شكلت خسارة الخرطوم “تراجعا استراتيجيا ورمزيا” للدعم السريع في مواجهة الجيش. ومع استهداف الدعم السريع مناطق يسيطر عليها الجيش بالطائرات المسيّرة، دخلت الحرب في السودان منعطفا جديدا، ما ينذر بمرحلة خطيرة، وفق خبراء.
على مدى الأسبوع المنصرم، استهدفت طائرات مسيّرة أطلقها الدعم السريع مناطق يسيطر عليها الجيش السوداني، وكانت حتى أيام خلت تعتبر آمنة وفي منأى عن المعارك التي اندلعت منذ العام 2023.
وبذلك أمسى الاستقرار الذي حافظ عليه الجيش في مناطق سيطرته محل تساؤل مع تهديد طرق إمداده واستهداف البنى التحتية المدنية وقصف مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن أقرب قواعد معلنة للدعم السريع.
الطائرات المسيرة – إسترايجية جديدة للدعم السريع؟
وترى المحللة السودانية خلود خير أن الضربات تهدف الى “تقويض قدرة الجيش على حفظ الأمن في مناطق سيطرته”، بما يتيح لقوات الدعم السريع توسيع رقعة الحرب من دون تحريك عديدها.
وخلال عامَي الحرب، اعتمد الدعم السريع بشكل رئيسي على الهجمات البرية الخاطفة التي أفضت مرارا إلى كسر دفاعات الجيش وخسارته مدنا رئيسية.
لكن منذ إعلان طردها من الخرطوم، لجأت قوات الدعم السريع إلى الأسلحة البعيدة المدى التي يتهم الجيش دولة الإمارات العربية المتحدة بإرسالها للدعم السريع. وتنفي أبوظبي ذلك.
ويصف مايكل جونز، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، تحركات الدعم السريع الأخيرة بأنها “تكيّف استراتيجي ضروري وربما يائس”.
ويوضح لوكالة فرانس برس أن خسارة الخرطوم تعتبر “تراجعا استراتيجيا ورمزيا” للدعم السريع.
وباتت الأخيرة في حاجة إلى أن تبعث رسالة “بأن الحرب مستمرة” عبر استهداف مواقع حيوية، وفقا للباحث في شؤون السودان حامد خلف الله.
هل يجدي استخدام المسيرات في مواجهة تقدم الجيش؟
وقسمت الحرب السودان إلى مناطق نفوذ بين الحليفين السابقين، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو. ويسيطر الأول على وسط وشرق وشمال البلاد ومعظم العاصمة، بينما يسيطر الثاني على معظم إقليم دارفور (غرب) وأجزاء من الجنوب.
ولكن حتى مع الاستراتيجية الجديدة، يستبعد خلف الله أن تستعيد قوات الدعم السريع الخرطوم ومدن وسط البلاد، أو تبلغ المقر الموقت للحكومة مدينة بورتسودان (شرق)، عن طريق العمليات البرية بسبب التقدم النوعي للجيش السوداني وخاصة في القدرات الجوية.
ويقول خلف الله لفرانس برس إن التحول للهجوم بالمسيرات هدفه فقط “ترهيب وعدم استقرار” في مناطق الجيش.
ويرى جونز أن المسيّرات والأسلحة الخفيفة تمكن الدعم السريع من “الوصول لمناطق لم تنجح سابقا في التوغل فيها”.
وبحسب لواء متقاعد في الجيش، يعتمد مقاتلو الدعم السريع على نوعين من المسيّرات: انتحارية خفيفة وبسيطة الصنع تحمل قذائف وتنفجر عند الاصطدام، ومتطوّرة بعيد المدى قادرة على حمل صواريخ موجهة.
كما يحوز الدعم السريع مسيّرات من طراز “سي اتش 95” صينية الصنع.
الإمارات تنفي توريد أسلحة صينية للدعم السريع
ونشرت منظمة العفو الدولية أمس الخميس تقريرا اتهم الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بأسلحة صينية بينها “قنابل موجّهة من طراز جي بي 50 ايه وقذائف ايه اتش-4″، بالاستناد إلى تحليل صور لمخلّفات عُثر عليها بعد هجمات في الخرطوم وإقليم دارفور.
ونفت الإمارات اليوم الجمعة (9 مايو/ أيار) أن تكون زودت قوات الدعم السريع أسلحة صينية. وقال مساعد وزير الخارجية للشؤون الأمنية والعسكرية الإماراتي سالم الجابري في بيان نشرته وزارة الخارجية الإماراتية الجمعة على منصة “إكس” إن الإمارات “ترفض بشدة مزاعم تزويدها أي طرف متورط في الصراع الدائر في السودان بالأسلحة”. وأضاف الجابري أن “هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة وتفتقر إلى الأدلة المثبتة”. كانت الحكومة السودانية المرتبطة بالجيش قررت الثلاثاء قطع العلاقات مع الإمارات واعتبرتها “دولة عدوان” لاتهامها بإمداد الدعم السريع بالأسلحة التي استخدمت لقصف بورتسودان.
الجيش في مواجهة الدعم السريع – “سباق تسليح مكلف”
ويرى مهند النور الباحث في شؤون السودان في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أن الهدف الأساسي للدعم السريع من الهجمات الأخيرة هو تشتيت الجيش وإشغاله لمنعه من التقدم نحو دارفور أو كردفان في الغرب.
ويوضح أن الأسهل لقوات الدعم السريع “أن تهاجم بسرعة وبعدها تنسحب، بدلا من البقاء في الأراضي التي تتطلب الدفاع عنها”.
ويتطلب عبور المساحة الشاسعة بين معقل الدعم السريع في دارفور، ومقر الحكومة بورتسودان، والبالغة 1500 كلم، استخدام مسيرات بعيدة المدى مثل وينغ لوونغ 2 صينية الصنع التي توفرها الإمارات، أو “بيرقدار تي بي تو” التركية التي يفضلها الجيش، حسب تقرير العفو الدولية.
وفي الوقت الحالي ينخرط طرفا الصراع في “سباق تسليح مكلف جدا” حيث يستهدف كل منهما “تدمير ممتلكات الآخر من الطائرات المسيرة”، بحسب خير.
أهمية المسيرات للدعم السريع
وبعد عامين من حرب مضنية، لدى الدعم السريع سبب آخر للاعتماد على المسيرات: فإلى جانب إشغال الجيش في “أزمة أمنية” في مناطق سيطرته، ترى خير أن التحول نحو المسيرات يبقى أقل تكلفة من الاعتماد على المقاتلين.
وتقول خير لفرانس برس إن اللجوء للمسيّرات “يسمح للدعم السريع بإعفاء مقاتليها من الانخراط في قتال بري أو مواجهات مباشرة مع الجيش”.
وتشير خير الى تقارير بشأن تراجع قدرة الدعم السريع على التجنيد مقارنة مع بداية الحرب لأن ذلك كان يرتكز “على فرصة النهب، ولكن الآن لم يتبق سوى القليل مما يمكن نهبه في وسط السودان”.
ويواجه طرفا الحرب اتهامات بانتهاكات ضد المدنيين واستهداف البنى التحتية، لكن الدعم السريع تحديدا تُتهم بالنهب والعنف الجنسي والإبادة الجماعية.
وتسببت الحرب التي دخلت عامها الثالث قبل أسابيع في قتل عشرات الآلاف من المدنيين ونزوح 13 مليونا، وأزمة إنسانية تعتبرها الأمم المتحدة من الأسوأ في التاريخ الحديث.
المحلل السياسي طارق عثمان للأناضول: – الهدف الاستراتيجي لحاضنة قوات الدعم السريع الإقليمية والدولية يتمثل في السيطرة على سواحل البحر الأحمر السودانية – الحرب الدائرة في السودان ما هي إلا حلقة من حلقات ذلك الصراع الدائر حول المنطقة ككل المحللة السياسية مي المبارك للأناضول: – الهجمات بالمسيرات على بورتسودان أكبر من قدرات “الدعم السريع” بما يشي بأدوار لدول أخرى من أجل تدويل أكبر لقضية السودان – استهداف بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة يهدف بالمقام الأول إلى شل حركة الدولة السودانية المحلل السياسي علي محمد الدالي للأناضول: – استخدام المسيرات باستهداف المنشآت الحيوية المدنية ليس عاملا حاسما في تحقيق أهداف عسكرية – الاهتمام بقصف بورتسودان بالطائرات المسيرة جاء كونها تقع على البحر الأحمر ما يشكل تهديدا للأمن الإقليمي
شهدت الحرب في السودان مؤخرا تصعيدا جديدا بدخول الطائرات المسيرة في الصراع شرقي البلاد، وخاصة في مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة.
والأحد الماضي، اندلعت حرائق وسمع دوي انفجارات في بورتسودان الواقعة (شرق) جراء هجمات الطائرات المسيرة.
والثلاثاء، تواصل استهداف الطائرات المسيرة لبورتسودان، وعلقت حركة الطيران مؤقتا من المطار الدولي الوحيد، بحسب السلطات المحلية.
ولم تعلن قوات “الدعم السريع” مسؤوليتها عن هذه الهجمات منذ الأحد، كما كانت تعلن عقب هجمات سابقة كانت تشنها على مدن واقعة تحت سيطرة الجيش السوداني في شمال ووسط البلاد.
والثلاثاء، قال وزير الإعلام السوداني خالد الإعيسر، إن “قوات الدعم السريع هاجمت مستودعات الوقود بالميناء الجنوبي في مدينة بورتسودان”، بينما أعلنت شركة كهرباء السودان عن “تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي”.
وفجر الثلاثاء، اندلعت حرائق في مطار بورتسودان ومحيط الميناء الجنوبي ببورتسودان إثر سماع دوي انفجارات قوية، وفق مراسل الأناضول.
وقال المراسل نقلا عن شهود عيان، إن دوي انفجارات قوية سمع في بورتسودان، أعقبه تصاعد أعمدة الدخان.
وجاءت الانفجارات والحرائق غداة إعلان وزارة الطاقة والنفط اشتعال النيران بمستودعات النفط الاستراتيجية في بورتسودان إثر تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة قالت إنها تابعة لقوات “الدعم السريع”.
** أهمية بورتسودان
وبورتسودان الواقعة على ساحل البحر الأحمر، تعتبر المنفذ الجوي والبحري الذي تستقبل من خلاله كل احتياجات البلاد الأساسية وذلك منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في أبريل/ نيسان 2023.
وكذلك تصل عبر المدينة المساعدات الإنسانية التي ترسل لضحايا الحرب خاصة من النازحين، وهي مركز لعمل وكالات الأمم المتحدة، ومقر للبعثات الدبلوماسية في البلاد.
والاثنين، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عن قلقه إزاء التقارير الأخيرة أعقاب غارات بطائرات مسيّرة التي نفذتها قوات الدعم السريع في بورتسودان.
بدوره، أوضح المتحدث باسم الأمين العام الأممي فرحان حق، الاثنين، أن هذه الهجمات لم تؤثر بشكل مباشر على أنشطة الأمم المتحدة في المدينة، مع الإشارة إلى تعليق الرحلات الجوية مؤقتًا من وإلى المدينة.
ومنذ فترة، تتهم السلطات السودانية قوات “الدعم السريع” بشن هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت مدنية، بينها محطات كهرباء وبنية تحتية، دون تعليق من الأخيرة.
وفي الآونة الأخيرة تكررت ما قالت السلطات إنها هجمات لـ”الدعم السريع” بطائرات مسيرة على محطات الكهرباء بمدن السودان الشمالية: مروي، ودنقلا، والدبة، وعطبرة.
** تنافس إقليمي دولي:
ويرى المحلل السياسي طارق عثمان، في حديث للأناضول، أن “الحرب الجارية منذ أبريل 2023 هي مظهر للتنافس الدولي والإقليمي الحاد حول منطقتنا بما فيها حوض البحر الأحمر، الذي يستمد أهميته الإستراتيجية والجيوسياسية من موقعه الجغرافي الفريد، ما يجعل منه النقطة الأكثر تنافسا وصراعا بين القوى العظمى”.
وأضاف عثمان: “الهدف الاستراتيجي المحدد من قبل حاضنة قوات الدعم السريع الإقليمية والدولية يتمثل في قطع الحبل السري، من خلال السيطرة على سواحل البحر الأحمر السودانية الممتدة لمئات الكيلومترات، ووضع اليد على المنافذ البحرية الرئيسية للبلاد”.
واعتبر أن “الحرب التي تشنها الدعم السريع على الشعب السوداني، ما هي إلا حلقة من حلقات ذلك الصراع الدائر حول المنطقة ككل، وسينتهي دور تلك القوات بمجرد نضوج خطة السيطرة على الممر المائي الاستراتيجي لصالح أي من أطراف الصراع الدولية والإقليمية”.
ويرى عثمان، أن “المستهدف من الحرب ليس شرق السودان فحسب، وإنما الشرق الكبير؛ الذي يضم البحر الأحمر بجزره وخلجانه وسواحله، ومنطقة القرن الإفريقي بمواردها، وذلك عبر إعادة تشكيل خارطة المنطقة ككل”.
** شل الدولة
ترى الصحفية والمحللة السياسية مي المبارك، أن استهداف الطائرات المسيرة لبورتسودان، أكبر من قدرات “الدعم السريع” بما يشي بأدوار لدول أخرى من أجل تدويل أكبر لقضية السودان.
وأضافت المبارك للأناضول، أن استهداف بورتسودان يهدف بالمقام الأول إلى شل حركة الدولة السودانية، ودولاب العمل فيها بشكل تام، وذلك ليس بغرض الضغط على الحكومة للذهاب إلى التفاوض كما يبدو ظاهريا، بل “تنفيذا لمخططات خارجية حتى يسهل إخضاع السودان للدول صاحبة الأجندة والمتدخلة بالحرب ولها مصلحة في المنطقة والقرن الإفريقي”.
وتشير إلى أن “التأثير الكبير لاستهداف منشآت حيوية في بورتسودان، حيث شمل الكهرباء والوقود والمطار ما يعني أن العاصمة الإدارية المؤقتة التي تتواجد فيها المؤسسات الحكومة والسفارات أصبحت غير آمنة، وهذا قد يعجل بمغادرتها كما حدث سابقا في العاصمة الخرطوم عندما اندلعت الحرب في أبريل/نيسان 2023”.
* المسيرات لا تحقق انتصارا
كما أن الخبراء العسكريين يرون أن الطائرات المسيرة لا يمكن أن تحقق انتصارا في هذه الحرب إلا بوجود مشاة على الأرض، وهذا لا ينطبق على استهداف مدينة بورتسودان، فقد ظلت ولايات الشرق الثلاث “البحر الأحمر والقضارف وكسلا” ولايات آمنة طوال فترة الحرب.
ويرى المحلل السياسي علي محمد الدالي في حديث للأناضول، أن “استخدام الطائرات المسيرة في شرق السودان يسعى لخلخة الاستقرار في مدينة بورتسودان العاصمة المؤقتة من خلال تدمير محطات الكهرباء ومستودعات الوقود”.
وأضاف: “لكن هذا فعليا لن يؤثر على السيطرة في منطقة الشرق باعتبار أن الجيش يتمدد من شواطئ البحر وحتى النيل في الخرطوم”.
واستبعد الدالي أن يكون “استخدام المسيرات باستهداف المنشآت الحيوية المدنية عاملاً حاسماً في تحقيق أهداف عسكرية”.
وأردف: “الطائرات المسيرة يمكن تعطيلها أو إسقاطها قبل أن تصل لأهدافها، دون أن نغفل أهميتها في المعارك”.
وأشار الدالي، إلى أن “الاهتمام بقصف بورتسودان بالطائرات المسيرة جاء كونها تقع على البحر الأحمر ما يشكل تهديدا للأمن الإقليمي”.
ويخوض الجيش السوداني و”الدعم السريع” منذ منتصف أبريل 2023 حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدر بحث لجامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألف شخص.
ومؤخرا، بدأت تتراجع مناطق سيطرة “الدعم السريع” لصالح الجيش في عدة ولايات، خاصة في الخرطوم، التي استعادت القوات النظامية فيها مقار مهمة مثل القصر الرئاسي، ووزارات حكومية، والمطار، ومقار أمنية وعسكرية.
وفي عموم السودان، لم تعد “الدعم السريع” تسيطر سوى على أجزاء من ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان، وجيوب محدودة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب 4 من ولايات إقليم دارفور الخمس.
** المحلل السياسي يوسف حمد يرى: – قوات الدعم السريع تنشط بكردفان للمحافظة على نواة قوتها بدارفور ** الخبير العسكري معتصم عبد القادر: – هجوم “الدعم السريع” على ولاية غرب كردفان لن يعطل تحرك الجيش نحو دارفور
بعد إعلان الجيش السوداني سيطرته الكاملة على العاصمة الخرطوم في مارس/ آذار الماضي، بدأت قوات الدعم السريع الأيام الأخيرة تنشط عسكريا في ولايات كردفان (جنوب) المتاخمة لولايات دافور (غرب)، وهو ما فسره مراقبون برغبة تلك القوات في منع الجيش من الوصول إلى معاقلها الرئيسية في الإقليم الغربي للبلاد.
وقال الخبير العسكري السوداني معتصم عبد القادر في حديث للأناضول إن دخول قوات الدعم السريع قبل أيام إلى مدينتي النهود والخوي بولاية غرب كردفان يهدف إلى محاولة صد الجيش عن التقدم غربا نحو إقليم دارفور الذي تسيطر فيه فقط على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.
واعتبر المحلل السياسي السوداني يوسف حمد نشاط قوات الدعم السريع المفاجئ بولاية غرب كردفان المتاخمة غربا لولايات إقليم دارفور، يأتي في سياق “الدفاع عن نواة قوتها بالإقليم الغربي”.
والسبت، أعلنت قوات الدعم السريع، عن سيطرتها على مدينة الخوي بعد يوم من سيطرتها على مدينة النهود العاصمة الإدارية المؤقتة لولاية غرب كردفان.
وكانت مدينة النهود تحت سيطرة الجيش، وتحولت منذ يوليو/ تموز 2024 إلى العاصمة الإدارية المؤقتة لولاية غرب كردفان، عقب سقوط عاصمتها الأصلية “الفولة” بيد “الدعم السريع”.
ويخوض الجيش السوداني و”الدعم السريع” منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023 حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدر بحث لجامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.
ومؤخرا، بدأت تتراجع مناطق سيطرة “الدعم السريع” لصالح الجيش في عدة ولايات، خاصة في العاصمة الخرطوم، التي استعادت القوات النظامية فيها مقار مهمة مثل القصر الرئاسي، ووزارات حكومية، والمطار، ومقار أمنية وعسكرية.
وفي عموم السودان، لم تعد “الدعم السريع” تسيطر سوى على أجزاء من ولايتي شمال وغرب كردفان، وجيوب محدودة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب 4 ولايات في إقليم دارفور.
** تطورات كردفان
بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينتي النهود والخوي، صارت ولايتا شمال وغرب كردفان المتاخمتان لإقليم دارفور محور الصراع الجديد مع الجيش، ويسعى كلا منهما لفرض سيطرته عليها بشكل كامل.
وسبق ذلك إعلان الجيش والقوات المساندة له (المخابرات والاحتياطي المركزي للشرطة و”درع السودان”، والقوات المشتركة للحركات المسلحة، والمقاومة الشعبية) توجهها إلى دارفور “لحسم معاقل التمرد (قوات الدعم السريع) في الإقليم”.
وبجانب إشعال العمليات العسكرية بولاية غرب كردفان، ما زالت قوات الدعم السريع تواصل مهاجمة مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور التي تحاصرها منذ أكثر من عام بغرض الاستيلاء عليها.
و”كردفان” كان إقليما واحدا وسط السودان قبل تقسيمه إلى 3 ولايات هي جنوب كردفان وعاصمتها كادوقلي وغرب كردفان وعاصمتها الفولة وشمال كردفان وعاصمتها الأُبيض، وتحد الولايتين الأخيرتين إقليم دارفور بولاياته الخمس.
** وقف تمدد الجيش
يرى مراقبون أن حشد “الدعم السريع” لقواتها ومهاجمتها مدن غرب كردفان يبدو تكتيكا عسكريا لشد انتباه الجيش إلى هذا المدن بغرض تعطيل جهوده الرامية للتوجه إلى دارفور، حيث مكامن قوة تلك القوات.
الخبير العسكري السوداني معتصم عبد القادر، يعتبر أن الغرض من معارك غرب كردفان التي أشعلتها قوات الدعم السريع بالهجوم على مدينتي النهود والخوي تأتي لوقف زحف الجيش إلى ولايات دارفور.
ويضيف للأناضول: “بالنظر إلى هذه القوات التي هاجمت غرب كردفان نجد أنها قادمة من دارفور، وهذا يعني أن السيطرة تميل لصالح الجيش”.
ويستطرد: “لأن المعارك تدور على بعد مئات الكيلو مترات من غرب مدينة الأُبيِّض عاصمة شمال كردفان والغرض منها وقف تقدم قوات الجيش والقوات المساندة له”.
ويشير إلى أن قوات الجيش التي تسعى للسيطرة على إقليم دارفور هي قوات كبيرة ولم تتأثر بهجوم قوات الدعم السريع، موضحا أن “المعايير العسكرية تفيد بأن الجيش سيتقدم ليستعيد السيطرة على هذه المدن في غرب كردفان”.
ووفق عبد القادر، فإن “قوات الدعم السريع موجودة على الأرض لكنها تتلقى ضربات موجعة وتعاني من انقطاع الإمداد البشري، لذلك تلجأ لتحركات الهدف منها إحداث الضجيج والتلميح لنفوذها بدارفور”.
** المحافظة على النواة
المحلل السياسي السوداني يوسف حمد يرى أن قوات الدعم السريع “تحاول بالفعل المحافظة على نواتها وهي دارفور، وحتى تحقق ذلك فهي تتمدد شرقا وتهاجم غرب كردفان حتى تكون دارفور بعيدة المنال للجيش السوداني”.
ويقول حمد للأناضول: “من المعروف أنه كي تحافظ على نواة الدولة لا بد من التمدد بعيدا عنها، وبالنسبة لي فإن قوات الدعم السريع ستتمسك كثيرا بدارفور، لذا ستكون حمايتها من نقاط بعيدة في كردفان، من مناطق مثل النهود والخوي وولاية شمال كردفان أيضا”.
ووفق حمد، فإن “قوات الدعم السريع بجانب محاولة تمددها شرقا، تواصل معاركها غربا في الفاشر للسيطرة على كل دارفور بولايته الخمس”.
ويضيف: “ستظل حماية دارفور بالنسبة لقوات الدعم السريع تبدأ من مناطق خارجها في جنوب كردفان وشمالها وغربها”.
ومنذ 10 مايو/ أيار الماضي، تشهد الفاشر اشتباكات بين الجيش و”الدعم السريع”، رغم تحذيرات دولية من المعارك في المدينة، التي تعد مركز العمليات الإنسانية لكل ولايات دارفور.
كشف محققون من مركز أبحاث تسليح الصراعات (CAR) الإثنين عن نتائج دراسة واسعة النطاق بشأن تتبّع مصدر الترسانات التي تستخدمها الجماعات الجهادية في منطقة الساحل الأفريقي. وتبيّن أن الغالبية العظمى من هذه الأسلحة تعود لعقود من الزمن، وقد تم اختلاس جزء كبير منها من مخزونات جيوش المنطقة. فيما أحصت منطقة الساحل في 2024 أكثر من نصف الوفيات ذات صلة بالإرهاب في العالم، أي ما يعادل 51% من إجمالي الوفيات في العالم بأسره، وهو رقم قياسي تاريخي وفق مؤشر الإرهاب العالمي 2025.
تُعد منطقة الساحل الأوسط من أخطر المناطق في العالم، خاصة ما يُسمى بالمنطقة الحدودية الثلاثية التي تشمل كلا من مالي، وبوركينا فاسو والنيجر. وقد شهدت هذه المنطقة تصاعدا في أعمال العنف خلال العقد الماضي، واشتدت الاشتباكات بين جماعات مسلحة غير حكومية وقوات الأمن الوطني والميليشيات المحلية، ما تسبب في نزوح جماعي لسكان المنطقة.
ووسعت جماعتان إرهابيتان سلفيتان سيطرتهما في المنطقة، على غرار “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” وتنظيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” التابعتين لتنظيم “الدولة الإسلامية”. واستغلت الجماعتان الفراغ الأمني في هذه المنطقة التي تعتبر مركزا للتطرف العنيف في العالم.
وعلى الجانب الآخر من النيجر، على الحدود بينها وبين تشاد ونيجيريا والكاميرون، تواجه منطقة بحيرة تشاد أزمة أمنية متجذرة بسبب مجموعتين متنافستين خلّفهما انشقاق جماعة بوكو حرام، وهما: “تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” و”الجماعة السنية للدعوة والجهاد”.
ففي العام 2024، أحصت منطقة الساحل أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب في العالم، أي ما يعادل 51% من إجمالي الوفيات في العالم بأسره، وهو رقم قياسي تاريخي بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2025.
ومنذ العام 2015، دأب محققو مركز أبحاث تسليح الصراعات (CAR)، على تصنيف وتتبع الأسلحة والذخائر المُسترجعة من هذه المناطق لمعرفة مصادرها. وأصدروا تقريرا يوم الإثنين 28 أبريل/نيسان، يكشف تركيبة الترسانات التي تمتلكها الجماعات الإرهابية، والديناميكيات المحلية المستعملة لتهريب الأسلحة.
الصين وروسيا وأوروبا الشرقية
ويستند هذا البحث الذي استغرق وقتا طويلا إلى دراسة عالجت أكثر من 700 قطعة سلاح عثرت عليها قوات الأمن الإقليمية لدى الجماعات الجهادية السلفية، بين عامي 2015 و2023، في منطقة ليبتاكو غورما الواقعة بالمنطقة الحدودية الثلاثية (مالي وبوركينا فاسو والنيجر) وفي منطقة الحدود مع بحيرة تشاد.
ويوضح كلاوديو غراميزي، رئيس عمليات المركز في غرب أفريقيا قائلا: “نعمل بالتعاون مع أجهزة الشرطة والدرك والسلطات القضائية، لا سيما في بوركينا فاسو ومالي والنيجر”. ويضيف: “تحتفظ هذه الأجهزة تحت الختم، ببعض الأسلحة التي صادرتها قوات الأمن من الجماعات الجهادية، ليتم تحليلها”.
وتشير الملاحظات الأولى إلى أن المخزونات المصادرة تتكون بشكل شبه حصري من أسلحة ذات طابع عسكري، وخاصة البنادق الهجومية، بنسبة نحو 80%، فضلا عن بنادق قتالية وقاذفات قنابل ورشاشات وقذائف هاون وحتى قاذفات صواريخ.
وتبيّن أن البُلدان المصدرة لمعظم بنادق الهجوم هي الصين وروسيا، وبدرجة أقل، دول أوروبا الشرقية كبولندا ورومانيا وبلغاريا. فيما اتضح أيضا أن غالبية هذه المعدات العسكرية قديمة ويعود تصنيعها إلى عقود. إذ تم إنتاج حوالي 65% منها في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ومن بين الأسلحة التي خضعت للتحليل، لم تُنتج سوى 34 قطعة من أصل 726 بعد العام 2011، أي أقل من 5% من إجمالي الترسانة
اختلاس مخزونات الجيش
وقد عمل المحققون على تحليل الأرقام التسلسلية التي تشير إلى مواقع إنتاج الأسلحة لتحديد مصادر إنتاجها. ثم قاموا بتتبع مختلف مساراتها، معتمدين على رمز العلامة الخاصة بالأسلحة التي أُرسلت ووُزّعت داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
وأثبتت النتيجة أن جزءا كبيرا من مخزونات الأسلحة التي سُلّمت في بداية الأمر إلى جيوش المنطقة استحوذت عليها الجماعات الجهادية خلال الهجمات التي نفذتها في المنطقة. ووفقا لتحقيق الخبراء، نحو ربع الأسلحة التي تم ضبطها عند الجماعات السلفية الجهادية في ليبتاكو غورما مصدرها جيوش بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
ويؤكد كلاوديو غراميزي قائلاً إن “هذا ليس اختلاسا بمعنى فساد أو تواطؤ، وإن كانت هناك بعض الحالات… فغالبًا ما تُفقد هذه الأسلحة أو يُتخلى عنها أثناء الهجمات الجهادية على القوات المسلحة”.
وتعرض الجماعات الجهادية غنائم الحرب هذه بانتظام من خلال مقاطع فيديو دعائية، مثلما حدث مؤخرا في بنين، بعد الهجوم الذي شنته “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” والذي أسفر عن مقتل ما يفوق الـ50 عسكريا.
ويضيف الخبير: “إنها وسيلة للجهاديين يظهرون فيها قوتهم لأغراض التجنيد، وفي نفس الوقت يبعثون من خلالها برسائل سياسية وتهديدات إلى الدول”.
رقابة “صارمة” على الترسانة
وبالإضافة إلى هذه الغنيمة الحربية، تمتلك هذه الجماعات أيضًا مخزونات كبيرة من الأسلحة التي استولت عليها في صراعات سابقة. ويشير التقرير إلى أن هذه الأسلحة يتم تداولها في الأسواق الإقليمية غير المشروعة، حيث تُباع وتُشترى من قِبل جهات مختلفة، بمن فيهم المهربون والجهاديون وأفراد ميليشيات محلية.
