بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب السودان قد دخل مرحلة الانهيار البطيء

الخرطوم – بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يبدو أن السودان قد دخل مرحلة الانهيار البطيء، حيث تتلاشى ملامح الدولة ويتآكل النسيج الاجتماعي، فيما تتقاطع على أرضه أجندات إقليمية ودولية تجعل السلام هدفا بعيد المنال.

وتحولت الحرب التي بدأت في أبريل 2023 كصراع على السلطة بين الجنرال عبدالفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مع مرور الوقت إلى حرب متعددة الأوجه: سياسية، واقتصادية، وعرقية، وحتى أيديولوجية، تضع السودان على حافة التفكك الكامل.

ورغم تعدد المبادرات، فإن الواقع الميداني لا يشير إلى أي مؤشر جدي على وقف القتال. فالعاصمة الخرطوم لا تزال مدمّرة في معظمها، ومدن بأكملها مثل ود مدني والجنينة ونيالا تحولت إلى ساحات قتال مفتوحة.

ولا يسيطر أي طرف سيطرة كاملة على الأرض، في حين يعاني المدنيون من انعدام الأمن، ونقص الغذاء والدواء، وغياب الخدمات. وتحولت المستشفيات التي لم تُدمّر إلى ملاجئ للنازحين، والمياه النظيفة باتت ترفا نادرا في معظم المناطق. ومع استمرار الحصار على المدن الكبرى، ازدادت الأمراض والأوبئة، خصوصا الكوليرا والملاريا وسوء التغذية بين الأطفال.

وتتعامل الأطراف المتحاربة بمنطق “الكل أو لا شيء”، فكل طرف يرفض التراجع خشية أن يُفسَّر ذلك ضعفا أو اعترافا بالهزيمة. ويرى الجيش نفسه حارس الدولة ومؤسساتها، بينما تصر قوات الدعم السريع على أنها تخوض حربا ضد “الدولة العميقة” والمركزية التاريخية التي همّشت الأطراف.

ويرى آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في مؤسسة الأزمات الدولية، أن هذه الثنائية تجعل أي حوار سياسي ضربا من المستحيل، لأن جذور الصراع أعمق من مجرد تنافس على السلطة، إنها أزمة هوية وطنية تمتد منذ عقود، بين مركز يرى نفسه ممثلا للدولة، وأطراف تشعر بالتهميش والإقصاء.

◄ استمرار الحرب سيحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للميليشيات العابرة للحدود وشبكات التهريب، كما حدث في ليبيا والصومال من قبل

وعلى الصعيد الدبلوماسي، غابت الرؤية الموحدة. فكل وسيط جاء إلى الطاولة بمشروع مختلف، وغالبا بدافع حسابات تخصه. ففي جدة، حاولت السعودية والولايات المتحدة إطلاق مسار تفاوضي لإنهاء القتال عبر وقف إطلاق النار الإنساني، لكن الخلافات بين الطرفين المتحاربين، وغياب آلية مراقبة فعالة، جعلا كل اتفاق يولد ميتا.

وأما مصر، فكانت رؤيتها تنطلق من ضرورة الحفاظ على وحدة الجيش ومؤسسات الدولة، خشية من أن يؤدي تفكك السودان إلى فوضى تمتد إلى حدودها الجنوبية. وفي المقابل لعبت إثيوبيا دورا مزدوجا بين الوساطة وحماية مصالحها الحدودية في الفشقة وسد النهضة.

وجعل هذا التعدد في المقاربات “الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات عاجزة عن توحيد جهودها. فبينما تميل واشنطن إلى ضغوط سياسية ودبلوماسية، تفضّل بعض العواصم العربية العمل وفق منطق النفوذ الميداني وتأمين مناطق محددة من البلاد.

وبذلك، أصبحت الوساطات المتكررة مجرد محاولات لإدارة الأزمة لا حلّها، ما منح الطرفين المتقاتلين المزيد من الوقت لإعادة التموضع وبناء التحالفات. وفي ظل هذا الفشل السياسي، تتدهور الأوضاع الإنسانية بوتيرة صادمة. فوفقا لتقديرات الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 25 مليون سوداني في حاجة ماسة إلى المساعدات، بينما تجاوز عدد النازحين داخليا أحد عشر مليونا، في أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم حاليا.

