدنيين والمنشآت في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

هل يتجه السودان نحو التقسيم؟

هو فعلا التخوف الأكبر. تقسيم السودان لمرة ثانية لن يسمح بإعادة الاستقرار لهذا البلد الذي تنهشه الحروب والنزاعات منذ الاستقلال. الجدير بالذكر أن الدول المتحالفة مع الجيش السوداني مثل السعودية ومصر ترفض المساس بوحدة السودان.

ما هو تورط الإمارات في السودان الممزق بالحرب؟

القاهرة (أ ف ب) – اتهم السودان دولة الإمارات العربية المتحدة بالتواطؤ في الإبادة الجماعية في دعوى قدمها إلى محكمة العدل الدولية، مسلطاً الضوء على التورط المزعوم للمملكة الغنية بالنفط في حرب أهلية مدمرة.

لطالما اتهم السودان وآخرون الإمارات بدعم قوات الدعم السريع (RSF)، التي تقاتل الجيش النظامي منذ ما يقرب من عامين – وهو ادعاء تنفيه الدولة الخليجية.

كيف تتورط الإمارات في السودان، وما هي علاقاتها بقوات الدعم السريع؟

لماذا يعتبر السودان مهماً للإمارات؟

السودان، أحد أكبر دول أفريقيا، يمتلك ثروة من الموارد الطبيعية بما في ذلك أراضٍ زراعية شاسعة وغاز وذهب، حيث يعد ثالث أكبر منتج للذهب في القارة.

يجاور ليبيا، حيث تدعم أبوظبي السلطات المتمردة، ولديه ساحل على البحر الأحمر – وهو طريق بحري حيوي لشحن النفط.

في عام 2021، استولى رئيس الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان على السلطة في انقلاب إلى جانب نائبه، قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.

بعد عامين، اندلع القتال بين الجنرالين، مع اتهام قوى تشمل الإمارات ومصر وتركيا وإيران وروسيا بدعم أحد الطرفين أو الآخر.

قال أندرياس كريغ، المتخصص في أمن الشرق الأوسط في كينغز كوليدج لندن: “كان الهدف الرئيسي للإمارات في السودان هو النفوذ السياسي في بلد مهم استراتيجياً للغاية”.

وأضاف أن الشركات التابعة للدولة الإماراتية تنظر إلى السودان كمركز للاستثمار في الموارد والمعادن والتجارة بشكل عام.

وقال الباحث في شؤون السودان حامد خلف الله إن الإمارات الصحراوية مهتمة بالموارد الطبيعية التي تفتقر إليها، بما في ذلك المعادن والأراضي الصالحة للزراعة.

وأضاف: “نرى نمطاً من عمل الإمارات مع الميليشيات” لاستغلال موارد القارة، من ليبيا إلى الصومال.

وقدرت مجموعة التنمية السويسرية “سويس إيد” في تقرير العام الماضي أنه في عام 2022، تم تهريب 66.5 بالمئة من صادرات الذهب الأفريقية إلى الإمارات.

تعد الإمارات، وهي مركز رئيسي لتجارة الذهب، أكبر مشترٍ للمعدن الثمين من السودان، وهو قطاع يسيطر عليه دقلو إلى حد كبير.

لكن فيديريكو دونيلي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تريستي الإيطالية، قال إنه سيكون “مبسطاً للغاية” القول إن مصالح الإمارات تتعلق كلها بالذهب.

وأضاف أن أبوظبي تسعى أيضاً لمواجهة النفوذ السعودي في السودان ومنع انتشار الإسلام السياسي، الذي تعتبره تهديداً لأمنها.

ما هي الروابط مع قوات الدعم السريع؟

تنبع علاقات الخليج بالجيش السوداني من التعاون في اليمن، بعد انضمام الخرطوم إلى التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب الأهلية هناك عام 2015.

قاد البرهان السودانيين الذين قاتلوا تحت قيادة السعوديين، بينما تم نشر قوات الدعم السريع التابعة لدقلو مع جنود من الإمارات، كما قال دونيلي سابقاً لمعهد شمال أفريقيا النوردي.

ظهرت منذ ذلك الحين خلافات بين الرياض وأبوظبي، الحليفين التقليديين. ويخدم الدعم الإماراتي لدقلو، رغم نفي الإماراتيين، “لتحدي الأهداف السعودية”، كما قال دونيلي.

العلاقة أيضاً أيديولوجية، حيث أن قوات الدعم السريع على استعداد لاحتواء حركة الإخوان المسلمين السياسية، المحظورة في الإمارات ودول عربية أخرى، كما قال كريغ.

هذا يميز قوات الدعم السريع عن الجيش، الذي ارتبط ببقايا النظام الإسلامي للديكتاتور السابق عمر البشير.

واجه كلا الجانبين ادعاءات بارتكاب جرائم حرب خلال الصراع المرير في السودان، الذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 12 مليوناً.

لكن في يناير، اتهمت واشنطن قوات الدعم السريع بالإبادة الجماعية لاستهدافها مجموعات عرقية بعمليات قتل جماعي واغتصاب جماعي.

كما قال عضوان في الكونغرس الأمريكي في يناير إن الإمارات خرقت وعودها بوقف تقديم المساعدات العسكرية لقوات الدعم السريع.

وقال كريغ إن الشؤون المالية الخاصة لدقلو تدار من الإمارات، مضيفاً أنه أصبح “معتمداً بشكل متبادل” على أبوظبي.

تلقت قوات الدعم السريع دعماً حاسماً من الإمارات، بما في ذلك تسليم الأسلحة عبر تشاد المجاورة، وفقاً لما يقوله دبلوماسيون ومحللون وجماعات حقوق الإنسان.

تنفي الإمارات هذه الادعاءات.

هل ستؤثر القضية على الإمارات؟

رفع السودان دعواه ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية، أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة في لاهاي، يوم الخميس، مدعياً التواطؤ في الإبادة الجماعية بسبب الدعم المزعوم لأبوظبي لقوات الدعم السريع.

رفضت الإمارات القضية باعتبارها “حيلة دعائية” وقالت إنها ستحاول رفضها.

قرارات محكمة العدل الدولية ملزمة قانوناً، لكن المحكمة لا تملك سلطة تنفيذها.

قال دونيلي إن القضية من المرجح أن تسبب ضرراً لسمعة الإمارات.

وأضاف لوكالة فرانس برس: “هناك تصور متزايد للإمارات كفاعل مزعزع للاستقرار، سواء على المستوى الدولي أو داخل أفريقيا”.

لكن “من المرجح أن تحمي المكانة المالية والسياسية التي اكتسبتها الإمارات على مدى العقد الماضي من أي تداعيات خطيرة”.

كيف يتم تهريب مكون رئيسي في كوكا كولا وحلوى M&M’s من السودان

يقول التجار ومصادر الصناعة إن الصمغ العربي، وهو مكون حيوي يستخدم في كل شيء من كوكا كولا إلى حلوى M&M’s، يتم تهريبه بشكل متزايد من المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في السودان الذي مزقته الحرب، مما يعقد جهود الشركات الغربية لعزل سلاسل التوريد الخاصة بها عن الصراع.

ينتج السودان حوالي 80% من الصمغ العربي في العالم، وهو مادة طبيعية يتم حصادها من أشجار الأكاسيا وتستخدم على نطاق واسع لخلط وتثبيت وتكثيف المكونات في المنتجات الشعبية بما في ذلك أحمر الشفاه من لوريال وطعام الحيوانات الأليفة من نستله.

استولت قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي تحارب منذ أبريل 2023 ضد الجيش الوطني السوداني، على السيطرة في أواخر العام الماضي على مناطق حصاد الصمغ الرئيسية في كردفان ودارفور غرب السودان.

منذ ذلك الحين، يشق المنتج الخام طريقه إلى دول جوار السودان دون شهادات مناسبة، وفقًا لمحادثات مع ثمانية منتجين ومشترين يشاركون مباشرة في تجارة الصمغ العربي أو مقرهم في السودان.

كما يتم تصدير الصمغ عبر أسواق حدودية غير رسمية، كما قال تاجران لرويترز.

وعندما طُلب منه التعليق، قال ممثل لقوات الدعم السريع إن القوة حمت تجارة الصمغ العربي ولم تجمع سوى رسوم صغيرة، مضيفًا أن الحديث عن أي مخالفة للقانون هو دعاية ضد المجموعة شبه العسكرية.

الشهر الماضي، وقعت قوات الدعم السريع ميثاقًا مع الجماعات المتحالفة معها لإنشاء حكومة موازية في الأجزاء التي تسيطر عليها من السودان.

في الأشهر الأخيرة، بدأ التجار في البلدان ذات الإنتاج الأقل من الصمغ العربي مقارنة بالسودان، مثل تشاد والسنغال، أو التي بالكاد صدرته قبل الحرب، مثل مصر وجنوب السودان، في عرض السلعة بشكل مكثف بأسعار رخيصة ودون إثبات أنها خالية من الصراع، وفقًا لما قاله اثنان من المشترين الذين تواصل معهم التجار لرويترز.

في حين أن أشجار الأكاسيا التي تنتج الصمغ العربي تنمو عبر منطقة الساحل الجافة في إفريقيا – المعروفة باسم “حزام الصمغ” – أصبح السودان بفارق كبير أكبر مصدر في العالم بسبب بساتينه الواسعة.

قال هيرفي كانيفيه، المتخصص العالمي في التسويق في شركة Eco-Agri ومقرها سنغافورة والتي تورد مكونات الأغذية المتخصصة، إنه غالبًا ما يكون من الصعب تحديد مصدر إمدادات الصمغ لأن العديد من التجار لن يقولوا ما إذا كان منتجهم قد تم تهريبه.

وأضاف: “اليوم، الصمغ في السودان، أقول إن كله مهرب، لأنه لا توجد سلطة حقيقية في البلاد”.

قالت جمعية الترويج الدولي للصموغ (AIPG)، وهي جماعة ضغط في الصناعة، في بيان علني في 27 يناير إنها “لا ترى أي دليل على وجود روابط بين سلسلة توريد الصمغ [العربي] والقوات [السودانية] المتنافسة”.

ومع ذلك، قالت خمسة مصادر في الصناعة إن التجارة الجديدة غير الشفافة في الصمغ تخاطر بالتسلل إلى نظام الشراء لصانعي المكونات العالميين. تشتري شركات مثل Nexira و Alland & Robert و Ingredion نسخة منقحة من الصمغ ذي اللون الكهرماني، وتحوله إلى مستحلبات وتبيعه لشركات السلع الاستهلاكية الكبرى.

وعندما اتصلت بها رويترز، قالت Ingredion إنها تعمل على ضمان أن تكون جميع معاملات سلسلة التوريد شرعية تمامًا وقد نوعت مصادر التوريد منذ بداية الحرب لتشمل دولًا أخرى مثل الكاميرون.

وقالت Nexira لرويترز إن الحرب الأهلية دفعتها إلى خفض وارداتها من السودان واتخاذ تدابير استباقية للتخفيف من تأثير الصراع على سلسلة التوريد الخاصة بها، بما في ذلك توسيع مصادر التوريد لتشمل عشر دول أخرى.

ولم تعلق Alland & Robert ونستله وكوكا كولا. ولم ترد شركة Mars المصنعة لـ M&Ms ولوريال على طلبات التعليق.

صمغ رخيص للبيع

قال محمد حسين سورج، مؤسس شركة Unity Arabic Gum ومقرها الخرطوم، والتي كانت تخدم صانعي المكونات العالميين قبل الحرب، إنه تم عرض الصمغ العربي عليه في ديسمبر من قبل تجار في السنغال وتشاد.

وقال إن التجار المقيمين في تشاد أرادوا 3500 دولار للطن من صمغ الهشاب، وهو نوع أغلى من الصمغ العربي ينتج بشكل أساسي في السودان، والذي كان يتوقع عادة أن يدفع أكثر من 5000 دولار للطن مقابله.

كما قال سورج لرويترز إن البائعين لم يتمكنوا من تقديم شهادة Sedex، التي تضمن للمشترين أن المورد يفي بالمعايير المستدامة والأخلاقية.

لم يشتر سورج الصمغ لأنه خشي أن يكون السعر المنخفض ونقص الوثائق مؤشرًا على أنه تم سرقته في السودان أو تصديره عبر شبكات غير رسمية تابعة لقوات الدعم السريع.

وقال سورج: “يتمكن المهربون من تهريب الصمغ العربي عبر قوات الدعم السريع لأن قوات الدعم السريع تسيطر على جميع مناطق الإنتاج”.

شارك سورج، الذي فر إلى مصر بعد أن سرقت قوات الدعم السريع كل إمدادات الصمغ الخاصة به في عام 2023، رسائل واتساب مع رويترز تظهر أن هؤلاء التجار للصمغ قد تواصلوا معه في خمس مناسبات منفصلة، بما في ذلك في 9 يناير الماضي.

منذ أكتوبر، حظرت قوات الدعم السريع تصدير 12 سلعة إلى مصر، بما في ذلك الصمغ العربي، انتقامًا لما قالت إنها ضربات جوية مصرية ضد الميليشيا.

وعندما طُلب منها التعليق، قالت المجموعة شبه العسكرية إنها حظرت ما أسمته التهريب إلى مصر لأنه لم يكن يفيد السودان.

روى أحد المشترين، الذي رفض ذكر اسمه لأسباب تتعلق بالسلامة، كيف تم الاتصال به أيضًا من قبل تجار صمغ مجهولين.

“لدي كميات مفتوحة نظيفة من [الأكاسيا] سيال جاهزة للشحن”، هكذا قرأت إحدى رسائل واتساب، التي راجعتها رويترز وتعرض حمولة من صمغ السيال، وهو نوع أرخص من الصمغ العربي.

في رسائل واتساب لاحقة، اقترح التاجر جدولة الشحن كل شهرين بسعر قابل للتفاوض يبلغ 1950 دولارًا للطن المتري، وهو أقل من 3000 دولار للطن الذي قال المشتري إنه كان يتوقع أن يدفعه مقابل هذا النوع من الحمولة.

في محادثة واتساب مختلفة مع نفس المشتري، راجعتها رويترز، قال تاجر آخر إن الشاحنات التي تحمل الصمغ العربي عبرت الحدود السودانية إلى جنوب السودان ومصر.

في جميع الحالات، لم يتمكن تجار الصمغ من تقديم شهادة Sedex، كما قال المشتري، مضيفًا أنه رفض العروض خوفًا من أن الصمغ جاء من شبكات تابعة لقوات الدعم السريع.

تغيير الطرق

قبل الحرب الأهلية السودانية، كان يتم فرز الصمغ الخام في الخرطوم ثم نقله بالشاحنات إلى بورتسودان، على البحر الأحمر، ليتم شحنه عبر قناة السويس إلى جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك، منذ أواخر العام الماضي، بدأ الصمغ العربي التابع لقوات الدعم السريع في الظهور للبيع في سوقين غير رسميين على الحدود بين ولاية غرب كردفان السودانية وجنوب السودان، وفقًا لمشترٍ مقيم في منطقة تسيطر عليها قوات الدعم السريع، رفض ذكر اسمه بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

وقال المشتري، وهو تاجر كبير في منطقة غرب كردفان، إن التجار يجمعون الصمغ من أصحاب الأراضي السودانيين ويبيعونه للتجار من جنوب السودان في هذه الأسواق مقابل الدولار الأمريكي.

وأضاف المشتري أن كل هذا يحدث تحت حماية قوات الدعم السريع، التي يدفع لها التجار مقابل ذلك.

كما قال عبد الله محمد، وهو منتج يمتلك بساتين أكاسيا في غرب كردفان، لرويترز إن قوات الدعم السريع تأخذ رسومًا من التجار مقابل الحماية. نوعت المجموعة شبه العسكرية اهتماماتها لتشمل الذهب والماشية والزراعة والخدمات المصرفية.

قال مايكل ماكوي وزير الإعلام في جنوب السودان، وهو أيضًا المتحدث باسم الحكومة، لرويترز إن نقل الصمغ عبر جنوب السودان ليس من مسؤولية الحكومة. لم يتم الرد على المكالمات والرسائل الموجهة إلى جوزيف موم ماجاك، وزير التجارة والصناعة في جنوب السودان.

وقال المشتري إن قوات الدعم السريع تنقل المنتج أيضًا إلى جمهورية إفريقيا الوسطى عبر بلدة أم دافوق الحدودية، مضيفًا أن بعضه يذهب إلى تشاد.

وقال مشترٍ بالجملة، مقره خارج السودان، لرويترز إن الصمغ يتم تصديره الآن عبر مومباسا في كينيا وعاصمة جنوب السودان جوبا.

كما ظهر الصمغ العربي ذو المصدر غير المشروع للبيع عبر الإنترنت. قال عصام صديق، وهو معالج صمغ سوداني أصبح الآن لاجئًا في بريطانيا، لرويترز إن مستودعاته في الخرطوم تعرضت للنهب من قبل قوات الدعم السريع بعد أن فر في أبريل 2023 مع ثلاث حقائب من الصمغ.

بعد عام، ظهرت منتجات الصمغ الخاصة به للبيع، لا تزال في عبوات شركته التجارية، في مجموعة على فيسبوك وفقًا للقطة شاشة تمت مشاركتها مع رويترز.

«الحكومة الموازية» في السودان: قلق أممي من محاولة إقامتها

الخرطوم ـ « القدس العربي»: أعرب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أمس الخميس، عن قلقه إزاء محاولات «إقامة حكومة موازية» في السودان. وأشار في بيان إلى أن محاولات إقامة حكومة موازية تحمل في طياتها خطر تصعيد الصراع الدائر في السودان.
ودعا إلى «وقف دائم لإطلاق النار» في السودان.
وأكد التزام أعضاء مجلس الأمن بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه.
وطالب أطراف الصراع بالالتزام بالقانون الدولي، مشيرا إلى أنه على جميع الدول الأعضاء في المجلس تجنب «التدخلات الخارجية التي تهدف إلى تأجيج الصراع وعدم الاستقرار».
في حين قال نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إن الرئيس الأوغندي يوري موسفيني أبلغه بأنه لن يعترف بحكومة موازية في السودان.
وأجرى في رفقة وكيل وزارة الخارجية حسين الأمين مباحثات مع موسفيني في العاصمة كمبالا تناولت التطورات السياسية في السودان إلى جانب التقدم العسكري الذي تحققه القوات المسلحة السودانية.