ووفق المحققين، تقوم الجماعات الإرهابية في بعض الأحيان ببيع الأسلحة لتمويل شراء معدات جديدة أو لدفع رواتب مجنديها، خاصة باستعمال الذهب. لكن يبقى الأمر محدودا، إذ غالبا ما تفرض هذه الجماعات “رقابة صارمة” على ترسانتها.
ويشير كلاوديو غراميزي إلى سهولة “الحصول على الأسلحة في هذه المناطق لأنها تتوافر بكثرة ومنذ عقود… وهي في الغالب أسلحة مشاة بسيطة، على غرار بندقية كلاشينكوف التي تتطلب القليل من الصيانة ويمكن الاحتفاظ بها طويلا”.
ويضيف الخبير قائلا: “لا يوجد دليل يشير إلى أن تهريب الأسلحة يُمثل مصدر دخل مهم للجماعات الجهادية. فهي تُفضل الحفاظ على مخزوناتها أو حتى زيادتها. كما أنها تستفيد من أنشطة أخرى أكثر ربحية، مثل الاختطاف، وفرض الضرائب على السكان، ونهب الموارد المحلية وغيرها”.
شبكات التزويد
ولفهم سلاسل التوريد، أجرى الخبراء تحليلا قارنوا فيه الأسلحة التي تمت مصادرتها من جماعات مختلفة. ففي نفس المنطقة، تستخدم مختلف الجماعات نفس أنواع الأسلحة، سواءً كانت مُهرَّبة أو لجيوش محلية.
ولم يكشف المحققون وجود شبكات تزويد بين جماعات ليبتاكو-غورما وبحيرة تشاد التي تتشارك نفس الأيديولوجية، على غرار “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” و”الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” ISGS وISAO، ولا وجود لقنوات تتدخل عبرها جهات خارجية.
وهي استنتاجات تُبطل الرواية التي تروجها أحيانا الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل، خاصة زعيم بوركينا فاسو إبراهيم تراوري، الذي قال إن الجماعات الجهادية تتلقى دعما عسكريا من الخارج.
وبالمقابل، يشير التقرير إلى أن آلية التوريد لا تزال محدودة في نطاق ضيق للغاية. على سبيل المثال، لا تمثل الأسلحة القادمة من ليبيا، والتي انتشرت بأعداد كبيرة بعد سقوط نظام معمر القذافي العام 2011، سوى نسبة ضئيلة (7٪) فقط من الأسلحة التي حددها المحققون. ويفيد التقرير أيضا أن عددا قليلا منها وصل إلى ليبتاكو-غورما، وبيعت في أسواق سرية محلية.
ويقول كلاوديو غراميزي: “لا شك أن الأسلحة القادمة من ليبيا ساهمت في تفاقم التهريب، لكن، على الأرجح، سرعان ما توقفت بسبب نقص في المخزونات وتدهور الوضع الأمني في البلاد التي انزلقت إلى حرب أهلية عام 2015″.
خبرة مُهددة
ورغم مدلوله الإخباري البحت، يهدف التقرير الذي أنجزه مركز أبحاث تسليح الصراعات أيضا إلى دعم الجهات المحلية المعنية كالمحققين وموظفي قطاع العدالة الجنائية في عملهم، وذلك من أجل وقف انتشار تهريب الأسلحة. كما أنه يتيح إمكانية تتبع ورصد تطور الترسانات التي تمتلكها الجماعات الجهادية.
ويُقر كلاوديو غراميزي بأن المهمة ما انفكت تزداد صعوبة، ويوضح قائلاً: “في عامي 2016 و2017، تمكنّا من زيارة جميع المحاكم العليا في بوركينا فاسو. ولكن في عامي 2021 و2022، تغيرت الأوضاع على الأرض، فقد نُصحنا بشدة بعدم العودة إلى مواقع معينة في شمال وجنوب غرب وجنوب شرق البلاد. وكان لا بد من إعادة تسليمنا المعدات من هناك”.
وبالإضافة إلى تدهور الوضع الأمني، يواجه المركز سياقا سياسيا متوترا بشكل متزايد منذ وصول المجالس العسكرية إلى السلطة في الدول الثلاث. ويأسف الخبير قائلا: “بعض شركائنا، ولا سيما الاتحاد الأوروبي وكندا، يترددون في التعاون مع المنظمات غير المؤسسية، وتمويلنا ما فتئ يتناقص… كما أصبح الحصول على تأشيرات للعمل في هذه الدول أكثر صعوبة، خاصة للباحثين الذين يحملون جوازات سفر فرنسية”.
وإلى جانب العمل على تقريرها، واصلت فرق مركز أبحاث تسليح الصراعات التدقيق في التغيرات التي تطال تدفقات الأسلحة في منطقة الساحل. وهناك توجه مقلق بالنسبة لكلاوديو غراميزي بشكل خاص يتمثل في زيادة نسبة الذخائر الحديثة جدا في مخزونات الجماعات الجهادية.
ويرى الخبير أن ذلك “يعكس تنامي قوة الجيوش الإقليمية. وهو سباق تسلح يُغذي بشكل غير مباشر مخزونات الجماعات الجهادية… طبعا الرد العسكري ضروريٌّ، ولكن لا يُمكن أن يكون الحل الوحيد. إذ أن تعزيز نظام العدالة الجنائية وأخذ التدابير الاجتماعية المواتية عوامل أساسية لا بد منها أيضا”.
أظهرت مقاطع فيديو التقطت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مقاتلين متحالفين مع الجيش السوداني بصدد مصادرة صناديق من قذائف هاون ذات منشأ أوروبي موجهة وفق تأكيدهم لقوات الدعم السريع، المليشيات السودانية شبه العسكرية التي تواجه الجيش في حرب نظامية مستمرة انطلقت في 15 نيسان/أبريل 2023، ونقلت إلى السودان على الرغم من الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على إرسال أسلحة إلى هذا البلد الذي مزقته الحرب الأهلية. هذا المقال هو الجزء الأول من تحقيق يضم خمسة أجزاء، يغوص في تفاصيل الرحلة المعقدة التي سلكتها هذه الأسلحة من الأراضي الأوروبية وصولا إلى ساحات المعارك في السودان.
يشبه المشهد عملية جرد بضائع، ففي مقاطع فيديو نشرت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 على منصة تويتر وموقع فيس بوك، كان مقاتلون سودانيون يرتدون أزياء عسكرية، وهم جاثمون على ركبهم أو حتى على التراب، بصدد التثبت من عشرات بطاقات الهوية ومن صور شخصية وفوتوغرافية دينية. ينتمي هؤلاء الرجال إلى القوات المشتركة، وهي تحالف من جماعات عسكرية تنشط في إقليم درافور الذي يقع غربي السودان. وتدعم هذه الجماعات المسلحة الجيش النظامي السوداني في الحرب الأهلية في مواجهة مليشيات قوات الدعم السريع.
وأظهرت مقاطع الفيديو لحظات مصادرة هؤلاء المقاتلين لموكب مكون من عدة عربات في قلب الصحراء. وفي هذه الصور، يبدو الذهول على وجوه هؤلاء المقاتلين. وأثناء تحققهم من جواز سفر، يقول هؤلاء المقاتلون بلغة الزغاوة، وهي لهجة محلية في إقليم دارفور: “إلي أي بلد ينتمون؟ انظروا، إنهم يهود يعملون لصالح منظمة دولية” ويضيف نفس الشخص وقد بدا أنه خلط بين صورة شخصية مسيحية كاثوليكية مقدسة مع إحدى الوثائق التي عثر عليها، قائلا: إنهم أناس مستعدون لفعل أي شيء، وحتى للموت في السودان… لقد جاءوا للدفاع عن قوات الدعم السريع” واتهم هذا الرجل في عدة مناسبات أصحاب هذه الوثائق الشخصية الذين يبدو أنه أصيبوا على الأرجح أثناء اعتقالهم على يد هذه الجماعة المسلحة بأنهم “مرتزقة”. ولم يظهر أي أسير أو جثة في هذه المقاطع.
وثائق الهوية التي تعود لهذين الشخصين من “المرتزقة” تم عرضها عدة مرات أمام آلة التصوير. وهو ما يسمح لنا بالإجابة على تساؤلات المقاتلين السودانيين: إذ أن جوازات السفر التي تم عرضها في مقاطع الفيديو تعود لمواطنَين من كولومبيا.
كما نرى عبر مقاطع الفيديو صناديق خشبية كبيرة: والتي ألصقت عليها لافتات برتقالية اللون تأخذ شكل المعين الهندسي والتي تنبه إلى وجود مواد متفجرة، وهي علامة متعارف عليها دوليا للإشارة إلى خطر الانفجار، كما تحتوي هذه الصناديق على ملصقات كرتونية أسطوانية الشكل كتب عليها باللغة الإنكليزية “ 81mm Mortar HE”.
في مقاطع الفيديو التي صورت، قام المقاتلون السودان في القوات المشتركة بإظهار الذخائر التي كان يحملها موكب السيارات عن قرب: ويمكن لنا أن نرى صناديق خشبية دهنت باللون الأخضر ووضع عليها ملصق “قابل للانفجار” وأسطوانات كرتونية تحمل ذخائر. وطبع على هذه الأسلحة باللون الأبيض عبارات تشير إلى طبيعتها: قذائف هاون شديدة الانفجار ( من طراز HE) من عيار 81 مليمتر.
“كل هذه الأسلحة كانت متوجهة إلى قوات الدعم السريع”
خلال عرضه لهذه الذخائر، وجه المقاتل في القوات المشتركة هذه الاتهامات: “هذه الأسلحة كانت متوجهة إلى الجنجويد [فريق التحرير: الاسم الذي توصف به قوات الدعم السريع]. محمد بن زايد هو من أرسلها”. وعند ضربه بقبضته لعربة تمت مصادرتها، يوجه نفس الشخص الاتهامات التالية: “هذا أيضا، الإمارات هي التي قامت بإرساله”.
بعد مرور بضع ساعات، بدأت حركة تحرير السودان، وهي إحدى الحركات المسلحة المنضوية تحت لواء القوات المشتركة في إصدار بيانات رسمية عن هذه المصادرة الضخمة للأسلحة. ونتعرف على مزيد من التفاصيل التي دفعت شخصين أجنبيين إلى عبور صحراء دارفور مع هذه الذخيرة.
“في منطقة صحراوية، على حدود السودان مع ليبيا وتشاد، نجحت القوات المشتركة في كشف محاولة كبيرة لتهريب الأسلحة التي كانت متوجهة إلى مليشيا قوات الدعم السريع الإرهابية” وفق ما أوضحته هذه الحركة على صفحتها في فيس بوك. كما كشفت حركة تحرير السودان أيضا بأن “المرتزقة” كانوا يحملون قطعًا نقدية من الإمارات العربية المتحدة. ولم توضح هذه الحركة المسلحة ما إذا كان هؤلاء الرجال من الكولومبيين، والذين تتهمهم بأنهم مرتزقة، بعد أن قامت بأسرهم قبل أن تقتلهم أو تصيبهم.
وبفضل هذه الملفات المصورة من قبل مقاتلي القوات المشتركة، تمكن فريق تحرير مراقبون فرانس24 من إعداد تحقيق حول مسار هذه الأسلحة الظاهرة في مقاطع الفيديو. وتم التأكد من أن هذه الأسلحة تم تصنيعها في إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتم تصنيعها في بلغاريا واشترتها شركة إماراتية. وقبل دخولها إلى السودان وضبطها من قبل القوات المشتركة، قام الموكب بنقلها إلى شرق ليبيا، وهي منطقة يسيطر عليها جيش المشير خليفة حفتر المتحالف مع الإمارات العربية المتحدة. وكثيرا ما تواجه هذه الدولة الخليجية اتهامات من قبل خبراء في الأمم المتحدة بمساندة قوات الدعم السريع ماليا وعسكريا خصوصا بهدف الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في هذه المنطقة. ولطالما نفت السلطات في الإمارات هذه الاتهامات.
أسلحة أوروبية تم تصنيعها في بلغاريا
وتشير اللافتات الكرتونية الملصقة على هذه الأسلحة إلى أنها تحتوي على قنابل هاون.
في هذا المقطع المصور الذي التقطه مقاتلون في القوات المشتركة في يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وفي الثانية الرابعة منه، نرى بشكل واضح العلامات الموجودة على هذه الاسطوانات الكرتونية التي وضعت داخلها الذخائر. وتشير هذه الملصقات إلى أن هذه الأسلحة تتمثل في “قنابل هاون عيار 81 مليمتر”.
“إنها ذخائر موجودة بشكل شامل في كل ساحات القتال خصوصا في السودان خلال العقود القليلة الماضية” وفق تأكيد مايك لويس المتخصص في النزاعات المسلحة والعضو السابق في مجمع الخبراء التابع للأمم المتحدة حول السودان. ويضيف مايك لويس قائلا: “قنابل هاون هي متفجرات يتم إلقاؤها إلى الأعلى من مدفع على شكل خرطوم، الذي يشكل منحنى في شكل جرس، ومن ثم تسقط على المواقع المستهدفة”
في أحد مقاطع الفيديو التي التقطها مقاتلون في القوات المشتركة في يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فتح الرجل الذي التقط المشهد أحد صناديق الذخائر، ونرى من خلال صوره شعارا مطبوعا باللون الأسود على الخشب “BG-RSE-0082-HT”.
هذا النقش بالحديد الأحمر هو عبارة عن شفرة ISPM-15 وهي إشارة وجوبية على الصناديق الخشبية. ويشير الحرفان الأولان إلى بلد المنشأ “BG” وهي التي تتعلق ببلغاريا.
إليكم مؤشرا آخر عن البلد المنشأ الذي تم فيه إصدار هذه الملصق: وقد تمت كتابته باللغتين الإنكليزية والفرنسية، إلا أنها تحتوي على اسمين مكتوبين بالحروف الروسية. وتستخدم بلغاريا حروف الأبجدية الروسية: والاسمان الظاهران على الملصق يعودان لامرأتين تحملان لقبا دارجا على نطاق واسع في بلغاريا.
وتشير الشفرات تواليا إلى ما يلي: إم ـ 6 (M-6) هي عبارة عن نوع جهاز تفجير يسمح بتفجير الذخيرة. أما شفرة “81mm Mortar HE” فتشير إلى نوع الذخيرة في حد ذاتها: وهي قنبلة هاون من عيار 81 مليمتر شديدة الانفجار”، أما شفرة “1+3 increment charges” فتشير إلى وجود عدد كوابل إطلاق الذخائر، المتعارف عليها في هذا النوع من القنابل.
لكل واحد من هذه المنتجات الحربية رقم تسلسلي من ستة أرقام، يسمح لنا بتحديد الشركة المنتجة ومسارها التجاري. وكل واحد منها يبدأ بالرقم 46، وفق توضيح خبير في الأسلحة تواصل معه فريق تحرير مراقبون فرانس 24 الذي يؤكد بأن الرقم التسلسلي الذي يبدأ بالرقم 46 يشير إلى شفرة التعريف البلغارية، وإلى أن هذه الذخائر تمت صناعتها من قبل شركة “دوناريت Dunarit ” البلغارية. أمام الرقم 19 الموجود في آخر الرقم التسلسلي فيشير وفق المصدر إلى تاريخ التصنيع، وهي سنة 2019، وهو ما يفسر المعلومات الموجودة على ملصقات الذخائر التي تم ضبطها في السودان.
على موقع شركة دوناريت، نتأكد من أن هذه الشركة البلغارية تقوم بالفعل بتصنيع قذائف شديدة الانفجار من عيار 81 مليمتر.
إضافة إلى ذلك، تسمح عملية بحث عبر صفحات الشركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالعثور على صور لقذائف هاون داخل صناديق خشبية، وبنفس شكل الصناديق الموجودة في مقاطع الفيديو التي تم التقاطها في السودان. ونرى نفس الشفرة ISPM-15 على صناديق الشركة. أما طريقة كتابة الرقم التسلسلي فهي نفسها المنقوشة على الذخائر التي تم العثور عليها في السودان.
المدير العام لشركة دوناريت لا ينفي بأن هذه الأسلحة تم إنتاجها في مصانعه
وعند اتصال فريق تحرير مراقبون فرانس 24 بع، لم ينف الرئيس المدير العام لشركة دوناريت بيتار بيتروف بأن قنابل هاون هذه قد تم تصنيعها في معامل شركة، ويوضح في اتصال هاتفي قائلا:
هناك مراقبة شديدة الصرامة على هذا النوع من البضائع في بلغاريا. وفق معلوماتي. كل ما وجد في هذا العقد [فريق التحرير: الذي سمح بتصدير هذه الأسلحة] تم وفق الضوابط القانونية”
إلا أن بيتار بيتروف لم يستطع أن يصدق في المقابل بأن قنابل شركته تم تصويرها في السودان ولا يقر بأن مقاطع الفيديو التي التقطها مقاتلون في صفوف القوات المشتركة تمثل دليلا على وجودها في البلاد
قنابل تنتهك حظر تصدير الأسلحة الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على السودان
ولكن كيف تم العثور على هذه القنابل التي تم تصنيعها في بلغاريا البلد العضو في الاتحاد الأوروبي في موكب تزويد أسلحة لصالح قوات الدعم السريع؟ إذ أن الاتحاد الأوروبي الذي تعد دولة بلغاريا أحد أعضائه يفرض منذ عام 1994 حظرا شاملا على تصدير الأسلحة إلى السودان. ووفق النسخة الحالية من قرار الحظر كتب ما يلي : “بيع وتزويد ونقل أو تصدير الأسلحة والمواد الملحقة، بما يشمل الأسلحة والذخائر… إلى السودان من قبل مواطنين في الدول الأعضاء في التكتل أو انطلاقا من أحد الدول الأعضاء”؟
نيكولاس مارش هو باحث متخصص في تصدير الأسلحة في معهد البحوث حول السلام ومقره أوسلو، يعلق قائلا:
حظر تصدير الأسلحة من الاتحاد الأوروبي إلى السودان ينطبق بشكل واضح على هذا النوع من الذخائر. إنها سياسة أوروبية شديدة الوضوح. وبالتأكيد توجد استثناءات، إلا أنني لا أرى كيف يمكن أن تتم عملية نقل أسلحة من هذا النوع إلى السودان من دون أن يتم التفطن إليها. إنه من دون شك انتهاك للسياسة الأوروبية في هذا المجال.
أما السلطات في بلغاريا فتؤكد بأن هذه الأسلحة لم يتم إرسالها بطريقة مباشرة من بلغاريا إلى السودان. وفي ردها على استفسارات فريق تحرير مراقبون عبر البريد الإلكتروني، فإن اللجنة الوزارية المشتركة حول مراقبة الصادرات، وهي الهيئة المكلفة في بلغاريا بإصدار تراخيص تصدير الأسلحة تؤكد بأن عملية البيع تمت “من خلال ترخيص تم مراقبته بصرامة إلى سلطة حكومية لا توجد ضدها أي عقوبات بحظر تصدير الأسلحة” وتؤكد الهيئة “بشكل قاطع بأن السلطة البلغارية المختصة لم تمنح أي ترخيص للتصدير في اتجاه السودان” لهذا النوع من الذخائر.
ومثلما ما تؤكده الأجزاء المقبلة من تحقيق فرير تحرير مراقبون، فإن الذخائر التي صنعتها شركة دوناريت البلغارية لم يتم بالفعل تصديرها بطريقة مباشرة إلى السودان. بل تم بيعها في المقابل إلى شركة إماراتية معروف على نطاق واسع بأنها تقوم بنقل أسلحة إلى مناطق خاضعة لعقوبات دولية بحظر تصدير الأسلحة وهي شركة إنترناشونال غولدن غروب International Golden Group.
حين احتشد السودانيون في العاصمة الخرطوم مطالبين بالإطاحة بالرئيس عمر البشير ونظامه نهاية عام 2018، كان الرجل الأربعيني الذي يعتبره البشير أحد حماة النظام يعاير حساباته بدقة. كان حميدتي واحدا من أولئك المنحدرين من أطراف السودان التي توصف في أدبيات الصراع بالمهمشة لكنه وجد ضالته في التحالف مع المركز وممارسة القمع نيابة عنه في الأطراف وفي مقدمتها إقليم دارفور.
لكن الانتفاضة ضد البشير كانت بمثابة لحظة وحدة نادرة هتف خلال الجميع ضد النظام بشعار “كلنا دارفور” فيما بدا وكأنه تمرد على التقسيم الضمني التقليدي بين الحواضر المركزية والأطراف المهمشة.
end of list
أغرت نشوة الثورة أهالي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لدعم الحركة الاحتجاجية، ولتذكير الحشود في الخرطوم أيضًا بالأهوال التي واجهوها. وبالتزامن مع ذلك احتشدت مجموعة أخرى من سكان دارفور في شوارع العاصمة في نفس الوقت تقريبًا هي قوات الدعم السريع حاملة إرث ميليشيا الجنجويد التي كانت مسؤولة عن معظم أعمال العنف في دارفور وضواحيها.
ولكن في هذه المرة قرر رجال حميدتي دعم الاحتجاجات ضمنيا وتنكروا لأوامر البشير لإخماد المظاهرات ما أكسبه شعبية في العاصمة لا تتناسب مع إرثه الدموي، غير أن أولئك القادمين من دارفور والمناطق الأخرى التي مزقتها الحرب ظلوا حذرين تجاه نوايا الرجل الذي يعرفونه أكثر من غيرهم.
تبدأ قصتنا إذن من الهامش وليس من المركز المتهم باحتكار المنعة والسيطرة، من إقليم دارفور الممتد غربي السودان على مساحة شاسعة تعادل خمس مساحة البلاد، وتناهز مساحة فرنسا بالكامل تقريبا.
يتسم الإقليم بتنوع واسع في المناخ والتضاريس، فمن الجنوب حيث الأمطار الغزيرة تنتشر السافانا الغنية، بينما تقل كثافتها في الوسط مفسحة المجال لهضبة مبسوطة تحيط بها الجبال، أما الشمال، فتشغله صحراء شاسعة مترامية الأطراف. وفيما وراء كل ذلك تقبع الموارد الطبيعية الوفيرة، يحوطها موقع جيوسياسي متميز يتغذى بتاريخ سياسي يعود إلى ما قبل نشأة السودان الحديث، إذ تأسست سلطنة دارفور الإسلامية عام 1596، ما جعل الإقليم كيانا سياسيا مستقلا لعقود طويلة.
خريطة السودان ويظهر عليها إقليم دارفور المحاذي لتشاد (الجزيرة)
في تلك المنطقة الغنية جغرافيا وتاريخيا، استوطنت قبائل عربية رحّالة امتهنت رعي الإبل، عُرفوا بـ “الأبالة”، وتنقلوا بحرية بين السودان وتشاد قبل ترسيم الحدود بين البلدين. وقد ساهمت موجات الجفاف والصراعات، لا سيما في تشاد بين الستينيات والثمانينيات، إلى دفع العديد من هذه القبائل إلى النزوح نحو السودان، ومن بينها عشيرة “أولاد منصور”، التي تنتمي إلى فرع “الماهرية” من قبيلة “الرزيقات” إحدى أعرق قبائل المنطقة، وأكثرها مكانة وتجذرا.
كان “دقلو” الأب زعيم هذه العشيرة في تشاد، وخلفه ابنه “جمعة”، الذي قاد “أولاد منصور” خلال رحلة النزوح إلى شمال دارفور في أواخر الثمانينات، إلا أن سلطات الإقليم لم تعترف بزعامته، مما دفع العشيرة إلى البحث عن موطئ قدم في الجنوب، حيث لاقت ترحيبًا من السلطات المحلية، واستقر بهم المقام في منطقة كانت تابعة لقبيلة الفور وأعادوا تسمية الموقع من “دوغي” (بلغة الفور) إلى “أم القرى”.
وفي منتصف السبعينيات رُزق “حمدان”، شقيق جمعة دقلو، بابنه محمد، الذي أطلقت عليه والدته لقب “حميدتي”، أي “محمد الصغير”.
لم يُكمل “حميدتي ” تعليمه، إذ انقطع عن الدراسة في الصف الثالث الابتدائي ليمتهن النشاط التقليدي لعشيرته: رعي الإبل والتجارة على امتداد الحدود بين السودان وتشاد وليبيا. لاحقًا، وسّع أعماله لتشمل تجارة الأثاث والتحف، وامتلك متجرًا كبيرًا في نيالا، حاضرة جنوب دارفور. وربما كانت قصة حميدتي لتنتهي هناك – منقطعًا عن الدراسة، رحّالًا، تاجر إبل، ورجل أعمال صغير- لولا أن اندلاع التمرد في دارفور قلب مساره رأسًا على عقب، بل وربما أعاد رسم معالم المشهد الجيوسياسي في السودان والمنطقة بأكملها.
حميدتي.. من دروب الصحراء إلى معسكرات الجنجويد
منذ استقلال السودان عام 1956، كانت البلاد مسرحا لصراعات داخلية ممتدة، شملت عقودا من الحروب الأهلية المتتالية وزهاء 20 محاولة انقلابية منها 3 انقلابات كبرى ناجحة (1958 و1969 و1989) وثورتين شعبيتين في عامي 1964 و1985 أطاحتا بحكومتي الرئيسين إبراهيم عبود وجعفر نميري على التوالي، بخلاف انتفاضة عام 2019 التي انتهت بإطاحة الجيش بالرئيس عمر البشير.
وقد لجأت الحكومات السودانية المتعاقبة، بدءاً من عهد النميري، إلي تسليح القبائل واستخدامها للقتال بالوكالة، لمواجهة حركات التمرد المسلحة في الأطراف التي رفعت شعارات المساواة في التنمية والمشاركة في السلطة.
لتحقيق ذلك، تبنت الدولة خطابًا اعتبر تحريضيًا يقوم على إذكاء العداءات التاريخية بين القبائل، وهي في الأساس صراعات على الموارد مثل الأراضي الزراعية والمراعي، وقد منحت هذه الميليشيات القبلية الحكومة ميزة لا يمتلكها الجيش الرسمي، إذ كانت أكثر دراية بجغرافيا الإقليم، وأكثر قدرة على تبني تكتيكات حروب العصابات التي تستخدمها الحركات المسلحة، باستخدام السيارات المسلحة رباعية الدفع مقابل الجيش الذي ينتهج الخطط العسكرية المتأنية القائمة على الترابية بما لا يساعد في المناورة السريعة في أرض المعركة والتصدي لتلك الحركات.
ظهر أول نموذج لهذه الميليشيات في عهد نميري، عندما استعان بـ “القوات القبلية الصديقة” لمواجهة التمرد في جنوب السودان بقيادة العقيد اليساري جون قرنق، ثم واصل الصادق المهدي النهج ذاته في الثمانينيات عبر تأسيس ميليشيا “المراحيل”، قبل أن يتبنى نظام الإنقاذ هندسة مقاربة أكثر تنظيما للفكرة ذاتها بإنشاء “قوات الدفاع الشعبي” عام 1989.
جعفر النميري هو الرئيس الرابع للسودان خلال الفترة من 25 مايو/أيار 1969 إلى 6 أبريل/نيسان 1985. (غيتي)
سار البشير على نفس الاستراتيجيات السابقة التي انتهجها سابقوه لمواجهة التمرد وكان ميدان المواجهة الرئيسي هذه المرة هو دارفور، بيد أنه لم يتوقع ربما أن النار التي أشعلها هناك في أقصى الغرب ستقضي على نظامه يومًا ما في الخرطوم.
كانت البداية عام 2003 عندما أعلنت حركتان مسلحتان، هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وكانتا تتكونان من جماعات زراعية تعود جذورها إلى قبائل افريقية أبرزها الزغاوة والفور تمردهما على السلطة المركزية في الخرطوم، متهمتين إياها بتهميش الإقليم الغربي تنمويا وسياسيا.
وسرعان ما أربك التمرد الجديد خطط حكومة البشير التي كانت قد أحرزت آنذاك تقدمًا كبيرًا في مفاوضاتها مع حركة جون قرنق في الجنوب، والتي تُوّجت لاحقًا باتفاق سلام في مطلع 2005، مهّد لانفصال جنوب السودان في يوليو/ تموز 2011 بموجب استفتاء شعبي منصوص عليه في الاتفاقية.
سرعان ما تصدرت أخبار الحرب في دارفور وسائل الإعلام العالمية، غير أن الخرطوم اتهمت واشنطن بالمبالغة في توصيف الصراع للتغطية على غزوها أفغانستان والعراق.
وفي غضون فترة قصيرة تمكنت الحركات المسلحة من توجيه ضربات قاسية للحكومة، أبرزها هجوم عنيف على مطار الفاشر ما دفع البشير للجوء إلى الزعيم القبلي موسى هلال من فرع المحاميد بقبيلة الرزيقات، التي قاتلت مع الحكومة أثناء الحرب الأهلية في الجنوب (1983-2005).
وهكذا، تأسست مليشيا “الجنجويد” -والتي تعني “الجن على ظهر الخيل” كناية عن الإقدام- بزعامة هلال، للقتال في دارفور نيابة عن الحكومة والبشير، فيما تولى مكتب استخبارات حرس الحدود الإشراف عليها وتنظيمها.
موسى هلال كان من مؤسسي قوات الجنجويد (الجزيرة)
تشكلت نواة الجنجويد من شباب القبائل العربية، لا سيما المحاميد والماهرية من قبيلة الرزيقات إضافة إلى مهاجرين تشاديين، وكان بعض منسوبيها من “المتمردين السابقين”. وكان من أبرز المنضمين إلى صفوف ميليشيات موسى هلال أولاد عمومتة من عشيرة أولاد منصور ومنهم حميدتي الذي تتضارب المعلومات حول طريقة انضمامه إلى الجنجويد بين روايتين مختلفتين.
