لماذا تحتدم معارك كردفان ؟

أصبحت ولايات إقليم كردفان الثلاث في جنوب السودان مسرحا لمعارك ضارية بين الجيش وقوات “الدعم السريع”.

ويتبادل الطرفان هجمات في مناطق متفرقة بالإقليم، ضمن مشهد يعكس تحولا نوعيا في خريطة الحرب بالسودان.

والأحد، أعلن حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، استعادة الجيش والقوات المشتركة للحركات المسلحة منطقة أم صميمة بولاية شمال كردفان، بعد ساعات من إعلان “الدعم السريع” السيطرة عليها.

وفي الآونة الأخيرة، تركزت الاشتباكات في ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان، ما ينذر بمرحلة جديدة من الصراع.

وتتسم تلك المرحلة بتركيز أكبر وتعقيد أشد، بعد أن اجتاحت الحرب الخرطوم ووسط البلاد، وامتدت إلى دارفور، ولامست أطراف الشرق والشمال.

وحسب مراقبين، فإن البوصلة العسكرية تتجه الآن نحو إقليم كردفان، حيث تحتدم المواجهات على الأرض.

وتزداد أهمية السيطرة على الموارد والطرق الحيوية في كردفان، وهي منطقة تشكل جغرافيا بعدا استراتيجيا بين دارفور الملتهبة ووسط السودان الخارج من الحرب.

ومعارك كردفان جزء من حرب يخوضها الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023.

هذه الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح ولجوء نحو 15 مليونا، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدّرت دراسة أعدتها جامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.

وفي الشهور الأخيرة، بدأت مساحات سيطرة “الدعم السريع” تتناقص بشكل متسارع في مختلف ولايات السودان لصالح الجيش، الذي وسّع نطاق انتصاراته لتشمل الخرطوم وولاية النيل الأبيض.

أما في الولايات الـ16 الأخرى بالسودان، فلم تعد قوات “الدعم السريع” تسيطر سوى على أجزاء من ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان، وجيوب في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى أربع من ولايات إقليم دارفور الخمس.

أهمية استراتيجية

تكتسب كردفان أهميتها من موقع جغرافي يجعلها حلقة وصل بين الجبهات كافة، ومن مواردها الزراعية والبشرية والعسكرية، فضلا عن تركيبتها السكانية المتنوعة.

ويذهب مراقبون إلى أن احتدام المعارك في كردفان ليس تطورا عشوائيا، بل نتيجة لتحولات في استراتيجيات القتال، إذ يسعى كل طرف إلى تأمين طرق الإمداد، وفرض واقع ميداني جديد.

وهكذا تحولت كردفان إلى ساحة تنافس حاسمة، فهي موطئ قدم يتيح لمَن يحكم قبضته عليها أن يبسط سيطرته على دارفور، بل والتراب السوداني كاملا.

خريطة السيطرة

شمال كردفان

يسيطر الجيش على أجزاء واسعة من الولاية، بينها عاصمتها مدينة الأبيض ومدينتا أم روابة والرهد، بينما تسيطر قوات “الدعم السريع” على مدن بارا والمزروب وأم سيالة.

غرب كردفان

الجيش يسيطر على مدن أبنوسة والخوي وهجليج والميرام، أما “الدعم السريع” فيحكم قبضته على مدن الفولة (العاصمة) والنهود والمجلد وأبو زبد.

جنوب كردفان

يسيطر الجيش على نحو 90 بالمئة من مدن الولاية، بينها عاصمتها كادوقلي والدلنج وأبو جبيهة وهيبان وكوقلي، فيما تسيطر “الدعم السريع” على مدينة الدبيبات.

حرب عصابات

الخبير العسكري معتصم عبد القادر، قال إن ما يجري في كردفان هو “حرب بين جيش نظامي وجماعات متمردة، تشبه إلى حد كبير حرب المدن التي دارت في الخرطوم”.

وأضاف عبد القادر، وهو لواء متقاعد بالجيش، أن “انتشار الدعم السريع داخل القرى والمرافق المدنية يعقد عمليات الحسم، ويجعل القتال أشبه بحرب عصابات”.

وأشار إلى أن “إخراج الدعم السريع من الخرطوم استغرق نحو عامين، بينما في كردفان بدأت الحرب بشكل فعلي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ما يعني أن استعادة السيطرة هناك ستتطلب وقتا أطول”.

و”مَن يسيطر على كردفان يسيطر فعليا على دارفور، فهي عقدة الوصل مع الشمال والوسط”، حسب عبد القادر.

ورأى أن “الجيش يعتمد استراتيجية تقوم على التأمين الكامل لأي منطقة قبل التقدم، لضمان عدم عودة الدعم السريع إليها، وهي الاستراتيجية نفسها التي اتبعها في الخرطوم ووسط البلاد”.

تنوع مسلح

بينما قال المحلل السياسي وليد النور إن “انتقال المعارك إلى كردفان مرتبط بانتهاء مرحلة القتال في الخرطوم، والإقليم بات يمثل ’جنوب السودان الجديد’ من حيث التعقيد والتنوع المسلح”.

وأوضح أن “ولاية جنوب كردفان تضم وجودا مزدوجا لقوات الحركة الشعبية/ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والدعم السريع (متحالفتان)”.

ومنذ عام 2011 تقاتل الحركة الشعبية/ شمال، القوات الحكومية للمطالبة بحكم ذاتي في جنوب كردفان والنيل الأزرق.

والوجود المزدوج في جنوب كردفان “يجعل مدينة الدلنج محط نزاع محوري حيث تشهد اشتباكات، إلى جانب مدن مثل الحمادي الدبيبات التي تمثل الطريق بين ولايتي شمال وجنوب كردفان”، وفق النور.

كما لفت إلى أن “شمال كردفان يشهد أيضا اشتباكات على تخوم ولايتي شمال وغرب كردفان، حيث تنشط قوات الدعم السريع في المناطق الحدودية بين الولايتين”.

وتابع: “إذا نجح الجيش في فرض سيطرته على ولاية غرب كردفان، فسيكون قد اقترب فعليا من الوصول إلى مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، إذ لا تفصله عنها سوى ساعات معدودة”.

النور استدرك أن “استمرار سيطرة الدعم السريع على مناطق واسعة من ولاية غرب كردفان قد يمنحهم القدرة على محاصرة مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان”.

ورجح المحلل السياسي أنه “إذا لم يتمكن الجيش من إحكام سيطرته على ولاية غرب كردفان، فإن الحرب مرشحة للاستمرار مدة أطول”.

(الأناضول)

لا ماء ولا كهرباء لجوء السودانيين إلى وسائل تبريد تقليدية لمواجهة موجة حر قاتل وسط تحذيرات من تغيرات مناخية قادمة

يواجه السودانيون موجة حر شديدة تتجاوز 47 درجة مئوية وسط انقطاع متكرر للكهرباء ونقص في المياه، ما فاقم معاناة النازحين والمرضى في مخيمات بورتسودان والخرطوم ومدن الشمال، فلجأ السكان إلى وسائل تبريد تقليدية وسط تحذيرات من آثار صحية وبيئية خطيرة نتيجة التغيرات المناخية.

الخرطوم ـ كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية ظهرا عندما بدأ جسد السبعينية سعدية عبدالفراج يرتجف تحت خيمتها المصنوعة من قماشٍ مهترئ لا يقي حرا ولا يحجب أشعة الشمس الحارقة في مخيم للنازحين بمدينة بورتسودان.

حاولت ابنتها ومضة تبريد أجزاء من جسد والدتها بقطعة قماش مبللة، بينما تستخدم حفيدتها “الهبابة”، وهي مروحة يدوية مصنوعة من سعف النخيل، لتحريك الهواء وتلطيف الجو، لكن حتى الهواء كان يغلي.

وبأنفاس متقطعة، قالت سعدية لوكالة أنباء شينخوا “أنا مصابة بأمراض عدة منها ضغط الدم والسكري، أعاني بشدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ومع عدم توفر الكهرباء نضطر لاستخدام وسائل تقليدية منها الهبابة وتبليل الثياب.” وأضافت “هذا العام درجات الحرارة مرتفعة للغاية، ومع تواصل انقطاع الكهرباء فإن المعاناة تتضاعف.”

واضطرت سعدية إلى التوقف عن استخدام الأنسولين، وهو علاج رئيسي لمرض السكري، وقالت “حاولت استخدام بدائل لحفظ الأنسولين في ظل عدم توفر الكهرباء وعدم توفر ثلاجات في المخيم، وكنت أقوم بوضع الأنسولين في حافظات للثلج، ولكن الطريقة لم تنجح.”

فيما قالت ابنتها ومضة “حرارة والدتي مرتفعة منذ البارحة، لم نجد أيّ طريقة لتخفيف الحرارة غير الوسائل التقليدية مثل تبليل الثياب واستخدام الهبابة.” وأضافت بنبرة مشبعة باليأس “مع ارتفاع الحرارة، فإن الخيمة مصنوعة من القماش والبلاستيك، بينما أعمدتها وقوائمها الرئيسية من الحديد، وكل هذه المكونات تقوم بامتصاص الحرارة وعكسها نارا على أجسادنا.”

وفي الخرطوم التي ما تزال تشهد انقطاعا متكررا للتيار الكهربائي، أصبحت موجة الحر التي تضرب المدينة بمثابة عدو يومي يلاحق السكان الذين يواجهون نقصا حادا في الخدمات الأساسية، ولاسيما الكهرباء والمياه.

وفي حي الإنقاذ بمنطقة جنوب الحزام، تجلس إيثار أحمد، على سرير من الخشب، وهي تبلل ثوبها بالماء، كوسيلة تقليدية لمقاومة ارتفاع درجات الحرارة بالعاصمة السودانية الخرطوم.

ومنذ أواخر العام 2023، لم تعد الكهرباء إلى منطقة جنوب الحزام، وهي المنطقة التي ظلت إيثار (47 عاما) متواجدة فيها رغم المعارك العنيفة التي استمرت لما يقارب العامين.

ومع وصول درجات الحرارة إلى أكثر من 47 درجة، وفقا للهيئة العامة للأرصاد الجوية (حكومية) تلجأ إيثار وبقية أفراد عائلتها إلى استخدام تقنيات تبريد تقليدية لمقاومة ارتفاع درجات الحرارة، مثل الاستحمام بالماء البارد وتبليل الثياب بالماء والتلويح باليد على الوجه.

وقالت إيثار “نحاول تبليل الثياب بالماء وكذلك تبليل الأرض من أجل الحصول على نسمة هواء باردة، ولكن حتى الماء غير موجود.” وتابعت “أطفالي يعانون بسبب الحر، وبعضهم مرضى بسبب ارتفاع درجات الحرارة، أملنا الوحيد أن يبدأ موسم الأمطار الذي تأخر كثيرا هذا العام.”

وفي مدينة القولد بأقصي شمال السودان، يلجأ سكان المدينة إلى حيل متعددة ووسائل تقليدية للتغلب على ارتفاع درجات الحرارة، حيث تصل ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى أكثر من عشر ساعات يوميا.

استخدام تقنيات تبريد تقليدية لمقاومة ارتفاع درجات الحرارة مثل الاستحمام بالماء البارد وتبليل الثياب بالماء والتلويح باليد على الوجه

ووصف علي الزبير، وهو مواطن من مدينة القولد، منازل السكان بأنها “أفران مشتعلة” بسبب الحرارة المرتفعة.

وقال الزبير “يبدو أن هذا هو الصيف الأسخن في شمال السودان، لا نستطيع البقاء في المنازل أثناء ساعات النهار، إنها عبارة عن أفران مشتعلة.” وأضاف “نخرج إلى ظل الأشجار، أو إلى النهر للاستحمام، أما النساء فلا يخرجن من المنازل ويقمن بتعليق الأقمشة والحصير المبلل على فتحات النوافذ من الخارج من أجل تبريد الهواء.”

وحذرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية في السودان من تأثيرات محتملة لموجة الحر التي تشهدها مناطق متفرقة من البلاد، ولاسيما انتشار بعض الأمراض.

وأرجع رئيس وحدة الإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية الدكتور أبوالقاسم إبراهيم ارتفاع درجات الحرارة بوسط السودان وشرقه وشماله إلى تعمق منخفض السودان الحراري وانتقاله شمالا وشرقا.

وقال إبراهيم إن “هذه الظاهرة مستمرة بسبب تغيرات مناخية كبيرة يشهدها السودان مؤخرا ما يتطلب تدابير رسمية وشعبية.”

وأضاف “لمواجهة تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة لا بد من وضع تدابير متعلقة بالاحتياطات الصحية، والتحسب لانتشار الأوبئة والأمراض، وتوقع طقس متطرف يتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وهطول أمطار غزيرة ورياح عالية.”

وبينما تستمر موجة ارتفاع درجات الحرارة بمناطق واسعة في السودان، أطلق خبير بالبيئة والمناخ في السودان تحذيرات بشأن استمرار موجة الحر، وتزايد خطرها.

وقال الخبير في مجال البيئة والمناخ الدكتور تاج السر بشير “تسجل درجات الحرارة ارتفاعا ملحوظا لاسيما في وسط السودان وشرقه وشماله، ومن الممكن أن يكون للمناخ المتطرف تأثيرات كارثية.” وأضاف بشير “في وسط السودان وشماله فإن لموجات الحر تأثيرات سلبية على النشاط الزراعي، إذ يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية في بلد يعاني نقص الغذاء بسبب الحرب.”

وتابع “أما في شرق السودان، فإن موجة الحر تضاعف من معاناة السكان في مدينة بورتسودان الساحلية والتي تشتهر بالرطوبة العالية، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تفشي كبير لبعض الأمراض وخاصة السحائي.”

وأرجع بشير موجة الحر المتكررة في السودان إلى التغيرات المناخية، وقال “مؤخرا يشهد السودان زيادة ملحوظة في درجات الحرارة، ونقص في هطول الأمطار، وزيادة في الظواهر الجوية المتطرفة مثل موجات الحر والجفاف، يعود هذا بالأساس إلى التغيرات المناخية.”

ولمواجهة التأثيرات المحتملة لارتفاع درجات الحرارة، وجّهت وزارة التربية والتعليم بالولاية الشمالية، اعتبارا من 6 يوليو الجاري، مدارس الولاية بإنهاء اليوم الدراسي بجميع المراحل الدراسية عند الساعة الثانية عشرة ظهرا وبداية اليوم الدراسي عند الساعة السابعة صباحا.

ويشهد السودان انقطاعا متكررا للتيار الكهربائي، يصل إلى نحو 18 ساعة يوميا في مدن مثل أم درمان شمال العاصمة السودانية الخرطوم. وتنفذ شركة الكهرباء السودانية ما تسميه “برمجة القطوعات”، وذلك بسبب خروج عدد من المحطات الحرارية عن الخدمة جراء الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023.

الطرق المرورية الوطنية مصائد موت في منطقة الساحل الإفريقي

في منطقة الساحل التي تنتشر فيها أعمال العنف الجهادي، ثمة طرقات ينبغي تجنبها وأخرى يسلكها المرء بخوف كبير، ومنها الطريق الوطنية رقم 15 في وسط مالي لما شهدته من انفجار ألغام يدوية الصنع لدى مرور مركبات مدنية وعسكرية وكمائن استهدفت الجيش وعمليات خطف مدنيين.

في آذار/مارس، شهد موسى (اسم مستعار لدوافع أمنية) الذي كان ينقل جثّة والدته المتوفاة في البلدة على متن سيارته مشهدا مروّعا على هذه الطريق المسماة “طريق السمك” نظرا لدورها في نقل السمك إلى بوركينا فاسو. فأمام عينيه، خطف مسلّحون ركّاب حافلة.

وقال “قاموا بتوقيفنا لكن عند رؤية جثّة والدتي سمحوا لنا بمواصلة الطريق”. وقال إنه رأى مهاجمين على درّاجات نارية يحملون أسلحة حربية مع عمائم ملفوفة حول رؤوسهم.

“انتشار التمرّد الجهادي”

في الساحل الإفريقي، يجازف السكان يحياتهم عندما يسلكون بعض طرق المنطقة التي تعدّ “بؤرة الإرهاب” العالمي بحسب المؤشّر العالمي للإرهاب بنسخته الأخيرة والتي تستشري فيها أعمال عنف من تدبير مجموعات متفرّعة من القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية.

وجاء في دراسة حديثة صادرة عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن “حوالي 70 % من الأفعال العنيفة و65 % من عمليات القتل” في إفريقيا الغربية والشمالية “تحدث على مسافة أقلّ من كيلومتر من طريق”.

وتشتدّ “التداعيات جسامة في المنطقة الوسطى من الساحل (أي مالي والنيجر وبوركينا فاسو) وحوض بحيرة تشاد وغرب الكاميرون”، بحسب المصدر عينه.

وقال أحد القيّمين على هذه الدراسة، وهو أوليفييه والتر، الأستاذ المشارك في جامعة فلوريدا في الولايات المتحدة إن “الخطر المحدق بالطرقات هو على صلة مباشرة بانتشار التمرّد الجهادي”.

وأشار في تصريحات لوكالة فرانس برس إلى أن “محاور النقل باتت هدفا للهجمات الموجّهة ضدّ القوّات الحكومية، لا سيّما المواكب العسكرية، ووسيلة للضغط على المجتمعات الريفية”.

وفي المنطقة الوسطى للساحل، تعدّ الطريق الوطنية رقم 16 التي تربط موبتي في الوسط بغاو في الشمال المحور المروري الأكثر خطورة مع “433 حادثة في المجموع” سجّلت فيها منذ 2012، بحسب والتر.