عقار أكد أن الرئيس الأوغندي لن يعترف بها

وقال في منشور على «فيسبوك» إن «موسفيني أطلعه بأن الحكومة الأوغندية لن تعترف بأي حكومة موازية سيتم تشكيلها».
وأشار إلى أنه تناول مع موسفيني الوثيقة التي تم التوقيع عليها في العاصمة الكينية نيروبي، ناقلا له استياء السودان مما حدث والتعاون الذي تجده اليمليشيا من الحكومة الكينية.
وأضاف «إذا كانت القيادة الإقليمية والأفريقية تسعى لتحقيق الاستقرار والتقدم للقارة فيجب أن يتم إيقاف مثل هذه التحركات السلبية».
وأوضح أن اللقاء ناقش كذلك الأزمة الإنسانية التي خلفتها الانتهاكات المستمرة لقوات الدعم السريع والتطرق كذلك إلى استراتيجية حكومة السودان لإنهاء الحرب.
ونوه إلى أنه أشارالى صعوبة التواصل مع قوات «الدعم السريع» للعمل على إحلال السلام لكونها تضم في صفوفها مقاتلين من جنسيات دول أخرى وهم غير معنيين بالعملية السلمية.
وكشف عن تقديمه دعوة للرئيس الأوغندي لزيارة السودان قائلاً إنه أبدى استعداده للزيارة واتفقا على أن تكون في حزبران / يونيو المقبل.
في حين نددت مجموعة من القادة السياسيين في العاصمة الإدارية بورتسودان بمحاولات تشكيل حكومة موازية بقيادة «الدعم السريع».
وأكد قادة تنسيقية القوى الوطنية الديمقراطية وتنسيقة العودة لمنصة التأسيس، وتحالف سودان العدالة، والمؤتمر الشعبي ضمن مجموعات أخرى رفضهم لما وصفوها بـ«المخططات الخبيثة التي تحاك في العاصمة الكينية نيروبي، بواسطة «الدعم السريع» وحلفائها من بعض السياسيين، ورعاتها من الدول التي ترغب في تدمير السودان».
وحذروا من «عظم حجم المؤامرة» داعين إلى الوحدة والتماسك لمواجهة «المخطط الاستعماري» ضد السودان».
وفي 20 فبراير/ شباط الماضي، استدعى السودان سفيره لدى نيروبي كمال جبارة، احتجاجا على استضافة كينيا اجتماعات ضمت قوى سياسية وقيادات من قوات «الدعم السريع» بهدف إقامة «حكومة موازية». وتقول كينيا إن استضافتها لتلك الاجتماعات «تأتي في إطار سعيها لإيجاد حلول لوقف الحرب في السودان، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي».

جنوب السودان.. صراع عسكري واحتقان سياسي يهددان البلاد

يعاني جنوب السودان موجة جديدة من التوترات، مع اندلاع اشتباكات عنيفة في بلدة الناصر بين القوات الحكومية ومليشيات محلية، بينما تشهد العاصمة جوبا تطورات خطيرة مع اعتقال قيادات عسكرية بارزة ومحاولة فاشلة للقبض على مسؤول استخباراتي سابق.

هذه الأحداث المتلاحقة تهدد الاستقرار الهش في البلاد وتطرح تساؤلات عن مستقبل اتفاق السلام.

اشتباكات عنيفة في الناصر

أفادت مصادر متعددة، من بينها “سودان تريبون” وإذاعة فرنسا الدولية، باندلاع مواجهات مسلحة بين الجيش الحكومي ومجموعة مسلحة تُعرف باسم “الجيش الأبيض” في منطقة الناصر بولاية أعالي النيل.

تتكون هذه المجموعة بشكل رئيسي من شبان ينتمون إلى قبائل النوير، وقد لعبت دورا بارزا في النزاع السابق بين الحكومة والمعارضة، وهي معروفة باستخدامها أساليب حرب العصابات والمواجهات العنيفة.

ووفقا للتقارير، استخدمت القوات الحكومية أسلحة ثقيلة ومدرعات في محاولة للسيطرة على البلدة، في حين رد المسلحون بعنف، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.

ولا تزال حصيلة القتلى غير واضحة، لكن شهود عيان أفادوا بأن السكان المحليين فروا من منازلهم خشية استمرار القتال.

وتأتي هذه المواجهات في ظل تصاعد التوترات السياسية والعسكرية، حيث تتهم المعارضة المسلحة الحكومة بانتهاك اتفاق السلام، بينما تؤكد الحكومة أن عملياتها تهدف إلى القضاء على التمردات غير الشرعية وفرض الأمن في المناطق المضطربة.

خريطة جنوب السودان (الجزيرة)

اعتقال جنرال بارز

في العاصمة جوبا، اعتقلت قوات الأمن جنرالا بارزا مقربا من زعيم المعارضة رياك مشار، في خطوة أثارت مخاوف بشأن مستقبل اتفاق السلام. ووفقا لتقارير إذاعة فرنسا الدولية “آر إف آي” (RFI)، لم تصدر السلطات أي توضيحات رسمية بشأن دوافع الاعتقال، لكن مصادر رجحت أن يكون مرتبطا بتزايد التوتر بين الحكومة وحركة المعارضة المسلحة التي يقودها مشار.

يُذكر أن رياك مشار، نائب الرئيس الحالي، خاض صراعا طويلا مع الرئيس سلفاكير قبل توقيع اتفاق السلام في عام 2018، لكن العلاقات بين الطرفين لا تزال متوترة، وسط اتهامات متبادلة بعدم تنفيذ الاتفاق بالكامل. ويخشى أنصار المعارضة أن يكون اعتقال القيادات العسكرية خطوة تهدف إلى تقويض نفوذ مشار في الجيش وإضعاف المعارضة قبل الانتخابات المرتقبة.

إطلاق نار في جوبا

في تطور آخر زاد من التوتر في العاصمة، اندلع تبادل لإطلاق النار في جوبا عقب محاولة قوات الأمن اعتقال رئيس جهاز المخابرات السابق، وفقا لما أوردته “إيستليف فويس”(Eastleigh Voice).

وبحسب المصادر، واجهت العملية مقاومة مسلحة من قوات موالية للمسؤول السابق، مما أدى إلى اندلاع مواجهات في شوارع العاصمة وسط حالة من الذعر بين المدنيين.

وتعكس هذه الحادثة حالة عدم الاستقرار داخل الأجهزة الأمنية، إذ تشير بعض التقارير إلى وجود تململ داخل المؤسسة العسكرية، حيث يعترض عدد من الضباط الكبار على سياسات الحكومة الحالية.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى تمردات داخلية أو حتى انشقاقات في صفوف القوات المسلحة، مما يزيد من هشاشة الوضع الأمني في البلاد.

ماذا بعد؟ هل ينهار اتفاق السلام؟

تثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية عن مستقبل جنوب السودان، خاصة مع اقتراب الانتخابات المقررة في أواخر 2025، والتي ستكون الأولى منذ استقلال البلاد في 2011. وفي ظل تصاعد أعمال العنف واستمرار الاعتقالات السياسية، يخشى كثيرون أن تسير البلاد نحو موجة جديدة من الصراع المسلح، مما قد يهدد جهود المجتمع الدولي لإرساء السلام وتعزيز الاستقرار.

يرى محللون أن استمرار هذه التوترات قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات أو حتى انهيار اتفاق السلام، مما قد يعيد البلاد إلى دوامة الصراع المسلح. وفي ظل غياب حلول سياسية حقيقية، تبقى المخاوف قائمة بشأن قدرة الحكومة والمعارضة على تجاوز خلافاتهما وضمان استقرار مستدام في البلاد.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

كيف صمدت مقار الجيش السوداني أمام حصار 20 شهرا؟

الخرطوم- في الحرب المستمرة في السودان منذ 15 أبريل/نيسان 2023، فرضت قوات الدعم السريع طوقا حربيا على عدد من مقرات الجيش بالعاصمة الخرطوم، لا سيما المواقع الإستراتيجية التي تمثل رمزية خاصة للجيش وجنوده.

ومن بين تلك المقار التي حوصرت على مدى 20 شهرا، يبرز مقر قيادة الجيش وسط العاصمة، ومقر سلاح الإشارة بمدينة الخرطوم بحري، ومقر سلاح المدرعات جنوبي الخرطوم، قبل أن يتمكن الجيش من كسر هذا الحصار قبل أسابيع قليلة.

وتضم القيادة العامة للجيش السوداني أركان القيادة البرية والبحرية والجوية، ومقرا للقائد العام للجيش، وآخر لهيئة الأركان يحيط بها -جنوبا- المطار الدولي، وجنوب شرق المطار الحربي، وشمالا مقر الفرقة السابعة، وغربا السوق العربي وجامعة الخرطوم.

(مواقع التواصل)

شرارة الحرب

وشهدت القيادة العامة شرارة الحرب الأولى حيث هاجمتها قوات الدعم السريع من كل الاتجاهات، لدرجة جعلت قائد هذه القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” يصرح لوسائل الإعلام بأن جنوده داخلها “يحاصرون قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المختبئ تحت الأرض”.

ويقول مصدر عسكري للجزيرة نت إن الدعم السريع نجح -خلال الأيام الثلاثة الأولى للحرب- في التوغل داخل القيادة العامة والسيطرة الجزئية على مقرها البري ونشر قناصين بداخله، قبل أن يتمكن الجيش -وبضربات خاطفة- من إخراج هذه القوات وتكبيدها خسائر فادحة.

وكاد حصار الدعم السريع للقيادة العامة للجيش يكون من المسافة صفر، وكان ثمة انتشار للقناصة في أماكن لا تبعد أكثر من 500 متر عن محيطها خاصة من الناحية الجنوبية والشرقية. وظل هذا الوضع قائما على مدى 21 شهرا وأدى إلى قطع الإمداد بالسلاح والعتاد والعنصر البشري والمواد الغذائية بالطرق البرية، مما اضطر قيادة الجيش إلى استخدام الطيران لإسقاط المؤن والمواد الطبية للجنود والقادة المحاصرين.

القيادة العامة للجيش السوداني من الأماكن التي شهدت شرارة الحرب الأولى (مواقع التواصل)

وفي تصريح للجزيرة نت، يقول ضابط برتبة رفيعة في الجيش كان من المحاصرين داخل القيادة العامة إن “مليشيا الدعم السريع نفذت أكثر من 20 هجمة على القيادة العامة استخدمت فيها المدرعات والدبابات، وجميعها باءت بالفشل”. وأضاف أن معظمها كانت من الاتجاه الشمالي الشرقي والجنوبي لعدم وجود موانع تحد من اقتحام قواتها للقيادة العامة.

ووفق الضابط الذي كان يشرف على إحدى المواجهات بمقر القيادة العامة، فإن قوات الدعم السريع لم تهاجم عبر الاتجاه الغربي نظرا لوجود السور الخرساني الذي يحد من عمليات الاقتحام، ويُرجع “فشلها” في إسقاط القيادة إلى عدة أسباب من بينها:

  • تدخل المدفعية والطيران بفعالية كبيرة منذ لحظة تجمع قوات الدعم السريع ومباغتتها قبل الهجوم.
  • الخطة الدفاعية الجيدة التي انتهجها الجيش في الدفاع عن قيادته العامة.
  • تماسك القوات المدافعة وإصرارها على القتال لرمزية هذه القيادة.

واستمر وضع الجيش مدافعا عن القيادة العامة 20 شهرا قبل أن يتمكن من كسر الحصار عبر عمليات برية مكثفة من محور مدينة الخرطوم بحري، وصولا للقيادة من الناحية الشمالية، ومن ثم إنهاء الحصار كليا.

سلاح المدرعات

يُعتبر سلاح المدرعات من أبرز أسلحة الجيش السوداني ويعتمد عليه بشكل كبير في جميع مواجهاته، ويوجد جنوبي الخرطوم وسط عدة أحياء من بينها أحياء الشجرة واللاماب وجبرة.

وتمكنت قوات الدعم السريع من حصار هذا السلاح وعزله عن حاميات الجيش في الخرطوم وقطع خطط إمداده ثم مهاجمته. وحسب مصادر متعددة تحدثت للجزيرة نت تمكنت القوات، في أغسطس/آب 2023، من التوغل إلى عمق سلاح المدرعات وكادت أن تسيطر عليه كليا قبل أن يتمكن الجيش -وبإسناد من الطيران الحربي- من إخراجها من أسواره.

ويقول مالك يحي البروف أحد المقاتلين في سلاح المدرعات -للجزيرة نت- إن “مليشيا الدعم السريع عملت على حصار هذا السلاح منذ الوهلة الأولى للحرب، وإنهم مع بداية الحصار طوروا أسلوب استنزافها من خلال قنص أفرادها وآلياتها عبر بنادق القنص الكبيرة مع إصابة الأهداف بدقة عالية، مما أفقدها المناورة في الطرق الرئيسية والتفوق بالكثافة النيرانية من المدافع المحمولة في العربات القتالية”.

ووفقا له، وطيلة 20 شهرا، شن الدعم السريع 180 هجوما على سلاح المدرعات بغرض السيطرة عليه، إلا أن كل محاولاته انتهت بالفشل وتكبيدها خسائر كبيرة، وأضاف “قتلنا عددا من قيادتهم الميدانية وكسرنا قوتهم الصلبة، تعرضنا في المدرعات للقصف بالمدافع والراجمات والهاون، وكانت المليشيا تطلق في اليوم الواحد أكثر من 500 قذيفة داخل صندوقنا القتالي”.

ومؤخرا، نجح سلاح المدرعات في كسر الحصار والتقدم إلى وسط الخرطوم والسيطرة على كل مواقع الدعم السريع التي كانت تحاصرهم فيها، لا سيما من شماله وشرقه، حيث واصلت قوات المدرعات تقدمها إلى محيط السوق العربي وسط الخرطوم وباتت على مقربة من الالتحام مع قوات الجيش بالقيادة العامة وسط الخرطوم.

(الجزيرة)

سلاح الإشارة

يُعتبر سلاح الإشارة من أسلحة الجيش الفنية ومقره مدينة الخرطوم بحري، ويربط بينه وقيادة الجيش جسر حديدي بمسافة كيلومترين اثنين. وقد تعرض لحصار دام 21 شهرا وكان متنفسه الوحيد الناحية الجنوبية حيث قيادة الجيش التي كانت تعاني الحصار نفسه.

وكان قناصة الدعم السريع ينتشرون على بعد أمتار من معسكر سلاح الإشارة خاصة المجمع السكني لضباط الشرطة الذي كان يبعد 500 متر عن السلاح، واستخدمت القوات مكانا فيه للقنص.

ويقول عباس مصطفى وهو ضابط بسلاح الإشارة -للجزيرة نت- إن هذا السلاح تمكن من حماية دفاعاته طوال 20 شهرا رغم أن ما وصفهم بمليشيا الدعم السريع تمكنوا من الانتشار في 3 اتجاهات منه شرقا وغربا وجنوبا.

وأضاف أن السلاح صمد في وجه الحصار “بل تمكنا من هزيمة المليشيا المتمردة وكبدناها خسائر في الأرواح فضلا عن سيطرتنا على أسلحة منهم بينها سيارات قتالية وأخرى ثقيلة مثل المدافع والرشاشات التي ساهمت في تقوية دفاعات سلاح الإشارة”.

وحسب مصطفى، فإن الدعم السريع وبعد هزيمته في المواجهات المباشرة، لجأ إلى خيار القصف المكثف على سلاح الإشارة حيث كان يطلق في اليوم الواحد بين 800 و900 قذيفة على مقره بكثافة غير معهودة، وأوضح أن معظم القصف كان من الناحية الشرقية والشمالية الشرقية لاسيما بمدافع الهاون.

وقال إن القصف ألحق خسائر بسلاح الإشارة عكس المواجهات المباشرة وإن هذا السلاح تعرض لـ37 هجمة منظمة بغرض إسقاطه والسيطرة عليه “ولكن جميعها باءت بالفشل كما أن وتيرة الهجمات تراجعت مؤخرا بفضل صمودهم”.

ووفقا له، فإن الطيران المسيّر التابع للجيش لعب عاملا حاسما في “دك هجمات الدعم السريع وتشتيتها “. وأشار إلى أن قوات الأمن والمخابرات الوطنية لعبت دورا مهما في إسناد سلاح الإشارة لوجود مكاتب لها تتبع دفاعه، فضلا عن امتلاكها أسلحة في مخازن -خاصة بداية الحرب- ساهمت في إجهاض محاولات إسقاط سلاح الإشارة.

ومؤخرا نجح الجيش في فك الحصار عن سلاح الإشارة بالتزامن مع فك الحصار عن مقر قيادته بعد عملية برية انطلقت من أقصى مدينة الخرطوم بحري.

المصدر : الجزيرة

تجربة مُعلمة في السودان لمنح فرصة ثانية لمن حرمتهم الظروف من التعلّم

داخل قاعة في مدرسة متداعية شرق السودان، يكتب مدرّس يرتدي سترة بيضاء ويعتمر عمامة، حروفا عربية على لوح أمام رجال ونساء يجلسون على مقاعد خشبية ويتابعون الدرس باهتمام.

تقف مؤسِسة المدرسة آمنة محمد أحمد (63 عاما) بصمت في زاوية القاعة. وتومئ برأسها بحركة تؤكد من خلالها أن كل شيء يسير على ما يرام وأنّ الدرس مفهوم للحاضرين.

وقد أمضت المرأة المعروفة باسم “آمنة أور” – “أور” تعني الأسد في لغة البجا الخاصة بشرق السودان- السنوات الثلاثين الأخيرة في تغيير حياة مئات الأشخاص من خلال المدرسة التي أسستها في مدينة بورت سودان.

أطلقت أحمد هذا المشروع سنة 1995 لمكافحة الأمية في المجتمعات المحلية.

وتقول المرأة واضعة وشاحا برتقاليا حول رأسها، في حديث إلى وكالة فرانس برس: “هذا ما دفعني لإطلاق المشروع”، مضيفة “كان الناس يريدون أن يتعلموا، ولولا ذلك لما كانوا واصلوا الحضور إلى المدرسة”.

توفّر صفوفها الدراسية فرصة ثانية لمَن لم يتمكّنوا من تحصيل تعليمهم، وخصوصا النساء اللواتي لم يتمكنّ من الالتحاق بالمدارس بسبب عقبات ثقافية أو مالية أو بسبب الحروب.

انطلاقة جديدة 

كانت نسرين بابكر (39 عاما) تحلم بالتعلّم منذ زمن طويل. تركت المدرسة عام 2001 بعدما تزوجت وتفرّغت أيضا لتربية إخوتها الصغار بعد وفاة والدها. 

وتقول لوكالة فرانس برس “لقد تلقى إخوتي وأخواتي العلم، وأولادي أيضا، لكن ليس أنا. لذلك أردت العودة إلى المدرسة، وبعد كل هذه السنوات، أشعر وكأنها انطلاقة جديدة لي”.