الرواية الأكثر شيوعا هي أنه اضطر إلى حمل السلاح في صراع دارفور والانضمام للجنجويد عندما هاجم مسلحون إحدى قوافله التجارية، وقتلوا 60 من أفراد عائلته ونهبوا جماله.
أما الرواية الثانية، فقد نشرتها صحيفة التلغراف البريطانية عام 2019 في تحقيق لكبير مراسليها الأجانب رولاند أوليفانت، نقلاً عن أحد ضباط جهاز الأمن والمخابرات الذي كان مشاركًا بنفسه في الأحداث كما تقول الصحيفة.
وفقًا للضابط المذكور، كان حميدتي زعيمًا لعصابة تهاجم القوافل التجارية في صحراء دارفور لنهب الوقود وبيعه للمتمردين، إلى أن اعتُقل بواسطة جهاز الأمن والمخابرات وبمشاركة الضابط نفسه.
تعرض حميدتي للتعذيب أثناء اعتقاله بعد أن حاولت عصابته تهريبه من السجن، لكن بعد فترة وجيزة، تفاجأ الضابط عند استدعائه إلى الخرطوم بأن أسيرهم السابق قد أُطلق سراحه، ومنح زي جهاز الأمن والمخابرات، وأُقنع بقيادة عصابته ضد المتمردين.
وقد أشارت الصحفية والكاتبة السودانية نسرين مالك في تحقيق نشرته بصحيفة الغارديان عام 2023 إلى رواية مشابهة لذلك عن حميدتي، استنادًا إلى مصادر عايشت تلك الفترة.
استمرت ما باتت تُعرف بـ”حرب دارفور الأولى” حتى عام 2008 وأدت إلى تدمير المنطقة تماما وعانى على إثر ذلك سكان دارفور المدنيون معاناةً بالغة طوال فترة الصراع، إذ قُدّرت أعداد القتلى بأكثر من 300 ألف شخص وفقًا للأمم المتحدة، نتيجةً للعنف، أو الأمراض، أو المجاعة أو الجفاف الناجم عن الحرب، فيما شُرّد نحو 3 ملايين داخل السودان وخارجه.
واتُّهم مسؤولون حكوميون وقادة الجنجويد بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب في دارفور، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق الرئيس البشير في عامي 2009 و2010 على خلفيّة أحداث دارفور، لكنها لم تُنفّذ حتى الآن.
خلال تلك الحرب المدمرة سطع نجم حميدتي وبرز مقاتلا شرسا. على سبيل المثال في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، قاد هجوما منسقا تديره الدولة باستخدام الجنجويد والجيش ضد قرية “عدوة” في ولاية جنوب دارفور، مما أسفر عن مقتل 126 شخصًا، ووفقًا لشهود عيان لمجلة فورين بوليسي، قاد حميدتي مئات الرجال في غارة على منطقة شمال دارفور التي يسيطر عليها المتمردون، حيث دهس الجنجويد مدنيين بشاحناتهم الصغيرة واغتصبوا النساء لدرجة أن أساليبه العنيفة خلقت توترات مع ضباط الجيش المرافقين له.
وأكسبت التأثيرات الميدانية التي خلفها حميدتي ومقاتلوه في قمع التمرد على الأرض ثقة هلال والبشير ليصبح أحد أمراء الحرب المرموقين في الجنجويد منذ عام 2006 وما بعدها.
حميدتي.. من التمرد إلى الدعم السريع
في غضون ذلك بدأ حميدتي يشعر أنه يستحق موقعا أفضل في هياكل النفوذ والسلطة في السودان، لذا فقد شرع عام 2007 في تمرد ضد الحكومة، وهو ما وثّقه تحقيق ميداني مصور لشبكة سي إن إن بعنوان “في حضرة الجنجويد” أو “Meet the Janjaweed”، حيث ظهرت المذيعة نعمة الباقر لأول مرة في معسكرات الجنجويد ومخيمات النزوح في دارفور.
ظهر حميدتي في الفيلم قائلًا إن الحكومة، وعلى رأسها البشير، جندته لقتال المتمردين وزودته بالسلاح، مشيرًا إلى أن رجاله بريئون من الجرائم التي وثقتها التقارير الأممية، كما ظهر في الوثائقي شقيقه عبد الرحيم دقلو متحدثًا عن خيانة الحكومة لهم.
ووفقًا للباحث والمؤلف جيروم توبيانا الذي نشر تقريرا عن حميدتي في مجلة فورين بوليسي، فإن السبب الحقيقي لتمرد دقلو هو اتفاق سري أُبرم مع وزير الدفاع التشادي بشارة عيسى جاد الله، وهو قريب لحميدتي، نص على امتناع الأخير عن قتال الحركات المتمردة في دارفور في سياق التوترات بين حكومتي البشير في السودان وإدريس ديبي في تشاد.
بعد تمرد استمر ستة أشهر قاتل خلالها حميدتي الحكومة وأسقط مروحية عسكرية للجيش، جرت تسوية الوضع معه، حيث عُيّن مستشاراً في لجنة أمن ولاية جنوب دارفور في نيالا ومنح مبلغًا ماليًا مجزيًا، كما دُفعت رواتب جنوده المتأخرة.
في لقائه مع جيروم توبيانا في تحقيق فورين بوليسي قال حميدتي “لم نصبح متمردين حقًا. أردنا فقط لفت انتباه الحكومة، وإخبارهم أننا هنا، من أجل الحصول على حقوقنا: الرتب العسكرية، والمناصب السياسية، والتنمية في منطقتنا”.
بحلول عام 2008 انتهت عملياً حرب دارفور الاولى تحت وطأة الضغط الدولي علي حكومة البشير خاصة مع تصاعد توثيق الفظائع المرتكبة في الإقليم، ما اضطرها لقبول نشر بعثة حفظ سلام مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وبالتالي لم يعد استمرار الجنجويد في دارفور ممكنا.
وقتها جرى استدعاء هلال وحميدتي إلى الخرطوم للمكافاة، حيث عُيّن الأول مستشارًا للبشير، بينما مُنح حميدتي الذي لم يكمل تعليمه الأساسي رتبة “عميد”.
تزامنا مع تلك “الترقية” أوكل نظام البشير إلى حميدتي قيادة مجموعة من الميليشيات لاستكمال العمليات ضد التمرد ولكن هذه المرة عبر الأراضي التشادية، حيث كُلّف بالقتال ضد نظام الرئيس إدريس ديبي الذي كانت الخرطوم تتهمه بدعم المتمردين في دارفور.
ومع نهاية عام 2009، بدا أن خطة الخرطوم قد نجحت، إذ تحسنت علاقتها مع إنجمينا بتوقيع اتفاق يمنع أي طرف من دعم المتمردين ضد الطرف الآخر.
وفي عام 2011 تم توقيع اتفاق سلام في الدوحة بين الحكومة وأبرز الحركات المتمردة في دارفور برعاية الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي.
بعد أدائه الاستثنائي في دارفور وإنجمينا أصبح محمد حمدان دقلو شخصية موثوقة لدى الخرطوم، لكن مليشيا الجنجويد كانت قد اكتسبت سمعة سيئة، وأصبح مجرد ذكر اسمها وصمة عار لكل قياداتها السابقة.
في تصريح لصحيفة “نيويورك تايمز”، عبّر حميدتي عن استيائه من وصف قواته بالجنجويد قائلًا “الجنجويد يعني قطاع طرق ينهبونك على الطريق. إنها مجرد دعاية من المعارضة”. وفي إطار سعيها للتخلص من هذا الإرث، أصدرت حكومة البشير قانونًا في 2013 يقضي بإنشاء “قوات الدعم السريع” كجزء من جهاز الأمن والمخابرات الوطني.
بموجب هذا القرار، تحولت مليشيات الجنجويد رسميًا إلى قوات الدعم السريع في محاولة للتخلص من إرث الميليشيا المرعب.
تولى حميدتي قيادة القوة الجديدة بعد أن منح رتبة جنرال رغم عدم مروره عبر الكلية الحربية، في المقابل جرى تهميش موسى هلال في موقعه كمستشار للبشير.
وفي غضون فترة قصيرة تحول الدعم السريع إلى قوة لا يُستهان بها، مزوّدة بأسطول من سيارات الدفع الرباعي الصغيرة المحملة بالرشاشات الثقيلة وامتدت مهامها إلى محاربة التمرد وأي تهديدات للنظام ليس فقط في دارفور، بل أيضًا في جنوب كردفان والنيل الأزرق وحتى في العاصمة الخرطوم حيث استُخدمت في قمع الاحتجاجات.
وخلال انتفاضة سبتمبر/ أيلول 2013، اتُهمت قوات الدعم السريع بقتل 185 متظاهرًا أثناء احتجاجهم على سياسات التقشف التي أقرها البشير حينها.
بحلول 2012، جرت تحضيرات لإعادة إرسال قوات الدعم السريع إلى دارفور باسمها الجديد، ولكن بنفس تكتيكاتها الوحشية.
بدأت طبول الحرب تُقرع مجددًا في الإقليم بعد أقل من عامين على اتفاق سلام الدوحة، وبعد عقد على اندلاع الحرب الأولى، مدفوعة باكتشافات الذهب الهائلة في جبل بني عامر ومناطق أخرى في الإقليم.
رأت الخرطوم في هذا الذهب تعويضًا عن خسائر النفط الحاصلة إثر انفصال الجنوب، لكن سيطرتها عليه لم تكن مضمونة، إذ أظهرت القبائل المحلية مقاومة، بينما بدأ موسى هلال، الذي شعر بالتهميش، في بناء قوة جديدة تحت مسمى “مجلس الصحوة الثوري”، وفرض سيطرته على بعض المناجم تزامن ذلك مع تصاعد عمليات “الجبهة الثورية” وهو تحالف واسع للحركات المسلحة المعارضة للبشير والتي تمكنت في 2013 من السيطرة على مدينة “أبو كرشولا” بجنوب كردفان.
هنا، دخلت قوات الدعم السريع المشهد رسميا بعد حصولها على بطاقات هوية من جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ما منح أفرادها حصانة قانونية بالتزامن مع اكتسابها صفة “قوة نظامية”.
بالتوازي مع ذلك، وسّع حميدتي قواته بضم مقاتلين من قبائل أخرى، إضافة إلى عناصر أجنبية، وبحلول فبراير/ شباط 2014، وصل تعدادها إلى 6000 مقاتل مزودين بـ 750 مركبة. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2014، أعلن البشير الحرب على “التمرد” في دارفور مجددا بشكل رسمي مع تحييد دور البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد)، لتبدأ “حرب دارفور الثانية” بقيادة حميدتي، الذي شنّ خلالها حملتي “الصيف الحاسم 1 و2” بين عامي 2014 – 2015.
في عام 2013 أصدرت حكومة البشير قانونًا يقضي بإنشاء “قوات الدعم السريع” كجزء من جهاز الأمن والمخابرات الوطني. (مواقع التواصل)
وثّقت منظمات دولية، أبرزها “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها تحت عنوان “رجال بلا رحمة” جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال العمليتين، تضمنت القتل الجماعي، والاغتصاب، والتعذيب، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات.
كما كشفت منظمة العفو الدولية في تقريرها “أرض محروقة وهواء مسموم” عن استخدام أسلحة كيميائية في هجوم جبل مرة 2016 الذي نفذته قوات حميدتي مدعومة بالقوات المسلحة السودانية، مستهدفةً الجماعات غير العربية، وخاصة قبيلة الفور، فيما وصفته بأنه “إبادة جماعية”.
إضافة إلى ذلك، نشر الباحث إريك ريفز دراستين حول تغيير التركيبة السكانية في دارفور وجرائم الاغتصاب الممنهجة، تضمنت أرشيفًا موسعًا لحوادث العنف العرقي، التي قُدرت بنحو ألف حادثة، وشملت القتل، والتهجير القسري، وتدمير القرى.
وبالتزامن مع هذا الدمار الموسع، استفاد حميدتي من الحرب ترسيخا لنفوذه وسلطته بعدما أفضت إلى إزاحة موسى هلال، الذي اعتُقل في عام 2017 بمساعدة حميدتي، وزُجّ به في السجن بالخرطوم، مما كرّس صعود الأخير كأقوى قائد عسكري خارج المؤسسة الرسمية.
حميدتي.. بين الثروة والسلطة
مع نهاية حرب دارفور الثانية أصبح حميدتي وقوات الدعم السريع رقما صعبا لا غنى عنه في دولة البشير الذي أصدر قانونا عام 2017 ضم بموجبه قوات الدعم السريع لتصبح جزءا من القوات المسلحة تابعة مباشرة لسلطة الرئيس (البشير)، بهدف أساسي هو حماية نظامه من المتمردين، إضافة إلى الخصوم المحتملين سواء من الجيش أو قطاع الأمن.
وقد جرى إصدار هذا القانون للالتفاف على رفض قيادات الجيش لممارسات ونفوذ الدعم السريع، كما رُقي بموجبه حميدتي مجددا إلى رتبة فريق، ومنحت قواته تواجدا رسميا في العاصمة الخرطوم وباقي مدن السودان لحماية النظام، إلى جانب تسليحها بأسلحة ثقيلة. وتوثقت مع ذلك علاقة البشير بحميدتي وكأنه ابنه الذي لم يلده حتى أطلق عليه لقب “حمايتي” حسب بعض الروايات.
غير أن النفوذ الذي حصل عليه حميدتي لم يقتصر على القوة العسكرية، لكنه جاوزها إلى بناء إمبراطورية اقتصادية انطلاقًا من سيطرته على مناجم الذهب في جبل عامر، التي كانت السبب الرئيسي في اندلاع حرب دارفور الثانية.
بادئ ذي بدء، تشير وثائق مسربة إلى أن قوات الدعم السريع تمتعت باستقلال مالي عن الدولة، حيث امتلكت حسابات مصرفية خاصة باسمها، لكن رأس حربة الإمبراطورية الاقتصادية لحميدتي وعائلته هي شركة “الجنيد”، التي سُميت تيمنا بجدّ قبيلة الرزيقات، ويمتلكها رسميا ثلاثة أفراد من عائلة دقلو: شقيق حميدتي، الفريق عبد الرحيم حمدان دقلو، ونجلاه عادل وعلاء عبد الرحيم، بينما شغل حميدتي عضوية مجلس إدارتها.
سلط تحقيق لمنظمة “غلوبال ويتنس”، نشر منتصف 2019 بمشاركة الصحفي والباحث المصري الراحل محمد أبو الغيط، الضوء على الشبكة المالية المتطورة لشركة “الجنيد” ودورها في تسليح قوات الدعم السريع عبر سيطرتها على معظم مناجم الذهب في البلاد، بما في ذلك جبل عامر، إضافة إلى توسع أنشطتها الاقتصادية باستخدام بنوك وشركات حكومية كواجهات لعملياتها العابرة للحدود، وبشكل منفصل تمامًا عن الخزانة العامة في السودان.
تأكدت هذه الحقائق لاحقًا عندما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على “الجنيد” في منتصف 2023 عقب اندلاع الحرب الأخيرة في 15 أبريل/ نيسان، وجاء في نص القرار: “شركة الجنيد للأنشطة المتعددة المحدودة هي شركة قابضة سودانية يسيطر عليها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو وشقيقه نائبه عبد الرحيم دقلو.
تتخذ الشركة من الخرطوم مقرًا لها، وتدير 11 شركة تابعة لها في قطاعات اقتصادية متعددة، بما في ذلك تعدين الذهب. منذ استيلاء قوات الدعم السريع على منجم جبل عامر عام 2017، أصبح الذهب وتصديره مصدر دخل حيوي لعائلة دقلو وقوات الدعم السريع”
بيد أن نفوذ حميدتي وقواته تجاوز حدود السودان، حيث أصبحت قوات الدعم السريع لاعبًا بارزا في الأمن الإقليمي. ففي 2015، أُرسلت فرقها للقتال في حرب اليمن، كما لعبت دورًا بارزًا في دعم قوات الجنرال خليفة حفتر في ليبيا. والأكثر إثارة للجدل، أن الاتحاد الأوروبي استعان بقوات الدعم السريع ضمن جهوده لمكافحة تدفق المهاجرين الأفارقة عبر السودان إلى أوروبا، وذلك ضمن عملية “الخرطوم”، رغم سجل هذه القوات الدموي في دارفور.
وقد كشف مؤسسة كلينجدال الهولندي للشؤون الدولية “Clingendael” في تحقيق استقصائي عن قيام الاتحاد الأوروبي بدفع 200 مليون يورو لحكومة البشير في الفترة بين 2016 حتى 2018 مقابل ذلك التعاون مع الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة.
وقد أكد حميدتي نفسه هذه الحقيقة خلال خطاب متلفز نقله التلفزيون السوداني الرسمي في وسط حشد من جنوده، بل إنه هدد بإعادة فتح الحدود إذا لم يتم الاعتراف بمجهوداته وتقديرها بشكل مناسب.
فيما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” لاحقاً أن قوات الدعم السريع لعبت دورًا مزدوجًا خلال عملية “الخرطوم”، حيث قامت بملء شاحناتها بالمهاجرين الأفارقة ثم بيعهم إلى المتاجرين الليبيين، الذين غالبًا ما كانوا يسجنونهم في بيوت تعذيب ويجبرونهم على دفع فدية أو يحولونهم إلى عبيد.
من خلال هذه الأدوار الإقليمية، تدفقت الأموال إلى جيوب حميدتي وخزائن قوات الدعم السريع، ليس فقط من عقود القتال، ولكن أيضًا من أنشطة شركة “الجنيد”، التي توسعت أعمالها لتشمل النقل والبنية التحتية، وتجارة الشاحنات الثقيلة، وبناء الطرق والجسور، والأعمال الهندسية، ونفايات التعدين، وحتى تجارة الإبل كنوع من العرفان لأصولهم الرعوية.
هذا التوسع المالي والعسكري أدى إلى تضخم غير مسبوق لقوات الدعم السريع، ووفقًا للبروفيسور أليكس دي وال “تضاعفت قوتها عشرة أضعاف” في أواخر حكم البشير، ليصل قوامها إلى 70 ألف مقاتل وأكثر من 10 آلاف شاحنة “بيك آب” مسلحة، مما جعلها بمثابة قوات المشاة الفعلية للسودان. وبينما تطورت هذه القوات، ظل هيكل القيادة على حاله، إذ استمر في التكون من رجال قبائل عربية من دارفور تنتظم تحت قيادة عائلة دقلو.
لكن الأمور لا تدوم على حال كما يقولون، فبعد 30 عاما من الحكم أصبح سقوط البشير وشيكاً وسط احتجاجات شعبية استمرت لأكثر من خمسة أشهر منذ نهاية عام 2018 وحتى الربع الثاني من عام 2019.
ورغم أن حميدتي كان يدين للنظام بكل ما حققه من نفوذ عسكري واقتصادي، وفي الوقت الذي ربما كان البشير يظن أن وجود حميدتي إلى جانبه يضمن له الثبات، أدرك تاجر الإبل السابق والميليشيوي المخضرم ببراغماتية ثابتة أن الرهان على النظام بات خاسرا، وكان ما يشغل باله حقا إبان الانتفاضة هو كيفية إعادة التموضع في نظام ما بعد البشير بطريقة تضمن الحفاظ على المكتسبات التي حازها على مدى سنوات طويلة.
وعلى عكس جنرالات الجيش الذين تميزوا بالحذر والخجل، وقادة الاحتجاجات الديمقراطية الذين كانوا يتشاورون بحرص، تصرف حميدتي بجرأة وحزم واضحين.
في البداية، ركز حميدتي على تثبيت نفوذه داخل المؤسسات الانتقالية في حقبة ما بعد البشير، رافضا المجلس العسكري الانتقالي برئاسة وزير الدفاع عوض بن عوف الذي خشى حميدتي أن يحد من طموحاته، وهو رفض غلفه بالتمسك بتسليم السلطة للمدنيين والتماهي مع الرفض الشعبي لشخصية بن عوف باعتباره وزير دفاع “البشير”.
لكن في أعقاب تخلي بن عوف عن منصبه لصالح الفريق أول عبد الفتاح البرهان بعد يوم واحد فقط من إعلان توليته، عدل حميدتي عن موقفه وقبل الانضمام إلى المجلس العسكري الانتقالي في منصب نائب رئيس المجلس، بعد ترقيته لرتبة فريق أول ليصبح أصغر من يتقلد هذه الرتبة في تاريخ العسكرية السودانية العريقة.
كان البرهان خيارا مقبولا لحميدتي بالنظر إلى علاقتهما القديمة التي تعود إلى حرب دارفور الأولى عام 2003. ووفقًا لماجاك داجوت، مدير جهاز المخابرات السوداني آنذاك (ونائب وزير الدفاع في جنوب السودان لاحقا)، في تصريحات لـ”بي بي سي” فإن البرهان وحميدتي عملا معًا في دارفور بانسجام.
كما أشار الصحفي جيروم توبيانا في “فورين بوليسي” إلى أن علاقتهما توثّقت أكثر خلال مشاركتهما في حرب اليمن عام 2015، حيث كان البرهان قائدًا للقوات البرية المشرفة على العمليات، بما في ذلك قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي.
وتؤكد مقاطع فيديو متداولة تعود إلى عام 2017 متانة هذه العلاقة، إذ يظهر الرجلان في تسجيل تلفزيوني يتحدثان عن سحق التمرد المسلح في دارفور خلال حملات نزع السلاح الحكومية آنذاك.
بالتزامن مع ذلك، كان مداعبة الشارع الثائر ركنا أصيلا في محاولة حميدتي لإعادة تقديم نفسه في حقبة ما بعد البشير، حيث أصر على تضمين اسم قوات الدعم السريع في بيان الإطاحة بالبشير، ليؤكد موقفه الداعم للثورة.
ومنذ ذلك الحين انقسمت الآراء تجاهه إلى ثلاث تيارات: الأول رأى فيه رجلًا استُخدم بدهاء من قبل البشير لكنه أدرك اللحظة الحاسمة وانحاز للثورة، مستشهدين برفضه المزعوم استخدام العنف ضد المتظاهرين وهي سردية سعى حميدتي دوما إلى تكريسها.
أما الفريق الثاني، فاعتبره امتدادًا للبشير وصنيعةً له، محاججًا بأن رفضه قمع الاحتجاجات – إن صح – لم يكن إلا براغماتية سياسية، إذ أدرك استحالة مواجهة المد الثوري.
بينما تبنى فريق ثالث رؤية أكثر واقعية، محذرًا من أن إقصاء حميدتي في تلك اللحظة قد يفضي إلى حرب أهلية تقوّض مكتسبات الثورة، ما استدعى التعامل معه مرحليًا. هذا الجدل كان في جوهره يخدم مصلحة حميدتي، إذ لم يكن يسعى سوى إلى العبور بسلام عبر زخم الثورة المشتعل.
بادر حميدتي إلى استمالة الشارع فزار جرحى المظاهرات التي أطاحت بحكم البشير وأطلق عليها ثورةً ديسمبر 2018، في المستشفيات، مؤكدًا لهم رفضه أوامر تفريقهم، كما أُشيع، كما ظهر في مشهد إعلامي وهو يعلن إطلاق سراح مئات الغارمين عقب زيارة لسجن كوبر، متكفلًا بدفع نحو 35 مليون جنيه سوداني (780 ألف دولار) نيابة عنهم، خلال الزيارة ذاتها، دعا إلى مراجعة أوضاع الشرطة وحثّ على تعزيز انتشارها الميداني.
كما أعلن تقديم أكثر من مليار دولار لبنك السودان المركزي، زاعمًا دعم الاقتصاد الوطني وعندما سُئل عن مصدر هذه الأموال، رد قائلًا “لدينا رواتب جنودنا الذين يقاتلون في الخارج، ولدينا ذهب واستثمارات”.
على الصعيد الأمني، تبنّى حميدتي نهجًا ينتقل بمرونة بين اللين والقمع. وبينما انشغلت القوى المدنية بمفاوضات تقاسم السلطة مع المجلس العسكري، استمر جزء من الشارع في المطالبة بحكومة مدنية، ونظموا اعتصاماً أمام مقر القيادة العامة للجيش، وساعتها خلع حميدتي ثياب الحمل محذرا إياهم أن “للصبر حدود”.
وفي 3 يونيو/ حزيران 2019، وقع فضّ الاعتصام بالقوة، ما أسفر عن سقوط أكثر من 125 قتيلًا، وقد وثقت جهات إعلامية تصدر عناصر قوات الدعم السريع لمشهد فض الاعتصام حيث صاح الجنود بالمعتصمين “أحضرنا دارفور إليكم”، وبعد أيام، قال حميدتي محذرًا “الخرطوم قد تتحول إلى كتم”، في إشارة إلى قرية أُفرغت من سكانها بدارفور.
أسقطت “جريمة” فض الاعتصام جميع الأوهام حول انحياز حميدتي للثورة وأظهرت وجهه الحقيقي الذي أفصح عنه بوضوح في دارفور، وفي محاولة لاحتواء الأضرار نفى حميدتي مسؤوليته عن المجزرة، مدعيًا أن منفذيها كانوا يرتدون زي الدعم السريع، لكنهم لم يكونوا منهم.
وأُعلن عن لجنة تحقيق لم تصدر نتائجها حتى اليوم، فيما دفعت الضرورة السياسية نحو تسوية انتهت باتفاق سياسي، لتطوى تلك الصفحة الدموية من عمر الانتفاضة السودانية طي النسيان.
حميدتي.. بين التمكين الداخلي والشرعية الخارجية
في 21 أغسطس/ آب 2019، أُعلن عن “الوثيقة الدستورية” التي أرست تقاسم السلطة بين المجلس العسكري الانتقالي والقوى المدنية، بقيادة “قوى الحرية والتغيير” وعلى إثر ذلك تشكل مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان فيما شغل حميدتي منصب نائب الرئيس، عرفيا دون أن تنص الوثيقة على ذلك فيما تولى عبد الله حمدوك رئاسة الوزراء.
ممثل تحالف الحرية والتغيير أحمد ربيع (يمين)، يلوح بإشارة النصر إلى جانب الجنرال عبد الفتاح البرهان (الثاني من اليمين)، رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في السودان، خلال حفل توقيع “الإعلان الدستوري” الذي يمهد الطريق للانتقال إلى الحكم المدني، في العاصمة الخرطوم في 17 أغسطس/آب 2019، برفقة محمد حمدان دقلو “حميدتي” (الثالث من اليسار)، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي وقائد قوات الدعم السريع. (الفرنسية)
خلال تلك الفترة واصل حميدتي محاولاته لصقل صورته كرجل دولة، فخصص مكافآت لمعلمي “الكنترول” في الشهادة السودانية وتعهد بصرف حوافز ضخمة لعمال قطاع الكهرباء المضربين، كما وزّع سيارات على زعماء القبائل في دارفور في إطار تصدّره ملف المصالحات بالإقليم كما تزعم مفاوضات جوبا للسلام مع الحركات المسلحة التي كان عدوها اللدود حتى وقت قريب لينال على إثر ذلك إشادة دولية، في حين عزز نفوذه برئاسة المجلس الاقتصادي للطوارئ، مقلّصًا دور المكون المدني في السلطة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء حمدوك.
خارجيًا، أطلق حميدتي حملة دعاية عالمية لتحسين صورته، متعاقدا مع شركة الضغط الكندية “ديكنز آند مادسون” بقيمة 6 ملايين دولار وهي الشركة التي عمل رئيسها، آري بن مناشي، ضابطا سابقًا في الاستخبارات الإسرائيلية.
تزامن ذلك مع تقرّبه من نشطاء حقوقيين محليين عارضًا عليهم مبالغ مالية لكسب ودّهم، إلى جانب ترتيبه دورات تدريبية لعناصر قواته في القانون الإنساني عبر الصليب الأحمر الدولي، في محاولة لتحسين صورة قوات الدعم السريع، وفتح مقره الكبير في جنوب الخرطوم أمام وسائل الإعلام الأجنبية، حيث استضافهم بحفاوة وأسَرَهم برواياتٍ عن كيفية تدخله هو وقواته لـ”إنقاذ البلاد من الفوضى”.
في غضون ذلك كثّف زياراته للعواصم العربية، كما لم يُخفِ رغبته في كسب ودّ إسرائيل، حيث صرّح في مقابلة تلفزيونية مطلع عام 2020 قائلاً “بصراحة نحن بحاجة إلى إسرائيل، ولسنا خائفين من أحد”، مشيداً في اللقاء ذاته بـ”التطور الإسرائيلي”، ولم تمضِ سوى أشهر حتى انضم السودان إلى “اتفاقات إبراهيم” التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، ليُرفع على إثر ذلك اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
لاحقًا، كشف موقع “واللا” العبري في تقرير له يستند إلى جهات دبلوماسية إسرائيلية أن حميدتي، ومنذ بداية عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسودان، حاول إقامة قنوات اتصال مستقلة مع إسرائيل، من أجل دفع أجندته ورفع أسهمه الخاصة وسط منافسيه من القادة السودانيين خاصة البرهان وحمدوك، وأشار الموقع في هذا السياق إلى لقاءات عقدت في الخرطوم بين ضباط موساد وجنرالات الدعم السريع.