محور الموت

وفي جنوب الحدود المالية، “كلّ الطرقات المؤدية إلى دجيبو” في بوركينا فاسو خطيرة بسبب “الحصار المفروض على المدينة” من قبل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المتفرّعة من تنظيم القاعدة، وفق والتر.

وتُسمى الطريق الوطنية رقم 22 بين بورزانغا ودجيبو وواغادوغو “محور الموت” بسبب هجمات المسلّحين التي غالبا ما تحصد الأرواح.

وفي أيلول/سبتمبر 2022، أشعل مسلّحون النيران في أكثر من مئتي شاحنة إمدادات في هذا المسلك المروري، في حادثة أودت بحياة 11 جنديا وأسفرت عن اختفاء أثر عدّة مدنيين.

وخلال رحلة على هذا المحور المروري في كانون الأول/ديسمبر 2022، تحدث عبدول فتاوى تييمتوري رئيس تحرير إذاعة “أوميغا اف ام” في بوركينا عن مشاعر “حزن وقلق وخوف وإجهاد” إزاء ما رآه من “فظائع”.

وكتب في مقاله “رأينا جثثا حديثة قيد التحلّل ومركبات مهملة وفوهات ألغام على الطريق”.

حظر المرور

وفي النيجر، يقع أخطر ممرّين في الجنوب الغربي ويؤديان كلاهما إلى بوركينا فاسو.

ومنذ العام 2022، من الصعب جدّا التنقّل برّا بين نيامي وواغادوغو بسبب خطر الهجمات المسلّحة على الحدود بين البلدين التي تمتدّ على 600 كيلومتر.

وفي أيّار/مايو، كشفت الجمعية الوطنية لاستغلال الحطب في النيجر لوكالة فرانس برس عن مقتل 24 من سائقيها ومتدرّبيها منذ العام 2015، فضلا عن إحراق 52 شاحنة على الطرقات في الجنوب الغربي.

وأعلنت جمعية نيجرية أخرى للسائقين في أيّار/مايو “تعبنا من إحصاء موتانا”، بعد مقتل الكثير من أعضائها وسائقيها ومتدرّبيها في هجمات مسلّحة.

وأخبر زكريا سيني، وهو سائق نيجري يعمل في “منطقة الحدود الثلاثة” بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي حيث ينشط تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية الساحل أن “الإرهابيين منعونا من السير في الأسواق المحلية وهم حتّى اختطفوا بعض السائقين في الأحراج لأيّام عدّة”.

وبحسب منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، لا بدّ من إقران التدابير الأمنية في الساحل بتطوير البنى الأساسية للنقل والتعاون عبر الحدود والتكامل الاقتصادي من أجل تعزيز الاستقرار.

وبسبب سوء حال الطرقات وقلّة عددها، تضطر جيوش المنطقة للسير في مواكب، بحسب أوليفييه والتر.

ويقترح الباحث خطّة بديلة لضمان أمن المحاور المرورية تقضي بإعادة النظر في سبل تنقّل جيوش الساحل “بمركبات خفيفة ومتعدّدة الاستخدامات كتلك التي يستخدمها الجهاديون”، مثل الدرّاجات الهوائية.

ما هي مجموعة بريكس وما أهميتها؟

يجتمع قادة مجموعة بريكس في البرازيل لمناقشة خططهم في التصدّي للهيمنة الغربية. ومع انضمام المزيد من الدول إلى هذه المجموعة يُطرح السؤال حول ما إذا كان هذا التوسع عامل قوة أم أنه سيؤدي إلى انقسامات داخل التكتل.

نيك مارتن- DW

يجتمع قادة دول بريكس هذا الأسبوع في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية لتعزيز التبادل التجاري والتكنولوجي بينها لمواجهة تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع الرسوم الجمركية.

ستستمر المحادثات ثلاثة أيام، يستضيفها رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وسيحضرها عدد من القادة، من بينهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ.

وبسبب مذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه، سيغيب عن الاجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم أن بلاده من دول مجموعة بريكس الأساسية. 

كيف تأسس بريكس؟

تأسست مجموعة دول بريكس من أربع دول، هي البرازيل وروسيا والهند والصين، كونها اقتصادات سريعة النمو وقادرة على أن تصبح قوى اقتصادية عالمية بحلول عام 2050. يتكون اسم (BRIC) الذي صاغه الخبير الاقتصادي في غولدمان ساكس جيم أونيل عام 2001، من الحرف الأول لاسم كل دولة على حدة، مبرزاً نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) للدول الأربعة، وكبر حجم سكانها، وتزايد تأثيرها العالمي.

عقدت أول قمة للمجموعة في مدينة يكاترينبورغ الروسية عام 2009، وبعد عام واحد دُعيت جنوب إفريقيا للانضمام إلى الكتلة، وأضيفَ حرف “S” إلى اسمها لتصبح (BRICS).

تضاعفَ عدد دول مجموعة بريكس اليوم ليصل إلى 10 دول. فإلى جانب الدول الخمسة الأساسية انضمت إلى التكتل، كل من مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا. ويتم التناوب على رئاسة المجموعة بشكل دوري بين الأعضاء كل عام.

من يريد الانضمام لدول بريكس؟

تحوّل مجموعة بريكس إلى تكتل اقتصادي كبير وسريع النمو جذب أنظار دول العالم، فقد تقدمت  44 دولة بطلب رسمي للانضمام.

وفي العام الجاري، انضمت كل من بيلاروس وبوليفيا وكوبا وكازاخستان وماليزيا وتايلاند وفيتنام وأوغندا وأوزبكستان، تمهيداً للعضوية الرسمية تحت اسم (BRICS+)، كما أبدت دول أخرى اهتمامها بالانضمام.

كان متوقعا أن تنضم المملكة العربية السعودية التي تربطها علاقات جيدة بالولايات المتحدة الأمريكية العام الماضي إلى المجموعة، لكنها لم تتخذ بعد قراراً نهائياً بهذا الشأن. مع ذلك ما زال موقع بريكس الرسمي يدرج المملكة كعضو في المجموعة.

أما تركيا فقد رفضت الهند انضمامها بحجة علاقات أنقرة الوثيقة مع الخصم باكستان. والأرجنتين كانت قد تقدمت بطلب للانضمام لكنها سحبت طلبها في ديسمبر 2023 تحت إدارة الرئيس خافير ميشيلي، معلنة تفضيلها الحفاظ على علاقات وثيقة مع دول الغرب.

موازين قوى اقتصادية جديدة

وُصفت مجموعة بريكس في ذلك الحين بأنها “تحدٍ كبير” للنظام السياسي والاقتصادي والمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة التي هيمنت على المشهد الاقتصادي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. ودعا أعضاء المجموعة الأصليون إلى إنشاء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وإلى منح صوت أقوى وأكبر للدول النامية في الشؤون الدولية، ولهذا أنشأت المجموعة بديلاً للبنك الدولي بهدف تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية، وتقديم آلية جديدة للدعم المالي أثناء الأزمات الاقتصادية، وهي ألية منافسة جزئياً لصندوق النقد الدولي.

وعلى الرغم من أنها لا تزال تكتلاً غير رسمي، وصف المركز البرازيلي للعلاقات الدولية (CEBRI) بريكس بأنه أول رابطة عابرة للأقاليم لدول غير غربية على الإطلاق”، وذلك في تقرير تمهيدي للقمة المرتقبة في البرازيل.

ورغم عدم وجود أي معاهدة تأسيسية أو أمانة داعمة أو مقر رئيسي لها، إلا أن مجموعة البريكس نمت كقوة جيوسياسية واقتصادية كبيرة. إذ تمثل الكتلة أكثر من 40 بالمئة من سكان العالم وأكثر من ثلث النمو الاقتصادي العالمي، بالاستناد إلى تعادل القوة الشرائية لتتجاوز بذلك مجموعة السبع الكبرى.

كتلة اقتصادية ضخمة

كما تسيطر دول بريكس على أسواق مهمة في العالم، بما في ذلك 40 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، بفضل أعضائها الجدد مثل إيران والإمارات العربية المتحدة. وبحسب موقع البريكس الإلكتروني تسيطر المجموعة أيضاً على حوالي ثلاثة أرباع المواد الأرضية النادرة، وأضاف الموقع أن التبادل التجاري بين الدول الأعضاء تجاوز بالفعل تريليون دولار أمريكي.

وبحسب مركز البحوث الاقتصادية والتجارية، تقدمت دول البريكس بطلبات للحصول على 44 مليون براءة اختراع بين عامي 2009 و2023، أي أكثر من نصف جميع براءات الاختراع المسجلة عالمياً.

والبيئة موضوع مهم وملحّ لدول البريكس، فمن خلال بنك التنمية الجديد ( (NDBوافقت المجموعة على أكثر من 39 مليار دولار أمريكي لـ 120 مشروعاً، تركز على البنية التحتية والطاقة النظيفة والتنمية المستدامة.

التحرر من الدولار الأمريكي

اقترح قادة دول بريكس مبكراً إطلاق عملتهم الخاصة لتحدي الدولار الأمريكي، ولكنّ التقدّم في ذلك ظل بطيئاً. وبقي هذا المخطط حبيساً لمعارضة بعض الأعضاء، خصوصًا الهند، خشية من الهيمنة الاقتصادية للصين. وازدادت العراقيل أكثر عندما حذر ترامب البريكس من أن الكتلة ستواجه رسوماً جمركية بنسبة 100 بالمئة على وارداتها إلى الولايات المتحدة إذا تم الإعلان عن عملة مشتركة.

ومع ذلك تحرض الدول الأعضاء على تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على الدولار الأمريكي. كما أنها تُجري نسبة متزايدة من تجارتها داخل المجموعة باستخدام العملات المحلية، وأنظمة دفع بديلة لنظام سويفت (SWIFT) المدعوم من الغرب.

المزيد من التوسع؟

ساهم تشكيل مجموعة البريكس بتعزيز العلاقات الصينية الروسية.صورة من: Sefa Karacan/Anadolu/picture alliance

تتضارب الآراء حول مستقبل بريكس. بعض المحللين يتوقعون تطور هذا التكتل ليصبح تحديّاً حقيقيّاً للمؤسسات العالمية بقيادة الغرب، في حين يرى آخرون أن الانقسامات الداخلية وتضارب المصالح الوطنية قد تعيق من تقدمه.

فبينما تسعى الصين وروسيا إلى تقوية بريكس ليصبح قوة مضادة للهيمنة الغربية، تعطي الهند والبرازيل الأولوية للتعاون الاقتصادي بدلًا من المواجهة الجيوسياسية، وهو الأمر الذي ينذر بتوترات محتملة داخل التكتل.

انضمام المزيد من الدول قد يشكّل بدوره تحدياً إضافيا بسبب النزاعات السياسية والتاريخية بين بعض منها. فمثلاً، قد تعيق العلاقة التنافسية بين السعودية، في حال انضمت إلى التكتل، وإيران، أو بين مصر وإثيوبيا التوافقات السياسية أو حتى قد تضعف قدرة التكتل على المضي قدماً بأهدافه ومصالحه.

كما أن القيود التي تفرضها بكين على استخدام اليوان الصيني في التجارة الدولية قد تعرقلان جهود إلغاء الدولرة (كسر هيمنة الدولار الأمريكي) التي تطمح لها الصين وروسيا وفق محللين. فتوجه الصين يُخشى أن يصبح هدفه الحقيقي، فرض عملة احتياطية جديدة، لا كسر هيمنة الدولار الأمركي.

تحدٍّ آخر يواجه مشروع توسّع المجموعة، يكمن في الفوارق الاقتصادية بين اقتصادات الدول الأعضاء، فالناتج المحلي للصين يفوق بكثير نظيره في جنوب إفريقيا أو الأعضاء الجدد مثل إثيوبيا. كذلك الأنظمة السياسية متباينة، ما يعزز المخاوف من صعوبة تحقيق توافقات بين ديمقراطيات مثل الهند والبرازيل مع أنظمة استبدادية مثل الصين وإيران وروسيا.

كلها عوامل تجعل توسع المجموعة أمراً مشكوكاً بنجاحه كمل يرى بعض المحللين.

المصالح الأجنبية تعمّق الحرب في السودان

نشر موقع “كونفرسيشن” الأميركي مقالا لأحد الأكاديميين الأفارقة بالمؤسسات الأكاديمية في الولايات المتحدة، يتناول فيه الحرب في السودان ويقترح كيفية الوصول إلى السلام هناك.

يستهل الأكاديمي جون موكوم مبّكو، أستاذ الاقتصاد في جامعة ويبر ستيت الأميركية والزميل الأول غير المقيم في مؤسسة بروكينغز بواشنطن، مقاله باستعراض الأهوال التي نتجت عن الحرب في السودان، وأبرزها مقتل أكثر من 150 ألف شخص، ونزوح أكثر من 14 مليونا، بينهم 3 ملايين فروا إلى دول الجوار، وتحول العاصمة الخرطوم إلى مدينة منكوبة.

end of list

جذور الحرب

ويرى المقال أن جذور هذه الحرب تعود إلى توترات عرقية وسياسية واقتصادية قديمة، لكنها ازدادت سوءا بسبب التدخلات الخارجية غير المحايدة، حيث فاقمت الأطراف الدولية والإقليمية الصراع بدلا من حله.

واستشهد بعبارة لمنظمة العفو الدولية حول الاستجابة الدولية للصراع في السودان، إذ وصفت المنظمة هذه الاستجابة بأنها “مخيبة للآمال بشكل مؤلم”.

ويشير الكاتب، المتخصص في أزمات الحكم الأفريقية، إلى أن إنهاء الصراع في السودان يتطلب التزاما دوليا جادا بالحياد، مع دعم الشعب السوداني لحل أزماته بنفسه

دور الاتحاد الأفريقي

ولتحقيق ذلك، يقول الكاتب، يجب تفعيل الدبلوماسية الإقليمية، وعلى رأسها دور الاتحاد الإفريقي.

ثم يعود مبّكو مستدركا أن الاتحاد الإفريقي، رغم شعاره القائل “حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية”، لم يُفعّل دوره كما يجب، إذ لم يُحاسب قادة الحرب، ولم يحصّن المدنيين.

ويقترح المقال خطوات يمكن للاتحاد الأفريقي اتخاذها، منها:

  • التعاون مع الأمم المتحدة لإرسال بعثة لحماية المدنيين ومراقبة حقوق الإنسان، خصوصا النساء والفتيات، والمساعدة في عودة النازحين.
  • تشكيل فريق خبراء للتحقيق في الانتهاكات، لا سيما العنف الجنسي، ورفع النتائج إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي.
  • التنسيق مع الجامعة العربية لضمان موقف موحد يخدم مصالح السودانيين في السلام والتنمية.
  • معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، مثل: الفقر، والتمييز، والتهميش السياسي، والاقتصادي.

جون موكوم مبّكو: السلام في السودان لن يتحقق إلا من خلال عمل دولي وإقليمي منسق وجاد، يدعم الديمقراطية ويبني مؤسسات مستقلة، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم، باعتبار أن ذلك هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار والتنمية.

خبرات الزعماء الأفارقة

ويقترح الكاتب أيضا الاستفادة من خبرات الزعماء الأفارقة الحاليين والسابقين في الوساطة وحل النزاعات، مثل: ثابو مبيكي، وموسى فكي، وأولوسيغون أوباسانغو.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيقول الكاتب إنها لعبت دورا مهما في الماضي من خلال “اتفاقيات أبراهام”، التي أدت إلى تطبيع جزئي بين السودان وإسرائيل، ورفعت اسم السودان من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”.

الدور الأميركي

وأشار إلى أن هذا التقارب مع أميركا كان من الممكن أن يشكّل أساسا للتعاون المستقبلي، خاصة بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، لولا أن الحرب الحالية وعدم الاستقرار السياسي عطّلا هذا المسار.

ويستمر مبّكو ليقول إن ترامب لم يبدِ اهتماما فعليا بالسودان، رغم أن اتفاقيات أبراهام كانت إنجازا كبيرا له، إذ لم يتطرق إلى هذه الأزمة خلال زيارته إلى السعودية في مايو 2025.

ويختم الكاتب المقال بالتشديد على أن السلام في السودان لن يتحقق إلا من خلال عمل دولي وإقليمي منسق وجاد، يدعم الديمقراطية ويبني مؤسسات مستقلة، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم، باعتبار أن ذلك الطريق هو الوحيد نحو الاستقرار والتنمية.

المصدر: ذا كونفرسيشن

أكثر من 14 مليون شخص قد يموتون بسبب تقليص المساعدات الأميركية (دراسة)

باريس (أ ف ب) – يواجه أكثر من 14 مليون شخص من الفئات الأكثر ضعفا في العالم، ثلثهم من الأطفال الصغار، خطر الموت بحلول عام 2030 بسبب تفكيك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكالة التنمية الدولية (يو إس إيد) للمساعدات الخارجية، وفقًا لتوقعات دراسة نشرتها الثلاثاء مجلة “لانسيت” العلمية.

جاءت هذه الدراسة بالتزامن مع تجمع قادة العالم ورجال الأعمال هذا الأسبوع في مؤتمر للأمم المتحدة في إسبانيا لدعم المساعدات المتقلصة.

وكانت وكالة التنمية الدولية الأميركية تقدم أكثر من 40% من التمويل الإنساني العالمي حتى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير.

