“عقدة النقص!” .. مهاجرون يمارسون العنصرية ضد مهاجرين مثلهم

أحيانًا يواجه المهاجر العنصرية من مهاجرين مثله، حيث يتحول التشابه الثقافي إلى فجوة تمييز تزيد الانقسام وتخدم اليمين المتطرف. فماذا يقول خبراء مكافحة العنصرية والتمييز وعلماء النفس عن هذه الظاهرة؟

د تتوقع أن تأتي العنصرية ، التي تواجهها في الغربة من المجتمع المضيف، أي من قبل مجموعة مختلفة عنك لغويا وثقافيا، لكن المفاجأة المؤلمة هي أنك قد تواجه العنصرية أحيانا من قبل شخص يتحدث نفس لغتك وينتمي لثقافتك، بل وربما مر بتجربة الهجرة ذاتها.

إن “عنصرية مهاجرين ضد مهاجرين مثلهم” تشكل مفارقة صعبة تكشف عن ظاهرة يُطلق عليها في علم النفس “العنصرية الداخلية”، حيث يتحول الضحية إلى مصدر للتمييز، فيسهم في وصم وإقصاء أفراد من مجموعته نفسها، في محاولة منه للبحث عن الاعتراف والقبول أو كتعبير عن مشاعر دفينة تتضمن كراهيته لنفسه أو حتى رفضه لذاته.

مهاجر عربي: أواجه عنصرية من أبناء بلدي 

“لم أكن أدرك أن العنصرية التي سأواجهها ستكون من أبناء بلدي، بمجرد ما يسمعونني أتحدث بلغة ألمانية ضعيفة ينظر لي بعضهم باحتقار، ولا سيما أنني هنا بدون أوراق”. هكذا يروي كريم، وهو مهاجر عربي يعيش بلا أوراق في مدينة فرانكفورت، عن تجربته مع العنصرية التي يمارسها مهاجرون ضد مهاجرين. 

ويضيف كريم: “أنا أيضا مثلهم وننتمي لنفس الثقافة، وكان من الممكن أن يكونوا في وضعي، لكنهم لا يشعرون بذلك. وبمجرد ما تقترب منهم في الشارع لتسألهم عن شئ يهرب بعضهم منك”. 

يعيش كريم منذ ثلاث سنوات مشردا في شوراع مدينة فرانكفورت، بعد ما تم رفض طلب لجوءه وهو مهدد بالترحيل بسبب عدم مغادرته ألمانيا طوعيا. لا يستطيع كريم أن يشتكي من الحوادث العنصرية التي يتعرض إليها، ويقول في هذا الصدد: “أنا لا أتحدث اللغة لأدافع عن نفسي وبدون أوراق، كما أن هذه السلوكيات العنصرية من أبناء بلدي تشعرني بالحزن وأني بدون قيمة. كنت أنتظر منهم على الأقل التعاطف” معي.

مهاجرون يؤيدون “حزب البديل” المعادي للهجرة  

لا يقتصر رفض المهاجرين للمهاجرين على المواقف الفردية أو السلوكيات اليومية، بل يصل إلى حد انضمام بعضهم إلى حزب “البديل من أجل ألمانيا”(AfD)، المعروف بخطابه المعادي للهجرة واللجوء وخصوصا من البلدان الإسلامية.

الكاتبة فيردا أتامان أشارت قبل سنوات في مقال لها بموقع مجلة “دير شبيغل” إلى وجود أشخاص من خلفيات مهاجرة داخل حزب البديل، ومن بينهم مسلمون أيضا، وكتبت: “هناك أيضًا أشخاص، يُنظر إليهم مثلا على أنهم مسلمون، يُطلقون تصريحات عنصرية ضد المسلمين. أو أشخاص من أصول مهاجرة واضحة يُحرضون على كراهية المهاجرين”.

وتابعت أتامان، التي أصبحت منذ يوليو/ تموز 2022 مفوضة الحكومة الألمانية لشؤون مكافحة التمييز، أن “السود الناشطين في حزب البديل أو المسلمين الذين يُلقون محاضرات (في تجمعات) لليمينيين الشعبويين يلعبون لعبة خطيرة. فهم يسمحون لأنفسهم بالاستغلال”. وأردفت أتامان: “إنهم يساعدون المتطرفين أو المتطرفين اليمينيين على اكتساب القبول الاجتماعي (فيقول المتطرفون): “انظروا، لدينا أيضًا مسلمون ويهود وأتراك وأفارقة هنا، وهم يشاركوننا وجهات نظرنا، لذا لا يمكننا أن نكون عنصريين أو معادين للسامية”.

وفق دراسة لمعهد الأبحاث الألماني للهجرة والاندماج (DeZIM)، يصوت حوالي 8% من الأتراك الألمان  لحزب البديل (AfD)، مقابل 45% للحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) أو حزب الخضر، بينما يشعر 32% من المهاجرين بالتمييز، ما يؤثر سلبيّا على مشاركتهم السياسية.

يصوت حوالي 8% من الأتراك الألمان يصوّتون لـ AfD، مقابل 45% لـ SPD أو حزب الخضر، بينما يشعر 32% من المهاجرين بالتمييزصورة من: Jan Woitas/dpa/picture alliance

“العنصرية نتاج للنظام الذي نعيش فيه” 

وتوضح كريمة بنبراهيم، التي تدير مركز المعلومات والتوثيق للعمل ضد العنصرية في شمال الراين-وستفاليا أن “العنصرية بين المهاجرين لا تنشأ من فراغ، بل هي نتاج للنظام الذي نعيش فيه”. وتوضح أن “من يتعرض للتمييز قد يستبطن البنى الهرمية العنصرية إلى درجة يبدأ فيها بالابتعاد عن مجموعات أخرى أو التي ينتمي إليها، وغالبا عن تلك التي تتعرض لوصم أكبر، وهذا ما نطلق عليه العنصرية الداخلية”. 

وتضيف بنبراهيم وهي أيضا عضوة باللجنة المستقلة لخبراء معاداة المسلمين بوزارة الداخلية (UEM): “بعضهم يتبنى حتى الخطاب المعادي للهجرةلكي يُنظر إليه على أنه مندمج أو متكيف. سياسيا، هذا بالغ الخطورة لأنه يضفي الشرعية على السياسات العنصرية. السبيل الوحيد للخروج من ذلك هو إدراك هذه الآليات وممارسة التضامن عوضا عن التفرقة”. 

وترى بنبراهيم أن المشهد اليميني المتطرف يستفيد بشكل كبير من المهاجرين الذين يتبنون خطابه، وتوضح: “فجأة يمكنهم القول أن “ما نتبناه ليس عنصريا، فحتى المهاجرون أنفسهم يقولون ذلك. وهذا ما يمنحهم صك براءة لأيديولوجيتهم، ويؤكد الأحكام المسبقة التي تمسنا جميعا”.

علاوة على ذلك فإن عنصرية المهاجرين ضد مهاجرين “تصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية: البنى العنصرية. بالنسبة للمعنيين، قد يكون ذلك محاولة للحصول على الاعتراف أو لتجنب أن يصبحوا هم أنفسهم هدفا للعنصرية، لكن في النهاية، هم بذلك يعملون ضد أنفسهم ويدعمون القوى نفسها التي تشكك في وجودهم في هذا البلد”، تضيف بنبراهيم. 

وجود أشخاص من خلفيات مهاجرة داخل حزب البديل من أجل ألمانيا، ومن بينهم مسلمين يعبّرون عن مواقف عنصرية ضد مسلمينصورة من: Frank Hoermann/SVEN SIMON/IMAGO

هل “عقدة النقص” هي السبب؟

المحلل النفسي رشيد المناصفي يصف هذه الظاهرة بـ”العنصرية الداخلية،” ويشرح أن لها جذورًا نفسية واجتماعية ويقول: “يتشكل لدى بعض المهاجرين في السنوات الأولى الشعور بالنقص وإحساس أنهم أقل قيمة في نظر المجتمع بسبب اللغة أو لون البشرة أو الوضع الاجتماعي، وهذا يكرس عقدة النقص لديهم”.  ويتابع المناصفي: “لكن عوضا عن مواجهة هذا الشعور الداخلي، يحاول بعضهم توجيهه للخارج عبر ممارسة العنصرية ضد آخرين، خاصة من هم في وضع اجتماعي صعب مثل المهاجرين الجدد” .

“التماهي مع القوي لأجل القبول لدى المضيف”

ويوضح المحلل النفسي أن “هناك آلية دفاع نفسي عبر الإسقاط، حيث يكره الشخص ما يكره في نفسه، ويجده لدى لاجئ جديد مثل ضعف اللغة وصعوبة الاندماج أو ما يعتبرونه صورة ’المهاجر المتخلف‘. بعضهم يركز على انتقاد مهاجرين آخرين ليشعر بالتفوق”.  

ويشير المناصفي إلى “الرغبة الملحة في التماهي مع القوي”. وقال إنها “آلية ذكرها عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد، حيث يتبنى الشخص تحيزات وأحكام الطرف الأقوى حتى لو كانت ضده، معتقدا أن ذلك سيمنحه القبول في المجتمع المضيف”. 

ويؤكد المحلل النفسي  رشيد المناصفي، الذي عمل في أبحاثه على الصراعات النفسية للمهاجرين من خلفيات عربية، أن “الانقسام الداخلي لدى شخص لا يملك نضجا نفسيا يجعله يعيش بين هويتين، هوية الأصل وهوية المهجر، دون تحقيق التوازن والتصالح، فيميل لهوية البلد المضيف ويعتبر أن إثبات انتمائه لها يتطلب مهاجمة المهاجرين الآخرين ومعاملتهم بعنصرية”. 

ويعتبر المناصفي أن “العنصرية أداة للرفع من قيمة الذات، ووسيلة لتعويض الشعور بكراهية الذات، لكنها في الحقيقة دليل على عدم الأمان النفسي وضعف الهوية، لأن الشخص الواثق من نفسه لا يحتاج أن يقلل من قيمة أي شخص آخر”. 

دراسة تكشف: راتب المعلم السوداني لا يغطي 2% من تكلفة المعيشة

راديو دبنقا-كشفت دراسة حديثة أجرتها لجنة المعلمين السودانيين عن فجوة واسعة بين تكلفة المعيشة والدخل الفعلي للمعلمين في البلاد، حيث بلغت تكلفة الحياة الأساسية لأسرة مكونة من خمسة أفراد نحو مليون و652 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل تقريباً 485 دولاراً، في وقت لا تتجاوز فيه رواتب العاملين في قطاع التعليم سوى جزء ضئيل من هذا المبلغ. وأوضحت اللجنة، في بيان اطلع عليه راديو دبنقا، أن الدراسة التي أعدها المكتب الاجتماعي التابع لها كشفت عن تدني غير مسبوق في أجور المعلمين، حيث لا يتجاوز راتب الموظف في الدرجة 17 ـ وهي مدخل الخدمة ـ 12 ألف جنيه سوداني شهرياً، أي ما يعادل نحو 3.5 دولار، فيما يبلغ راتب المعلم في الدرجة التاسعة 28.800 جنيه، أي حوالي 9 دولارات، بينما يصل راتب المعلم في الدرجة الأولى بعد ثلاثين عاماً من الخدمة إلى 96 ألف جنيه فقط، أي ما يعادل 30 دولاراً شهرياً.

وفي مقابلة مع راديو دبنقا، أكد سامي الباقر، الناطق باسم اللجنة، أن نتائج الدراسة أظهرت أن جميع العاملين في قطاع التعليم، من الدرجة 17 وحتى الدرجة الأولى، يعيشون تحت خط الفقر المدقع، حيث يقل دخلهم اليومي عن الحد الأدنى المحدد عالمياً بـ1.9 دولار، ما يجعلهم عاجزين تماماً عن تلبية أبسط احتياجات الحياة اليومية. وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس واقعاً مأساوياً يتطلب تحركاً عاجلاً من الجهات المختصة.

وبناءً على هذه المعطيات، طالبت اللجنة برفع الحد الأدنى للأجور إلى 184.680 جنيهاً سودانياً، إلى جانب إضافة علاوة تعليم بنسبة 25% من الراتب الأساسي، ومراجعة العلاوات الثابتة بشكل دوري كل ستة أشهر لمواكبة ارتفاع الأسعار، فضلاً عن سداد كافة المتأخرات المالية من رواتب وبدلات ومنح وعلاوات، مع ضرورة تحويل الإنفاق على التعليم إلى المستوى الاتحادي لحين تسوية أوضاع الولايات.

وأوضح الباقر أن الدراسة لم تتضمن أي جوانب رفاهية، بل اقتصرت على الحد الأدنى من متطلبات الحياة، مؤكداً أن المذكرة التي قدمتها اللجنة تمثل خطوة أولى في مسار المطالبة بالحقوق، على أمل أن لا تضطر اللجنة إلى اتخاذ إجراءات تصعيدية في حال استمرار تجاهل المطالب. وأشار إلى أن آخر زيادة في المرتبات كانت في عام 2022، حينما رُفع الحد الأدنى إلى 12 ألف جنيه، وكان يعادل حينها 26 دولاراً، بينما لا تتجاوز قيمته الحالية 3.7 دولار فقط، ما يعكس التدهور الحاد في القدرة الشرائية للمعلمين.

وأضاف أن توقيت إصدار الدراسة والمذكرة جاء متزامناً مع إعلان بعض الولايات فتح المدارس، في وقت لا يزال فيه المعلمون يواجهون متأخرات مالية تصل إلى عامين في بعض المناطق، تشمل بدلات وعلاوات ومنح مستحقة، وهو ما اعتبره أمراً غير مقبول. وشدد على أن اللجنة لن توافق على فتح المدارس قبل تسوية هذه الحقوق بشكل كامل، مؤكداً أن المعلمين لن يقبلوا العودة إلى العمل في ظل استمرار هذا التجاهل.

وأشار الباقر إلى أن اللجنة شكلت لجاناً مشتركة في الولايات لمتابعة ردود الحكومة، مؤكداً أن عدم الاستجابة سيقود إلى خطوات تصعيدية يحددها المعلمون أنفسهم، باعتبار أن المطالب المطروحة تمثل الحد الأدنى للحياة الكريمة. وختم بالقول إن ما يحدث يعكس تجاهلاً متعمداً من قبل الحكومة ووزارتي التربية والمالية لواقع المعلمين، مؤكداً أن اللجنة لن تتراجع عن موقفها الرافض لفتح المدارس قبل تسليم الحقوق كاملة.

فورين أفيرز: هل تشتعل حرب جديدة في البحر الأحمر قريبا؟

بعد فترة وجيزة من حصوله على جائزة نوبل للسلام، دخل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد صراعا أهليا طاحنا مع إقليم التيغراي في إثيوبيا، وهو صراع تاهت تفاصيله بينما اشتعلت صراعات أشدّ وطأة مثل حرب غزة وحرب أوكرانيا وحرب السودان، والمعارك القصيرة بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا المقال المهم المنشور على فورين أفيرز، يكتب الأستاذ ألِكس دي فال، المتخصص في شؤون السودان وشرق أفريقيا، مع مولوغيتا جَبرِهيويتي، الباحث الإثيوبي بمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس الأميركية، والمقاتل السابق مع الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية، وهي جبهة تشكَّلت قبل نحو 40 سنة من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وحزب أمهرة الديمقراطي، وحزب أورومو الديمقراطي، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا. وقد هيمنت تلك الجبهة على السياسة الإثيوبية نحو ثلاثة عقود، منذ إسقاط النظام الشيوعي عام 1991، وحتى صعود آبي أحمد عام 2019.

end of list

يناقش الكاتبان تفاصيل الصراع المشتعل في المنطقة منذ عام 2020، وتحوُّلاته الأخيرة، واحتمالات نشوب صراع عسكري بين إثيوبيا وإريتريا على ميناء عصب، والانحيازات الجديدة التي تشكَّلت في إقليم تيغراي، وبعضها يسعى للاستقلال الكامل عن إثيوبيا بالتعاون مع إريتريا، والآخر يسعى لاستعادة وضع الإقليم القديم داخل الفيدرالية الإثيوبية.

ويميل الكاتبان إلى نزع فتيل الصراع عبر ضغط القوى الغربية على أديس أبابا، وذلك بأن يكون الدعم المالي المُقدَّم لها مشروطا بالالتزام باتفاق بيرتوريا بين الحكومة الإثيوبية وإدارة إقليم تيغراي، وفي سبيل ذلك يُروِّجان إلى دور يُمكن أن تلعبه الولايات المتحدة دون غيرها.

نص الترجمة

على مدى الأشهر العشرين الماضية، وبينما اجتاحت عدة حروب منطقة الشرق الأوسط، أصبح الطرف الجنوبي من البحر الأحمر مصدر قلق دولي. ففي الأشهر الأولى من عام 2025 وحده، أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على حملة عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، الذين واصلوا مهاجمة سفن الشحن العالمية في هذا الممر المائي الحيوي ردا على حرب إسرائيل في غزة.

ومع ذلك، تجاهلت القوى الإقليمية والعالمية إلى حدٍّ كبير أزمة متفجرة على الساحل الآخر للبحر الأحمر، في القرن الأفريقي، حيث يُمكن أن يندلع قريبا نزاع كبير وواسع.

خريطة إريتريا (الجزيرة)

تتعلق الأزمة بدولة إريتريا، وهي دولة ساحلية، وجارتها الأكبر إثيوبيا، وهي دولة حبيسة، فقد فقدت إثيوبيا إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر بعد استقلال إريتريا عام 1993. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، صرَّح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر أصبح مسألة وجودية لإثيوبيا، وبالتحديد، زعم أن إثيوبيا يجب عليها السيطرة على ميناء عَصَب، وهو ميناء حيوي في جنوب إريتريا.

منذ ذلك الحين، تصاعدت التوترات بين البلدين، ولعل إثيوبيا تستعد بالفعل لدفع قواتها مباشرة نحو عَصَب، التي تبعد نحو 60 كيلومترا فقط عن الحدود الإثيوبية. ورغم أن آبي نفى أن بلاده تملك خططا لنزاع عسكري، فإن البلدين يشتريان معدات عسكرية متنوِّعة منذ فترة، بما في ذلك المُسيَّرات، وأنظمة الدفاع ضد المُسيَّرات، والصواريخ، والذخيرة الميكانيكية، والمركبات المدرعة المخصصة للتضاريس الصحراوية.

وفي الأسابيع الأخيرة، حرَّك الطرفان قوات عسكرية نحو الحدود القريبة من عَصَب، وانخرطا في تصعيد الخطاب العدائي بينهما.

إن اندلاع معركة حول ميناء عَصَب بالبحر الأحمر سيكون أمرا خطيرا، لكن ما يجعل الصراع الوشيك تهديدا أكبر مما نتصوَّر هو احتمال امتداده بسرعة إلى إقليم تيغراي المُضطرب في إثيوبيا، المُتاخِم لإريتريا، الذي كان مسرحا لحرب مدمرة بين عامي 2020-2022 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية في أديس أبابا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. في أعقاب الحرب، التي راح ضحيتها ما يصل إلى 600 ألف إنسان بينهم مئات الآلاف من المدنيين، وخلَّفت إرثا من النزوح والدمار.

كان من المفترض أن يجلب اتفاق السلام بين أديس أبابا وجبهة تيغراي استقرارا جديدا للمنطقة، لكن معظم بنوده لم تُنفَّذ، فلا تزال القوات الإريترية موجودة في المنطقة، كما أن أجزاء واسعة من تيغراي قد ضُمَّت بحكم الأمر الواقع إلى إقليم أمهرة المجاور في إثيوبيا.

ولا يزال أكثر من مليون من أبناء تيغراي عاجزين عن العودة إلى منازلهم. أما الأكثر إثارة للقلق فهو أن قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي انقسمت إلى فصائل متناحرة، تعقد تحالفات متنافسة مع كلٍّ من إثيوبيا وإريتريا، وتبني أجنحة مسلحة منفصلة.

إذا اندلع قتال بين إثيوبيا وإريتريا، فإن تيغراي ستصبح مجددا ساحة المعركة الرئيسية، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب كارثية على تيغراي وعلى كامل منطقة القرن الأفريقي. فكلا البلديْن يملك جيشا كبيرا ومجهزا ومستعدا لإلحاق الخسائر وتحمُّلها على نطاق واسع، وسيؤدي أي صراع إلى تمزيق ما تبقى من بنية السلام والأمن الهشة في المنطقة، وقد يجرُّ معه الصومال والسودان إلى دوامة عنف إقليمية واسعة.

يمكن منع اندلاع حرب جديدة بضغط دولي مناسب، بحيث تُدفَع الحكومة الإثيوبية إلى تنفيذ اتفاق السلام لعام 2022، وهو مطلب طالما تمسَّك به التيغرانيون، كما يجب على قادة التيغراي أنفسهم اتخاذ خطوات لتجنُّب تحوُّلهم إلى بيادق في صراع إثيوبي-إريتري أوسع.

في الواقع، إذا بقيت تيغراي على الحياد، فسيكون من الصعب على آبي شن هجوم على ميناء عَصَب بمفرده. في العقود السابقة، كان احتمال اندلاع حرب كبرى في القرن الأفريقي يدفع الدبلوماسيين في واشنطن، والعواصم الأوروبية، والأمم المتحدة، وكذلك الاتحاد الأفريقي، إلى التحرُّك، أما اليوم، فإن قادة الغرب مشتتون، في حين تداعت المنظمات الدولية، والجهة الوحيدة التي تمتلك النفوذ الكافي لجمع الأطراف إلى طاولة حوار هي الولايات المتحدة.