وتحولت المدن التي كانت تعج بالحياة إلى أطلال، والمزارع التي كانت تغذي الملايين من الأسر أصبحت مناطق خطرة مليئة بالألغام. ومع انقطاع المساعدات الدولية بسبب انعدام الأمن، لجأ الكثير من السودانيين إلى النزوح نحو تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا، ما أحدث ضغطا إضافيا على دول الجوار التي تعاني بدورها من أزمات اقتصادية وأمنية.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الحرب سيحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للميليشيات العابرة للحدود وشبكات التهريب، كما حدث في ليبيا والصومال من قبل.

ومع غياب الدولة المركزية، تنشط الجماعات المسلحة المحلية والقبلية في مناطق الذهب وطرق التجارة، وتتحول الموارد الطبيعية إلى مصدر تمويل للحرب. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن تجارة الذهب غير الشرعية وحدها تموّل جزءا كبيرا من النزاع، إذ تُهرَّب الكميات عبر الحدود إلى أسواق خارجية، بينما تُستخدم عائداتها في شراء السلاح وتمويل المجهود الحربي.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن مناطق دارفور، التي شهدت البعض من أعنف فصول الحرب، أصبحت الآن مقسمة عمليا بين مجموعات قبلية وميليشيات مختلفة الولاءات. ولم تعد الحرب في دارفور بين الجيش والدعم السريع فحسب، بل انزلقت إلى مواجهات عرقية طاحنة، خصوصا بين قبائل الزغاوة والمساليت والعرب.

وتجعل هذه الانقسامات أي حل سياسي شاملا أمرا شبه مستحيل من دون مصالحة مجتمعية واسعة، وهي عملية تحتاج إلى سنوات طويلة من إعادة بناء الثقة.

ويرى محللون أن المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة السودانية بمنطق رد الفعل لا الاستباق. فالدول الكبرى لا ترى في السودان سوى ملف أمني مرتبط بخطر الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر، بينما تغيب الإرادة الجدية في معالجة جذور الصراع. وحتى الأمم المتحدة نفسها تعاني من شلل مؤسسي بعد طرد بعثتها السياسية من الخرطوم، لتصبح قدرتها على التأثير محدودة للغاية.

◄الانقسامات تجعل أي حل سياسي شاملا أمرا شبه مستحيل من دون مصالحة مجتمعية واسعة، وهي عملية تحتاج إلى سنوات طويلة من إعادة بناء الثقة

واقتصاديا، يعيش السودان حالة انهيار تام. العملة فقدت أكثر من 90 في المئة من قيمتها، والتضخم تجاوز 400 في المئة، والموارد الحيوية كالقمح والوقود أصبحت نادرة. كما أن القطاع الزراعي، الذي يمثل شريان الحياة في البلاد، تضرر بشكل غير مسبوق، مما ينذر بمجاعة واسعة النطاق.

وفي الوقت الذي يحاول فيه البنك المركزي الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي، تنهار الإيرادات العامة بسبب توقف الصادرات، خصوصا من الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية.

ومع طول أمد الحرب، تتزايد المخاوف من تقسيم فعلي للبلاد. فمناطق شرق السودان بدأت تُظهر نزعات انفصالية، وغرب البلاد يدار فعليا من قبل جماعات محلية مستقلة. كما أن قوات الدعم السريع تسيطر على أجزاء واسعة من دارفور وكردفان، بينما يحتفظ الجيش بالمناطق الشمالية والشرقية، ما يعني أن السودان يتجه تدريجيا نحو نموذج شبيه بليبيا، حيث تتقاتل سلطتان متنازعتان لا سلطة لأيّ منهما على كامل التراب الوطني.

وتنعكس هذه الفوضى أيضا على ممرات التجارة الإقليمية. فالموانئ السودانية على البحر الأحمر أصبحت هدفا للتنافس الإقليمي بين قوى عربية وأفريقية، في حين فقدت مصر جزءا كبيرا من تجارتها البرية عبر الحدود الجنوبية، وأصبحت جيبوتي وإريتريا تتوجسان من تدفق السلاح والمقاتلين.