وبعد أسبوعين، تباهى إيلون ماسك الذي كان مقربا من ترامب ومستشارا له بتقليص تمويل الوكالة.

وحذّر المؤلف المشارك في الدراسة، دافيد راسيلا، الباحث في معهد برشلونة للصحة العالمية، من أن تقليص التمويل “يهدد بوقف أو حتى عكس التقدم المحرز على مدى عقدين في مجال الصحة بين الفئات الضعيفة”.

وقال في بيان إنه “بالنسبة للعديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، الصدمة الناتجة عن إيقاف المساعدات ستكون مماثلة من حيث الحجم لجائحة عالمية أو نزاع مسلح كبير”.

وقدّر الفريق الدولي من الباحثين أن برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية منعت حدوث 91,8 مليون حالة وفاة في البلدان النامية بين عامي 2001 و2021، نظرا إلى بيانات 133 دولة.

وهذا الرقم يفوق العدد التقديري للوفيات خلال الحرب العالمية الثانية، أكثر الصراعات دموية في التاريخ.

ارتفاع حالات الإيدز والملاريا

مرضى فيروس نقص المناعة البشرية ينتظرون الأدوية في هايتي، حيث تخشى المستشفيات من تأثير تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية © كلارينس سيفروي / AFP/ارشيف

استخدم الباحثون أيضًا النمذجة لتوقع كيف يمكن أن يؤثر تخفيض التمويل بنسبة 83%، وهو الرقم الذي أعلنته الحكومة الأميركية في وقت سابق من هذا العام، على معدلات الوفيات.

وتوصلت التوقعات إلى أن هذه التخفيضات قد تؤدي إلى أكثر من 14 مليون وفاة يمكن تجنبها بحلول عام 2030.

ويشمل هذا الرقم أكثر من 4,5 مليون طفل دون سن الخامسة أي 700,000 حالة وفاة في السنة.

للمقارنة، يُقدّر أن حوالى 10 ملايين جندي قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى.

وأظهرت الدراسة أن البرامج المدعومة من وكالة التنمية الدولية الأميركية مرتبطة بانخفاض نسبته 15% في الوفيات بسبب جميع الأسباب.

أما بالنسبة للأطفال دون سن الخامسة، فكان الانخفاض في الوفيات مضاعفا تقريبا ليصل إلى 32%.

ووُجد أن فعالية تمويل الوكالة تكمن في منع الوفيات التي يمكن تجنبها أي الناتجة عن الأمراض.

ففي البلدان التي تلقت دعما كبيرا من الوكالة، كانت الوفيات بسبب الإيدز/فيروس نقص المناعة البشرية أقل بنسبة 65% مقارنة بتلك التي لم تحصل على تمويل أو حصلت على تمويل ضئيل.

كما قُلصت نسبة الوفيات الناتجة عن الملاريا والأمراض المدارية المهملة إلى النصف تقريبا.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة، فرانسيسكو ساوتي من مركز بحوث الصحة في مانهيكا بموزمبيق، إنه كان شاهدا على فعالية تمويل الوكالة في مكافحة أمراض كالإيدز والملاريا والسل.

وأشار إلى أن “قطع هذا التمويل الآن لا يعرض الأرواح للخطر فحسب بل يقوض أيضا البنية التحتية الحيوية التي استغرق بناؤها عقودا من الزمن”.

ويشير متتبع محدث مؤخرا تديره خبيرة نمذجة الأمراض بروك نيكولز في جامعة بوسطن إلى أن قرابة 108,000 بالغ وأكثر من 224,000 طفل قد توفوا بسبب تخفيض المساعدات الأميركية، وهذا يعادل 88 حالة وفاة كل ساعة.

تقليص ميزانيات المساعدات الخارجية

بعد تقليص ميزانية وكالة التنمية الدولية الأميركية، أعلنت دول مانحة أخرى، من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، عن خطط لتقليص ميزانياتها المخصصة للمساعدات الخارجية.

وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، كاتيرينا مونتي من معهد برشلونة للصحة العالمية، إن تقليص الاتحاد الأوروبي للمساعدات، قد يؤدي إلى “زيادة عدد الوفيات بشكل أكبر خلال السنوات القادمة”.

لكن الباحثين أكدوا أن هذه التوقعات القاتمة مبنية على حجم المساعدات المعلن حاليا، وقد تسوء بسرعة في حال تغيرت الأوضاع.

يجتمع عشرات من قادة العالم هذا الأسبوع في مدينة إشبيلية الإسبانية لحضور أكبر مؤتمر للمساعدات خلال عقد من الزمن، في ظل غياب الولايات المتحدة.

وقبل تقليص تمويلها، كانت وكالة التنمية الدولية الأميركية تمثل 0,3% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي الأميركي.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة جيمس ماكينكو من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس: “يساهم المواطن الأميركي بنحو 17 سنتا يوميا لوكالة التنمية الدولية، أي حوالي 64 دولارا في السنة”.

وأضاف: “أعتقد أن معظم الناس سيدعمون استمرار تمويل الوكالة لو علموا مدى فاعلية مثل هذه المساهمة الصغيرة في إنقاذ ملايين الأرواح”.

حتى أفريقيا تتأثر بصراعات الشرق الأوسط!

يرى الخبراء أنَّ تداعيات صراع الشرق الأوسط تؤثر على أفريقيا بشكل غير مباشر: والخطر الأكبر يهدّد القرن الأفريقي في حال تعاون إيران والحوثيين بشكل أقوى. لكن لإسرائيل أيضا علاقات مع دول في القرن الأفريقي.

يهدد الصراع الإسرائيلي الإيراني في الشرق الأوسط بزيادة عدم الاستقرار في المنطقة؛ ومن الممكن أن يؤثر هذا التطور على دول القارة الأفريقية أيضًا.

ويرى هندريك مايهاك، رئيس قسم أفريقيا في مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، المقرّبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أنَّ الخطر الأكبر يهدد القرن الأفريقي. وحول ذلك قال لـDW: “إذا زادت حدة الحرب مع إيران، فسيكون هناك خطر يهدد بأن تتسع بذلك مختلف الحروب المترابطة حول البحر الأحمر”.

الأزمة في شرق أفريقيا تهدد بالتفاقم

“وهذا يعود إلى تعاون إيران مع المسلحين الحوثيين في اليمن، الذين يتعاونون بدورهم مع ميليشيا حركة الشباب في الصومال. ومن الممكن أن ينجم عن ذلك مزيد من الخطر، الذي يهدد منطقة القرن الأفريقي – هذه المنطقة الغارقة منذ نحو 30 عامًا في أعمق أزماتها بحروب في الصومال والسودان وجنوب السودان، ولا يلوح أي حل في الأفق”.

ولذلك تزداد بحسب هندريك مايهاك أهمية تعزيز ألمانيا وأوروبا عملهما ليس في الشرق الأوسط وحده، بل في منطقة القرن الأفريقي أيضًا. ويجب ألا يتم التركيز على الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا فقط، بل كذلك على القارة المجاورة في الجنوب، حيث تتزايد “ولا تتناقص” حاليًا الحروب والصراعات الممتدة من غرب أفريقيا إلى شرقها – بتداعيات تؤثر على أوروبا.

“في وضع يتراجع فيه اهتمام السياسة الخارجية الأوروبية والموارد المخصصة للتعاون الإنساني والتنموي، تخشى العديد من الدول في أفريقيا من استمرار خروجها من دائرة الدعم الغربي”، كما يقول مايهاك. ويحذّر من أنَّ ذلك له “تبعات سيئة” بالنسبة لأفريقيا.

لقد ازداد التعاون بين جماعة الحوثيين المسلحة، المدعومة من إيران، وبين ميليشيات حركة الشباب الإرهابية في الصومال، كما يقول غيدو لانفرانشي، من معهد كلينجينديل للعلاقات الدولية في هولندا: “يبدو أنَّ الحفاظ على هذه الاتصالات من مصلحة الجماعتين، بحيث أنَّ علاقاتهما يمكن أن تستمر بصرف النظر عن التطورات في الشرق الأوسط”. ولكن يجب أن ننتظر مدى قدرة إيران على الاستمرار في دعم الحوثيين، بحسب تصريح خبير النزاعات في منطقة القرن الأفريقي، غيدو لانفرانشي لـDW.

القرن الأفريقي له أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل وإيران

ويؤكد لانفرانشي على أنَّ إيران وكذلك إسرائيل طورتا علاقاتهما في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والتي تحظى بأهمية جيواستراتيجية بالنسبة لكلا الطرفين. ويضيف أنَّ إيران مثلًا أرسلت مؤخرًا أسلحة إلى القوات المسلحة السودانية.

“وفي المقابل، تحافظ إسرائيل على علاقات وثيقة مع إثيوبيا، وقد جرت خلال الأشهر القليلة الماضية وحدها عدةُ اجتماعات بين الطرفين على المستوى الوزاري”. ويقول الخبير لانفرانشي إنَّ دور إسرائيل في السودان غير واضح تمامًا. ولكنه يشير إلى أنَّ إسرائيل كانت لها علاقات مع طرفي النزاع الحاليين – القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع – قبل اندلاع المعارك بينهما في نيسان/ أبريل 2023.

ويحذّر الخبراء من احتمال الشعور في جميع أنحاء القارة الأفريقية بآثار الحرب في الشرق الأوسط، ويتوقعون حدوث اضطرابات محتملة في التجارة العالمية، وزيادة في عدم استقرار الأسواق مع زيادة الضغط الاقتصادي.

وبحسب رأي رومانه ديدبيرغ، الباحثة في برنامج أفريقيا في مركز أبحاث تشاتام هاوس بلندن، فإنَّ “الاضطرابات التي نشهدها حاليًا في الشرق الأوسط ستكون لها آثار جيوسياسية غير مباشرة على أفريقيا بشكل خاص”.

غير أن تأثير كل من إيران وإسرائيل الاقتصادي والدبلوماسي والاستراتيجي في أفريقيا محدود جدًا، كما قالت ديدبيرغ في حوار مع DW: “كلا البلدين لم يستثمر إلا القليل جدًا في أفريقيا، ولا توجد لديهما في الحقيقة استراتيجية أفريقية مثل أطراف فاعلة أخرى في المنطقة”.

ومع ذلك تتوقع ديدبيرغ أنَّ أسعار الطاقة يمكن أن ترتفع كثيرًا. وتضيف أنَّ حقيقة تركيز الاهتمام السياسي والعسكري الآن على جبهة مختلفة من الممكن أن تكون لها عواقب أيضًا: “من الممكن أن يخلق ذلك بعض الثغرات الأمنية في القارة” الأفريقية.

ضعف دور الوساطة القطري في الكونغو

بيد أنَّ الخبيرة ديدبيرغ ترى أنَّ الصراع في الشرق الأوسط له تداعيات واضحة في أفريقيا. وتقول إنَّ “قطر لعبت خلال الأعوام الماضية دورًا فعالًا جدًا في الوساطة بين دول أفريقية مختلفة، وكانت مؤخرًا تقود جهود الوساطة الإقليمية بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية”.

ولكن بعد الهجوم الإيراني على قاعدة جوية أمريكية في قطر، من الممكن أن يسفر ذلك الآن عن مزيد من التهديدات: “لذلك، عندما تتعرض قطر لهجوم مباشر، فقد يؤدي هذا إلى تقليص دور القطريين، الذين يُقدّمون هذه الدبلوماسية الهادئة والدعم في الخفاء، في حين أنَّ جميع القنوات الدبلوماسية الأخرى باءت بالفشل”.

وهكذا فقد تمكنت قطر – بحسب ديدبيرغ – في مطلع هذا العام من جلب طرفين سياسيين مهمين – الرئيس الرواندي بول كاغامي ورئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي – إلى طاولة المفاوضات، بعد أن كان الزعيمان يتجنبان بعضهما طيلة أشهر.

وقد يكون هذا النقص المتوقع في دعم الوساطة في مرحلة حرجة بالنسبة لجمهورية الكونغو الديمقراطية أحد تداعيات التصعيد الحالي بين إسرائيل وإيران. ولكن ديدبيرغ ترى أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تلعب هنا دور الوساطة القيادي، ولذلك يبقى أن ننتظر إن كان هذه التداعيات ستكون قوية إلى هذا الحد.

المصدر:DW

وصفت “بالمتوحشة وغير الإنسانية” اغتصابات جماعية، وعمليات اختطاف واستعباد في الحرب السودانية

الخرطوم ـ منذ اندلاع الحرب السودانية منتصف أبريل/ نيسان 2023، وثّق أكثر من 400 حالة عنف جنسي، حسب ما قالت «المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقيّ» (شبكة صيحة) مشيرة إلى أن 23.8 % من مجمل الحالات هي لطفلات. كما تحدثت عن اغتصابات جماعية، وعمليات اختطاف واستعباد جنسي.
وحذرت من أن النساء والفتيات في السودان ما زلن يواجهن أبشع أشكال العنف والانتهاكات في ظل النزاع المستمر منذ أكثر من عامين، مبينة أن كثيرا من الضحايا والناجيات تعرضن لإصابات جسدية مروعة، وفقد العديد منهنّ حياتهنّ. ولفتت إلى الآثار النفسية والاجتماعية العميقة، التي تتركها هذه الجرائم وتزيد من معاناة الناجيات، وتحد من قدرتهن على التعافي وتلقي الخدمات.
وأشارت إلى أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع لا يطال الضحايا فقط، بل يمتد تأثيره إلى أسرهن ومجتمعاتهن بأكملها، مشيرة إلى أنه أداة ممنهجة لإخضاع النساء، وترهيب وتهجير المجتمعات.
ودعت إلى العمل بجدية من أجل محاسبة المتورطين في الانتهاكات، مضيفة:» أنه من المجحف النظر إلى معاناة النساء والفتيات كأثر جانبي للحرب، أو تجاهل أصواتهن في مسارات العدالة والمحاسبة والوصول للسلام».
وشددت على إن «الجدية في ضمان المحاسبة والمساءلة عن هذه الانتهاكات شرط أساسي لإنهاء دوائر العنف الممتدة في السودان، وتحقيق سلام دائم وشامل».
وكانت «شبكة صيحة» قد اتهمت قوات «الدعم» بارتكاب جرائم ضد النساء والفتيات، بما في ذلك حملات واسعة النطاق من العنف الجنسيّ.
واعتبرت تلك الجرائم جزءا من استراتيجية واسعة النطاق استخدمتها قوات الدعم السريع لإرهاب وترويع سكان دارفور على مدى السنوات العشرين الماضية واستمرت في استخدامها في الحرب الحالية ضد المدنيين في الخرطوم ومناطق غرب شمال ووسط وجنوب دارفور.

ربعها استهدف طفلات … وشملت اغتصابات جماعية

وحسب تقرير نشرته (يونيسف) في مارس/ آذار الماضي، رصدت حالات اغتصاب طالت رضعا لا تتجاوز أعمارهم عاماً واحداً، في خضم الصراع الذي يعم السودان، مشيرة إلى «أن ملايين الأطفال في السودان يواجهون خطر الاغتصاب وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي في انتهاك مروع للقانون الدولي الذي يرقى إلى مستوى جريمة حرب».
وبينت أن حالات العنف الجنسي ضد الأطفال تتصاعد أثناء غزو المدن ومداهمات منازل الناس وعند الفرار من الخطر أو خلال الاحتجاز.
وأدانت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السـودان الاعتداءات الممنهجة ضد الفتيات والنساء السودانيات، محذرة من أن الحروب لا تخاض على أجساد النساء.
وطالبت بضغط دولي واسع لإيقاف تلك المنظمة».
وأكدت أن جريمة الاغتصاب جريمة كبيرة ومعقدة، لا ينتهي تأثيرها على الضحية، وأنه بخلاف الأذى الجسدي يستمر الأذى النفسي لفترات طويلة وقد يستمر مدى الحياة، وقد يؤدي إلى الانتحار إن لم تتلق الضحية السند المناسب. ويمتد الأذى ليشمل الأسرة التي تعاني كثيراً جراء ذلك والمجتمع الذي يفقد الأمن والأمان.
واتهمت «الدعم السريع» باستخدام الاغتصاب كسلاح في حروبها، مشيرة إلى أن ذلك حدث خلال حرب دارفور وفض اعتصام المدنيين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في 3 يونيو/ حزيران 2019، وأن تلك القوات عادت واستخدمته خلال الحرب الدائرة في الخرطوم ومناطق أخرى في السودان.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في بيان، الخميس، إن الناجيات من العنف الجنسي في السودان يواجهن معاناة لا توصف، مع محدودية فرص حصولهن على الرعاية والحماية والعدالة.
وأكد على ضرورة العمل لتوفير الوقاية والرعاية والحماية للناجيات من العنف الجنسي في السودان.
وتفتقر الناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في السودان إلى الرعاية الكافية، بما فيها الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية والرعاية النفسية الاجتماعية، إلى جانب استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمستجيبين الأوائل الذين يوثقون الانتهاكات ويقدمون الخدمات للناجين.

(القدس العربي) \ اليراع

استراتيجية ترامب في أفريقيا.. تهديد للأمن الداخلي للقارة؟

تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية تعديل استراتيجيتها العسكرية في أفريقيا، داعية دولها إلى تحمل المسؤولية. ويرى خبراء أن هذا التحول قد يمنح الجماعات المتطرفة في القارة فرصة للتوسع، فهل تنجح الدول الإفريقية في تأمين نفسها؟

لاقى تصريح صدر عن قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، الجنرال مايكل لانغلي، مؤخرا الكثير من الاهتمام في أفريقيا. وكان مفاد التصريح أن “على أفريقيا تحمّل مسؤولية أكبر تجاه تحدياتها الأمنية”.