ضغائن قديمة وحروب جديدة

يعود الدور المحوري لإقليم تيغراي في التوترات بين إثيوبيا وإريتريا إلى ما بعد حرب التيغراي الأخيرة. فعندما اندلعت الحرب، كانت إثيوبيا وإريتريا في صف واحد، حيث جمعتا قواتهما لهزيمة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وقد سعى آبي إلى فرض إرادته على الجبهة، التي رفضت أن تحل نفسها وتندمج في حزبه الحاكم الجديد في أديس أبابا.

وبدوره، كان الرئيس الإريتري أسياس أفورقي يحمل ضغينة قديمة ضد الجبهة، ولم يكن عازما على تفكيكها فحسب، بل وعلى إلحاق ضرر بالغ بقوات الإقليم بحيث لا تتمكن قواته من تحدي إريتريا مجددا. وقد استعان الزعيمان بميليشيات من إقليم أمهرة المجاور في إثيوبيا، التي كانت لها أسبابها الخاصة للانخراط في الصراع، إذ سَعَت إلى ضمِّ أجزاء من تيغراي كانت تزعم أنها أراضٍ أمهرية تاريخيا.

في هذه الصورة الأرشيفية يوم السبت 14 يوليو/تموز 2018، استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد (يمين) الرئيس الإريتري أسياس أفورقي عند وصوله إلى مطار أديس أبابا الدولي (أسوشيتد برس)

بعد عامين من القتال العنيف، بما في ذلك حصار بالتجويع دفع إقليم تيغراي إلى المجاعة، طالب التيغرانيون باتفاق سلام. وقد دفعت الولايات المتحدة الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى طاولة المفاوضات في بريتوريا بجنوب أفريقيا، تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وقَّع الطرفان اتفاقا دائما لوقف الأعمال العدائية.

لكن الاتفاق احتوى على عدة ثغرات؛ فقد صِيغ على عَجَل، وافتقر إلى آليات قوية للمتابعة والتنفيذ. ورغم أن واشنطن اعتبرت اتفاق بريتوريا نصرا دبلوماسيا، فإنها فعلت القليل لفرضه على الأرض. وقد تجاهل الطرفان إلى حدٍّ كبير بنود الاتفاق، وحتى أبسط الاحتياجات من المساعدات الإنسانية لإقليم تيغراي لم تُلبَّ.

الأسوأ من ذلك أن مفاوضات بريتوريا فشلت في إشراك إريتريا وقادة الأمهرة، وهما الطرفان الآخران الرئيسيان في النزاع. فقد افترض الوسطاء أن كليهما سيتبع قيادة آبي، لكن سرعان ما دبَّ الخلاف بينهما وبينه. ففي مطلع عام 2023، أمر آبي إقليم الأمهرة بنزع سلاح ميليشياته المعروفة باسم “فانو” (FANO)، وخفَّض قوات الإقليم الخاصة إلى مستوى شرطة مكافحة الشغب.

لكنهم رفضوا قرارات آبي الجديدة، وفي غضون أسابيع، أطلقت “فانو” تمرُّدا ضد القوات الإثيوبية في مساحات شاسعة من إقليم أمهرة، وهو تمرُّد ما زال مستمرا حتى اليوم. وتَرِدُ كل شهر تقارير عن سقوط عشرات، وأحيانا مئات القتلى في اشتباكات ومجازر بحق المدنيين وهجمات بالمُسيَّرات، وقدَّرت الأمم المتحدة أن نصف مليون نازح يحتاجون إلى مساعدة عاجلة.

في هذه الأثناء، شعرت إريتريا بالخيانة من اتفاق السلام. فقد كان الرئيس الإريتري أفورقي يرغب في مواصلة العمل العسكري حتى يكتمل تدمير الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالكامل، كما أنه لم يكن يثق في تنامي علاقات أديس أبابا مع واشنطن، وخشي أن يكون اتفاق بريتوريا قد صُمِّم لتهميشه. ومع تدهور العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، بدأ كل طرف يبحث عن وسائل جديدة للضغط على الآخر.

فقد شرعت أديس أبابا في دعم قوى المعارضة داخل إريتريا، بينما دعمت أسمرة قوى المعارضة في إثيوبيا وزوَّدت ميليشيا “فانو” في إقليم الأمهرة بالسلاح. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أعلن آبي أن إثيوبيا لا تحتاج إلى منفذ على البحر الأحمر فقط من أجل أمنها الاقتصادي، بل إن لها أيضا حقوقا تاريخية في ميناء عَصَب. ولم يكن واضحا آنذاك ما إذا كان آبي يُناوِر للضغط من أجل تنازل إريتري، أم أنه يُفكِّر فعليا في غزو عسكري.

في مطلع عام 2024، خفَّت حِدّة التوتر نسبيا عندما وقَّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع “أرض الصومال”، الجمهورية المُعلَنة من طرف واحد على ضفاف خليج عدن، التي لم تعترف أي جهة دولية باستقلالها عن الصومال. ووفقا للمذكرة، فإن إثيوبيا، مقابل اعترافها رسميا باستقلال أرض الصومال، ستحصل على منفذ بحري هناك، وبذلك تُرضي مساعي آبي لإعادة بلاده إلى الساحل.

خريطة الصومال ويظهر عليها إقليم أرض الصومال الانفصالي (الجزيرة)

ولكن الخطة انهارت وسط معارضة شديدة من الحكومة الصومالية، التي طالما رفضت استقلال أرض الصومال وتخشى من هيمنة إثيوبيا على المنطقة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، رَعَت تركيا مصالحة بين أديس أبابا ومقديشو، فعاد آبي ليحوِّل اهتمامه مجددا إلى ميناء عَصَب.

إذا قرر آبي خوض الحرب مجددا، فإن قواته يمكنها نظريا التقدُّم مباشرة نحو عَصَب، التي تقع بعيدا عن أسمرة، وعن المراكز السكانية الرئيسة في إريتريا. ولكن مهما كانت نتيجة ذلك التحرُّك، فإنه سيؤدي حتما إلى إشعال عمليات عسكرية في تيغراي، حيث يمتلك الطرفان مصالح عميقة.

في قلب هذه المعادلة يقف جيش دفاع تيغراي، وهو جيش إقليمي قوي يضم نحو 274 ألف مقاتل، نشأ استجابةً للاندلاع الوحشي للحرب عام 2020، ويخضع لسلطة الحكومة الإقليمية التي تسيطر عليها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

ويقود هذا الجيش محاربون قدامى من حرب 1974-1991، إلى جانب جنود قام آبي بفصلهم من الجيش الوطني الإثيوبي بحجة التطهير، فضلا عن متطوعين جدد. واليوم، تعمل كلٌّ من أديس أبابا وأسمرة على كسب النفوذ داخل تيغراي، بما في ذلك استمالة جيش دفاع تيغراي نفسه.

الوادي المُتصدِّع

في خضم هذه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، أخذت تنهار الأسس الهشة لاستقرار تيغراي. فرغم كل عثراتها واختلالاتها العديدة، فإن الإدارة المؤقتة بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في العاصمة الإقليمية مَقَلِّي، التي أُنشئت بعد اتفاق بريتوريا، تبنَّت إنهاء الحرب وتسعى إلى استقرار المنطقة.

وقد كانت تركة القتال ثقيلة، حيث نُهِبَت المدن والبلدات، وجاع الناس وتشرَّدوا، وتعطَّلت المدارس والمستشفيات. وكان ينتظر المنطقة عبء ضخم من المهام، ولبرهة من الوقت، بدا أن الإدارة الإقليمية بدأت بالفعل بمعالجة هذه المشكلات.

لكن وحدة إقليم تيغراي أثبتت أنها وهمية. فقد تفكَّكت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سريعا إلى فصائل متنافسة: إحداها بقيادة الرئيس السابق للجبهة دبرصيون جبرميكائيل، وقد اصطفَّت مع أسمرة، وأخرى بقيادة غيتاتشو رضا، وقد اصطفَّت مع أديس أبابا. حتى القيادة العليا لقوات دفاع تيغراي (TDF)، التي كانت بعيدة عن الانقسامات السياسية، انقسمت هي الأخرى، حيث تولى قائد القوات الجنرال تادسي وردي قيادة الحكومة الإقليمية.

هذا ويقف وراء الفصيل المتحالف مع إريتريا رجل أعمال تيغراني مقيم في الخليج، هو داويت جبرجْزيابْهِر، الذي زار أسمرة عدة مرات. كما أن كوادر أخرى من الجبهة كانت تتحدَّث مع أسمرة وفقا لبعض التقارير، بل وحتى بعض جنرالات قوات دفاع تيغراي.

بالنسبة لدوافع انفتاح التيغراي على إريتريا فإنها ليست واضحة. فهناك مَن يُبرِّرها بأنها خطوة نحو الانفصال عن إثيوبيا وتحقيق استقلال تيغراي. ويقول آخرون إنه بما أن أديس أبابا قد تخلَّت عن المنطقة، فعلى التيغرانيين أن يتقاربوا مع الناطقين بالتيغرينية في إريتريا على الجانب الآخر من الحدود.

أما الموقف الرسمي للجبهة فهو أنها من حقها التعامل مع أي طرف يساعدها على تعزيز المصالح الأمنية لإقليم تيغراي. ومن جهتها، رحَّبت إريتريا بحلفائها التيغرانيين الجدد، الذين يخدمون مصالحها في إضعاف وحدة تيغراي وبناء تحالف عسكري جديد ضد إثيوبيا.

في ظل تمزُّق هذه الفصائل المتعارضة، فإن المنظومة السياسية في تيغراي تنهار يوما بعد يوم. ويعتقد كثيرون أن الانقسامات المتزايدة بين قادة التيغراي مدفوعة بصفقات يشوبها فساد، فمنذ نهاية الحرب، تسيطر حُمَّى الذهب على المنطقة، حيث بدأ التعدين التقليدي واسع النطاق في أجزاء من الإقليم.

وقد أخذت تتشكَّل ثروات خاصة جديدة عبر التعدين المُرخَّص وغير المُرخَّص، والتهريب، وصفقات البيع مع البنك المركزي الإثيوبي، وهو بنك مركزي يائس هو الآخر للحصول على عملة صعبة في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر للبلاد.

كما أصبحت حدود تيغراي بلا قانون فعليا، حيث وثَّقت الإدارة المؤقتة للإقليم أدلة لم تُعلَن بعد على وجود نشاطات اتجار بالبشر. وتفيد العيادات الطبية في المنطقة عن وصول عشرات الناجين من الاعتداءات الجنسية يوميا، الذين يأتون في الأغلب من مناطق في تيغراي لا تزال تحت سيطرة القوات الإريترية.

في غضون ذلك، انتُهِكَت بنود اتفاق بريتوريا علنا المرة تلو المرة. فلم تنسحب بَعْد القوات الأمهرية التي احتلت معظم غرب وشمال غرب إقليم تيغراي، كما تحافظ إريتريا بدورها على خطوط دفاعية داخل أراضي تيغراي. ولا يزال أكثر من مليون ونصف المليون شخص نازحين (من أصل نحو سبعة ملايين تيغراني)*، وهم يعيشون في مخيمات أو يبحثون عن مأوى في المباني العامة.

ولا تزال المدارس مُغلقة، والعيادات وأنظمة المياه بانتظار إعادة بنائها، أما رواتب القطاع العام فلا تُدفع حتى الآن. علاوة على ذلك، هناك أكثر من 200 ألف جندي من قوات دفاع تيغراي لم يحصلوا على حِزَم الدعم المالي الخاصة بتسريحهم من الخدمة، كما أن الجرحى الذين أصيبوا أثناء الحرب يفتقرون إلى أبسط خدمات إعادة التأهيل.

في جميع أنحاء تيغراي، يسود الجوع على نطاق واسع، وهي مشكلة تفاقمت بفعل الانخفاض الحاد في المساعدات الإنسانية الأميركية المُقدَّمة عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). ففي عام 2022، أسهمت الولايات المتحدة بأكثر من 50% من أصل 2.3 مليار دولار من المساعدات الإنسانية الدولية المُقدَّمة لإثيوبيا.

أما هذا العام، ومع ارتفاع مستوى المعاناة الإنسانية، فقد تلقت البلاد 6.7% فقط من المعونة التي طالبت بها الأمم المتحدة، المتواضعة أصلا، والبالغة قيمتها 612 مليون دولار، أما المساعدات الأميركية فتكاد تكون متوقفة تماما (بعد قرار ترامب بتجميد نشاطات الوكالة)*.

لقد جعل هذا الوضع الفوضوي العودة إلى القتال أمرا مُرجَّحا أكثر، فمن السهل العثور على جنود وجنود سابقين في تيغراي يتطلَّعون لحمل السلاح مجددا للخروج من دوامة يشعر كثيرون بأنها ميؤوس منها. ومن شبه المؤكد أن حربا جديدة في تيغراي ستؤدي إلى مزيد من إراقة الدماء والدمار وتفاقُم المجاعة، وهذه المرة دون أي مسار واضح نحو السلام وإعادة الإعمار.

إما واشنطن وإما الحرب

رغم كل أزمات الإقليم، فإن إبقاء تيغراي خارج أي صراع مستقبلي ينبغي ألا يكون أمرا صعبا، إذ يمكن للمنطقة، أولا، أن ترفض ببساطة الانحياز لأي طرف في المواجهة الإثيوبية-الإريترية. فالفصائل المتناحرة داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) تتقاسم مصلحة مشتركة في تجنُّب صراع داخلي مُدمِّر سيضرُّ بالجميع. ورغم تحالفاتها السياسية التكتيكية، فإنه يمكنها صياغة موقف موحد لتجنُّب الانخراط في حرب أوسع عبر الحدود.

في الواقع، يمتلك التيغرانيون ورقة ضغط معتبرة في مواجهة كلٍّ من أديس أبابا وأسمرة، إذ ليس لدى إثيوبيا أو إريتريا سبب وجيه لبدء نزاع من دون دعم من قوة تيغرانية مُسلحة وقوية، كما أن أيًّا من الطرفين لن يستطيع خوض حرب طويلة إذا التزمت تيغراي حيادا صارما.

إن حربا بين إثيوبيا وإريتريا من أجل ميناء عَصَب ستكون أشبه بـ”قتال رجلين أصلعَيْن على مشط” إن جاز القول. فإذا نجحت إثيوبيا في الاستيلاء على المدينة، فإن مثل هذه الخطوة ستُعَدُّ انتهاكا للقانون الدولي، وستتجنب شركات الشحن الدولية استخدام الميناء، كما ستجعل من الحكومة الإثيوبية دولة منبوذة، وهي التي طالما اعتمدت على دعم غربي واسع.

علاوة على ذلك، ليس من الواضح أبدا أن السيطرة على عَصَب ستُعزِّز سلطة آبي أحمد. ففي هذا الركن من صحراء عَفَر (المعروفة أيضا بصحراء الدَناكِل)، لا تمتلك إريتريا أي خيارات عسكرية تقليدية سوى الدفاع. ولكن إذا خسرت الميناء، فلن تجد صعوبة في تجنيد جماعات ساخطة داخل إثيوبيا للقتال ضد أديس أبابا، الأمر الذي سيُغرِق إثيوبيا في مزيد من الاضطرابات وعدم الاستقرار.

إلى جانب تلقي المساعدات الإنسانية، والتيغرانيون في أمسِّ الحاجة إليها، فإن الحاجة الحقيقية لتيغراي (ولإثيوبيا) هي أن تُنفَّذ بنود اتفاق بريتوريا في الأخير.

فشروط الاتفاق ليست مُرهِقة ولا مُعقَّدة: انسحاب القوات الأمهرية وإعادة الحدود الإدارية لتيغراي إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وعودة النازحين إلى أماكنهم الأصلية، وفتح حوار سياسي يتيح لتيغراي أن تجد موقعها في السياسة الوطنية الإثيوبية. ومع ذلك، لم تُنفَّذ هذه الخطوات قط لأن الطرف الأقوى، وهو الحكومة الإثيوبية بقيادة آبي أحمد، لم تتعرَّض لأي ضغط للوفاء بالتزاماتها في الاتفاق.

بإمكان الحكومات الغربية والقوى الإقليمية أن تفعل الكثير لتغيير هذه الصورة. فقد تلقَّت إثيوبيا مليارات الدولارات من المساعدات الخارجية والتمويل التفضيلي عام 2024 وحده، ويُمكِن لحكومات المانحين أن تربط أي دفعات إضافية من المساعدات بتنفيذ حكومة آبي لما التزمت به رسميا. أما إدارة إقليم تيغراي فهي بحاجة إلى موارد لتلبية مطالب الناس فيما يتعلَّق بالمساعدات وإعادة الإعمار.

مع ضغط حقيقي من واشنطن، ينبغي أن تتمكَّن أديس أبابا وإدارة تيغراي من تهميش الفصائل المتهورة التي تسعى لاستغلال الوضع، وأن تضع أخيرا حدًّا للقوى شرق الأوسطية التي طالما تمتعت بحرية التدخُّل في شؤون القرن الأفريقي. وإذا نجحت إدارة ترامب في إبرام مثل هذا الاتفاق، فسيكون ذلك نصرا دبلوماسيا مُهما يحمل مكاسب طويلة الأمد للقوة الأميركية وللازدهار المتجدد في المنطقة التي مزقتها الحروب.

أيًّا كانت نتيجة التوترات الحالية، فإن أمام تيغراي طريقا طويلا نحو التعافي. فإعادة بناء المنطقة ستتطلب في النهاية جهدا مستمرا لإعادة بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة ومجتمع مدني فعَّال، إضافة إلى الأسس الاقتصادية اللازمة لتأمين استقرار دائم. لكن لن يكون أيٌّ من ذلك ممكنا إذا اندلعت حرب أخرى. إن المهمة الأكثر إلحاحا اليوم هي منع حدوث ذلك.

فورين افيرز\ ترجمة وعرض الجزيرة

أزمة الطاقة تدفع بالسودانيين لقطع الأشجار: الغطاء النباتي يتراجع بشكل كارثي

نقلا عن صحيفة التغيير:

في ظل تصاعد النزاع المسلح وتفاقم الأزمات الإنسانية، يواجه السودان كارثة بيئية متسارعة تهدد بتدمير ما تبقى من غطائه الغابي، وسط تحذيرات من فقدان التنوع البيولوجي وتدهور التربة وارتفاع معدلات التصحر. التقارير البيئية تشير إلى أن البلاد فقدت نحو 60 في المئة من غاباتها خلال العقود الثلاثة الماضية، في تراجع وصفه خبراء بأنه كارثي، ويضع السودان ضمن أكثر الدول تأثرًا بفقدان الغطاء الشجري على مستوى العالم.

الأزمة البيئية لا تنفصل عن تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، إذ أدى انهيار سلاسل الإمداد بالوقود إلى اعتماد السكان بشكل متزايد على الحطب والفحم كمصادر بديلة للطاقة، ما فاقم من عمليات قطع الأشجار الجائرة. في المشهد اليومي داخل الخرطوم وعدد من الولايات، تُسقط فؤوس السكان أشجارًا عمرها مئات السنين، في ظل شح الغاز وغياب البدائل، ما يعكس حجم الضغوط المعيشية التي تدفع نحو الإبادة الخضراء.

منظمة الأغذية والزراعة (FAO) قدرت أن السودان يخسر سنويًا نحو 175 ألف هكتار من الغابات، فيما تتراوح معدلات إزالة الغطاء الشجري الإجمالية بين 0.4 و0.7 مليون هكتار سنويًا. هذه الأرقام تضع السودان ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فقدانًا للغابات عالميًا. وتشير بيانات موقع LandLinks إلى أن إجمالي مساحة الغابات في البلاد يبلغ نحو 18.7 مليون هكتار، أي ما يعادل 10 في المئة من المساحة الكلية، إلا أن هذا الغطاء يشهد تراجعًا مستمرًا، حيث فقد السودان نحو 8.8 مليون هكتار بين عامي 1990 و2005، وهي خسارة تفاقمت بعد انفصال الجنوب.

العمليات العسكرية الأخيرة ساهمت في تسريع وتيرة التدهور البيئي، فبحسب مركز CEOBS، فقدت ولاية الجزيرة وحدها ما لا يقل عن 6,126 هكتارًا من الغطاء الطبيعي نتيجة الحرب. وفي مناطق أخرى مثل نيالا، ارتفعت أسعار الفحم إلى خمسة أضعاف، ما دفع السكان إلى تكثيف عمليات قطع الأشجار لتلبية احتياجاتهم اليومية من الطاقة. بيانات منصة Atlai كشفت أن السودان فقد في عام 2023 فقط نحو 20,300 هكتار من الغطاء الشجري، معظمها بسبب الزراعة المتنقلة التي شكلت 89 في المئة من مجمل الخسائر، في حين سجلت البلاد مكاسب محدودة في إعادة التشجير بلغت 131,289 هكتارًا، أي زيادة بنسبة 3.45 في المئة، وهي نسبة لا تكفي لتعويض الخسائر المتسارعة.