أصبحت مدرسة آمنة محمد أحمد أيضا ملجأ للنازحين بسبب نزاع يشهده السودان منذ العام 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو.

وقد أودت الحرب بحياة عشرات الآلاف وشرّدت أكثر من 12 مليون شخص وأغرقت مناطق كثيرة في المجاعة.

فرّت ماريا آدم (28 عاما) من منزلها إلى بورت سودان بحثا عن الأمان. وتقول المرأة التي تركت المدرسة عندما كانت في الحادية عشرة “عندما وصلت إلى هذه المدينة، سمعت عن المدرسة وتسجّلت فيها”.

وتقول لوكالة فرانس برس “أريد إنهاء دراستي حتى أتمكن من مساعدة أولادي”.

تغيير حياة الأشخاص 

أدّت الحرب إلى تدمير النظام التعليمي في السودان، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من أطفال السودان في سن الدراسة والبالغ عددهم 19 مليونا، لا يرتادون المدارس.

وفي مختلف أنحاء البلاد، حُوّلت القاعات الدراسية إلى ملاجئ للعائلات النازحة. لكن حتى قبل الحرب، صنّفت دراسة أجرتها منظمة “سايف ذي تشيلدرن” عام 2022 السودان من بين الدول الأكثر عرضة لخطر الانهيار التعليمي.

ومع ذلك، تبقى الرغبة في التعلم حاضرة في مدرسة أحمد. ففي زاوية إحدى القاعات، تتابع أمّ درسا مع ابنها الصغير.

وترى مؤسِّسة المدرسة أنّ ما تحصّله يكمن في رؤية حياة تلاميذها تتغيّر.

يقول هاشم طاهر، أحد المدرّسين، إن عددا كبيرا من طلاب المدرسة الذين لم يسبق لهم أن تلقّوا تعليما قبل ارتياد هذه المدرسة، أصبحوا في المرحلة الثانوية، حتى أن بعضهم حصل على شهادة جامعية.

تقول أحمد إنّ “رؤية شخص ما ينتقل من مرحلة جهل القراءة أو الكتابة إلى حيازة شهادة جامعية، أو العثور على وظيفة، أو إعالة أسرته، يدفعني للاستمرار”. وتضيف “يتحولون من كونهم عبئا، إلى أفراد مجتمع منتجين ومتعلّمين”.

الحرب والعوز يحولان دون التمتع بتقاليد رمضان في السودان

بورت سودان (السودان) (أ ف ب) – يحل شهر رمضان الذي يتسم عادة بكرم الضيافة والتجمعات العائلية للعام الثاني في السودان حيث حجبت الحرب المدمرة هذه التقاليد جراء الصعوبات الاقتصادية الحادة وتفشي الجوع.

يشهد السودان منذ نيسان/أبريل 2023، نزاعا داميا بين الجيش وقوات الدعم السريع، تسبب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليون شخص وخلف أزمة إنسانية كارثية مع انتشار المجاعة في عدة مناطق.

وفي مدينة بورتسودان (شرق) التي بقيت نسبيا بمنأى عن أعمال العنف، لا تزال السلع الغذائية منتشرة في الأسواق، لكن أسعارها الباهظة تجعلها بعيدة المنال.

وبلغ سعر كيلو السكر، المكون الأساسي لمشروبات وحلويات رمضان، 2400 جنيه سوداني (دولار واحد).

كما ارتفعت أسعار اللحوم بشكل كبير، فوصل سعر كيلو لحم العجل إلى 24 ألف جنيه سوداني (10 دولارات)، وكيلو لحم الضأن إلى 28 ألف جنيه سوداني (11,6 دولارا)، بحسب مستهلكين.

وقال محمود عبد القادر لوكالة فرانس برس “نعاني من توفير السلع الرمضانية. الأسعار في السوق متفاوته، فثمن بعضها مرتفع وبعضها الآخر باهظ جدا”.

وعبر عن شعور مماثل بالاحباط حسن عثمان بقوله إن “الأسعار مرتفعة للغاية”.

في كانون الثاني/يناير، بلغ معدل التضخم 145% ، مقابل 136% في الشهر نفسه من عام 2024، بحسب المكتب المركزي للإحصاء، في حين يناهز متوسط الأجر الشهري الآن 60 دولارا فقط.

وعلاوة على ذلك، لم يتسلم موظفو القطاع العام في بعض المناطق رواتبهم منذ نيسان/أبريل 2023.

“الهاوية”
والوضع أسوأ بكثير في المناطق التي تشهد معارك مدمرة.

ففي أجزاء من دارفور (غرب) وكردفان (جنوب)، انقطعت طرق ايصال المواد الغذائية وانتشرت المجاعة.

وتم الابلاغ عن المجاعة في ثلاثة مخيمات للنازحين في شمال دارفور، بالإضافة إلى أجزاء من جبال النوبة (جنوب).

ومن المتوقع أن تطال خمس مناطق أخرى بحلول أيار/مايو، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة.

وفي بعض مناطق دارفور، تعيش الأسر على قشور الفول السوداني وأوراق الأشجار، بحسب سكان.

وتواجه منظمات الإغاثة صعوبات جمة للوصول إلى هذه المناطق، مما سرع انتشار الجوع.

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أنّه اضطرّ إلى تعليق عملياته في مخيّم للنازحين ومحيطه في شمال دارفور في السودان، بسبب تصاعد العنف.

وقال عمر مناقو، أحد عمال الإغاثة في شمال دارفور، إن “الوضع هنا صعب جدا، هناك صعوبة في (ايجاد) مياه الشرب والطعام، لا يوجد شيء في الاسواق”.

حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك الخميس من أن السودان يواجه خطر السقوط في “الهاوية” ما لم تنته الحرب المدمرة في البلاد وتتدفق المساعدات.

وتابع المسؤول الأممي “نحن ننظر إلى الهاوية. تحذّر الوكالات الإنسانية من أنه في غياب جهود إنهاء الحرب … فإن مئات الآلاف من الناس قد يموتون”.

“الاسواق احترقت”
في المناطق المتضررة من الحرب، تعرضت الأسواق للنهب وأنخفضت بالتالي إمدادات الغذاء بشكل هائل.

وقال عمر مناقو إن معظم الأسواق في شمال دارفور لم تعد موجودة.

واوضح “كلها أحرقها الجنجويد”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع.

وفي العاصمة الخرطوم حيث اشتدت حدة القتال بين الجيش وقوة الدعم السريع في الأسابيع الأخيرة، يقوم متطوعون بتوزيع المساعدات التي تمكنوا من جمعها، لكن الاحتياجات هائلة.

اشارت صابرين زروق (30 عاما) المقيمة في أم درمان، إحدى ضواحي الخرطوم، إلى أنه “من قبل كان ثمة مبادرات في الشوارع لتوزيع وجبات الإفطار على أولئك الذين لم يصلوا إلى منازلهم” في الوقت المحدد.

واضافت بحسرة “هذا لم يعد متوفرا”.

وينتاب العديد من السودانيين الحزن على فقدان التقاليد التي تميز شهر رمضان.

ففي السنوات السابقة، كانت العائلات تقوم بإعداد وجبات إفطار شهية، وتتقاسم الطعام مع الجيران، بينما تزدان الشوارع بالأضواء الاحتفالية.

ويقول محمد موسى، وهو طبيب يبلغ 30 عاما ويقضي أياما طويلة في أحد آخر المستشفيات العاملة في أم درمان، بحسرة “الفطور مع الاهل والاصدقاء

وزينة رمضان أيضا، من الأشياء التي افتقدها”.

تقدم واسع للجيش السوداني: التكتيكات الناجحة والتفوق الجوي واستقطاب متطوعين أبرز الأسباب

الخرطوم ـ « القدس العربي»: في وقت واصل فيه الجيش السوداني تقدمه على حساب « الدعم السريع» تحدث محللون لـ«القدس العربي» عن أسباب تفوق القوات المسلحة وإحرازها انتصارات خلال الفترة الماضية، فيما وجّه عضو مجلس السيادة، مساعد القائد العام للجيش ياسر العطا، اتهامات لدولة الإمارات و«الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات واسعة، منددا بتعاون الرئيس الكيني وليم روتو معهم، معتبرا إياه شريكا في تلك الجرائم.
وتفقد العطا، الرجل الثالث في الجيش السوداني، مقر قوات الاحتياطي المركزي – القطاع الأول في مدينة أمدرمان، مؤكدا على الدور الكبير الذي تضطلع به قوات الاحتياطي المركزي. وشدد على أن هيبة الدولة تتجسد في قيام القوات النظامية لواجبها في حماية المواطنين.
وأكد أن المعركة ستنتهي قريباً بـ«نصر مؤزر للشعب السوداني، يعقبه تحقيق الأمن والاستقرار».
في الأثناء فرضت القوات المسلحة سيطرتها على سوق حلة كوكو وقلّصت المسافة إلى جسر المنشية، شمال العاصمة الخرطوم.
وستتيح سيطرة الجيش على الجسر التحكم في جميع مخارج محلية شرق النيل وفرض حصار على الدعم السريع في المنطقة.
وحسب لجان المقاومة في المنطقة تقدمت القوات المسلحة في منطقة الحاج يوسف وفرضت سيطرتها على المربع السكني (3) والمحطة القديمة، كما بدأت التوغل داخل أحياء البراري وسط العاصمة.
وفي جنوب كردفان التحمت قوات الفرقة الرابعة عشرة مشاة – كادوقلي بقوات الدلنج معلنة فتح الطريق الرابط بين المدينتين وانتشار قوات الجيش.
بالتزامن حذرت الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش المواطنين في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، من هجمات بالمسيرات تنفذها قوات «الدعم السريع».
وقالت في بيان أمس الخميس إن «قوات الدعم السريع في محاولة فاشلة أطلقت سربا من المسيرات الانتحارية بطريقة عشوائية على كل أحياء المدينة، وعلى المواطنين أخذ الحيطة والحذر».
في حين استهدف الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة مسنودة بالطيران الحربي ارتكازات «الدعم السريع» في محيط مدينة الفاشر ومناطق «جقوجقو» و جبال «أبوجا» وجبال «فشار» شمال دارفور، مما أسفر عن تدمير (9) عربات قتالية ومقتل العشرات من منسوبي «الدعم السريع» حسب بيان للجيش.
ونفذ الجيش عمليات تمشيط واسعة مؤكدأ خلو المدينة والأحياء الطرفية من أي وجود لقوات «الدعم السريع» ومؤكدا هروب عناصر «الدعم» بعيدا عن محيط الفاشر «مخلفين أمتعتهم وأغراضهم كما يقومون ببيع الأسلحة والذخائر في القرى المجاورة».

ومنذ نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، استعاد الجيش السوداني عددا من المدن والمواقع الاستراتيجية التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع» المحكمة، أبرزها مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة التي اجتاحتها «الدعم» في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2023.
كما استعاد مساحة واسعة من مدينة بحري شمال العاصمة الخرطوم التي مثلت أبرز مراكز انتشار الدعم السريع منذ بداية الحرب ومدينة أم روابة ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، الأمر الذي يمهد لفك الحصار عن عاصمتها الأبيض. كما استطاع الجيش فك الحصار عن سلاح الإشارة ومقر قيادته العامة وسط العاصمة الخرطوم واستعاد عددا من الجسور الرئيسية.

تغيير ملحوظ

وفي السياق، قال المحلل العسكري حسام ذو النون لـ» القدس العربي» إن المعارك العسكرية ما بين القوات المسلحة السودانية و«الدعم السريع» شهدت تغيراً ملحوظاً منذ نهاية الربع الأخير من العام الماضي، خاصة في ولايات الجزيرة، الخرطوم، شرق النيل وكردفان.
ورأى أن التحول العسكري يعود إلى عدة عوامل وأسباب رئيسية، حيث تمكنت القوات المسلحة السودانية من تنفيذ عمليات عسكرية ناجحة استطاعت عبرها استعادة السيطرة على العديد من المدن والمواقع الاستراتيجية، تضمنت فك الحصار عن مدينة الأبيض، وفتح الطريق ما بين مدينتي الدلنج وكادوقلي، مما يعني فتح خطوط الإمداد لكل هذه المناطق ويمهد الطريق نحو اجتياح دارفور بعد إحكام السيطرة وسط السودان.
وقال إن «تأثير السند والتأييد الذي حظي به الجيش السوداني من قبل قطاع واسع من المواطنين، كان عاملا حاسما زاد من قدراته العملياتية وساهم في استقطاب متطوعين جدد لدعم الجبهات القتال المختلفة مما غير من موازين المعارك بصورة كبيرة».

أمر لا يمكن إغفاله

وأشار إلى أن انحياز القيادي السابق في «الدعم السريع» أبو عاقلة كيكل» للجيش أمر لا يمكن إغفاله، مشيرا إلى أن انشقاق كيكل في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عن «الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش، كان عنصرا ذا أثر كبير في موازين الحرب وساهم بصورة إيجابية في العمليات العسكرية في الجزيرة والبطانة وشرق النيل.
ولفت إلى أن الاستراتيجية العسكرية للقوات المسلحة والخطط التكتيكية التي تم تنفيذها على مدى عام ونصف كانت من «النجاعة والنجاح» حيث عملت على استنزاف قدرات الدعم السريع وقطع خطوط إمدادها في كثير من المناطق والجبهات، مما جعلها جسدا بلا رأس.
وأشار كذلك إلى الدور المحوري الذي لعبه سلاح الطيران منذ أول يوم لاندلاع الحرب، بالإضافة للفعالية والكفاءة التي تحلت بها فرق المسيرات، الأمر الذي مثل عاملا فارقا للحفاظ على سيطرة الجيش وتقدمه، مشيرا إلى أن التفوق الجوي والتسليح النوعي هما حجر الزاوية في «تكسير قدرات الدعم السريع».
في حين قال لخبير العسكري آمين مجذوب لـ« القدس العربي» إن طبيعة المعارك تغيرت من معركة الحصار التي كان يفرضها الدعم السريع على الجيش إلى معركة الدفاع النشط ثم إلى الهجوم والتطهير، وهي عمليات متزامنة قام بها الجيش السوداني ضد «الدعم السريع».
وأضاف: في العاصمة تم فك الحصار عن مقر القيادة العامة للجيش وسلاح المهندسين وسلاح الإشارة، وأصبحت بالتالي هناك حركة ومرونة للقوات المسلحة.
وتابع: «كذلك تم تحرير ولاية الجزيرة وسنجة وسنار ومنطقة شرق النيل وصولا إلى العيلفون وجسر سوبا، وكذلك من ناحية أمدرمان تم فك الحصار عن المناطق المهندسين وصالحة والأجزاء الغربية من أمبدة، وبالتالي نجد أن العاصمة كلها تم تأمينها بصورة كاملة من مدينة بحري ومصفاة الجيلي شمالا وجنوبا حتى سلاح الإشارة» مشيرا إلى أن هذا التغيير مرده إلى «استخدام سياسات عسكرية وتكتيكات يتميز بها الجيش».
وبين أن نقاط قوة الجيش السوداني هي العلمية والمعرفة والقيادة والسيطرة الممتازة وتوفر الإمدادات في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى الروح المعنوية العالية والتفاف المدنيين ووجود القادة وسط جنودهم، تقابل ذلك نقاط ضعف بارزة لقوات الدعم السريع، وهي افتقادهم للقيادة والسيطرة وعدم وجود القادة وسط جنودهم وكذلك فقدانهم السند الشعبي خاصة بعد الانتهاكات الأخيرة التي ارتكبوها ضد المدنيين.
ورأى أن التأثيرات الخارجية والإقليمية كانت جميعها في صالح الحكومة السودانية والجيش وليس في صالح الدعم». وأضاف: «استخدام الإعلام بطريقة خاطئة من جانب الدعم السريع بنشر قصص أحيانا غير حقيقية أدى لنتائج عكسية، في المقابل اعتمد الجيش بث أخباره عبر القنوات الرسمية».

 

مقتل قادة الدعم السريع.. ما وراء العمليات المباغتة؟

البيشي أحد قادة الدعم السريع قُتل بغارة جوية في ولاية سنار جنوب شرقي السودان (مواقع التواصل)

الخرطوم- تعرّضت قوات الدعم السريع في السودان لضربات موجعة، خلال الأسابيع الأخيرة، طالت عددا من قادتها الميدانيين الذين كانوا رأس الرمح منذ بدء معارك أبريل/نيسان 2023 ضد الجيش السوداني.

وتمكن الجيش مؤخراً من تحييد أكثر من 6 قادة بالدعم السريع أبرزهم: مهدي رحمة الشهير بـ”جلحة”، واللواء عبد الله حسين، والعميد الطاهر جاه الله، والقائد الميداني سليم الرشيدي، والقائد الميداني عبد الرحمن قرن شطة.

وسبقهم عدد من القادة الميدانين الذين تعرضوا للقتل منهم: المقدم عبد الرحمن البيشي أبرز القادة المؤثرين داخل الدعم السريع، وعلي يعقوب الذي أوكل إليه مهمة السيطرة على الفاشر، وكذلك اللواء عيسى الضيف.

الصف الأول

وفي بداية الحرب أواسط أبريل/نيسان 2023 كاد الدعم السريع أن يفقد عناصر الصف الأول من قادته الميدانيين حيث سجل مقتل نحو عشرة منهم حينها. ففي اليوم الثالث للحرب تمكن الجيش السوداني من قتل اللواء مضوي حسين ضي النور الذي كان يُعد أبرز سواعد قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

ووفقا لمصدر ميداني تحدث للجزيرة نت، تمكّن الجيش السوداني من تحييد ضي النور، بمنطقة جبرة جنوبي الخرطوم، والذي عمل مديرا لاستخبارات الدعم السريع في وقت سابق وقائدا للقطاع شرق البلاد، وهو واحد من مؤسسي هذه القوات وكان ضمن نواتها الأولى.

ولم يتوقف الأمر عند اللواء ضي النور، بل تمكن الجيش -الأيام الأولى أيضا- من تحييد المقدم موسى قارح قائد قوة العمل الخاص بالدعم السريع، في ضاحية شمبات، طبقا لمصدر في الجيش.

ويُعد قارح من أصلب عناصر الدعم السريع التي كان يعتمد عليها حميدتي في معركته مع الجيش، ويقود قوة من نخبة الدعم، وتمكن الجيش من اصطياده مبكرا وتحييد عدد آخر من العناصر المساندة له.

ولاحقا أيضا، تمكن الجيش من قتل المقدم عبد الرحمن البيشي عبر طلعة جوية طالته أثناء وجوده في بلدة طيبة اللحوين بولاية سنار جنوب شرقي البلاد.