تزامن ذلك مع قيام الولايات المتحدة بإعادة تشكيل استراتيجيتها العسكرية في أفريقيا، ما يحمل في طياته تحولا جذريا في نهج واشنطن تجاه أمن القارة الأفريقية.

ويأتي هذا التحول في إطار تغيير استراتيجي أوسع شرع فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع عودته مجددا إلى البيت الأبيض. وتتمحور استراتيجية ترامب حول إيلاء الأهمية والأولوية للأمن الداخلي مع تقليل التواجد العسكري الأمريكي خارج البلاد، بما في ذلك أفريقيا.

بيد أن السؤال الملح الذي يطرح نفسه الآن يتمثل في تداعيات هذا التغير في الاستراتيجية الأمريكية على أفريقيا.

أفريقيا.. “تزخر بالشباب والموارد”

تحظى أفريقيا بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة نظرا لما تمتلكه من قوة بشرية هائلة وموارد طبيعية ضخمة.

يرى أديب ساني، الخبير البارز في الشأن الأفريقي، أن أفريقيا تُعد “شريكا استراتيجيا بفضل التعداد السكاني الشبابي الذي تمتلكه، والذي يُتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2045 وفقا للتوقعات الاقتصادية”.

وفي مقابلة مع DW، أضاف ساني أن “أفريقيا هي قارة غنية وتزخر بموارد معدنية هائلة واحتياطيات استراتيجية مثل اليورانيوم، الذي تعتمد عليه الكثير من دول العالم من الشرق إلى الغرب”.

وأشار إلى أن 11 دولة من الدول الأفريقية تُعد من أسرع 20 اقتصادا نموا في العالم عام 2024، قائلا: “تتعاون الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى مع أفريقيا ليس فقط بدافع حسن النية، ولكن لأن القارة  تزخر بموارد طبيعية هامة تُعد ركيزة حركة التصنيع في جميع أنحاء العالم”. وأضاف أن “هذا يجعل العلاقات بين أفريقيا ودول العالم مربحة للجانبين”.

ورغم ذلك، فقد حذر خبراء من تداعيات استراتيجية ترامب العسكرية، التي لن تُولي الكثير من الاهتمام لحماية الولايات المتحدة من التهديدات الخارجية، بما في ذلك مكافحة تنظيمات إرهابية مثل “داعش ” و”القاعدة”، اللذين توسعا في القارة السمراء.

لعبت الولايات المتحدة دورا بارزا في الشق الأمني في العديد من بلدان القارة السمراء مثل الصومال.صورة من: Senior Airman Kristin Savage/Combined Joint Task Force – Horn of Africa/AP Photo/picture alliance

“تقاسم عبء” الأمن

وقبل ترامب، كانت الاستراتيجية الأمريكية بشأن أفريقيا تمزج بين الدفاع والدبلوماسية والتنمية.

وفي هذا السياق، قال ساني إن الولايات المتحدة “كانت شريكا وثيقا في مكافحة التطرف، خاصة في شرق وغرب أفريقيا. اعتمدنا بشكل كبير على ما تقدمه واشنطن في مجالات اللوجستية والتدريبات وتبادل المعلومات الاستخباراتية لمواجهة هذه التهديدات”.

وأضاف أنه “فيما يتعلق بالأمن البشري، قدّمت الولايات المتحدة مساهمات عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  وبرامج أخرى ساعدت في انتشال الكثيرين من براثن الفقر”.

وقال الجنرال مايكل لانغلي إن أولويات الجيش باتت تتركز الآن على حماية الوطن، داعيًا إلى “تقاسم الأعباء” مع الحلفاء الأفارقة.

وأوضح أن الهدف هو بناء قدرات عسكرية محلية لتنفيذ عمليات تقوم بها بلدان القارة بشكل مستقل، بما يُسهم في تقليل الاعتماد على القوات الأمريكية.

وبرز هذا التحوّل في مناورات “الأسد الأفريقي”، التي تُعد أكبر تدريبات عسكرية مشتركة تُجرى سنويا في القارة، بمشاركة أكثر من 40 دولة.

ففي نسختها الخامسة والعشرين، تقلّصت المشاركة الأمريكية، على عكس المناورات السابقة، حيث جرى التركيز على التعاون والتنسيق.

“ضربة قاسية لنا”

وعلى وقع ذلك، حذر أديب ساني من أن تقليص الوجود الأمريكي قد يُحدث فراغا في السلطة، مما يشجع حركات مسلحة ويقوّض جهود مكافحة الإرهاب التي امتدت لعقود. وقال “إذا سحبت الولايات المتحدة دعمها، فسيكون ذلك بمثابة ضربة قاسية لنا. قد يُشجّع ذلك التنظيمات الإرهابية على شنّ هجمات أكثر فتكا وجرأة، لأنها ستُدرك غياب دعم أكبر قوة في العالم.”

وأضاف “سوف يُضعف ذلك معنويات جيوشنا وجنودنا، الذين يتعيّن عليهم مواجهة تهديدات على مدار الساعة، وسيمثل ذلك أيضا عبئا اقتصاديا اضافيا يُثقل كاهل البلدان الأفريقية التي تواجه تهديدات أمنية”.

الجدير بالذكر أن قوام القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” يبلغ 6500 فرد في أنحاء القارة، مع ضخ استثمارات بمئات الملايين في شكل مساعدات أمنية.

ويقول ساني إنه مع تقليل حجم هذه القوات، فإن أفريقيا ربما “لن تتمكن من تحقيق استقلالها الأمني الكامل وسيكون الأمر صعبا من حيث الاعتبارات اللوجستية والتكنولوجية؛ إذ إننا ببساطة لم نصل بعد إلى مرحلة (الاستقلال الأمني).”

وشدد ساني على أن “الأمن هو مسؤولية مشتركة، ويصبح أقوى من خلال تعزيز التعاون بين أطراف عدة. أرى أن أفريقيا لا يمكنها القيام بذلك بمفردها”.

الساحة مفتوحة أمام روسيا والصين

ويقول خبراء إنه في ضوء ذلك، ستضطر أفريقيا إلى البحث عن حلفاء آخرين ليسوا حديثي العهد بالقارة.

يُشار إلى أن الصين قد أطلقت برنامج تدريب عسكري مكثف في أفريقيا، في محاكاة للنموذج الأمريكي، بينما يزداد تواجد المرتزقةالروس في شمال وغرب ووسط أفريقيا، في شكل “شركاء أمنيين رئيسيين”.

وقال ساني إن نهج الصين في السابق في أفريقيا كان “يعتمد على الشق الاقتصادي بشكل رئيسي”، مضيفا أن الولايات المتحدة ركّزت بشكل أساسي على الدعم العسكري، بالإضافة إلى تقديم الدعم الاقتصادي.

وأشار إلى أن “الروس يحظون بتواجد قوي من خلال الانخراط العسكري والاقتصادي. بات الأمر بمثابة حلبة تنافس. ويحمل في طياته رسالة جلية مفادها أن هناك حاجة لتنويع التحالفات. لا يمكننا الاعتماد فقط على الولايات المتحدة؛ قد نحتاج أيضا إلى تعزيز التعاون مع روسيا وغيرها”.

“جرس إنذار”

يقول خبراء إن تقليص الولايات المتحدة وجودها في أفريقيا يجب أن يكون جرس إنذار لبلدان القارة، ما يجبرها على الاستفادة من قدراتها ومواردها بما يعزز من قدرتها على مواجهة التحديات بنفسها.

وقال ساني إنه يجب على الدول الأفريقية الآن “اغتنام الفرصة لمراجعة مواردها الأمنية وتعزيز التعاون بشكل كبير”.

وأضاف أن “بناء صناعة دفاعية (بأيدٍ أفريقية) يُعد أمرا بالغ الأهمية. هذا يعني تطوير القدرات الصناعية وتعزيز قدرات الجيوش الأفريقية. نحن بحاجة أيضا إلى محاربة الفساد لضمان عدم إهدار الأموال لتحسين استغلالها لصالح حياة شعوب القارة”.

اللاجئون السودانيون يواجهون مسارات محفوفة بالمخاطر بحثا عن ملاذ آمن

الخرطوم  لم تكن رحلة فرار بحرالدين يعقوب، الشاب السوداني البالغ من العمر 25 عاما، مجرد هروب من العنف الذي دمر منزله في الخرطوم وقتل أربعة من أصدقائه، بل تحولت إلى مسار طويل من التنقل بين البلدان والمخاطر، في سبيل الوصول إلى ملاذ آمن يستطيع فيه أن يبدأ حياة جديدة.

يعقوب ليس حالة فردية، بل نموذج لموجة متنامية من اللاجئين السودانيين الذين تدفعهم ظروف الحرب المستمرة في بلادهم إلى عبور طرق محفوفة بالمخاطر، من السودان إلى مصر، ومن ثم إلى ليبيا، وأخيرا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

ومنذ اندلاع الصراع في السودان في أبريل 2023، فرّ الملايين من السودانيين إلى دول الجوار، وتوجه عدد كبير منهم إلى مصر التي استقبلت أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوداني. لكن التحديات التي واجهتهم هناك، لاسيما على مستوى الحصول على إقامة قانونية أو فرص عمل مستقرة، دفعت عددا من اللاجئين إلى البحث عن خيارات أخرى.

وبالنسبة للكثيرين، لم تكن النية الأصلية هي مغادرة مصر، بل الاستقرار والعيش فيها، لكن الصعوبات التي واجهوها دفعت بعضهم إلى الانتقال إلى وجهات أخرى، مثل ليبيا، ومنها إلى أوروبا.

ولم تكن رحلة يعقوب بعد وصوله إلى مصر مطلع عام 2024 سهلة، حيث قضى أياما في الشوارع بانتظار التسجيل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ثم انتقل إلى السكن في شقة صغيرة مكتظة، وعمل في وظائف غير منتظمة.

التحديات لا تتوقف عند المغادرة بل تمتد إلى محطات اللجوء، حيث يصبح إيجاد بيئة آمنة أولوية حتى وإن تطلبت المخاطرة

وقد وجد نفسه في وضع قانوني غير مستقر، مما جعله يشعر بعدم الأمان، فقرر مواصلة الرحلة باتجاه ليبيا، ومنها إلى أوروبا.

وكان هذا القرار، رغم خطورته، في نظره محاولة للهروب من وضع صعب نحو مستقبل مجهول، لكنه يحمل أملا بالأمان.

وتشير روايات لاجئين وعاملين في المجال الإنساني إلى أن أعدادا متزايدة من السودانيين بدأت بالفعل تتجه من مصر إلى ليبيا منذ مطلع عام 2024.

وبحسب تقديرات مسؤولين محليين في شرق ليبيا، فإن ما بين 20 و25 ألف سوداني عبروا الحدود خلال تلك الفترة.

وعلى الرغم من أن الطريق الصحراوي محفوف بالتحديات، فإن كثيرين رأوه كخيار لا بديل له في ظل انعدام فرص الاستقرار في أماكن أخرى.

وفي ليبيا، سعى يعقوب، كغيره من اللاجئين، إلى إيجاد طريق للعبور إلى أوروبا. وبعد شهرين من الانتظار، استقل قاربا مطاطيا مع نحو خمسين شخصا، أغلبهم سودانيون، متجهين نحو جزيرة كريت اليونانية.

وهذه الرحلة عبر البحر ليست جديدة، لكنها تشهد مؤخرا ارتفاعا في عدد السودانيين الذين يسلكونها.

وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى زيادة بنسبة 134 في المئة في أعداد الوافدين السودانيين إلى أوروبا في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، رغم تراجع العدد الإجمالي للمهاجرين القادمين من شمال أفريقيا.

ويظهر هذا التحول في مسار اللاجئين السودانيين أن التحديات لا تتوقف عند مغادرة الوطن، بل تمتد إلى محطات اللجوء المختلفة، حيث يصبح إيجاد بيئة آمنة ومستقرة أولوية قصوى، حتى وإن تطلب الأمر خوض مغامرات خطيرة.

وفي هذا السياق، تتقاطع الجهود الدولية والإقليمية لمعالجة قضايا الهجرة واللجوء، من خلال دعم برامج الحماية والاستقرار.

ولا يحمل يعقوب، الذي وصل أخيرا إلى مخيم خارج العاصمة اليونانية أثينا، توقعات كبيرة، لكنه يشعر بشيء من الطمأنينة بعد كل ما مر به.

ويقول ببساطة “إذا وفرت لي اليونان الأمان والاستقرار، فسأبقى.” هذه العبارة تختزل مسارا طويلا من الألم، لكنها تعبر أيضا عن تطلّع مشروع لدى أي إنسان فرّ من الحرب بحثا عن حياة كريمة.

وتشكل قصة يعقوب جزءا من سردية أكبر للاجئين السودانيين الذين لم يعودوا يبحثون فقط عن النجاة، بل عن مكان يمنحهم فرصة البدء من جديد.

وفي عالم يتغير بسرعة، وتحت ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، يبقى مطلبهم بسيطا: الأمان.

وتأتي معاناة اللاجئين السودانيين ضمن موجة نزوح كبرى تعيد رسم خارطة اللجوء في الإقليم، بفعل تفاقم النزاعات الداخلية في السودان وتقلص قدرة الدول المجاورة على الاستيعاب.

ولم تترك الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 فسحة للمدنيين سوى الهروب، لكنها أيضا فرضت على المجتمعات المستقبلة تحديات معقّدة، إذ تزامنت مع أزمات اقتصادية مستفحلة وأجواء سياسية مشحونة في عدة دول من شمال أفريقيا.

وعلى الرغم من أن مصر وليبيا شكّلتا تاريخيا نقاط عبور أو استقبال مؤقتة للاجئين من القرن الأفريقي والسودان، إلا أن تعقيد المشهد السياسي والضغوط الدولية المتزايدة المرتبطة بالهجرة غير النظامية، أدّيا إلى تغيّر في أنماط التحرك، وأعادا توجيه الكثيرين إلى مسارات أكثر خطورة.

وتعتبر هذه المسارات، وإن كانت غير رسمية أو شديدة التحدي، في نظر اللاجئين المرهقين الملاذ الوحيد المتاح.

ويتوازى ذلك مع محدودية الأطر الإقليمية للتعامل مع موجات اللجوء الممتدة، إذ تفتقر المنطقة إلى آليات تنسيق فعالة على مستوى السياسات والهياكل المؤسسية لضمان الحماية والاستجابة السريعة. كما أن المنظومة الأممية نفسها تواجه ضغوطا مالية وتنظيمية، ما يحد من قدرتها على تقديم حلول مستدامة أو حتى تلبية الاحتياجات العاجلة للاجئين في مواقع تكدّست فيها الطلبات وتقلّصت فيها الموارد.

ومن ناحية أخرى، فقد أثّرت التحولات في السياسات الأوروبية تجاه ملف الهجرة واللجوء بشكل مباشر في اختيارات اللاجئين ومساراتهم. فالاتفاقيات الثنائية الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ودول عبور رئيسية تهدف إلى ضبط الحدود الخارجية وتقليص أعداد الوافدين، لكنها لا تقدم في الكثير من الحالات بدائل إنسانية حقيقية، مما يدفع بالمزيد من اللاجئين إلى اتخاذ قرارات تنطوي على مجازفات كبيرة.

ويقول محللون إن هذا الواقع ساهم في “دفع غير مباشر” نحو البحر كأحد المخارج القليلة المتاحة أمام من تقطّعت بهم السبل.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية الاعتراف بأن معظم اللاجئين السودانيين لا يغادرون وطنهم ولا يعبرون الحدود بدافع اقتصادي أو رغبة في الهجرة، بل اضطرارا خالصا تفرضه تهديدات مباشرة لحياتهم. وبالتالي، فإن مقاربتهم بوصفهم مهاجرين غير نظاميين فقط تفرّغ أزمتهم من بعدها الإنساني، وتؤدي إلى غياب الحلول الملائمة.

كما أن تصاعد وتيرة الهجرة السودانية عبر طرق جديدة يكشف عن خلل بنيوي في البيئة التي يفترض أن توفر الحماية والاحتواء. فحين يُدفع اللاجئ إلى التنقل من نقطة إلى أخرى، بحثا عن مجرد شعور بالأمان، فإن ذلك يعكس غياب استجابة متكاملة في دول العبور والاستقبال، وضرورة إعادة التفكير في سياسات اللجوء الإقليمية والدولية.

وتُعدّ الجغرافيا السياسية للسودان عنصرا حاسما في فهم ديناميات النزوح، إذ إن السودان بلد واسع يحدّه عدد كبير من الدول، مما يجعله نقطة تماس إقليمي متعددة الاتجاهات.

ومع نشوب الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باتت مناطق كاملة في البلاد غير قابلة للحياة، وأصبح الفرار منها مسألة وقت لا خيارا. هذا ما أدى إلى تشكل واحدة من أسرع أزمات اللجوء نموًا في العالم، حيث اضطر أكثر من أربعة ملايين شخص إلى عبور الحدود بحثا عن ملاذ مؤقت.

وتُضاف إلى هذه المعطيات الصعوبات الهيكلية داخل السودان ذاته، والتي تجعل من العودة الآمنة للاجئين في المدى القريب احتمالا ضعيفا. فحتى قبل الحرب، كان السودان يعاني من هشاشة اقتصادية، وغياب واضح للحوكمة الفعالة، وضعف البنية التحتية في معظم المناطق، ما جعل قدرة الداخل على احتواء النازحين محدودة للغاية، ودفع بالعبء الإنساني إلى الدول المجاورة.