في المجال الرقمي، لم يغفل حميدتي أهمية السيطرة على الخطاب الإلكتروني، فقد كشف تقرير لمنصة التواصل فيسبوك عن تفكيك شبكة حسابات مرتبطة بقوات الدعم السريع، كانت تروّج لروايات مؤيدة له. كما رصد مختبر الأبحاث الرقمية التابع للمجلس الأطلسي (DFR Lab) أن العديد من هذه الحسابات كانت تتبنى تكتيكات تضليلية، متظاهرةً بأنها وسائل إعلام مستقلة، في حين كانت تضخ محتوى دعائيًا لصالح حميدتي.
بعد نحو عامين ونصف من الثورة، تحديدًا في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، كان حميدتي قد بلغ ذروة نفوذه، مستفيدًا من تصاعد السخط الشعبي ضد حكومة حمدوك والانقسامات داخل “قوى الحرية والتغيير”، ومع اقتراب موعد انتقال رئاسة مجلس السيادة إلى المكون المدني، قرر التحرك بالتنسيق مع البرهان.
اذ أطاح العسكريون في 25 أكتوبر بالحكومة واعتقلوا رئيس الوزراء حمدوك وجمدوا العمل بالوثيقة الدستورية، وأعلنوا حالة الطوارئ.
غير أن المفاجأة جاءت من الشارع، الذي خرج بمظاهرات حاشدة اعتبرت ما حدث “انقلاباً علي ثورة ديسمبر”، وتحت الضغط الداخلي والدولي أُطلق سراح حمدوك بعد شهر واحد، ليعود إلى منصبه قبل أن يستقيل في يناير/ كانون الثاني 2022، معلنًا فشله في تحقيق توافق سياسي.
على مدار العام التالي ازدادت تعقيدات المشهد السوداني، وسط تدخلات إقليمية ودولية للتوسط بين الفرقاء. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2022، جرى توقيع “الاتفاق الإطاري” بين الجيش وقوات الدعم السريع والقوى المدنية، محددًا فترة انتقالية جديدة تمتد لعامين. عند هذه النقطة، أدرك حميدتي أن الاتفاق الجديد قد يكون فخًا، فبدأ بإعادة ترتيب تحالفاته، متقربًا من القوى المدنية، استعدادًا لتحركه القادم.
حميدتي.. نذر العاصفة وأتون المعركة
رغم موافقته على انقلاب 25 أكتوبر (2021) للاستيلاء على السلطة، أعاد حميدتي تقييم الوضع في ظل تصاعد الخلاف مع قيادة الجيش، وتحول العلاقة بين الطرفين إلى صراع مكتوم، كانت أصداؤه تُسمع عبر شواهد عدة، أبرزها قيام حميدتي، ضمن مساعيه لبسط سيطرته على المؤسسات الحكومية والجهات المدنية، بتشكيل فريق يضم بين 5000 و8000 موظف في قطاعات حيوية مثل البنوك والتجارة والإعلام، مستغلًا مخاوف بعض القوى المدنية من مساعي الجيش لإعادة أنصار النظام السابق إلى مفاصل الدولة، ومستقطبًا تلك القوى إلى صفه في الوقت ذاته.
وتلقى هؤلاء الموظفون رواتب شهرية بلغت 34 مليون جنيه سوداني (750 ألف دولار)، وتركّزت أعلى المخصصات في المؤسسات الإعلامية التابعة للدعم السريع، التي لعبت دورًا في ترسيخ نفوذه. كما أحاط حميدتي نفسه بمستشارين وصحفيين موالين، شكلوا خط دفاعه الإعلامي في مواجهة تصاعد التوتر مع الجيش.
بالتوازي مع ذلك، تعمّد حميدتي الظهور باستقلالية كاملة عن رئاسة مجلس السيادة الانتقالي المتمثلة في البرهان، حتى في العلاقات الدبلوماسية الرسمية والزيارات الخارجية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك زيارته لبعض الدول منها إريتريا قبل شهر واحد من اندلاع الحرب، والتي اعتُبرت محاولة لحشد دعم إقليمي.
لاحقًا، كشف الرئيس الإريتري أسياس أفورقي أنه سأل حميدتي عن سر عدائه للجيش، لكن الأخير لم يقدم إجابة مقنعة، مضيفًا أن حميدتي أبلغه بحاجة السودان إلى استيراد تكنولوجيا زراعية من إسرائيل.
إلى جانب ذلك، شعر حميدتي بأن توليه رئاسة اللجنة الاقتصادية للطوارئ، التي فشلت في التعامل مع تحديات رئيسية مثل أزمة الكهرباء والملفات الاقتصادية المتعثرة، كان مدفوعًا برغبة قيادة الجيش في دفعه إلى واجهة الانتقادات والغضب الشعبي.
كما زاد من توتره إفراج البرهان عن غريمه التاريخي موسى هلال في مارس/ أذار 2021، وعودة الأخير إلى مناطق نفوذ حميدتي القبلية في دارفور، حيث أعاد إحياء “مجلس الصحوة الثوري”، وهي خطوة رآها حميدتي محاولة لتقويضه داخل حاضنته الاجتماعية.
لكن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع توقيع “الاتفاق الإطاري” إذ أدرك حميدتي أن الترتيبات التي تلت الاتفاق ستؤدي إلى دمج قواته في الجيش السوداني وفق جدول زمني لا يخدم مصالحه.
ففي حين أرادت قيادة الجيش إتمام الدمج خلال عامين، كان حميدتي يسعى لمدّه إلى عشر سنوات، ليتمكن من ترتيب أوراقه وضمان الحفاظ على نفوذه، وكانت تلك المهلة القصيرة تعني، من وجهة نظره، تسليم كل مكتسباته على طبق من فضة.
لاحقًا، وفي خطاب مسجل، أعلن حميدتي أن “الاتفاق الإطاري” كان السبب وراء اندلاع الحرب، رغم أنه سبق أن رحّب به ووقّع عليه عند إعلانه.
وفيما يبدو أنه استعداد ممنهج لمعركة وشيكة، بدأ حميدتي في إعادة ترتيب أوراقه على المستويات العسكرية واللوجستية والإعلامية.
ففي أواخر عام 2022، تعاقد مع شركة “زيرو غرافيتي” لتطبيق استراتيجية دعاية اتصالات جديدة، كما استعان بوكالة “ثينك دكتور” الفرنسية لتحسين صورته لدى صناع القرار الأوروبيين، وإدارة محتوى صفحة قوات الدعم السريع على ويكيبيديا.
على الصعيد العسكري، عزز حميدتي قواته، التي بلغت نحو 100 ألف مقاتل، حتى أصبحت تنافس الجيش السوداني في العدد والتسليح. كما حصل على دعم استراتيجي من أطراف إقليمية ودولية، أبرزها مجموعة “فاغنر” الروسية، التي تورطت في تهريب الذهب لصالحه وتزويده بأسلحة متطورة وبخاصة صواريخ أرض- جو من القواعد العسكرية الروسية في أفريقيا الوسطى.
محمد حمدان دقلو “حميدتيط قائد قوات الدعم السريع، مع نائب وزير الدفاع الروسي أليكسندر موفين في عام 2022 (الأناضول)
وأكثر من ذلك ظهرت صور حديثة لصواريخ المدفعية LAR-160 الإسرائيلية الصنع بحوزة قوات الدعم السريع رصدتها شركة “Military Africa” المختصة بالصناعات الحربية، مما أثار تساؤلات حول دعم إسرائيلي محتمل، رغم إعلان تل أبيب حيادها الرسمي في الصراع.
إلى جانب ذلك، حسّنت قوات الدعم السريع قدراتها الاستخباراتية، إذ أفادت تقارير بأنها باتت تمتلك صور أقمار صناعية حصلت عليها عبر علاقتها بـ”فاغنر”، التي اقتنت أقمارًا صناعية متخصصة في المراقبة من شركة صينية، كما نشرت صحيفة هآرتس العبرية إفادات حول حصول قوات حميدتي على تقنيات تجسس إسرائيلية عالية التشفير بهدف التعمية على تحركات قواته دون ذكر تفاصيل حول كيفية الحصول عليها.
على المستوى السياسي، عزز حميدتي تقاربه مع القوى المدنية، لا سيما “قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي”، التي كانت الطرف الثاني في الاتفاق الإطاري.
ثم جاءت القطيعة الكاملة مع الجيش في أغسطس/آب 2022، حين أعلن في مقابلة مع “بي بي سي” أن تحرك 25 أكتوبر كان “خطأً”، متبرئًا منه تمامًا. وبحلول 15 أبريل/ نيسان 2023 دشن حميدتي تحركه الفعلي ضد الجيش بهدف صريح معلن هو الإطاحة بالبرهان وفق تصريحاته الرسمية بعد ساعات فقط على اندلاع القتال.
كانت خطة حميدتي الأولية تقوم على تحييد قيادة الجيش، وعلى رأسها البرهان، والاستيلاء على السلطة صباح 15 أبريل/ نيسان، مستفيدًا من عنصر المفاجأة وانتشار قواته بكثافة داخل الخرطوم، حيث كانت مكلفة بتأمين معظم المرافق السيادية والاستراتيجية في البلاد.
اعتقد حميدتي أن الجيش لن يكون قادرًا على المقاومة، خاصة بعد أن جرى خلال الفترة الانتقالية حل هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات السوداني، بحجة ارتباطها بنظام البشير.
وكانت هذه القوة، التي تضم نحو 13 ألف مقاتل، بمثابة وحدة النخبة المدربة على حرب المدن، جدير بالذكر أن حميدتي حاول استقطاب عناصر تلك القوة لصفوف الدعم السريع ولكنهم رفضوا وفضلوا التسريح .
قبل ثلاثة أيام فقط من اندلاع القتال، بدأت قوات الدعم السريع في نشر مزيد من القوات داخل الخرطوم وتعزيز مواقعها الاستراتيجية في مدينة مروي الشمالية، في المقابل تراجعت قوات الجيش السوداني تحت وطأة عنصر المفاجأة ونتيجةً لسنوات من الإهمال في التجهيز والإعداد.
ومع ذلك، سرعان ما فشلت الخطة الأساسية لحميدتي في تحييد قيادة الجيش، حيث تمكن البرهان، وبمساعدة جنوده بعد خمسة أشهر من الحصار، من الخروج والوصول إلى مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، والتي أُعلن عنها لاحقًا عاصمةً مؤقتة للبلاد.
عقب هذا الإخفاق، انتقل حميدتي إلى خطة بديلة تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على السودان، وعزل القيادة العسكرية المتحصنة في بورتسودان، إضافة إلى بعض المناطق في الولايات الشرقية والشمالية، تمهيدًا لإسقاطها والاستحواذ على السلطة.
خريطة السودان موضّحا عليها كل من الخرطوم وبروتسودان (الجزيرة)
وخلال العام الأول من الحرب، حققت قوات الدعم السريع تقدمًا ميدانيًا ملحوظًا، حيث لم يبقَ للجيش السوداني سوى السيطرة على خمس أو ست ولايات فقط من أصل 18 ولاية تشكّل السودان، بينما ظلت قواته محاصرة في مواقعها العسكرية سواء في العاصمة أو غيرها التي أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها عليها.
حميدتي بين النجاح التكتيكي والفشل الإستراتيجي
رغم التقدم الميداني الكبير الذي أحرزته قوات الدعم السريع، إلا أن عملياتها العسكرية ارتبطت بانتهاكات واسعة النطاق، وثّقتها منظمات حقوقية دولية، وأكدتها جهات رسمية خارجية.
فقد أصدرت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي بيانًا وصفت فيه ما ارتكبته قوات الدعم السريع بالإبادة الجماعية ضد المدنيين في السودان، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، عقوبات على محمد حمدان دقلو (حميدتي) شخصيًا، متهمةً قواته بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وهو ما أيدته تقرير أصدره مراقبون تابعون للأمم المتحدة.
أدت هذه الانتهاكات إلى سقوط ما يقارب 150 ألف قتيل وفق تقديرات لجنة الإنقاذ الدولية ومقرها نيويورك في منتصف عام 2024 إضافة إلى موجات نزوح غير مسبوقة، إذ فرّ ملايين السودانيين من مدنهم وقراهم هربًا من جرائم الدعم السريع، مما جعل السودان يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث قُدّر عدد النازحين بنحو 14 مليون شخص وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة (25 مليون نازح حسب تقديرات لجنة الإنقاذ الدولية).
وإلى جانب النزوح الجماعي، اتُّهمت قوات الدعم السريع باستخدام العنف الجنسي والتجويع كأدوات للحرب، فضلًا عن انتشار عمليات النهب والسلب التي نفذها أفراد تابعون لها.
كما شهد السودان حملة تدمير واسعة النطاق طالت البنية التحتية والمؤسسات المدنية، بما في ذلك الجامعات والمقار الحكومية، وحتى متحف السودان القومي الذي تعرض للنهب.
وقدرت إجمالي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب بنحو 200 مليار دولار وفق تقديرات شبه رسمية لوزارة التجارة السودانية.
في غضون ذلك، ظهرت أدلة تشير إلى تجنيد مرتزقة من دول أجنبية للمشاركة في الصراع، ولم يقتصر ذلك على دول الجوار أو حتى القارة الإفريقية، مثل القناصة الإثيوبيين الذين أشارت إليهم صحيفة نيويورك تايمز، بل امتد ليشمل مقاتلين من مناطق بعيدة، إذ كشفت تقارير رسمية عن تجنيد مرتزقة من كولومبيا، الأمر الذي دفع الحكومة الكولومبية إلى تقديم اعتذار رسمي، فيما كشفت وسائل إعلام كولومبية بأن هؤلاء المرتزقة خُدعوا عبر عروض عمل زائفة لأحد دول الخليج العربي، ليجدوا أنفسهم في خضم حرب السودان.
مع تصاعد الانتهاكات، وصفت الأمم المتحدة الوضع في السودان بأنه أكبر أزمة إنسانية معاصرة، في حين قدمت البعثة السودانية لدى المنظمة الدولية أدلة على تورط دول إقليمية في تقديم الدعم العسكري لقوات حميدتي، سواء عبر إمدادها بالسلاح أو تجنيد المرتزقة لصالحها.
وفشل حميدتي في مقابل ذلك كله، في بلورة خطاب سياسي يُمكنه من حشد تأييد شعبي، إذ لم يلقَ ادعاؤه بأنه يقود “حركة تحرر من الهامش” أي صدى، إذ لا يمكن لحركة مقاومة حقيقية أن تستبيح مناطقها وقواعدها الشعبية بهذا الحجم من الجرائم المسجلة.
ولم تفلح محاولات حميدتي لتزييف التاريخ عبر الزعم بأن أسلافه من قبيلة الرزيقات كانوا جزءًا من الثورة المهدية، في محاولة لإضفاء شرعية تاريخية على دوره، وفي ترميم صورته حيث تم تفنيدها باعتبارها مغالطات لا أساس لها من الصحة.
في مواجهة هذا التردي الكبير في صورته داخليا، أطلق حميدتي حملة دبلوماسية خارجية في محاولة لاكتساب شرعية دولية تضمن له البقاء في ظل جرائم مستمرة وفي غياب مشروع سياسي واضح.
سافر حميدتي في جولة إلى عدد من العواصم الإفريقية، ساعيا إلى حشد دعم إقليمي وتعزيز صورته كحاكم مستقبلي للبلاد، ظهر خلال هذه الجولة مرتديًا بدلة مدنية أنيقة ورابطة عنق، في محاولة لتقديم نفسه كزعيم سياسي قادر على قيادة السودان.
لم يتوقف الأمر عند القارة الإفريقية، بل امتد إلى محاولة التقرب من إسرائيل مجددا، حيث صرّح يوسف عزت، المستشار السياسي لحميدتي، لقناة إسرائيلية، مشبهًا هجمات الجيش السوداني بالهجمات التي تشنها “حركة حماس الإرهابية”، وفق تعبيره.
كما قام عزت بجولة دبلوماسية في عدة عواصم أوروبية، حيث التقى بمسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية، قبل أن يسافر إلى لندن وبرلين، في محاولة لتصوير حميدتي كقائد مؤهل لقيادة حكومة مدنية وحصن أخير ضد عودة الإسلاميين والمتطرفين إلى الحكم في السودان وفقًا لموقع أفريكا إنتليجنس.
وفي محاولة لتعويض غياب مشروع سياسي واضح، توصل حميدتي إلى تفاهم سياسي في أديس أبابا مع تحالف “تقدم”، وهو تجمع مدني واسع يقوده رئيس الوزراء السابق حمدوك.
وحرص حميدتي، في عدة مناسبات، على إعلان استعداده للتفاوض مع الجيش بوساطات إقليمية ودولية، في مسعى لفرض معادلة جديدة يكون فيها الدعم السريع وحميدتي طرفًا ندّيًا للجيش، إن لم يكن صاحب اليد العليا، بحكم تفوقه العسكري على الأرض.
وقد تمسك الجيش بموقفه الرافض للتفاوض، مشترطًا انسحاب قوات حميدتي الفوري من كافة الأعيان المدنية التي سيطرت عليها وعودتها إلى معسكراتها، أو القتال حتى النهاية.
في غضون ذلك بدأ الجيش في إعادة بناء صفوفه، سواء من حيث التسليح أو استقطاب الأفراد، كما عزز تحالفاته الإقليمية، وأعاد عناصر هيئة العمليات للخدمة.
وفتح الجيش أبواب التطوع الشعبي، حيث لقي إقبالًا واسعًا من السودانيين بمختلف انتماءاتهم، ممن عانوا من ويلات قوات الدعم السريع في المناطق الخاضعة لسيطرتها. كما شهدت صفوف الجيش انضمام قطاعات من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا، بعد أن التزمت الحياد في بداية الحرب، ولا سيما في دارفور، حيث أعلنت تشكيل “القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح” بهدف القتال ضد حميدتي والدعم السريع.
بدأت الكفة تميل لصالح الجيش ابتداءً من سبتمبر/ أيلول 2024، أي بعد مرور عام ونصف تقريبا على اندلاع الحرب. تمكنت القوات المسلحة لأول مرة من عبور الجسور الاستراتيجية من أم درمان، حيث تتمركز قواعدها وخطوط إمدادها، إلى شرق النيل في الخرطوم بحري والخرطوم.
كما ألحقت هزيمة ساحقة بقوات الدعم السريع في جبل موية الاستراتيجي، وهو ما انعكس في ظهور حميدتي في خطاب مصور بدا فيه مرتبكًا يوزع الاتهامات يمينًا ويسارًا، متحدثًا عن تآمر قوى إقليمية ودولية، من إيران إلى إريتريا، ومن أذربيجان إلى أوكرانيا، مع تركيزه على مصر التي اتهمها بمساندة الجيش السوداني عبر الطيران المزود بقنابل أميركية.
استمر تقدم الجيش، وبدأ في استعادة الولايات واحدة تلو الأخرى، من سنار إلى الجزيرة، فالنيل الأبيض، مع تعزيز دفاعاته في النيل الأزرق على الحدود مع جنوب السودان، والتمدد أيضا باتجاه كردفان.
خريطة ولاية الجزيرة (الجزيرة)
كما نجح في تأمين الطرق والممرات حتى بسط سيطرته الكاملة على ولايات الشرق والوسط، ما أدى إلى تقليص سيطرة قوات الدعم السريع إلى غرب السودان، وتحديدًا في كردفان وأربع ولايات من ولايات دارفور الخمس، إذ ظلت الفاشر عصية على السقوط، وصمدت قرابة عام أمام الحصار والهجمات المتواصلة.
مع تراجع موقفه العسكري، لجأ حميدتي إلى تكتيك حرب العصابات، مستهدفًا البنية التحتية المدنية عبر هجمات الطائرات المسيرة، التي ضربت محولات الكهرباء في المدن التي حررها الجيش. تزامن مع الانتصارات المتتالية للقوات المسلحة انشقاق مستشارين لحميدتي وقادة من قواته كذلك مثل “أبو عاقلة كيكل” إضافة إلى قادة من الحركات المعارضة انضموا إلى القتال إلى جانب الجيش، كما أعلنت مكونات قبلية في دارفور وجنوب كردفان، تأييدها للقوات المسلحة السودانية.
أمام هذا الواقع، بدا أن حلم حميدتي وداعميه الإقليميين في السيطرة على السودان كاملاً يتلاشى، ما دفعه للجوء إلى مناورة جديدة وربما أخيرة، إذ أعلنت قواته، بالتعاون مع فصائل سياسية ومسلحة منضوية تحت تحالف “تقدم”، إضافة إلى “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، عن تشكيل تحالف جديد باسم “تأسيس”، أُطلق من نيروبي.
كان الهدف من هذا التحالف وضع دستور جديد، وتشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع في خطوة قد تفتح الباب أمام سيناريو تقسيم السودان للمرة الثانية. لكن هذه الخطوة قوبلت بتنديد واسع إقليميًا ودوليًا وسط شكوك حول استمراريتها، بسبب الخلافات العميقة بين مكوناتها، وصعوبة تطبيقها عمليا.
يأتي ذلك في ظل بيئة إقليمية مضطربة، حيث تعاني المنطقة من أزمات متفاقمة، بدءًا من التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، والصراعات الداخلية في الأولى، مرورًا بهجمات حركة الشباب في الصومال، وصولًا إلى الأزمة السياسية بين رئيس جنوب السودان سيلفاكير ونائبه رياك مشار، والتي استدعت تدخل القوات الأوغندية.
كما تعاني الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى من صراعات عنيفة، إلى جانب الأزمات الأمنية المتفاقمة في تشاد ودول الساحل. كل هذه التفاعلات تؤثر وتتأثر بالأوضاع في السودان، الذي يقف في قلب منطقة ملتهبة أشبه ببرميل بارود، ربما كان حميدتي نفسه من أشعل فتيله دون أدنى مقدرة على إطفائه.
بحلول منتصف مارس/ أذار، ظهر حميدتي في خطاب بدا فيه شاحبًا ومتوترًا، مرتديًا “الكدمول”- العمامة التقليدية لقبائل الصحراء- ومرددًا عبارات التهديد والوعيد، ومؤكدًا تمسكه بالبقاء في القصر الجمهوري وعدم الانسحاب من الخرطوم.
لكن بعد أيام فقط، نقلت القنوات الفضائية صورًا لقواته وهي تفر من العاصمة عبر جسر جبل أولياء، آخر منافذ الهروب المتاحة قبل إحكام الجيش سيطرته.
وساعات قليلة بعد ذلك، ظهر قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، داخل القصر الجمهوري في وسط الخرطوم، ليعلن رسميًا تحريرها بالكامل من قوات الدعم السريع.
حميدتي.. رواية لم تنته بعد
لا تعد رحلة صعود حميدتي من بدايات متواضعة إلى واحد من أغنى رجال السودان وأكثرهم نفوذًا خلال فترة قصيرة مجرد قصة فردية، بل ربما نموذج متكرر في القارة الأفريقية، حيث تتحول الولاءات العرقية والقبلية إلى أدوات للصعود السياسي والعسكري، في غياب عقد وطني جامع حسب ما تقول الكثير من التحليلات.
هذه الديناميكيات، التي تعود جذورها إلى مخلفات الاستعمار، ما زالت تتجلى، من وجهة نظر محللين سياسيين، في سياسات بعض الدول الأفريقية، حيث يفشل قادتها في بناء نموذج حكم يستوعب التنوع العرقي والثقافي، ويؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون، ما يجعل إعادة إنتاج نماذج أمراء الحرب مسألة وقت وظروف مناسبة ليس إلا.
بالنسبة لحميدتي نفسه، بدا أن نجاحاته التكتيكية المتتالية لم تكن كافية للتعمية على غياب أي مشروع استراتيجي بشأن مستقبل السودان بالنسبة له ولداعميه، كما بات واضحا أن الجرائم التي ارتكبها سابقا في دارفور وحتى اليوم أكبر من أن يتم تجاوزها.
ومع التراجع الميداني لقواته، وانشقاق عدد من حلفائه، وانقلاب المشهد السياسي ضده، أصبح حميدتي يواجه أضعف لحظاته منذ أن بدأ رحلته قبل نحو عشرين عامًا كأمير حرب في الجنجويد.
لكن قصة حميدتي درس سياسي مرير بأن القوة لا تُبنى بالمناورة وحدها، بل بالتحام أي مشروع سياسي بجماهيره، لا التنظير عليهم أو الهيمنة بالقوة عليهم.
تلك بعض من حكاية جن ركب ظهر الخيل، وحاول أن يمتطى ظهر وطن عميق التاريخ سخي التنوع.
الفاشرـ يستعد أحمد سليمان وعائلته، المكوّنة من 6 أفراد، لاحتمال هجوم جديد من قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر غربي السودان، في ظل معاناة السكان من نقص حاد في الغذاء وفقدان المأوى الآمن، وسط تصاعد الهجمات على المدينة المكتظة بالمدنيين.
فقبل نحو شهرين، اضطر 8 من أقارب سليمان إلى الفرار إلى قرية قرب مدينة دار السلام المجاورة، لكن القرية نفسها تعرّضت لاحقًا لهجوم من قوات الدعم السريع وتحولت إلى أنقاض.
وقال سليمان (34 عامًا) في حديث للجزيرة نت “لا يمكننا الذهاب إلى أي مكان، ولن نغادر الفاشر، سنبقى صامدين في هذه المدينة، مضيفا “عشنا نحو 200 هجوم من المليشيا، فقدنا خلالها العديد من الأحبة الأبرياء، لم يتبق لنا شيء في هذه الدنيا”.
وتابع “كل ليلة ننام على أصوات القصف والانفجارات، لقد اعتدنا هذا الرعب، وأطفالنا يعيشون في قلق دائم، نريد لهم أن يشعروا بالأمان، لكننا لا نملك القدرة على تحقيق ذلك، ورغم التحديات، سنبقى هنا”.
تهديدات متزايدة
في الأيام الأخيرة، أطلقت قيادة قوات الدعم السريع تهديدات جديدة بشن هجمات على مدينة الفاشر المحاصرة، وجاء ذلك بالتزامن مع دعوات من بعض الفصائل المسلحة المنضوية تحت تحالف “تأسيس” تحثّ المدنيين على مغادرة المدينة والتوجه نحو مناطق تعدّها أكثر أمانا
وفي 5 أبريل/نيسان الجاري، دعت كل من حركة تحرير السودان -المجلس الانتقالي، وتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الهادي إدريس والطاهر حجر، المواطنين إلى الخروج من الفاشر نحو المناطق الخاضعة لسيطرتهم، مؤكدين استعدادهم لتأمين ممرات آمنة تسهّل مغادرة المدنيين من المدينة ومخيمي زمزم وأبو شوك.
لكن المتحدث باسم “القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح”، العقيد أحمد حسين مصطفى، اعتبر تلك الدعوات محاولة للتغطية على الهزائم المتتالية التي منيت بها قوات الدعم السريع في الخرطوم والمناطق المجاورة.
وقال للجزيرة نت إن “القوة المشتركة حققت انتصارات مهمة، وتمكّنت من هزيمة قوات الدعم السريع في نحو 200 مواجهة، مما أضعف قدرتهم على التقدم نحو الفاشر”، مؤكدا مقتل عدد من قادة المليشيا خلال هذه المعارك.
وأشار إلى استمرار قوات الدعم السريع في ارتكاب “جرائم بشعة”، شملت قصف المدنيين، وحرق القرى، وتهجير السكان قسرا، مؤكدا أن “إرادة القوة المشتركة، مدعومة بالمقاومة الشعبية، ستبقى صامدة حتى القضاء على المليشيات واستعادة حقوق الشعب”.
مشهد متناقض
وفي مشهد متناقض، أظهرت صور ومقاطع فيديو تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عناصر من حركتي الهادي إدريس والطاهر حجر وهم يستقبلون مدنيين نازحين من الفاشر في مناطق نائية، ضمن عمليات إجلاء من المدينة ومخيمات زمزم وأبو شوك، التي تواجه تهديدات بالقصف.
لكن الناشط السياسي محمد الحاج اعتبر، في تصريح للجزيرة نت، أن هذه المشاهد “ليست سوى دعاية إعلامية”، مشددًا على أن “الوضع الإنساني في الفاشر مقلق للغاية بفعل الحصار المفروض من قوات الدعم السريع، مما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء”.
وأضاف “دورنا كناشطين هو تسليط الضوء على معاناة المدنيين والمطالبة بدعم إنساني عاجل لهم”.
وفي السياق ذاته، كشف مصدر من منطقة كورما غربي الفاشر -فضل عدم الكشف عن هويته- أن قافلة تابعة لقوات محايدة من تحالف “تأسيس” كانت في طريقها لاستقبال مدنيين وتوفير المياه لهم تعرّضت لكمين مسلح في قرية كويم غرب الفاشر من قبل مجموعة موالية لقوات الدعم السريع.
وأوضح المصدر أن الكمين أسفر عن مقتل جنديين وإصابة آخرين، مشيرا إلى أن التوتر يتصاعد بين الأطراف، في حين يبدي المدنيون قلقًا متزايدًا حيال نوايا الجهات التي تدعو إلى إجلائهم.
تحركات عسكرية
وتفيد التقارير الميدانية بأن قوات الدعم السريع عززت وجودها في ولايتي جنوب ووسط دارفور، مع رصد عمليات تجنيد جديدة وتحركات عسكرية في محيط مدينتي نيالا وزالنجي. كذلك تنشط مجموعات مسلحة محدودة داخل الأحياء الشرقية والجنوبية من مدينة الفاشر، في حين يتواصل القصف المدفعي على المدينة من الخارج.