ولعب المقدم البيشي دورا كبيرا في سيطرة الدعم السريع على ولاية الجزيرة، كما تمكن من السيطرة على مقر “الفرقة 17 مشاة” التابعة للجيش بمدينة سنجة وسط البلاد. وتمدد البيشي بقواته إلى تخوم مدينة الدمازين جنوب البلاد، وكان وثيق الصلة بقائد الدعم السريع.

وغربا، تمكّن الجيش والقوة المشتركة المتحالفة من تحييد القائد الميداني الأبرز اللواء علي يعقوب جبريل قائد قوات الدعم السريع وسط دارفور.

وكان اللواء جبريل قد تمكن في وقت سابق من السيطرة على مقر “الفرقة 21 مشاة” التابع للجيش بمدينة زالنجي وسط دارفور، ثم أوكلت له مهمة إسقاط “الفرقة السادسة مشاة” بمدينة الفاشر، قبل أن يتمكن منه قناص يتبع للفرقة ذاتها ويقتله بالمدينة نفسها.

هزائم وتخابر

وتصاعدت استهدافات قادة الدعم السريع بشكل لافت خاصة الآونة الأخيرة، حيث فقدت هذه القوات عددا من قادتها الميدانين في ولايتي الجزيرة والخرطوم.

وخلال الأسبوعين الماضيين، أعلنت قوات الدعم السريع مقتل عدد من القادة الميدانين، منهم مهدي رحمة “جلحة” الذي قاد قوات تعمل كمرتزقة في ليبيا قبل أن يعود إلى السودان ويتحالف مع “الدعم السريع” عبر قوة يطلق عليها “التدخل السريع” تخضع لقيادة حميدتي.

وتبع “جلحة” مقتل العميد الطاهر جاه الله قائد ثانٍ لدى قوات الدعم السريع بولاية الجزيرة (وسط) و3 قادة آخرين. ويوم الأحد، قُتل اللواء عبد الله حسين قائد ميداني بقوات الدعم السريع بالجزيرة، وتمكّن من السيطرة على مقر قوات الاحتياطي المركزي المساندة للجيش جنوب الخرطوم وشن هجمات عنيفة على سلاح المدرعات في أغسطس/آب 2023.

وعقب مقتل هؤلاء القادة بطريقة متسارعة، انتشرت اتهامات واسعة تشير إلى أن عمليات القتل ربما تمت بواسطة أيادٍ داخل قوات الدعم السريع التي يصفها العقيد ركن خالد ميكائيل القائد الميداني بالجيش -في تصريحات للجزيرة نت- بأنها عبارة عن “مليشيات تفتقد الضبط والربط، وليس لهم هدف أو غاية. لذا تنعدم فيهم روح الجندية وتقدير القادة”.

ورجح ميكائيل اغتيال قادة الدعم السريع على يد جنودهم بسبب ما سماه انعدام العقيدة التي توفر الحماية للقيادة “وأن الجند في الدعم السريع لا يعرفون تعليمات القادة”.

وقريبا من ذلك، يقول المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي أسامة عيدروس -للجزيرة نت- إن “الهزائم التي تلاحقت بالدعم السريع دفعت قيادتها للتخلص من بعض القادة الميدانيين بالاغتيال بعد اتهاماتهم المباشرة بالمسؤولية عن الهزيمة والتخابر مع الجيش”.

ويشير عيدروس إلى سبب آخر لاغتيال قادة الدعم السريع تتمثل في الاستحواذ على غنائم النهب والسلب التي حصل عليها القادة خاصة الكميات الضخمة من سبائك الذهب والنقد الأجنبي.

ومن جانب آخر، يقول المحلل السياسي والكاتب الصحفي الغالي شقيفات -للجزيرة نت- إن قادة الدعم الذين قُتلوا مؤخرا لم يتم اغتيالهم بل نالت منهم يد الجيش بعدة طرق. وأضاف أن هؤلاء القادة قتلهم الجيش في معارك ميدانية ولم تتم تصفيتهم على أيدي الدعم السريع.

وأشار شقيفات إلى أن قوات الدعم السريع تمكّنت في وقت سابق من قتل عدد من قادة الجيش “وهو أمر عادي في ظل استمرار المعارك الطاحنة”.

“عمل مشترك”

وهناك ثمة من يفسر مقتل عدد من قادة الدعم السريع الأيام الماضية باعتباره عملا مشتركا بين الجيش وعناصر داخل الدعم السريع.

فيقول ضابط رفيع بالجيش -للجزيرة نت، طالبا حجب اسمه- إن مقتل عدد من قادة الدعم السريع الأيام الماضية “ناتج عن عمل استخباراتي دقيق للجيش عبر توفير معلومات عن تحركات القادة الميدانين قبل أن يتم استهدافهم بواسطة المسيّرات الحديثة للجيش”.

وأضاف أن الدعم السريع يعاني من خلافات داخلية وصلت قمة هرمه حيث توجد خلافات بين حميدتي وشقيقه “القوني” من جهة، والأخ غير الشقيق عبد الرحيم دقلو من جهة أخرى.

ويرى القائد الميداني بالجيش أن خلافات الدعم السريع على مستوى القادة ساهمت في مقتل عدد من القادة الميدانين مؤخرا عبر توفير معلومات للجيش للتخلص من بعض الموالين لحميدتي ويرفضون توجيهات عبد الرحيم دقلو.

مكاسب ميدانية

من ناحية أخرى، يرى محللون أن مقتل عدد من قادة السريع الميدانيين يصب في صالح الجيش السوداني لا سيما أن المستهدفين كانوا ذوي تأثير ونفوذ داخل الدعم السريع.

ويقول العقيد ميكائيل -للجزيرة نت- إن قتل قادة الدعم السريع يصبّ في صالح الجيش ميدانيا، وإن “كثرة الاغتيالات وسط مرتزقة الدعم السريع سيجني ثمارها الجيش ميدانيا”.

بيد أن للمحلل شقيفات، المقرب من الدعم السريع، رأي آخر حيث يقول -للجزيرة نت- إن مقتل قادة بقوات الدعم السريع لا يؤثر ميدانيا، وإن الأخيرة تمتلك عشرات القادة وقادرة على تعويض غياب أو مقتل أي قائد ميداني.

بينما يقول الخبير الإستراتيجي عيدروس إن عمليات الاغتيال التي طالت عددا من قادة الدعم السريع مؤخرا ستجعل هذه القوات أمام 3 خيارات: الهروب أو الاستسلام أو الموت.

المصدر : الجزيرة

أمن الساحل والصحراء في إفريقيا.. تهديد إقليمي وقلق دولي

لا تزال مشكلة الأمن بمنطقة الساحل والصحراء الإفريقية تؤرق بلدان المنطقة والمسؤولين الأمميين، إذ يعتبر عدد ضحايا الإرهاب في منطقة الساحل الأكبر عالميا خلال السنوات الثلاث الماضية.

– مسؤولة أممية: ضحايا الإرهاب في الساحل الأكبر عالميا خلال 3 سنوات
– الاتحاد الإفريقي: أكثر من 3200 هجوم إرهابي و8400 ضحية بالقارة خلال 9 أشهر
– الخبير المغربي محمد الطيار: الحدود الموروثة من الاستعمار من أسباب غياب الأمن

لا تزال مشكلة الأمن بمنطقة الساحل والصحراء الإفريقية تؤرق بلدان المنطقة والمسؤولين الأمميين، إذ يعتبر عدد ضحايا الإرهاب في منطقة الساحل الأكبر عالميا خلال السنوات الثلاث الماضية.

وفي ظل هذه المؤشرات، أعلنت النيجر ومالي وبوركينافاسو في يناير/ كانون الثاني 2025، استعدادها لنشر قوة مشتركة من 5 آلاف جندي لمحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب، وفق وزير الدفاع في النيجر، ساليفو مودي.

ويأتي الإعلان عن هذه القوة في ظل تحذيرات أممية من استفحال الإرهاب بالمنطقة، إذ تبين الأرقام الرسمية أنه على مدى ثلاث سنوات متتالية شكل عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب بالمنطقة أكثر من نصف إجمالي الوفيات المرتبطة بالإرهاب في العالم.

الخبير المغربي المتخصص في الشأن العسكري والأمني محمد الطيار، وصف في حديث للأناضول الوضع في المنطقة بـ”المعضلة الأمنية”.

وأوضح الطيار أن الحدود الموروثة من الاستعمار من أسباب غياب الأمن بالمنطقة، بالإضافة إلى “الفشل في بناء الدولة الوطنية”، و”الصراعات الإقليمية والدولية التي تغذي المعضلة الأمنية بالمنطقة”، على حد تعبيره.

ويشير تعبير “منطقة الساحل والصحراء” إلى الكتلة الجغرافية الممتدة من المحيط الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر شرقا وتضم تلك المنطقة دولاً مثل السنغال وموريتانيا ومالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد والسودان ونيجيريا.

** مؤشرات مقلقة

نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد قالت إن إفريقيا ظلت مركز الإرهاب العالمي مع كون منطقة الساحل بمثابة نقطة البداية لواحدة من أكثر الأزمات وحشية في العالم.

وأشارت إلى أنه على مدى ثلاث سنوات متتالية، شكل عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب في تلك المنطقة أكثر من نصف إجمالي الوفيات المرتبطة بالإرهاب في العالم.

وأضافت المسؤولة الأممية في إحاطة لها بمجلس الأمن في يناير الماضي، أن بوركينا فاسو تتصدر دول العالم في عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب.

وأعلن مركز مكافحة الإرهاب التابع للاتحاد الإفريقي تسجليه أكثر من 3200 هجوم إرهابي و8400 ضحية مدنية بين يناير وسبتمبر/أيلول 2024 بالقارة.

وذكر “الطيار” أن “العمليات التي نفذها تنظيم داعش في غرب إفريقيا هي الأعلى بالمقارنة مع مناطق أخرى، خاصة شمال مالي، فضلا عن كون ضحايا الإرهاب بالمنطقة هو الأعلى دوليا، بحسب إحصاءات رسمية”.

ووصف الوضع الأمني بالمنطقة بـ”المعضلة الأمنية” بسبب عدة عوامل، فضلا عن فشل البعثات الأممية في المنطقة بتحقيق الاستقرار الأمني وفشل التدخل الأجنبي سواء الفرنسي السابق، أو الأمريكي السابق عبر قواعدهما العسكرية في النيجر”.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من النيجر عقب اتفاق بين البلدين أنهى بموجبه اتفاقية تعاون عسكري وقعت عام 2012.

كما تراجع الحضور العسكري الفرنسي في دول الساحل الإفريقي بشكل كبير، حيث انسحبت باريس من بعض الدول وتستعد للخروج من أخرى خلال الأسابيع المقبلة.

وبعد انسحاب فرنسا من مالي والنيجر وبوركينا فاسو غرب إفريقيا قبل أشهر، جدد رئيس السنغال باسيرو ديوماي فاي، في يناير الماضي، دعوته إلى فرنسا لإغلاق قواعدها العسكرية في بلاده.

** الحدود الموروثة من الاستعمار

وأوضح الطيار أن “هناك عدة عوامل أدت إلى غياب الأمن والاستقرار بدول الساحل والصحراء، خاصة في بوركينا فاسو وتشاد والنيجر ومالي، منها الفشل في بناء الدولة الوطنية بسبب عدم مراعاة المجموعات الإثنية والقبلية أثناء ترسيم الحدود”.

ولفت إلى أن” الحدود الموروثة من الاستعمار من أهم أسباب غياب الأمن بالمنطقة”.

وتابع: “ترسيم هذه الحدود من طرف الاستعمار أدى إلى مأزق أمني كبير جدا، وجعل لهذه الدول حدودا متعددة ومتشابكة مع الكثير من الدول من جيرانها. حيث توجد لكل دولة حدود مشتركة مع حوالي 5-6 دول جارة لها، وأقلها بموريتانيا التي لها 4 حدود مع الجزائر ومالي والمغرب والسنغال”.

وأشار إلى أن” ما خططه المستعمر شكل خطرا على دول المنطقة، خاصة أنه لم يراع المجموعات الإثنية والقبلية، حيث أقدم على تقسيم الإثنية الواحدة على عدة دول، مثل الطوارق الموزعون على 4 دول، وهي الجزائر ومالي والنيجر وليبيا”.

ولفت إلى أن “بعض الدول ليست لها سيطرة كاملة على مجمل ترابها، مثل بوركينا فاسو، حيث لا تسيطر الدولة إلا على 30 بالمئة من أراضيها، أما الباقي فتحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي في الصحراء الكبرى، وجماعة إرهابية منتمية لتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى شبكات الجريمة المنظمة”.

وأضاف أن الصراعات الإقليمية والدولية تغذي المعضلة الأمنية بالمنطقة، خاصة أنها تطل على خليج غينيا، وهي منطقة استراتيجية على المستوى الدولي والطاقي، وتحتوي على العديد من الثروات المعدنية والمائية”.

واعتبر أن الصراع على مناجم الذهب من طرف المجموعات الإرهابية والمسلحة والإجرامية، في عدد من البلدان مثل شمال مالي وتشاد والنيجر من أسباب تفاقم المعضلة الأمنية.

** تدابير عسكرية

الدول المشكلة لـ”كونفدرالية دول الساحل” (النيجر ومالي وبوركينافاسو) أعلنت في 22 يناير الماضي، استعدادها لنشر قوة مشتركة من 5 آلاف عسكري لمحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب، وفق وزير الدفاع في النيجر ساليفو مودي.

وأضاف مودي أن هذه القوة ستكون مزودة بقدرات جوية ومعدات، وستعمل في أنحاء الدول الثلاث، موضحاً أن بعض العمليات المشتركة قد جرت بالفعل.

إلا أن الخبير المغربي قلل من أهمية هذه القوة العسكرية في الحد من مؤشرات الجريمة والإرهاب.

وقال: “لا تستطيع هذه القوة الحد من الجريمة المنظمة لكونها أصبحت بنيوية، ويستفيد منها المهربون وزعماء التنظيمات المسلحة ذات المطالب السياسية أو الإرهابية، فضلا عن استفادة بعض المسؤولين أيضا”، على حد تعبيره.

وأوضح أن حشد القوة من الناحية الواقعية صعب جدا، وأن هذا العدد يتطلب مصادر تمويل وتجهيز، ويحتاج انخراط المجتمع الدولي في التمويل والتجهيز.

وفي 17 سبتمبر 2023 وقعت الدول الثلاث “ميثاق ليبتاكو ـ غورما”، المؤسس لتحالف دول الساحل الثلاث، ويهدف إلى إنشاء “هيكلية للدفاع المشترك، والمساعدة (الاقتصادية) المتبادلة”.

وفي يناير 2024، أعلنت الدول الثلاث – تضم نحو 72 مليون نسمة – انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، ودخل القرار حيز التنفيذ في 29 يناير 2025.

وأرجعت انسحابها إلى “الافتقار إلى الدعم الملموس من إيكواس في الحرب ضد الإرهاب” وفرض عقوبات على الحكام العسكريين في مالي‪.

وفي يوليو 2024، أعلنت الدول الثلاث “كونفدرالية دول الساحل”، بهدف التنسيق العسكري والسياسي والاقتصادي، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي قررت توحيد وثائق السفر والهوية في منطقتها المشتركة لضمان حرية تنقل مواطنيها وبضائعهم‪.

وشدد الخبير المغربي على ضرورة إيجاد حل لمشكلة الحدود، خاصة أن الكثير من المجموعات الإثنية والقبلية لا تعترف بالحدود، وبعض القبائل تزعم أحقيتها بأراضي دول أخرى مجاورة، ولا تعترف بالانتماء إلى الدولة الوطنية.

الجيش على بعد أمتار من القصر الرئاسي تزامناً مع استعادة مدينة أم روابة شمال كردفان