وهكذا، لم تعد الأزمة السودانية شأنا داخليا، بل باتت قضية أمن إقليمي بامتياز تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره. ووسط كل هذا المشهد القاتم، تتوالى المبادرات الدبلوماسية من دون جدوى. تُعقد الاجتماعات، وتصدر البيانات، ويُعاد التذكير بـ”ضرورة ضبط النفس” و”الحل السلمي”، بينما تستمر المدافع في دكّ المدن والقرى.

ولا يبدو أن هناك جهة قادرة على فرض وقف دائم لإطلاق النار، أو ضمان ممرات إنسانية آمنة لتقديم المساعدات. وحتى حين يُعلن عن اتفاق مؤقت، سرعان ما يُخرق في اليوم التالي، وكأن الأطراف تستمدّ شرعيتها من استمرار الحرب لا من نهايتها.

ولا يمكن أن يقرأ استمرار هذا الوضع إلا كفشل جماعي لكل من حمل راية الوساطة أو دعا إلى السلام. فالمجتمع الدولي يقف متفرجا، والإقليم غارق في تناقضاته، والقيادات السودانية عاجزة عن رؤية ما بعد الحرب.

وبينما يزداد الخراب، يظل الأمل ضئيلا بأن يولد من بين الركام صوت عاقل يدرك أن لا منتصر في هذه الحرب، وأن السودان، إن لم يُنقذ الآن، قد يختفي من خارطة الدولة الموحدة لعقود قادمة.

ماذا بقي من اتفاق جوبا للسلام في السودان بعد خمس سنوات على توقيعه؟

الخرطوم – بعد مرور 5 سنوات على توقيعه، أقرّت أطراف اتفاق جوبا للسلام في السودان أن ما نفّذ منه يرتبط بالجانب السياسي (المشاركة في السلطة)، في حين لا تزال الترتيبات الأمنية وتقاسم الثروة والتنمية عالقة.

ويرى مراقبون أن الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق تجنّبت التحول إلى أحزاب سياسية، كما احتفظت بقواتها وأسلحتها لاستخدامها ورقة للضغط متى ما تطلّب ذلك للمحافظة على المكاسب التي جنتها، ورجحوا أن يتجاوزه الواقع بانتهاء الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023.

اتفاق جوبا بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة، الذي تم توقيعه مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2020 وتم اعتماده بنهاية الأسبوع الثالث منه، يهدف إلى تحقيق سلام شامل، وتوزيع السلطة بشكل عادل في إقليم دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وحماية الموارد المحلية في الولايات الشمالية والوسطى.

أجل الاتفاق

ومن أبرز الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق “العدل والمساواة” بقيادة جبريل إبراهيم، و”تحرير السودان” بزعامة مني أركو مناوي، و”الحركة الشعبية- شمال” برئاسة مالك عقار، بجانب فصائل أخرى في تحالف “الجبهة الثورية”.

وحدّد الاتفاق انتهاء أجله بنهاية الفترة الانتقالية التي مددت لتصبح 39 شهرا اعتبارا من اعتماده وضمه ليصبح جزءا من الوثيقة الدستورية، ثم تم تمديد المرحلة الانتقالية 39 شهرا أخرى بعد تعديل الوثيقة الدستورية في فبراير/شباط الماضي.

ويقول مسؤول حكومي للجزيرة نت إن اتفاق السلام ليس مرتبطا بمدى الفترة الانتقالية الجزئية، إنما فقط بند المشاركة في السلطة هو المحدد بنهاية الفترة الانتقالية باعتبار أنه خلال هذه الفترة ستتحول الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية تكون مشاركتها في السلطة وفق وزنها في الانتخابات، أما بقية بنود الاتفاق فمدى تنفيذها خلال 10 أعوام.