ومن زاوية ديموغرافية، فإن غالبية الفارّين من السودان هم من الفئات الشابة، ممن يمتلكون قدرة جسدية ونفسية على تحمل مشقات التنقل الطويل والخطر.

رغم أن هذه الفئة تحمل طاقات كامنة ومهارات، فإنها غالبا ما تُقصى من سوق العمل أو الخدمات النظامية في دول العبور، ما يزيد من هشاشتها، ويدفع بها إلى الاعتماد على شبكات غير رسمية للعيش أو مواصلة الرحلة. هذا الواقع يجعلها عرضة للاستغلال، ويقلص من فرصها في بناء مستقبل مستقر.

وتتوزع الخرائط الاجتماعية لمجتمعات اللاجئين السودانيين بين الروابط التقليدية (القبيلة، العائلة، الجوار) وشبكات المهربين أو الوسطاء، الذين لعبوا دورا لافتا في تشكيل مسارات الهجرة منذ بدايات النزاع.

ومع غياب قنوات لجوء آمنة ومنظمة، فإن الاعتماد على هذه الشبكات غير الرسمية بات أمرا شائعا، رغم ما يرافقه من انتهاكات واحتيال ومخاطر حقيقية.

كيف يحصل المتطرفون في أفريقيا على الأموال التي يحتاجونها للبقاء على قيد الحياة

باماكو – منذ تسعينات القرن الماضي تشهد منطقة غرب أفريقيا ومنطقة الساحل انتشارا متزايدا للجماعات الإسلامية المتشددة، التي باتت تشكل تحديا أمنيا معقدا يتداخل مع عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب برزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كأحد أخطر التنظيمات المسلحة التي تنشط في هذه المنطقة، ليس فقط بسبب عملياتها الإرهابية، بل أيضا بسبب قدرتها على استغلال الأوضاع المحلية وإعادة تنظيم نفسها بشكل مستمر لتعزيز نفوذها.

وظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين رسميا عام 2017 في مناطق تمتد بين الجزائر ومالي، لكنها لم تكن ظاهرة جديدة بالمعنى الكامل، بل نتيجة لتلاحم عدة فصائل متشددة سبق لها أن نشطت في المنطقة، وتوحيد جهودها تحت راية واحدة.

وجاءت هذه الخطوة استجابة لرغبة هذه الفصائل في توسيع نطاق عملياتها وتعزيز قدرتها على فرض سيطرتها في مناطق واسعة من الساحل، مستفيدة من البيئة الأمنية الهشة، حيث تعاني حكومات المنطقة من ضعف المؤسسات، وعدم القدرة على تأمين أراضيها ومواطنيها.

وفي عام 2018 أدخلت الأمم المتحدة هذه الجماعة ضمن تنظيم القاعدة، في مؤشر على ارتباطها بشبكة إرهابية دولية، لكن الواقع يشير إلى أن هذه الجماعة تتبع نهجا أكثر تعقيدا، إذ تجمع بين العنف والتكتيكات السياسية والدبلوماسية في الوقت نفسه.

ولفهم أسباب صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين يجب النظر إلى السياق السياسي والاجتماعي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث تتركز الدول الأكثر تأثرا بانتشار الجماعات الإسلامية المتشددة، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وتشهد هذه الدول توترات عميقة تنبع من النزاعات العرقية، خصوصا بين قبائل الفولاني والطوارق، إضافة إلى النزاعات بين الرعاة الرحل والمجتمعات الزراعية المستقرة.

وفي ظل هذا المناخ المتوتر تلعب الجماعة دورا مزدوجا، فهي تستغل هذه الخلافات لتجنيد مقاتلين، كما تقدم نفسها كبديل عن الحكومات التي يعاني سكان المناطق النائية من ضعف خدماتها وغياب الأمن، ما يزيد من شعور التهميش والاستبعاد. ولا يعتبر التمرد الجهادي في المنطقة ظاهرة عسكرية فقط، بل هو انعكاس لصراعات أعمق تتعلق بالهوية والعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية.

وتعتمد الجماعة على خطاب ديني متشدد، لكنها في الوقت ذاته تمارس أنشطة غير تقليدية مثل فرض رسوم على السكان المحليين، وإدارة مناطق نفوذها وفق قوانينها الخاصة التي تستند إلى تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية. ويخلق هذا الوضع واقعا موازيا يتحدى سلطة الدولة ويضع السكان المدنيين تحت ضغوط متعددة.

التعاون الإقليمي والدولي يظل ركيزة أساسية في مجابهة مثل هذه الجماعات، حيث يساعد على توحيد الجهود الأمنية والاستخباراتية وتبادل المعلومات

ومن الناحية العسكرية، لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين سجل طويل في شن هجمات ضد القوات الأمنية، لكن ما يميزها هو استهدافها المتكرر للمدنيين، بالإضافة إلى إقامة نقاط تفتيش تفرض من خلالها ضرائب غير رسمية على السكان.

وفي بوركينا فاسو على سبيل المثال أثرت عمليات الجماعة بشكل مباشر على حياة السكان، إذ أغلقت المدارس في مناطق واسعة، ما أثر على تعليم الأطفال وأدى إلى نزوح مئات الآلاف من العائلات.

وبالرغم من حملات مكافحة التشدد التي تقودها جيوش محلية وإقليمية ودولية، تظل الجماعة قادرة على إعادة تجميع صفوفها بسبب شبكة علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية. وتتمحور قوة الجماعة المالية حول شبكة معقدة من الأنشطة غير المشروعة، التي تمثل العمود الفقري لاستمراريتها.

وأبرز هذه الأنشطة تعدين الذهب الحرفي غير النظامي، الذي يشكل مصدر دخل رئيسيا للجماعة. فبفضل سيطرتها على مناطق التعدين وطرق النقل، تحصل على عوائد مالية ضخمة تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات سنويًا.

ويتم تهريب الذهب إلى أسواق دولية، ما يصعب مهمة تتبع التمويل. وليس الذهب فقط ما يشكل مصدر دخل، بل إن الجماعة تعتمد كذلك على عمليات الاختطاف التي تستهدف الأجانب والمحليين على حد السواء، حيث تحصد أموالًا طائلة عبر دفع فديات ضخمة.

وتعد سرقة الماشية من الوسائل الاقتصادية المهمة التي تستخدمها الجماعة، وهي تعكس أيضا الصراعات الاجتماعية بين الرعاة والمزارعين، إذ تسرق الماشية ممن لا يتبع أجندة الجماعة، ثم تُباع في أسواق في مالي وموريتانيا والسنغال.

وتستخدم هذه الأموال لتمويل عمليات الشراء للأسلحة والآليات التي تحتاجها الجماعة لتنفيذ عملياتها. ولا يقتصر نشاطها على هذه الطرق، بل تلجأ إلى غسيل الأموال من خلال استثماراتها في المشروعات التجارية والبنوك المحلية، وكذلك عبر إقراض التجار.

وتغذي هذه الممارسات الاقتصاد غير الرسمي، وتمنح الجماعة سيولة مستمرة لتوسيع نشاطاتها. وقد أظهرت استعدادا لاستخدام العنف ضد كل من يعارض استثماراتها، ما يدل على مدى تغلغلها الاقتصادي في بعض المناطق.

وتتداخل هذه الديناميكيات مع التحولات الإقليمية والدولية، إذ يعد الساحل منطقة نفوذ محل صراع بين قوى عالمية مختلفة.

وشهدت السنوات الأخيرة انقلابات عسكرية متكررة في مالي وبوركينا فاسو، ما زاد من هشاشة الأنظمة وفتح الباب أمام تدخلات خارجية من جهات مثل روسيا، التي يقال إنها تدعم بعض الميليشيات عبر مجموعة فاغنر. ويعقد هذا الوضع الجهود الأمنية لمكافحة الجماعات المسلحة ويجعل من الصعب تحقيق استقرار طويل الأمد.

علاوة على التحديات الأمنية تعاني المنطقة من أزمات إنسانية متفاقمة، حيث تؤدي النزاعات المستمرة إلى نزوح داخلي واسع النطاق، وتدمير البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة

وعلاوة على التحديات الأمنية تعاني المنطقة من أزمات إنسانية متفاقمة، حيث تؤدي النزاعات المستمرة إلى نزوح داخلي واسع النطاق، وتدمير البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وفي ظل هذه الظروف تجد الجماعة بيئة خصبة لتجنيد المزيد من الأفراد الذين يبحثون عن بدائل للحياة في ظل غياب الدولة.

وللتصدي لهذه التحديات يقتضي الأمر اعتماد إستراتيجية شاملة تتجاوز الحلول العسكرية. ويجب أن تركز الجهود على تجفيف منابع التمويل، من خلال تنظيم عمليات التعدين الحرفي، وتعزيز المراقبة على تدفقات الأموال المشبوهة، وتحسين التعاون بين الأجهزة الأمنية وميليشيات الدفاع الذاتي المحلية.

ويجب أيضا تطوير أجهزة العدالة، وإنشاء محاكم متخصصة في قضايا الإرهاب وغسيل الأموال لتوجيه ضربات قوية لشبكات الدعم المالي.

ومن جانب آخر لا بد من الاستثمار في برامج تنموية تسهم في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، لإعادة بناء الثقة بين السكان والحكومات، وقطع الطريق أمام استغلال الجماعات المتشددة للمجتمعات المحلية.

ويظل التعاون الإقليمي والدولي ركيزة أساسية في هذه المعركة، حيث يساعد على توحيد الجهود الأمنية والاستخباراتية وتبادل المعلومات وتتبع التدفقات المالية عبر الحدود.

وفي النهاية، فإن مواجهة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتطلب إدراكا عميقا لطبيعة النزاع المركبة في الساحل وغرب أفريقيا، وتعاونا متعدد الأبعاد يجمع بين الأمن والتنمية والعدالة الاجتماعية. فدون معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، لن يكون من الممكن تحقيق استقرار مستدام أو الحد من التهديدات التي تمثلها هذه الجماعة للمنطقة بأسرها

تقارير تكشف أهداف زيارة مدير المخابرات الإثيوبي للسودان

كشفت مصادر سودانية رسمية، اليوم الأربعاء، أهداف زيارة مدير المخابرات الإثيوبي رضوان حسين، للسودان.
ونقل الموقع الإلكتروني “المشهد السوداني”، مساء اليوم الأربعاء، عن مصادر سودانية أن رضوان حسين، زار بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد، حاملا في حقيبته عدة ملفات مهمة، معتبرة الزيارة نقلة جديدة في علاقات البلدين بعد فترة من الجمود.
وبحثت زيارة مدير المخابرات الإثيوبي عدة ملفات مرتبطة بإثيوبيا والسودان، والتطورات في القرن الأفريقي ووقّعت اتفاقات بشأنها، وذلك بعد اتصالات ثنائية وبعد زيارة مدير المخابرات السودانية إلى أديس أبابا في وقت سابق.
وأكدت المصادر السودانية أن تلك الزيارة أزالت كثيرا من الرواسب، وصححت الصورة بشأن ما يجري في السودان، مشيرة إلى أن الطرفين تعهدا بعدم السماح بأي أنشطة أو أعمال معادية من أي بلد تجاه الآخر، والتعاون لتعزيز الاستقرار على جانبي الحدود لتحقيق مصالح الشعبين.
ولفتت إلى أن مصالح الشعبين تأتي عبر التبادل التجاري وحرية حركة مواطني الدولتين، ومنع أي تحركات سلبية يمكن أن تؤثر على الأمن والتنسيق بشأن الأوضاع في القرن الأفريقي.
ويشار إلى أن زيارة مدير المخابرات الإثيوبي إلى السودان قد رافقه خلالها الحاكم السابق لإقليم تيغراي، غيتاتشو ردا، الذي عُين مستشارا لرئيس الوزراء الإثيوبي للشؤون الأفريقية، حيث تعد هذه أول زيارة خارجية له.
وكان غيتاتشو ردا، قد عُيّن في 11 أبريل/نيسان الماضي مستشارا لرئيس الوزراء الإثيوبي للشؤون الأفريقية.
يشار إلى أن إثيوبيا التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي، سبق ووعدت بلعب دور إيجابي لإنهاء تعليق نشاط السودان في الاتحاد.
واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل/ نيسان 2023، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في مناطق متفرقة من السودان، مما أثر على الخدمات الصحية والأوضاع المعيشية للسودانيين خاصة في تفاقم أزمة النزوح داخليا وخارجيا.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم للقتال.

بانوراما الجزيرة نت الكوليرا تفاقم جرائم الدعم السريع والسودان يتمسك بالحياة

مع دخول الحرب عامها الثالث تتراجع قوات الدعم السريع ميدانيا، في حين تتصاعد الأزمة الإنسانية والانتهاكات. وفي الأثناء، يعود الحراك السياسي ويظهر خطاب جديد للدعم السريع مع تحول في موقف الاتحاد الأفريقي.

وتناولت الحلقة الجديدة من برنامج “بانوراما الجزيرة نت” المشهد المعقد في السودان، والذي تنكسر حدته قليلا بمشاهد الحج وعودة الجامعات.

وبينما تشتعل الحرب وتتمدد الفوضى تضرب الأوبئة جسدا منهكا وتسجل السلطة في الخرطوم ارتفاعا حادا في إصابات الكوليرا، وسط انهيار البنية التحتية وشح المياه النظيفة وعودة النازحين إلى مناطق مدمرة.

وفي ظل عجز المنظومة الصحية يهدد الوضع بتفشي أوسع للوباء. وحسب وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم، فإن عدد الحالات الأسبوعية للإصابة بالكوليرا يتراوح بين 600 و700 حالة.

وتنتقل الكارثة بثقلها إلى شمال دارفور، حيث عاد شبح المجازر ليطارد السكان، فقد أقدمت قوات الدعم السريع على حرق 3 قرى، وقتلت وجرحت العشرات من المدنيين ونهبت ممتلكاتهم.

وقال المتحدث باسم القوة المشتركة العقيد أحمد حسين مصطفى إن هذه الاعتداءات تهدف إلى تهجير السكان الأصليين.

وفي أم درمان، تم العثور على مقابر جماعية داخل مدرسة حولت إلى معتقل دفن فيه المئات من المدنيين الذين ماتوا وتعذيبا، وتكشف الصور والمعلومات الميدانية للجزيرة نت عن فظائع ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

انتهاكات بحق المرأة

كما برزت أرقام صادمة عن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق النساء السودانيات خلال الحرب، وكشف تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق عن أكثر من 1300 حالة عنف جنسي تشمل اغتصابات جماعية وحالات زواج قسري.

وطالبت منظمات حقوقية بهيكلة كاملة لآليات المحاسبة ترتكز على الضحايا وتشمل جميع مستويات المسؤولية، كما شددت على ضرورة استقلال السلطة القضائية ورفع الحصانات وتفعيل اتفاقيات حقوق الإنسان.

من جهة أخرى، وبالتوازي مع تراجعها في جبهات عدة تزداد المؤشرات على تصدع داخلي في قوات الدعم السريع نتيجة بنيتها القبلية وتدهور مواردها المالية.

ورصد تقرير للجزيرة نت تحليلات تشير إلى أن انهيار القيادة أو التمويل قد يؤدي إلى تفكك الدعم السريع إلى مجموعات مسلحة منفلتة، مما يهدد بتحول النزاع إلى حرب أهلية مفتوحة.

وفي تطور لافت، أعلن رئيس المجلس الاستشاري للدعم السريع حذيفة أبو نوبة ما وصفه بانتهاء المعركة العسكرية التقليدية مع الجيش، مؤكدا بدء مرحلة تأسيس دولة جديدة، وهو ما قوبل بقلق واسع من محللين اعتبروا أن هذا التحول يحمل أخطار التقسيم ويفتح بابا لتكرار سيناريوهات اليمن أو ليبيا.

سياسيا، لم ينج تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسا للوزراء من الجدل، فبينما اعتبره البعض خطوة حكم مدني انتقالي عده آخرون شخصية تابعة للتيار الإسلامي أو واجهة مدنية.

بعد تفشي الكوليرا.. السودان على حافة “كارثة صحية شاملة”

قضى 70 شخصا في الخرطوم وحدها وأصيب 2119 خلال يومين جراء تفشي الكوليرا، ومسؤولة أممية تحذر من أن “السودان على حافة كارثة صحية عامة شاملة”. وأُجبر حوالي 90 في المئة من مستشفيات البلاد في مرحلة ما على الإغلاق بسبب المعارك.

أعلنت وزارة الصحة في ولاية  الخرطوم  اليوم الخميس (29 مايو/أيار 2025) تسجيل 942 حالة إصابة جديدة و25 وفاة الأربعاء، غداة تسجيل 1177 حالة إصابة و45 وفاة الثلاثاء.

وقالت وزارة الصحة ولاية الخرطوم، في التقرير الوبائي اليومي الذي أوردته وكالة السودان للأنباء (سونا) إن نسبة الشفاء وسط المصابين بالكوليرا بمراكز العزل بلغت 89%، محذرة من أن تدهور الظروف البيئية يؤدي إلى ارتفاع حالات الإصابة.

وأعلنت وزارة الصحة السودانية عن 172 حالة وفاة خلال الأسبوع المنتهي يوم الثلاثاء، 90 % منها في ولاية الخرطوم.