الخرطوم- «القدس العربي»: أعلن الجيش السوداني، أمس الخميس، السيطرة على مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، في وقت تقترب قواته من مباني القصر الرئاسي وسط العاصمة الخرطوم. ويأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه المتحدث باسم تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) بكري الجاك أن الموقف الرسمي لـ«تقدم» فك الارتباط عن مكونات التحالف التي شرعت في تشكيل حكومة موازية.
وتربط مدينة أم روابة التي تبعد حوالي 301 كيلومتر عن العاصمة السودانية الخرطوم، مجموعة من المدن الرئيسية عبر طرق حديدية وبرية تربط ولايات غرب السودان وجنوب كردفان بالعاصمة الخرطوم وسط السودان وميناء بورتسودان الواقع شرق البلاد. وتمهد استعادة المدينة الاستراتيجية الطريق لفك الحصار عن مدينتي الأبيض والرهد، فضلاً عن قطع طريق إمداد الدعم السريع القادم من غرب السودان.
وفي العاصمة الخرطوم، استعاد الجيش سوق دردوق وحي العزبة، بينما تمددت قواته في أحياء منطقة أمبدة بمدينة أمدرمان الواقعة غرب العاصمة. وبعد سيطرة الجيش على الناحية الشمالية من جسر المك نمر ومن الناحية الأخرى فك الحصار عن مباني القيادة العامة للجيش واستعادة المقرات الوزارية والمؤسسات وسط الخرطوم، أصبح على بعد أمتار من القصر الرئاسي الذي ظلت تسيطر عليه قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل/ نيسان من العام قبل الماضي.
ومنذ نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، استعاد الجيش السوداني عدداً من المدن والمواقع الاستراتيجية التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع المحكمة، أبرزها مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة التي اجتاحتها الدعم السريع في ديسمبر/ كانون الأول من العام 2023 ومدينة بحري شمال العاصمة الخرطوم التي مثلت أبرز مراكز انتشار الدعم السريع منذ بداية الحرب. كما استطاع الجيش فك الحصار عن سلاح الإشارة ومقر قيادته العامة وسط العاصمة الخرطوم.
أما تصريحات تقدم، فتأتي في وقت تمضي مجموعة من مكونات التنسيقية في خطوات تشكيل حكومة موازية للحكومة في العاصمة الإدارية بورتسودان التي يتزعمها قادة الجيش السوداني.
ولفت الجاك إلى أن اجتماع الهيئة القيادية لـ«تقدم»، الذي اختُتمت أعماله في مدينة عنتيبي الأوغندية في 6 ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، ناقش مقترح تشكيل حكومة الذي قدمته مجموعة داخل الهيئة القيادية، ولم يحدث توافق حول المقترح داخلها.
وبناء على ذلك قرر الاجتماع إحالة قضية منازعة الشرعية وقضايا أخرى إلى الآلية السياسية، التي عقدت عدة اجتماعات وأصدرت توصيات أُحيلت إلى الأمانة العامة والهيئة القيادية للتنسيقية.
وتوافقت الآلية السياسية في آخر اجتماع لها على فك الارتباط بين الكيانات والأفراد الذين يصرون على المضي في تشكيل الحكومة، وبين الكيانات والأفراد المتمسكين بعدم تشكيل أي حكومة بصورة منفردة أو مع أي من أطراف القتال.
وحسب الجاك، تشكلت لجنة للتوصل إلى صيغة فك الارتباط بما يعظم المتفق عليه بين الطرفين، ليعمل كل منهما بصورة مستقلة سياسياً وتنظيمياً عن الآخر، مع كامل التقدير للخيارات المختلفة التي بنيت على حيثيات مفهومة لكل طرف. وقطع بأن واقع الحال يقول بأن هذه الخيارات لا يمكن أن تتعايش داخل تحالف واحد رافض للحرب وغير منحاز لأي من أطرافها، مشيراً إلى استشعار التنسيقية لأثر الحرب البالغ في دفع الجميع نحو الاستقطاب والانقسام.
وقال إن «تنسيقية القوى الديمقراطية المدينة (تقدم) ستظل غير منحازة لأي طرف من أطراف الحرب، ولا تعترف بشرعية السلطة في بورتسودان أو أي سلطة أخرى». وجدد رفضهم للحرب والعنف كوسيلة لإدارة الصراع السياسي في البلاد، مشيراً إلى مواصلتهم العمل على بناء جبهة مدنية رافضة للحرب ومؤمنة بوحدة البلاد.
وأضاف: «سنعمل على المساهمة في إيقاف الحرب عبر العمل الجماهيري والدبلوماسي، بالإضافة إلى العمل على إنهاء الحرب عبر حوار شامل لكل القوى الفاعلة، يُؤسس على مشروع متكامل للعدالة والعدالة الانتقالية، ورؤية شاملة للتعافي الاجتماعي من أجل رتق النسيج الاجتماعي ومجابهة مخلفات الحرب الاجتماعية والسياسية من انقسام واستقطاب».
وشهد اجتماع التنسيقية الأخير في» عنتيبي» تبايناً في مواقف معظم الأحزاب السياسية من جهة والحركات المسلحة وبعض الأفراد في التنسيقية من جهة أخرى بخصوص تشكيل حكومة موازية لحكومة « بورتسودان»، حيث دعا البعض إلى تشكيل حكومة منفى وآخرين إلى تكوين حكومة تسيير أعمال في مناطق سيطرة الدعم السريع، الأمر الذي رفضه قادة الأحزاب مشددين على أن الخطوة قد تقود إلى تداعيات خطيرة أبرزها تقسيم البلاد. وأكد رئيس الجبهة الثورية، زعيم حركة جيش تحرير السودان المجلس الانتقالي «الهادي إدريس»، تمسكهم بتشكيل حكومة مدنية في السودان، بهدف انتزاع الشرعية من حكومة «بورتسودان».
وقال إدريس الذي يشغل منصب نائب رئيس «تقدم» إن الغرض من تشكيل الحكومة هو قطع الطريق أمام خطط «أنصار النظام السابق» الرامية لتقسيم البلاد، وإجبار الجيش على القبول بمفاوضات لوقف الحرب.
وأشار إلى أن نقاشات جارية مع قوى سياسية خارج التنسيقية بهدف تشكيل حكومة موازية للسلطة الحالية التي يترأسها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
وتلاحق قادة الحركات المسلحة، والأحزاب الداعية إلى تشكيل حكومة موازية، اتهامات بموالاة قوات الدعم السريع، والسعي إلى تشكيل حكومة تقول إنها «مدنية» تهدف إلى نزع الشرعية عن الحكومة في بورتسودان.
ويقود تلك التحركات العضوان السابقان في المجلس السيادي السوداني الهادي إدريس والطاهر حجر اللذان يتزعمان حركة تحرير السودان المجلس الانتقالي وتجمع قوى تحرير السودان بالإضافة إلى سليمان صندل الذي يقود مجموعة منشقة من حركة العدل والمساواة التي تقاتل إلى جانب الجيش ضمن تحالف القوة المشتركة للحركات المسلحة ضمن قادة سياسيين آخرين.
وتشكلت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية « تقدم» في أكتوبر/ تشرين الأول من العام قبل الماضي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، برئاسة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك. وأعلنت رفض الحرب ودعت الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى التفاوض من أجل الاتفاق على صيغة لحماية المدنيين ووقف إطلاق النار وصولاً إلى تسوية سياسية لإنهاء الحرب

استعادة “ود مدني”.. هل تسهل مهمة الجيش السوداني بالخرطوم

** الخبير الاستراتيجي أسامة محمد أحمد للأناضول:
– السيطرة على ود مدني ستسهم في تسهيل عمليات الجيش العسكرية في الخرطوم نظرا لقرب المسافة بين المدينتين
– تمركز الطيران المروحي التابعة للجيش في ود مدني سيتيح إسنادا سريعا للقوات البرية في معارك الخرطوم
– هذا الانتصار العسكري للجيش سيؤدي إلى انهيار معنويات قوات الدعم السريع وتتبع فلولها التي فرت شمالا وغربا
** تكمن أهمية السيطرة على ود مدني أيضا بموقعها الاستراتيجي حيث تتوسط البلاد ما يجعلها حلقة وصل حيوية بين مختلف ولايات البلاد

يحمل دخول الجيش السوداني، السبت، مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة (وسط) بعد نحو عام من فقدانها لصالح قوات “الدعم السريع”، مكاسب عسكرية عديدة، وفق مراقبين.

إذ تتعزز بهذه الخطوة قبضة الجيش على مدينة استراتيجية تُعتبر حلقة وصل بين مختلف مناطق البلاد، فضلا عن أن تواجده بها قد يسهل من مهمته في إحكام قبضته على العاصمة الخرطوم، التي تحاذيها من الجنوب، وطرد “الدعم السريع” منها.

وفي وقت سابق السبت، أعلن الجيش، في بيان، دخول ود مدني، ومواصلة قواته العمل على “تطهير جيوب المتمردين” داخل المدينة، مشيدا بتقدم القوات المسلحة والقوات المساندة لها في مختلف المحاور.

وفي أول تعليق له على استعادة ود مدني، تعهد رئيس مجلس السيادة بالسودان عبد الفتاح البرهان، أن يسترد الجيش “كل شبر” في البلاد سيطرت عليه قوات الدعم السريع.

في المقابل، قال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أول تعليق له على سيطرة الجيش السوداني على ود مدني: “الحرب كر وفر، والحرب جولات. اليوم خسرنا جولة، لكننا لم نخسر المعركة”.

وفي تسجيل صوتي، أكد حميدتي تصميمه على مواصلة القتال، قائلا: “نحن نقاتلهم (الجيش) منذ 21 شهرًا، وسنقاتلهم لـ21 عاما”.

** مكاسب عسكرية

ومعلقا على هذه التطورات العسكرية، قال الخبير الاستراتيجي السوداني اللواء المتقاعد أسامة محمد أحمد، في حديث للأناضول: “دخول الجيش لود مدني، جاء نتيجة خطط عسكرية محكمة وُضعت منذ وقت مبكر، ونُفذت عبر 4 محاور عسكرية”.

وأوضح اللواء المتقاعد أحمد، أن دخول ود مدني لم يكن عملية عسكرية منعزلة جرت اليوم فقط، وإنما ساهم فيها العمليات العسكرية الأخيرة للجيش، التي تمكن عبرها من تحرير مدن بمحيطها في ولاية سنار (جنوب الجزيرة) وغيرها.

وأضاف: “جميع هذه المعارك تصب في صالح تحرير ولاية الجزيرة”.

واعتبر الخبير الاستراتيجي أن استعادة السيطرة على ود مدني تحمل مكاسب عسكرية عديدة للجيش.

وفي هذا الصدد، أشار إلى أن هذا الانتصار العسكري للجيش سيؤدي إلى انهيار معنويات قوات الدعم السريع، وستتبع فلولها التي فرت شمالا وغربا.

كما رأى الخبير الاستراتيجي أن السيطرة على ود مدني ستسهم في تسهيل العمليات العسكرية بالخرطوم، نظرا لقرب المسافة بين المدينتين.

وأوضح أن تمركز الطيران المروحي في ود مدني سيتيح إسنادا سريعا للقوات البرية في معارك الخرطوم.

وأردف: “بذلك يمكن للجيش استكمال مراحل التحرير عبر استثمار هذا الانتصار في عملياته القادمة”.

وتتكون الخرطوم باعتبارها عاصمة السودان من 3 مدن هي الخرطوم (جنوب شرق) وبحري (شمال شرق) وأم درمان (غرب) وترتبط فيما بينها بجسور على نهري النيل الأزرق والنيل الأبيض.

وحاليا، يسيطر الجيش السوداني على معظم أجزاء أم درمان، باستثناء مناطق محدودة جنوب وغرب المدينة لا تزال تحت قبضة قوات “الدعم السريع”.

وفي بحري، يُحكم الجيش قبضته على شمال المدينة، باستثناء مصفاة الجيلي التي تسيطر عليها قوات “الدعم السريع”، بالإضافة إلى أجزاء من شمال وشرق المدينة.

وفي الخرطوم، يسيطر الجيش يسيطر الجيش على منطقة المقرن، إضافة إلى مقار عسكرية مهمة مثل القيادة العامة ومقر سلاح المدرعات، والأحياء المحيطة بها مثل اللاماب، الشجرة، وجزء من منطقة جبرة.

أما قوات “الدعم السريع”، فتسيطر على وسط الخرطوم، بما في ذلك القصر الرئاسي، وأحياء في جنوب وشرق المدينة.

** موقع استراتيجي

أيضا تكمن أهمية السيطرة على ود مدني في موقعها الاستراتيجي حيث تتوسط البلاد، ما يجعلها حلقة وصل حيوية بين مختلف ولايات البلاد، وفق مراقبين.

إذ تربط هذه المدينة بين ولايات سنار والنيل الأزرق جنوبا، والقضارف وكسلا وبورتسودان شرقا، والنيل الأبيض وكردفان ودارفور غربًا، بالإضافة إلى نهر النيل والشمالية والخرطوم شمالا.

كما تُعتبر ود مدني مركزا اقتصاديا مهما بفضل احتضانها لمشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي في إفريقيا، والذي يمتد على مساحة 2.2 مليون فدان.

** تغير بمعادلة السيطرة

وبعد سيطرة الجيش السوداني على مدينة ود مدني والمدن والقرى المحيطة بها، بسط نفوذه على معظم أجزاء شرق وجنوب وغرب ولاية الجزيرة، وفق مراسل الأناضول.

في المقابل، تراجعت قوات “الدعم السريع” إلى مناطق محدودة، أبرزها مدن الحصاحيصا، الكاملين، وجياد، إضافة إلى بعض البلدات في وسط وشمالي الجزيرة.

** تهاني بالنصر واحتفالات

يأتي فيما صدرت تهاني بالنصر من مسؤولين سودانيين، وسجلت أجواء احتفالية بمناطق في البلاد.

حيث هنأ عضو مجلس السيادة عبدالله يحيى، الشعب بالنصر في ود مدني، واصفا تحريرها بأنه “ضربة البداية”، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السودانية.

وأضاف: “هذه بداية لانتصارات قادمة وسحق لأعداء الشعب من المليشيا (الدعم السريع) ومرتزقتها. والكل يستعد الآن لتحرير بقية مدن السودان”.

من جانبها، هنأت وزارة الخارجية السودانية الجيش والشعب باستعادة ود مدني، ووصفت في بيانها معركة استعادتها بأنها “ملحمة ملهمة في الوحدة الوطنية وتلاحم الجيش والشعب”.

في الإطار ذاته، شهدت عدة مدن مسيرات فرحا واحتفالا باستعادة الجيش السيطرة على ود مدني، وفق مراسل الأناضول.

إذ شارك الآلاف في احتفالات بالمدن الكبرى، منها سنجة، الأبيض (جنوب)، شندي، مروي، أبو حمد، عطبرة، دنقلا، حلفا (شمال)، بورتسودان، كسلا، القضارف، والفاو (شرق).

كما وثق ناشطون عبر فيديوهات احتفالات لسودانيين في الخارج، خاصة في السعودية ومصر.

ومنذ منتصف أبريل/ نيسان 2023، يخوض الجيش السوداني بقيادة البرهان، وقوات “الدعم السريع” بقيادة “حميدتي”، حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل وما يزيد على 14 مليون نازح ولاجئ، وفق تقديرات الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما يؤكد بحث لجامعات أمريكية أن إجمالي القتلى يصل إلى نحو 130 ألف شخص قتلوا بشكل مباشر وغير مباشر.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب بما يجنب السودان كارثة إنسانية بدأت تدفع ملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال الذي امتد إلى 13 ولاية من أصل 18.

انتخابات تشاد.. امتحان الديمقراطية في منطقة متقلبة

** من المرتقب في 15 يناير/ كانون الثاني الجاري إعلان النتائج الأولية لأول انتخابات برلمانية تشهدها تشاد منذ 13 عاما
** هذه الانتخابات تمثل اختبارا للديمقراطية في منطقة تتسم بانقلابات عسكرية وصراعات دولية على النفوذ وفي دولة فاز برئاستها رئيس المجلس العسكري الانتقالي ليخلف والده الذي استمر في السلطة أكثر من 3 عقود
** محمد إدريس ديبي عقب فوزه بالرئاسة: بلادنا أجرت كل الانتخابات حسب أسس الحوار الوطني الشامل والسيادي وتطوي صفحة انتقال سياسي شامل وتوافقي ونموذجي في سلام وهدوء ووحدة
** الباحث في الشؤون الإفريقية مصطفى بنموسى:
– توجد مخاوف من حدوث تلاعب أو تزوير ما يؤشر على أزمة ثقة كبيرة بين الحكومة والمعارضة ويدفع باحتمال حدوث احتجاجات على نتائج الانتخابات المتوقع أن تكرس استمرار قبضة العسكر على الحكم
– نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب حوارا وطنيا ووصول العسكر للحكم يشكل تهديدا كبيرا للديمقراطية إذ يعني تقليص دور المؤسسات الديمقراطية مثل القضاء والبرلمان المستقبل وغياب التعددية السياسية

يترقب التشاديون إعلان النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية في 15 يناير/ كانون الثاني الجاري، وهو استحقاق يمثل اختبارا للديمقراطية في منطقة إفريقية متقلبة.

وفي 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي نظمت تشاد أول انتخابات برلمانية منذ 13 عاما، في ظل تحديات داخلية وخارجية، مرتبطة بمقاطعة المعارضة وصعوبة الانتقال الديمقراطي في دول المنطقة.

داخليا، يبدي مراقبون تخوفهم من أن عزوف الناخبين ومقاطعة المعارضة واحتمال التزوير، في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، يجعل البلاد أمام إكراهات كثيرة لتجاوز الامتحان الديمقراطي.

خارجيا، تلقي الانقلابات العسكرية التي عرفتها دول المنطقة بظلالها على تشاد، الدولة الواقعة في وسط إفريقيا ويتجاوز عدد سكانها 19 مليون نسمة.

وتريد تشاد نفسها إنهاء مرحلة انتقالية من حكم عسكري، بالتزامن مع دخول فاعلين دوليين جدد إلى المنطقة، مثل الصين وروسيا، مقابل تراجع نفوذ فرنسا.

يضاف إلى ذلك التوتر بين المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) و”كونفدرالية دول الساحل” التي تضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، على خلفية انقلابات عسكرية شهدتها الدول الثلاث.

وتحدث باحث في الشؤون الإفريقية للأناضول عن مخاوف من تلاعب في انتخابات تشاد، ما ينذر باحتجاجات على النتائج، معتبرا أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب حوارا وطنيا واستفتاء دستوريا وانتخابات نزيهة.

ورأى أن وصول العسكر للحكم يشكل تهديدا كبيرا للديمقراطية على المدى البعيد، إذ يعني تقليص دور المؤسسات الديمقراطية، مثل البرلمان والقضاء، وغياب التعددية السياسية.

** انتخابات ومقاطعة

في 29 ديسمبر/ كانون الأول الماضي دُعي 8 ملايين ناخب لاختيار النواب الـ188 في الجمعية الوطنية، وذلك في أول انتخابات برلمانية منذ عام 2011.

وجاءت الانتخابات بعد فوز محمد إدريس ديبي، الذي عيَّنه الجيش على رأس الحكم لقيادة المرحلة الانتقالية، في انتخابات رئاسية في مايو/أيار الماضي بعد 3 سنوات من الحكم العسكري.

وأظهرت النتائج حصول ديبي على 61 بالمئة من الأصوات، بينما حصل مرشح المعارضة الرئيسي، رئيس الحكومة الانتقالية سوسيس ماسرا، على 18.5 بالمئة، وطعن على النتائج، لكن طعنه رُفض.

واستولى ديبي على السلطة عام 2021، إثر مقتل والده إدريس ديبي خلال قتال مع المتمردين في أبريل/نيسان من العام نفسه، بعد أكثر من 30 عاما في السلطة.

وقاطعت أحزاب في المعارضة الانتخابات البرلمانية، وبينها حزب “المحولون” بقيادة زعيم المعارضة ماسرا، ومن المنتظر إعلان النتائج الأولية في 15 يناير/ كانون الثاني الجاري والنهائية بحلول 31 من الشهر ذاته.

** أزمة ثقة

وقال الباحث المغربي في الشؤون الإفريقية مصطفى بنموسى للأناضول إن “الانتخابات أُجريت في ظل ضعف الحماس الشعبي ودعوات للمقاطعة من أحزاب المعارضة”.

وأضاف أن هذا الوضع “يفسر انخفاض الإقبال على صناديق الاقتراع، حيث بلغت نسبة التصويت 38 بالمائة”.

وتابع: “هناك مخاوف من إمكانية حدوث تلاعب أو تزوير، وهذه الاتهامات تؤشر على أزمة ثقة كبيرة بين الحكومة والقوى السياسية المعارضة”.

وهو “ما يدفع في اتجاه احتمال حدوث احتجاجات بعد إعلان النتائج، ومن المتوقع أن تكرس الانتخابات استمرار قبضة العسكر على الحكم”.

وفيما يتعلق بتدبير المرحلة الانتقالية، قال بموسى إن “اتفاق الدوحة للسلام والحوار الوطني الشامل حدد محطات لتدبير المرحلة الانتقالية”.

وأشار إلى أنها بدأت بإجراء استفتاء على الدستور في 16 و17 ديسمبر/ كانون الأول 2023، وانتخابات رئاسية في 6 مايو/ أيار 2024.

ولفت إلى أنه “فاز بها رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد إدريس ديبي، ما أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية المحلية والدولية”.