ويقرّ المسؤول -الذي طلب عدم كشف هويته- بانقضاء 5 أعوام، لكن ظروفا عطلت تنفيذ بعض بنوده لم تكُن منظورة وقت التوقيع وسيظل أطراف السلام مشاركين في السلطة إلى حين انقضاء الفترة الانتقالية التي جددت الآن لتنتهي بالانتخابات.

وحول مستقبل الاتفاق، يفيد المسؤول الحكومي بأنه في حال توقف الحرب والوصول إلى تسوية سياسية، فإن ذلك لن يؤثر في الاتفاق، بمعنى أن بنوده لن تتأثر بأي اتفاق ما عدا القضايا القومية والمرتبطة بالمشاركة في السلطة التي قد يجري تعديلها بحسب ظروف التسوية المحتملة.

السودانيون بمخميات النزوح يعيشون في ظل أوضاع كارثية كمخيم زمزم في دارفور (مواقع التواصل)

“تراخي الحكومة”

من جهته، يقول وزير المعادن السابق وكبير مفاوضي حركة تحرير السودان محمد بشير أبو نمو إن الملف السياسي المتعلق باقتسام السلطة وحده هو الذي نُفذ من اتفاق جوبا، في حين ظلت بقية البروتوكولات حبرا على ورق نتيجة لاندلاع  الحرب وعدم توفر الموارد المالية المطلوبة.

وفي تقييمه للاتفاق بعد مرور 5 سنوات على توقيعه، يوضح أبو نمو للجزيرة نت أن الفترة الانتقالية الأولى انتهت وتم تعديل الوثيقة الدستورية لتمديدها مرة أخرى مدتها 39 شهرا، آملا انتهاء الحرب قريبا حتى تتمكن الدولة من توفير استحقاقات الاتفاق واستئناف تنفيذه بشكل كامل.

ويرفض المتحدث اتهام الحركات المسلحة بالتقصير وتمسكها بالمناصب فقط، ويقول إنها لم تتمكن من الوفاء بوعودها للنازحين واللاجئين بسبب ظروف موضوعية خارجة عن إرادتها، في مقدمتها الحرب وتراخي الحكومة وضعف حماسها لتنفيذ بنود الاتفاق.

أما مسؤول التفاوض والسلام في حركة العدل والمساواة المرضي أبو القاسم مختار، فعدَّ ذكرى توقيع الاتفاق وقفة وطنية لإحياء التضحيات التي قدمها آلاف السودانيين لاستعادة الحرية والكرامة ومجابهة الظلم والاستبداد.

وعن خطوات تنفيذه، يقول مختار للجزيرة نت إنه رغم أهمية الاتفاق وشموله بمعالجة قضايا كل أقاليم البلاد فإنه يعاني من الحرب وضعف الموارد، وما تم تنفيذه يختلف من مسار إلى آخر، ولكن بشكل عام الاتفاق لم ينفذ كما ورد في مصفوفة التنفيذ التي حددت مواقيت زمنية لذلك.

تعقيدات الاتفاق

وعن مسار شمال السودان في اتفاق جوبا، انتقد رئيس المسار محمد سيد أحمد “الجاكومي” تلكؤ الحكومة في تنفيذ بنود الاتفاق، وعدّه تراجعا عن الالتزامات السياسية تجاه سكان الشمال.

ودعا الجاكومي، في تصريح للجزيرة نت، أبناء المنطقة إلى الانتفاضة والمطالبة بحقوقهم المشروعة، مؤكدا أن الصمت لم يعد خيارا في ظل ما وصفه بالتباطؤ المتعمد من الجهات الرسمية.

وأشار إلى أن الاتفاق لا يمكن أن يبقى حبرا على ورق، بل يجب أن يتحول إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين عبر مشاريع تنموية وإجراءات قانونية تحمي الأرض والموارد وتضمن العدالة في توزيع السلطة.

وفي جانب آخر، يرى الباحث والمحلل السياسي محمد علاء الدين أن اتفاق جوبا يعاني من تعقيدات عملية وتحديات واقعية مما عطّل غالب بنوده، كما أن من قاد المفاوضات مع الحركات المسلحة ووقع نيابة على الاتفاق عن الحكومة، وهو نائب رئيس مجلس السيادة السابق وقائد قوات الدعم السريع  محمد حمدان دقلو (حميدتي)، سعى إلى “صفقات سرية” مع بعض قادة الحركات واستمال آخرين.