دراسة محلية أجريت في منطقة جبل مرة بوسط دارفور وثّقت الانحدار الحاد في كثافة الأشجار، حيث انخفض عدد الأشجار من 400 شجرة في الهكتار عام 1998 إلى 126 شجرة في عام 2003، ثم إلى 27 شجرة فقط بحلول عام 2016، ما يعكس الأثر العميق للحرب الطويلة على البيئة الطبيعية. إلى جانب الأبعاد البيئية، فإن الأشجار المقطوعة تمثل إرثًا تاريخيًا وثقافيًا، بعضها مصنف ضمن الأشجار النادرة التي ترتبط بالذاكرة المحلية، وفقدانها يعني محو جزء من هوية المجتمعات وضياع كنوز طبيعية وتراثية لا يمكن تعويضها.

في مواجهة هذا النزيف البيئي، يطالب خبراء ومنظمات المجتمع المدني بإيجاد بدائل عاجلة للطاقة تحد من الاعتماد على الحطب والفحم، إلى جانب إطلاق برامج وطنية لإعادة التشجير وحماية ما تبقى من الغابات، بالتنسيق مع دعم دولي يضمن استدامة هذه الجهود. وبينما تتواصل الحرب ويعلو صوت الفؤوس في الغابات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يتمكن السودان من إنقاذ ما تبقى من غاباته قبل أن تتحول أراضيه إلى صحراء قاحلة؟

كيف يبدو الوضع بالخرطوم بعد قرار إفراغها من التشكيلات العسكرية؟

الخرطوم-  بعد قرارت رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان القائد العام للجيش الفريق الركن عبد الفتاح البرهان بإفراغ العاصمة الخرطوم من التشكيلات والمظاهر العسكرية، عقدت لجنة فرض الأمن وضبط هيبة الدولة التي شكلها البرهان في 18 يوليو/تموز الماضي اجتماعات عدة بقيادة مساعده الفريق إبراهيم جابر لمتابعة تنفيذ القرارات ومن ضمنها جمع السلاح والتأكد من إغلاق مكاتب تجنيد الحركات المسلحة بالعاصمة.
وتشمل مهام اللجنة إخلاء ولاية الخرطوم من التشكيلات العسكرية والجماعات المسلحة خلال أسبوعين، لتهيئة الأوضاع وعودة النازحين إلى الولاية.

وأصدر القائد العام للجيش السوداني قرارا في 17 أغسطس/آب الجاري بإخضاع جميع القوات المساندة للجيش لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة 2007 وتعديلاته، وقال بيان للجيش إن الخطوة جاءت تأكيدا على سيادة حكم القانون وإحكاما للقيادة والسيطرة، وأوضح البيان أن تكون كل هذه القوات تحت إمرة قادة القوات المسلحة بمختلف المناطق.

وكانت الشرطة السودانية قد بدأت في تنفيذ خطة أمنية شاملة لتأمين الخرطوم بعد سحب بعض الحركات المسلحة قواتها إلى مناطق خارج الولاية، بهدف السيطرة على الوضع الأمني بعد سيطرة الجيش السوداني على العاصمة.

وفي تصريح خاص للجزيرة نت، كشف الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة السودانية العميد فتح الرحمن محمد التوم عن استقرار الوضع الأمني في الولاية، وأضاف أن قوات الشرطة تعمل -بكامل أطقمها- على تأمين الأسواق والشوارع والجسور.

ملامح تغيير

وبشأن ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي بشأن عمليات نهب مسلح وقعت داخل العاصمة، منها قضية تاجر الذهب الشهيرة بمدينة أم درمان، قال العميد فتح الرحمن إنهم تمكنوا من ضبط العصابة التي نفذت الجريمة، وأضاف أن الشرطة عادت بقوة، وأن حملاتها لضبط الوجود الأجنبي وإزالة السكن العشوائي أسهمت في انخفاض معدلات الجريمة.

وخلال الأيام الماضية، ظهرت ملامح تغيير في شوارع الولاية الرئيسية، حيث اختفت مظاهر الانتشار العسكري والسلاح، منها شارعا النيل الخرطوم والمطار وأحياء بمدينة بحري، لكن مدينة أم درمان -تحديدا مناطق محليتي أمبدة وأم درمان- ما زالت تشهد انتشارا للسلاح والسيارات العسكرية، حسب ما أفاد به مجتبى طه، شاهد عيان للجزيرة نت.

وقال طه إنه كان شاهد عيان على جريمة سطو مسلح وقعت يوم 14 أغسطس/آب الجاري بحي المربعات جنوب مدينة أم درمان، وذلك في أثناء وجوده بالقرب من مخبز بالحي الذي يقطنه. وذكر أن 5 أشخاص مسلحين سطوا على عمال المخبز ونهبوا أموالهم وهواتفهم.

حوادث مستمرة

ورغم انتشار الشرطة بالمنطقة، فإن حوادث النهب لا تزال مستمرة، حسب طه الذي طالب بضرورة توفير أقسام داخلية للشرطة لتأمين الحي من اللصوص وعصابات النهب المسلح، وأضاف أنه إذا تم سحب السلاح فعليا وإفراغ المدن والأحياء من المظاهر العسكرية فلن تتكرر مثل هذه الحوادث.

من جانبه، قال المحلل السياسي عاطف عمر -للجزيرة نت- إن هناك غيابا للمعلومات لإعلام المواطنين حتى يكونوا على دراية بما يحدث في ما يتعلق بسحب الحركات المسلحة والتشكيلات المتحالفة مع الجيش السوداني.

ووفقا لعمر، فإن ما يتم نشره عبر الإعلام الرسمي لا يمكن أن يوصف بإفراغ للشوارع والمدن من التشكيلات المسلحة، “لأن المظاهر العسكرية لم تختف حتى الآن من شوارع العاصمة”، لكنه يشير إلى أن هذه المظاهر قلّت نسبيا.

ترحيب

ويرى المحلل عمر أن القرار في مجمله وجد ترحيبا من المواطنين، مما يشير إلى أن الدولة ستمضي قدما في تطبيقه على الأرض، لكنه سيستغرق وقتا أطول، ويُرجع ذلك إلى انتشار السلاح بكميات كبيرة إضافة إلى أن “هناك جماعات مسلحة متحالفة مع الجيش لم تحدد موقفها حتى اللحظة”.

وكانت لجنة إخلاء العاصمة من التشكيلات العسكرية والقوات المشتركة وجمع السلاح قد عقدت اجتماعها الخامس، الأحد الماضي، بحضور رئيسها الفريق عبد المحمود حماد ومجموعة من قادة القوات التي يشملها أمر الإخلاء، وأكدوا خلال الاجتماع “التزامهم التام بإنفاذ القرار وخروجهم إلى مواقع خارج العاصمة تم الاتفاق عليها مع قوات الجيش”.

المصدر: الجزيرة

تقرير حقوقي يوثّق انتهاكات ضد اللاجئين السودانيين في مصر

القاهرة ـ «القدس العربي»: وثّق تقرير مشترك أعدته «منصة اللاجئين في مصر» و«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» انتهاكات مارستها السلطات الأمنية في مصر بحق لاجئين سودانيين، شملت عمليات دهم وترحيل، وفصل أطفال عن عائلاتهم واحتجازهم.

انتهاكات واسعة النطاق

ووفق التقرير، دأبت السلطات على ممارسة انتهاكات واسعة النطاق لحقوق اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وتصر على الإخلال بالتزام الدولة بمبدأ «عدم الإعادة القسرية» للاجئين وطالبي اللجوء، في غياب الضمانات القانونية وتصاعد اتباع الوسائل الأمنية في التعامل مع ملف اللاجئين.
ووثقت المنصة والمبادرة تلك الانتهاكات منذ نهايات عام 2023 وحتى الربع الأول من العام الجاري 2025، في تقرير صدر أمس الإثنين، بعنوان «انهيار منظومة حماية اللاجئين في مصر: انتهاك منهجي وواسع النطاق لمبدأ عدم الإعادة القسرية وحق اللجوء».
وتحدث التقرير عن تحول خطير في تعامل الحكومة المصرية مع اللاجئين.
ولفت إلى أن مصر لطالما استضافت على طول تاريخها مئات الآلاف من اللاجئين من الدول المجاورة، وزادت هذه المسؤولية بشكل ملحوظ منذ عام 2023 بسبب الحرب المدمرة في السودان.
وتابعت المنظمتان في تقريرهما: سعت السلطات المصرية مؤخرًا إلى إرساء نظام داخلي يقيد الوصول إلى الأراضي المصرية، ثم بدأت في اتباع سياسات استهداف من أجل القبض والترحيل مع الأشخاص الذين وصلوا إلى مصر طالبين الحماية القانونية من الدولة المصرية.
وبين التقرير أن تلك السياسات تبدو مصممة لترسيخ صورة عن مصر على أنها «لم تعد مكانًا آمنا للاجئين والهاربين من الحروب والاضطهاد».
وحسب التقرير، تمثلت السياسات المرصودة في حملات اعتقال جماعية وترحيل قسري منظمة وعلى مستوى قومي، من دون مراجعة قضائية، إضافة إلى مداهمات للمنازل التي يسكنها لاجئون أو طالبو لجوء، واستهداف عنصري على أساس لون البشرة أو الحي السكني.

مداهمات وتوقيفات

وبينت أن هذه المداهمات والتوقيفات التي شملت في بعض الأحيان ما يصل إلى مئة شخص في الحملة الواحدة، أدت إلى العديد من حالات الاحتجاز والترحيل فيما بعد.
ولفت التقرير إلى أن العديد من اللاجئين المقبوض عليهم كانوا يحملون وثائق قانونية من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن ذلك لم يمنع السلطات من احتجازهم وترحيلهم بعد مصادرة وثائق المفوضية.
ورصد التقرير تلك الممارسة الأمنية المنتشرة منذ العام الماضي، إذ رحَّلت السلطاتُ لاجئين وطالبي لجوء حاملين للوثائق، أو أحالتهم إلى القضاء بتهمة تتعلق بالوجود غير القانوني على الأراضي المصرية، بعد مصادرة أوراقهم التي تثبت قانونية وضعهم.
ووفق التقرير، في بعض الحالات داهمت السلطات منازل اللاجئين وطالبي اللجوء في الأحياء المعروفة بتجمع أعداد كبيرة منهم، وهي ممارسة أخرى تكاد تكون جديدة تمامًا على سياسات الدولة المصرية تجاه مجتمعات اللاجئين.
ونقل التقرير عن طالب لجوء سوداني تعرض للإعادة القسرية في ديسمبر/ كانون الأول 2024، حيث رفضت السلطات الاعتراف أو التعامل مع وثائق تسجيله لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

مداهمة منازل وترحيل… واحتجاز 64 طفلاً بينهم 9 دون العاشرة

وقال إن ضابط شرطة صادر بطاقة المفوضية الخاصة به عندما ألقي القبض عليه عند نقطة تفتيش في شمال مصر. وخلال مثوله الروتيني أمام النيابة العامة عقب اعتقاله، أبلغ وكيل النيابة طالب اللجوء أن النيابة لم تتسلم أيّا من وثائقه من مركز الشرطة الذي اعتقله، وأن النيابة سيتعين عليها التعامل مع قضيته كما لو كان مهاجرا غير نظامي من دون وثائق، وبالتالي سيتم ترحيله.
وأفاد طالب اللجوء بأنه حاول تذكير ضباط الشرطة بحمله بطاقة المفوضية، فما كان منهم إلا أن ردوا بأنهم لا يهتمون بالبطاقة، وأنه سيُعاد إلى السودان.
وعلى الحدود السودانية، أمره ضباط الشرطة بتوقيع وثيقة توافق على ترحيله إلى بلده.
وتناول التقرير كيف أدى تصعيد السلطات المصرية لعمليات الترحيل إلى حالات فصل لأطفال عن عائلتهم في ظروف مختلفة، منها تم ترحيل الأطفال بمفردهم، أو تُركهم دون مقدمي الرعاية الأساسيين لهم بسبب الاعتقالات.
ولفتت إلى أن حملات توقيف الأطفال تنوعت بين مداهمة المنازل، والبعض الآخر في الأماكن العامة مثل الحدائق أو في طريقهم من وإلى المدرسة.
ووثق التقرير احتجاز 64 طفلا، من بينهم تسعة دون سن العاشرة، و56 طفلا تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاما في الفترة ما بين 1 يناير/ كانون الثاني و23 مارس/ آذار الماضيين.
كما سجل التقرير أنماط انتهاكات طالت مئات الحالات، ومن تلك الانتهاكات استخدام ما تُسمى «العودة الطوعية» غطاءً للإعادة القسرية، إضافة إلى التسبب في تشتيت العائلات نتيجة ترحيل الأطفال أو ذويهم، واحتجاز لاجئين مسجلين لدى المفوضية وترحيلهم دون تمكينهم من أي ضمانات قانونية، وترحيل الأشخاص إلى بلدان ثالثة معرَّضين فيها للخطر.
وأمس الأول الأحد، أعلنت هيئة سكك حديد مصر، انطلاق خامس رحلات قطار العودة الطوعية من القاهرة، وعلى متنه المئات من الأسر السودانية، في اتجاه محطة السد العالي في جنوب البلاد، حيث يتم نقل الأسر في حافلات إلى السودان.
وحذرت المنظمتان من التداعيات الجسيمة المحتملة في حال تطبيق قانون اللجوء الجديد رقم 164 لسنة 2024 المعيب، خاصة مع غياب أي نصوص تتناول مرحلة الانتقال من النظام القانوني القائم إلى النظام الجديد.

ترحيل اللاجئين

وبينت أن نصوص القانون في شكلها الحالي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات موسعة في ترحيل اللاجئين، وتقلل من مركزية مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتكرّس بيئة قانونية وإدارية تجعل الوصول إلى الحماية والإقامة أمرًا بالغ الصعوبة، ما قد يفاقم من الأوضاع والأنماط المرصودة في السنتين الماضيتين، اللتين ظهر فيهما تحول غير مسبوق في سياسات الدولة تجاه اللاجئين والمهاجرين بشكل عام.
ويبرز التقرير أيضًا تعذُّر وصول ملتمسي اللجوء إلى الأراضي المصرية أو إلى مكاتب المفوضية للتسجيل، بسبب قرارات إدارية وقيود أمنية وتعسف في التعامل مع الفارين من الحرب في السودان بشكل خاص، ما يدفع اللاجئين إلى الدخول غير النظامي بما يترتب عليه من مخاطر تهدد حياتهم. ورصدت المنظمتان خلال الفترة الممتدة من فبراير/شباط إلى أغسطس/آب 2024، عشرات الحوادث التي أسفرت عن مقتل 19 وإصابة 165 مهاجرا سودانيا، فضلاعن تعرضهم لحملات قبض واسعة النطاق، حتى في حال امتلاكهم وثائق قانونية.
وواصل التقرير: كما يُظهر أن عمليات الاحتجاز والترحيل تلك لم يعد ممكنًا وصفها إلا بكونها ممنهجة ومقصودة لإسقاط الحماية عن اللاجئين، وتشتيت الأسر وتدمير حياة الهاربين من النزاعات. وقد وثَّقت الجهات المحلية الفاعلة في مجال الحماية ترحيل أكثر من 20 ألف لاجئ إلى السودان خلال عام 2024 فقط، وهو ما يعادل سبعة أضعاف عدد المرحلين في عام 2023. ما يؤكد التحول الجذري في السياسة الرسمية تجاه مجتمعات اللاجئين.
ورغم خطورة هذه الانتهاكات، يُسجّل التقرير تقاعس المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن أداء دورها الرقابي والحمائي، واكتفاءها ببيانات رسمية وتصريحات دبلوماسية، في مقابل استمرار الاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم المالي والسياسي للحكومة المصرية دون اشتراطات واضحة لحماية اللاجئين.
وفي ختام التقرير أوصت المنظمتان بالوقف الفوري للإعادة القسرية، ولا سيما إلى السودان التي تحظر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين رد اللاجئين إليها تحت أي ظرف، والإفراج غير المشروط عن جميع المحتجزين تعسفيًّا من اللاجئين وطالبي اللجوء، وتأجيل تطبيق قانون اللجوء الجديد وإعادة صياغته بما يتوافق مع المعايير الدولية، وضمان الوصول العادل إلى التسجيل والإقامة القانونية، واحترام التزامات مصر الدولية، وعلى رأسها اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.

“الناس يموتون من الجوع”… أحد سكان الفاشر يروي يوميات السكان المحاصرين

لا تزال مدينة الفاشر عاصمة إقليم شمال دارفور في السودان محاصرة منذ أكثر من عام من قبل قوات الدعم السريع. ووجد 500 ألف مدني أنفسهم عالقين في المدينة. فريق تحرير مراقبون فرانس24 تواصل مع أحد السكان الذي تحدث عن حياة يومية يسودها الخوف والجوع والعيش يوما بيوم.

عدد من سكان الفاشر عاصمة إقليم شمال دارفور في السودان ينتظرون توزيع المساعدات الغذائية من مطبخ أهلي لمحمد الروفي. © صورة من حساب محمد الروفي على فيس بوك

تخضع مدينة الفاشر عاصمة إقليم شمال دارفور في السودان لحصار تفرضه قوات الدعم السريع منذ شهر أيار/مايو 2024. وحرمت المدينة من المساعدات الإنسانية ووجد سكانها أنفسهم منفصلين عن باقي المنطقة دون إمكانية الحصول على المواد الغذائية الأساسية والعلاج ولا حتى الخدمات الحيوية.

“المدنيون في الفاشر لا يجدون أي شيء لملء بطونهم الخاوية”

تمكن فريق تحرير مراقبون من التواصل مع أحد سكان الفاشر . وقررنا عدم ذكر هويته لحماية سلامته الشخصية. وروى لنا تفاصيل عن حياته اليومية في مدينة محاصرة، وقال:

هنا، الناس يموتون من الجوع. حتى أنني اليوم لم أتناول الغداء بسبب عدم وجود إمدادات غذائية.

أتناول حبات مكملات غذائية مثل الأوميغا 3 وفيتامينات أخرى مثل الفيتامين سي في ظل نقص الخضروات الطازجة.

تغير شكل أجسامنا بشكل كبير سبب عدم توافر الغذاء بشكل مستمر.

منذ ما يزيد عن أسبوعين، لا يجد المدنيون في الفاشر أي شيء لملء بطونهم الخاوية، والسكان يتناولون ” العمبز” وهي عبارة عن بقايا الفول السوداني الذي يبقى بعد استخراج زيته، وهي في الأصل مخصصة كعلف للحيوانات. نأكلها لأننا لا نملك أي شيء آخر لتناوله.

تظهر هذه الصور التي نشرت على منصة إكس في يوم 28 تموز يوليو 2024 أحد سكان مدينة الفاشر بصدد حمل مادة العمبز في يديه، وهي عبارة عن بقايا الفول السوداني وتستخدم في الأصل كعلف للحيوانات. ويقول سكان من المدينة، ومن بينهم مراقبنا بأن السكان الجائعين باتوا مجبرين على تناول العمبز حتى يبقوا على قيد الحياة. صورة من حساب TurtleYusuf على منصة إكس (تويتر سابقا)

تظهر هذه الصور التي نشرت على منصة إكس في يوم 28 تموز/يوليو 2024 أحد سكان مدينة الفاشر وهو يحمل مادة العمبز في يديه، وهي عبارة عن بقايا الفول السوداني وتستخدم في الأصل كعلف للحيوانات. ويقول سكان من المدينة، ومن بينهم مراقبنا بأن السكان الجائعين باتوا مجبرين على تناول العمبز حتى يبقوا على قيد الحياة. صورة من حساب TurtleYusuf على منصة إكس (تويتر سابقا)

وتؤكد عدة مصادر لفريق تحرير مراقبون فرانس24 بأن بعض الأشخاص في مدينة الفاشر لم يعد لديهم سوى علف الحيوانات ليأكلوه.

وارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني منذ بدء حصار المدينة ما جعل آخر ما تبقى من المواد المتاحة فوق القدرة الشرائية للسكان.

يعود مراقبنا ليقول:

كيس اللحم بات يكلف ما بين 4 إلى 7 مليار جنيه سوداني (أي ما يعادل ما بين 1200 و 2100 يورو) ومن المستحيل شراءه. لقد ارتفعت الأسعار بشكل كبير. حتى أن سعر العمبز ارتفع بدوره.

زد على ذلك نقص الأوراق والقطع النقدية. وتتم عملية الدفع من خلال تطبيقات بنكية ما يكلف ضعف الثمن في حال الدفع نقدا.

اليوم، كلغ واحد من اللحم يكلف ضعف ثمنه في حال الدفع آليا عوض النقود.

عدد من سكان الفاشر بصدد انتظار توزيع مساعدات غذائية في مطابخ أهلية. صورة أرسلت لفريق تحرير مراقبون في يوم 5 آب/أغسطس 2025. © صورة من حساب منظمة Darfur Victims Support

المطابخ الأهلية في نجدة الناس

في مدينة أصبح فيها سعر المواد الأساسية أغلى من قدرة الناس، يحاول محمد الروفي مواصلة تقديم الوجبات، ويوضح قائلا:

اليوم كل الناس باتوا يعيشون على بعض المطابخ الأهلية التي تواصل نشاطها في مدينة الفاشر. ووصل بنا الحال إلى الحصول على الغذاء فقط عبر متطوعين شباب يقومون بتهريبها من القرى والمدن المجاورة.