وفي أغسطس/ آب 2022، وقَّعت الأطراف التشادية “اتفاقية الدوحة للسلام”، تتويجا لمفاوضات استضافتها قطر بين مجموعات تشادية والمجلس العسكري الانتقالي الحاكم، بمشاركة إقليمية ودولية.

وتمهد الاتفاقية لحوار وطني شامل في العاصمة التشادية إنجامينا بهدف تحقيق مصالحة وطنية شاملة.

** المرحلة الانتقالية

بنموسى يرى أن “نجاح المرحلة الانتقالية في تشاد، على غرار تجربة دولة جنوب إفريقيا، ينبغي أن ينطلق من التزام السلطات الانتقالية بإجراء حوار وطني شامل يضم جميع القوى السياسية وبينها المعارضة”.

وأردف: وكذلك “التوافق على المسألة الدستورية عبر استفتاء دستوري يواكبه انخراط شعبي في صناعة التحول ومتابعته”.

واستطرد: “يليه تنظيم انتخابات عامة شفافة ونزيهة تفضي لاختيار حكومة وحدة وطنية مسؤولة. كل هذه الإجراءات مطلوبة من خلال اعتماد المقاربة الجماعية في التغيير وفق منطق التوافق لا التنافس بين جميع القوى”.

و”في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها تشاد ودول المنطقة، خاصة دول الساحل والصحراء، يتضح أن التأسيس للديمقراطية يتطلب رؤية استراتيجية شاملة”، وفق بنموسى.

وأوضح أن هذه الرؤية “ترتكز على إجراء إصلاحات سياسية ودستورية عبر تحديث الدساتير الوطنية، لتوفير إطار قانوني يضمن فصل السلطات، ويعزز من استقلالية القضاء، ويحقق العدالة الاجتماعية، ويرسخ مبادئ حقوق الإنسان”.

ورأى أنه في “تشاد خاصة يعتبر التفاعل بين المجلس العسكري الحاكم والأطراف السياسية المعارضة أمرا ملحا، فالتغيير يبدأ من الداخل، دون إغفال الدعم الإقليمي والدولي الذي يبقى عنصرا حاسما لتحقيق هذه الأهداف وتوفير بيئة ديمقراطية”.

وعقب انتخابه، اعتبر ديبي في خطاب متلفز أن تشاد أجرت كل الانتخابات حسب “أسس الحوار الوطني الشامل والسيادي”.

وأضاف أن بلاده “تطوي صفحة انتقال سياسي شامل وتوافقي ونموذجي في سلام وهدوء ووحدة”.

** العسكر والديمقراطية

وأجرت تشاد انتخاباتها في منطقة تعرف حكم العسكر، خاصة بعد الانقلابات العسكرية في مالي عام 2020 وبوركينا فاسو في 2022 والنيجر عام 2023.

وقال بنموسى: “بناء على التجارب الدولية، فإن وصول العسكر للحكم يشكل تهديدا كبيرا للديمقراطية على المدى الطويل”.

وأرجع ذلك إلى أنه “عادة ما يحكم العسكريون بالقوة، ما يعني تقليص دور المؤسسات الديمقراطية، مثل البرلمان والقضاء المستقل، وغياب التعددية السياسية، وإطالة أمد عدم الاستقرار”.

وزاد بأن “حكم العسكر يؤدي إلى تآكل الحقوق الأساسية للمواطن وقمع الحريات العامة وإضعاف فرص الوصول إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية”.

و”في تشاد، مثل غيرها من الدول التي شهدت حكومات عسكرية، غالبا ما يؤدي هذا النوع من الحكم إلى تمركز السلطة بيد القادة العسكريين، مما يجعلهم بعيدين عن المساءلة ويقوض المسار الديمقراطي برمته”، كما أردف بنموسى.

** تحديات خارجية

ولم تشهد تشاد، الدولة المصدرة للنفط، انتقالا ديمقراطيا للسلطة منذ أن أصبحت مستقلة في عام 1960، بعد عقود من الاستعمار الفرنسي.

وجاءت انتخابات تشاد البرلمانية في ظل تحديات كبيرة تواجهها البلاد، مثل توترات المنطقة التي تشهد صراعا دوليا على النفوذ، يتسم حاليا بتراجع نفوذ فرنسا، مقابل صعود نفود دول منها الصين وروسيا.

وجراء الحرب في السودان منذ أبريل/ نيسان 2023 بين الجيش وقوات “الدعم السريع” شبه العسكرية، تستضيف الجارة تشاد أكثر من 600 ألف لاجئ فروا من هذه الحرب، وفق الأمم المتحدة في مايو/ أيار الماضي.

كما تعرف العديد من دول الساحل والصحراء تحديات أمنية وسياسية، تنعكس على مستوى التنمية من جهة وعلى التنسيق بين دولها من جهة ثانية.

وشهد العام الماضي معارك وصراعات بين الجيش التشادي وجماعة “بوكو حرام”، إضافة إلى انهيار اتفاق سلام في مالي جرى توقيعه عام 2015 بين الحكومة و”الطوارق”.

مخاطر وقيود على الحركة والتنقل بسبب الحرب واقعاً مأساوياً على المدنيين

الخرطوم ـ «القدس العربي»: أفرزت الحرب في السودان واقعاً مأساوية على المدنيين الذين ظلوا لأكثر من 20 شهراً يرزحون في ظروف معقدة تستعصي معها حتى إمكانية النجاة بسلام عبر طرق الفرار من مناطق القتال المستعرة وحرية التنقل بين نقاط سيطرة الأطراف المتقاتلة.

ولعل من أبرز تداعيات النزاع المسلح المحتدم في السودان هي اقتطاع كل طرف من أطراف النزاع رقعة جغرافية بالقوة المادية، وفرض قيود وقوانين على حركة المدنيين وتنقلهم في بلدهم.
«القدس العربي» وثقت العشرات من وقائع تقييد حرية التنقل تعرض لها المدنيون من قبل أطراف النزاع في مختلف ولايات البلاد.
ويجابه غالبية المواطنين المتنقلين بين المناطق المختلفة مصاعب جمة في التحرك من منطقة إلى أخرى في ظل حالة اشتباه عام تلاحق أي شخص من قبل أي طرف عسكري بالتعاون مع الطرف الثاني ما يعرض المواطنين على الدوام للمساءلة والتفتيش والاعتقال والنهب.
ويذكر أن حرية التنقل حق مكفول في القوانين الدولية التي تمنع تقييد حرية السفر والإقامة والعمل في أي مكان يرغب فيه المدنيين دون حرمان من مغادرة منطقة أو العود لها في أي وقت.
وأدت الحرب إلى حركة نزوح واسعة، وحسب قول الأمم المتحدة، أن أعداد النازحين واللاجئين في السودان بسبب الحرب تزايدت بشكل غير مسبوق حيث وصلت أعداد النازحين إلى أكثر من 10 مليون شخص بالإضافة إلى 2.3 مليون لاجئ خارج البلاد في ظل وضع إنساني وصل إلى نقطة الانهيار.

اختطاف وطلب فدية وحالات اشتباه

تمتد ارتكازات الدعم السريع بكثافة في المناطق التي استولت عليها، في حين تنتشر القوات النظامية في المناطق الأخرى خاصة مداخل المدن. يخضع الطرفين، المدنيين بصورة انتقائية أو شاملة لعمليات تفتيش متواصلة، تشمل حتى الهواتف الشخصية.
ويلاحظ ارتفاع وتيرة العنف والنهب في ارتكازات الدعم السريع، بينما تتسع دائرة الشك لدى القوات النظامية في مواجهة كل القادمين من العدو حسب تصنيفها إلى المناطق الآمنة نسبياً التي تتواجد فيها.
ويوم الجمعة كشف مؤتمر الجزيرة – كيان حقوقي لرصد الانتهاكات – عن خطف الدعم السريع، «حافلتين» تقلان عائلات من ودمدني معظمهم من النساء والأطفال كانتا في طريقهما للخروج من المدينة إلى ولاية سنار.
ووفقاً لبيان المؤتمر، اقتادت الدعم السريع العائلات إلى منتجع الكاسح جنوب المدينة وطالبت بدفع 50 مليون جنيه نظير إطلاق الفرد الواحد.
بالموازة، انتشر مقطع فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي، الجمعة كذلك، يظهر سيدة تُدعى رحاب بشير، ويبدو أنها في قبضة أحد أفراد السلطات الأمنية بإحدى نقاط التفتيش، كان يسألها العسكري عن أسباب بقائها حتى الآن في مناطق الدعم السريع متهماً إليها بالتعاون معها، في وقت كانت هي تنفي وعلامات الخوف ترتسم على وجهها، وتقول إنها لم يكن لديها تكلفة الخروج.
ورغم تداول المقطع بصورة واسعة إلا أن السلطات الأمنية لم تعلق على الواقعة بينما أكد الكثير من المتفاعلين تعرضهم لتوقيف واتهامات مشابهة أثناء خروجهم من مناطق النزاع.

اغتيال واعتقال وسطو

قال المواطن خالد العمدة: «في نيسان/ابريل الماضي قررت العودة من مدينة الدامر إلى منزلي بمنطقة الحاج يوسف، شرقي الخرطوم، عندما وصلت إلى نقطة تفيش في محطة 24 تم إنزالي من الباص السفري من قبل قوات حميدتي بتهمة الاشتباه بانتمائي للاستخبارات العسكرية التابعة للجيش».
وأضاف العمدة: «منبع الاشتباه هو بسبب انتمائي اثنياً لبعض القبائل في شمال السودان، بعد إنزالي قاموا مباشرة بعمليات تفتيش وضرب عنيف دون أي مقدمات كما قام عناصر الدعم السريع بنهب هاتفي والنقود التي كانت بحوذتي، بعد الضرب المبرح قادوني معصوب العينين لأحد المنزل المستخدمة مراكزاً للاعتقال».
وأردف: «كان يوجد هناك ضابط برتبة رفيع يتبع للدعم السريع خاطبني بحسم بالاعتراف بتبعيتي للاستخبارات وبعد أن اكد له بعدم وجود أي صلة لي بالعمل بالحكومة أمر جنوده بإدعائي في الغرفة المخصصة للحجز».
وزاد: «مكثت في ذاك المعتقل 14 يوما لم تجر معي أي تحقيقات إضافية، كان المكان يضم معتقلين آخرين بعضهم تعرض للتعذيب العنيف، يوم إطلاق سراحي حظر ضابط آخر وقام بتوجيه بعض الأسئلة والتهديد بعدم قيام نشاط معادي قبل أن يأمر الجنود بعصب عيني مرة أخرى والذهاب بي إلى الشارع الرئيسي وتركي هناك».
أما المواطن، مهند محجوب ـ من سكان ودراوة شرق الجزيرة، قال: «هاجم الدعم السريع منطقتنا اضطرتنا القدوم إلى أم ضوبان في شرق النيل بالخرطوم وحين ساءت الأحوال قررنا المغادرة نحو مدينة شندي عبر الطريق الخلوي، لكن صادفنا أثناء رحلتنا ارتكاز للدعم السريع قبل الوصول إلى منطقة أبودليق طالبنا مباشرة أحد الجنود وهو يلوح بسلاحه بالنزول من عربة النقل التي كنا نصعد فيها قبل أن يقودنا ويتركنا في العراء».
أفاد محجوب عن تعرض أثنين من أقاربه للقتل في ذات الطريق من قبل الدعم السريع، واحد بسبب اتهامه بالانتماء للقوات النظامية والآخر بهدف نهب عربته «البوكس».

نساء في قائمة الضحايا

ميساء أبو القاسم ـ من سكان منطقة سوبا شرق ـ قالت لـ«القدس العربي» إنها خرجت من منزلها مع أخواتها ووالدتها بعد دخول المنطقة حيز العمليات العسكرية وقصف الطيران لبعض المواقع هناك أواخر كانون الأول/ديسمبر مشيرة إلى أنها حين وصلت ارتكازات الدعم السريع تعرضت لتفتيش دقيق من قبل بعض النسوة التي كن يعملن إلى قوات حميدتي.
أشارت أبو القاسم، إلى أنه في إحدى الارتكازات صعد جندي يتبع لـ«حميدتي» وقام بتوجيه السلاح نحو الركاب وقال لهم أنه يمكن أن يقتلهم جميعهم إذا أشار إليه مزاجه بذلك وأطلق تهديدات وإساءات قبل أن يأخذ أتاوة من سائق العربة.
معاناة ميساء لم تنته عند عبور ارتكازات الدعم السريع بل استمرت حتى في نقاط تفتيش الجيش نواحي مدينة شندي، إذ قالت: «حين وصلنا شندي أوقفنا الجنود هناك لساعات طويلة قام بتفتشنا، كانوا يسألون لماذا مكثنا كل فترة الحرب في مناطق الدعم السريع ويتهمون أحياناً بالتعاون معهم».
في الـ18 أيلول/سبتمبر العام الماضي، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي السوداني بحادثة تعرضت لها إحدى الموظفات في مصفاة الجيلي لعملية نهب في نقطة تفتيش مدينة عطبرة عقب خروجها من الخرطوم، قالت الموظفة آمنة محمد عزاز، عبر منشور تم تداول بكثافة آنذاك: «نهبت على مرحلتين الأولى في منطقة أم كتي: التي تتبع لمنطقة وادي سيدنا العسكرية والثانية عند مدخل مدينة عطبرة».
وأوضحت أنه كان بحوزتها مبلغ أكثر من 5 ألف دولار وعند تفتيشها في منطقة أم كتي نهبت نحو 200 دولار دون علمها أثناء عملية التفتيش، وعندما وصلت مدخل مدينة عطبرة تم استدعائها بالأسم دون أي شخص وتم تفتيشها وسؤالها عند مصدر الأموال التي أخذها أحدهم وتوارى عن الأنظار.
قالت الموظفة آمنة، إن عناصر التفتيش قالوا لها أن الشخص الذي أخذ منها المال لا يعمل معهم مشيرة إلى تعرضها لأبشع أنواع العنف اللفظي بعد ذلك. سارعت شرطة ولاية نهر النيل وقتها، نشر توضيح حول الحادثة، أكدت خلاله أنها شرعت فوراً تقصي الحقائق وجمع المعلومات واتخاذ الخطوات اللازمة فيما يتعلق بدعوى الشاكية لكنها تتمسك بنفي صلتها بالشخص الذي قام بتسليمه المال.
ويبدو أن جرائم النهب هي القدر الأخف مقارنة مع حالات الاعتقال والاختفاء الرائجة وسط المتنقلين بين مناطق أطراف النزاع في السودان.
ووثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أحداثا مؤسفة عقب حملات الدعم السريع الانتقامية في عدد من قرى الجزيرة رداً على إنضمام قائدها أبوعاقلة كيكل للجيش.
وأوردت المنظمة العديد من الانتهاكات من ضمنها تعرض حسن (51 عاما)، الذي لم يُستخدم اسمه كاملا لحمايته، وتقول قصته أنه فر من السريحة في 22 تشرين الأول/اكتوبر مع زوجته وبناته الثلاث. أوقفتهم قوات الدعم السريع عند نقطة تفتيش: «نظر أحد جنود الدعم السريع إلى ابنتي الصغرى، سنها 15، وقال: اتركها هنا كي نستمتع بها، ويمكنكم الذهاب. وبدأوا يطلقون تعليقات جنسية متعلقة بابنتي». لكن في الأخير تمكن حسن وعائلته من الفرار.
«هيومن رايتس ووتش» وثقت أيضا في آخر تقرير لها في كانون الأول/ديسمبر الماضي، جرائم عنف جنسي وعبودية مروعة في مناطق بإقليم جنوب كردفان.
وذكر التقرير حكاية هبة (22 عاما) التي فرّت من منزلها في كادقلي، التي اجتاحها القتال أيضا، أواخر العام 2023. ولفت التقرير إلى أنها بينما كانت عائلتها تمر عبر ضواحي بلدة قريبة، اقترب منهم أفراد قوات الدعم السريع بزيهم الرسمي وأجبروهم على الركوع على الأرض، ثم أمروا الأسرة باتباعهم.
رفضت عائلة هبة، فبدأ المقاتلون بإطلاق النار، فقتلوا والدها، ووالدتها، وزوجها. وقالت هبة إنه بعد ذلك: قالوا، إلى أين أنت ذاهبة؟ سنستخدمك ثم نتخلص منك. كنت مستلقية على الأرض واغتصبني الخمسة جميعهم، الواحد تلو الآخر. كان أطفالي بجواري مباشرة، يشاهدون ويبكون. قالوا لأطفالي أن يصمتوا ثم اغتصبوا أختي أيضا».
وسبق أن قالت المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي «شبكة صيحة» إنه ومنذ بداية الحرب في السودان وردت العديد من القصص عن صعوبة التنقل من منطقة إلى أخرى وعن المخاطر التي تتعرض لها النساء أثناء التحرك داخل مناطق النزاع أو أثناء الانتقال منها إلى المناطق الآمنة نسبياً.

منع وصول الطلاب لقاعات الامتحانات

تفيد المتابعات عن إصدار الدعم السريع أوامر عسكرية صارمة بمنع حركة المواطنين في بعض من المناطق في ودمدني بولاية الجزيرة وأم ضوبان بالخرطوم وهبيلة في جنوب كردفان الفاشر عاصمة إقليمة دارفور، أما المناطق التي تسمح فيها بالحركة فإنها تفرض إتاوات مرتفعة على مرور المركبات.
ويشار إلى أن أوامر الدعم السريع المتشدد في حركة التنقل حرمت آلاف الطلاب هذا العام من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، التي انتهت الخميس الماضي وعقدت في المدن والمناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش.
ويرى مراقبون أن الصعوبات التي يواجهها المدنيون بسبب حركة التنقل تسببت في تفاقم الأوضاع خاصة في مناطق الدعم السريع فقد اضطر بعضهم إلى البقاء في دائرة النزاع الخطرة، مشيرين في الوقت نفسه إلى وجود أوامر منع وجبايات تعطل كذلك تنقل مركبات البضائع والإغاثات مما يزيد الوضع قتامة.

الجنينة وحجيم الحرب

عندما وقعت أحداث الجنينة التي راح ضحيتها آلاف المواطنين على يد الدعم السريع، في أيام الحرب الأولى، وثق حقوقيون أيضاً عمليات مطاردة واسعة تمت تجاه المواطنين الفارين من جحيم الاعتداءات في المدينة وتعرض بعضهم للقتل والنهب.
وقالت إحدى اللاجئات في مخيم أدري الحدودي بدولة تشاد ـ فضلت حجب أسمها ـ لـ«القدس العربي»: «الدعم السريع والميليشيات والقبائل العربية كانوا يقتلون الرجال والشباب دون تردد بينما يتم نهب النساء». وأضافت: «نهبت كل الممتلكات التي خرجنا بها من الجنينة حتى التي لا ترغب فيها تقوم بحرقها».