وفي المقابل، أعلنت قيادة الفرقة السادسة مشاة تنفيذ عمليات نوعية خلال اليومين الماضيين داخل مدينة الفاشر، أسفرت عن إسقاط 7 طائرات مسيّرة، وتدمير عدد من المركبات القتالية، ومقتل عناصر من الدعم السريع، بحسب بيان صحفي صدر عن القيادة.
كارثة إنسانية في الأفق
وقال المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية شمال دارفور، خالد يوسف أبو ورقة، في تصريح للجزيرة نت، إن قوات الدعم السريع تستخدم “سلاح التجويع” لتركيع سكان مدينة الفاشر، مشيرا إلى أن الوضع الإنساني المتدهور يزداد سوءا منذ أكثر من عام.
وأضاف “الحصار المفروض على المدينة يتعارض مع الأعراف والمواثيق الدولية ويشكّل جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، وذلك ما يستدعي تدخلا عاجلا من المجتمع الدولي للضغط على هذه المليشيات لفك الحصار”.
وأكد أبو ورقة أن حكومة الولاية تبذل جهودا لتخفيف المعاناة من خلال دعم مباشر للأسر وتقديم المساعدات عبر التكايا، لكنه شدد على أن هذه الجهود لا تكفي لمواجهة حجم التحديات، مطالبا بتكثيف الدعم المحلي والدولي لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المحاصرين.
السودان من أبرز الدول الأفريقية الغنية بثرواتها المعدنية، وعلى رأسها الذهب، إذ يضم أكثر من 40 ألف موقع مخصص لتعدينه. وتعمل نحو 60 شركة لتكرير الذهب موزعة على 13 ولاية، من بينها 15 شركة تتركز في ولاية جنوب كردفان وحدها.
وتعتبر المناطق الصحراوية في شمال السودان من أغنى مناطق البلاد بالذهب، نظرا لاحتوائها على احتياطات ضخمة من المعدن الخام. كما ينتشر الذهب في مواقع متعددة تمتد من أقصى الشمال بالقرب من العاصمة الخرطوم، مرورا بالساحل الشرقي المطل على البحر الأحمر وسلسلة جبال البحر الأحمر، وصولا إلى أقصى الغرب عند جبل عوينات ومنطقة الطينة في إقليم دارفور.
ويعوّل السودان على الذهب لكونه موردا رئيسيا للنقد الأجنبي، بعد فقدانه 3 أرباع عائداته النفطية بسبب انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011، وفقدان 80% من موارد النقد الأجنبي، خاصة أن إيرادات النفط شكلت ما يزيد على 50% من إيرادات الحكومة حتى الانفصال.
حجم الإنتاج
ويحتل السودان المرتبة الثالثة على مستوى القارة الأفريقية في إنتاج الذهب، وبلغ حجم إنتاجه في عام 2022 حوالي 18.6 مليون غرام، محققا زيادة طفيفة مقارنة بعام 2019.
وأنتج السودان نحو 93 طنا من الذهب عام 2018، وهو مستوى يجعله ثالث أكبر منتج في القارة بعد جنوب أفريقيا وغانا، بحسب مسح جيولوجي أميركي.
وحسب تقديرات وزارة الطاقة والتعدين السودانية، يبلغ احتياطي البلاد من الذهب حوالي 1550 طنا، وفق ما أوردته وكالة الأناضول في أكتوبر/تشرين الأول 2019.
إعلان
ومنح السودان رخصا لأكثر من 85 شركة للبحث عن الذهب وإنتاجه، في إطار سعيه لتعزيز إنتاجه من المعادن للحصول على مصادر جديدة لإيرادات الدولة والنقد الأجنبي لتمويل الواردات.
أبرز المناجم الكبرى في السودان
منجم هساي (حسّي)
يُعد منجم “هساي” أحد أبرز مواقع إنتاج الذهب في شمال شرق السودان، ويُعتبر المنجم الوحيد العامل في هذه المنطقة الغنية بالمعادن. وتم اكتشافه عام 1993، ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2011، بلغ إجمالي إنتاجه نحو 2.3 مليون أوقية من الذهب، تم استخراجها من نحو 18 حفرة مفتوحة.
يقع المنجم على بُعد نحو 50 كيلومترا من الخرطوم، وتعود ملكيته إلى شركتين: شركة “أرياب للتعدين” السودانية التي تمتلك 60% من الحصة، وشركة “لا مانشا ريسورسز” المملوكة لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، التي تملك الـ40% المتبقية.
تُقدَّر الاحتياطات المؤكدة والمحتملة في المنجم بنحو 14.09 مليون طن، بمعدل تركيز يبلغ 2.4 غرام ذهب لكل طن. كما تُقدّر “الموارد المقاسة والمُشار إليها” بـ16.06 مليون طن بمعدل 2.77 غرام/طن، بينما تصل الموارد المُستنتجة إلى 4.3 ملايين طن بمعدل التركيز نفسه.
تقع رواسب الذهب في منجم هساي ضمن نطاق “حزام أرياب الأخضر” العائد للعصر البروتيروزوي، وتتميز جيولوجيته بتكوينات صخرية معقدة تشمل صخورا بركانية قاعدية وحمضية، وطفوحا بركانية، إضافة إلى صخور الغرايواك، وقد تعرّضت هذه التكوينات لاختراقات من صخور الغرانيت المتأخرة، مما يعكس بنية جيولوجية خصبة للمعادن الثمينة.
السودان يضم أكثر من 40 ألف موقع لتعدين الذهب وتعمل نحو 60 شركة لتكريره في 13 ولاية (غيتي)
منجم بلوك 15
تُعد منطقة “قبقبة” الواقعة شمال مدينة أبو حمد بولاية نهر النيل، من أبرز مناطق تعدين الذهب في السودان، وتتصدر قائمة الإنتاج عبر التعدين الأهلي (التقليدي)، الذي يُعد المصدر الرئيسي للذهب في هذه المنطقة، والأول عبر التعدين الأهلي في البلاد.
في مارس/آذار 2021، أعلنت شركة “مناجم المغربية للتعدين” عن استحواذها على 65% من مشروعات توسعة منجم قبقبة، وذلك بعد إتمام صفقة إستراتيجية مع شركة “وانباو الصينية للتعدين”.
وتوقعت الشركة أن تبلغ تكلفة التوسعة حوالي 250 مليون دولار، بهدف رفع القدرة الإنتاجية للمنجم إلى نحو 200 ألف أونصة من الذهب سنويا.
وأعلنت الشركة المغربية أن هذه الصفقة جاءت ضمن خطة إستراتيجية تهدف إلى توسيع حضورها في السودان والقارة الأفريقية عموما.
وفي “بلوك 15″، شرعت مجموعة “مناجم”، بالتعاون مع شركة “نورين مايننغ”، في تنفيذ برنامج استكشاف مكثف ومستمر منذ عام 2008، مما أدى إلى اكتشاف ترسبات من الذهب تُصنّف ضمن الطراز العالمي.
وعام 2011، أنشأت الشركة وحدة إنتاجية متكاملة في المنطقة، تُشرف عليها شركتها الفرعية “مانوب”، وأسهم الأداء التشغيلي القوي، إلى جانب الاكتشافات الجديدة، في توسعة عمليات الإنتاج وبناء محطة معالجة حديثة مطابقة للمعايير الدولية، مما عزز من مكانة المنجم مشروعا إستراتيجيا واعدا في صناعة التعدين السودانية.
وتنشط “مناجم المغربية” في دول عدة، من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا والغابون وغينيا كوناكري وكوت ديفوار ومالي، إضافة إلى عملياتها في المغرب. وتُعد الشركة من أقدم الفاعلين في قطاع التعدين، إذ تأسست عام 1930، وهي مدرجة في بورصة الدار البيضاء منذ يوليو/تموز 2000.
وتتوزع مشاريع الذهب التي تديرها الشركة في السودان على الحدود مع مصر، ضمن منطقة “فالق كيراف”، المعروفة بإنتاجها الغزير من الذهب منذ العصور الفرعونية.
وتمتد الكتل المعدنية الثلاث التي تشملها عمليات الاستكشاف لمساحة إجمالية تُقدّر بـ14 ألفا و479 كيلومترا مربعا، بطول يقارب 300 كيلومتر، وتشمل ممرات جيولوجية عدة غنية بالذهب.
منجم جبل عامر
يقع المنجم بمحلية السريف التي تبعد 100 كيلومتر شمال مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، ويُقدَّر إنتاجه بنحو 50 طنا من الذهب سنويا، وفق رويترز، مما يجعله ثالث أكبر منجم ذهب في أفريقيا. كما تضم المنطقة معادن ثمينة أخرى، مثل الألمنيوم والحديد والبلاتينيوم
بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان السودان نحو 75% من موارده النفطية، بدأ في البحث عن بدائل اقتصادية، وكان الذهب هو الخيار الأنسب والأقرب.
واكتشف معدنيون متجولون كميات ضخمة من الذهب في تلال جبل عامر في أبريل/نيسان 2012، وسرعان ما انتشر الخبر، لتتحول المنطقة إلى قبلة للباحثين عن الثروة من داخل السودان وخارجه، ومن بينهم وافدون من تشاد والنيجر ومالي ونيجيريا وأفريقيا الوسطى.
تحولت المنطقة في وقت قصير إلى أغلى مورد طبيعي في السودان، وانتشرت حولها الأساطير، بسبب بريقها الذي يظهر مع شروق الشمس وغروبها، حتى سمي فيها منجم بـ”سويسرا” للدلالة على غناها بالذهب، مما أضفى عليها طابعا شبه أسطوري.
أدى هذا الاكتشاف إلى تحول منطقة جبل عامر إلى مسرح لصراع مسلح. وسيطرت مليشيات “الجنجويد”، بقيادة موسى هلال، على المناجم بعد معارك دموية مع قبيلة بني حسين، السكان الأصليين للمنطقة.
رفض هلال تسليم سلاحه لحكومة عمر البشير، فاعتقلته قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي أحكمت سيطرتها على المنطقة والمناجم.
عمال تنقيب في أحد مناجم الذهب شمال السودان (غيتي)
وبحلول عام 2017، كان وجه الصراع في دارفور قد تغيّر جذريا، إذ لم يعد محصورا في البُعد السياسي أو الإثني، بل أصبح يدور حول السيطرة على الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها مناجم الذهب، وظهرت خريطة نفوذ جديدة، تتقاسمها قوات الدعم السريع من جهة، والشبكات الروسية مثل مجموعة فاغنر من جهة أخرى، في معادلة اقتصادية زادت من تعقيد الأزمة المحلية.
وعقب سيطرة الدعم السريع، أدارت شركة الجنيد، المملوكة لعبد الرحيم حمدان دقلو شقيق حميدتي، عمليات استخراج الذهب في جبل عامر. ووفقا لتحقيقات أجرتها وكالة رويترز، كانت الشركة تبيع الذهب أحيانا خارج القنوات الرسمية، وأحيانا للبنك المركزي بأسعار تفضيلية، مما مكّن الدعم السريع من بناء مصدر تمويل مستقل عن الحكومة.
وتشير تقارير إلى أن الجنيد كانت تنتج بين 30 إلى 40 كيلوغراما من الذهب شهريا، علما أن الشركة تنفي أي علاقة لها بقوات الدعم السريع وتؤكد استقلالها.
أدى استغلال الذهب إلى تعزيز النفوذ السياسي والعسكري لحميدتي، الذي صعد سريعا ليصبح نائب رئيس مجلس السيادة بعد الإطاحة بالبشير عام 2019. وأصبح لقوات الدعم السريع استقلال مالي وعسكري، استخدمته لاحقا في تعزيز قوتها داخليا وخارجيا.
وفي هذا السياق، ظهرت شركة “مروي غولد” التابعة لمجموعة فاغنر الروسية، وأُنشئت لتولي عمليات التنقيب عن الذهب في السودان، بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية السودانية. وبدأت هذه الشركة أنشطتها في دارفور، خاصة في المناطق الغنية مثل جبل عامر.
في يناير/كانون الثاني 2021، أعلنت شركة الجنيد تسليم مناجم جبل عامر إلى حكومة الفترة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، بعد تنازلها عن التصديق المتبقي لصالح الدولة.
وقد اعتبرت الحكومة هذه الخطوة إنجازا نحو استرداد السيطرة على الموارد الإستراتيجية، لكن الواقع على الأرض كان مغايرا، إذ حافظت قوات الدعم السريع وشركة الجنيد على نفوذ غير مباشر في المنطقة.
في أكتوبر/تشرين الأول 2021، تم حل ما عرفت بـ”لجنة تفكيك التمكين”، وهي الجهة التي كانت تلاحق أصول الشركات المرتبطة بالفساد والاستغلال، من بينها “مروي غولد” التي كانت اللجنة تحاول منعها من إعادة هيكلة نفسها إلى شركة محلية تحت اسم “السُلاج”.
منجم بلوك 14
يقع مشروع مياس ساند للذهب في صحراء النوبة شمال السودان، قرب الحدود المصرية، على بُعد نحو 900 كيلومتر من الخرطوم، ويغطي مساحة تقارب 2170 كيلومترا مربعا ضمن ما يُعرف بمربع 14.
يتم تطوير هذا المشروع عبر شراكة بين شركة “بيرسيوس للتعدين” الأسترالية (المالكة لـ70% من الحصة)، وحكومة السودان (20%)، إلى جانب شركة سودانية محلية تُدعى “مياس نُب” تمتلك 10% من المشروع.
إعلان
وتقوم أعمال الاستكشاف ضمن نطاق الدرع العربي النوبي، حيث تتنوع التكوينات الجيولوجية بين تضاريس “جابقابا” البركانية الأنديسيتية في الشرق، ورسوبات بحرية تابعة لفالق كيراف في الغرب، ويفصل بينهما فالق “جابقابا الشرقي”.
تعود بدايات المشروع إلى عام 2012، حين وقّعت شركة “أوركا غولد” الكندية اتفاقية شراكة مع “مياس نُب”، وأطلقت برنامجا مكثفا للحفر بعد اكتشاف أولي في ترسب “جالات سوفار الجنوبية”. لاحقا، وفي عام 2015، توسع المشروع ليشمل ترسبا جديدا في “وادي دوم”.
شهد عام 2016 إصدار التقييم الاقتصادي الأولي، أعقبه اكتشاف مورد مائي إستراتيجي عام 2017، وهو ما أكّد إمكانية تشغيل المشروع في بيئة صحراوية قاسية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، اكتملت دراسة الجدوى للمشروع، وقدرت الاحتياطي المعدني بـ79.94 مليون طن بتركيز 1.11 غرام/طن، أي ما يعادل 2.85 مليون أوقية من الذهب.
تم الاستحواذ على “أوركا غولد” من “بيرسيوس للتعدين” الأسترالية في 2022، التي خصصت تمويلا إضافيا لتحديث التقديرات وتنفيذ دراسة “إف إف إي دي” (الهندسة الأمامية) في 2023، في خطوة تمهّد لاتخاذ القرار الاستثماري النهائي.
مناجم سونغو
تقع مناجم سونغو في منطقة الردوم بولاية جنوب دارفور، على بُعد 360 كيلومترا جنوب نيالا، وقد تحولت منذ عام 2016 إلى مركز نشط للتعدين الأهلي، بعد أن كانت منطقة نائية وضعيفة الكثافة السكانية، وتُصنّف الردوم ضمن أغنى مناطق جنوب دارفور بالذهب، وتشهد تنقلات متكررة لآلاف التجار والجنود والعمال المحليين.
قبل اندلاع الحرب السودانية، كانت منطقة سونغو تعج بالحركة، إذ عمل فيها نحو 100 ألف من عمّال المناجم في مواقع بارزة، مثل أغبش ودرابا وثريا وواد نيالا وسرفايا وجومانا. بيد أن الصراع والانفلات الأمني أديا إلى توقف شبه تام للتعدين عام 2023، خاصة مع انقطاع إمدادات الوقود، وانضم كثير من العمال للدعم السريع.
وتُعد شركة الجنيد المشغل الوحيد النشط في المنطقة. وقد شهدت عملياتها تراجعا حادا بسبب نقص الوقود، مما أجبرها على تقليص قوتها العاملة بنسبة 70%، لينخفض الإنتاج الشهري إلى أقل من طن من الذهب.
لكن بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع نهاية موسم الأمطار، استؤنفت العمليات بشكل متسارع، وأصبحت المنطقة مجددا أحد المصادر النشطة للعمالة، رغم استمرار التهديدات الأمنية.
الجنيد للأنشطة المتعددة المحدودة، شركة سودانية خاصة تأسست عام 2009، وتعمل بصفتها شركة قابضة تضم تحت مظلتها مجموعة من الشركات العاملة في قطاعات اقتصادية متنوعة، أبرزها تعدين الذهب والإنشاءات والنقل والطرق والجسور. تتخذ الشركة من العاصمة السودانية الخرطوم مقرا رئيسيا لها ويمتد نشاطها إلى دارفور ومناطق أخرى، وتدير ما لا يقل عن 11 فرعا في أنحاء البلاد.
النشأة والتأسيس
تأسست شركة الجنيد وفقا للمدير العام للشركة عبد الرحمن البكري عام 2009 على يد عبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي سابقا، قائلا إنهما كانا تاجرين منذ صغرهما.
وتطورت فكرة التجارة بحسب البكري عند عبد الرحيم إلى إنشاء شركة “دووم” للإلكترونيات عام 2006 لكنها تعرضت لبعض المشاكل، مما أدى إلى تصفيتها في النهاية، ثم أنشأ الجنيد بعدها، وسجلها باسمه واسم ابنيه علاء الدين حمدان وعادل، وكانا آنذاك قاصرين.
اتجهت الشركة إلى الاستثمار في التعدين التقليدي (الأهلي) ثم المنظم، وأنشأت مصانع إنتاج في جبل عامر وصنقو وجنوب كردفان لكنها أحرقت.
العلاقة بالدعم السريع
يُعد مؤسس الشركة عبد الرحيم دقلو نائب قائد قوات الدعم السريع، ما جعل العلاقة بين الشركة وتلك القوات محل جدل واسع داخليا وخارجيا.
وقد نشرت وكالة رويترز للأنباء في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2019 تقريرا يكشف عن دور حميدتي وعائلته في السيطرة على مناجم وتجارة الذهب في السودان، وقالت إن شركة الجنيد تتجاوز قواعد البنك المركزي لتصدير الذهب وتبيعه للبنك المركزي نفسه بسعر تفضيلي.
وفي مقابلات إعلامية حاول البكري دحض الشبهات التي تربط الشركة بقوات الدعم السريع، مشيرا إلى أن التأسيس القانوني للجنيد سبق إنشاء قوات الدعم السريع (تأسست قوات الدعم السريع عام 2013)، ويقول إن الشركة لا تتمتع بأي امتيازات خاصة أو حماية عسكرية خارجة عن إطار القانون.
ورغم تأكيد إدارة الشركة مرارا على استقلاليتها عن الدعم السريع، إلا أن تقارير أميركية ودولية، ومنها تقارير وزارة الخزانة الأميركية، تتهم الشركة بأنها مصدر مالي رئيسي لقوات الدعم السريع، خاصة بعد سيطرتها على مناجم الذهب في جبل عامر شمال دارفور منذ عام 2017.
محطات
دخلت الشركة بقوة في قطاع الإنشاءات والطرق، ونفذت مشاريع حيوية من بينها طريق نيالا-كاس، الذي تسلمته بعقد رسمي ووفقا لإجراءات حكومية تنافسية، بحسب إدارة الشركة.
في المقابل، وُجهت انتقادات بوجود قوات من الدعم السريع تحرس مقار الشركة وآلياتها، وهو ما فسرته الشركة بكون تلك القوات منتشرة أصلا في مناطق دارفور، التي تشهد هشاشة أمنية، إلى جانب وجود الشرطة.
أقرت الشركة بأنها صدرت نحو 3.5 أطنان من الذهب في فترة امتدت بين ديسمبر/كانون الأول 2018 وأبريل/نيسان 2019، وأكدت أن جميع العائدات سلمت إلى بنك السودان المركزي مقابل استيراد وقود، نافية في الوقت نفسه أي تورط في عمليات تهريب أو تصدير غير قانوني، كما نفت تقارير تحدثت عن استخدام طائرات مروحية لشحن الذهب إلى خارج البلاد، لا سيما إلى تشاد ومنها إلى دبي.
وفي إطار التصعيد الدولي تجاه الأطراف السودانية المتورطة في الحرب السودانية، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي منتصف 2023 عقوبات على شركة الجنيد بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، متهما إياها بالضلوع المباشر أو غير المباشر في إجراءات تهدد السلام والأمن في السودان.
وفي مارس/آذار 2020، أعلنت وزارة الطاقة والتعدين السودانية أن شركة الجنيد تنازلت رسميا عن امتيازها في جبل عامر لصالح الحكومة. وجاء القرار عقب تصاعد الجدل حول استحواذ الجنيد على المنجم الإستراتيجي الذي يشكل أحد أكبر مصادر إنتاج الذهب في البلاد.
اتهامات بزعزعة الأمن
برز اسم شركة الجنيد للأنشطة المتعددة مجددا في تقارير صحفية دولية، بوصفها طرفا في التوترات المرتبطة بالموارد الطبيعية في إقليم دارفور، لا سيما في مناطق غنية بالذهب مثل جبل مون بولاية غرب دارفور.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة لاكروا الفرنسية منتصف عام 2022، أفادت أوغستين باسيلي، الموفدة الخاصة إلى المنطقة، أن جزءا من أعمال العنف الدائرة يعود إلى سعي شركات تعدين -من بينها الجنيد- للسيطرة على احتياطيات الذهب.
ونقلت الصحيفة عن شهود محليين أن فنيين من شركة الجنيد زاروا جبل مون قبل التقرير بأشهر في محاولة لإقناع السكان بالتنازل عن أراضيهم لصالح أنشطة التعدين، إلا أن المحاولات قوبلت بالرفض.
وأضاف التقرير، نقلا عن ممثل قبيلة “المسيرية جبل”، حسن إمام، أن قوات الدعم السريع، التي تربطها صلات وثيقة بمالكي الشركة، لجأت لاحقا إلى الضغط بالقوة لبسط نفوذها على المنطقة، متذرعة باتهامات موجهة للسكان بسرقة مواشي البدو.
ويشير التقرير إلى أن هذا النمط من التوسع القسري سبق أن تكرر في منطقة جبل عامر، حيث كانت شركة الجنيد تُدير مناجم الذهب حتى عام 2020، قبل أن تتنازل عن الامتياز لصالح الحكومة السودانية.
مجالات النشاط
تنشط شركة الجنيد في المجالات والاستثمارات التالية:
التعدين: وتديرها “الجنيد للتعدين ومخلفات التعدين”، وتنشط في معالجة مخلفات الذهب التي تخرج من “الطواحين” التقليدية ويعاد معالجتها بأجهزة متطورة بمواقع في منطقة حفرة النحاس القريبة مع الحدود مع دولة جنوب السودان.
الطرق والجسور: وتديرها “الجنيد للطرق والجسور”، وهي واحدة من الشركات الرائدة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، تأسست عام 2016.
الإنشاءات: شاركت في مشاريع في الخرطوم ودارفور، بينها مبان إدارية ومدارس ومراكز صحية.
النقل البري: وتديرها “الجنيد للنقل البري” وهو أسطول خاص لنقل المعدات والموارد.
المصدر : الصحافة السودانية +الجزيرة+ رويترز + غارديان + مواقع إلكترونية
لجأ أكثر من 200 ألف سوداني وسودانية إلى ليبيا هرباً من الحرب المستعرة في السودان. وتتعرض حقوق هؤلاء اللاجئين واللاجئات في ليبيا لانتهاكات جسيمة. وتحذّر الأمم المتحدة من أن يدفع عدم تقديم المساعدة اللازمة لهم ولهنّ، البعض إلى المخاطرة بمواصلة الرحلة إلى أوروبا.دقَّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ناقوس الخطر بشأن الكلفة البشرية للحرب المستمرة في السودان. فمنذ أن اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، نزح حوالي عشرة ملايين شخص داخل البلاد، وتمكّن حوالي مليوني شخص من الفرار إلى الدول المجاورة. وتبدو أوضاع السودانيين في ليبيا، الأكثر حرجًا بين جميع الدول المجاورة. ولذلك، يأمل الكثير منهم في متابعة الرحلة لاحقاً نحو أوروبا أو تونس.
ويُقدّر عدد اللاجئين السودانيين، من الجنسين، في ليبيا بحوالي 210 آلاف شخص، وفقًا لتقديرات المفوضية السامية الصادرة في يناير 2025. وغالباً ما يصل هؤلاء من دون أي وثائق لإثبات الهوية، مما يجعل وجودهم غير قانوني وفق التشريعات الليبية.
وبحسب ما قاله عُمر (اسم مستعار)، محامٍ من إحدى مدن جنوب ليبيا، لشبكة سويس إنفو (SWI swissinfo.ch): “لهذا السبب عادة ما يجري اعتقال اللاجئين واللاجئات من السودان فور وصولهم، ثمَّ نقلهم إلى مراكز الاحتجاز أو أقسام الشرطة، حيث نضطر نحن، كمحامين ومحاميات، للتدخل”. ووفقاً لإحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 2024، تراوح عدد طلبات اللجوء من هؤلاء بين 400 و500 طلب يوميًّا، في منطقة الكُفرة في جنوب شرق ليبيا وحدها.
ويُذكر أن عُمر، عضو في الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب، قد تحدّث إلينا بشرط عدم الكشف عن هويته، لأنَّ القوانين الليبية تُجرِّم أعمال فرق المحاماة والمنظمات غير الحكومية، إذا قدمت المساعدة للاجئين واللاجئات. وفي نوفمبر 2024، أجرت منظمته، ومقرّها جنيف، تحقيقًا بالتعاون مع المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب. وبحسب التقرير،رابط خارجي يتعرَّض اللاجئون واللاجئات من السودان في ليبيا لانتهاكات مروّعة لحقوق الإنسان. ورغم أن القانون الدولي يكفل الحماية لجميع الفارين من الحرب، نساءً ورجالًا، تظلّ هذه الفئة في ليبيا “عرضة للاعتقال، والاحتجاز التعسّفي، والاستغلال، والاتجار بالبشر، والتعذيب، وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، والتمييز العرقي”.
وتعاني ليبيا بدورها من صراع داخلي. ففي عام 2011، أدّت انتفاضة شعبية، بدغم من حلف شمال الأطلسي، إلى الإطاحة بالرئيس معمر القذافي، الذي حكم البلاد لفترة طويلة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت ليبيا دولة عبور خطيرة للاجئين واللاجئات، والمهاجرين والمهاجرات. وتوجد في البلاد حكومتان تعملان في مناطق مختلفة، بالإضافة إلى العديد من الجماعات المسلحة التي تسيطر على مناطق نفوذ محلية، ما أدى إلى خلق بيئة تُنتهك فيها حقوق الإنسان بشكل مستمر.
ورغم عدم مصادقة ليبيا على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، فقد أقرّت اتفاقية مماثلة ضمن هيئات الاتحاد الأفريقي. إلا أن ذلك لم يمنع السلطات من احتجاز طالبي اللجوء وطالباته.
مهاجرون عبروا الحدود بطريقة غير قانونية يجلسون في مركز احتجاز مؤقت بعد احتجازهم من قبل السلطات الليبية في طرابلس، ليبيا 8 أكتوبر 2015 . Reuters
الاحتجاز
ويعمل عمر، مع مجموعة من المحامين والمحاميات في جنوب ليبيا، على مساعدة عدة مئات من اللاجئين واللاجئات السودانيين الذين يُحتجزون سنويًا في مراكز الشرطة. وتتعاون منظمته مع محامين ومحاميات في مختلف أنحاء البلاد. ويقول عمر: “أحيانًا، يمكننا دفع الغرامة المطلوبة وفق القانون الليبي للإفراج عن المحتجزين والمحتجزات. وننجح في إطلاق سراح العديد منهم، إذا وافقت مراكز الشرطة على إحالة قضاياهم إلى القضاء وبدء الإجراءات القانونية”. لكن إذا نُقل لاجئ أو لاجئة بعد فترة طويلة من الاحتجاز التعسفي دون محاكمة إلى مكان آخر، تصبح المتابعة أكثر صعوبة على المحامين والمحاميات. ويظل بعض اللاجئين واللاجئات رهن الاحتجاز لسنوات دون مبرر، حتى لو كانت أماكن الاحتجاز معروفة، ورغم تقديم شكاوى إلى مكتب النائب العام.
ويواجه اللاجئون واللاجئات القادمون من السودان إلى جنوب البلاد، نقطة دخولهم الأولى بعد الفرار، تحديات إضافية مثل التشرد، والتعرض للسرقة والاغتصاب. وعلاوة على ذلك، يتعرض العديد من الأطفال والشباب السودانيين للعمل القسري في المزارع. ويعرب عمر عن أسفه لضعف وجود مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة في تلك المنطقة، ويحذر من أن الأطفال، تحديدًا، معرضون للخطر الشديد هناك، إذ لقي عدة أطفال حتفهم جوعًا في سبتمبر وأكتوبر 2024.
وفي جنوب وشرق ليبيا، حيث تسيطر جماعة مسلحة تُسمى القوات المسلحة العربية الليبية، يواجه اللاجئون السودانيون أيضاً خطر التسليم إلى ميليشيا «قوات الدعم السريع» السودانية، والإعادة قسراً إلى السودان. ويؤكد عبد العزيز محمد، عضو لجنة الشتات السوداني، الذي التقت به سويس إنفو في جنيف، أن العشرات من الرجال السودانيين قد سُلِّموا بالفعل إلى قوات الدعم السريع.