ويوضح الباحث علاء الدين للجزيرة نت أن أبرز تلك التعقيدات:

  • إقحام مسارات الشرق والوسط والشمال في الاتفاق الذي كان مكرسا لتحقيق السلام في إقليم دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بالاتفاق مع الحركات التي تحمل السلاح وليس تسوية مع أطراف سياسية، كما أن ممثلي تلك المسارات لم يكونوا مفوضين من أي جهة لتمثيلهم.
  • رغم الدعم الدولي والإقليمي للاتفاق، فإن شركاء دوليين حضر بعضهم مراسم توقيعه، لكنهم لم يفوا بالتزامات مالية لتنفيذ بنود الاتفاق، ثم إن الاقتصاد السوداني يعاني مما لم يمكّن من تنفيذ الجوانب المرتبطة بالتنمية.
  • لم تكن الحركات المسلحة وخاصة بإقليم دارفور حريصة على تطبيق الجانب المتعلق بالترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح ودمج قواتها في القوات الحكومية، لأنها تريد الإبقاء عليها كورقة ضغط لاستخدامها ما عدا “الحركة الشعبية- شمال” برئاسة مالك عقار الذي دمج قواته.
  • خلق الاتفاق مستويات إدارية جديدة جعلت النظام الإداري لحكم البلاد مرتبكا، إذ نص الاتفاق على إعادة نظام الأقاليم، حيث نشأ إقليما دارفور والنيل الأزرق، في حين تُحكم بقية أنحاء البلاد عبر نظام الولايات، ولم يصدر قانون حتى الآن يحدد سلطات وصلاحيات حاكمي الإقليمين.
  • ويواجه الاتفاق مناهضة من أطراف تحمل السلاح، إذ رفضته حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور في دارفور، والحركة الشعبية- شمال برئاسة عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان والنيل الأزرق، مما جعله منقوصا.

8 بنود

وكان الاتفاق قد نص على 8 بروتوكولات، تتعلق بالعدالة الانتقالية، والتعويضات، وملكية الأرض، وتطوير قطاع المراعي والرعي، وتقاسم الثروة والسلطة، وعودة اللاجئين والنازحين.

كما منح فصائل الجبهة الثورية 3 مقاعد في مجلس السيادة الانتقالي و5 وزراء في مجلس الوزراء، إضافة إلى 75 مقعدا في المجلس التشريعي الانتقالي، ونص على دمج مقاتلي الحركات المسلحة في القوات النظامية على 3 مراحل، تنتهي بانقضاء أجل الفترة الانتقالية.

ومنح الاتفاق ذاته 40% من السلطة في إقليم دارفور لمكونات مسار دارفور، و30% إلى مكونات السلطة الانتقالية، و10% لحركات دارفور الموقعة على الاتفاق، و20% من السلطة لأهل المصلحة، وتم تخصيص 20% من الوظائف في الخدمة المدنية والسلطة القضائية والنيابة العامة والسفراء للجبهة الثورية.

المصدر: الجزيرة

الغارديان البريطانية : السودانيات تُركن وحيدات على الكفاف بمخيمات صحراء تشاد

مع استمرار الحرب في السودان ودفعها مزيدا من الناس إلى عبور الحدود، تتزايد معدلات سوء التغذية في المخيمات النائية في تشاد، إذ تشكل النساء والأطفال 86% من اللاجئين.

هذا ما تضمنه تقرير لمراسل صحيفة غارديان كامل أحمد من بلدة متشي على الحدود السودانية التشادية.

end of list

وفي تقريره الطويل عن أوضاع اللاجئين السودانيين، وغالبيتهم العظمى من النساء والأطفال، يقول أحمد: لساعات طويلة كانت مكة إبراهيم محمد، البالغة من العمر 18 عاما، تتشبث بمقعدها وهي تهتز في سيارة الإسعاف التي تشق طريقها الموحل نحو المستشفى. كانت في حالة مخاض، تعاني من ألم مبرح بعدما تمزق رحمها، لكنها الآن تُقذف بين الحفر والمنخفضات على الطريق الممتد عبر صحراء تشاد.