منشور على حساب محمد الروفي على موقع فيس في يوم 4 آب/أغسطس 2025 يظهر توزيع وجبات غذاء في مدينة الفاشر. © صورة من حساب محمد الروفي على موقع فيس بوك

يعود محمد الروفي ليقول:

إلا أنه يبقى من الصعب جدا ضمان وجبة واحدة في كل اليوم. عندما بدأنا النشاط، كنا نقدم ثلاث وجبات في اليوم.  ثم وجدنا أنفسنا مجبرين على المرور إلى تقديم وجبتين قبل أن نقدم وجبة واحدة في اليوم، وحتى ذلك في ظروف صعبة جدا.

قبل ذلك، كنا نقدم أنواعا مختلفة من الغذاء. أما الآن، ومع اختفاء المواد من السوق والسعر الجنوني الذي نحصل به عليها، توجهنا إلى المواد الغذائية المحلية مثل حبوب القصب والدخن التي يتم زرعها هنا، حتى أن هذه المواد نفدت الآن.

ويوضح محمد بأنه رأى عددا كبيرا من حالات سوء التغذية الحاد خصوصا وسط الأطفال، ولاحظ ظهور تورمات ونوع من مرض كواشيوركور، وهي متلازمة مرتبطة بسوء التغذية تسبب باحمرار جلد الأطفال المصابين بها.

“إنها كارثة في الفاشر”

وفق آدم موسى أوباما وهو مدير منظمة «دارفور فيكتيمز سابورت» غير  الحكومية، فإن 500 ألف مدني محاصرون الآن في الفاشر دون أية فرصة للهرب، ويضيف قائلا:

هرب نحو مليون و400 ألف مدني إلى الطويلة والكرمة، ولكن في مدينة الفاشر، هناك كارثة…

البنى التحتية في المدينة خرجت تماما عن الخدمة، لم يعد هناك غذاء ولا دواء ولا خدمات ولا علاج مناسب. زد على ذلك أعمال النهب والمعارك التي جرت في المدينة. وقوات الدعم السريع تحاصر المدينة منذ أكثر من عام الآن.

لا توجد أية وسائل نقل بين المدينة وباقي المناطق. يتنقل الناس فقط على ظهور الحمير ، حتى أن بعض السكان لا يملكون ثمن النقل على الدواب. على سبيل المثال، رحلة واحدة من الفاشر تكلف 80 دولارا، وهو ما يمثل مبلغا كبير لشخص لا يملك عملا أو مصدر دخل.

وتؤكد محادثة أجراها آدم موسى أوباما مع أحد الموجودين في المدينة فداحة الوضع هناك:

تواصلت مع أحد الزملاء هناك، وقلت له إنه يجب أن نطلب من منظمة إرسال المال لشراء الغذاء للمدنيين. ولكني أجابني قائلا: حتى لو قمتم بإرسال المال، لا يوجد شيء لشرائه في السوق.

في الحقيقة، مدينة الفاشر متوقفة تماما. ولا يوجد عمل، ولا غذاء ولا مساعدات تدخل المدينة.

المساعدات الإنسانية لا تزال عالقة

من جانبه، أكد برنامج الغذاء العالمي فداحة الأزمة الإنسانية في المدينة. ففي تقرير له صدر في يوم 5 آب/أغسطس 2025، ذكر بأنه لا يوجد أية مساعدات إنسانية دخلت المدينة منذ أكثر من عام وأن “المدينة منقطعة بشكل تام عن طرق دخول أي دعم إنساني”. وعلى الرغم من أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة تواصل تقديم دعم مالي للسكان “يسمح له بشراء الغذاء الذي لا يزال متوفرا في الأسواق”، إلا أن التقرير يوضح بأن ذلك “يبقى غير كاف بالمرة لتوفير الاحتياجات الكبيرة لهذه المدينة المحاصرة”.

وفي يوم 1 آب/أغسطس الجاري، تلقى برنامج الغذاء العالمي الضوء الأخضر من السلطات السودانية لإرسال موكب مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، إلا أنه لا يزال عالقا، إذ لم تسمح له قوات الدعم السريع إلى حد الآن بدخوله إليها.

ويؤكد مدير منظمة “دارفور فيكتيمز سابورت” غير الحكومية آدم موسى أوباما هذا الوضع قائلا:

العاملون في مجال الإغاثة الإنسانية عالقون بدورهم. على سبيل المثال، تم إيقاف 45 عربة تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في منطقة تينا. ومنذ منتصف شهر تموز/يوليو الماضي إلى حد الآن، لم يمنح لهم الترخيص بدخول المدينة.

“كل سكان الفاشر في خطر محدق”

إزاء هذه الكارثة الإنسانية، يوضح آدم موسى أوباما بأن المدنيين، باتوا في الخطوط الأولى لضحايا النزاع، وطالب بوقف المعارك والبحث عن إمكانية العودة إلى الحياة العادية.

كما يطالب آدم موسى أوباما أيضا بحماية السكان ودخول فعلي للمساعدات الإنسانية وعودة صرف مرتبات الموظفين الذين حرموا في معظم الحالات من أجرتهم منذ عدة أشهر، وهو ما يزيد في تعميق معاناتهم.

وفي تصريح لفريق تحرير مراقبون، يحذر آدم موسى أوباما قائلا:

في الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة، لن يكون هناك أي غذاء بالمرة في المدينة. باستثناء بعض الأشخاص المرتبطين بالمليشيات، فإن المدنيين المستقلين لا يدعمون أي طرف في النزاع.

بكل بساطة، إنهم يريدون فقط العيش في سلام مع إمكانية الحصول على الغذاء والعلاج. لا علاقة لها أبدا بهذا النزاع بين الفصائل المسلحة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم عالقين في وضع مؤسف.

وبات نحو 25 مليون سوداني في حالة انعدام أمن غذائي، من بين 5 مليون شخص في حالة إنسانية طارئة، وفق ما أكده برنامج الغذاء العالمي. وما بين شهري كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2025، تضاعف عدد الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية حاد مع تأكد وجود 40 ألف حالة لأطفال في إقليم شمال دارفور فقط، وفق ما أكدته منظمة اليونيسيف.

كيف يفاقم حصار كادقلي والدلنج الأزمة الإنسانية بالسودان؟

الخرطوم– بعد نحو 15 شهرا على حصار قوات الدعم السريع مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور غرب السودان -والتي أصبحت تواجه خطر المجاعة- يزداد الحصار المشابه على كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، والدلنج ثاني أكبر مدن الولاية.

وتقترب السلع الغذائية من النفاد، مما دفع الجهات الرسمية والشعبية إلى التحرك لإنقاذ أكثر من نصف مليون نسمة في المدينتين المحاصرتين.

فمنذ أكثر من عام ضيقت قوات الحركة الشعبية -شمال بقيادة عبد العزيز الحلو الخناق على كادقلي محاولة اقتحامها مرات عدة، لكن الجيش كبدها خسائر كبيرة، فلجأت إلى قصف المدينة خلال الأسابيع الماضية

محاولات للسيطرة

كما قطعت قوات الحلو الطريق الرابط بين كادقلي والدلنج، قبل أن يعيد الجيش فتحه، وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على شمال الولاية في منطقة الدبيبات القريبة من الدلنج تحالفت مع الحركة الشعبية ضمن “تحالف السودان التأسيسي” في فبراير/شباط الماضي، وسعت القوتان إلى السيطرة على الدلنج، لكنهما لم تتمكنا من ذلك.

الأوضاع الإنسانية في المدينتين كارثية، حيث أدى الحصار إلى تدهور الخدمات وارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية مع اقتراب مخزونها من النفاد، إضافة إلى انعدام السيولة النقدية وشح الأدوية، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها بحثا عن ملاذ يوفر الخدمات الضرورية.

وتوجد في منطقة الدبيبات شمال ولاية جنوب كردفان -التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع- عشرات آلاف الأسر النازحة بلا مأوى تحت الأمطار وظروف قاسية، إضافة إلى نقص مقومات الحياة.

وأكدت مصادر رسمية أن والي جنوب كردفان محمد إبراهيم عبد الكريم لم يغادر ولايته منذ اندلاع الحرب، في حين توجه نائبه ومسؤولون آخرون إلى العاصمة الإدارية بورتسودان، لنقل صورة تردي الأوضاع الإنسانية في كادقلي والدلنج إلى قيادة الدولة.

آلاف الأسر النازحة تعاني ظروفا قاسية مع نقص في مقومات الحياة (منظمة نفير الطوعية)

انقطاع الخدمات

ويعاني السكان هناك من انقطاع الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والكهرباء، إضافة إلى توقف الاتصالات وغياب الخدمات المصرفية نتيجة نقص السيولة وعدم إمكانية نقلها لأسباب أمنية، مما زاد معاناة السكان.وخلال أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين وافقت السلطات السودانية والحركة الشعبية-شمال على إرسال مساعدات إنسانية إلى المناطق المتضررة، حيث نفذت الأمم المتحدة 78 رحلة إسقاط جوي للمساعدات على كادقلي ومنطقتي كاودا وجلد انطلاقا من مطار جوبا في جنوب السودان.

وفي مواجهة الأزمة الإنسانية المتفاقمة أطلق ناشطون ومجموعات شبابية ومتطوعون مبادرات عدة لتخفيف معاناة سكان كادقلي والدلنج، ومن بين هذه المبادرات “نفير” و”رؤية جيل” اللتان تهدفان إلى توفير الغذاء للفئات غير القادرة على شراء السلع الغذائية بعد ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وأوضح الناشط الإنساني حامد عبد الله للجزيرة نت أن الوضع في المدينتين وصل إلى مرحلة مأساوية، حيث أصبحت المواد الغذائية والأدوية نادرة، والمواطن عاجز عن تأمين وجبة واحدة له ولأسرته يوميا.

وأشار عبد الله إلى لجوء عدد كبير من السكان إلى تناول النباتات والحشائش لتعويض النقص الحاد في الغذاء، نتيجة الحصار المشدد الذي منع دخول السلع خلال الشهور الأخيرة.

كما تحدّث عن ارتفاع معدلات الوفيات -خاصة بين النساء أثناء الولادة- بسبب انعدام الأدوية الأساسية والمحاليل الطبية وغياب مادة التخدير، مما يجعل عمليات الولادة تُجرى في ظروف قاسية وبدائية تهدد حياة الأمهات والأطفال حديثي الولادة.

ودعا الناشط المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية إلى الضغط على قوات الدعم السريع لفتح ممرات إنسانية آمنة تسمح بدخول المساعدات الغذائية والطبية، أو اللجوء إلى عمليات إسقاط جوي للمساعدات كما نفذت الأمم المتحدة سابقا في مناطق الحكومة ومواقع سيطرة الحركة الشعبية بمنطقتي كاودا وجلد.

من جهته، وعد وزير المالية جبريل إبراهيم خلال لقائه عبد الرحمن دلدوم نائب حاكم ولاية جنوب كردفان بالسعي إلى معالجة تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية وشح السيولة لدى مواطني كادقلي والدلنج، نتيجة الحصار المفروض من الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع.

كما تعهد إبراهيم بالتنسيق مع الجهات الحكومية ومنظمات الأمم المتحدة لتنفيذ عمليات إسعافية عاجلة لإسقاط الأدوية والغذاء، والاستفادة من برامج الدعم النقدي، حتى يتم إيجاد حلول جذرية عبر رفع الحصار وفتح طرق الولاية ومسارات العون الإنساني.

تحرك جماعي

ودفعت الأوضاع الإنسانية الصعبة في جنوب كردفان إلى تحرك رموز سياسية واجتماعية، حيث أطلقوا نداء استغاثة عاجل لإنقاذ أكثر من نصف مليون شخص يعيشون في ظروف كارثية تهدد حياتهم بسبب الحرب والحصار الخانق الذي يمنع وصول الغذاء والماء والدواء.

وأكد نداء الاستغاثة أن الحياة اليومية تحولت إلى صراع للبقاء، وأن ما يحدث ليس مجرد أزمة إنسانية، بل كارثة صامتة حيث يموت الناس ببطء وسط تجاهل العالم.

ومن بين الشخصيات التي وقّعت على الرسالة المفتوحة حاكم ولاية جنوب كردفان السابق حامد البشير وعضو مجلس السيادة السابق البروفيسور صديق تاور كافي وعبد الجليل الباشا القيادي في حزب الأمة القومي وزير السياحة السابق، بالإضافة إلى القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي إسماعيل رحال.

أما الكاتب المتخصص في شؤون غرب السودان يوسف عبد المنان فأوضح أن الدلنج وكادقلي تواجهان خطر مجاعة يهدد نصف مليون شخص، وتتدهور الأوضاع يوما بعد يوم في ظل موسم زراعي شحيح الأمطار.

ولفت عبد المنان إلى أن الحكومة تبدو غير مبالية بمصير سكان جنوب كردفان، وكأنها تسعى إلى التخلص من عبء على كاهلها.

وبعد أن اقترب الجيش في مايو/أيار الماضي من تحرير مدينة الدبيبات وفتح الحصار عن الدلنج تراجع إلى أطراف الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، في حين استعادت قوات الدعم السريع سيطرتها على المنطقة، مما يوضح أن الحكومة تركز على الدفاع عن الأبيض بدلا من إنهاء الحصار عن منطقة جبال النوبة.

ويرى الكاتب في حديثه للجزيرة نت أن توصيل المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة يمكن أن يتم إما عبر الأمم المتحدة أو من خلال توقيع اتفاق جديد على غرار “شريان الحياة” الذي سبق أن وقعته الحكومة لضمان إيصال المساعدات.

المصدر: الجزيرة

سودانيون يواجهون الكوليرا بالماء والليمون في غياب المرافق الصحية

طويلة (السودان) (أ ف ب) – أمام خيام نُصبت على عجل للنازحين في مدينة طويلة في أقصى غرب السودان، يفرش السودانيون ملابس وأواني تحت أشعة الشمس على أرض رملية، إذ لا تتوافر مياه كافية لغسلها، ويريدون تعقيمها خوفا من الكوليرا

وتقول منى إبراهيم، النازحة من الفاشر إلى طويلة في إقليم دارفور في غرب السودان، لوكالة فرانس برس، وهي جالسة على الأرض، “ليست لدينا مياه أو خدمات، ولا حتى دورات مياه. الأطفال يقضون حاجتهم في العراء”.

يبدو كل شيء هنا وكأنه ينقل الكوليرا. في غياب المياه النظيفة والمرافق الصحية والدواء، يلجأ مئات الآلاف من السودانيين إلى خلط الماء والليمون في مواجهة البكتيريا المميتة.

في الأشهر الأخيرة، وهربا من المعارك الدامية واستهداف مخيماتهم في الفاشر في شمال دارفور، نزح نحو نصف مليون شخص – بحسب الأمم المتحدة – إلى طويلة (40 كلم إلى الغرب) التي باتت شوارعها تعج بلاجئين يفترشون الطرق وبخيام بلا أسقف بنيت من القش، تحيط بها مستنقعات تجذب أعدادا هائلة من الذباب.

وتتابع ابراهيم “لا يوجد علاج في طويلة.. نحن نضع الليمون في الماء لأننا لا نملك أي سبيل آخر للوقاية. والمياه ذاتها بعيدة عنا”.

خلال الشهر الماضي، قدّمت منظمة أطباء بلا حدود العلاج لـ 1500 مريض بالكوليرا، فيما حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن أكثر من 640 ألف طفل دون الخامسة يواجهون خطر الإصابة بالمرض في ولاية شمال دارفور وحدها.

رجل مع آلة للتعقيم عند مدخل مركز علاج الكوليرا في مخيم للاجئين في طويلة في السودان في 12 آب/اغسطس 2025 © / ا ف ب

ومنذ نيسان/أبريل، سجّلت الأمم المتحدة أكثر من 300 إصابة بالكوليرا بين الأطفال في طويلة.

ويعاني البلد الذي يشهد حربا مدمّرة منذ أكثر من سنتين، من تدهور حاد في البنية التحتية الطبية وفي الاتصالات ما يعيق الوصول للمستشفيات وتسجيل تعداد دقيق للإصابات والوفيات.

واندلعت الحرب بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو في نيسان/أبريل 2023، وعلى مدار أكثر من عامين راح ضحيتها عشرات الآلاف وتسببت في نزوح أكثر من 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.

– رفاهيات

ويقول أحد المنسقين في منظمة أطباء بلا حدود سيلفان بنيكو لفرانس برس إنه تم تسجيل أولى حالات الكوليرا في بداية حزيران/يونيو في قرية تابت بجنوب طوبلة، مشيرا إلى أن “الوضع يتطور بسرعة”.

ويضيف “بعد أسبوعين فقط، بدأنا في رصد الحالات داخل مدينة طويلة وخصوصا في مخيمات النزوح”.

وبحلول نهاية تموز/يوليو، تم تسجيل 2140 إصابة و80 وفاة على الأقل في إقليم دارفور، وفقا للأمم المتحدة.

والكوليرا هي عدوى حادة تسبّب الإسهال وتنجم عن استهلاك الأطعمة أو المياه الملوّثة، بحسب منظمة الصحة العالمية التي تعتبرها “مؤشرا لعدم الإنصاف وانعدام التنمية الاجتماعية والاقتصادية”.

وتقول المنظمة إن المرض “يمكن أن يكون مميتا في غضون ساعات إن لم يُعالج”، لكن يمكن علاجه “بالحقن الوريدي ومحلول تعويض السوائل بالفم والمضادات الحيوية”.

امرأة تغسل يدها عند مدخل مركز لعلاج الكوليرا في مخيم لاجئين في طويلة بالسودان في 12 آب/أغسطس 2025 © – / ا ف ب

وينصح مدير اليونيسف في طويلة إبراهيم عبد الله “أفراد المجتمع أن يهتموا بالنظافة وغسل أياديهم بالصابون وتنظيف الأغطية والمشمعات التي يتم تقديمها لهم”.

ولكن في كثير من خيام اللجوء، تعتبر الأغطية والصابون والمياه النظيفة رفاهيات لا يملكها الكثيرون.

“لم يعد أمامهم خيارات”

وبحسب بنيكو، لا يوجد في مخيمات النزوح بطويلة “أي شيء، لا مياه ولا صرف صحي ولا رعاية طبية”.

ويوضح أن معظم الإصابات بالكوليرا تحدث داخل هذه المخيمات.

وتقول نازحة أخرى من الفاشر “ليس لدي طعام. ليس لدي خيمة. ولا أملك إناء أو غطاء. لا شيء”.

بينما تجلس إبراهيم إلى جانب كومة من الملابس المتسخة، مؤكدة أن “لا أحد هنا لديه صابون”.

أما المياه، فيحصل عليها قاطنو طويلة من المسطحات الطبيعية القريبة، الملوثة في أغلبها، أو من الآبار القليلة المتبقية، أو بعد الوقوف في طوابير أمام الصنبور العام.

وحذرت الأمم المتحدة مرارا من انعدام الأمن الغذائي في طويلة، مع تسجيل نقص حاد في المساعدات الإنسانية التي يواجه توصيلها تحديات جمة.

ويقول بنيكو “الوضع مقلق جدا. هؤلاء الناس لم تعد أمامهم خيارات”.

وأقامت يونيسف خيمة في وسط المدينة لتقديم العلاج لمصابي الكوليرا.

مرضى يتلقون العلاج من الكوليرا في مركز أنشأته يونيسف في مخيم للاجئين في طويلة بالسودان في 12 آب/أغسطس 2025 © – / ا ف ب

على أسرة صفت على الجانبين، يتمدد مرضى يبدو عليهم الهزال، تتصل بأيديهم محاليل وريدية فيما يطوف الذباب الكثيف داخل الخيمة.

وعلى مدخل المشفى المرتَجَل، يمسك أحد عاملي يونيسف بخاخا لتعقيم كل من يدخل الخيمة.

كذلك أقامت أطباء بلا حدود مركزا لعلاج الكوليرا في طويلة يضم 160 سريرا، وآخر في مخيم دبا نابرة، أحد أكثر مخيمات اللاجئين تسجيلا للإصابات، وكلاهما “ممتلىء عن آخره” بحسب بنيكو.

ويشهد توصيل المساعدات الغذائية والطبية داخل السودان تحديات كبيرة بسبب نقص التمويل وأعمال العنف واستهداف الطواقم الإغاثية، بالإضافة إلى موسم الأمطار الذي يبلغ ذروته في آب/أغسطس، متسببا في غلق بعض الطرق.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي من تفاقم سوء التغذية ونزوح السكان وانتشار الأمراض في السودان.

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس في مؤتمر صحافي في جنيف “انتشر وباء الكوليرا في السودان، حيث أبلغت كل الولايات عن تفشيه. وتم الإبلاغ عن حوالي 100 ألف حالة منذ تموز/يوليو من العام الماضي”.

وحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أيضا من أنه “من المتوقع أن تؤدي الفيضانات الأخيرة التي شهدتها أجزاء كبيرة من البلاد، إلى تفاقم سوء التغذية وتأجيج تفش جديد للكوليرا والملاريا وحمى الضنك وأمراض أخرى”.