مواصلة الرحلة نحو أوروبا
أما في شمال البلاد، حيث يسعى عدد كبير من اللاجئين واللاجئات إلى مغادرة البلاد، فتتوفر خدمات رعاية أفضل. ففي العاصمة طرابلس، يمكن للواصلين والواصلات التسجيل كلاجئين ولاجئات لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ورغم أن ليبيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، يعوّل هؤلاء على أن يكفل التسجيل قدرًا من الحماية أو فرصة لإعادة التوطين في بلد ثالث. لكن في الواقع، لا يُعاد توطين سوى عدد قليل جدًا من هؤلاء؛ فحتى ألمانيا، التي تُعد من بين الدول الأكثر استقبالًا للاجئين من ليبيا، لم تستقبل سوى نحو 450 شخصًا فقط.
غير أن أعدادًا كثيرة من اللاجئين واللاجئات لا تتوقف عند ليبيا، بل تواصل الرحلة إلى ما وراء حدودها. فوفقًا لمفوضية اللاجئين، وصل حوالي 6،000 لاجئ ولاجئة من السودان إلى إيطاليا عبر تونس وليبيا بين بداية عام 2023 وأبريل 2024، أي نحو ستة أضعاف العدد في العام السابق. وكثير من اللاجئين واللاجئات الذين يحاولون عبور البحر المتوسط، يعترضهم خفر السواحل الليبي ويعيدهم قسرًا إلى ليبيا.
وقد حذّر فيليبو غراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مرارًا من أن اللاجئات واللاجئين من السودان قد يواصلون التوجه إلى أوروبا، إذا لم يحصلوا على دعم كافٍ من الدول الغنية. وقال غراندي أمام مجلس الأمن الدولي في نهاية مايو 2024: «تقلق الدول الغنية باستمرار مما تسميه “الهجرة غير النظامية”، لكنها لا تقوم بما يكفي لمساعدة الناس قبل أن يلجؤوا إلى شبكات الاتجار بالبشر”.
وفي المقابلات التي أجرتها المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب والشبكة الليبية لمناهضة التعذيب، أبدى معظم اللاجئين واللاجئات من السودان رغبةً في الاستقرار في بلد آمن. وقد دعم الاتحاد الأوروبي خفر السواحل الليبي بما لا يقل عن 59 مليون يورو منذ عام 2017، وتضمّن الدعم زوارق عسكرية وأموالًا وبرامج تدريب، وذلك لمنع الأفواج اللاجئة والمهاجرة من الوصول إلى أوروبا.
وقال محمد، الذي يعمل مع الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب في شمال غرب ليبيا، لسويس إنفو في جنيف، يواجه اللاجئون واللاجئات والمهاجرون والمهاجرات الذين يعترضهم خفر السواحل الليبي ويُعيدهم قسرًا إلى ليبيا مخاطر كبيرة، وقد يغرق البعض أو يُصاب أثناء العملية. ثم يُنقل الناجون إلى أماكن احتجاز مختلفة، حيث يتعرضون لسوء المعاملة. وقد أكّدت شهادات جمعها ناشطو الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب وناشطاتها، وكذلك بعثة لتقصي الحقائق تابعة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، هذه الروايات. كما أفادت التحقيقات بوجود أدلة على تعاون خفر السواحل في شمال البلاد مع شبكات تهريب البشر.
وظلَّت مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة لفترة طويلة، تدعوان إلى إنهاء عمليات إعادة اللاجئين واللاجئات إلى ليبيا بعد اعتراض خفر السواحل القوارب التي تحملهم، نظرًا لاحتمالية تعرّضهم للاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة هناك. وبناءً على طلب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أجرت البعثة المستقلة لتقصّي الحقائق في ليبيا تحقيقًا، وخلص تقريرهارابط خارجي الصادر في مارس 2023، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق اللاجئات واللاجئين والمهاجرات والمهاجرين في مراكز احتجاز خاضعة لسيطرة السلطات الليبية، بما في ذلك تلك التي يديرها خفر السواحل.
وتعمل الشبكة الليبية لمناهضة التعذيب على توثيق مثل هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإبلاغها إلى منظمات دولية مثل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية اللاجئين. ويقول محمد إن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تتيح للشبكة ممارسة الضغط على الحكومة. ويضيف: “تمكّنا من إغلاق ثلاثة مراكز احتجاز”.
ويشير محمد إلى أن كرامة اللاجئات واللاجئين، والمهاجرات والمهاجرين، تُمتهن حتى بعد وفاتهم. وقد عرض علينا صورًا على هاتفه لجثث غرقى، بعضها متحلّل، جرفتها الأمواج إلى الشواطئ الليبية. ويقول إن هؤلاء الموتى يُدفنون في مقابر خاصة، وغالبًا دون تحديد هوياتهم.
ما من مهرب آمن
أمَّا المجموعات التي تحاول العبور إلى أوروبا، فيُوقفها حرس الحدود قبل إعادتها إلى ليبيا، حيث تُحتجز في مركز العسّة القريب من الحدود. ويقدّر محمد أن نحو 700 شخص، ذكورًا وإناثًا، يُحتجزون في مركز العسّة في أي وقت. وتقول المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب إنه عند اكتظاظ المخيم بالنزلاء والنزيلات، يُنقل الفائض إلى أماكن احتجاز أخرى دون تسجيل بياناتهم الشخصية. ويقول محمد: “يختفي كثيرون هنا، بينما يموت آخرون أو يتعرضون للتعذيب في مرافق أخرى”.
وفي أوائل فبراير الماضي، اكتُشفت مقبرتان جماعيتان في الصحراء الليبية شرق البلاد. وعُثر على 19 جثة في منطقة إجخرة، على بُعد 400 كيلومتر تقريبًا جنوب بنغازي، فيما يُرجّح وجود ما يصل إلى 70 جثة إضافية في مقبرة ثانية في صحراء الكفرة، جنوب شرق البلاد. ولا تزال ملابسات وفاتهم وجنسياتهم مجهولة. وجاء اكتشاف المقبرتين عقب مداهمة للشرطة، أُنقذ خلالها مئات اللاجئين واللاجئات، والمهاجرين والمهاجرات، من أيدي شبكات تهريب البشر. وفي مارس 2024، عُثر على 65 جثة في مقبرة جماعية بالصحراء، جنوب غرب ليبيا، قرب الحدود التونسية.
وقالت مفوضية اللاجئين إنها “تواصل الدعوة إلى توفير فرص جديدة تمكّن اللاجئين واللاجئات، والمهاجرين والمهاجرات، من إعادة بناء حياتهم، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية وضمان الوصول إلى الخدمات الأساسية في ليبيا وعلى امتداد طرق الهجرة، حيث تستغلّ الشبكات الإجرامية الفئات المستضعفة، عبر احتجاز أفرادها للمطالبة بالفدية واستغلالهم”.
بعد نحو عامين من اندلاع الحرب الدامية في السودان، أعلن الجيش السوداني الجمعة تحرير العاصمة “بالكامل” من أيدي قوات الدعم السريع. ويشكل ذلك منعرجا مهما في المعارك، يعكس عدم قدرة قوات الدعم السريع على الحفاظ على الأراضي التي تديرها، وفق مراقبين.
أعلن الجيش السوداني الجمعة أنه سيطر بالكامل على الخرطوم، بعد حوالى عامين على خسارته العاصمة أمام قوات الدعم السريع، وفي أعقاب عملية واسعة شهدت استرجاع الجيش للقصر الرئاسي والمطار ومنشآت حيوية أخرى في الخرطوم.
وقال المتحدث باسم الجيش نبيل عبد الله في بيان صدر مساء الخميس “تمكنت قواتنا اليوم… من تطهير آخر جيوب لشراذم ميليشيا آل دقلو الإرهابية بمحلية الخرطوم”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو التي تخوض حربا مع القوات السودانية منذ نيسان/أبريل 2023.
وكان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أعلن الأربعاء أن “الخرطوم حرة وانتهى الأمر” متحدثا من القصر الرئاسي حيث وصل لأول مرة منذ عامين.
وبعد عام ونصف عام من الهزائم، بدأ الجيش السوداني عملية عسكرية من وسط السودان نحو الخرطوم حقق فيها تقدما كبيرا على الأرض.
وكان البرهان نفسه قد أجبر على الهرب قبل نحو عامين عند تقدم قوات الدعم السريع بقيادة شريكه السابق محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي.
وتسبب هذا الصراع الدامي في سقوط عشرات الآلاف من القتلى ونزوح أكثر من 10 ملايين نازحين في داخل البلاد.
وبعد خسائرها المتتالية، هربت قوات الدعم السريع من العاصمة عبر جسر جبل أولياء آخر مخارج العاصمة باتجاه الجنوب، فيما شوهدت أجواء فرحة في كثير من أحياء الخرطوم.
البرهان يستعيد “زمام الأمور”
أطلق الجيش هجومه على الخرطوم منذ أيلول/ سبتمبر الماضي في تحول مهم للحرب مع قوات حميدتي. وكانت قوات الدعم السريع تسيطر على النقاط الاستراتيجية للعاصمة ومنها المطار الدولي والقصر الرئاسي وعدة مواقع عسكرية.
“عودة عبد الفتاح البرهان إلى القصر الرئاسي لها رمزية كبيرة في داخل البلاد كما في خارجها” وفق الباحث المختص في السودان مارك لافيرني، الذي يضيف “البرهان يقول بأنه القائد الشرعي للبلاد وكأنه اليوم يريد أن يؤكد للعالم بأنه استعاد زمام الأمور”.
ولكن عودة البرهان إلى الواجهة تطلبت وقتا طويلا. ففي بداية الحرب ومع الاختراقات التي حققتها قوات الدعم السريع، اضطر البرهان إلى نقل قيادة قواته العسكرية إلى بورت سودان، أهم ميناء في البلاد يقع على البحر الأحمر، ويبعد نحو 700 كلم شمال شرق العاصمة.
ولم يستطع الجيش مذاك كبح تقدم قوات الدعم السريع إلى خارج دارفور معقلها التاريخي، ونجحت في السيطرة على مناطق في شمال وجنوب الخرطوم. وكبدت قوات حميدتي الجيش في نهاية سنة 2023 هزيمة مذلة من خلال سيطرتها على واد مدني عاصمة ولاية الجزيرة. إلا أن الجيش قلب المعطيات وتمكن في كانون الثاني يناير 2025 من السيطرة على مناطق يسكنها 400 ألف نسمة.
قوات حميدتي في تقهقر مستمر
بالنسبة إلى مارك لافيرني، فإن تغير ميزان القوى لصالح الجيش دليل على حالة “الإنهاك” في صفوف قوات حميدتي ويضيف: “قوات الدعم السريع ليست متكونة من جنود محترفين بتسلسل قيادة حقيقي وتنظيم لوجستي. لقد أرادوا الضرب بقوة وسرعة في البداية وسيطروا على أراضي شاسعة بدون أن تكون لهم القدرة على إدارتها”.
منذ بداية الحرب، تم رصد انتهاكات مروعة من الطرفين. ويتهم الجيش بشن غارات عشوائية ما تسبب في مقتل عدد كبير من المدنيين. وآخرها كانت ضربة على مدينة تورا في إقليم دارفور أودت بحياة المئات من الضحايا وفق شهود عيان.
إلا أن قوات حميدتي متهمة بارتكاب عدد أكبر من المجازر وينظر إليها على أنها أكثر عنفا. “إنهم قطاع طرق يأخذون ما يعترضهم في الأراضي التي يسيطرون عليها” وفق لافيرني.
وهذه الممارسات شوهت صورة قوات الدعم السريع وقدرتها على الاندماج مع السكان وانتداب مقاتلين منهم. وتواجه قوات حميدتي أيضا انشقاقات أبرزها للقائد العسكري أبو عقلة كيكل الذي انضم إلى الجيش في تشرين الأول/ أكتوبر 2024.
قلق من مجازر في دارفور
كان ينظر إلى ميزان القوى بين الجيش والدعم السريع على أنه متوازن نسبيا، رغم التفوق الجوي المهم لقوات البرهان بفضل قواتها الجوية. ومع تعودها على حرب الشوارع، تملك قوات الدعم السريع ترسانة مهمة تشمل المسيرات والصواريخ يزعم أنها حصلت عليها من الإمارات، الداعم الخارجي الأول لحميدتي، فيما تنفي أبوظبي تسليم أسلحة لهذه القوات.
وأمام المصاعب الميدانية، قام حميدتي في الأشهر الأخيرة بجولة دبلوماسية إقليمية شملت أوغندا وإثيوبيا وكينيا. وبحثا عن الشرعية، أعلن حميدتي في شباط/ فبراير من نيروبي تشكيل “حكومة موازية” تهدف إلى الإدارة المباشرة للمناطق التي تسيطر عليها قواته. وهي مبادرة رفضها قطعيا البرهان الذي اتهم الرئيس الكيني كينيان وليام روتو بدعم غريمه.
هنا، يخلص لافيرني إلى القول “دول شرق أفريقيا التي استقبلت حميدتي كان بإمكانها الحصول على ثقل أكبر في مرحلة التفاوض. إلا أنه على المستوى العسكري، لا أرى أية فرصة لقوات الدعم السريع لقلب المعادلة”.
من جهته، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الخميس أن الولايات المتحدة ستسعى لبذل مزيد من الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في السودان.
وقال الوزير الأمريكي إنه “منخرط” في الشأن السوداني، مشيرا إلى أنه ناقش هذه المسألة في الأيام الأخيرة مع أطراف دولية، من بينهم الرئيس الكيني وليام روتو ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
ومع احتفال الجيش في الخرطوم بنهاية المعارك في العاصمة، يخشى مراقبون من أن يؤدي انكفاء قوات الدعم السريع في دارفور، التي ما زالت تسيطر عليها، إلى موجة عنف جديدة ضد الإثنيات غير العربية التي كثيرا ما تتعرض للاستهداف من قبل قوات حميدتي. في يناير كانون الثاني، اتهمت الولايات المتحدة قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة عرقية هناك، ونددت بعمليات قتل ممنهجة لـ”الرجال والأولاد بمن فيهم الرضع، على أساس عرقي”.
النص الفرنسي: فرانس برس 24 دافيد ريش/ نقله إلى العربية: عمر التيس
يختلط الحابل بالنابل في حرب السودان، إذ يعلن الجيش تحقيق مكاسب إقليمية داخل العاصمة الخرطوم، بينما قُتل في هجوم على سوق في شمال دارفور عدد كبير من الأشخاص. فحول ماذا يدور هذا النزاع؟. أسئلة وأجوبة.
تشارك في حرب السودان أطراف متعددة. فمن هي الأطراف المتحاربة وما هي الأسباب؟ وكيف يبدو الوضع الإنساني وكيف تبدو فرص إنهاء الحرب؟. أهم الأسئلة والأجوبة.
من يقاتل ضد من؟
يعود تاريخ هذا الصراع إلى نهاية حكم الرئيس المستبد عمر البشير في عام 2019. وقد اعتمد في سلطته على الجيش الحكومي: القوات المسلحة السودانية، التي تخضع اليوم لقيادة الجنرال وحاكم السودان الفعلي عبد الفتاح البرهان. ولكنه اعتمد في الوقت نفسه أيضًا على ميليشيات عديدة، من بينها الميليشيا المعروفة باسم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف باسم “حميدتي”.
وبعد إسقاط عمر البشير، اندمج الجيش وقوات الدعم السريع في مجلس انتقالي بقيادة مدنية. ولكنهما قاما في تشرين الأول/أكتوبر 2021 بانقلاب مشترك، وأصبح حميدتي نائبًا للبرهان. ولكن بعد ذلك اختلف القائدان حول هيكلة وتسلسل الجيش المشترك. ورفض حميدتي دمج ميليشياته في الجيش الوطني. وقد أدى ذلك في نيسان/أبريل 2023 إلى نشوب صراع مفتوح على السلطة بين الطرفين، أفضى إلى حرب اجتاحت جميع أنحاء السودان.
نازحون سودانيون يبحثون عن مأوى لهم في مدرسة بعد إجلائهم من قبل الجيش السوداني في آذار/مارس 2025صورة من: AP/dpa/picture alliance
من هي الأطراف الدولية المشاركة في هذا الصراع؟
حميدتي والبرهان لا يتحاربان بمفردهما. حيث يتم دعمهما من قبل شركاء دوليين لديهم مصالح اقتصادية أو استراتيجية في السودان. ومثلًا لقد أقام في خريف العام الماضي القائد العسكري البرهان اتصالات مع إيران، التي حصل منها على معدات عسكرية منها مسيّرات قتالية وضعت خصمه تحت ضغط كبير. وكذلك تقف إلى جانبه مصر والسعودية. أما “الحكومة المصرية فهي لا تتعاون مع قوات الدعم السريع لأنَّها غير حكومية”، كما تقول الباحثة السياسية وخبيرة السودان هاجر علي من المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) في هامبورغ.
وفي المقابل يرى الكثير من الخبراء الدوليين أنَّ قائد قوات الدعم السريع حميدتي يتلقى الدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تنفي ذلك بطبيعة الحال. وعلى الأرجح أن دولة الإمارات غير مهتمة فقط بمناجم الذهب في السودان، والتي يقع معظمها في مناطق يسيطر عليها حميدتي. فالإمارات تعتمد أيضًا على حميدتي في الزراعة، وذلك لأنَّ السودان كان حتى بدء الحرب مصدرًا مهمًا للغذاء بالنسبة للإمارات. والإمارات وميليشيا قوات الدعم السريع لديهما علاقات عسكرية أيضًا منذ أن أرسل حميدتي عددًا كبيرًا من أفراد ميليشياته إلى الحرب بقيادة السعودية والإمارات ضد ميليشيا الحوثي في اليمن.
من جانبها اتخذت روسيا موقفًا جديدًا. فبعد أن كانت موسكو تدعم حميدتي في البداية، وأيضًا بالنظر إلى احتياطيات السودان من الذهب، صارت تتوجّه منذ عدة أشهر وبشكل متزايد نحو رئيس أركان الجيش البرهان. وذلك على خلفية مركز لوجستي من المقرر توسعته على المدى الطويل إلى قاعدة بحرية في مدينة بورتسودان الساحلية الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية. وهذه القاعدة ستمثّل لروسيا نقطة انطلاق باتجاه أفريقيا، وكذلك ستجعلها حاضرة في البحر الأحمر، الذي يعد من أهم طرق الشحن في العالم.
كيف يبدو الوضع الإنساني؟
أدى الصراع على السلطة بين حميدتي والبرهان إلى إيقاع السودان في أكبر أزمة إنسانية في العالم: فقد هرب بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 8 ملايين و8 مائة ألف مواطنة ومواطن سوداني من ديارهم إلى مناطق أخرى في السودان، وقد لجأ أكثر من ثلاثة ملايين شخص إلى البلدان المجاورة. كما أنَّ 70 بالمائة من النازحين أطفال وأجزاء كبيرة من السكان مهددة بالمجاعة. وهذا يعود أيضًا إلى حقيقة أنَّ ميليشيات قوات الدعم السريع خاصةً تحرق الأراضي الزراعية بشكل ممنهج من أجل إخضاع الأهالي المقيمين هناك.
فيما البنية التحتية الحيوية في السودان تدمرت كلها إلى حد كبير. وزد على ذلك أنَّ الأهالي يعانون من عنف ذوي السلطة وتعسفهم. “يتفشى في السودان وباء العنف الجنسي. والأطفال يُقتلون ويُصابون. معاناة الناس مروعة”، كما ذكر في شهر شباط/فبراير من هذا العام توم فليتشر، وهو وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ. ويتهم كلا الطرفين بارتكاب جرائم حرب. وحتى الأطفال الصغار كثيرًا ما يتعرضون للعنف الجنسي، كما تشكو منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف).
هل يمكن توقع نهاية الصراع؟
لقد تم القيام بعدة محاولات لإنهاء الصراع، ولكن جميعها باءت بالفشل. وهذا يعود لأسباب ليس آخرها أنَّ المتنافسين حميدتي والبرهان ما يزالان يرفضا التصالح. “كل طرف يأمل في جعل نفسه ‘قوة شرعية‘ في السودان”، كما قالت في آذار/مارس 2025 لدويتشه فيله لينا بدري، وهي خبيرة سياسية من مركز تشاتام هاوس البريطاني. وأضافت أنَّ القوات المسلحة السودانية تشترط من أجل مفاوضات السلام انسحاب قوات الدعم السريع ونزع سلاحها.
ومن جانبها، تأمل قوات الدعم السريع من خلال تشكيل حكومة الوصول إلى واردات الأسلحة الرسمية، بحسب تعبير لينا بدري. والطرفان لم يبديا أي استعداد لإنهاء الحرب. واستطاعت مؤخرًا القوات المسلحة السودانية تحقيق مكاسب إقليمية كبيرة في العاصمة الخرطوم، ولكن يبدو من غير المحتمل حاليًا أن يستسلم خصومها.
ولكن حتى وإن اتفق الطرفان على وقف إطلاق النار فإنَّ تحقيقه لن يكون سهلًا. وذلك لأنَّ قوات الدعم السريع وكذلك القوات المسلحة السودانية تحالفت مع العديد من الجماعات والميليشيات المحلية، التي تسعى بدورها إلى تحقيق مصالحها الخاصة في الحرب. وطالما أنَّ العنف يخدم أهدافها الخاصة فمن غير المرجح أن يكون لديها اهتمام كبير بوقف إطلاق النار.
لاجئ سوداني من بين 8 ملايين و8 مائة ألف مواطنة ومواطن سوداني نزحوا من ديارهم إلى مناطق أخرى في السودان، شباط/فبراير 2025صورة من: AFP/Getty Images
إلى أين يمكن أن يؤدي الصراع؟
لقد أصبح السودان دولة ضعيفة للغاية. كما أنَّ محاولة روسيا إنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان تشير إلى أنَّ السودان بات يتحول وبشكل متزايد إلى لعبة في يد مصالح أجنبية لا يمكنه مواجهتها. ومن هذا الجانب يذكِّر السودان بالوضع في سوريا خلال الحرب هناك. زد على ذلك أنَّ السودان قد ينقسم إلى عدة أجزاء.
وبدأت بذلك قوات الدعم السريع في نهاية شباط/فبراير: فقد وقّعت ميثاق تشكيل “حكومة سلام ووحدة” في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وهذه الخطوة تثير المخاوف من احتمال تفكيك السودان وانقسامه بشكل دائم. وقد حذَّر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أنَّ هذا الإعلان يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الصراع المتواصل في السودان وإلى تفتيته وأن يزيد من سوء الوضع الإنساني المأساوي هناك.
نشطت تجارة الذهب في السودان خلال الحرب الدامية المتواصلة منذ عامين، وباتت أحد مصادر تمويل طرفيها، مع وجهة أساسية هي الإمارات العربية المتحدة، المستورد الأول للذهب السوداني، وفق مسؤولين ومنظمات غير حكومية.
وأعلنت الحكومة التابعة للجيش السوداني الشهر الماضي أن إنتاج الذهب سجّل رقما قياسيا خلال عام 2024، في بلد دمّرت الحرب اقتصاده وبناه التحتية.
ويرى المحلل الاقتصادي السوداني والخبير في تجارة الذهب عبد العظيم الأموي أن تزايد الطلب على ثروة السودان المعدنية “دافع أساسي لإطالة الحرب وذلك لسهولة الحصول عليه في ظل غياب أجهزة الدولة”.
ويقول لوكالة فرانس برس “الشركات العسكرية تستفيد من الذهب منذ قبل اندلاع الحرب وكذلك تفعل الشركات التابعة لقوات الدعم السريع”. إلا أن صادرات الذهب ارتفعت بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023.
في شباط/فبراير الماضي، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية التابعة للحكومة ارتفاع الصادرات الرسمية للذهب إلى 64 طنا عام 2024، مقارنة بـ41,8 طن عام 2022.
– تتبع الذهب
ويقول مارك أومل، الباحث في مؤسسة “سويس إيد” التي تقوم برصد تهريب الذهب من دول إفريقية إلى الإمارات، “لنفهم الحرب في السودان، يجب أن نتتبع الذهب، وسوف نصل الى الإمارات العربية المتحدة”.
وبحسب مسؤولين سودانيين ومصادر تتابع تجارة الذهب في السودان، بالإضافة إلى بيانات منظمة “سويس إيد”، يذهب معظم الإنتاج السوداني من الذهب إلى الإمارات، إما عبر الطرق الرسمية أو التهريب أو بسبب الملكية الإماراتية لواحد من أكبر مناجم الذهب في السودان.
ونفى مسؤول إماراتي في بيان لفرانس برس، “ادعاءات” وصفها بأن “لا أساس لها متعلقة بتهريب الذهب أو التربّح منه”.
وبينما أدخلت صادرات الذهب 1,57 مليار دولار الى خزينة الدولة العام الماضي، حسب بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، فإن “قرابة نصف إنتاج الدولة من الذهب يتم تهريبه عبر الحدود”، وفق ما يقول مدير الشركة محمد طاهر لفرانس برس من مدينة بورتسودان الواقعة على البحر الأحمر في شرق البلاد والتي تشكّل مقر الحكومة السودانية الموقت.
على بعد حوالى 2,000 كيلومتر إلى الجنوب الغربي قرب الحدود مع جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، تعمل مناجم الذهب التابعة لقوات الدعم السريع بكامل طاقتها.
وأوضح خبراء ومصادر مطلعة على قطاع التعدين أن طرق التهريب تمر بتشاد وجنوب السودان ومصر، قبل أن تصل إلى الإمارات.
– ماذا تملك الإمارات؟
وتقدّم السودان بشكوى أمام محكمة العدل الدولية هذا الشهر ضدّ دولة الإمارات العربية المتحدة بتهمة “التواطؤ في إبادة جماعية” بسبب دعمها قوات الدعم السريع. إلا أن الإمارات ندّدت بالشكوى، معتبرة إياها “حيلة دعائية خبيثة”، مؤكدة أنها ستسعى إلى إبطالها.
وغالبا ما تُتهم الإمارات بمساندة الدعم السريع، إلا أنها أيضا، من خلال الذهب، تساهم بشكل غير مباشر في تمويل الجيش السوداني الذي يخوض منذ سنتين نزاعا مدمّرا مع قوات الدعم السريع.
في 2020، اشترت شركة “إيميرال ريسورسز” الإماراتية منجم كوش، جوهرة طفرة الذهب السودانية، والواقع في منطقة صحراوية يسيطر عليها الجيش السوداني بين بورتسودان والعاصمة الخرطوم، بحسب مصدر مطلع على قطاع الذهب في السودان تحدث لوكالة فرانس برس بشرط السرية حفاظا على سلامته.
وبنت المنجم شركة روسية، وذكر المصدر أن “إيميرال ريسورسز” وافقت على استمرار هذه الشركة في إدارة المنجم، حتى بعد انتقال الملكية.
على موقعها الرسمي، تشير “إيميرال ريسورسز” إلى منجم كوش كأحد ممتلكاتها إلى جانب منجم “أليانس” الذي تصفه بأنه “أكبر منتِج للذهب في السودان”.
ويقول طاهر إن 90 بالمئة من صادرات الذهب السودانية الرسمية تذهب للإمارات، المشتري الأول للذهب السوداني، “ولكننا نحاول فتح أسواق جديدة في كل من قطر وتركيا”.
وعلى الرغم من إخلاء منجم كوش وتوقفه عن العمل في بداية الحرب، أفاد أحد المهندسين العاملين فيه وكالة فرانس برس بأن المنجم عاد للعمل وينتج الآن مئات الكيلوغرامات من الذهب شهريا.
واكتفت “إيميرال ريسورسز”، ومقرّها دبي، ردّا على سؤال لفرانس برس، بالقول إنه تم “استئناف الإنتاج بالمنجم بشكل محدود”.
والإمارات العربية المتحدة هي ثاني أكبر مصَدِّر للذهب في العالم، وفقًا لبيانات بورصة دبي للذهب والسلع، لتحلّ محل المملكة المتحدة منذ 2023. وهي أيضًا الوجهة الأساسية لعمليات تهريب الذهب من إفريقيا، بحسب “سويس إيد”.
وتؤكد أبو ظبي أنها تتبع “سياسة مسؤولة” في ما يخص مصادر الذهب المستورد تستند إلى إطار قانوني تمت مراجعته في كانون الثاني/يناير 2023 يهدف “ضبط وتنظيم قطاع الذهب”.
إلا أن أومل يرى أنه في حال الالتزام الفعلي بالتدقيق اللازم لضبط قطاع الذهب، “يتوجّب على كل مصافي الذهب في الإمارات الالتزام بالتدقيق، والخطوة الأساسية في أي عملية تدقيق هي التأكد من أن كل الذهب المستخدم تم تسجيله في بلد المنشأ”. و”بالنظر إلى الأرقام، نجد أن الوضع ليس كذلك”.
وتشير نتائج تحليل البيانات الذي قامت به “سويس إيد” إلى أنه في 2023، تجاوزت صادرات تشاد التقديرية من الذهب إلى الإمارات ضعف الطاقة التقديرية لإنتاج الذهب في تشاد، ما يعني أن معظم ما تمّ تصديره للإمارات لم يكن مسجّلا رسميا وتمّ تهريبه عبر الحدود.