أغلب اللاجئين السودانيين، الذين فروا إلى تشاد منذ عام 2023، يعيشون في هذا المشهد القاسي على الكفاف، ومعظمهم من النساء.

مسافات قد تكون قاتلة

يقيم هؤلاء اللاجئون في مخيمات معزولة وسط الصحراء، حيث الماء والغذاء محدودان، ولا فرص عمل، والمساعدة الطبية تبعد مسافات طويلة قد تكون قاتلة.

وكان المستشفى الذي تحتاج إليه مكة، وتديره منظمة أطباء بلا حدود يقع في متشي، وهو أحد المخيمات العديدة شرق تشاد، يبعد أكثر من ساعتين بالسيارة.

تقول مكة: “كنت أُصاب بالتهابات متكررة أثناء الحمل واضطررت لزيارة العيادة سبع مرات. وفي إحدى الزيارات بدأ المخاض، لكني لم أستطع الولادة طبيعيا لأن الرحم انهار. انتظرت ساعتين حتى وصلت سيارة الإسعاف، وكل ما أتذكره هو الألم… كان فظيعا لدرجة أنني فقدت وعيي”.

كانت والدتها عائشة خميس عبد الله (40 عاما) تخشى أن تفقد ابنتها وحفيدها معا. لكن مكة نُقلت فور وصولها إلى المستشفى إلى غرفة العمليات، حيث أُجريت لها عملية قيصرية طارئة أنقذت حياتها وحياة طفلها مُوَيس.

تفاقم الخطر

قبل تدفق اللاجئين الحالي، كانت تشاد تمتلك ثاني أعلى معدل وفيات للأمهات في العالم، إلا أن ظروف اللاجئات السودانيات فاقمت الخطر.

في مستشفى أطباء بلا حدود في متشي، حيث تم توليد 824 طفلا هذا العام معظمهم في حالات طارئة، يتمكن الأطباء من إنقاذ الكثير، لكنهم يشعرون بقلق شديد تجاه النساء اللواتي لا يصلن إلى المستشفى في الوقت المناسب.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان قبل عامين، شكّلت النساء والأطفال 86% من اللاجئين الذين وصلوا إلى تشاد. ويُقدّر عدد السودانيين الذين تستضيفهم المناطق الشرقية من البلاد بنحو 1.2 مليون شخص، من بينهم 400 ألف فرّوا من الصراع السابق في دارفور.

وكثير من الرجال بقوا في السودان لحماية منازلهم وأراضيهم، وآخرون قُتلوا أو أُسروا أو أُجبروا على القتال. أما القادرون على العمل، فيغادرون بسرعة مخيمات اللاجئين القاحلة في تشاد للبحث عن فرص في العاصمة إنجامينا أو في ليبيا المجاورة.

النساء وحيدات

ويعني ذلك أن النساء يُتركن وحيدات من دون وسيلة لإطعام الأطفال أو المسنين الذين تحت رعايتهن. ولتجنّب الاكتظاظ قرب الحدود، نقلت الحكومة التشادية اللاجئين إلى مخيمات أصغر مثل متشي، يضم كل منها نحو 50 ألف شخص، لكنها تقع في مناطق نائية تفتقر إلى الخدمات والفرص.

وفي متشي، أنشأت منظمة أطباء بلا حدود مستشفى بدأ بخيام قليلة ثم توسع ليضم غرفة عمليات، لكن لا شيء غير ذلك تقريبا.

لا توجد وظائف، والعائلات تمشي لساعات لجمع الحطب، ويعيش كل فرد على نحو 9 لترات من الماء يوميا فقط، أي أقل بكثير من الحد الأدنى الموصى به عالميا وهو 20 لترا.

هذا العزل الجغرافي يعني أن المستشفيات تستقبل النساء الحوامل في مراحل خطيرة ومتأخرة. هناك سيارة إسعاف واحدة فقط تغطي المسافة بين مستشفى متشي والعيادة القريبة من مخيم العَلَشة، حيث تعيش مكة ضمن نحو 50 ألف لاجئ.