سكان “الفاشر” السودانية تحت وطأة الجوع والحصار.. فمن ينقذهم؟

مئات الآلاف من سكان مدينة الفاشر السودانية يواجهون مجاعة حقيقة بعد حصار دام لعام تقريباً عقب اشتداد الصراع بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، فهل سيجلس الطرفان أخيرا على طاولة الحوار لإنهاء الصراع؟

مئات آلاف النازحين في مخيمين بالقرب من مدينة الفاشر شمال غرب السودان يعيشون مجاعة، وذلك بحسب ما أفاد جهاز رصد الجوع العالمي في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

التحذيرات حول وجود مجاعة في مناطق في السودان ليست جديدة، وبدأت تتوالى منذ أشهر، فحذّر جهاز رصد الجوع العالمي من أن استمرار الحرب الأهلية في السودان قد تؤدي إلى انتشار المجاعة في مدينة الفاشر بحلول شهر أيار/ مايو الماضي.

وبالفعل تخضع مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، لحصار منذ أكثر من عام. وهذا الأسبوع حذرت الأمم المتحدة وعدد من وكالاتها من أن نحو 300 ألف شخص محاصرين داخل المدينة يواجهون خطر المجاعة.

وفي بيان، قال برنامج الأغذية العالمي: “لم يتمكن برنامج الأغذية العالمي من إيصال المساعدات الغذائية إلى الفاشر عبر البر لأكثر من عام لأن جميع الطرق المؤدية إلى هناك مغلقة”، وأضاف: “المدينة معزولة عن الوصول الإنساني، مما يترك السكان المتبقين بلا خيار سوى الاعتماد على أي إمدادات محدودة متبقية من أجل البقاء”.

وبالفعل يلجأ العديد من الناس في الفاشر إلى تناول علف الحيوانات، لعدم مقدرتهم على تحمّل تكاليف الطعام التي أصبحت أغلى بكثير من أي مكان آخر في السودان.

الهدنة الإنسانية هي الحل الوحيد لإيصال المساعدات الإنسانية والإمدادات الغذائية إلى الفاشر بأمان بحسب تصريح ليني كينزلي، المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي في السودان لـ DW.

السيطرة على السودان.. سبب الصراع المستمر

كل ذلك هو نتيجة للحرب الأهلية في السودان التي بدأت في أوائل عام 2023. بدأ الصراع بين مجموعتين عسكريتين متنافستين، هما قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية من أجل السيطرة على البلاد.

القوات المسلحة السودانية هي الجيش النظامي للبلاد، تتألف من 200 ألف فرد، ويقودها الزعيم الفعلي للبلاد عبد الفتاح البرهان الذي يشغل منصب رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني. وتعترف الأمم المتحدة بحكومة البرهان، المتمركزة في بورتسودان على البحر الأحمر، كحكومة سودانية.

أما قوات الدعم السريع فيتراوح عدد أفرادها بين 70 ألف و100 ألف مقاتل، يرأسها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي. تضم هذه القوات فصائل الجنجويد المسلحة سيئة السمعة التي اشتهرت بارتكاب أعمال عنف وحشية في دارفور في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد اتُهم كلا الجانبين بارتكاب جرائم حرب.

والفاشر هي المركز الحضري الوحيد في منطقة دارفور التي ما تزال خارج سيطرة قوات الدعم السريع، وإذا انتصرت قوات الدعم السريع هنا، فإنها ستسيطر على غرب السودان بالكامل تقريباً.

ولهذا تدافع الفصائل المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية والمعروفة باسم القوات المشتركة عن الفاشر بشراسة، وهو ما دفع قوات الدعم السريع إلى فرض حصار على المدينة منذ نيسان/ أبريل الماضي عام 2024 وحفر الخنادق وشن هجمات عليها بانتظام.

وما زاد من الوضع سوءاً هجوم قوات الدعم السريع على معسكرين بالقرب من الفاشر يأويان أكثر من 500 ألف نازح، ما أدى إلى فرار العديد منهم إلى الفاشر أو إلى بلدات مجاورة.

حصار الفاشر.. شهادات مأساوية من الداخل

في مقابلة تلفزيونية مع DW قالت شاينا لويس، كبيرة مستشاري شؤون السودان في منظمة منع وإنهاء الفظائع الجماعية (PAEMA) ومقرها الولايات المتحدة: “حاصرت قوات الدعم السريع المدينة لأكثر من عام حتى الآن. لكنها شددت الحصار بشكل خاص في الأشهر القليلة الماضية. لا شيء يدخل ويخرج. كنا نستخدم عربات تجرها الحمير لنقل الطعام إلى المدينة، لكن الآن بالكاد يمكن تهريب أي شيء”.

في حين أفاد سكان الفاشر أن قوات الدعم السريع تهدف إلى تجويع القوات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، وتفيد تقارير أخرى بأن بعض القوات داخل المدينة تمنع المدنيين من المغادرة، وتستخدمهم كحاجز وقائي.

وعن تجربتها مع قوات الدعم السريع قالت إنعام محمد، امرأة سودانية لصحفيين: “سألونا: أين الأسلحة؟ أين الرجال؟”، “إذا وجدوا شخصاً لديه هاتف محمول، يأخذونه. إذا كان لديك مال، يأخذونه. إذا كان لديك حمار جيد وقوي، يأخذونه.”  وأفادت محمد أنها رأت أفراداً من قوات الدعم السريع يقتلون الناس ويغتصبون النساء.

هربت محمد من الفاشر إلى بلدة طويلة التي تبعد 40 كيلومتراً، حالها حال 400 ألف نازح إلى البلدة منذ أبريل الماضي. وهناك الوضع الإنساني ليس أفضل كثيراً، إذ تنتشر أمراض عديدة هناك مثل الكوليرا والحصبة.

التفاوض لإنهاء الصراع!

الصراع في السودان وصل إلى طريق مسدود، إذ تسيطر القوات المسلحة السودانية على الشرق وقوات الدعم السريع على معظم غرب السودان، حيث شكلت حكومتها المدنية الخاصة في وقت سابق من شهر تموز/ يوليو، مما أدى فعلياً إلى تقسيم السودان إلى قسمين.

القتال العنيف مستمر في السودان ولا يريد الجانبان التفاوض. وكتب محللون في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) في وقت سابق من هذا العام: “ينظر كلا الطرفين إلى الصراع من خلال عدسة محصلتها صفر”. “إن انتصار أحد الجانبين يعتمد كلياً على هزيمة الآخر”. يقول المراقبون إن الجانبين يرفضان التفاوض.

وفي اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي طلب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من قائد القوات المسلحة السودانية، البرهان وقف إطلاق النار لمدة أسبوع للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى الفاشر. البرهان أبدى موافقته في حين لم توافق قوات الدعم السريع بعد.

وما يزيد الوضع سوءاً هو تفاقم الدعم الأجنبي للجماعات المقاتلة. إذ يُعتقد أن السعودية ومصر تدعم القوات المسلحة السودانية، بينما يُشتبه في أن الإمارات تدعم قوات الدعم السريع، مع نفي جميع الأطراف تقديم أي دعم عسكري لأي جهة.

وفي تموز/ يوليو، أجلت الولايات المتحدة اجتماعاً بشأن السودان كان من شأنه أن يجمع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، ومن المقرر الآن عقد الاجتماع في أيلول/ سبتمبر.

الوضع الإنساني كارثي

ومع تعقّد الصراع يتفاقم الوضع الإنساني سوءاً، إذ أشارت كينزلي، من برنامج الأغذية العالمي، إلى أن تأثير الحرب يتجاوز بكثير مدينة الفاشر المحاصرة، وتصف الأمم المتحدة ما يحدث في السودان بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم.

إن حوالي 12 مليون شخص من أصل 46 مليون نسمة في السودان قد نزحوا بسبب النزاع، وحوالي 150 ألف شخص لقوا حتفهم بسببه، بالإضافة إلى انتشار المجاعة والأمراض المعدية في مختلف أجزاء البلاد بحسب تقديرات وكالات الإغاثة.

قال كينزلي: “ما نحتاجه من المجتمع الدولي أمران، الأول، هو التمويل؛ لأن حجم الاحتياجات في السودان مرتفع للغاية”، وأضافت: ” نحن ننظر إلى 25 مليون شخص يواجهون جوعاً حاداً، وهذا تقدير معتدل. الموارد المتاحة لدينا لا تكفي لتلبية هذا المستوى من الاحتياجات”.

أما الأمر الثاني هو التكاتف الدولي من أجل إنهاء الصراع من خلال جمع جميع الأطراف على طاولة المفاوضات. واختتمت كينزلي قولها بـ: “ما يجب أن يحدث في السودان هو أن يكون تدفق المساعدات أكبر من تدفق الأسلحة

DW

معاناة اللاجئين السودانيين بمصر تتفاقم بين الفقر والاعتقال: خيارات العودة إلى وطن ممزق تتزايد

في ظل استمرار الحرب التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، يواجه اللاجئون السودانيون في دول الجوار، وعلى رأسها مصر، أوضاعًا متدهورة تهدد استقرارهم وسلامتهم، وتدفعهم إلى خيارات قاسية بين العودة الطوعية إلى وطنهم الممزق أو الترحيل القسري الذي بات يتكرر بشكل مقلق. ومع مرور الوقت، تآكلت مدخرات كثير من السودانيين الذين غادروا البلاد في بداية الحرب بأموال محدودة، على أمل العودة السريعة، لكن طول أمد النزاع وانهيار قيمة الجنيه السوداني جعل تكاليف المعيشة في دول اللجوء عبئًا لا يُحتمل، خاصة في ما يتعلق بإيجارات المنازل والرعاية الصحية والمصروفات اليومية.

في مصر، حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين السودانيين، يواجه هؤلاء تحديات قانونية واقتصادية متفاقمة، إذ لا يملكون تصاريح عمل رسمية، ما يضطرهم إلى العمل في وظائف غير مستقرة وبأجور زهيدة. هذا الواقع دفع آلاف الأسر والشباب إلى اتخاذ قرار العودة إلى السودان، رغم المخاطر الأمنية، اعتقادًا منهم أن الحياة في مناطق أكثر هدوءًا داخل البلاد قد تكون أقل قسوة من الفقر والجوع في الغربة.

في المقابل، تتصاعد ظاهرة الترحيل القسري، التي تستهدف بشكل خاص الشباب السوداني، حيث شهدت مصر في الأشهر الأخيرة حملات اعتقال واسعة شملت لاجئين سودانيين في مناطق متفرقة، بما في ذلك من يحملون إقامات سارية أو أوراق تسجيل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. يتم احتجاز هؤلاء في مراكز الشرطة لفترات متفاوتة، قبل ترحيلهم قسرًا إلى السودان عبر معبر أرقين، غالبًا دون تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم أو جمع مقتنياتهم الشخصية.

هذه الممارسات أثارت قلقًا واسعًا في أوساط المنظمات الحقوقية، التي اعتبرتها انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي المتعلقة بحماية اللاجئين. وبحسب تقارير موثقة من منظمات دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إضافة إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تم تسجيل حالات واقعية توضح تبعات الترحيل القسري للسودانيين من مصر، بما في ذلك طلاب جامعيون تم اعتقالهم أثناء توقفات عشوائية في الشوارع، رغم امتلاكهم لإقامات قانونية أو أوراق لجوء، ما أدى إلى انقطاع دراستهم وتدمير مستقبلهم الأكاديمي.

كما وثّقت تقارير حقوقية اعتقال لاجئين أثناء تلقيهم العلاج في مستشفيات حكومية، خاصة في مدينة أسوان، حيث تم نقلهم من غرف العلاج إلى مرافق احتجاز غير إنسانية، وحُرموا من استكمال علاجهم، ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية قبل ترحيلهم. في بعض الحالات، تم ترحيلهم رغم حاجتهم الماسة للرعاية الطبية، ما أثار موجة من الاستنكار الحقوقي والإنساني.

وفي يوليو الماضي، ألقت السلطات المصرية القبض على الشاب السوداني محمد النور مهدي في منطقة الطالبية بالجيزة، بسبب عدم حمله لأوراقه الثبوتية أثناء سيره في الشارع، رغم أنه كان يحمل إقامة قانونية عبر المفوضية السامية ويخضع للعلاج من مرض السرطان. تم احتجازه وإدراج اسمه ضمن قائمة الترحيل، ما دفع أسرته والجالية السودانية إلى مناشدة المبادرات الحقوقية للتدخل. وتولى محامون متطوعون من مبادرة “مدد” متابعة قضيته، مؤكدين أن محمد كان يتلقى العلاج في مصر للاستفادة من كفاءة الأطباء والبيئة العلاجية المناسبة. وبعد ضغط إعلامي وتدخل من منظمات دولية، تم إطلاق سراحه، ليتمكن من استكمال جرعات العلاج الكيماوي في بيئة طبية ملائمة، بعيدًا عن ظروف الاحتجاز التي كانت تهدد صحته.

وبحسب تقرير صادر عن “المنصة المصرية للاجئين” ومنظمات أخرى، تم اعتقال وترحيل أسر سودانية بأكملها، بما في ذلك أطفال ونساء، في ظروف غير إنسانية داخل مخازن ومستودعات تابعة لقوات حرس الحدود. هذه الأسر، التي كانت تسعى للحصول على الأمان، وجدت نفسها في مواجهة الاعتقال والترحيل دون أي إجراءات قانونية أو فرصة لتقديم طلبات اللجوء. وقد وثّقت الأمم المتحدة ترحيل نحو 3000 شخص من مصر إلى السودان في سبتمبر 2023 وحده.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن حملات الاعتقال لم تستثنِ حتى من يحملون إقامات رسمية أو أوراق لجوء، ما خلق حالة من الخوف والترهيب داخل الجالية السودانية، حيث لا يشعر أحد بالأمان، حتى من يملك وضعًا قانونيًا، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التزام منازلهم خوفًا من الاعتقال والترحيل المفاجئ، في ظل غياب ضمانات قانونية تحمي حقوقهم كلاجئين.

المصدر: هذا الصباح

في الفاشر بالسودان.. الجوع ينهش السكان والمقابر تزداد اتساعا

(رويترز) – يعاني مئات الآلاف من المحاصرين في آخر معقل للجيش السوداني في منطقة دارفور بغرب البلاد من نفاد الطعام والتعرض للقصف المدفعي المتواصل والهجمات بالطائرات المسيرة، بينما يواجه الفارون خطر الإصابة بالكوليرا والاعتداءات العنيفة.

والفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، هي أكبر جبهة قتال متبقية في المنطقة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وتتعرض المدينة للقصف في لحظة فارقة في الحرب الأهلية التي دخلت الآن عامها الثالث.

وقال أحد السكان لرويترز “الظروف صعبة.. كل يوم قصف مدفعي وطيران. الدعم السريع يقصف الفاشر في الصباح والمساء. خدمات الكهرباء والإنترنت متوقفة تماما… كل المخابز توقفت… وهناك ندرة في العلاج والأدوية”.

وتابع يقول إن الأوضاع أدت إلى “ارتفاع نسبة الموت يوميا وازدادت مساحة المقابر في الفاشر.. نطالب العالم بإنهاء الحصار، الناس تموت يوميا من المرض والجوع والإصابات بسبب الحرب”.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل نيسان 2023 عندما اختلف الجانبان، وهما حليفان سابقان، حول خطط دمج القوات وتقاسم السلطة.

وحققت قوات الدعم السريع مكاسب سريعة في وسط السودان، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، لكن الجيش أجبرها على التقهقر غربا هذا العام، مما أدى إلى تصعيد القتال في الفاشر.

ومن شأن سقوط المدينة أن يمنح قوات الدعم السريع السيطرة على كامل منطقة دارفور تقريبا، وهي منطقة شاسعة تقع على الحدود مع ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وأن يمهد الطريق أيضا لما يصفه محللون بأنه قد يشكل انقساما فعليا للسودان.

وهناك مئات الآلاف من سكان الفاشر والنازحين بسبب هجمات سابقة محاصرون فيها مع الجيش وحلفائه، ويعيش الكثير منهم في مخيمات يقول مراقبون إنها تعاني بالفعل من المجاعة.

وقالت طبيبة، طلبت عدم ذكر اسمها خوفا على سلامتها، إن الجوع يشكل مشكلة أكبر من القصف.

وتابعت “الصغار عندهم سوء تغذية.. (و)الكبار عندهم سوء تغذية. أنا عن نفسي ما فطرت الليلة عشان ما لاقين حاجة نفطر بيها”.

وقال سكان في المنطقة إن قوات الدعم السريع منعت وصول الإمدادات الغذائية وإن قوافل المساعدات الإنسانية التي تحاول الوصول إلى المدينة تتعرض للهجوم. وتتجاوز أسعار السلع التي يتمكن التجار من تهريبها خمسة أضعاف المتوسط على مستوى البلاد.

وروى سكان لرويترز كيف لجأ الكثير من الناس إلى تناول التبن أو الأمباز، وهو نوع من علف الحيوانات مصنوع من قشور الفول السوداني. وذكرت إحدى منظمات حقوق الإنسان أن حتى الأمباز بدأ ينفد.

ولم تستجب قوات الدعم السريع بعد لطلب الإدلاء بتعليق. وترجع أصول قوات الدعم السريع إلى ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب أعمال وحشية في دارفور في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

* مخاطر رحلة الفرار

لجأ العديد من السكان الفارين من الفاشر إلى مدينة طويلة، على بعد نحو 60 كيلومترا غربا. وقال بعض الذين نجحوا في ذلك لرويترز إنهم تعرضوا لهجوم من قبل مجموعات من مقاتلي قوات الدعم السريع على طول الطريق.

وقالت إنعام عبد الله (19 عاما) “نزحونا عدنا لمنطقتنا (قرية) شقرا هناك لكي نهرب ونصل لطويلة، وفي شقرا هاجمونا مره ثانية .. أتعبونا جدا وكانوا يقولون لنا أين الأسلحة أين الرجال وأنتم فلنقايات (عبيد)”.

وأضافت “لو وجدوا شخصا لديه موبايل ممكن يأخذوه منه وإذا عندك مال يأخذوه منك ولو عندك حمار جميل أو شيء مثل ذلك يأخذوه منك ويقتلون الناس وقتلوا ناس أمامنا وأخذوا بنات من أمامنا واغتصبوا أيضا”.

وقالت منظمة محامو الطوارئ، وهي منظمة لحقوق الإنسان، يوم الاثنين، إن ما لا يقل عن 14 شخصا فروا من الفاشر قُتلوا وأُصيب العشرات عندما تعرضوا لهجوم في قرية على طول الطريق.

وتستضيف طويلة أكثر من نصف مليون نازح، وصل معظمهم منذ أبريل نيسان، عندما كثفت قوات الدعم السريع هجومها على الفاشر وهاجمت مخيم زمزم المترامي الأطراف للنازحين جنوب المدينة.

لكن طويلة لا تقدم سوى القليل من المساعدات أو المأوى، إذ تعاني المنظمات الإنسانية من ضغوط بسبب تخفيضات المساعدات الخارجية. وقال أشخاص وصلوا إلى هناك لرويترز إنهم يتلقون كميات قليلة من الحبوب، بما في ذلك الذرة الرفيعة والأرز، لكن الكميات متفاوتة وغير كافية.

ويشهد السودان حاليا ذروة موسم الأمطار والذي أدى إلى جانب تدهور الظروف المعيشية وضعف خدمات الصرف الصحي، إلى تفشي وباء الكوليرا.

وقال متحدث باسم منظمة أطباء بلا حدود لرويترز إنه منذ منتصف يونيو حزيران عالجت المنظمة 2500 حالة إصابة بالكوليرا.

وتوفي نحو 52 شخصا بسبب المرض، وفقا للجنة التنسيق للنازحين، وهي منظمة سودانية مناصرة تعمل في أنحاء دارفور.

وسوف يستغرق وصول اللقاحات اللازمة لوقف تفشي المرض، إذا تم توفيرها، بعض الوقت نظرا لهطول الأمطار.

وخلص تقييم أجراه المجلس النرويجي للاجئين إلى أن 10 بالمئة فقط من الناس في منطقة طويلة يتمتعون بإمكانية الحصول على مياه نظيفة بصورة منتظمة، وأن عددا أقل منهم لديه إمكانية الوصول إلى المراحيض. وأشار التقييم إلى إن معظم الأسر أفادت بتناول وجبة واحدة يوميا أو أقل.

وبينما تجلس في مأوى من القش غير مسقوف قالت هدى علي، وهي أم لأربعة أطفال، “ليس لدينا بيوت للمطر ولا نملك مشمعات.. ننتظر حتي يتوقف المطر ثم ينام الأطفال”.

وأضافت أنها تحرص على أن يغسل أطفالها أيديهم جيدا وألا يتناولوا سوى الطعام الذي تم طهيه بشكل كامل لضمان سلامتهم.

ودعت الأمم المتحدة الشهر الماضي إلى وقف القتال في الفاشر لأغراض إنسانية مع بدء موسم الأمطار لكن قوات الدعم السريع رفضت الدعوة.

واحتدم القتال في أنحاء منطقة كردفان السودانية المتاخمة لدارفور حيث يتقاتل الجانبان لترسيم مناطق سيطرة واضحة وسط تعثر جهود الوساطة.

في السودان.. حكومتان متنافستان وبلد مهدد بالانقسام

القاهرة/دبي (رويترز) – يقول محللون سياسيون إن القوات شبه العسكرية في السودان تشكل حكومة موازية للحكومة التي يسيطر عليها الجيش، مما يدفع السودان نحو مزيد من التقسيم بحكم الأمر الواقع.

وبعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب التي تسببت في موجات من القتل على أساس عرقي والمجاعة والتشريد الجماعي، يتقاتل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية حاليا للسيطرة على الفاشر، آخر موطئ قدم للجيش في إقليم دارفور معقل الدعم السريع في غرب البلاد.

وأعلن ائتلاف سوداني بقيادة قوات الدعم السريع يوم السبت الماضي أسماء أعضاء حكومة موازية. وفي حين أنها لم تُنشئ بعد أي مؤسسات ولم تحظ بأي اعتراف، يقول محللون إن الفصل المحتمل للأراضي التي يسيطر عليها كل من الطرفين ربما يعجل بتقسيم آخر للسودان الذي انفصل عنه جنوب السودان عام 2011.

* كيف حدث ذلك؟

عمل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع معا في عام 2021 للإطاحة بساسة مدنيين تولوا السلطة بعد حكومة الرئيس عمر البشير التي أطيح بها قبل ذلك بعامين.

لكن الحرب اندلعت بينهما في أبريل نيسان 2023 بسبب محاولة لدمج مقاتلي الدعم السريع في القوات المسلحة. واستولت قوات الدعم السريع على مساحات شاسعة من البلاد لكن الجيش طردها من العاصمة الخرطوم في وقت سابق من هذا العام، دافعا إياها باتجاه الغرب.

وطوال فترة الحرب، تصف قوات الدعم السريع الحكومة التي يقودها الجيش والمعترف بها دوليا بأنها غير شرعية، وتتخذ خطوات لإنشاء إدارة موازية خاصة بها. وعين الجيش في شهر مايو أيار كامل إدريس رئيسا للوزراء الذي بدأ بدوره في تعيين وزراء فيما سمي “حكومة الأمل” الجديدة.

لكن خلافات بين قادة الجيش وقادة جماعات معارضة سابقة، انضمت إلى الحرب معهم في مواجهة قوات الدعم السريع، تعوق تشكيل الحكومة. ولبعض أعضاء الحكومة أيضا صلات بالحزب الذي كان يتزعمه البشير، مما يعكس حاجة الجيش إلى دعم من الإسلاميين.

* ما الذي يسيطر عليه كل طرف؟

من عاصمته في زمن الحرب بورتسودان، المطلة على البحر الأحمر، حافظ الجيش على سيطرته على ولايات السودان الشمالية والشرقية. واستعاد السيطرة أيضا هذا العام على ولايات وسط البلاد وعلى الخرطوم التي يقول إنه سينتقل إليها.

وسرعان ما سيطرت قوات الدعم السريع على معظم دارفور باستثناء الفاشر حيث لا يزال القتال مستمرا مما تسبب في تفشي الجوع.

تحالفت أيضا القوات شبه العسكرية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال المعارضة التي تسيطر على مساحات شاسعة من ولاية جنوب كردفان الواقعة على الحدود مع جنوب السودان. ويدور قتال أيضا على ولايتي غرب كردفان وشمال كردفان الغنيتين بالنفط.

وسيطرت قوات الدعم السريع في الآونة الأخيرة على “المثلث الحدودي” الشمالي مع ليبيا ومصر، موسعة بذلك الحدود الدولية للأراضي التي تسيطر عليها.

* كيف شكلت قوات الدعم السريع حكومتها؟

شكلت قوات الدعم السريع في فبراير شباط تحالف “تأسيس” مع عدد من الفصائل السياسية السودانية والجماعات المتمردة بهدف تكوين ما قالوا إنه سيكون حكومة واحدة لكل السودان.

وفي مايو أيار، وقع التحالف على دستور ينص على تشكيل برلمان ومجلس وزراء. وفي يوليو تموز، أعلن التحالف عن تشكيل مجلس رئاسي بقيادة رئيس قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو ونائبه رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال عبد العزيز الحلو.

وضم المجلس أيضا حكام ولايات ورئيس وزراء، وهو المسؤول الحكومي السابق محمد حسن التعايشي.

* ماذا يعني هذا للسودان؟

يقول محللون إن تشكيل الحكومتين الموازيتين قد يؤدي إلى حالة من الجمود شبيهة بما حدث في ليبيا أو حتى إلى تفكك أسوأ من ذلك، مع مطالبة جماعات مسلحة أخرى بأراضيها الخاصة سيرا على خطى قوات الدعم السريع.

ويمكن أن تواجه الحكومتان أيضا صعوبة في حشد التعاون الدولي الذي تحتاجان إليه لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية المنهارة في السودان.

ولم تتحرك أي دولة حتى الآن للاعتراف بحكومة قوات الدعم السريع الموازية التي نددت بها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وانتشرت الميليشيات في أراضي قوات الدعم السريع، مما ساعد القوات شبه العسكرية على التقدم، لكنه أثبت أيضا مدى صعوبة فرض السيطرة.

وارتفعت معدلات الجريمة في مدينة نيالا، مقر حكومة الدعم السريع في جنوب دارفور، بما في ذلك أعمال خطف، فضلا عن احتجاجات السكان والجنود. كما كانت هدفا متكررا للقصف الجوي وغارات طائرات مسيرة.

وتحالف الجيش، الذي يضم جماعات متمردة سابقة وميليشيات قبلية، هش كذلك. ففي حين أن الجيش يحظى باعتراف دولي وبدعم من قوى إقليمية مثل مصر، فإن الكثير من الدول ما زالت مترددة في التعامل معه بسبب انقلاب 2021 ونفوذ الإسلاميين.

ومثل دقلو، يخضع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لعقوبات أمريكية.

“كتيبة البراء” (حصان طروادة) الحركة الاسلامية تتسلل في حكومة كامل ادريس

الخرطوم – تداولت مواقع إخبارية سودانية معلومات عن تعيين أعضاء في كتيبة البراء بن مالك التابعة للحركة الإسلامية في حكومة كامل ادريس بعد أن أعلنت التخلي عن السلاح والعودة إلى المحاضن الاجتماعية والخدمية، في خطوة وُصفت من قبل متابعين لشؤون الاخوان في المنطقة بأنها “تكتيك جديد” وجزء من استراتيجية أوسع للحركة الإسلامية للتكيف مع التغيرات السياسية والعسكرية.

وقد يفتح هذا التحول من العمل عسكري إلى المدني الباب أمام التغلغل في المؤسسات المدنية والاجتماعية والخيرية، وهو تكتيك تاريخي استخدمته العديد من الحركات الإسلامية لتعزيز نفوذها.

وذكرت صحيفة ‘الركوبة’ السودانية نقلا عن مصادرها أن هذا التحول قد يكون محاولة للالتفاف على اتهامات للكتيبة الاخوانية بالتورط في العنف وفي أعمال قتالية إلى جانب الجيش السوداني ومحاولة استباقية لعقوبات غربية محتملة قد تطال الجماعة التي تعتبر من أذرع وميليشيات الاخوان التي دعمت الجيش بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان.

“وكتيبة البراء بن مالك” هي جماعة مسلحة في السودان مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، التي كانت جزءا أساسيا من نظام الرئيس السابق عمر البشير. وشاركت هذه الكتيبة في القتال الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ويحمل إعلان تخليها عن السلاح والتحول إلى العمل المدني دلالات متعددة تشمل إلى جانب كونها تكتيكا جديد من قبل الإسلاميين، تحسين صورتها وتقديم نفسها ككيان مدني يساهم في بناء الدولة، في محاولة للتخلص من وصمة الارتباط بالعنف أو بالنظام السابق.

التغلغل عبر المجتمع المدني

وقد يتيح لها التحول المعلن من النشاط العسكري إلى المدني، فرصة للتسلل إلى المؤسسات المدنية والاجتماعية والخيرية من دون إثارة ضجيج أو جدل أو مخاوف من قبل المجتمع المدني السوداني الذي يتوجس من عودة الاخوان للحكم.

وقد يكون هذا الإعلان أيضا محاولة لتجنب العقوبات الدولية أو تصنيفها كجماعة إرهابية، من خلال الظهور بمظهر جماعة ملتزمة بالسلمية.

وترجح قراءات أخرى أن تكون “كتيبة البراء” قد تعرضت لانتكاسات عسكرية أو استنزاف في صفوفها، مما دفعها لإعادة تقييم استراتيجيتها القتالية أو أنها ربما تسعى لتفاهمات غير معلنة مع أطراف داخلية مثل الجيش أو خارجية، تضمن لها مسارا جديدا في الساحة السياسية مقابل التخلي عن العمل المسلح.

وثمة احتمال آخر أن يكون الجيش السوداني الذي يُتهم بارتباطه بالإسلاميين المتشددين وباستعانته بأذرع مسلحة تابعة للإخوان، قد طلب من هذه الجماعة التخلي عن السلاح في إطار ترتيبات أوسع لإعادة هيكلة المشهد العسكري والسياسي.

ولا يعتبر إعلانها في الوقت ذاته تراجعا كاملا أو تفريطا في سلاحها، بل إعادة تنظيم للصفوف ووضع خطط جديدة للعمل السياسي أو حتى العسكري في المستقبل، لكن بشكل أكثر خفاءً أو بطرق مختلفة.

ونقلت صحيفة ‘الركوبة’ عن مصادرها قولها إن كتيبة البراء بن مالك لم تتخل فعليا عن القتال المسلح وأنها لا تزال تقاتل قوات الدعم السريع دعما للجيش السوداني.

وكامل إدريس هو شخصية دولية سودانية تم تعيينه مؤخرا رئيسا للوزراء في الحكومة التي يشرف عليها الجيش في السودان. واتهامات الإسلاميين بـ”تسلل” إلى هذه الحكومة أو أي حكومة انتقالية أخرى في السودان ليست جديدة، وتستند إلى تاريخ طويل من التغلغل والنفوذ.

وتتعدد طرق “تسلل” الإسلاميين إلى الحكومات، خاصة في الفترات الانتقالية أو الأزمات، وتشمل:

الكوادر “المتنكرة” أو “الرمادية”:

يعمد الإسلاميون وخاصة الإخوان المسلمون، إلى بناء قاعدة واسعة من الكفاءات في مختلف المجالات (اقتصادية، قانونية، تعليمية، إدارية). ويمكن لهذه الكفاءات أن تشغل مناصب إدارية أو استشارية في الحكومات دون الإعلان صراحة عن انتمائها السياسي.

الولاء الخفي

 قد يكون بعض الأفراد ذوي الولاء للحركة الإسلامية يعملون في مؤسسات الدولة (الجيش، الأمن، القضاء، الوزارات) منذ فترة طويلة، ويُعاد تفعيل دورهم في الأوقات المناسبة.

التحالفات السياسية والتي تشمل المساومة والتقارب:

في الفترات الانتقالية، قد تُبرم تحالفات بين قوى مختلفة، بما في ذلك أطراف ذات توجهات إسلامية، من أجل تشكيل حكومة أو مجلس سيادي. ويمكن للإسلاميين تقديم دعم سياسي أو شعبي (إذا كان لهم قاعدة) مقابل الحصول على حقائب وزارية أو مناصب قيادية.

استغلال الانقسامات:

يستفيد الإسلاميون غالبًا من الانقسامات بين القوى السياسية الأخرى ليقدموا أنفسهم كطرف قادر على تحقيق التوازن أو الاستقرار.

النفوذ في مؤسسات الدولة العميقة:

ويُعتقد أن للحركة الإسلامية في السودان نفوذ عميق داخل بعض أجزاء الجيش والأجهزة الأمنية، ويعود ذلك إلى فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير. وهذا النفوذ يمكن أن يؤثر على القرارات الحكومية وتعيين المسؤولين.

النقابات والجمعيات المهنية:

ويمتلك الإسلاميون تاريخا طويلا من التغلغل في النقابات المهنية والطلابية والجمعيات الخيرية، مما يمنحهم قاعدة شعبية وقدرة على التأثير في الرأي العام والضغط على صناع القرار.

استغلال الظروف:

في أوقات الأزمات أو الفراغ السياسي، قد تظهر الحركات الإسلامية كقوة منظمة وفعالة يمكنها سد الفراغ، مما يمنحها فرصة للدخول في هياكل السلطة ويمكنهم استغلال الخطاب الديني لجذب التأييد الشعبي وتوظيف ذلك للضغط من أجل تمثيلهم في الحكومة.

هل يتغلب السودانيون على الشروخ الاجتماعية والاستقطاب الإثني؟

الخرطوم- بعد أكثر من 27 شهرا على اندلاع القتال في بلادهم، شرع السودانيون على المستويين الرسمي والشعبي في طرح مشروعات وآليات لتضميد الجراح ورتق النسيج الاجتماعي وترسيخ التعايش السلمي، بعدما أحدثت الحرب وتداعيتها شروخا في بنية المجتمع، وتفشي خطاب الكراهية والاستقطاب الإثني.

وأحدثت الحرب المستعرة في البلاد منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 ندوبا في جسد المجتمع السوداني المتعدد الأعراق والثقافات، بعد أن كان يتسم بالتسامح والتعايش السلمي.

ودفعت تطورات الحرب وما رافقها من جرائم وانتهاكات، خصوصا في الخرطوم ووسط البلاد وانتماء غالب مقاتلي قوات الدعم السريع إلى كيانات اجتماعية في غرب البلاد، عددا كبيرا من المواطنين لتحميل تلك الكيانات مسؤولية ما جرى.

إفرازات الحرب

وارتفعت أصوات من يعبرون عن المتضررين من الحرب في مواقع التواصل الاجتماعي، محملين مجتمعات محددة مسؤولية ما حدث لهم، وكان رد منصات محسوبة على الدعم السريع حادا، مما أجَّج الخطاب والاستقطاب الاجتماعي.

وفي المقابل، رفع الدعم السريع شعارات بأنه يدافع عن المهمشين سياسيا واجتماعيا في غرب البلاد، واتهم كيانات اجتماعية في شمال البلاد ووسطها بأنها ظلت تستأثر بالسلطة والثروة منذ استقلال السودان قبل نحو 70 عاما.

كما استغلت الدعم السريع ظروفا فرضتها الحرب والأوضاع الأمنية، كعدم إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في ولايات غرب البلاد، وعدم استبدال العملة وتوقف الجهاز المصرفي، ومراكز استخراج الوثائق الرسمية (جوازات السفر والرقم الوطني) في تلك الولايات وعدته أمرا مدبرا انتقاما من المواطنين في مناطق سيطرتها.

وتطورت المناكفات والملاسنات عبر منصات التواصل الاجتماعي -التي ينشط فيها من يعبرون عن عدة أطراف- إلى خطاب كراهية مما أدى لتفاقم الانقسامات على أساس إثني، وتصاعد التوترات الاجتماعية وتهجير سكان في بعض المناطق التي ظلوا يقطنونها منذ مئات السنين خوفا من روح الانتقام.

مبادرات السلم الاجتماعي في السودان فتحت الباب أمام الجميع لخلق أمل جديد في التعايش (وكالات)

مشاريع للسلم

ودشَّن مئات من الرموز المجتمعية والأهلية السودانية، الأربعاء الماضي، “المشروع السوداني للسلام الاجتماعي”، وسط حضور كبير من القيادات التي تمثل مختلف ولايات البلاد.

وقالت وثيقة المشروع، التي اطلعت عليها الجزيرة نت، إنه يهدف لاستعادة وتعزيز التعايش السلمي والتراضي الاجتماعي بين مكونات المجتمع السوداني، وإصلاح البيئة المجتمعية وتقويم المعاملات الاجتماعية السيئة التي نشأت بسبب الحرب، وترميم العلاقات الاجتماعية وإحياء القبول بالآخر وروح التسامح.

كما دعت الوثيقة للحد من تعالي خطاب الكراهية والدعوة للفرقة والشتات، وتجاوز الأحقاد التي تسببت فيها الحرب، ونبذ ظاهرة “المفازعة والمناصرة العمياء” وإنكار الحقائق ومحاولات طمسها للإفلات من العقاب مقابل الاعتراف بالحقيقة والاعتذار عن الأخطاء والتعديات.

ولتنفيذ المشروع، حددت الوثيقة آليات تشمل:

  • تشكيل لجان مجتمعية لتعزيز الحوار والتواصل بين مكونات المجتمع.
  • رعاية مصالحات بين المكونات الاجتماعية التي تعيش حالة تنازع.
  • تبني برامج تربوية وتوعوية للشباب والنساء والأطفال.
  • تفعيل دور مؤسسات التعليم في نشر وتعزيز التعايش والتراضي الاجتماعي.
الرئيس التنفيذي لمشروع السلام والاجتماعي: إعداد المشروع بدأ في مايو/أيار الماضي (وكالات)

مفتوح للجميع

وقال الرئيس التنفيذي لمشروع السلام والاجتماعي والحاكم السابق لولاية شمال دارفور، عثمان محمد يوسف كبر، إن إعداد المشروع بدأ منذ مايو/أيار 2024 بمجموعة صغيرة من إقليمي دارفور كردفان قبل أن يشمل ممثلي كل ولايات البلاد من القيادات المجتمعية والشعبية.

وقال كبر للجزيرة نت إن المشروع يستند على أسس سليمة تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، “سعيا لوضع العلاج الصحيح، بعيدا عن الولاءات والجهوية والعصبيات والقبلية، التي مزَّقت المجتمع وأضرت بنسيجه المتماسك”.

وأكد أن المشروع لا يحمل أي طابع سياسي أو تنافسي مع أي جهة أخرى، بل “مفتوح لكل السودانيين دون عزل أو حجر، لأن أساسه اجتماعي وقاعدته مجتمعية لا سياسية ولا نخبوية”، مبينا أنه سيُنفذ بالكامل داخل الأراضي السودانية، وليس مؤقتا أو محدود الأجل، ويمكن أن يتكامل مع مبادرات أخرى.

ورحَّب كبر باللجنة التي شكَّلها رئيس الوزراء بهذا الشأن، وعدَّها خطوة إضافية على طريق التعاون والعمل المشترك، مؤكدا أن المشروع يواجه تحديات، أبرزها أزمة الثقة السائدة، والتدخلات الخارجية التي تُغذِّي الصراع وتوفير التمويل لتنفيذه.

رئيس الوزراء السوداني كامل (يمين) أصدر قرار إنشاء المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي (وكالات)

وأصدر رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، قرار إنشاء “المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي” برئاسة النور الشيخ وعاليا حسن أبونا أمينا عاما للمجلس على أن يتم استكمال عضوية المجلس وفقا للآليات التي تضمن تمثيلا للفعاليات المعزِّزة للسلم الاجتماعي.

وحسب قرار تأسيسه يهدف المجلس لتعزيز السلام والمصالحة وتماسك النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي، وترسيخ ثقافة السلام والمساهمة في صياغة رؤى وإستراتيجيات وطنية للسلم الاجتماعي والثقافي.

وتشمل مهام المجلس:

  • نشر وتعميق مفاهيم التسامح والتصالح وقبول الآخر بين مكونات المجتمع.
  • تنظيم حملات توعوية بمختلف الوسائل حول أهمية السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية.
  • إجراء دراسات حول الأسباب الجذرية للنزاعات وتقديم مقترحات للحلول.
  • بناء شبكات تواصل وتوفير الدعم الفني للمبادرات الاجتماعية.

كما باشر إدريس لقاءات لمعالجة الإفرازات الاجتماعية للحرب، وناقش، أمس الخميس، مع الأمين العام لمجلس الصحوة الثوري عبد الرحمن حسن الأوضاع الاجتماعية في إقليم دارفور، وتعهَّد بمحاربة خطاب الكراهية وترسيخ التعايش السلمي.

وذكر حسن أن رئيس مجلس الصحوة موسى هلال يبذل جهودا في دارفور لمعالجة القضايا الاجتماعية، وكان هلال يقود قوات حرس الحدود واتهمته جهات غربية بأنه يتزعم “الجنجويد” قبل فرض عقوبات عليه خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير.

“جهد كبير”

من جانبه، يرى وزير الزراعة السابق بولاية جنوب كردفان والباحث في قضايا السلام علي دقاش أن الحرب الدائرة وممارساتها الظالمة وانحراف سلوك بعض المحاربين عن أخلاق السودانيين المعروفة، وخاصة قوات الدعم السريع سيخلق عقبة في التعايش والسلم الاجتماعي مستقبلا.

ويقول دقاش للجزيرة نت إن الأحقاد التي خلقتها الحرب يصعب تجاوزها إلا بجهد كبير، إثر انتشار خطاب الكراهية وتخريب علاقات التعايش، إذ صارت إعادة لحمة المجتمع السوداني هي المهمة الأكثر صعوبة. ودعا إلى عدم تحميل مسؤولية ما يحدث لجماعة سياسية أو قبلية.

ويوضح الباحث أن معظم منظمات المجتمع المدني والواجهات العاملة تنفذ برامج دعم نفسي، وليس علاجا للأزمة الاجتماعية التي أفرزتها الحرب، داعيا لتكامل جهود “المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي” مع مشروع السلام الاجتماعي حتى لا يبدأ المجلس من الصفر.

المصدر: الجزيرة

الفرار من الحرب في السودان أيا كان الثمن

الخرطوم (أ ف ب) – قرر إبراهيم ونعيمة وحسن وعبد العزيز مغادرة السودان هربا من المعارك الدامية بين الجيش وقوات الدعم السريع، فسلكوا أكثر طرقات الهجرة خطورة التي تمر عبر ليبيا وتسلكها أعداد متزايدة من المهاجرين.