قانون الوجوه الغربية

وفي سياق متصل، كان قد أعلن والي الخرطوم المكلف أحمد عثمان حمزة، في الثاني من ايار/مايو العام الماضي حالة الطوارئ في الولاية وقرر تشكيل خلية أمنية منح لها صلاحيات واسعة عدها مراقبون أنها تقيد حركة التنقل وتؤسس لانقسامات على مستوى اجتماعي.
وبين قرار والي الخرطوم أن الخلية الأمنية تعمل كجهاز إنذار مبكر لبقية القوات النظامية وتختص بجمع المعلومات الاستخباراتية والأمنية وتصنيفها والتعامل معها. وأشار القرار متابعة الخلية لحركة الحواضن المجتمعية في مناطق وجود العدو إلى مناطق سيطرة الجيش.
المحامي والناشط الحقوقي عمر النور، علق على قرار والي الخرطوم الذي جاري العمل به حتى الآن قائلاً: «صدور أمر طوارئ في الخرطوم مفهوم نسبة للحالة الاستثنائية التي تمر بها الولاية والحاجة لحماية المواطنين وممتلكاتهم وحماية الدولة نفسها لكن ما أصدره الوالي يشبه قانون الوجوه الغربية وهو ينافي أعراف العدالة بل ويمكن أن يفاقم الوضع ويعرض حياة مواطنين للخطر خاصة في النقطة التي تشير إلى حركة الحواضن الاجتماعية من سيطرة الدعم السريع إلى مناطق سيطرة الجيش».
ويضيف: «القرار يميز السودانيين على أساس إثني ومناطقي كما أنه يمثل تهديدا لحركة الفارين إلى المناطق الآمنة داخل البلاد». ويزيد: «مصطلح الحواضن المجتمعية نفسه مصطلح إعلامي وسياسي مختل لا يمكن أن يأتي في سياق أوامر وتشريعات أمنية وقانونية».

نازحو “قوز الحاج”.. وعثاء الدرب للنجاة من الحرب

يأوي المخيم شمال السودان أكثر من 8 آلاف نازح هجّرتهم هجمات “الدعم السريع” من ولاية الجزيرة وسط البلاد

– يأوي المخيم شمال السودان أكثر من 8 آلاف نازح هجّرتهم هجمات “الدعم السريع” من ولاية الجزيرة وسط البلاد
– خالد جعفر: هربنا من اعتداءات الدعم السريع في رحلة نزوح مات فيها كثيرون وأنجبت فيها نسوة على الطريق
– بهاء سعد: نزحنا من قرية برنكو بمشقة ويعيش النازحون هنا في 300 خيمة ينقصها الغذاء والكساء
– فواز عبد الباقي: عاملتنا الدعم السريع كأننا لسنا بشرا ونطالب المنظمات الإنسانية بمساعدة المخيم

على مدار الأشهر الماضية، نزح آلاف السودانيين قسرا من بيوتهم وأراضيهم الزراعية هربا من الموت بالرصاص أو الاعتقال أو الاعتداءات التي ترافق هجمات قوات الدعم السريع شرق ولاية الجزيرة وسط البلاد.

آلاف الأسر وصلت من قرى شرق الجزيرة إلى ولاية نهر النيل (شمال) حيث أنشأت لهم سلطاتها مجموعة خيام في ساحات خالية بمدينة شندي ومدن أخرى بالولاية بينها عطبرة والدامر.

ورصدت الأناضول معاناة النازحين بمخيم “قوز الحاج” بولاية نهر النيل الذي يؤوي أكثر من 8 آلاف نازح جاؤوا من قرى شرقي “الجزيرة”.

ويقع مخيم “قوز الحاج” شمال مدينة شندي بنحو 20 كيلو متر ويضم نازحين من قرية برنكو ومدينة تمبول.

وروى النازحون للأناضول، مشقة رحلتهم مع أهوال النزوح وصعوبة الطريق من الجزيرة حتى وصولهم المخيم بولاية نهر النيل.

ونزح من الجزيرة أكثر من 343 ألف شخص بين 20 أكتوبر/ تشرين الأول و13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وفق منظمة الهجرة الدولية.

ومنذ منتصف أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 14 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية بينما قدر بحث لجامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.

** ولاية ملتهبة

في ديسمبر/ كانون الأول 2023، سيطرت “الدعم السريع” بقيادة أبو عاقلة كيكل وهو من أبناء ولاية الجزيرة، على مدن عدة، بينها مركزها “ود مدني”.

وتصاعدت الاشتباكات بين “الدعم السريع” والجيش السوداني بولاية الجزيرة في 20 أكتوبر 2024، على خلفية انشقاق “كيكل” عن قوات الدعم السريع وإعلان انضمامه إلى الجيش.

ومنذ ذلك الوقت، وجهت جهات محلية ودولية اتهامات للدعم السريع بـ”ارتكاب انتهاكات وجرائم قتل جماعية” بحق المدنيين بالجزيرة، إلا أن “الدعم السريع” قالت إنها “تهاجم قرى يوجد بها مقاتلون سلحهم الجيش السوداني”.

وتسيطر “الدعم السريع” حاليا على أجزاء واسعة من الولاية، عدا مدينة المناقل والمناطق المحيطة بها حتى حدود ولاية سنار جنوبها، وغربا حتى حدود ولاية النيل الأبيض.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب بما يجنب السودان كارثة إنسانية بدأت تدفع ملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال الذي امتد إلى 13 ولاية من أصل 18.

** آلام ونزوح

المعلم خالد محمد جعفر قال للأناضول: “تعرضت قريتنا برنكو في شرق الجزيرة لهجوم من الدعم السريع، ودخلوا علينا من كل الاتجاهات، وعانينا منهم، حيث دخلوا بيوتنا وضربونا بالسياط والعصي وطلبوا منا ما نملكه من ذهب وسلاح وهواتف محمولة”.

ومنذ شهرين، قال جعفر إن أهل القرية تجمعوا مع أذان الفجر وقرروا الخروج من ديارهم في وقت واحد مشيا على الأقدام.

وأضاف: “حملنا كبار السن والمرضى في عربة الكارو والدرداقة (آلة يدوية تستخدم لحمل مواد البناء)، وأثناء سيرنا في الطريق ولعدم توفر المياه عانينا من العطش الشديد”.

وتابع: “بعض النساء الحوامل ولدن في الطريق تحت الشجر، وهناك العديد ماتوا في الطريق، وهناك من فقد حياته حتى بعد أن وصلنا ومنهم والدتي”.

وأشار جعفر إلى أن النازحين الكبار بعد أن وصلوا إلى مخيم “قوز الحاج” أصبحوا يتعالجون من الأمراض التي أصابتهم جراء شرب المياه الراكدة، والأطفال كانوا يشكون من تورم أقدامهم بسبب السير لعشرات الكيلومترات.

وأردف: “وصلنا إلى مخيم قوز الحاج وأهل المنطقة ساعدونا، لكن كما ترون المعسكر يحتاج لخيام وحمامات، ومع فصل الشتاء وبرودة الجو لا توجد أغطية برد، وغذاؤنا وجبتين من العدس في اليوم، كما أن هناك أمراض منتشرة في المخيم”.

ولفت إلى أن هناك حالات لدغات من العقارب والثعابين، وخلال اليومين الماضيين توفي طفلان بسبب لدغة ثعبان، وفق قوله.

** رحلة عذاب

النازح بهاء الدين الفضل سعد، قال للأناضول: “نزحنا بسبب اجتياح الدعم السريع قريتنا برنكو وقرى شرق الجزيرة، بعد أن هاجمونا بكثير من العربات والدرجات النارية”.

وأضاف: “ومن هنا بدأت رحلة العذاب والنهب، بدأوا بالسيارات ثم كسروا كل المحال التجارية ونهبوها وما تركوا شيئا، وكل أهل القرية اختبأوا في منازلهم، بينما قوات الدعم السريع هم في الشوارع والأزقة والدكاكين”.

ومع مرور الأيام، قال سعد: “بدأنا نفقد الكثير من أبناء القرية برصاص الدعم السريع وازاد الأمر سوءا مع استمرار الانتهاكات التي لم يسلم منها طفل أو امرأة أو شيخ كبير”.

وبعد أن سيطر الهلع على الجميع، ذكر سعد أن أهل القرية خرجوا على أرجلهم في رحلة قاسية من برنكو إلى شندي التي تبعد بالسيارة أكثر من 10 ساعات.

وعن حالهم بعد الاستقرار في المخيم، قال سعد: “لنا في المخيم قرابة شهرين، والمعاناة واضحة، يوجد حوالي 300 خيمة لكن عدد الناس كبير ولدينا نقص حاد في المأوى والكساء”.

** نداء إغاثة

بين النازحين الصيدلي فواز عبد الباقي، الذي قال: “قوات الدعم السريع حولت قريتنا بولاية الجزيرة إلى جحيم بعد أن دخلتها وقتلت ونهبت كل شيء”.

بكثير من الأسى، قال عبد الباقي: “عاملونا وكأنهم ليسوا بشرًا، واضطررنا إلى مغادرة منازلنا إلى هنا، لقد فقدنا أملاكنا، ونريد أن نعود لمنازلنا متى ما عاد الأمن والاستقرار”.

وشاكيا من أوضاع المخيم، أضاف: “نواجه الكثير من المشاكل هنا، نعاني من نقص الطعام والأغطية، لكن يمكننا أن نأكل ما يكفي للبقاء على قيد الحياة”.

وتابع: “بعض منظمات الإغاثة والجهات الخيرية تساعد، ورسالتي إلى المنظمات الدولية هي: ساعدونا، فالناس يعانون هنا”.

** نوم الأرض

روضة الطيب إحدى النازحات، روت للأناضول ساعات الرحيل وقرار النزوح، بقولها: “نزحنا على أرجلنا، خرجنا من قريتنا بالجزيرة بملابسنا التي علينا فقط ولم نحمل معنا أي شيء، واعتدت علينا قوات الدعم السريع بالضرب ونهبوا كل ممتلكاتنا حتى البهائم، ومشينا لأيام حتى وصلنا إلى ولاية نهر النيل”.

وبألم يكسو ملامح وجهها، قالت الطيب إن رجال القرية “لم يتركوا البيوت وينزحوا نحو المجهول خوفا من القتل أو الضرب، بل خوفا على شرف نسائهم وأخواتهم”.

أمِنت الطيب على روحها لكنها نقلت أوضاعا مزرية عن المأوى الجديد فقالت: “نحن الآن ننام على الأرض ولا يوجد غذاء كاف ولا علاجات، ونحن نتقي البرد هذه الأيام بإشعال الحطب”.

وختمت حديثها بالقلق وترقب الغائبين: “عدد من سكان قريتنا قتلوا، وهناك مفقودين لا نعرف مصيرهم بسبب انقطاع شبكة الاتصالات”.

عام إضافي من المآسي وغياب أفق إنهاء الحرب

محمد الأقرع

ميدانياً تحتدم المعارك في الجزيرة والخرطوم بحري، وسياسياً، باتت دعوات فصائل تابعة لتنسيقية «تقدم» لتكوين حكومة في مناطق الدعم السريع نقطة خلاف قد تؤدي إلى انقسام التحالف.

الخرطوم ـ «القدس العربي»:  لا تزال الحرب الدامية في السودان تضع مصير ثالث أكبر بلد أفريقي على مفترق طرق في ظل مواقف سياسية متباعدة وشديدة التعقيد تصاعدت خلالها عمليات الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ما أدى إلى وقوع مزيد من الضحايا.

لم يختلف العام المنصرم عن سابقه، إذ لا تزال مدن السودان تستفيق على وقع دوي المدافع والإحصائيات المفزعة الصادرة من المنظمات الصحية والحقوقية عن أعداد القتلى والمصابين من المدنيين وتخريب للبنية التحتية وعمليات التهجير القسري.
وإلى ذلك، كان تقرير صدر مؤخراً من قبل باحثين في بريطانيا والسودان قد كشف عن أن التقديرات تشير إلى أن أكثر من 61 ألفا قتلوا في العاصمة الخرطوم وحدها منذ اندلاع الحرب منتصف نيسان/ابريل العام الماضي وحتى تشرين الثاني/نوفمبر الماضي منهم 26 ألفا قتلوا بعد إصابتهم بجروح خطيرة.
بينما تقول الأمم المتحدة إن الصراع في السودان دفع 11 مليوناً للفرار من منازلهم وتسبب في أكبر أزمة جوع في العالم ويحتاج نحو 25 مليون نسمة ـ نصف سكان السودان تقريباً ـ إلى المساعدات في وقت تنتشر فيه المجاعة في مخيم واحد للنازحين على الأقل. كذلك كشفت عن وقوع جرائم عنف واسترقاق جنسي وتورط دول جوار ودول إقليمية في تغذية الصراع عبر مد الدعم السريع بالسلاح.

إعلان سياسي

في كانون الأول/يناير، وقعت تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية «تقدم» بزعامة رئيس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك إعلان أديس أبابا مع قوات الدعم السريع بعد اجتماعات استمرت يومين مع قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي» وأعلنت «تقدم» أنها تنتظر موافقة الجيش لعقد اجتماع مماثل لإيجاد حل سلمي للصراع المسلح لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.
ونص اتفاق «تقدم» مع الدعم السريع على تشكيل إدارات مدنية بتوافق أهل المناطق المتأثرة بالحرب، تتولى مهمة ضمان عودة الحياة إلى طبيعتها وتوفير الاحتياجات الأساسية للمدنيين كذلك تشكيل لجنة وطنية لحماية المدنيين من شخصيات قومية داعمة لوقف الحرب. وأقر الإعلان التعاون التام مع لجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان بما يضمن كشف الحقائق وإنصاف الضحايا ومحاسبة المنتهكين بالإضافة إلى لجان أخرى لرصد الانتهاكات والتحقيق بشأن من أشعل الحرب.
في سياق آخر، أعلنت الخارجية السودانية في ذات الشهر تجميد التعامل مع منظمة «إيقاد» بشأن ملف الأزمة الراهنة في السودان احتجاجاً على عقد قمة استثنائية في أوغندا وأدرجت فيها مسألة السودان بدون التشاور مع الحكومة وكذلك بسبب موقفها من تنفيذ قمة سابقة رأته الحكومة انتهاكاً لسيادة البلاد فضلاً عن سبب آخر متعلق بدعوة حميدتي للحضور في مكان انعقاد القمة الطارئة، واعتبر بيان الخارجية أن الأمر يعد سابقة خطيرة.
في مطلع شباط/فبراير الماضي، كشفت تقارير صحافية، عن اجتماعات سرية بين عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للجيش شمس الدين كباشي ونائب قائد الدعم السريع وشقيق حميدتي عبدالرحيم دقلو في العاصمة البحرينية المنامة وبحضور مسؤولين من مصر والولايات المتحدة والسعودية والإمارات.
واتفق وقتها الطرفان ـ وفق التسريبات ـ مبدئياً على إعلان مبادئ تشمل الحفاظ على وحدة السودان وجيشه وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية وتفكيك نظام 30 يونيو 1989في كافة مؤسسات الدولة والقبض على الفارين من السجون وتيسير مثول المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية وتنظيم حوار وطني شامل من أجل الوصول إلى حل سياسي بدون إقصاء أحد عدا حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية التابعة له وواجهاته.
لم يعلق الجيش حتى اللحظة عن ما دار في المنامة وخرج رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان معلناً عدم الذهاب إلى اتفاق ما لم تنفذ قوات حميدتي إعلان جدة في آيار/مايو 2023 والذي ينص على الخروج من منازل المواطنين والأعيان المدنية، بينما رأت الدعم السريع أن اتفاق المنامة لم يمض إلى الأمام بسبب أجهاضه من قبل دوائر ضغط تتبع للنظام القديم داخل الجيش.
العام 2024 شهد ترجيح ميزان القوى لصالح الجيش ووفق خبراء عسكريين انتقل من مرحلة معارك الاستنزاف والدفاع عن مقاره العسكرية والاستراتيجية إلى تنفيذ أعمال عدائية والانفتاح في معارك اكتساب الأرض بعد حصوله على أسلحة نوعية ومسيرات حديثة.
وتمكن الجيش في 12 اذار/مارس الماضي من السيطرة على مباني الإذاعة والتلفزيون في أمدرمان بعد معارك عنيفة تكبدت فيها الدعم السريع خسائر فادحة في العتاد والأرواح وبتلك الخطوة فرض الجيش سيطرته على كافة أحياء أمدرمان القديمة وتحولت ميادين القتال في المدينة إلى النواحي الغربية في أمبدة والجنوبية تجاه أحياء الفتيحاب وصالحة. واعتبر خبراء عسكريون أن معركة الإذاعة والتلفزيون كانت مفتاحية لمراحل قتالية أخرى بالإضافة إلى أنها منحت الجيش نصرا معنويا كبيرا.
في نيسان/ابريل الماضي، كان الحدث الأبرز تقييد بلاغات ضد 17 قيادياً من «تقدم» على رأسهم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، ووزيرة الخارجية السابقة مريم الصادق وشقيقتها زينب الصادق المهدي بتهم إثارة الحرب ضد الدولة والتحريض والمعاونة على تقويض النظام الدستوري وأعلنت وقتها اللجنة الترتيب لعمل نشر حمراء لدى الانتربول وهو الأمر الذي رفضته «تقدم» ووصفته بالاستهداف الممنهج.
في 2 نيسان/ابريل الماضي، دخلت مدينة عطبرة شمالي السودان إلى دوامة الحرب بعد أن نفذت الدعم السريع هجوماً مسلحاً عبر طائرة مسيرة أودى بحياة 12 شخصاً وإصابة العشرات، وكانت المسيرة استهدفت إفطاراً رمضانياً بوسط المدينة نظمه لواء البراء بن مالك الذي يقاتل إلى جانب الجيش في حربه ضد الدعم السريع.