وقد وثّق فريق أطباء بلا حدود حالات انتظرت فيها نساء يعانين من آلام مبرحة طوال الليل حتى وصول سيارة الإسعاف بعد عبورها طرقا وعرة ووديانا تغمرها السيول خلال موسم الأمطار، ما يقطع الطرق تماما.

حالات الولادة كلها طارئة

تقول الجراحة أليخاندرا كريبوفيتش، من مستشفى أطباء بلا حدود في متشي: “كل حالة نراها هي طارئة تقريبا. بعض النساء يقطعن رحلات طويلة سيرا على الأقدام أو على ظهر حمار للوصول إلى المستشفى. تخيّل أن تكوني في الشهر التاسع من الحمل، في حالة مخاض، وتضطرين للسفر ساعات في عربة يجرها حمار. التأخير هو أخطر عامل، لكن هذه المعاناة بحد ذاتها تؤثر أيضا على الولادة”.

كما أن سوء التغذية المتزايد يزيد من خطر المضاعفات أثناء الحمل، بما في ذلك تمزق الرحم، وهي حالة باتت مألوفة لفِرق أطباء بلا حدود.

وبعد عمليتها القيصرية، بقيت مكة في المستشفى لمدة شهرين. كانت تعاني من سوء تغذية أدى إلى إصابة بالعدوى، في حين يخضع طفلها للمراقبة الدقيقة. زوجها غادر إلى مدن أخرى بحثا عن عمل، فباتت مكة تعتمد كليا على والدتها.

الأطفال وسوء التغذية

توسّعت وحدة علاج سوء التغذية لتضم 6 خيام، وبدأت تستقبل أعدادا تفوق طاقتها. الأطفال يرقدون تحت شبكات البعوض في حر خانق وصمت تام تقريبا، بينما يعمل الطاقم الطبي على تحضير العلاجات ووزن الأطفال باستخدام ميزان بدائي مصنوع من دلو وحبل.

في الحالات الخفيفة، يحصل الأطفال على أكياس بها معجون فول سوداني، وهو غنيّ بالعناصر الغذائية، أما الحالات الشديدة فتُعالج بحليب مقوّى يُعطى بانتظام. طفل مكة يُغذّى عبر حقنة.

أما صهيبة عبد الله أبو بكر، فابنها سفيان سليمان، البالغ 11 شهرا، يُغذّى عبر أنبوب أنفي. الطفل كان مريضا طوال عام، لكن الأطباء كانوا يعطونه مسكنات فقط من دون تشخيص، حتى قامت الأم بالرحلة الصعبة من العَلَشة إلى متشي.

تقول صهيبة: “كل يوم أرى مزيدا من الأطفال ينضمون إلينا في هذه الخيمة. الطعام الذي نحصل عليه رديء، لا يكفي، ولا يحتوي على أي قيمة غذائية”.

لو كنا في بيوتنا لتمكّنا من التأقلم. يمكنك زراعة المحاصيل أو العمل لتكسب مالا، لكن هنا نحن نعتمد على ما يُعطى لنا فقط”.

وما يُقدَّم لهم هو كمية قليلة من الذرة الرفيعة والزيت والملح، تُوزَّع كل شهرين. غذاء فقير يفتقر إلى العناصر الضرورية، والقليل من النقود التي تُمنح لهم لا تكفي لشراء شيء من السوق الأسبوعي، حيث الأسعار مرتفعة بشكل مبالغ فيه.

هاجمها الدعم السريع بالجنينة

وصلت صهيبة أبو بكر إلى تشاد في 2023 بعد أن فرت من مدينة الجنينة حين هاجمتها قوات الدعم السريع في يونيو/حزيران من ذلك العام. ولعدم توفر العمل في تشاد، غادر زوجها إلى ليبيا على أمل جمع المال كي تتمكن العائلة من اللحاق به. تعيش صهيبة أبو بكر الآن مع أقارب زوجها، يتقاسمون ما يتاح من الطعام.