منذ آب/ أغسطس 2024  سجّلت السلطات الصحية أكثر من 65,000 حالة إصابة وأكثر من 1,700 حالة وفاة في 12 ولاية من أصل 18 في السودان.

وسجلت ولاية الخرطوم وحدها أكثر من 7,700 إصابة، منها أكثر من 1,000 حالة لأطفال دون الخامسة، و185 حالة وفاة منذ كانون الثاني/ يناير الماضي. 

وأتى ارتفاع حالات الإصابة  بالكوليرا بعد أسابيع من  ضربات بالطيران المسيّر  نُسبت إلى  قوات الدعم السريع، أدت إلى انقطاع إمدادات المياه والكهرباء في أنحاء العاصمة.

مئات الوفيات وآلاف الإصابات في موجة تفشي الكوليرا في السودانصورة من: Zhang Meng/Xinhua News Agency/picture alliance

تضرر البنى التحتية للصحة والصرف الصحي بسبب القتال

وشهدت الخرطوم الكبرى معارك معظم العامين الماضيين  خلال الحرب  بين  الجيش  وقوات الدعم السريع. وأعلنت الحكومة المدعومة من الجيش بقيادة  عبد الفتاح البرهان  الأسبوع الماضي أنها أخرجت قوات الدعم السريع  من آخر مواقعها في ولاية الخرطوم بعد شهرين على استعادة قلب العاصمة  منها. ولحقت بالمدينة أضرار جسيمة فيما البنى التحتية للصحة والصرف الصحي بالكاد تعمل.

وأُجبر حوالي 90 في المئة من مستشفيات البلاد في مرحلة ما على الإغلاق بسبب المعارك، بحسب نقابة الأطباء، فيما تم اقتحام المنشآت الصحية بشكل دوري وقصفها ونهبها.

وفاقم تفشي الكوليرا الضغط على نظام الرعاية الصحية.

 الحرب في السودان: لا نهاية تلوح في الأفق وكارثة إنقسام وشيك

الخميس، قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة  أنطونيو غوتيريش ، إن التلقيح ضد الكوليرا بدأ في جبل أولياء، المنطقة الأكثر تضررا في الخرطوم.

وتابع دوجاريك “إن منظمة الصحة العالمية سلّمت أكثر من 22 طنا من إمدادات (الاستجابة) للكوليرا والرعاية الصحية الطارئة استجابة للجهود المحلية”.

أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى وجود “تباينات كبيرة” في بيانات رسمية “ما يصعّب إجراء تقييم للحجم الحقيقي للتفشي”.

يعد وباء الكوليرا متوطنا في السودان لكنه يتفشى بشكل أسوأ بكثير وأكثر تكرارا منذ اندلعت الحرب.

“السودان على حافة كارثة صحية عامة شاملة”

وقالت مديرة لجنة الإنقاذ الدولية في السودان اعتزاز يوسف إن “السودان على حافة كارثة صحية عامة شاملة”.

وأضافت أن “مزيجا من النزاع والنزوح وتدمير البنى التحتية الحيوية، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، يغذّي عودة تفشي الكوليرا وأمراض قاتلة أخرى”.

وأودت الحرب التي دخلت عامها الثالث بين الجيش وقوات الدعم السريع بعشرات الآلاف وأدت إلى نزوح 13 مليون شخص متسببة بأكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.

ونزح ما لا يقل عن ثلاثة ملايين شخص من ولاية الخرطوم وحدها، لكن أكثر من 34000 شخص عادوا إليها منذ أن استعاد الجيش السيطرة عليها خلال الأشهر الماضية، وفقا لأرقام الأمم المتحدة.

وعاد معظمهم ليجدوا منازلهم مدمرة بسبب المعارك، ومن دون أي إمكان للوصول إلى مياه نظيفة أو خدمات أساسية.

وبحسب صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) فإن أكثر من مليون طفل معرضون للخطر  في المناطق التي سُجّل فيها تفشٍ للكوليرا في الخرطوم.

المصدر:دوتشه فيلا

سبوتنيك: بعد تعيين رئيس وزراء مدني.. هل اقترب السودان من العودة لعضوية الاتحاد الأفريقي؟

أثار ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بتعيين رئيس وزراء مدني في السودان، تساؤلات كثيرة حول مغزى الترحيب وهل هو إعلان صريح باقتراب الخرطوم من استعادة عضويتها كاملة في الاتحاد والتي تم تجميدها بعد إجراءات رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول من العام 2021.
هل الترحيب الأفريقي إعلان بعودة السودان للاتحاد الأفريقي في أقرب وقت أم أنه تشجيع لكي تتخذ السلطة الحالية مزيدا من الإجراءات لإعادة السلطة إلى حالتها الطبيعية.. هل تتراجع مفوضية الاتحاد الأفريقي عن هذا التوجه إذا ما صادفت ضغوطا شعبية وإقليمية؟
بداية، يقول الدكتور أحمد المفتي، الحقوقي السوداني، مدير مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان: “لا أعتقد أن يتراجع الاتحاد الإفريقي عن ترحيبه برئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، والسبب الرئيسي هو ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة بالتعيين، وما الاتحاد الإفريقي إلا محفل إقليمي يخضع للأمم المتحدة وهو المحفل الدولي.

لا مجال للتراجع

وأضاف المفتي في حديثه لـ”سبوتنيك”: “في تقديري أن الاتحاد الإفريقي يسعى لتدارك موقفه السابق لأنه كان متعسفا، لأن كل العالم يتعامل حاليا مع حكومة البرهان على اعتبار أنها حكومة أمر واقع، أنقذت السودان من الموقف الحرج الذي كان يمكن أن يواجهه، إذا لم لم يصدر البرهان خطاب 25 أكتوبر 2021، بل قدم استقالته كما فعل حمدوك”.
وحول إمكانية تراجع الاتحاد الأفريقي عن ترحيبه بتعيين رئيس حكومة مدني وإمكانية التراجع عن هذا التوجه، يقول المفتي: “لا أعتقد أن الاتحاد الأفريقي يمكن أن يتراجع عن تصريحاته المرحبة بتعيين رئيس الحكومة المدني في السودان، لأن ما صدر عن الاتحاد يشبه الطلقة التي خرجت من البندقية ولا يمكن أن تعود لها مرة أخرى ولا يمكن استعادتها، لذا فإن الاتحاد سوف يستمر في هذا التوجه حتى وإن حدثت معارضة، علاوة على أن الاتحاد منظمة إقليمية دولية وقد رأينا أيضا ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الشأن، ليس هذا فقط، بل إن أمريكا التي فرضت العقوبات الأخيرة على السودان رحبت بتعيين رئيس حكومة مدني”.

تحديات كبرى

من جانبه، يقول المحلل السياسي السوداني، وليد علي: “إن تعيين كامل ادريس رئيسا للوزراء و تكليفه بتشكيل حكومة، جاء في وقت لا نستطيع الجزم حول مدى فائدته للسودان أو للشعب السوداني، لأن الأوضاع الأمنية تسببت في اختلال أجهزة ومؤسسات الدولة و لا أعرف كيف سيدير، و من أي مدينة سوف يقوم بتفعيل مؤسسات الدولة المعطلة، و أعتقد أن (كامل ادريس) كان سينجح في قيادة الحكومة بشكل جيد جدا، لو تم اختياره بعد توقف الحرب و الوصول لاتفاق سلام ينهي حالة عدم الدولة الماثلة الآن، و التي لا يمكن إنكارها بالقول أإن جمهورية السودان لها نظام إداري و هياكل سلطة تنفيذية وأخرى تشريعية و قضائي،ة بالنسبة للمواطن هذه الهياكل و المؤسسات هي التي تقدم الخدمات التي توجد الدولة لأجلها”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “كنت أظن أن البرهان سوف يكتفي حتى انتهاء الحرب بإدارة البلاد منفردا، تحت ذريعة حالة الحرب الطارئة التي تكبل البلاد وتضغط على ما تبقى من موارد العباد المطحونين تحت وفوق ركام المدن السودانية، حيث لا علاج ولا أمن ولا خدمات أساسية من ماء و كهرباء وتعليم”.

وتابع علي: “السؤال الكبير الذي على (كامل ادريس و البرهان) أيضا إجابته هو ماذا هم فاعلون أمام هذه التحديات التي ذكرناها سلفا”.

الترحيب والتجميد

وأشار المحلل السياسي، إلى أن “البرهان ذهب لأبعد من تسمية رئيس وزراء وقام بتعيين سيدتين بمجلس السيادة في إجراء محير ولا يقدم شيئا غير المزيد من أعباء مادية سوف تفرض على خزينة الدولة، ولن يكون لهن دور في إدارة البلاد أو حتى سيادتها عطفا على أنهن معينات في مجلس السيادة المكتظ بالأعضاء سلفا”.
وأوضح علي، أن “الاتحاد الأفريقي أصدر مكتب رئيس مفوضيته بيان ترحيب فعلا، هذا لا يعني بالضرورة أنه ينوي رفع عقوبته بتجميد عضوية السودان فعلا، كل الذي أشار إليه السيد المفوض هو أن هذا يعتبر خطوة في إتجاه صحيح نحو تكوين حكومة مدنية، ولا اعتقد أنه سوف يمضي لأبعد من هذا التصريح في الفترة المقبلة حتى تتوقف الحرب، لأن هذه الحكومة مهما كانت على درجة مدنية كبيرة، إلا أنها لن تتخطى أجندة القوات المسلحة السودانية الحاكمة الفعلية للبلاد أو الحاكمة لما تسيطر عليه من أراضي بالبلاد، حيث أن ثلث البلاد لازال بيد قوات الدعم السريع و الحركة الشعبية قيادة الحلو و حركة تحرير السودان قيادة عبدالواحد محمد نور، وتخوض البلاد كلها في مستنقع من الفوضى وعدم الاستقرار و لا تلوح في الأفق بوادر حل منظور”.

الصراع المشتعل

وأشار المحلل السياسي، إلى أن “اعتراض القوى السياسية هو تعبير مفهوم عن هذا الوضع المختل، و مهما كانت نواياها إلا أن اعتراضها يعبر عن مخاوفها من خطوة تالية بفك تجميد عضوية السودان بالاتحاد الإفريقي وهذا ما لن يحدث في تقديري، لأن القوات المسلحة و الدعم السريع و حلفاؤهم قاموا بمخالفة صريحة لمبادئ الاتحاد الأفريقي بتنفيذ انقلاب في صبيحة 25 أكتوبر/تشرين أول من العام 2021 على حكومة اكتسبت شرعيتها من توافق سياسي تمت إجازته والتوقيع عليه من قبل الاتحاد الافريقي نفسه، ولا يعدو هذا البيان إلا تشجيعا على الاستمرار في تسوية داخلية تعيد الشرعية للحكومة عبر توافق سياسي آخر لابد أن يحدث حتى يخرج السودان من مطب تجميد العضوية”.
وقال علي: “بالعودة لتعيين كامل إدريس رئيسا للحكومة، فإنه من سوء حظ الشعب السوداني أن يتم تعيين شخص موهوب وذو رؤية كبيرة للتنمية في هذه الفترة المضطربة من تاريخ السودان، حيث لن تساعده ظروف البلاد على تقديم أفضل ما لديه، بجانب أنه سوف يفقد الإجماع المحتمل الذي قد يحدث عليه في حالة جاء اختياره بعد تسوية سياسية تنهي الصراع حول السلطة في السودان، والمؤسف أنه بقبوله هذا التعيين فقد انتهت فرص مشاركته في تهيئة أجواء إنهاء هذا الصراع، حيث أن العديد من المعارضين للجيش السوداني قد يعتبرونه ليس أكثر من سكرتير لقائد القوات المسلحة الفريق البرهان”.
دعت قوى سياسية سودانية الاتحاد الأفريقي إلى إعادة النظر في موقف مفوضه محمود علي يوسف المرحب بتعيين رئيس وزراء في السودان بقرار من قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
وجمد الاتحاد الأفريقي أنشطة السودان في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي نفذه البرهان وحميدتي على الحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك.
وقبل انعقاد القمة الأفريقية واجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي في فبراير/شباط الماضي، بأيام قدم السودان طلباً لرفع تجميد أنشطته مرفقاً خريطة طريق، لكن مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، بانكولي أديوي، رهن استئناف أنشطة السودان باتخاذ خطوات واضحة باتجاه تحول دستوري وديمقراطي في البلاد.
وتطمح السلطات في السودان بقيادة رئيس مجلس السيادة، في رفع التجميد عن السودان، وقامت خلال الفترة الماضية بعقد لقاءات غير رسمية مع مفوض الاتحاد الأفريقي، ومسؤولين في الاتحاد الأفريقي حسب “سودان تربيون”.
واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل/ نيسان 2023، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في مناطق متفرقة من السودان، تتركز معظمها في العاصمة الخرطوم، مخلفةً المئات من القتلى والجرحى بين المدنيين.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم للقتال.

هنا أم درمان.. عامان من الإتلاف المتعمد لصوت السودان

قبل اندلاع الحرب الحالية في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في 15 أبريل/نيسان 2023، كان وجود قوات الدعم السريع أمام مباني الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بأم درمان ضمن العديد من المواقع الإستراتيجية السودانية الأخرى، بهدف الحراسة والتأمين. لكن في أول أيام الحرب، احتلت تلك القوات مباني الهيئة وفرضت سيطرتها عليها التي دامت قرابة عام، حتى أعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة عليها في 12 مارس/آذار 2024.

في بيان إعادة السيطرة على هيئة الإذاعة والتلفزيون، قال المتحدث باسم الجيش السوداني “تمكنت قواتكم المسلحة، والقوات النظامية الأخرى، وأبناء بلادنا الذين يعملون جنبا إلى جنب معها، اليوم، من انتزاع مقر الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، ذاكرة ووجدان الأمة السودانية، من دنس مليشيا آل دقلو الإرهابية، والمرتزقة من الدول الأخرى”.

end of list

أثارت سيطرة قوات الدعم السريع على الإذاعة السودانية قلق وخوف الجهات الإعلامية والثقافية على الإرث الثقافي والتاريخي والمعرفي السوداني، المحفوظ منذ ما يقارب 100 عام داخل مباني الهيئة، في أرشيف مكتبة الإذاعة الصوتية.

وقد خاطبت نقابة الصحفيين السودانيين، في بيان لها بعد أسبوعين من سيطرة تلك القوات على مباني الإذاعة، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، وناشدتها أن هناك خطرا حقيقيا يتهدد مكتبتي الإذاعة والتلفزيون، داعية اليونسكو إلى التدخل لدى الطرفين المتقاتلين لإنقاذ هذا الإرث من الضياع. كما أدانت النقابة عدم احترام المؤسسات المدنية، وتحويل المؤسسات الإعلامية إلى ميادين للمعارك العسكرية، وطالبت قوات الدعم السريع بالخروج الفوري من مباني الإذاعة والتلفزيون.

إفناء مع سبق الإصرار

المسلمي البشير الكباشي، مدير مكتب الجزيرة في السودان، يقول حول الساعات الأولى عقب إعادة سيطرة الجيش على مباني الإذاعة “حين سارعت إلى الإذاعة بعد استعادتها من احتلال قوات الدعم السريع، الذي استمر 11 شهرا بعد اندلاع الحرب، وجدتها كتلة ضخمة متفحمة، خربة، ليست أكثر من أنقاض مكان اختفت معالمه”.

ويستطرد الكباشي “وأنت تدلف إليها عبر بوابتها الكبيرة، تستقبلك آثار القصف، وقبيل مدخلها مجزرة لسيارات عديدة احترقت تماما، ولكنك أمام مبناها الرئيس لن تجد ما تقول غير: كان هنا مبنى اسمه الإذاعة، أصبح أثرا بعد عين. الفناء طال كل شيء، المدخل ليس أكثر من كتل فحم، والمبنى ليس أكثر من أطلال. ولن تجد بداخلها إلا أرضا محروقة، كتلا مسودة من أثاث، ومكانا حلكا، دكنا، سحما، لن تبصر بداخله شيئا، فأنت في كهف حالك، تنبعث منه رائحة الإتلاف المتعمد، والإفناء المقصود”.

صورة للمبنى الرئيسي للإذاعة السودانية (الجزيرة)

هنا أم درمان من لندن

دقت ساعة بيغ بن معلنة مواعيد نشرة الأخبار في إستوديوهات الإذاعة البريطانية من لندن، وساد الصمت داخل إستوديو الأخبار، وخرج صوت مذيع النشرة عميقا وهادئا قائلا بثبات “هنا أم درمان”.

لثوان، خيم الصمت على صوت الميكروفون، وعقدت الدهشة ألسنة الزملاء في القسم العربي لإذاعة بي بي سي. عاد الصوت الرخيم مجددا بعد هنيهة، معتذرا لمستمعي الإذاعة البريطانية “وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي”.

ثم استدرك مصححا “هنا لندن، نشرة الأخبار، يقرؤها عليكم أيوب صديق”.

ويبدو أن الإعلامي السوداني، أيوب صديق، قد دهمه الحنين إلى مرابع حياته العملية الأولى بالإذاعة السودانية في أم درمان، التي بدأ العمل بها عام 1966 من خلال برنامجه الشهير “من أرشيف الإذاعة”، قبل التحاقه بإذاعة “بي بي سي” أواخر سبعينيات القرن المنصرم.