– إمبراطورية حميدتي الذهبية
في إقليم دارفور ذي المساحة الشاسعة في غرب السودان، والذي يقع معظمه تحت سيطرة قوات الدعم السريع، يوجد عدد من مناجم الذهب التي يسيطر عليها قائد هذه القوات محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي والمتهم بارتكاب انتهاكات عدّة في السودان منذ سنوات. ومكّنت تلك المناجم دقلو من بناء إمبراطوريته الخاصة من خلال مجموعة شركات “الجنيد” المملوكة لعائلته والخاضعة لعقوبات أميركية وأوروبية، بحسب خبراء.
وقال تقرير لبعثة خبراء الأمم المتحدة لمراقبة حظر السلاح في دارفور إن ثروة حميدتي من الذهب مكّنته، من خلال حوالى 50 شركة، “من شراء الأسلحة ودفع المرتبات وتمويل الحملات الإعلامية وشراء ولاء جماعات سياسية وعسكرية”.
ويقدّر ثلاثة مهندسين سابقين في شركة الجنيد أرباح حميدتي خلال فترة الحرب بمليار دولار سنويا، قياسا على توقعات حجم الإنتاج وأسعار الذهب.
ويقول أحدهم، وقد رافق بنفسه إحدى رحلات نقل الذهب من المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، “يتم نقل الذهب المستخرج من المناجم الخمسة عبر دولة جنوب السودان، ثم ينقل براً مسافة 215 كيلومترا حتى مدينة راجا في جنوب السودان والتي فيها مطار. ومنها ينقل عبر طائرات إلى دولتي أوغندا وكينيا ومنهما إلى الإمارات”.
وطلب المهندس عدم ذكر اسمه حفاظا على سلامته. وتنتج المنطقة الحدودية الجنوبية لدارفور وحدها 150 كيلوغراما من الذهب على الأقل، وفق ما قال مهندس آخر سابق في “الجنيد”.
ويخلص أول الى أن الإمارات العربية المتحدة “لا يلتزمون بالضوابط الأساسية”، معتبرا أنها “هكذا مستمرة في تمويل الحرب”.
الفاشر-مع إعلان الجيش السوداني سيطرته الكاملة على العاصمة الخرطوم، تحول الصراع بوضوح نحو غرب السودان، وبالتحديد إلى إقليم دارفور، الذي عاد ليكون في دائرة الاهتمام وسط تصاعد التعقيدات الأمنية والإنسانية.
وتشهد مدينة المالحة، التي تقع على بعد نحو 210 كيلومترات شمال مدينة الفاشر قرب الحدود الليبية، معارك عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع التي تسعى إلى إثبات قدرتها على الصمود، رغم انهيارها وسط اتهامات دولية بارتكابها انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
وتشكل استعادة السيطرة على الخرطوم نقطة تحول إستراتيجية للجيش السوداني، ليس فقط من الناحية السياسية، بل أيضا من حيث إعادة توجيه الموارد العسكرية نحو جبهات أخرى مثل دارفور. ووفقا لتقارير محلية، سيعيد الجيش، بالتنسيق مع القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، السيطرة على نقاط إستراتيجية في دارفور في القريب العاجل.
صلاح رصاص (يسار): الجيش السوداني سيواصل تقدمه على جميع محاور العمليات (مواقع التواصل)
مرحلة حاسمة
في حديثه للجزيرة نت، قال عضو مجلس السيادة الانتقالي صلاح رصاص، إن العمليات العسكرية الحالية تهدف إلى استعادة سيادة الدولة وحماية المدنيين من “المليشيات” التي ترفض نزع سلاحها. وأكد أن الجيش سيواصل تقدمه في جميع محاور العمليات “للقضاء على المليشيات وفرض الأمن في البلاد”، وأن المرحلة القادمة ستكون حاسمة وتركز على القضاء على “البؤر الإرهابية” التي تعرقل الاستقرار.
وأعرب رصاص عن قلقه العميق تجاه الأوضاع الإنسانية في البلاد خاصة دارفور، وقال، إن الحكومة ملتزمة بفتح ممرات إنسانية آمنة، وإنها تعمل بجد لتقديم الدعم اللازم للمتضررين. وذكر أن الانتصارات في الخرطوم لا تعني نهاية الحرب، بل هي “بداية للانتهاء من المليشيات وداعميها في الداخل والخارج”.
وبحسب ناشطين محليين في منطقة المالحة، نجح الجيش في مواجهة وإخماد هجوم من ثلاث مجموعات تتبع قوات الدعم السريع، والتي شنت هجوما على المنطقة، يوم الخميس الماضي، حيث تسللت بعض عناصرها إلى داخل المدينة.
وذكر الناشطون، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، أن الهجوم انطلق من الاتجاه الجنوبي الغربي، قرب موقع تمركز قوات الاحتياطي المركزي التابعة للحكومة السودانية، وأن المواطنين فوجئوا بوجود عناصر الدعم السريع في المدينة والذين “استباحوا سوقها بالكامل، مما أسفر عن مقتل نحو 40 شخصا وإصابة آخرين، مع ارتكاب فظائع في المنطقة”.
وتظهر التقارير الميدانية، أن الجيش السوداني، بالتعاون مع القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، حقق تقدما ملحوظا في منطقة المالحة بهدف استعادة السيطرة على نقاط إستراتيجية. بينما تتنافس الأطراف المختلفة للهيمنة على الممرات الحيوية ومراكز الإمداد في الصحراء الواسعة، مما يضيف بعدا جديدا للصراع المستمر في البلاد.
عجز
وفقا للعقيد أحمد حسين مصطفى، المتحدث الرسمي باسم هذه القوة المشتركة، فإن “تصرفات مليشيات الدعم السريع تُظهر عجزها، إذ تسعى إلى البحث عن أحداث تعويضية للتخفيف من آثار الهزائم الكبيرة التي تكبدتها في مختلف جبهات القتال”.
وفي حديثه للجزيرة نت، أكد أن “هذه الأفعال الإجرامية التي ترتكبها المليشيات ليست سوى محاولة للهروب من الواقع المرير، وأنهم في حالة انهيار تام وأصبحوا خارج نطاق الفعل والتأثير”. وأوضح أن القوة المشتركة “ستواصل مطاردتهم في جميع المناطق التي دنسوها”.
تُعتبر مدينة المالحة نقطة حيوية بالنسبة للقوات العسكرية لِما تتمتع به من موقع إستراتيجي متميز يبعد 210 كيلومترات شمال مدينة الفاشر قرب الحدود السودانية الليبية، ما يُعزز من قدرة الوجود العسكري على تأمين الحدود والمراقبة الفعالة للحركة عبرها، مما يجعلها قاعدة مثالية لأي عمليات عسكرية أو لوجستية.
وتشكل أيضا، حلقة وصل رئيسية بين السودان وليبيا، مما يُتيح إمكانية التحكم في طرق الإمداد والتجارة التي تمر عبر الصحراء الكبرى. وبحسب مراقبين محليين، يُعتبر هذا عنصرا محوريا في التخطيط العسكري.
كما تساهم نقطة الجمارك النشطة في المدينة في تنظيم حركة البضائع والأفراد بطريقة تؤمن السيطرة على العمليات العسكرية. علاوة على ذلك، يُعزز وجود قبيلة الميدوب في المنطقة من البعد الاجتماعي والسياسي لاستخدامه كداعم محلي لأيّ إستراتيجيات عسكرية تنفّذ هناك.
هزائم متتالية
من جهته، يقول يعقوب الدموكي المستشار الإعلامي السابق لقائد قوات الدعم السريع، وأحد الذين انشقوا عنها، للجزيرة نت، إن “المليشيا” تسعى للسيطرة على مدينة المالحة لتأمين ممرات حيوية تتيح لها الحصول على الإمدادات العسكرية الضرورية من ليبيا لضمان استمرار قواتها.
وأشار إلى أن الوضع أصبح أكثر تعقيدا بعد الهزائم المتتالية التي تعرضت لها القوات في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى مثل ولاية الجزيرة، معتبرا أنها كانت ضربة قوية أثرت سلبا على قدرتها وتوجهاتها المستقبلية.
ووفق الدموكي، تبحث قوات الدعم السريع الآن عن مخرج جديد “من خلال التنسيق مع ليبيا، وتحديدا مع قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، مما يعكس رغبتهم في إيجاد حليف يساعدهم في تجاوز الأزمات التي يواجهونها”. وأكد أن جميع تلك المحاولات فشلت، مما يقلل من فرص نجاحهم، وأنه في ظل هذه الظروف الصعبة، قد يتم القضاء عليهم نهائيا في القريب العاجل”.
وتسببت المعارك الجارية في المالحة والمناطق المجاورة لها في نزوح نحو 15 ألف أسرة خلال 48 ساعة فقط، وفقا لما أعلنته المنظمة الدولية للهجرة الاثنين الماضي. وأوضحت في بيان لها، أن النازحين توجهوا إلى مناطق أخرى داخل المالحة، حيث لا يزال الوضع غير مستقر ولا يمكن التنبؤ بتطوره.
في السياق، أفاد السكان المحليون، عبر شهادات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، بوجود صعوبة بالغة في الوصول إلى المساعدات الإنسانية بسبب إغلاق الممرات الأمنية.
وأكدوا، أن عشرات الأسر اضطرت إلى المشي سيرا على الأقدام نحو قرى مثل باسيرو وتكرو، إضافة إلى مدينة الدبة في شمال السودان. كما أشاروا إلى توقف شبكات الاتصال بالكامل وتعرض العديد من المنازل للحرائق، خاصة في الأحياء الجنوبية والشرقية من المدينة، إلى جانب نهب أجزاء من سوق المدينة وبعض الشاحنات الموجودة في نقطة الجمارك.
يقف جميل مرجان أمام بوابات منزله الحديدية التي تحمل آثار رصاص وبجانبها كومة رملية يعلوها لوح خشبي عليه اسم والدته التي اضطر لدفنها أمام المنزل لصعوبة الوصول للمقابر الرسمية في ظل الحرب الدائرة في السودان منذ ربيع 2023.
ويقول مرجان بعينين محمّرتين يظهر عليهما الإرهاق إن عند وفاة والدته في آذار/مارس 2024 “كانت هناك اشتباكات بين الجيش والدعم السريع” حول أم درمان بضواحي العاصمة السودانية “فلم نستطع الوصول للمقابر واضطررنا لدفنها بجانب المنزل”.
وتسببت الحرب التي اشتعلت في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) قبل عامين في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليونا. ويشهد السودان أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.
في الخرطوم وحدها نزح أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون شخص إلى مخيمات اللجوء ومناطق بعيدة عن الاشتباكات العنيفة بينما توفي 61 ألفاً لأسباب مختلفة، منها انعدام الرعاية الصحية، خلال الأربعة عشر شهراً الأولى من الحرب. ومن بينهم 26 ألف توفوا بسبب العنف. وسجلت كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة ارتفاعا في معدلات الوفيات في السودان بنسبة خمسين بالمئة مقارنة بما قبل الحرب.
ولم يعد سكان مناطق الخرطوم التي تشهد نزاعاً عنيفاً يجدون طرقاً لدفن ذويهم بشكل رسمي أو آمن وأصبحوا يلجأون لحفر المقابر حيثما اتفق، في الشوارع أو في الباحات الخلفية للمنازل وحتى الملاعب القديمة.
– حلول مرتجلة
في أحد أحياء أم درمان بضواحي الخرطوم تحول ملعب لكرة القدم إلى مقبرة غير رسمية شواهدها عبارة عن ألواح خشبية أو قطع معدنية أو حتى لوح أسود يحمل اسم مكتوب بالطبشورة بينما تظهر آثار الدمار في المحيط.
وفي الشوارع التي كانت تزدحم بالأسواق وبائعات الشاي والمارة قبل الحرب، تنتشر الآن أكوام الركام بينما يعتلي القناصون البنايات.
ويقول السماني محمد السماني المتطوع في دفن الجثث لوكالة فرانس برس إن تلك الشوارع كانت “في يوم من الأيام عادية” ولكن الآن قد تجد “جثماناً مقبورا أمام البيت”. ويضيف أنه لا توجد طريقة للوصول إلى المقابر الرسمية “وحتى المقابر الثانوية التي بنيناها قد لا نستطيع الوصول إليها. الدعم (السريع) لا يسمح بذلك في بعض الأحيان”.
وبحسب السماني، تعرض متطوعو الدفن للعنف من قبل الدعم السريع ما اضطرهم للعودة بالجثامين وعدم دفنها. ويقول إن “الجثث المتحللة كانت في أرجاء الشارع”.
ومنذ بداية الحرب يُتهم طرفا النزاع بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين واستهداف أحياء سكنية بشكل عشوائي.
وتواجه قوات الدعم السريع والجيش اتهامات بارتكاب جرائم حرب بما يشمل استهداف مدنيين وقصف مناطق سكنية ومنشآت طبية عمدا.
واتهمت قوات الدعم السريع تحديدا بالتطهير العرقي والعنف الجنسي الممنهج والنهب الاستيلاء على منازل المواطنين وممتلكاتهم.
واليوم بعد مرور قرابة عامين على الحرب في السودان يبدو أن الجيش السوداني شارف على إحكام السيطرة على العاصمة الخرطوم بالكامل بعدما كانت عدة مناطق منها وبينها القصر الجمهوري وعدة منشآت حيوية تحت سيطرة الدعم السريع.
وأعلن الجيش خلال الأسبوع الحالي سيطرته على القصر الجمهوري ومنشآت حيوية أخرى منها المصرف المركزي ومقر المخابرات الوطنية. إلا أن قوات الدعم السريع لا زالت بعيدة عن الهزيمة ومستمرة في قصف أحياء سكنية والاستيلاء على مدن في مناطق نائية بالسودان.
أثار البيان الذي أصدره رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، ودعوته لمصر والسودان بالعودة إلى مفاوضات سد النهضة جدلا حول الأهداف التي تختفي خلف البيان والتوقيت الذي أُعلن فيه، في ظل الظروف التي يعيشها السودان والمنطقة بشكل عام، وجدوى العودة للتفاوض دون التزام قانوني صارم خاصة وأن السد أوشك على الانتهاء.
فهل تقبل مصر والسودان دعوة رئيس الوزراء الإثيوبي لعودة الحوار حول سد النهضة ..وما الذي يقف خلف تلك الدعوة الٱن وجدوى التفاوض؟
بداية يقول الدكتور أحمد المفتي، الحقوقي السوداني، مدير مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان، “إن إثيوبيا تدعو السودان ومصر، للعودة للتفاوض بشأن سد النهضة بعد أن أكملت تشييد السد وملئه، رغم أن مطالب بلدي المصب لا تزال مطالبهم قائمة، والمنطق أنه لا عودة للتفاوض قبل إقرار أديس أبابا بتلك المطالب، وإلا سيتحول الأمر إلى عمل عبثي كما كان في الجولات السابقة”.
قرار العودة
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “أن أسباب وقف التفاوض هو عدم استجابة إثيوبيا لمطالب كل من السودان ومصر والتي لا تزال قائمة ،خاصة تصرفاتها الآحادية، لذلك فإن المنطق البسيط يقول: إنه ما لم تستجيب إثيوبيا لتلك المطالب المعروفة والمعلومة للجميع خلال السنوات السابقة، تكون العودة عملا عبثيا كما كانت جولات المفاوضات السابقة”.
وتابع المفتي، “هناك اعتبارات عملية وسياسية قد استجدت لا تحتكم للمنطق وقد تؤدي إلى قبولهم للعودة للتفاوض،أو قبول واحدة منهما للعودة للتفاوض، نصيحتنا لهم أن ينسقا و يتخذان موقفا موحدا، إذا قررا العودة إلى المفاوضات، وسوف تكون المفاوضات من جديد فقط، إذا ما أعاد السودان ومصر النظر في مواقفهما السابقة، خاصة اقتصار مطالبهم على الاتفاق القانوني الملزم، وعلى قواعد الملء والتشغيل، لأن هناك شواغل أخرى كثيرة ومهمة”.
ضمانات قوية
وأشار رئيس مركز الخرطوم، “إلى أنه لابد من ضمانات قانونية لقبول إثيوبيا لمطالب مصر والسودان كليا أو جزئيا قبل العودة للمفاوضات”.
واستطرد: “قد يكون سبب الدعوى هو وجود قوات مصرية على الحدود الإثيوبية، لأن ذلك يدعم عدم استقرار إثيوبيا السياسي، كما أن تجميد الموقف كما هو الحال الآن لا يحقق مصالح قوى خارجية، وقد يكون ترسيخا وتقنيا للأمر الواقع، لأن إسرائيل تعمل بالتنسيق مع إثيوبيا على إنشاء بنك مياه، علاوة على ذلك فقد يكون سبب المبادرة الإثيوبية، هو استغلال أوضاع السودان السياسية الحالية، ومن ثم ترك مصر وحيدة في مناهضة سد النهضة”.
وأكد المفتي، “أن علي السودان ومصر البحث عن السبب الحقيقي للدعوة الإثيوبية، لأن مجرد العودة للمفاوضات يصب في مصلحة إثيوبيا وحدها ويظهرها دولة متعاونة، وذلك هو النهج الذي ظلت تمارسه إثيوبيا، منذ بداية المفاوضات في 2011 حتى أكملت التشييد و الملء تقريبا بإرادتها المنفردة، وهي تقنع العالم بأنها متعاونة لأنها مستمرة في المفاوضات”.
البند الغائب
من جانبه يؤكد الدكتور محمد مهران الخبير المصري في القانون الدولي، والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية الدولية، “أن الضمانات القانونية ضرورية لمصر والسودان في حال قبولهما العودة للتفاوض مع إثيوبيا حول سد النهضة من أهم النقاط، فبعد 13 عاما من المفاوضات غير المجدية، لا يمكن للقاهرة والخرطوم العودة للتفاوض بدون ضمانات قانونية حقيقية تمنع تكرار سيناريو المماطلة وفرض الأمر الواقع”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك“: “أن الضمانة الأولى والأهم يجب أن تكون آلية ملزمة لتسوية المنازعات، سواء من خلال التحكيم الدولي أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، لافتا إلي أن هذا البند كان غائباً في اتفاق إعلان المبادئ، بسبب تعنت إثيوبيا، مما أتاح التهرب من التزاماتها”.
كما أشار مهران، “إلى ضرورة وجود وسيط دولي قوي وفاعل، مثل الولايات المتحدة أو مجموعة من الدول الكبرى أو المبعوث الأممي الجديد للمياه، مع صلاحيات واسعة وقدرة على الضغط على الأطراف المختلفة، وأهمية تحديد جدول زمني واضح وملزم للمفاوضات، مع مراحل محددة ونتائج متفق عليها مسبقاً، مضيفاً أن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن إجراءات عقابة وتعويضية في حالة الإخلال بالالتزامات”.
وسيط قوي
وحول القواعد القانونية التي يمكن الاستناد إليها، أوضح مهران، “أن اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية لعام 1997 توفر إطارا قانونيا متكاملا يمكن البناء عليه، وكذلك اتفاقية المبادئ، ومن الضروري أيضا تضمين الاتفاق إشارة واضحة للحقوق التاريخية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل، مع ضمان عدم الإضرار بها، وتفصيل آليات ومواعيد ملء وتشغيل السد بما يراعي احتياجات الدول الثلاث”.
ونوه مهران، “إلى إمكانية الاستعانة بضمانات دولية من مجلس الأمن أو المؤسسات المالية الدولية لضمان تنفيذ أي اتفاق، موضحا أن العودة للتفاوض بدون هذه الضمانات ستكون مجرد تكرار لتجربة فاشلة استمرت لأكثر من عقد، والنتيجة ستكون استمرار التهديد للأمن المائي المصري والسوداني”.
أصدر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بيانا بشأن الحوار مع مصر والسودان حول أزمة سد النهضة، زعم فيه أن الدولتين لن تتعرضا للضرر.
وقال آبي أحمد الخميس الماضي: “سد النهضة لن يلحق ضررا بدولتي المصب وسيضمن تدفق المياه على مدار العام بعدما يكتمل”.
كما أشار رئيس الوزراء الإثيوبي إلى أن قضية وصول بلاده إلى البحر الأحمر تمثل “أمرا وجوديا” بالنسبة لأديس أبابا، مضيفا: “سيتحقق ذلك بالسلام وليس بالحرب مع إريتريا أو الصومال، من أجل الحصول على منفذ بحري”.
وزادت التوترات بين إثيوبيا ومصر والسودان، بسبب عدم التوصل إلى اتفاق بشأن سد النهضة، وهي الأزمة التي تم طرحها على مجلس الأمن الدولي.
يذكر أن إثيوبيا بدأت تشييد سد النهضة على نهر النيل الأزرق، عام 2011، بينما تحذر مصر من الإضرار بحصتها المائية.
الخرطوم: أعلن الجيش السوداني الجمعة استعادة القصر الجمهوري في الخرطوم، بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع التي سيطرت عليه قبل نحو عامين. وبقي القصر، أحد أبرز رموز سيادة الدولة السودانية في العاصمة، تحت سيطرة قوات الدعم السريع منذ نيسان/أبريل 2023، وهو الشهر الذي اندلعت فيه الحرب بين الطرفين. من يسيطر على الخرطوم؟ تشهد الخرطوم معارك محتدمة في الآونة الأخيرة مع محاولة الجيش إعادة فرض سيطرته الكاملة عليها. وفي حين تسجّل القوات الحكومية باستعادتها القصر الرئاسي تقدما مهما، إلا أن تحقيق هذا الهدف بالكامل لا يزال غير منجز. وفي مؤشر على صعوبة المعركة في العاصمة، أفاد مصدر عسكري سوداني بعد ساعات من إعلان استعادة السيطرة على القصر، بمقتل ثلاثة صحافيين محليين جراء هجوم بطائرة مسيّرة استهدفه. ويقع القصر الجمهوري على الضفة الجنوبية للنيل الأزرق، عند أطراف منطقة في وسط العاصمة تضم العديد من المباني الحكومية والمراكز التجارية، وتشهد منذ أسابيع معارك محتدمة. وقال مصدر عسكري طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة فرانس برس “ما تبقى من مليشيات قوات الدعم السريع فرّوا إلى بعض الأبنية” في وسط الخرطوم. من جهتها، قالت قوات الدعم إن معركة القصر الجمهوري “لم تنته بعد”، مشيرة الى تنفيذها عملية ضد قوات الجيش، ومؤكدة قتل العشرات من عناصره. وقالت قوات الدعم في بيان “نؤكد أن معركة القصر الجمهوري لم تنتهِ بعد، وأن قواتنا الباسلة… تقاتل بكل شجاعة وإصرار من أجل تحرير جميع المواقع التي احتلها” الجيش. وأشارت إلى أن عناصرها “نفذوا عملية عسكرية خاطفة استهدفت تجمعاً… داخل القصر الجمهوري”، ما أسفر عن “مقتل أكثر من 89 من عناصر العدو وتدمير آليات عسكرية مختلفة”. وتمكن الجيش في كانون الثاني/يناير من فك حصار فرضته قوات الدعم على مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم. ومنذ ذلك الحين، يتعرض الجنود لإطلاق نار من قنّاصين لقوات الدعم متمركزين في مبان مجاورة. وأعلن الجيش الجمعة أنه بدأ عملية “تطهير” لوسط المدينة من المسلحين. ورأت مصادر عسكرية أن ذلك قد يستغرق ساعات أو أياما. الخطوة التالية؟ يسيطر الجيش منذ العام الماضي على مدينة أم درمان الواقعة غرب الخرطوم على الضفة الأخرى من النيل الأزرق، وتشكّل امتدادا للعاصمة السودانية. كما استعاد هذا العام السيطرة على الخرطوم بحري شمال الخرطوم. إلا أن الضربات التي تنفذها قوات الدعم السريع المنتشرة في مناطق واقعة إلى الجنوب والغرب، أدت إلى مقتل 50 شخصا على الأقل في العاصمة خلال الأسبوع الماضي، وفق ما أعلن فريق من المسعفين المتطوعين الأربعاء. وقال الضابط السابق في الجيش علي ميرغني إن “تحرير الجيش للقصر يعني أن على القوة الموجودة في جنوب الخرطوم وجنوب أم درمان من الدعم السريع الانسحاب إذا أرادت المحافظة على ما تبقى من قوات”. وتؤكد مصادر عسكرية أن الدعم السريع نشرت قوات النخبة في القصر الجمهوري وقامت بتخزين أسلحة وذخائر. وقال ضابط متقاعد برتبة لواء في الجيش إنه “بتحريره (القصر الجمهوري)، يمكن عودة كل الوزارات”، مضيفا أنه على الصعيد العسكري “مليشيا الدعم السريع الموجودة في القصر ووسط الخرطوم هي نخبة قواتها، وبكسر شوكتها وتدمير معداتها، تصبح استعادة كامل الخرطوم مسألة وقت”. ورأى خبير عسكري آخر أن خسارة القصر الجمهوري تعد نكسة لقوات الدعم السريع التي “فقدت… قوات النخبة التابعة لها بعدما دمّر الجيش معدات وقتل أعدادا منها ووضع يده على واحد من أهم مراكز إمدادها في الخرطوم”. المناطق الأخرى؟ ورغم التقدم الذي يحققه الجيش في الخرطوم، والذي قد يتيح له في نهاية المطاف استعادة السيطرة على العاصمة بالكامل، تبقى الحرب في السودان من دون أفق للحلّ في ظل تقاسم السيطرة. وعقب اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، انتقلت الحكومة الى مدينة بورتسودان في شرق البلاد الذي بقي نقطة ارتكاز رئيسية للجيش طوال النزاع، ومنها تقدم لاستعادة معظم مناطق الوسط خلال الفترة الأخيرة. في المقابل، تسيطر قوات الدعم السريع حاليا على أنحاء واسعة من جنوب السودان، إضافة الى معظم إقليم دارفور في غرب البلاد. ولا تزال قوات الدعم تحاول تعزيز موقعها في دارفور من خلال السيطرة على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وهي المدينة الكبيرة الوحيدة التي لا تزال تحت سيطرة القوات الحكومية في الإقليم. ورغم الحصار الذي فرضته قوات الدعم على الفاشر منذ قرابة عام، تمكن الجيش ومجموعات حليفة له من صدّ الهجمات المتكررة للتقدم فيها. والخميس، قال حاكم دارفور مني مناوي الذي يقاتل موالون له الى جانب الجيش، “يخوض أبطال قواتنا المسلحة والمشتركة والمقاومة الشعبية معارك شرسة قرب مدينة المالحة” الواقعة على مسافة 200 كلم شمال الفاشر. وفي حين لا تتوافر معلومات دقيقة بشأن عديد قوات الدعم السريع، إلا أنها مسلحة بشكل جيد خصوصا عبر شاحنات مزودة برشاشات ثقيلة وصواريخ مضادة للدروع، ما يعطيها مرونة وأفضلية حركة في حرب الشوارع، مقابل الجيش الذي يعوّل بشكل كبير على المدرعات، ويسيطر على الأجواء بفضل سلاح الجو. وأسفرت الحرب في السودان، ثالث أكبر دول إفريقيا، عن مقتل عشرات الآلاف وتهجير أكثر من 12 مليون شخص، وأزمة إنسانية من الأكبر في التاريخ الحديث.
(أ ف ب)
قال الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد حاتم كريم الفلاحي إن السيطرة على القصر الجمهوري في الخرطوم تمثل إنجازا كبيرا للجيش السوداني بعد عامين من الصراع، مشيرا إلى أهميتها الإستراتيجية في قلب العاصمة.
وأفاد الفلاحي بأن مدينة الخرطوم تنقسم إلى 3 مناطق رئيسية هي: الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، موضحا أن السيطرة على العاصمة تعدّ عملية استبدال إستراتيجي للأولويات، وتمثل تحولا جوهريا في مسار المعركة.
وأشار الخبير العسكري إلى أن السيطرة على القصر الجمهوري حدّت بشكل كبير من المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الخرطوم، حيث أصبحت أماكن سيطرتها “مناطق متفرقة غير مرتبطة جغرافيا”، مما أوجد صعوبة كبيرة في عملية الدعم اللوجستي للقوات الموجودة فيها.
وأضاف الفلاحي أن سيطرة الجيش على الجسور قطعت إمكانية الدعم اللوجستي والتواصل بين قوات الدعم السريع الموجودة في مناطق مختلفة، مما جعل العملية الحالية تتطور إلى “عملية عزل” لقوات الدعم السريع الموجودة في مدينة الخرطوم.
وفي تقييمه للخطوات المستقبلية، توقع الفلاحي أن يتقدم الجيش السوداني باتجاه المطار وجبل الأولياء، معتبرا إياهما “مناطق حاكمة وإستراتيجية”، خصوصا مع وجود سد في المنطقة.
مناطق العملياتوأوضح أن المنطقة التي تجري فيها العمليات العسكرية عند القصر الجمهوري هي منطقة الوزارات، وهي منطقة سيادية بامتياز بالنسبة للجيش السوداني، مما يعزز من أهمية هذا الإنجاز.
وكشف الفلاحي عن طبيعة القوات المشاركة في المعارك من الجانبين، مشيرا إلى أن القوات التي تقاتل مع الجيش السوداني تضم:
قوات المستنفرين التي يصل عددها إلى ما يقارب 100 ألف مقاتل.
حركة العدل والمساواة.
حركة تحرير السودان.
قوات الجيش السوداني النظامية مع 22 فرقة تحت سيطرته وإمكانيات جوية وقدرات دعم لوجستي.