جمعت وكالة فرانس برس شهاداتهم.

“مصير مجهول”

غادر إبراهيم ياسين (20 عاما) كسلا بشرق السودان في كانون الأول/ديسمبر 2023 “على أمل أن أصل إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا”.

يروي أن “الطريق عبر الصحراء كان جحيما، عطش شديد وأيام من دون طعام”.

وبعد الوصول إلى ليبيا طلب منه المهربون ثلاثة آلاف دولار لإكمال الرحلة، لكنه لم يكن يملك أي مال فقرر الفرار بمفرده إلى طرابلس “على أمل إيجاد فرصة أخرى”.

لكن في طرابلس، طلبت منه مجموعة أخرى من المهربين 3500 دولار لعبور البحر المتوسط، فباعت عائلته بيتها في السودان لترسل له المبلغ.

يقول “ركبنا البحر ومشينا ثماني ساعات لكن خفر السواحل الليبيين قبضوا علينا وأدخلونا السجن”.

وبعد دفع مبلغ ألف دولار، تم الإفراج عنه، لكن محاولته الثانية للفرار انتهت مجددا بالقبض عليه، وهو الآن عالق في طرابلس، بلا وثائق ولا مال، ولا خيار أمامه في الأفق.

يقول “الآن أنا ضائع بين مافيا التهريب، لا أمان ولا أوراق ولا رجعة للسودان ولا وصول لأوروبا” مضيفا “مصيري مجهول”.

“واقع أكثر قسوة”

كانت نعيمة أزهري (35 عاما) تعيش مع زوجها وابنتهما في سوبا إلى جنوب غرب الخرطوم، حين اندلعت الحرب في نيسان/ابريل 2023.

تقول “ظننت أن الحرب ستستمر أسبوعا أو اسبوعين وتنتهي، لكن بعدما سيطرت قوات الدعم السريع على الخرطوم، شعرنا أن لا أمل”.

وفي آب/أغسطس 2023، رحلت نعيمة مع عائلتها إلى ليبيا “أملا في حياة أكثر استقرارا”.

لكن الرحلة كانت شاقة، وروت “كان الطريق صعبا، في كلّ نقطة تدفع أتاوة أو يهددونك”، موضحة “دخلنا من دولة ميليشيات إلى دولة ميليشيات”.

وبعد “رحلة طويلة ومرهقة محفوفة بالمخاطر” استمرت عشرة أيام، وصلت العائلة إلى طرابلس.

لكن هناك “وجدت واقعا أكثر قسوة من الذي هربت منه”.

وهي تصف “معاناة من عدم الاستقرار وغياب الشغل” مضيفة “شعرنا أن الحياة في ليبيا أصعب من واقع الحرب نفسه”.

وتقول “فكرت أن أرجع إلى السودان، لكن لم يكن هناك طريقة آمنة ” لذلك.

وبعد قضاء سنة هناك، قررت العائلة في تشرين الأول/أكتوبر 2024 التوجه إلى مصر حيث وصلوا “بأمان” أخيرا ووجدوا “حياة أفضل”.

“قلبت الحياة كلها”

كان حسن آدم (40 عاما) يعمل موظفا في الدولة ويعيش في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور مع زوجته وأطفالهم الثلاثة حين اندلعت الحرب و”قلبت الحياة كلها”.

شهدت الجنينة في 2023 مذابح ارتكبتها قوات الدعم السريع مستهدفة أفراد قبيلة المساليت التي ينتمي إليها حسن، وانتهت بمقتل 10 إلى 15 ألف شخص، في ما وصفته الولايات المتحدة بـ”إبادة جماعية”.

ويروي حسن “كنت من المقربين من الوالي خميس أبكر الذي تم اغتياله بأيدي قوات الدعم السريع”.

ويقول “استنكرنا الجريمة مع بعض زملائه، فتم اعتقالنا وضربنا وتعذيبنا” مضيفا “كانوا يقولون لنا +يا عبيد، يجب أن نتخلص منكم+”.

هرب حسن عبر الصحراء إلى ليبيا حيث احتجز ووُضع في ما يعرف بـ”التركينة”، وهو “مكان مكتظ يُحتجز فيها المهاجرون ويتعرضون فيه للإهانات والضرب والاستغلال”.

ويتابع أنه “بعد شهرين من المعاناة” استقل قاربا صغيرا نقله إلى إيطاليا في رحلة بحرية استمرت يومين.

من هناك، انتقل إلى فرنسا حيث طلب اللجوء السياسي، وهو الآن يعمل في مصنع ويسعى لمعرفة مكان وجود أولاده.

يوضح “قال لي أحد على فيسبوك إنهم في مخيم للاجئين في تشاد، باشرت المعاملات لاستقدامهم إلى هنا، لكنني للاسف لا أملك وثائق”.

ويختم “لا يمكنني العودة إلى السودان، يجب أن أستقدمهم إلى هنا، هذا هدفي الوحيد الآن”.

“أعرف أننا قد نموت”

كان عبد العزيز بشير (42 عاما) يعيش حياة متوسطة الحال إنما مستقرة في حي الثورة في مدينة أم درمان.

وعند اندلاع الحرب “ظننت أنها أيام وتعود الحياة إلى طبيعتها، لكن استمرار الحرب قلب كل شيء”، فاضطر إلى الفرار مع عائلته إلى الغضارف بشرق السودان.

وإن كان وجد الأمان هناك، إلا أنه “لا عمل لدي، والوضع الاقتصادي في البلد يزداد سوءا كل يوم”.

ومع تعذر تأمين معيشة عائلته وسط أزمة جوع متصاعدة هي الأخطر في العالم، يسعى لسلوك طريق الهجرة إلى أوروبا.

ويقول “أعرف أن الطريق خطير وقد نموت في الصحراء أو في البحر، لكن بصراحة، لا خيار آخر أمامنا”، مؤكدا أن “الهجرة تبقى الأمل الوحيد في ظل هذا الوضع”.

ويتابع “إن نجحت، فقد أتمكن من تغيير وضع أسرتي، وإن فشلت، أكون حاولت على الأقل”.

وأسفرت الحرب في السودان عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من عشرة ملايين شخص، متسببة “بإحدى أسوأ الكوارث الإنسانية” في العالم، وفق الأمم المتحدة.

بعد تحرير الخرطوم.. سوق أم درمان العريق يستعيد حيويته

الخرطوم: بعد خلوه لأكثر من عامين جراء اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بدأ سوق مدينة أم درمان العريق، أحد أكبر أسواق العاصمة الخرطوم، في استعادة حيويته تدريجيا عقب إعلان الجيش استعادة سيطرته على كامل العاصمة.

ويقع السوق وسط المدينة التي يطلق عليها “أم درمان القديمة” والتي كانت مسرحا لمعارك عنيفة بين الجيش و”الدعم السريع” منذ 15 أبريل/ نيسان 2023 وحتى 20 مايو/ أيار 2025، التاريخ الذي أعلن في الجيش سيطرته على الخرطوم.

وتتكون الخرطوم باعتبارها عاصمة السودان من 3 مدن هي الخرطوم (جنوب شرق) وبحري (شمال شرق) وأم درمان (غرب)، وترتبط فيما بينها بجسور على نهري النيل الأزرق والنيل الأبيض.

ويُعد سوق أم درمان أكبر سوق تاريخي في السودان، حيث لا يزال يقف شامخا منذ نحو قرنين من الزمان، ويعكس طابعا ثقافيا متعددا يجمع بين عبق الماضي وروح الحاضر.

ويتميز السوق بتنوع منتجاته التي تشمل الصناعات اليدوية والأجهزة الإلكترونية والمواد الغذائية، إضافة إلى أدوات المطبخ والملابس والصرف الصحي.

وبعد سيطرة الجيش على الخرطوم، بدأ السوق يشهد حركة انتعاش تدريجية، حيث أصبح واحدا من كل أربعة محلات فيه مفتوحا، ومنها محلات تجارية ومطاعم وصيدليات، إضافة لافتتاح محلات جديدة، بحسب مراسل الأناضول.

الأناضول زارت السوق والتقت عددا من أصحاب المحلات الذين عبروا عن سعادتهم بعودة الحركة التجارية في السوق وتطلعهم لزيادة رواده في الفترة المقبلة.

تفاؤل رغم الخسارة

بائع الأجهزة الكهربائية الصادق عمر، قال إنه أعاد فتح محله بعد 27 شهرا من التوقف بسبب الحرب.

وقال: “هذا أول يوم عمل لي بعد أن قررت إعادة فتح متجري”.

وأضاف: “بحمد الله فتحنا، وكما ترون السوق بدأ يعمل، والناس بدأت بالرجوع إلى المدينة والسوق”.

وأعرب عمر عن تمنيه بعودة الجميع إلى متاجرهم في السوق، مضيفا: “نحن متفائلون بالعودة رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضنا لها، وتضررنا من النزوح عن المدينة وسوق أم درمان”.

ورغم أن آثار الحرب لا تزال واضحة في السوق، مثل المباني المدمرة والمحروقة، والجدران المخترقة بالرصاص، وأعمدة الكهرباء والكابلات الملقاة على الأرض، إلا أن أصحاب المحلات والمسؤولين الحكوميين والمواطنين يعملون بكل طاقتهم لإعادة الحياة إلى السوق.

زيارة رئيس الوزراء

وفي 20 يوليو/ تموز الجاري، زار رئيس الوزراء كامل إدريس، سوق أم درمان خلال زيارته الأولى للخرطوم منذ تعينه في 30 مايو/ أيار الماضي.

وتفاعل رواد السوق من البائعين والمتسوقين مع زيارة إدريس، الذي خاطبهم قائلا: “عائدون عائدون”، ورددها معه جمع من الحضور.

واندلعت الاشتباكات في الخرطوم منتصف أبريل/ نيسان 2023، وامتدت إلى العديد من المناطق وسط وجنوب وغرب البلاد، وأسفرت عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح ولجوء نحو 15 مليونا، بحسب الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدّرت دراسة أعدتها جامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.

وبدأت مساحات سيطرة “الدعم السريع” تتناقص بشكل متسارع في مختلف ولايات السودان لصالح الجيش، الذي وسّع من نطاق انتصاراته لتشمل الخرطوم وولاية النيل الأبيض.

عودة بعد نزوح

يونس محمد، صاحب صيدلية بسوق أم درمان، قال إنه أغلق الصيدلية منذ بداية الحرب، لكنه تمكن من نقل الأدوية وبيعها في الريف الشمالي للمدينة أيام الحرب.

وأضاف: “بعد انتهاء الحرب في الخرطوم، وخلو مدينة أم درمان من الدعم السريع، قمنا بعمل صيانة للصيدلية، ونحن مستمرون في العمل”.

من جانبه، أفاد عبد الرحمن شنبة، تاجر ملابس في السوق، أنه نزح خارج الخرطوم بسبب الحرب، لكنه عاد حاليا بعد عودة السوق للعمل.

ودعا شنبة بقية التجار في السوق إلى العودة وفتح متاجرهم.

وأشار إلى توفر الكهرباء والمياه والأمن في السوق، ما يجعل أعداد العائدين في ازدياد بشكل ملحوظ.

(الأناضول)

هل يعطل انقسام الفرقاء السياسيين تحرك “الرباعية” للسلام في السودان؟

الخرطوم- قبل أسبوع من لقاء مرتقب في واشنطن للمجموعة الرباعية المعنية بالأزمة في السودان (أميركا والسعودية ومصر والإمارات) لإقرار خطة للسلام في البلاد، انقسمت مواقف الفرقاء السودانيين، بعدما باتت جهود المجموعة هي التحرك الفاعل الوحيد لوقف الحرب في بلادهم.

ويعتقد مراقبون أن أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض السلام يمكن أن يؤدي إلى وقف القتال في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، المستمر منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، لكن السلام لا يصنعه سوى السودانيين عبر توافق وطني يخاطب جذور الأزمة ويقرّ رؤية سياسية لليوم التالي للحرب.

وتأتي تحركات المجموعة الرباعية منذ أوائل يونيو/حزيران الماضي بعد توقف منبر جدة الذي ترعاه السعودية والولايات المتحدة منذ نهاية 2023، بعد توقيع وثيقتين لم تتم ترجمتهما على الأرض لغياب آليات تنفيذهما.

سيناريو الحل

كذلك انهارت مساعي الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، بعد فشلها في جمع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه السابق في المجلس وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في جيبوتي مقر المنظمة الأفريقية في يناير/كانون الثاني 2024.

وخلال زيارته الأخيرة للدوحة قبل 4 أيام، قال المبعوث الرئاسي الأميركي للشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، إن الصراع في السودان لن يُحسم عسكريا، مؤكدا أن الطريق الوحيد لإنهاء الحرب هو الحوار والتسوية الشاملة.

وقال بولس في تصريح لقناة الجزيرة، عقب اجتماعه مع مسؤولين قطريين، إن أميركا، بدعم من الرئيس ترامب ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، تضطلع بدور مهم مع الشركاء في المجموعة الرباعية الخاصة والتعاون مع قطر وبريطانيا، و”سيكون هناك حل إيجابي سلمي للنزاع في السودان قريبا”.

وعن السيناريو المتوقع تبنّيه من المجموعة الرباعية في السودان، يقول الكاتب ورئيس تحرير جريدة “الأحداث” عادل الباز إن المجموعة تتجه لتبنّي خريطة طريق طبخها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الذي يُنتج بحوثًا إستراتيجية تهمّ صُنّاع القرار الأميركي.

ويوضح للجزيرة نت أن المعهد أصدر تقريرا في 2 يوليو/تموز الجاري يقترح دمج مساري منبر جدة والمجموعة الرباعية عبر صيغة تجمع الشرعية المحلية بالضغط الدولي.

نائب وزير الخارجية الأميركي (وسط) يجتمع مع سفراء السعودية ومصر والإمارات لبحث أزمة السودان (مواقع التواصل)

ووضع التقرير 4 توصيات أمام المجموعة الرباعية هي:

  • إعلان سياسي مشترك: حيث تصدر الرباعية والاتحاد الأفريقي وهيئة “إيغاد” إعلانًا رسميا يعتبر منبر جدة المظلة الوحيدة لحل النزاع.
  • بنية إدارية موحّدة: تتضمن إنشاء أمانة تنفيذية في جدة تشمل الرباعية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وممثلين عن المجتمع المدني السوداني.
  • شرعية قانونية ملزمة: بتحويل “إعلان جدة” إلى اتفاق سياسي ملزم عبر قرار من مجلس الأمن، وإشراك المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة في التنسيق والتخطيط.
  • دمج المجتمع المدني: ويعني الإشراك الحقيقي لممثلي القبائل والأقليات والمنظمات، لمنع عسكرة العملية السياسية أو اختطافها من قبل وكلاء خارجيين.

ويرى الكاتب الباز أن تنفيذ السيناريو يتطلب توافقا بين المجموعة الرباعية، بالإضافة إلى قطر وبريطانيا، على تسوية ملزمة بإشراف دولي صارم على تنفيذ وقف إطلاق النار تحت تهديد بعقوبات شاملة (مالية، وعسكرية، وسياسية)، وبالمحاكم الدولية لمن يرفض تلك التسوية، ومن ثم رفع الجزرة وربط التسوية ببرنامج إعادة إعمار بضمانات دولية ووعود بشطب ديون السودان كما حدث في اتفاق دايتون بشأن البوسنة عام 1994.

وحسب الباز، فإن مشروع التسوية يواجه تحديات أبرزها عدم تطابق مواقف الرباعية وشركائها، كما أن فرض وقف إطلاق النار على أساس الوضع الميداني الحالي يعني عمليا تقسيم البلاد، وأي عودة لقوات الدعم السريع للمشهد السياسي والعسكري لن تكون مقبولة من الشعب، والحل في أن يترك العالم الخارجي السودان وشأنه.

لاجئون سودانيون بمنطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان حيث يأمل السودانيون إنهاء الحرب (موقع الأمم المتحدة)

تقاطعات سياسية

ورغم تعويل بعض القوى والكتل السياسية على مساعي المجموعة الرباعية لجلب السلام إلى بلادهم، غير أن قوى أخرى تعدّه تدخلًا سلبيا.

ودعا القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، خالد عمر يوسف، لاغتنام ما وصفها “بالفرصة التاريخية” لتحقيق السلام في السودان، محذرًا من محاولات قوى منتفعة من استمرار الحرب لإطالة أمد الكارثة الإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عامين.

ورأى يوسف، في منشور له، أن هذا الحراك يسعى لتنسيق دولي يضم دولًا مؤثرة إقليميا ودوليا، وذلك من شأنه توحيد الضغوط لإنهاء الصراع، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن العامل الخارجي وحده لا يكفي، وأن السلام العادل والمستدام لن يتحقق إلا بإرادة السودانيين أنفسهم.

من جهته، توقع رئيس تحالف التراضي الوطني وزعيم حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي نجاح أميركا بجهودها لوقف الحرب في السودان عبر لقاء المجموعة الرباعية بواشنطن الثلاثاء المقبل.

وتوقع المهدي، في منشور على منصة “إكس”، أن يصدر عن لقاء واشنطن قرار ملزم بوقف الحرب، غير قابل للرفض من طرفي النزاع، إلى جانب مناقشة وثيقة لتسوية نهائية للأزمة، سيُدعى كل من البرهان وحميدتي للتوقيع عليها، كما ستتبع ذلك ترتيبات سياسية تتعلق بمستقبل الحكم في السودان.

وفي المقابل، يعتقد رئيس تحالف قوى الحراك الوطني، التجاني السيسي، أن “هناك إطارًا جديدًا، عبر رباعية جديدة، يُطبخ على نار لاهبة، وقطعًا لا يتسق مع مصالح البلاد، ويحاول الانتقاص من الانتصارات التي حققها الشعب السوداني بدماء شهدائه”.

وتساءل السيسي في تغريدة على منصة “إكس” قائلا: “لمصلحة من يتم تعقيد الأزمة السودانية وإطالة أمد الحرب؟“.

الحوار السوداني

وانتقد الأمين العام لتنسيقية القوى الوطنية، محمد سيد أحمد الجاكومي، ما وصفه بتجاهل الآلية الرباعية لمناقشة الأزمة السودانية للحكومة السودانية وللإرادة الشعبية.

ويقول الجاكومي، للجزيرة نت، إن مثل هذه الاجتماعات التي تعقد خلف أبواب مغلقة تمثل تدخلا سافرا في الشأن الداخلي، وتسهم بتعميق الصراع، وتعهد بمناهضة أي محاولات لفرض أي حلول خارجية.

أما المدير العام السابق لمركز دراسات السلام في جامعة الخرطوم، منزول العسل، فيرى أن التحرك الجديد للمجموعة الرباعية هذه المرة سيكون جادًّا وربما الأخير لوقف الحرب في السودان، وسيشهد ضغطا على الحكومة والدعم السريع في سبيل ذلك، خاصة على الأول بعد تشكل رأي عام على تعنته.

ويعتقد العسل، في حديثه للجزيرة نت، أن الحلول المفروضة من الخارج لن تنجح بحل الأزمة السياسية في البلاد حتى لو أوقفت الحرب، مبينا أن الحل المستدام يكون عبر حوار سوداني بين القوى المساندة للجيش والموالية للدعم السريع.

كذلك فإن الموقف الصفري الذي تتبناه أطراف تساند الجيش عن قتل آخر جندي في الدعم السريع، أو تمسك تحالف “صمود” بإقصاء الإسلاميين لن يحقق سلاما واستقرارا في البلاد، حسب قوله.

المصدر: الجزيرة

الحصار كسلاح حرب في السودان: من يحمي المدنيين عندما تصبح كل الطرق إلى الحياة أخطر من الموت نفسه؟

الخرطوم ـ «القدس العربي»: في القانون الدولي لحقوق الإنسان، تُعدّ حرية التنقل حقاً أساسياً مكفولاً لكل فرد، يتضمن حرية المغادرة، الانتقال داخل الحدود الوطنية، واختيار مكان الإقامة. ويتفرع منه حق آخر لا يقل أهمية: الوصول إلى الغذاء، الدواء، والمساعدة الإنسانية دون تمييز أو عرقلة. لكنّ هذا الحق يبدو اليوم طيفًا بعيدًا عن مدينة الفاشر، التي تقف شاهدة على أحد أبشع انتهاكاته في سياق الحرب السودانية التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023.
مع دخول الحرب عامها الثالث، أصبحت مدينة الفاشر رمزًا لمعاناة المدنيين في السودان، إذ تعيش تحت حصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع منذ آيار/مايو 2024، ما أدى إلى كارثة إنسانية حقيقية. في مشهد مأساوي يتكرر كل يوم، يجد المدنيون أنفسهم بين فكي كماشة: البقاء في مدينة تلتهمها المجاعة، أو المغادرة عبر طرق محفوفة بالقنص والخطف والانتهاكات. وبين هذا وذاك، تتلاشى المعايير الإنسانية، ويتحول الحق في الحياة إلى رفاهية بعيدة المنال.