تأسست الإذاعة السودانية في الأول من مايو/أيار 1940، وكان الغرض منها الدعاية لمعسكر الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية. وكان تمويلها من ميزانية الدعاية البريطانية ووزارة المستعمرات. أول بث لها كان من غرفة صغيرة مساحتها 12 مترا مربعا، بمباني حي البوستة بمدينة أم درمان القديمة. بدأت الإذاعة بثها على الموجة المتوسطة 524 مترا، ثم في عام 1943 أدخلت الموجة القصيرة 31 مترا. وفي عام 1954 أضيفت موجة متوسطة جديدة سمحت بوصول بث الإذاعة إلى معظم أنحاء السودان والخارج، حتى انتقلت إلى مبانيها الحالية عام 1957. أنشئت مكتبة الإذاعة مع تأسيسها عام 1940، وأضيفت إليها مكتبة الإنتاج السينمائي في عام 1942.

في سبتمبر/أيلول 2023، قرعت نقابة الصحفيين السودانيين جرس الإنذار مجددا، في بيان آخر لها منذ اندلاع الحرب، مناشدة اليونسكو وجميع المنظمات العاملة في مجال حفظ التراث المادي والإنساني، لإنقاذ هذا الإرث وحمايته من الضياع، قائلة: “لا تزال الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون متوقفة عن العمل والبث، منذ 15 أبريل/نيسان الماضي، ويتواصل مسلسل اتخاذها ثكنة عسكرية مع مواصلة المعارك بداخلها، مما يشكل خطرا على ما تحمله من إرث تاريخي في مكتبتها المرئية والمسموعة، كونها تحتوي على إرث نادر”.

ويضيف البيان: “لقد أقدم الدعم السريع، منذ شهور -وفقا لشهادات متطابقة لشهود كانوا محتجزين بالمكان ذاته في وقت سابق- على تحويل مباني الإذاعة والتلفزيون إلى معتقلات، الأمر الذي يزيد من خطورة تدمير أو إتلاف أرشيف يقترب عمره من 100 عام، ويمثل إرثا سياسيا وثقافيا واجتماعيا للأمة السودانية”.

طارق البحر: إذاعة أم درمان ذات تاريخ عريق، خاصة أنها من أوائل الإذاعات في العالم العربي وأفريقيا (الجزيرة)

ذاكرة الأمة السودانية

يقول الدكتور طارق البحر، مدير إدارة الدراما بالهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، للجزيرة نت “إن الضرر الذي وقع على الإذاعة ضرر بليغ، يتكون من شقين: شق مادي يتعلق بالمنشآت، وخاصة المكتبة، وشق معنوي وقع على جميع أهل السودان، باعتبار أن مكتبة الإذاعة بشقيها التقليدي والرقمي، هي الذاكرة السمعية لأهل السودان. داخل هذه المكتبة يحفظ الإرث الثقافي والاجتماعي والسياسي، في ترتيب عال من الأرشفة لكل الحقب السياسية منذ الاستقلال، بالإضافة إلى الإرث الغنائي بمختلف ضروبه، من اللون الذي يعرف باسم “الحقيبة”، مرورا بالغناء الحديث، وحتى غناء الريف”.

ويواصل البحر “المحزن، وما لم يكن يتصوره إنسان، أن قوات الدعم السريع استهدفت مدينة أم درمان والمنافذ الثقافية بها، وعلى وجه الخصوص الإذاعة. لقد استهدفوا الثقافة السودانية والحياة الاجتماعية السودانية، من أجل إحلال ثقافات أخرى يحلمون بها، وهيهات! هنالك آلاف الساعات المسجلة في إذاعة أم درمان في مختلف التخصصات: الدراما، الموسيقى، الوثائقيات، المنوعات، الأفلام… وجميعها تعبر عن الحياة السودانية. إذاعة أم درمان (الذاكرة السمعية) ذات تاريخ عريق، خاصة أنها من أوائل الإذاعات في العالم العربي وأفريقيا. إعادة الألق وتعويض ضياع محتويات الإذاعة يتم بمساهمة المستمعين، من خلال تسجيلاتهم في مكتباتهم المنزلية الخاصة”.

ويتمنى الإذاعي الشهير طارق البحر أن يعاد إعمار الإذاعة في أسرع فرصة ممكنة. وحول إعادة تأهيل الإذاعة ومكتباتها، يقول الدكتور البحر: “يجب أن ننظر نظرة مستقبلية، منذ الآن، لمسألة التخزين داخل الإذاعة، ويجب الاستفادة من التقنية في إعادة ترميم الصوت وإعادة إنتاجه بالطرق الحديثة، حتى نحفظ تاريخنا السمعي”.

فالإذاعة، كما يقول البحر، تعتبر رمزا من رموز العزة والكرامة لأهل السودان، وهي إحدى منظومات البلد الثقافية والاجتماعية التي لم يتخل عنها إنسان السودان طيلة حياته. كما أن الإذاعة أدت دورا كبيرا في الفعل الاجتماعي، وتوحيد أهل السودان من خلال الغناء والموسيقى والبرامج ونشرات الأخبار، ومن خلال نشرة أخبار الوفيات، فقد عرف السودانيون أصقاع السودان من خلال نشرة الساعة الثامنة، التي تذيع أسماء الوفيات في مختلف أنحاء البلاد، التي كانت سبل التواصل بين أجزائها ليست سهلة. لذلك فهو يتمنى أن يكون هناك جهد رسمي وأهلي لإعادة إذاعة أم درمان إلى مكانها الطبيعي الأول.

صورة للخراب الذي لحق بأحد الإستوديوهات في مقر الإذاعة (الجزيرة)

حجم الضرر

يقول الدكتور إبراهيم محمد عثمان إبراهيم، مدير الإدارة العامة لتقانة المعلومات بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون “كنت من أوائل الذين دخلوا مباني الهيئة في ثاني أيام تحريرها لتقييم الوضع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لاحظت، منذ دخولي من البوابة الرئيسية لمباني الهيئة، أن مبنى الإذاعة محترق تماما، وعددا من العربات في الباحة الأمامية محترقة بالكامل. إستوديوهات الإذاعة كلها كانت عبارة عن مكان لحريق كبير. مبنى الإذاعة الرئيسي، الذي يضم الإستوديوهات وغرف الخوادم، مقسم إلى: إستوديوهات في الناحية الشمالية، الوسط الذي يضم مركز الأخبار، إستوديوهات في الناحية الجنوبية أصيبت بمجموعة من الدانات أدت إلى تدمير المبنى بالكامل، كل هذه المجموعات من الإستوديوهات دمرت تماما”.

وعن حجم الضرر الذي لحق بالإستوديوهات، يقول الدكتور إبراهيم “المنطقة الشمالية، التي تحتوي على مجموعة الإستوديوهات الشمالية، تعرضت لحريق جزئي نوعا ما، لكنها لم تدمر بالكامل. وقد امتدت ألسنة اللهب إلى الجزء الشمالي فقط. أما منطقة الوسط، التي تحتوي على جميع الخوادم التابعة للإستوديوهات، سواء الشمالية أو الجنوبية، للأسف هذه المنطقة قد احترقت بالكامل بسبب الانبعاث الناتج عن الحريق، وتعرضت لتدمير تام نتيجة للقصف، ولاحقا بفعل الحريق”.

الدكتور إبراهيم محمد عثمان يعرض الدمار الذي لحق بأحد الإستوديوهات بعد الحرب (الجزيرة)

ويضيف “تحتوي منطقة الوسط على ذاكرة الأمة السودانية، وتنقسم إلى جزأين: الأول يحتوي على الأرشيف في شكل أشرطة منذ تأسيس الإذاعة عام 1957 حتى عام 2000، والثاني يحتوي على الذاكرة الرقمية منذ إدخال نظام “نيتيا” الفرنسي للبث والإنتاج في العام 2000، وجميع المواد محفوظة على الخوادم مباشرة. هذه الخوادم، وهذه الغرفة، تعرضت لحريق كامل. كما دمرت غرفة الكنترول والبث الرئيسية (إم سي آر)، التي تعمل آليا على ربط الإستوديوهات بالشبكة، تدميرا تاما. وغرفة الباك أب، التي تحتوي على الأرشيف الرقمي، احترقت أيضا بالكامل”.

وحول الكيفية التي يمكن بها إعادة تأهيل ما حدث من دمار، يقول الدكتور محمد عثمان “احتفاظي بخوادم البث (البرودكشن) في منزلي منذ بداية الحرب ساعد، نوعا ما، في استعادة جزء كبير من البيانات، وما زلنا نعمل على استرجاع البقية. أما مواد الأرشيف التي تم تحويلها رقميا رغم الحريق، فلدينا نسخ احتياطية منها في غرفة التحول الرقمي، وقد استطعنا استعادة البيانات المخزنة هناك، لأنها كانت محفوظة تحت الأرض، إلى جانب آلات وأجهزة تحويل الأشرطة إلى ملفات رقمية. هذا هو الوضع فيما يتعلق بالإستوديوهات والإذاعة. والحمد لله رب العالمين، حتى الآن، استطعنا استعادة كل البيانات الرقمية، والعمل جار على استعادة بقية المواد”.

نضم صوتنا إلى الأصوات التي تنادي بعودة الإذاعة السودانية إلى العمل بكل طاقتها في أسرع وقت، ونتمنى أن نسمع قريبا، من داخل مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بأم درمان، الجملة التاريخية الباذخة “هنا أم درمان، إذاعة جمهورية السودان”.

المصدر : الجزيرة

الناجيات من العنف الجنسي في السودان يخضن رحلة شاقة للتعافي

بورت سودان: حين اقتحم أحد عناصر قوات الدعم السريع منزل عائشة في الخرطوم، أعطاها خيارين أحلاهما مر: أن تتزوجه، أو يقتل والدها. لم تأخذ وقتا طويلا في التفكير، وقايضت حريتها بحياته.
تقول الشابة لوكالة فرانس برس “خفت على أبي، لذلك وافقت على الزواج”.
تزوجت عائشة (22 عاما) التي طلبت استخدام اسم مستعار، واحتُجزت عاما كاملا في منزل غير بعيد من بيت عائلتها، حيث تعرّضت للاغتصاب والضرب المتكرر حتى انتهى بها المطاف إلى الإجهاض.
قبل اندلاع الحرب عام 2023، كانت عائشة طالبة في كلية تكنولوجيا المعلومات. لكن بعد اندلاع النزاع والزواج القسري أصبحت “محطمة نفسيا”، كما تقول لفرانس برس بصوت مرتجف.
وبحسب تقديرات منظمات حكومية وغير حكومية، وقعت آلاف السودانيات ضحايا العنف الجنسي منذ بدأت الحرب في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو.
ووثقت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة التابعة للحكومة السودانية 1138 حالة عنف جنسي منذ بداية الحرب، لكن هذا الرقم لا يتجاوز “10 بالمئة من العدد الحقيقي” وفقا لمديرتها سليمة إسحق الخليفة.
وتتهم منظمات دولية قوات الدعم السريع باستخدام العنف الجنسي الممنهج، بما يشمل الاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري، كسلاح في حربها ضد الجيش النظامي.

بداية جديدة

وفي مدينة بورتسودان في شرق السودان، والتي بقيت حتى أيام خلت في منأى عن أعمال العنف، وجدت بعض الناجيات ملاذا في مؤسسة “أمان”.
منذ تأسيسها في آب/أغسطس 2024، قدمت “أمان” المساعدة لأكثر من 1600 من الهاربات من العنف الجنسي. وتقدم المؤسسة لهن استشارات نفسية وخدمات صحية وقانونية، وحتى تدريبات مهنية في الخبز والحياكة والتطريز.
في منزل صغير متواضع في أحد أحياء بورتسودان الهادئة، تتشارك الناجيات في “أمان” غرف نوم ومطبخا فيه طاولة صغيرة تتناولن إليها الطعام. وعلى الطرف الآخر، غرفة معيشة تضم تلفازا.
على بساطته، يوفر لهن البيت رفاهية تحرم منها مئات الآلاف من السودانيات.
في مكتبها في “أمان”، تتصفح المستشارة النفسية لبنى علي ملفات النساء اللاتي تواصلن مع المركز الذي يقدم الدعم لنساء من ولايات دارفور والجزيرة والخرطوم وغيرها.
وتقول لفرانس برس “معظم الحالات التي تأتينا تم اغتصابها من أكثر من شخص واحد”، وتضيف “مرت علينا حالة لفتاة اغتصبها عشرة من مقاتلي الميليشيا”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع.
وبحسب علي، ثلث ضحايا العنف الجنسي لدى المركز هن قاصرات “بنسبة 33,5 بالمئة”، وتأتي الكثير منهن حوامل.
ويساعد “أمان” الناجيات على الخروج من الولايات حيث تعرّضن للعنف، وعلى استكمال دراستهن بعد فترة مكوثهن في المركز التي تراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، أو حتى تضع الحامل مولودها.
ويقدم “أمان” الاستشارة للفتيات في حال اخترن التخلي عن أطفالهن الناتجين عن الاغتصاب للتبني، محذرة من أن أعداد الضحايا مرشحة للارتفاع في الفترة المقبلة.
وتؤكد علي أن المركز يحرص على خصوصية الناجيات “أول شيء نقوله لهن هو أن ما يهمنا هو صحتكن النفسية والجسدية”.
أسفر النزاع في السودان الذي دخل عامه الثالث عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 13 مليون شخص، وتسبب بما تصنّفه الأمم المتحدة أسوأ أزمة إنسانية في التاريخ الحديث.
“لم أستطع تخطيه”
في “أمان” تجلس سلمى في غرفة المعيشة الصغيرة تقرأ كتابا وتشرب الشاي.
هربت ابنة الثالثة والعشرين من مدينة الحصاحيصا في ولاية الجزيرة (وسط) حيث تعرضت للعنف من مقاتلي الدعم السريع.
وتقول سلمى، التي طلبت كذلك استخدام اسم مستعار، إنها تعرضت وثلاث أخريات للتحرش الجنسي من قبل مقاتلين اقتحموا منزلا كنّ يختبئن فيه.
وذكرت “كانوا ثمانية… وتعرضنا للضرب والتحرش، واغتصبوا بعضنا وضربوا أخريات بالسلاح، وأنا منهن”، مضيفة “دخلت في حالة صدمة… لأني رأيت منظرا لم أستطع تخطيه”.
بحلول كانون الأول/ديسمبر 2023، نزحت مئات الآلاف من النساء من ولاية الجزيرة التي اقتحمها مقاتلو الدعم السريع وأطبقوا الحصار على عدد من القرى.
وفي بداية العام الجاري، سيطر الجيش على الجزيرة وأخرج قوات الدعم السريع منها، لكن سلمى التي نزحت إلى بورتسودان لا تستطيع “تجاوز ما حدث”.
وتوضح لفرانس برس “أريد أن أكمل دراستي وألتفت لمستقبلي، ولكن مرات كثيرة أجد نفسي غارقة في التفكير في ما حدث معي”.
تقدم آمنة (23 عاما) الاستشارة النفسية لنزيلات “أمان” بعدما تعرضت هي للاحتجاز في الخرطوم لمدة 11 يوما بسبب ارتباط أخيها بالحكومة.
احتُجزت آمنة مع عشرات الفتيات اللاتي تعرضن “لأسوأ أنواع المعاملة”، حيث تم تزويج بعضهن قسرا، بينما تم اتخاذ أخريات “كرهائن من أجل التفاوض”.
وهي تقدم حاليا المساعدة للناجيات في “أمان” بينما تواصل رحلتها للتعافي.
وفي مصر التي نزح إليها مليون ونصف مليون سوداني منذ بدء الحرب، تلتقي المعالجة النفسية سارة منتصر يوميا بخمس ناجيات من الاغتصاب على الأقل، في أحد مراكز المساعدة بالقاهرة.
وتوضح منتصر لفرانس برس أنه ينبغي على الناجيات أن ينخرطن بفاعلية في خطة علاجهن، موضحة أنه بسبب الصدمة التي تعرضهن لها “لا يعدن قادرات على النوم أو ممارسة الحياة الطبيعية”.
وتسأل آمنة “نحن ضحايا لشيء لا يد لنا فيه ولا ساق. لماذا حدث لنا ذلك كله؟”.
(أ ف ب)

صحيفة التغيير: مصابو الثورة في السودان : ست سنوات من عذابات الروح والجسد

لا أحد، مهما كانت حساسيتهم الإنسانية، يستطيع أن يدرك تماماً ما يعانيه المصاب، إذ أن هذا الأمر يتناول جوهر طبيعة الإنسان. لذلك، لا يوجد من هو أصدق في محاولته للتعبير عن الألم ممن يشعر به فعلياً. “الجمرة بتحرق الواطيها” هي مقولة حكيمة ومعبّرة تلخص واقع الأمور.

تقرير : خالد فضل

هذه الكتابة لن تعبر عن أصحابها بشكل كامل، بل تأتي فقط لتلبية الشكل الصحفي. إنها تعكس آراءهم وتعرض بعض التحديات التي يواجهونها خلال وجودهم في الهند لتلقي العلاج، وإليك ما قالوه: بلال عمر عبدالرحمن مرجان : يبلغ عمره 32 سنة، تعرض للإصابة في 27 رمضان 2019 في ساحات الاعتصام أمام بوابات القيادة العامة، حيث أصيب بثلاث طلقات، بالإضافة إلى إصابة في الوجه نتيجة سقوطه على الأرض. لقد خضع لثلاث عمليات حتى الآن، فيما لم يتم إجراء العملية الرابعة. يرافقه والدته، لكنه يعاني من حالة صحية سيئة للغاية، حيث لا تزال إحدى الطلقات موجودة في جسده.