القاعدة الروسية في الساحل

في 2 ايار/مايو اندلعت مواجهات جديدة بمدينة الفاشر غربي السودان عقب محاولة الدعم السريع الاستيلاء عليها وهي آخر المدن المهمة التابعة للجيش في دارفور، وحشدت الدعم السريع الآلاف من جنودها وآلياتها العسكرية لتحقيق هذا الهدف لكن لا يزال الجيش المسنود بالقوة المشتركة للحركات المسلحة وقوات المقاومة الشعبية يتصدى لموجات الهجوم المستمرة حتى كتابة هذا التقرير.
شهد الشهر كذلك وصول نائب وزير الخارجية الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف إلى العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان في زيارة استغرقت يومين التقى خلالها قائد الجيش وعددا من المسؤولين الآخرين، وأكدت المصادر وقتها، أن السودان طالب موسكو بأسلحة ومعدات حربية بالإضافة إلى قاعدة قطع علاقة فاغنر بالدعم السريع بينما طالب الطرف الآخر بعدم التعامل مع أوكرانيا وتخصيص مربعات تعدين إلى جانب إنشاء القاعدة اللوجستية في ساحل البحر الأحمر والتي كانت قد أقرتها اتفاقية مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في العام 2017.
في ذات المنحى أكد عضو مجلس السيادة ومساعد قائد الجيش ياسر العطا اعتزام السودان المصادقة على اتفاقية إنشاء القاعدة الروسية في البحر الأحمر وغيرها من الاتفاقات قريباً.
منتصف 2024 كانت المعارك في أوجها، خاصة من قبل الدعم السريع الذي استطاع وبصورة مباغتة التوغل في العمق السوداني من خلال استيلائه على منطقة جبل موية الاستراتيجية ومدينة سنجة عاصمة ولاية سنار جنوب شرق البلاد. بالموازة اشتدت المعارك في مدينة الفاشر وتواصل صمود الجيش والقوات المشتركة التي استطاعت قتل أحد أبرز قادة الدعم السريع ـ الرابع في الترتيب ـ علي يعقوب الذي قاد الهجوم على المدينة.
مجلس الأمن الدولي بدوره، اعتمد قراراً في 14 حزيران/يونيو يطالب فيه بإنهاء حصار الفاشر والوقف الفوري للقتال بالمدينة ومحيطها وسحب جميع المقاتلين الذين يهددون سلامة وأمن المدنيين، لكن لم ينفذ هذا القرار ولا تزال المعارك محتدمة في المدينة وضواحيها.

اتهامات للإمارات

في تموز/يوليو، تواصل نزيف قيادات الدعم السريع إذ استطاع الجيش عبر غارة جوية اغتيال قائد الدعم السريع في منطقة سنار عبدالرحمن البيشي، أبرز القادة في صفوف قوات حميدتي، وشارك في معارك عدة من بدء من القتال في محيط القيادة العامة أيام الحرب الأولى بالإضافة إلى معارك مجمع اليرموك الصناعي والاحتياطي المركزي والكتيبة الاستراتيجة فضلاً عن قيادته للقوات التي استولت على جبل موية وتوغلت في ولاية سنار.
منذ أيام الحرب الأولى اتهمت الحكومة السودانية دولة الإمارات العربية في المشاركة في الحرب ضد السودانيين عبر دعم قوات حميدتي بالسلاح والمعدات اللوجستية، وإلى ذلك قدمت العديد من الشكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومنظمات إقليمية أخرى، لكن في 19 تموز/يوليو وعن طريق وساطة من الرئيس الأثيوبي أبي أحمد عقب زيارة له في بورتسودان، بحث رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان مع رئيس الإمارات محمد بن زايد عبر اتصال هاتفي سبل دعم السودان والخروج من الأزمة التي يمر بها.
وقالت المصادر آنذاك إن البرهان قدم لبن زايد أدلة عن تورط الإمارات في الحرب مثل تنقل قائد الدعم السريع بطائرة إماراتية ونقل الأسلحة عبر تشاد وأوغندا وعلاج الجرحى وإيواء المعارضين ودعا البرهان الرئيس الإماراتي بوقف دعم قوات حميدتي.
في أواخر تموز/يوليو وأثناء طابور عرض عسكري لحفل تخريج الدفعة 68 طلبة حربيين والدفعة 20 و23 من تأهلي الكلية الجوية والبحرية بمنطقة جبيت العسكرية، انفجرت مسيرتان انتحاريتان بالقرب من منصة رئيس مجلس السيادة وقائد الدعم السريع عبدالفتاح البرهان في محاولة فاشلة لاغتياله ما تسبب في مقتل 5 عسكريين. بعد ربع ساعة نشر الجيش مقطعا مصورا على صفحته بـ«فيسبوك» يظهر البرهان في قاعدة جبيت العسكرية.
في 17 آب/أغسطس، انطلقت محادثات جنيف في ظل غياب الجيش ما خفت بارقة أمل أخرى في التوصل إلى اتفاق سلام بعد ما رفضت الحكومة المشاركة في المحادثات التي ترعاها السعودية والولايات المتحدة وطالبت بتنفيذ إعلان جدة بالإضافة إلى دعوتها لإبعاد الإمارات من الوساطة أو مراقبة المحادثات باعتبارها شاركت الدعم السريع في قتل السودانيين.

سيول وأوبئة

أزمات السودان لم تنحصر في القتال بين الجيش والدعم السريع، وإنما تفاقمت الأوضاع بعد أن شهدت عدة مناطق في البلاد كوارث من سيول وفيضانات قتل على إثرها 68 شخصاً وأصيب نحو 130 آخرين في الولايات المختلفة حسبما أفادت وزارة الصحة السودانية في ايلول/سبتمبر الماضي، وصاحب السيول والأمطار تفشي وباء الكوليرا وحمى الضنك في ظل مشاكل صحية وتخريب طال المؤسسات الطبية بسبب الحرب.
في 26 ايلول/سبتمبر قام الجيش السوداني بعملية انفتاح نوعية في العاصمة الخرطوم، فرض خلالها سيطرته على ثلاثة جسور مهمة ما أسفر عن انتقال المعارك إلى قلب الخرطوم نواحي المقرن واشتعالها مجدداً في الخرطوم بحري.
كان الحدث الأبرز في تشرين الأول/اكتوبر، استسلام قائد الدعم السريع في ولاية الجزيرة أبوعاقلة كيكل وعدد من قواته للجيش السوداني بعد صفقة ضمنت العفو عنه مقابل انخراطه في القتال ضد الدعم السريع حسبما أكدت مصادر لـ«القدس العربي».
انضمام كيكل للجيش قابلته الدعم السريع بحملات انتقامية طالت بعض القرى في شرق الجزيرة ومناطق أخرى في الناحية الشمالية، وبلغ ضحايا قرية سريحة وحدها نحو 150 قتيلاً ومئات الجرحى بالإضافة إلى تهجير الأهالي، كذلك فرضت الدعم السريع حصاراً على مدينة الهلالية شرق الجزيرة ما أدى إلى مقتل 500 حسب تقارير منظمات حقوقية محلية أفادت أيضا بأن حملات قوات حميدتي الانتقامية طالت 2500 قرية خالية من السكان.
قبل نحو شهر من الآن، أعاد الجيش تعزيز قدراته العسكرية وخاض معارك ضارية انتهت باستعادته عاصمة ولاية سنار مدينة سنجة، بعد أن استولى سلفاً على منطقة جبل موية الاستراتيجية والتي عزا فيها «حميدتي» خسارته بسبب تدخل الطيران المصري الأمر الذي رفضته القاهرة عبر بيان من وزارة خارجيتها.
وعقب استعادة سنجة أعاد الجيش انفتاحه على مواقع جديدة واستطاع ربط القوات بين سنار وإقليم النيل الأزرق إلى جانب توسعه في شمال غرب سنار وتحرير مصنع السكر والقرى المحيطة به وتمدد أيضاً داخل ولاية الجزيرة واستولى على منطقة ودالحداد ويخوض في هذا التوقيت معارك ضارية في سبيل تحرير مدينة ودمدني.
بالتزامن، اثير جدل واسع في الأوساط السودانية عقب استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، أسقط بموجبه مشروع قرار بريطاني مقدم إلى مجلس الأمن الدولي معني بوقف الحرب في السودان.
من جانبها، رحبت الحكومة السودانية باستخدام روسيا «الفيتو» وأشادت بالموقف الروسي الذي قالت إنه «جاء تعبيراً عن الالتزام بمبادئ العدالة واحترام سيادة الدول والقانون الدولي ودعم واستقلال ووحدة السودان ومؤسساته الوطنية».
وأكد مراقبون أن العام 2024 يمضي إلى خواتيمه وما زال السودان يشهد أحداثا مفصلية، ميدانياً تحتدم المعارك في الجزيرة والخرطوم بحري، سياسياً، باتت دعوات فصائل تابعة لتنسيقية «تقدم» لتكوين حكومة في مناطق الدعم السريع نقطة خلاف وحسب مراقبين قد تؤدي إلى انقسام في التحالف.

تخريب ونهب… أيادي الحرب تمتد إلى تاريخ السودان في آثاره

الخرطوم ـ «القدس العربي»: عندما اندلعت الحرب في السودان منتصف نيسان/ابريل العام الماضي، كانت أولى مسارحها مدينة مروي التاريخية شمالي البلاد وفي قلب العاصمة الخرطوم التي تحوي عدة متاحف ومواقع أثرية مهمة، ما عرض مئات القطع النادرة التي توثق لحقب ضاربة في القدم إلى النهب والطمس والتخريب.

وبالتزامن مع تمدد الصراع غرباً إلى مدن الجنينة ونيالا والفاشر ومدينة سنجة في الجنوب الشرقي والتي بدورها تمثل العمق التاريخي في السودان، فقدت كذلك آثار لا تقدر بثمن وخربت متاحف بل وتحول بعضها إلى ثكنات عسكرية.
«في آب/اغسطس 2023 رصدنا خروج شاحنات كبيرة محملة بكل المواد الأثرية المخزنة في متحف السودان القومي عن طريق أمدرمان نحو غرب السودان ومن ثم توزيعها على مناطق الحدود وخاصة جنوب السودان»، تقول إخلاص عبد اللطيف مديرة المتاحف بالهيئة العامة للآثار ورئيس وحدة الآثار المسروقة في إفادات لـ«القدس العربي».
ومنذ أيام الحرب الأولى سيطرت الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» على مباني القصر الجمهوري الذي يضم متحفا خاصا بالإضافة إلى الاستيلاء على المتحف القومي في منطقة المقرن والمتحف الطبيعي وسط الخرطوم ومتحف الخليفة عبدالله التعايشي في أمدرمان ومتاحف أخرى في مدينتي الجنينة ونيالا بدارفور. وبث جنود حميدتي مقاطع مصورة ووثقوا خلالها عملية اقتحامهم لتلك المواقع الأثرية وبعض التخريب الذي طالها.

خسائر أثرية هائلة

تفيد سلسلة متابعات «القدس العربي»، عن تعرض ما لا يقل عن 25 موقعاً أثرياً للتدمير والنهب خلال حرب السودان الأخيرة بما في ذلك مواقع ومقار أثرية بارزة ومدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو ما أدى إلى خسائر هائلة بعضها مرتبط بالقيمة المعنوية وجوانب الهوية وآخر له تأثير مباشر بالاقتصاد باعتبار أن المواقع والمتاحف الأثرية في السودان كانت أحد مصادر الإيرادات التي يمكن التعويل عليها.
يقول المؤرخون، إن المنطقة التي تشكل السودان الحالي يمتد تاريخها إلى العصور القديمة، حيث شهدت حضارة كرمة (2500 إلى 1500) قبل الميلاد، وكذلك حضارة كوش (785 ق.م إلى 350 م) التي بعد سقوطها بنى النوبيون ثلاث ممالك مسيحية، نوباتيا، المقرة وعلوة، واستمرت المملكتان الأخيرتان حتى 1500 لتظهر بعدها سلطنة سنار وسلطنة دارفور ومن ثم يبدأ تاريخ آخر للدولة الحديث.
كشفت مديرة المتاحف، إخلاص عبد اللطيف، عن أن المجاميع المتحفية التي تم نهبها من المتحف القومي في الخرطوم ترجع إلى جميع العصور التاريخية القديمة منذ العصر الحجري وحضارة كرمة ونبتا ومروي وما قبل المسيحية والإسلامية مشيرة إلى أن المتحف القومي يعتبر المستودع الرئيسي لكل آثار السودان.
وأشارت كذلك، إلى تعرض متاحف أخرى للنهب والتدمير مثل متحف نيالا بدارفور الذي سرق بالكامل حتى الأثاث وواجهات العرض. وقالت عبد اللطيف، إن 80 في المئة من الآثار في متحف الخليفة عبدالله التعايشي في أمدرمان غربي العاصمة نهبت إلى جانب تعرض أجزاء من المبنى للتدمير.
في سياق نهب متاحف السودان، تقود التتبعات، إلى سرقة واسعة وتخريب طال أيضا متحف السلطان بحر الدين بمدينة الجنينة في غرب دارفور والذي يوثق لفترة سلطنة المساليت الشهيرة بالإضافة إلى متحف السودان للتاريخ الطبيعي الذي يحتوي على عينات من أنواع مختلفة من الحيوانات والسجلات الجيولوجية فضلاً عن حيوانات مهددة بالانقراض وما يقارب عن 100 حيوان من الزواحف والأسماك والثديات والعقارب، كما يضم المتحف قاعة الطيور التي فيها عينات من السودان وجنوب السودان في الفترة الممتدة ما بين 1885 إلى 1945.
وإلى جانب ذلك، وصلت نيران الحرب أيضا إلى مبان حكومية ومعالم تاريخية أثرية وثقافية، تدمر بعضها ونهب البعض الآخر منها مبنى البريد القديم في شارع الجامعة، وزارة المالية بالخرطوم وطوابي المهدية وبوابة عبدالقيوم والسجن بمدينة أمدرمان.
وكان مراقبون قد أبدوا تخوفهم من تخريب إضافي يطال المواقع الأثرية وذلك في أعقاب تسلل قوات الدعم السريع إلى بعض المواقع الأثرية ودخول أخرى إلى دائرة المعارك. ففي مطلع كانون الأول/يناير نشر أفراد للدعم السريع صوراً لهم على مواقع التواصل الاجتماعي في موقعي النقعة والمصورات الأثريين في جزيرة مروي وبعدها أصدر الجيش بيانا أكد خلاله تصدي الفرقة الثالثة مشاة في شندي لمجموعات العربات القتالية التابعة للدعم السريع في منطقة النقعة والمصورات.
وقال ناشطون، إن المنطقة أعلاه لم تشهد صداما داخل المواقع الأثرية ولم تتأثر بالمواجهات التي حدثت لكن أعربوا في الوقت نفسه عن هواجسهم بأن تعاود الاشتباكات مرة أخرى خاصة أن الدعم السريع لم تنسحب بعيداً عن الموقع.

«إنسان سنجة»

منطقة سوبا جنوب شرق الخرطوم، هي الأخرى تُثار حولها المخاوف وهي تقع تحت سيطرة الدعم السريع وتضم بقايا آثار دولة علوة النوبية، كذلك انتقال الحرب إلى مدينة سنجة التي تعد أول عاصمة للسلطنة الزرقاء (1504م إلى 1820م) وعثر فيها على رابع أقدم جمجمة على مستوى أفريقيا ما يعرف عند المؤرخين بـ«إنسان سنجة».
أقرت مديرة المتاحف السودانية، بعدم وجود أي إحصائية دقيقة عن حجم المنهوبات في المواقع الأثرية مشيرة إلى صعوبة حصر الخسائر في عدة مواقع أهمها المتحف القومي لاستحالة الوصول إليه وهو يقع تحت سيطرة قوات حميدتي.
منظمة اليونسكو بدورها، أعربت عن قلقها البالغ إزاء التهديد الذي يواجه التراث السوداني ودعت المجتمع الدولي إلى تقديم المساعدة لحماية المواقع التراثية السودانية ومنع الإتجار غير المشروع بالآثار المنهوبة.
وكانت تقارير صحافية قد كشفت أن قطعاً أثرية سودانية تعرض للبيع على موقع «إيباي» بعد تهريبها من البلد الذي مزقته الحرب، مشيرة إلى أن القطع تشمل تماثيل وأواني ذهبية وفخاراً قد نهبت من المتحف القومي في الخرطوم الواقع تحت سيطرة الدعم السريع.
وقالت إخلاص عبد اللطيف، إن ما يتم عرضه في الميديا بدعوى أنها آثار سودانية نهبت مؤخراً، غير صحيح، في الغالب غير سودانية أو إحدى مواد المهدية التي كانت من ضمن الممتلكات الشخصية التي خرجت أبان الاستعمار كهدايا والآن أصحابها يعرضونها بغض الإتجار. مبينة أن ما سرق من آثار السودان في الحرب لم يظهر حتى اللحظة في بيوتات المزادات العالمية.
تقابل الدعم السريع، أصابع الإتهام التي توجه إليه بنهب الآثار وتخريب المتاحف القومي بالنفي معتبرة أن كل ما يدور في هذا الخصوص مزاعم، وتزعم أنها كانت تنفذ مسؤوليتها في حماية المبنى ومحتوياته كما أكدت اهتمامها بالمواقع الأثرية والتاريخية في البلاد وذلك عبر بيانات في أيام الحرب الأولى.
يقول المؤرخون، إن القطع الأثرية التي نهبت في السودان ليست مجرد مواد بل هي تاريخ للشعوب في البلد الشاسع وتجسيد للذاكرة الوطنية والتنوع الثقافي والاجتماعي، بينما ترى مديرة المتاحف، أن عمليات النهب والتخريب للمتاحف والمواقع الأثرية لا تتم بمعزل عن طبيعة الحرب التي تشنها الدعم السريع نفسها والتي تهدف إلى تفتيت الدولة وطمس الهوية الثقافية عبر التهجير القسري ونهب آثار الحضارة.
في سياق متصل، قال الكاتب الصحافي المهتم بالثقافة والتراث، هيثم الطيب لـ«القدس العربي»: «المرتكز الأساسي في هذه الحرب شكله الحقيقي يظل مرتبطا بمنهج تخريب لقيم المجتمع السوداني كله، وعلى ذلك فالحرب في نتاجها هنا وهناك ظهرت على طريقة تخريب البلد وقيمتها وقيمها على المستوى المادي والمعنوي والشعبي».
وأضاف: «نهب الآثار التي حدثت بشكل كامل في متحف السودان القومي وتحطيم بعضها ونهب جزء منها وتهريبه إلى خارج البلد، ثم تخريب المقر الرئيسي نفسه، يشكل صورة حقيقية لهدف رئيسي للحرب وهو في الأصل قتل مرتكزات البلد كلها داخليا وخارجيا والقيمة التي تحتوي عليها الآثار».
وزاد: «الذي يحطم ويقوم بإحراق شيء ما، يحمل هدفا واضحا نحو هذا الشيء وهو كتابة النهاية له، ومن هنا فعملية الحرب هذه فعلت كل ذلك، وكان الهدف الحقيقي من الذي حدث في متحف السودان القومي حالة قتل التأريخ كله، وبعد ذلك لن يمتلك هذا الوطن أي تراث مادي يعرف به ويتعارف الناس عليه وأن يقولوا هذا وطننا السودان بما فيه»