أما على الجانب الآخر، فإن قوات الدعم السريع تضم:
ما بين 100 و120 ألف مقاتل.
قوات جديدة تُسمى “الفزع” أو “الفزعة”.
وأشار الخبير العسكري إلى التباين الكبير في الإمكانيات العسكرية بين الطرفين، مع ميزة للجيش السوداني من حيث القدرات الجوية والدعم اللوجستي، مما يعزز موقفه الميداني بعد السيطرة على القصر الجمهوري.
ومؤخرا، بسط الجيش سيطرته على كل مدن ولاية الجزيرة وقراها باستثناء أجزاء صغيرة شمالي وشمالي غربي الجزيرة والمتاخمة لجنوبي الخرطوم والواقعة تحت سيطرة الدعم السريع.
ومنذ أسابيع وبوتيرة متسارعة، بدأت تتناقص مساحات سيطرة “الدعم السريع” لصالح الجيش في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وشمال كردفان وسنار والنيل الأزرق.
ويخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023 حربا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، في حين قدّر بحث لجامعات أميركية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.
في خطوة تشكل علامة فارقة في مسار الحرب بالسودان، استعاد الجيش صبيحة اليوم الجمعة القصر الجمهوري، مقر رئاسة الدولة السودانية ورمز السيادة بالخرطوم، بعد أن فقده منذ الدقائق الأولى لبداية الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023.
وأعلن الجيش السوداني بسط سيطرته على القصر، وجاء في بيان للناطق الرسمي باسم القوات المسلحة: “في ملحمة بطولية خالدة، توجت قواتنا اليوم نجاحاتها بمحاور الخرطوم، حيث تمكنت من سحق شراذم مليشيا آل دقلو الإرهابية بمناطق وسط الخرطوم والسوق العربي ومباني القصر الجمهوري”.
وشهد محيط القصر الجمهوري على مدى الأشهر الماضية معارك ضارية تمكن فيها الجيش من انتزاع القصر بمبنييه القديم والجديد بعد إلحاق الهزيمة بقوات الدعم السريع التي فقدت اليوم أحد أهم المواقع التي كانت تتحصن بها وسط العاصمة الخرطوم.
ووسط مشاعر فرح وطني غمرت فئات الشعب السوداني المختلفة، برز سؤال مُلِحٌّ حول ما تعنيه هذه السيطرة العسكرية على القصر ودلالاتها وتأثيراتها في الواقع على أكثر من صعيد.
الأنفاس الأخيرة
وفي حديث للجزيرة نت، أكد رئيس أركان الجيش السوداني السابق الفريق أول هاشم عبد المطلب أن استعادة الجيش السوداني السيطرة على القصر الجمهوري تؤكد أن النصر بات قريبا.
وقال عبد المطلب إنه بسيطرة الجيش على القصر الذي يمثل رمزية السيادة تكون مليشيا الدعم السريع قد فقدت ما كانت تحرص عليه، لأن السيطرة تفقدها هدفا كان يمثل لها الكثير داخليا وخارجيا.
وأشار عبد المطلب إلى خطة متكاملة يجري تنفيذها لتحرير ما تبقى من مناطق بالخرطوم، وأفاد بأن نشاط قوات الدعم السريع التي كانت هي من تهاجم قل كثيرا وانحصر على الدفاع فقط وعلى القصف المدفعي واستخدام المسيّرات لإثبات الوجود، “مما يعني أن العدو بات يلفظ أنفاسَه الأخيرة”، وفقا لتعبيره.
وعزا تغيير قوات الدعم السريع لتكتيكاتها لعدة أسباب منها غياب القادة، إما بقتلهم أو بهروبهم إلى إقليم دارفور، وانخفاض الروح المعنوية، والنقص الكبير في أنواع مهمة لهم كالأسلحة والذخائر والمحروقات، بجانب عدم قدرتهم على استخدام أسلوبهم المعروف بالفزع بعد أن حرمهم الهجوم المتزامن للقوات المسلحة في محاور مختلفة من ذلك، وهو ما أثر عليهم كثيرا، ماديا ومعنويا.
بداية العد التنازلي
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد جمال الشهيد أن سيطرة الجيش على القصر الجمهوري يعد تقدما إستراتيجيا كبيرا ومهما، لكنه لا يعني نهاية الحرب بعد، مضيفا أن الحرب دخلت مرحلة العد التنازلي، لكن الحسم يتطلب استكمال العمليات في بقية ولايات كردفان ودارفور.
وأفاد الشهيد، في حديث للجزيرة نت، بأن المرحلة المقبلة حاسمة جدا، وأي تقدم إضافي للجيش قد يجعل إنهاء الحرب مسألةَ وقت لا أكثر، مشيرا إلى أن الدعم السريع أصبح في موقف دفاعي ضعيف، ولكنه لم يستبعد استخدامه تكتيكات حرب المدن لإطالة أمد المعركة.
وقال إن السيطرة على القصر الجمهوري يعني توجيه ضربة معنوية قوية لمليشيا الدعم السريع، حيث تمنح السيطرة عليه -تكتيكيا- الجيش نقطة ارتكاز قوية وسط الخرطوم، مما يسهل التقدم نحو مواقع أخرى أيضا هي في غاية الأهمية، كما يعزز من ثقه الحكومة وينهي مزاعم سيطرة المليشيا المتمردة على المرافق الحيوية والإستراتيجية.
واعتبر الشهيد سيطرة الجيش وفرض إرادته على القصر الجمهوري نصرا كبيرا له، وخسارة كبيرة في المقابل للدعم السريع، جازما بأن تقدم الجيش يعزز موقفه التفاوضي في أي عملية سياسية مستقبلية، وسيدفع بالقوى الإقليمية والدولية لإعادة حساباتها بناء على موازين القوة الجديدة، خاصة الدول التي تدعم أو تتوسط لإنهاء النزاع.
تحييد مراكز القيادة والسيطرة
وفي منتصف مارس/آزار الجاري تعهد قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، في تسجيل بثه على منصة “ْإكس”، بعدم خروج قواته من القصر، لكن المعارك الضارية التي شنها الجيش السوداني على قواته بمحيط القصر، جعلت الكثير منها يبحث عن الانسحاب من القصر الذي لم يعد آمنا منذ ذلك الحين، بعد تضييق الخناق من كل اتجاه.
وبدا الجيش السوداني مصرا على استعادة السيطرة الكاملة على الخرطوم والمواقع الإستراتيجية التي فقدها منذ بداية الحرب حيث عزز عملياته في الخرطوم عبر تكثيف الضربات الجوية والمدفعية، مما أدى إلى استنزاف الدعم السريع بتحييد مراكز القيادة والسيطرة التابعة لها، مما يعكس تقدما في إضعاف القيادة الميدانية للمتمردين.
وحبس السودانيون أنفاسهم وهم يتابعون تطورات العملية العسكرية خلال الأيام الماضية في محيط القصر الجمهوري الذي يُعد مصدرا مهما من مصادر تاريخ السودان الحديث والمعاصر ورمزا لسيادة الدولة السودانية وشرعيتها واستقلالها.
واشتعلت فور الإعلان الرسمي عن استكمال السيطرة على القصر منصاتُ التواصل الاجتماعي ومجالس السودانيين، ابتهاجا بهذه الخطوة التي اعتبرها البعض إطاحة بآمال “حميدتي” في الاستيلاء على الحكم بالقوة، واعتبرها آخرون مؤشرا لاستعادة المناطق الأخرى بالخرطوم التي ما زالت تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
قيمة معنوية وسيادية
وقال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي مجدي عبد العزيز إن تحرير القصر الجمهوري وعودته إلى حضن الوطن يعد نصرا ذا قيمة معنوية وإستراتيجية وسيادية لا تُضاهى لأنه يعتبر أحد أهم أيقونات السيادة الوطنية وأحد أهم الصروح ذات البعد التاريخي والوطني في السودان.
وأشار عبد العزيز الذي عمل لوقت ليس بالقصير بمراسم الدولة من داخل القصر الجمهوري أن القصر بمبنييه القديم والجديد ظل مقر رئاسة الدولة السودانية حيث وجدت به مكاتب وديوان رئاسة الدولة بكل أشكاله الدستورية التي مرت على عهود السودان منذ الاستقلال.
وأوضح أن قوات الدعم السريع بقيادة “حميدتي” كانت تساهم في حراسة القصر الجمهوري وغدرت بمن كانوا يعتبرون رفاقهم في المهمة من قوات الحرس الجمهوري التابعة للجيش السوداني، وقامت باحتلاله طيلة شهور الحرب الماضية وتخريب مرافقه وسرقة محتوياته إلى أن جاءت ساعة تحريره.
وكشف أن القصر الجمهوري يضم بداخله أضخم متحف رئاسي بالسودان حوى العديد من الآثار والتحف التي تعبر عن عهود مختلفة منذ عهد الجنرال تشارلز جورج غردون حاكم السودان في العهد الاستعماري الأول والذي قُتل على سلالم القصر على أيدي الثوار في عام 1885، مرورا بعهد اللورد هربرت كتشنر الذي قاد حملة لغزو السودان في عام 1898، ومن بعد كل آثار العهود الوطنية وقادتها.
طرابلس ـ «القدس العربي»: لم تغب قضية المهاجرين غير الشرعيين عن الأوساط المحلية في ليبيا، فبينما يتحدث البعض عن تعرضهم لأنواع مختلفة من التعنيف والتجاوزات وبعد فترة قصيرة من اكتشاف مقابر جماعية مروعة لمهاجرين حطوا في البلاد، يثير آخرون مسألة توطينهم في البلاد بشراكة دولية وكأنها الموضوع الأبرز والأخطر بغض النظر عما يتعرض له المهاجرون وعما يواجهونه في بلدانهم الأم أيضا.
مقابر جماعية
وقبل أقل من شهر، فجع الليبيون بنبأ اكتشاف مقبرتين جماعيتين لعشرات المهاجرين، حيث أعلنت الأمم المتحدة في تقرير لها أن 93 جثة انتشلت من مقبرتين اكتشفتا مؤخرا في ليبيا أثناء عمليات نفذتها قوات الأمن ضد شبكات إتجار بالبشر. وقالت روزماري ديكارلو وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية – خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي- إن «الاكتشاف المثير للقلق والمأساوي للمقبرتين الجماعيتين عقب الإغارة على مواقع للإتجار بالبشر يؤكد الخطر الجسيم الذي يواجهه المهاجرون في ليبيا». وأشارت إلى أنه في السابع من شباط/فبراير، اكتشفت مقبرة جماعية في مزرعة بمنطقة إجخرة شمال شرق ليبيا، وفي اليوم التالي اكتشفت مقبرة جماعية أخرى في الكُفرة في الجنوب الشرقي. وأضافت ديكارلو أنه حتى الآن استخرجت 93 جثة في إجخرة والكفرة، من دون أن تحدد توزيع عدد الجثث بين الموقعين، منددة بـ«المعاملة القاسية واللاإنسانية» التي يتعرض لها المهاجرون في ليبيا وبينهم أطفال. ويذكر أن شهادات الناجين أفادت بأن غالبية أفراد هذه العصابات من جنسيات أفريقية تنقل المهاجرين وتوصلهم إلى مراكز الاحتجاز التي يديرها مهربون ليبيون، مؤكدة أن تلك الشهادات تشير إلى خيوط ستساعد على القبض على أفراد هذه العصابات. ويشير مشهد الجثث إلى أن غالبيتهم من الجنسيات الأفريقية، وتراوح أعمارهم ما بين 20 و40 عاماً. وقبلها أعلن مكتب النائب العام الليبي العثور على 28 جثة لمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في مقبرة جماعية اكتشفت في منطقة الكفرة، خلال عملية في مكان كانت تسيطر عليه شبكة من المهربين احتجزت 76 مهاجرا. وأضاف أن التحقيقات كشفت عن وجود «منظمة إجرامية تمتهن الإتجار بالبشر» ويقوم أفرادها بتعذيب المهاجرين غير النظاميين وإساءة معاملتهم. وأشارت المنظمة الدولية للهجرة لاحقا إلى اكتشاف مقبرة جماعية ثانية في إجخرة حيث عثر على 19 جثة، وقدّرت أن المقبرة الموجودة في الكفرة قد تحتوي على رفات ما يصل إلى 70 شخصا. وبالتزامن مع اكتشاف مقبرة أجخرة، نقلت وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية كلمة للوزير عماد الطرابلسي، يشكو فيها تخلي المجتمع الدولي عن دعم ليبيا في جهودها للحد من ظاهرة الهجرة السرية، وأن تدفق المهاجرين إلى ليبيا جعلها أكثر الدول تضرراً. وعبرت منظمة الهجرة عن صدمتها وقلقها بعد اكتشاف المقبرتين لعشرات المهاجرين، بعضهم مصاب بطلقات نارية، معتبرةً أن هذا الاكتشاف يعد «تذكيرًا مأساويًا» بالمخاطر التي يواجهها المهاجرون أثناء محاولاتهم القيام بـ«رحلات محفوفة بالمخاطر». وكان فرانس بروتش، منسق برنامج الهجرة وحوكمة الحدود في المنظمة الدولية للهجرة، قد أكد في وقت سابق لوكالة «رويترز» أن الجثث التي عُثر عليها في منطقة أجخرة أظهرت آثار إصابات، من بينها جروح ناجمة عن طلقات نارية. ووفقاً لما ذكرته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، تظل السلطات الليبية تحت ضغط مستمر بسبب الأزمات الإقليمية المتزايدة. موضحة أن النزاع المستمر في السودان دفع أعدادًا كبيرة من اللاجئين لمحاولة عبور الحدود.
تجميد التمويل
وعلى إثر هذه الانتهاكات دعت نحو ثلاثين منظمة دولية في شباط/فبراير الماضي إلى «تجميد التمويل» الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا، عقب اكتشاف مقبرة جماعية في مدينة الكفرة في أقصى جنوب شرق البلاد. وفي بيان، قالت منظمات حقوقية دولية، منها «هيومن رايتس ووتش» و«حقوق المجتمع» في اليونان و«منتدى حقوق الإنسان المصري»، إنه في ضوء العثور على مقبرة في الكفرة «يتعين على الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات في ليبيا». وجاءت الدعوة في أعقاب نشر «ديوان المحاسبة الأوروبي» تقريراً العام الماضي أشار إلى فشل التمويلات التي يرسلها الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا في وقف حدوث انتهاكات حقوقية. وذكّر الموقعون بأن المفوضية الأوروبية أعلنت مؤخراً أنها اتخذت خطوات لمراجعة اتفاقيات التمويل مع تونس، عقب الكشف عن انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبتها قوات الأمن التونسية، ودعوها إلى أن تفعل بالمثل مع الجارة ليبيا. وأشارت المنظمات إلى أنه «من الواضح أن التمويل المقدم من الاتحاد الأوروبي، وكذلك من الدول الأعضاء بما في ذلك إيطاليا وفرنسا، إلى ليبيا لم يحقق الغاية منه بتحسين الظروف المعيشية لمن يبحثون عن الأمان». وأضاف التقرير أن «الأموال المخصصة لهذا التمويل يجب أن تُستخدم بدلاً من ذلك لإنقاذ الأرواح وتوفير بدائل من الرحلات المحفوفة بالمخاطر التي يقوم بها الفارون من ليبيا من خلال فتح طرق مرور آمنة». يشار إلى أن ليبيا واحدة من نقاط العبور للمهاجرين غير الشرعيين في طريقهم عبر البحر الأبيض المتوسط، في رحلة عادة ما تكون محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل. وحسب بيانات الأمم المتحدة، فقد توفي أكثر من 3 آلاف مهاجر خلال رحلتهم في قوارب متهالكة إلى شواطئ أوروبا. وتعد المقابر الجماعية للمهاجرين السريين جديدة في ملف أزمة الهجرة التي تعانيها ليبيا، ولم يسبق إعلان اكتشاف هذه المقابر باستثناء إعلان العثور على مقبرة جماعية تضم رفات 65 مهاجراً العام الماضي في منطقة الشويرف، وسط جنوب البلاد. وفي نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، أمر مكتب النائب العام الليبي بتوقيف شخصَين ينتميان الى عصابة متّهمة بتعذيب 263 مهاجراً غير نظامي من أفريقيا جنوب الصحراء بهدف انتزاع فدى منهم. وأورد المكتب أنّ العصابة كانت تنشط في مركز احتجاز بمنطقة الواحات الصحراوية التي تسيطر عليها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، على بعد نحو 750 كيلومتراً إلى جنوب شرق طرابلس. ويقول الباحث في شؤون المنطقة الجنوبية الليبية وائل أحمد إن حادثة الكفرة ليست الأولى من نوعها، فقد تم اكتشاف جرائم مماثلة في مناطق أخرى مثل بني وليد وبعض المناطق في الجنوب الغربي والشرقي، حيث كانت تُستخدم هذه الأماكن كمحطات تجميع للمهاجرين قبل نقلهم إلى الساحل. ويضيف أحمد أن هذه الممارسات ليست منتشرة بشكل واسع لكنها موجودة في مناطق بعيدة عن المدن، ويديرها مجرمون ليبيون بالتعاون مع آخرين من جنسيات مختلفة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. ويتابع أحمد أنه ورغم تحركات السلطات الليبية ضد هذه المراكز وسيطرتها على بعضها، إلا أن الجهود ما زالت غير كافية لإنهاء الملف بشكل جذري. ويختتم الباحث، أن هناك حسابات سياسية ودولية تعيق اتخاذ قرارات أكثر صرامة، وهو ما يجعل هذه الظاهرة مستمرة في بعض المناطق، مشيراً إلى أن المطلوب اليوم هو تعزيز الرقابة على الحدود، وتكثيف المداهمات الأمنية، ومحاسبة المتورطين بصرامة، إلى جانب تحسين أوضاع المهاجرين المحتجزين لمنع وقوعهم مجددًا في قبضة شبكات التهريب.
توطين اللاجئين
وامتداداً لقضية المهاجرين واللاجئين في البلاد فقبل أيام أثار اجتماع جمع وزير الحكم المحلي بحكومة الوحدة الوطنية بدرالدين التومي، مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، نيكوليتا جيوردانو، جدلاً واسعاً بعد انتشار شائعات مفادها مناقشة الطرفين لمسألة توطين المهاجرين في ليبيا. وحسب إعلان وزارة الحكم المحلي فقد بحث الطرفان سبل وآليات تعزيز التعاون وعلاقة الشراكة بين الجانبين من خلال تنفيذ مشاريع تنموية مشتركة. وأكد التومي، خلال اللقاء، أهمية الشراكة مع المنظمة الدولية للهجرة في ظل التحديات الراهنة التي تواجهها البلاد، خاصة في مجالات الهجرة، وقال إن هذا الملف حساس جدًا ويلامس العديد من القطاعات، ويجب العمل عليه وفق الأطر والتنسيقات المعتمدة. وحسب الوزارة فقد استعرضت نيكوليتا جيوردانو أنشطة المنظمة في ليبيا خلال الفترة الماضية، مشيرة إلى ضرورة تنسيق المنظمة مع الوزارة في برنامج تقديم الدعم المباشر للمهاجرين والنازحين من خلال التعاون مع البلديات. كما قدمت مبادرات عدة للعمل المشترك مع الوزارة، منها ما يتعلق بنزع السلاح، وإعادة الإدماج، والحماية، وبناء قدرات البلديات في التعامل مع المهاجرين، موضحة كيف يمكن لهذه البرامج أن تسهم في استقرار المجتمعات المحلية. وفي أعقاب الاجتماع وإثر انتشار شائعات مفادها مناقشة الطرفين لمسألة توطين اللاجئين، أعرب خالد المشري عن رفضه القاطع لما وصفه بمحاولات تسريع توطين المواطنين في ليبيا المتداولة بوكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعي حول تحركات بعض المنظمات الدولية نحو ما يعرف ببرنامج الإدماج. وفي بيان له، اعتبر المشري محاولات توطين المهاجرين في ليبيا تحت أي ذريعة انتهاكا للسيادة الوطنية وخطرا ديموغرافيا يهدد حاضر ومستقبل الأمن القومي للبلاد. البيان شدد على احترام الاتفاق الموقع مع المنظمة الدولية للهجرة عام 2005 إلى حين مراجعتها، كما رفض نتائج أي اجتماعات مع المنظمات الدولية في هذه المرحلة، في إشارة منه إلى اجتماع وزير الحكم المحلي بحكومة الوحدة الوطنية برئيسة مكتب منظمة الهجرة الدولية في ليبيا. وأضاف البيان أن الوضع الأمني الهش الذي تمر به ليبيا يشكل سببا رئيسيا آخر لرفض التوطين إذ أتاح للمهاجرين تشكيل عصابات إجرامية أو الانخراط في تشكيلات مسلحة. من جهته، أعلن «ائتلاف القوى السياسية في ليبيا» في بيان الاثنين، أنه يتابع «بقلق» ما يتم تداوله حول توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا «تحت ذرائع متعددة، منها حماية المدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية»، داعياً إلى «ضرورة احترام سيادة ليبيا وخياراتها»، ومشدّداً على أن برامج التوطين لا يمكن أن تفرض على ليبيا من الخارج. وأشار الائتلاف إلى أن التوطين له «تأثيرات سلبية على الأمن والاستقرار، وسيعمل على تفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية» في ليبيا. ومن جهته أكد عضو مجلس النواب علي الصول، رفضه التام لأي محاولات تهدف إلى توطين المهاجرين في ليبيا، سواء جاءت من جهات محلية أو دولية. وشدد الصول، في تصريحات أن مجلس النواب سبق أن أصدر عدة قوانين تمنع دخول المهاجرين غير القانونيين، فضلاً عن رفض توطينهم داخل البلاد. وأشار إلى أن الحكومة الحالية برئاسة الدبيبة غير موثوقة فيما يتعلق بنفيها وجود توجه نحو توطين المهاجرين، لافتًا إلى أن الاتفاقات التي تعقدها الحكومة مع أطراف دولية، ومن بينها المنظمة الدولية للهجرة، قد تكون مقدمة لفرض التوطين بشكل غير مباشر. وفي السياق عبرت كتلة التوافق الوطني في المجلس الأعلى للدولة، عن اعتراضها على التقارير المتداولة بشأن اتفاقات توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، رافضة تحويل البلاد إلى سجن مفتوح أو مركز إيواء. وجاء في بيان صادر عن كتلة التوافق الوطني في مجلس الدولة، أن طرح مسألة توطين المهاجرين مثيرة للقلق الشديد لعدة أسباب، منها أن ملف المهاجرين غير النظاميين قضية تهم كل دول المنطقة، ولا يمكن التعاطي معها أو معالجتها بحلول وإجراءات لا تعالج أسباب تفاقمها، بما في ذلك الأسباب السياسية والاقتصادية وتبعاتها الإنسانية والحقوقية. ودعت الكتلة إلى مصارحة الشعب الليبي بتفاصيل أي اتفاقات أو تفاهمات ثنائية تتعلق بهذا الملف الحساس، مؤكدة رفضها تحويل ليبيا إلى سجن مفتوح أو مركز إيواء لمحاصرة وتوطين المهاجرين غير النظاميين، أو استخدامها كشرطي حدود لدى دول أخرى. وأعقب هذا الجدل نفي وزارة الحكم المحلي بحكومة الوحدة في بيان لها ما قالت إنها «ادعاءات غير صحيحة» تضمنتها بعض التقارير الإعلامية تتعلق بوجود نقاش حول مشاريع مختلفة لتوطين المهاجرين خلال اجتماع الوزير بدر الدين التومي مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا نيكوليتا جيوردانو. الوزارة أكدت أن التعاون مع المنظمة يقتصر على دعم قدرات البلديات في تنظيم وإدارة النزوح الداخلي للمواطنين الليبيين وفق الأسس القانونية المنظمة، والتزامها بالسياسات العامة للدولة الليبية وموقف الحكومة الرافض لمشاريع توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا تحت أي اسم أو إطار. وأضاف بيان الوزارة أن أي تحريف لمضمون الاجتماع هو ادعاء باطل، يهدف فقط إلى إثارة البلبلة والتشويش على الرأي العام.
مهاجرو السودان
وتسببت الحرب المميتة في السودان منذ منتصف نيسان/أبريل 2023 في نزوح أكثر من 11 مليون شخص، بمن فيهم أكثر من مليوني شخص لجأوا إلى الدول المجاورة، مع وصول 215 ألف شخص إلى ليبيا بنهاية العام 2024. وحسب أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصل عدد اللاجئين السودانيين في ليبيا إلى 215 ألفًا بحلول نهاية العام 2024، متوقعة بلوغ الإجمالي إلى 375 ألفًا بحلول نهاية العام الجاري. ورغم التحديات المستمرة في التسجيل والتتبع، فقد أكدت السلطات الليبية أنها تلقت مئات طلبات التسجيل من اللاجئين السودانيين كل يوم. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تدفق مستمر للاجئين الجدد، حيث يصل ما يقرب من 450 إلى 500 شخص إلى المخيمات غير الرسمية يوميًا، حسب المنظمة الدولية ومقرها في الولايات المتحدة الأمريكية. وأكدت المفوضية الأممية استمرار معاناة مدينة الكفرة من نقص في موظفي الرعاية الصحية المطلوبين لتشغيل مرافق متعددة، وخاصة في مركز القبول والعلاج الصحي للاجئين الذي جرى إنشاؤه حديثًا، ومستشفى الشهيد عطية وهما يعملان كوجهات أساسية لكل من المجتمع المضيف واللاجئين السودانيين الذين يسعون للحصول على رعاية داخلية. وتعاني المنشأتان من نقص في الممرضات والفنيين المؤهلين في الأقسام الطبية والعناية المركزة. ووفق «إنترناشونال ميديكال كوربس» يحتاج مستشفى الشهيد عطية بشكل عاجل إلى ثلاثة أطباء تخدير وعشرة أطباء طوارئ لتلبية الطلبات المتزايدة. وفي الوقت نفسه، يحتاج مركز قبول وعلاج اللاجئين إلى زيادة كبيرة في عدد الموظفين، بما في ذلك 14 طبيبًا و20 ممرضًا وفنيًا، بالإضافة إلى اثنين من المتخصصين في الأمراض المعدية وأخصائي واحد في طب الطوارئ، لضمان العمليات الفعالة ورعاية المرضى الجيدة. وفي الاجتماعات الأخيرة، دعت السلطات الصحية في الكفرة جميع المنظمات الإنسانية النشطة للمساعدة في تلبية متطلبات التوظيف، لضمان استمرارية الخدمات الصحية الأساسية لكل من اللاجئين والمجتمعات المضيفة. بالإضافة إلى ذلك، تفتقر 85 في المئة من المرافق الصحية التي جرى تقييمها في الكفرة إلى الأدوية النفسية الأساسية فيما يجبر المرضى على السفر لأكثر من 1000 كيلومتر إلى بنغازي أو طرابلس لتلقي العلاج المتخصص، مع الطرق المهترئة والتكاليف المرتفعة التي تحد من الوصول. وخلفت الحرب منذ قرابة 22 شهرًا بين قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان وزعيم قوات الدعم السريع حمدان دقلو آلاف القتلى والنازحين داخليًا وإلى دول الجوار في إطار صراعهما على كرسي السلطة، وبينما يحتدم القتال منذ أيام بالقرب من القصر الرئاسي في العاصمة الخرطوم، سيطر تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية للمرة الأولى على عدة بلدات في ولاية النيل الأزرق بجنوب البلاد، وذلك وسط تحذيرات من الأمم المتحدة من خطر سقوط البلاد في الهاوية. وفي أواخر شباط/فبراير الماضي، أعربت مجموعة أ3+ بمجلس الأمن الدولي عن قلقها العميق إزاء الانعكاسات السلبية التي خلفتها الأزمات في السودان وسوريا، والتي كان لها تأثير على الوضع في ليبيا.
تعرف على المزيد وقم بالتخصيص
نستخدم نحن وأطراف ثالثة مختارة ملفات تعريف الارتباط أو التقنيات المماثلة لأغراض فنية ، وبموافقتك ، من أجل "تحسين التجربة" و "القياس" و "الاستهداف والإعلان" كما هو محدد في سياسة ملفات تعريف الارتباط. قد يؤدي رفض الموافقة إلى عدم توفر الميزات ذات الصلة.
يمكنك منح موافقتك أو رفضها أو سحبها بحرية في أي وقت من خلال الوصول إلى لوحة التفضيلات.
يمكنك الموافقة على استخدام هذه التقنيات باستخدام زر "قبول" أو عن طريق التمرير في هذه الصفحة أو التفاعل مع أي رابط أو زر خارج هذا الإشعار أو عن طريق الاستمرار في تصفح خلاف ذلك.
Functional
Always active
The technical storage or access is strictly necessary for the legitimate purpose of enabling the use of a specific service explicitly requested by the subscriber or user, or for the sole purpose of carrying out the transmission of a communication over an electronic communications network.
Preferences
The technical storage or access is necessary for the legitimate purpose of storing preferences that are not requested by the subscriber or user.
Statistics
The technical storage or access that is used exclusively for statistical purposes.The technical storage or access that is used exclusively for anonymous statistical purposes. Without a subpoena, voluntary compliance on the part of your Internet Service Provider, or additional records from a third party, information stored or retrieved for this purpose alone cannot usually be used to identify you.
Marketing
The technical storage or access is required to create user profiles to send advertising, or to track the user on a website or across several websites for similar marketing purposes.