اللجنة الفنية وخطأ التقدير :

يقول بلال إن قرار إرسالهم إلى الهند اتخذته اللجنة الفنية التي شكلتها السلطة المدنية الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، وتم تمويله من قبل الحكومة. لكن اللجنة لم تبدأ عملها عبر السفارة السودانية، بل من خلال شخص (منسق) قام بإبرام اتفاقيات مباشرة مع المستشفيات من خلال مكاتب تجارية تتولى مهام الوساطة العلاجية. ويضيف بلال أن عندما يتجهون إلى السفارة، يُخبرون بأن السفارة ليس لديها أي دور سوى أن تكون (الخزينة) فقط لأن جميع المهام موكلة للجنة الفنية والمنسق. ويواصل بلال أنه لا يزال يعاني من آلام حادة، وقد ظهر له مؤخراً ورم يحتاج إلى تدخل عاجل، لكنه لا يملك المال لشراء مسكنات الألم التي يحتاجها باستمرار. ويشدد على أنه منذ تسعة أشهر لا توجد أي جهة تتحمل مصاريفهم.

محمد يونس آدم _27سنة :

تعرضت لإصابة بطلق ناري في إبط اليد اليسرى، وذلك في 17 يناير 2022، بالقرب من معمل ستاك في منطقة شروني وسط مدينة الخرطوم. تضمنت خطة العلاج مرحلتين: الأولى كانت نقل الأعصاب، والثانية كانت عملية نقل للعضلات المتيبسة. كما تم إجراء عملية توصيل الأعصاب الرئيسية الثلاثة بتاريخ 28 فبراير 2023.

عهد السماني _27سنة :

!أصيب في 27 رمضان 2019م، قبل يومين من مجزرة فض الاعتصام في تقاطع شارع النيل مع شارع المحكمة الدستورية في الخرطوم. تعرض لإصابة نتيجة رصاصة من مدافع دوشكا، مما أدى إلى قطع جزئي في الأعصاب في منطقة منتصف الظهر، مما يسبب له آلاما شديدة من منتصف الظهر إلى أصابع القدمين، مصحوبة بشعور كهربائي في كلا القدمين أحياناً. كما أن الإصابة أدت إلى حرق المستقبلات العصبية للأعصاب السليمة وإزاحة ثلاث فقرات قطنية عن مواضعها. يعاني من شلل نصفي وآلام مستمرة في الأعصاب لا تخف إلا باستخدام مسكنات كيميائية عالية الجرعة، وقد توقف العلاج منذ يونيو 2023م.

محمد خالد آدم _

أطلق نار أدى إلى تهتك عظمة الفخذ اليسرى وذلك في 12 نوفمبر 2021 في شارع الأربعين بأم درمان. الآن، يتوجب إجراء تقييم نهائي لحالته، بالإضافة إلى إجراء عملية لإزالة جهاز طبي من داخل الساق المصابة.

محمد غاندي حسن _25 سنة :
أُصيب الشخص في عينه اليمنى نتيجة انفجار عبوة من الغاز المسيل للدموع، مما أدى إلى دخول رصاص سكسك، وذلك بتاريخ 25 أكتوبر 2021 في شارع الأربعين بأم درمان. تم استخراج الرصاص قبل بدء الحرب، ولكن نتج عن ذلك فقدان البصر في العين. تتعدد الإصابات والمأساة واحدة : اجتمع خمسة من المصابين على هموم مشتركة تظلل أيامهم بالمعاناة، وتمنعهم من النوم خلال الليالي الطويلة، لتشرق كل شمس جديدة عليهم بمزيد من الألم، حيث يستمر الوضع منذ أشهر طويلة وسنوات صعبة. يقول بلال: “كنت أخرج للمظاهرات وحدي، أحلم بوطن جديد وشعب سعيد، ولكن اليوم ترافقني والدتي في بلاد غريبة وصعبة، ونحن نعيش الإهمال التام والتجاهل القاسي. لقد توقف العلاج منذ تسعة أشهر على الأقل بعد أن تفاقمت الأوضاع بسبب اندلاع الحرب في أبريل 2023. لم أعد أتحمل معاناة والدتي، جاءت لترافقني في رحلة العلاج التي تحولت إلى كابوس، نقضي أيامنا في الحدائق العامة بعد انتهاء فترة إيجار السكن، ولا نجد من يعيننا سوى بعض المساعدات المتقطعة من سودانيين طيبين، وإجراءات مؤقتة من السفارة لا تستمر مع استمرار آلامنا”. ويضيف عنان، شقيق وصاحب المصاب عهد: “لقد استخدمنا جميع الموارد المتاحة لعائلتنا، استنزفنا كل ما لديهم حتى لم يعد لدينا ما نأخذه، ولم يقصروا معنا فوق طاقاتهم. وما زالت رحلة البحث عن العلاج مستمرة”.

احتياجات عاجلة ومناشدات إنسانية :

يحتاج المصابون إلى استئناف العلاج الذي توقف، واستكمال باقي العمليات لبعضهم الآخر، وتوفير ظروف معيشية مناسبة لهم ولعائلاتهم المرافقة، مثل السكن والنقل والإعاشة والطوارئ. يتطلعون إلى قلوب رحيمة وأيدٍ عطوفة تأخذ حالتهم بعين الإنسانية، ليتمكنوا من متابعة علاجهم في دول تقدّر قيمة الإنسان. يوجهون نداءً إلى المنظمات الإنسانية حول العالم. مطلبهم بسيط، إذ لم يفقدوا الأمل في سماع صوتهم بعد أن أصمّ من أوكل إليه أمرهم في تلك اللجنة الحكومية آذانه عن استغاثاتهم، حيث انقطع التواصل لعدة شهور، بينما يواجهون ظروف المرض وسوء الوضع والإهمال، بل إنهم يواجهون انتهاء مدة إقامتهم في بلد تفتقر فيه الفرص للعمل ويمنع القانون من يحاول أو يستطيع منهم. رغم ذلك، لم ينسوا رفاقهم الذين قضوا نحبهم أثناء هذه الحرب المأساوية في السودان، حيث يقول بلال: “على الرغم من محنتنا، نشعر بالحزن لحال رفاقنا الذين توفوا بسبب الإهمال وانقطاع العلاج، اثنان منهم في النيل الأبيض وثالث في أم درمان مات جوعًا”.تلك مقتطفات من قصة تؤلم القلب حقاً، شباب في ريعان شبابهم، يحلمون بحياة أفضل لأنفسهم ولشعبهم ووطنهم، وقد كلفهم ذلك بقية عمرهم. لا زالوا يحملون قلوباً مليئة بحب الحياة وأرواحاً تتوق ليوم جديد مشرق. من عمق المعاناة، يمدون أعناقهم نحو غدٍ أفضل.. فهل من يمد لهم يد العون؟

هل اخترق “الإخوان المسلمون” المجتمع الفرنسي ومؤسساته؟ … تقرير أمني سري يثير الجدل في فرنسا

أعلن وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو أن تقريراً حول جماعة الإخوان المسلمين سيكون في صلب اجتماع مجلس الدفاع، المقرر عقده خلال أيام برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتحدث روتايو عن “الاختراقات” الذي تقوم به الجماعة في المجتمع الفرنسي.

ووصف روتايو التقرير بأنه “سري” و”فاضح” و”مبني على معلومات استخباراتية دقيقة من أكثر أجهزة الدولة كفاءة”، إذ يتناول الجماعة و”الفكر الإخواني” Le frérisme، واختراقاتها للمجتمع الفرنسي.

وأكد الوزير الفرنسي خلال مشاركة تلفزيونية محلية، أن المجلس الدفاعي المزمع عقده في 21 من شهر أيار/مايو الجاري سيتناول التقرير بوصفه “تهديدا للجمهورية” والقيم الفرنسية، وينبغي مناقشته وإيجاد الحلول المناسبة.

وأضاف روتايو بالقول إن الأمر “جوهري وستوضع القضية في صميم عمل الدولة وعلى مستوى وزاري عال”، على حد تعبيره.

تقرير مصنّف أمنياً.. ونسخة مخففة لاحقاً

وعلى الرغم من السرية المحيطة بالتقرير، إلا أن الوزير الفرنسي قال إنه يدخل في صلب “الاختراقات” التي تقوم بها الجماعة في صميم المجتمع الفرنسي.

وأكد روتايو أن التقرير لن يتم نشره حالياً لأنه مصنف “سري”، ويحتوي على معلومات قد تفيد الأشخاص المعنين به إن اطلعوا عليها.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن “نسخة مخففة” من التقرير قد تنشر في وقت لاحق لم يحدده روتايو حاليا.

لا حل قانوني لحل أو لحظر الجماعة.. لكن مواجهة الاختراق هي الهدف

وفي أسئلة موجهة لروتايو عن إمكانة أن يفضي التقرير إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين، أجاب روتايو بالقول إن ذلك غير ممكن لأن المشكلة مع الإخوان المسلمين هي أن الجماعة السرية لا تمتلك الكثير من البنية الظاهرة، لكن المشكلة تكمن في “الاختراق”، على حد تعبيره.

وتعمق روتايو في الحديث عن هيكلية الجماعة التي “اخترعت البنية السياسية للإسلاموية” أو “الإسلام السياسي”، من خلال خطاب ناعم وسلس للغاية، على حد وصفه.

وأشار روتايو إلى أنه وبسبب هذه الهيكلية، فإنه من الصعب جمع أدلة كافية لتفكيك الجماعة

وبعيداً عن حظر الجماعة، فنّد روتايو ما دعاها بـ “الاختراقات المؤسساتية” التي تقوم بها الجماعة على الأراضي الفرنسية، وأكد أن الحكومة تستهدف مظاهر الاختراق هذه في قطاعات مختلفة.

وركز روتايو خلال حديثه على أماكن معينة مثل الاندية الرياضية والمدارس كمدرسة “الكندي” والمعهد التدريبي الخاص بهم في “شاتو شينون” في إقليم نيفير الذي تمت مداهمته مؤخراً.

وأكد روتايو على أن أنشطة الجماعة في هذه المرافق تعتبر “جسراً” لنشر الفكر الإسلاموي عبر قنوات مدنية وتعليمية ورياضية، ما يدعو إلى فرض “رقابة مشددة وتدخلات مباشرة”.

خلفية التقرير: مهمة حكومية بدأت في العام 2024

يجدر الذكر أن الحكومة الفرنسية كانت قد كلفت في مايو/أيار للعام 2024 اثنين من كبار المسؤولين بإعداد تقرير موسع حول “الإسلام السياسي وتيار الإخوان المسلمين”، وكان مقرراً أن يتم تسليم التقرير كاملاً في خريف العام الماضي.

ويأتي هذا العمل استكمالاً لما جاء في خطاب “لي مورو” في إيفلين للعام 2020، الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول “الانفصالية”، والذي قاد لاحقاً إلى “قانون المبادئ والقيم الجمهورية لعام 2021″، والتي يعتمد اليوم كأساس قانوني لترسيخ مبادئ وقيم الجمهورية الفرنسية.

نازحون في دارفور بلا طعام أو مأوى بعد فرارهم “حفاة” من القتال

طويلة (السودان) (أ ف ب) – في قدر معدني قديم فوق موقد بدائي من أحجار يتوسطها قش وأغصان جافة، تعد عزيزة إسماعيل إدريس نفس الوجبة يوميا، وهي عبارة عن القليل من “البليلة” السودانية بما توفر من خضروات أو بقوليات.

وصلت إدريس مع أطفالها الخمسة إلى مدينة طويلة بعد رحلة شاقة عقب فرارهم من الهجمات العنيفة التي استهدفت مخيم زمزم للنازحين في الفاشر بشمال إقليم دارفور. وهي المرة الثالثة التي تنزح فيها إدريس هربا من الحرب التي تفتك بالسودان منذ نيسان/أبريل 2023.

وتقول إدريس لوكالة فرانس برس “لم تقابلنا أي من المنظمات هنا. لم تعطنا أي منظمة مياه أو طعام. لم يعطوا أطفالنا أي شيء”.

وخلال الأسابيع الأخيرة، استقبلت بلدة طويلة الزراعية الصغيرة الواقعة في دارفور أيضا، عشرات آلاف الأشخاص الذين فروا من مخيم زمزم الذي أصبح “شبه خال”، بحسب الأمم المتحدة، بعد اشتباكات عنيفة وقصف استهدف البيوت.

وفي طويلة، جمعت إدريس ممتلكاتها القليلة في ركن من خيمة بلا سقف لها جدران قصيرة من أعواد القصب.

وأوضحت لفرانس برس بأنها فقدت كل ما تملك في الهجمات على بيتها في زمزم أو خلال الرحلة الصعبة إلى طويلة قائلة “أحرقوا بيوتنا تماما وتمت سرقة ممتلكاتنا البسيطة”.

وبعد أيام قليلة قررت إدريس مغادرة المخيم وفي الطريق الصحراوية الطويلة (نحو 60 كيلومتر) “أخذوا منا حميرنا وأغطيتنا وسرقوا كل أشيائنا. وصلنا طويلة حفاة”.

في نيسان/أبريل أعلنت قوات الدعم السريع السيطرة على مخيم زمزم للنازحين، في إطار معركتها للسيطرة على مدينة الفاشر الاستراتيجية وعاصمة ولاية شمال دارفور. وتحمل الفاشر أهمية كبيرة نظرا إلى أنها المدينة الرئيسية الوحيدة في إقليم دارفور الشاسع التي ما زالت تحت سيطرة الجيش، بينما تسيطر الدعم السريع على معظم مناطق الإقليم.

وقسمت الحرب البلاد إلى مناطق نفوذ حيث يسيطر الجيش على وسط وشمال وشرق السودان بينما تسيطر الدعم السريع وحلفاؤها على معظم إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب.

احتياجات مهولة

وتفيد تقديرات الأمم المتحدة بأن طويلة استقبلت نحو 300 ألف نازح في الأسابيع الأخيرة.

إلا أن إيصال المساعدات الإنسانية للمدينة البعيدة يمثل تحديا للمنظمات الإغاثية.

ويوضح ثيوبولد فيندلر الذي يعمل مع منظمة أطباء بلا حدود في طويلة أن “المنظمات الإنسانية لم تكن مستعدة لهذا الحجم من النزوح”.

ويؤكد فيندلر لفرانس برس “نحاول زيادة قدراتنا ولكن الاحتياجات مهولة”.

في شوارع المدينة، يفترش أطفال الأرصفة فيما يلعب آخرون بالطين والقش بينما تكتظ المدارس والمساجد بالنازحين الذين ينامون تحت الأشجار في درجات حرارة كثيرا ما تتخطى 40 درجة مئوية.

يبدو الهزال والإرهاق واضحا على كثير من الأطفال. وبينما يرتدي بعضهم ملابس فضفاضة، ما زال آخرون بالملابس التي نزحوا بها.

وخارج وسط المدينة، تمتد طوابير طويلة لنساء وأطفال يحملون أوعية بلاستيكية يملؤونها بالماء من محطة المياه العامة التي تعتمد على الآبار والمياه الجوفية.

وتمتد طوابير أخرى خارج “التكيات” أو المطابخ العامة التي تقدم الطعام للنازحين.

وتوضح حواء حسن، التي نزحت من مخيم نيفاشا بالفاشر إلى طويلة أنها وصلت مع أسرتها وهم يعانون من العطش الشديد ولم يحصلوا على الطعام إلا من سكان المدينة.

وتقول حسن لفرانس برس “من كان لديه قليل من الطعام أو بعض الماء شاركه معنا” وتضيف “ولكن المنظمات لم تعطنا أي شيء”.

“كارثة”

وتعاني عدة مناطق في إقليم دارفور من المجاعة، وبينها مخيم زمزم للاجئين. وحذرت الأمم المتحدة من أن نحو مليون شخص في شمال دارفور يعانون من انعدام حاد للأمن الغذائي.

أشخاص فروا من مخيم زمزم للنازحين في طويلة في دارفور بتاريخ 13 نيسان/أبريل 2025

ويفيد مدير العمليات بالمجلس النرويجي للاجئين نواه تايلور بأن “إيصال المساعدات إلى هنا يستغرق وقتا طويلا إذ تنتشر نقاط التفتيش في الطرق، وبعض الطرق مغلقة بالكامل”.

ويقول تايلور لفرانس برس “هناك فجوات كبيرة في كل القطاعات، الطعام والمأوى والصحة العامة. مواردنا المالية والعينية لا تكفي”.

وبحسب تايلور، فإن الجهود التي تبذل حتى الآن لتوفير الطعام ومياه الشرب والرعاية الصحية هي نقطة في بحر الاحتياجات المهولة لملايين النازحين في السودان.

ويضيف تايلور “نقوم بما نقدر عليه، ولكن الاستجابة العالمية ليست على مستوى هذه الكارثة”.

ووفقا للمتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، ليني كينزلي، فقد تم إيصال “1600 طن مكعب من المواد الغذائية” إلى 335 ألف نازح في طويلة الشهر الماضي.

وتوضح لفرانس برس أن تلك العملية “تطلبت أسبوعين لنتمكن من الوصول للمدينة” عبر نقاط التفتيش والطرق غير الآمنة.

ويحذر العاملون في المنظمات الإغاثية من أنه بدون تمويل سريع وتأمين للطرق سيصبح توصيل المساعدات أكثر صعوبة، خاصة مع اقتراب موسم الأمطار.