مدينة تغرق في الصمت والدمار

تحاصر قوات الدعم السريع مدينة الفاشر بشكل كامل منذ أكثر من عام، مانعة دخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. وقد تصاعدت الهجمات في الأسابيع الأخيرة، حيث تستهدف القذائف الأحياء السكنية والمراكز الطبية، ما جعل المدينة غير قابلة للعيش، بحسب منظمات محلية.
في 30 آيار/مايو الماضي، قصفت قوات الدعم السريع مخازن برنامج الأغذية العالمي «WFP»، ما أدى إلى تدمير كامل للمخزون الغذائي واللوجستي. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت مؤشرات المجاعة بشكل كارثي، حيث أفادت شبكة أطباء السودان بأن مئات الأطفال لقوا حتفهم جوعًا، بينما يواجه عشرات الآلاف المصير ذاته في ظل غياب كامل للاستجابة الإنسانية الفعالة.
وتقول لجان المقاومة في الفاشر إن قوات الدعم السريع حفرت خنادق حول المدينة لمنع دخول أي مساعدات، متهمةً إياها بتجويع السكان كتكتيك حربي، وهو ما يشكل جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف.

طريق الهروب محفوف بالموت

لعلّ أشد ما يفضح انتهاك حرية التنقل في الفاشر هو ما حدث في معسكر زمزم للنازحين، حيث وثّقت تقارير ميدانية مقتل مئات المدنيين خلال اجتياح قوات الدعم السريع للمعسكر، في نيسان/أبريل الماضي. لم يكن القتل وحده هو الجريمة، بل إن من حاولوا الفرار من المجزرة واجهوا قنصاً واختطافاً واغتصاباً، حسب شهادات ناجين.
وكشفت لجان المقاومة الفاشر في نيسان/أبريل الماضي عن تصفية عدد من المدنيين خلال محاولتهم الفرار من معسكر زمزم للنازحين المتاخم لمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، غرب السودان. ونشرت صورا لأسرة مقتولة في محيط المعسكر بعد اجتياحه من قبل قوات الدعم السريع ومقتل المئات من المدنيين في الهجوم. فيما أشارت إلى ان البقاء في المعسكر أو مغادرته كلاهما موت محتم.
في 27 نيسان/أبريل، قال محمد خميس دودة، المتحدث باسم مخيم زمزم، إن ميليشيا موالية للدعم السريع اختطفت موظفي إغاثة كانوا في طريقهم إلى الإجلاء. اتُّهم هؤلاء بالانتماء إلى الجيش السوداني، وتم احتجازهم، في انتهاك واضح لحصانة العاملين في المجال الإنساني.
وقد وثّقت الأمم المتحدة حالات اغتصاب جماعي داخل المعسكر وخلال محاولات الفرار، شملت نساء وفتيات وحتى فتيان، وسط مخاوف من أن يكون عدد الضحايا أعلى بكثير مما أُعلن.
وتشير منظمات إنسانية إلى أن آلاف النازحين لم يعودوا قادرين على مغادرة المدينة بسبب إغلاق المسارات وتعرض من يحاول الخروج للقتل أو الاعتقال، ما جعل المدينة «سجناً مفتوحًا» على حد تعبير أحد سكان الفاشر.

قوانين تقيّد وتُعاقب: التضييق في مناطق الجيش

إذا كانت قوات الدعم السريع تمارس الحصار بالقوة، فإن السلطات في مناطق سيطرة الجيش تمارس التضييق بالقانون، وتحديداً قانون «الوجوه الغريبة» الذي يُتيح اعتقال أي شخص يُشتبه بأنه لا ينتمي إلى «المنطقة المحلية»، ما حول حياة آلاف النازحين إلى جحيم من الشكوك والاستهداف.
وبعد معارك عنيفة مع الجيش تراجعت قوات الدعم السريع في نيسان/أبريل الماضي إلى منطقة صالحة جنوب أمدرمان، التي كانت آخر معاقلها في العاصمة، قبل أن يسيطر الجيش لاحقا على العاصمة بالكامل.
وفي ظل احتدام المعارك هناك، حاول عدد من المدنيين الخروج من المنطقة إلى أنهم دفعوا حياتهم ثمنا لمحاولة النجاة بعد اتهامهم بالتعاون مع الجيش. حيث وثقت منظمات حقوقية عمليات تصفية ميدانية ضد مدنيين اتهموا بالتعاون مع الجيش. في 26 نيسان/أبريل الماضي، أظهرت مقاطع مصورة إعدام 31 مدنيًا بعد تكبيلهم وتجريدهم من بعض ملابسهم، في جريمة وصفتها شبكة أطباء السودان بأنها «أكبر مجزرة موثقة» ضد المدنيين في تلك المنطقة.
هذا المناخ من الارتياب والاستهداف جعل حرية التنقل في السودان مشروطة بالهوية القبلية والانتماء السياسي، بما يهدد بانهيار النسيج الاجتماعي ويجعل من التنقل هروبًا لا مغادرة.

انتهاك صارخ للقانون الدولي:
أين الحماية؟

ينص القانون الدولي الإنساني على أن المدنيين في زمن النزاعات يجب أن يتمتعوا بالحماية من الهجمات وأن تُتاح لهم حرية التنقل والوصول إلى المساعدات. وتُلزم اتفاقيات جنيف أطراف النزاع بتسهيل وصول الإغاثة وعدم استهداف المدنيين.
لكن في الفاشر، تبدو هذه النصوص وكأنها غير موجودة. فالدعم السريع يُتهم بتجويع السكان والاغتصاب ومنع الإغاثة. وتقول مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن ما يحدث في الفاشر ومحيطها يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة مع تزايد العنف الجنسي والانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين والعاملين في الإغاثة.

الأطفال والنساء يدفعون الثمن الأكبر

في قلب هذه المأساة، تقف الفئات الأكثر هشاشة على حافة الهلاك. تشير تقارير طبية إلى أن مئات الأطفال لقوا حتفهم بسبب الجوع في الفاشر، بينما تشير تقديرات إلى أن عدد المتأثرين من النساء الحوامل والمرضى وكبار السن في تصاعد مستمر.
النساء، في ظل غياب الأمن والعدالة، يتعرضن للاستهداف المباشر من قبل القوات المحاصِرة. وتقول مفوضية حقوق الإنسان إن بعض النساء تعرّضن للاغتصاب المتكرر، وتم استهدافهن على أساس العرق.
وفي ظل توقف أغلب مرافق الرعاية الصحية، باتت الحالات المرضية الحرجة بلا علاج، وسط تحذيرات من انهيار كامل في منظومة الحياة بالمدينة.

مطابخ الأحياء: شريان حياة يتلاشى

في مواجهة الجوع، اعتمدت أحياء الفاشر على مطابخ تطوعية جماعية تُعد الوجبات للفقراء والنازحين. لكنها سرعان ما بدأت تتوقف واحدًا تلو الآخر بسبب نفاد الموارد وعدم وجود أي دعم.
هذه المطابخ كانت الأمل الوحيد لعشرات الآلاف، لكنها اليوم تصارع من أجل البقاء، في ظل رفض الدعم السريع لأي هدنة إنسانية تسمح بإدخال الغذاء والدواء.
وتقول لجان المقاومة في مدينة الفاشر إن كل مبادرة مدنية تُواجه بالتصفية، وإن الدعم السريع يقتل من يحاول إدخال بضائع أو مساعدات للمدينة، في سياسة ممنهجة لتجويع السكان.

النداءات الدولية والمواقف المتضاربة

في حزيران/يونيو الماضي، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى هدنة إنسانية في الفاشر، فوافقت الحكومة، بينما رفضتها قوات الدعم السريع التي قالت إن المدينة «منطقة عمليات عسكرية»، ودعت إلى توجيه الإغاثة إلى مناطق تحت سيطرتها خارج المدينة.
دعوة حركة جيش تحرير السودان (الموالية للدعم السريع) للمدنيين بمغادرة الفاشر نحو مناطق سيطرتها وُجهت بانتقادات حادة، حيث اعتبرتها لجان المقاومة محاولة لتهجير قسري. وقالت: «الهدف من الحصار ليس فقط الإخضاع بل الإفراغ الديمغرافي للمدينة.»
وبينما تؤكد الحركة استعدادها لفتح الممرات، تقول تقارير ميدانية إن الطرق التي تقترحها الحركة مليئة بالنقاط الأمنية التي قد تُستخدم في اعتقال المدنيين أو تجنيدهم قسرياً.
وقالت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، أنه في الوقت الذي تنادي فيه الأصوات الدولية بهدنة إنسانية لإيصال الإغاثة، تصعد قوات الدعم السريع عمليات القصف المدفعي الموجهة نحو الأحياء السكنية ومعسكرات النازحين. وتقوم بحفر خنادق حول المدينة المحاصرة، وأغلقت كل الطرق والمسارات المؤدية إلى الفاشر.
واتهمتها بالتضييق على كل جهد مدني أو إنساني يسعى لتخفيف المعاناة وتقتل كل من يحاول ادخال البضائع إلى المدينة، مضيفة: «إنها ببساطة لا توافق على أي هدنة ولا تعترف بأي التزام إنساني أو قانوني».
وتابعت: «أن هذه الميليشيا لا تفهم لغة الحوار ولا تلتزم بالمواثيق بل تستغل الصمت الدولي لتكريس سيطرتها بالإرهاب والتجويع» محذرة من أن ما يحدث في الفاشر هو حصار متعمد وقتل بدم بارد وأن الهدف «تركيع المدينة وإخضاع أهلها».
ولفتت إلى أن فك الحصار عن الفاشر، لن يأتي بالدعوات أو النداءات ولا ورقة هدنة توقعها «الدعم السريع» مشيرة إلى أنه في ظل هذا «المشهد المظلم» لن يتم فك الحصار عن المدينة إلا بالقوة.
وقالت: «لا سلام يرجى ممن يتخذ القتل وسيلة ولا هدنة تُنتظر ممن لا يحترم حياة المدنيين» محذرة من أن الفاشر لا تحتمل الانتظار والسكوت عما يجري.
واعتبرت السكوت عن ما يحدث في المدينة من انتهاكات مروعة هو تواطؤ، مهما تنوعت المسميات.
فيما طالبت حركة المستقبل للإصلاح والتنمية، مجلس الأمن الدولي باتخاذ إجراءات عقابية بحق الدعم السريع وداعميها وتنفيذ القرار الأممي رقم «2736» الذي طالب الدعم السريع بفك حصار الفاشر، مضيفة: «تواصل قوات حميدتي تجاهل القرار الأممي لأكثر من عام».
ودعت قيادة الاتحاد الأفريقي بالاضطلاع بدور أكبر تجاه السودان عبر تقديم الدعم لمجابهة تحديات تثبيت الاستقرار.
وتتهم وزارة الخارجية السودانية قوات الدعم السريع بعدم الاكتراث بالقرارات الأممية. طالبت الحكومة السودانية المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة للضغط على الدول التي تتهمها بدعم قوات الدعم السريع وتزوِّيدها بالأسلحة والمعدات العسكرية، مشيرا إلى أن تلك الأسلحة تُستخدم يومياً لقتل الأبرياء في إقليم دارفور وانحاء السودان المختلفة، مما يشكل تهديداً للسلام الإقليمي والدولي.
وفي حزيران/يونيو من العام الماضي أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً تحت الفصل السادس دعا إلى التهدئة في شمال دارفور.
وطالب قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة رقم 2736، المعتمد في 13 حزيران/يونيو من العام 2024، قوات الدعم السريع بوقف حصارها لمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، داعيا إلى خفض التصعيد في المدينة ومحيطها وسحب جميع المقاتلين الذين يهددون سلامة وأمن المدنيين، فيما طالب جميع أطراف النزاع بالتزام القانون الدولي الإنساني.
وطالب جميع الدول بالامتناع عن التدخل وعدم تأجيج الصراع والامتناع عن نقل الأسلحة والعتاد لدارفور.
ودعا القرار الأممي الصادر عن مجلس الأمن الدولي طرفي القتال بالتهدئة والالتزام بالتنفيذ الكامل لإعلان جدة الخاص بحماية المدنيين الموقع في 11 آيار/مايو من العام 2023.
وحذرت الأمم المتحدة من تصاعد العنف المسلح على نطاق واسع في مدينة الفاشر مما يهدد حياة الآلاف من المدنيين خاصة في مخيمات النازحين داخليًا، المكتظة بآلاف الفارين من المعارك.
وتحاصر قوات الدعم السريع مدينة الفاشر منذ آيار/مايو من العام الماضي، بينما تحتدم المعارك بين الجيش السوداني والقوات التي يتزعمها محمد حمدان دقلو «حميدتي» في ولايات كردفان، حيث يحاول الجيش فتح الطريق نحو آخر معاقله في إقليم دارفور، مدينة الفاشر العاصمة التاريخية للإقليم الواقع غرب البلاد.

عندما تصبح الطرق
أخطر من الموت نفسه

الوضع في مدينة الفاشر اليوم يُجسد انهيار المنظومة الإنسانية في حرب طاحنة بات المدنيون وقودها الرئيسي. تُقيّد حرية التنقل بالسلاح، وتُمنع المساعدات بالمدافع، وتُدفن القوانين تحت ركام المدينة المحاصَرة.

الجزيرة: تحركات صامتة وضغوط أميركية.. هل اقتربت تسوية الحرب في السودان؟

الخرطوم- تتسارع التحركات الدولية والإقليمية من أجل وضع نهاية للحرب في السودان، حيث شهدت الأيام الماضية زيارات غير معلنة واتصالات صامتة بين بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد وعواصم عربية وأفريقية وغربية قبل مؤتمر دولي تعد له واشنطن بشأن السلام في السودان.

ويرى مراقبون أن هناك “طبخة سياسية” تُجرى على نار هادئة لتسوية في السودان لكنها تواجه تحديات، أبرزها تقاطع مواقف دول إقليمية مؤثرة على المشهد السوداني وتوجس أطراف النزاع من حل يضع حدا للطموحات السياسية لقيادات عسكرية في الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وتزايد الاهتمام الأميركي جاء في أوائل يونيو/حزيران الماضي بعد لقاء جمع كريستوفر لاندو نائب وزير الخارجية الأميركي ومسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق أوسطية بسفراء السعودية ومصر والإمارات ضمن المجموعة الرباعية المعنية بالسودان.

وفي أول تصريح له بشأن السودان منذ عودته إلى البيت الأبيض كشف الرئيس دونالد ترامب عن مساع أميركية جادة لإنهاء النزاع عبر مسار التسوية السلمية، مما أثار ارتياحا لدى السودانيين وغموضا في مواقف الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وجاءت تصريحات ترامب خلال لقائه قبل أيام رؤساء 5 دول أفريقية، وشدد خلال اللقاء على أهمية التحرك الأميركي العاجل لدعم الاستقرار في السودان، إلى جانب مناطق أخرى في القارة تشهد اضطرابات.

جولات واتصالات

وكشفت مصادر رسمية سودانية للجزيرة نت أن القيادة تلقت عبر قنوات دبلوماسية توضيحا من الجانب الأميركي قبل لقاء المجموعة الرباعية عن وجود مشروع للسلام في السودان، دون إعطاء مزيد من التفاصيل، وأشارت واشنطن إلى أنها تتشاور مع شركائها لصياغته.

وتقول المصادر -التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها- إن الحكومة أبلغت الجانب الأميركي بطريقة غير رسمية أنها منفتحة على جهود للسلام، وإن أي مساع ينبغي أن تستند إلى خريطة الطريق التي سلمها مجلس السيادة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والتي بدأ في تطبيقها عمليا بتسمية رئيس وزراء مدني بعد تعديل الوثيقة الدستورية، وشددت القيادة السودانية على أن موقفها الرسمي سيعلن بعد إطلاعها على تفاصيل المشروع.

واستقبلت بورتسودان قبل يومين مبعوثا سعوديا في زيارة خاطفة لم يعلن عنها، وقالت مصادر للجزيرة نت إن القيادة السودانية أجرت اتصالات مع عواصم عربية وأفريقية للتشاور بشأن عملية السلام وإطلاعها على رؤيتها لإنهاء الحرب.

كما أوفدت القيادة مبعوثا أمنيا سودانيا إلى دول عربية وغربية وأخرى صديقة للسودان للغرض ذاته.

وفي السياق ذاته، أكدت مصادر في الاتحاد الأفريقي للجزيرة نت أن هناك مشاورات مع قوى دولية وإقليمية مع الاتحاد والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) لتسريع عملية السلام في السودان عبر تنسيق الجهود المختلفة، مشيرة إلى عدم وجود خطة محددة للسلام حتى الآن، لكنها توقعت تبلورها خلال الأسابيع المقبلة.

بالمقابل، قال مسؤول في المكتب الإعلامي لقوات الدعم السريع للجزيرة نت إن قيادة القوات لم تتلق شيئا من الجانب الأميركي، لكنها اطلعت على التحركات الدولية في هذا الشأن من الإعلام.

وأعرب المسؤول عن استعداد القوات لأي مساع جادة لوقف الحرب، متهما الجيش بعدم الرغبة في تحقيق السلام، وقال إنهم “سيواصلون القتال حتى يحققوا أهدافهم في السلام والتحول الديمقراطي عبر الحكومة التي يعملون لتشكيلها قريبا في مناطق سيطرتهم”.

مسارات مقترحة

ورجحت المصادر الأفريقية -التي طلبت عدم الكشف عن هويتها- أن ثمة مقترحات بـ3 مسارات:

  • مسار عسكري: عبر مفاوضات مباشرة بين الأطراف المتنازعة تفضي إلى وقف النار وترتيبات أمنية وعسكرية.
  • مسار سياسي: من خلال إشراك القوى السياسية والمدنية في عملية حوار سوداني للتوافق على رؤية تحمل ترتيبات اليوم التالي ما بعد الحرب.
  • مسار اقتصادي: لإقرار خطة إنعاش وإعمار ترتبط بمطلوبات سياسية محددة.

من جانبه، طرح بابكر فيصل رئيس حزب التجمع الاتحادي عضو الهيئة القيادية في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” 3 سيناريوهات محتملة لإنهاء الحرب في السودان.

  • السيناريو الأول: إجراء حوار مباشر بين السلطتين القائمتين في بورتسودان ونيالا، بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتبر أن هذا النموذج مستلهم من تجربة جنوب السودان، حيث نجحت الأطراف المتحاربة سابقا في التوصل إلى تسوية سياسية مؤقتة.
  • السيناريو الثاني: مستوحى من النموذج الليبي، ويستند إلى اتفاق لوقف إطلاق النار دون تسوية سياسية شاملة، بحيث يحتفظ كل طرف بالمناطق التي يسيطر عليها، ويؤسس لحالة من التعايش القسري بين سلطتين منفصلتين على أرض واحدة.
  • السيناريو الثالث: وقف شامل ودائم لإطلاق النار يتبعه مسار سياسي يشارك فيه المدنيون، ويهدف إلى معالجة جذور الأزمة وضمان عدم تكراره، مما يتطلب توافقا مدنيا واسعا.

ويرى فيصل أن السيناريوهين الأول والثاني لن ينهيا الحرب، بل سيؤديان إلى تهدئة مؤقتة كما حدث في جنوب السودان وليبيا، والسيناريو الثالث هو الوحيد القادر على ضمان سلام مستدام.

ويحذر فيصل من أن استمرار الحرب وانعدام الإرادة الداخلية لإنهائها سيؤديان إلى تدخل خارجي يفرض أجنداته بالقوة، وقد لا تتوافق هذه الأجندات مع مصالح السودان الوطنية.

اقتسام نتيجة الحرب

بدوره، يرى الخبير في الشؤون الدولية والأمنية عامر حسن أن الاتجاه إلى تسوية يعني اقتسام نتيجة الحرب بين الجيش والدعم السريع، وهو أمر لن يقبل به الشعب السوداني الذي دفع ثمن الحرب قتلا وتهجيرا وتدميرا لممتلكاته العامة والخاصة.

وحسب حديث الخبير للجزيرة نت، فإن الجيش استطاع إزالة الخطر الوجودي للحرب المتمثل في محاولة قوات الدعم السريع اختطاف الدولة، ولكنها تحولت إلى تمرد خطير في غرب السودان ترعاه قوى إقليمية.

وقال حسن إن الحرب الجارية ينبغي أن تكون صفرية عبر حسمها عسكريا بعدما كسبها الجيش، مشددا على أن أي مفاوضات يجب أن تكون لترتيبات حل الدعم السريع لا منحها مكاسب عسكرية وسياسية.

أما المحلل السياسي فيصل عبد الكريم فيعتقد أن واشنطن ستسعى إلى استثمار مشروع التسوية لاستئناف تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل بعدما دفع الرئيس ترامب في دورته الأولى للقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتبي الأوغندية في فبراير/شباط 2020.

وتلا ذلك اللقاء توقيع الخرطوم على اتفاق أبراهام في يونيو/حزيران 2021 وربما يسعى ترامب مجددا -وفقا لعبد الكريم- إلى عقد لقاء آخر بين الرجلين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول المقبل.

ويرى عبد الكريم في حديثه للجزيرة نت أن أبرز التحديات والتعقيدات التي تواجه أي مشروع تسوية للصراع في السودان تتمثل في تباينات القوى الإقليمية المؤثرة على المشهد السوداني حتى في داخل المجموعة الرباعية، يضاف إلى ذلك جانب الطموح السياسي للبرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ورهنهما أي حل بمستقبلهما السياسي.

المصدر: الجزيرة