خفض المساعدات الدولية

تقول إنها لاحظت بالفعل انخفاضا في كميات الغذاء الموزعة، وتخشى أن تؤدي الاقتطاعات المفاجئة في ميزانيات المساعدات الدولية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى إلى تفاقم الوضع.

فرغم أن حرب السودان خلقت أسوأ كارثة إنسانية في القرن الـ21، لم تتلق وكالات الأمم المتحدة في تشاد عام 2024 سوى 69% من التمويل المطلوب لتلبية الاحتياجات.

وحذّر برنامج الأغذية العالمي في يونيو/حزيران الماضي من أنه قد يضطر إلى تقليص المساعدات الغذائية أكثر إذا لم يُقدَّم تمويل إضافي.

لكل منهن قصة مع الألم

في متشي، تجتمع مجموعة من النساء السودانيات تحت شجرة. من بينهن عزّة دحية عثمان (65 عاما)، تنسج أوراق النخيل الجافة لتصنع منها منتجات بسيطة تبيعها في السوق. أخريات يبعن أكياسا صغيرة من الفول السوداني أو يعملن لدى مزارعين محليين لا يدفعون أحيانا أجورهن.

لكل واحدة منهن قصتها مع الألم. إحداهن فقدت جنينها بعد أن رفضت العيادات استقبالها رغم معاناتها من آلام المخاض.

تقول عثمان، التي تعاني من ارتفاع ضغط الدم، إن علاج الأمراض المزمنة في المخيمات غير متوفر إلا بعد أن تصل الحالة إلى مرحلة حرجة: “هل عليّ أن أموت حتى أحصل على علاج؟ لقد بحثت وبحثت عن المساعدة، ولم أستطع حتى الحصول على الدواء الذي أحتاجه”.

قلق على الفاشر

غادرت عثمان السودان قبل عامين هربا من هجوم قوات الدعم السريع على الجنينة، أول مدينة في دارفور سقطت بأيديهم. واليوم، يعيش الناس في متشي على وقع القلق من أن تستولي هذه القوات على الفاشر، آخر مدينة في دارفور ما زالت تقاومهم.

وتزعم قوات الدعم السريع أنها تحارب حكومة سودانية تتكوّن من نخب تجاهلت المهمّشين لعقود، لكن عثمان تردّ بمرارة: “إنهم كاذبون. هم من قتلونا، ولا يمكن أن نعيش تحت حكمهم”.

سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور، وإنشاؤها إدارة موازية هناك، تعني أن اللاجئين في تشاد لا طريق أمامهم للعودة. والآفاق قاتمة: لا عمل للشباب سوى في مصانع الطوب المحلية أو مناجم الذهب في شمال تشاد، لذلك يهاجر معظمهم بحثا عن فرصة أفضل في أماكن أبعد.

كانت عفاف عبد المالك (21 عاما) تعيش حياة مريحة وتعمل في وظيفة حكومية في الفاشر قبل أن يُقتل شقيق زوجها أمام عائلته خلال محاولة قوات الدعم السريع الأولى الفاشلة لاحتلال المدينة عام 2023.

مجهولو المصير

ما يزال شقيقها الأكبر وأختها هناك، لكنها لم تسمع عنهما منذ ذلك الحين ولا تعرف إن كانا على قيد الحياة. حياتها الآن تدور حول البقاء اليومي مع والدتها المسنّة وأختها وابنة أختها الصغيرة، في البحث عن الماء والحطب.

لا توجد مدارس للفتاة الصغيرة التي ما زالت تعاني من صدمة مقتل والدها أمام عينيها. وقد حذّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن تقليص المساعدات الدولية يهدد برامج التعليم الثانوي، وقد يؤدي إلى حرمان 155 ألف طفل من الدراسة العام المقبل.

الفتاة التي شهدت مقتل والدها على يد مقاتلي الدعم السريع ما زالت ترتعد خوفا كلما رأت رجلا يركب دراجة نارية.

الفتاة التي شهدت مقتل والدها على يد مقاتلي الدعم السريع ما زالت ترتعد خوفا كلما رأت رجلا يركب دراجة نارية، وهو المشهد الذي أعاد إلى ذاكرتها الغارات المفاجئة التي كانت تقتل وتخطف الناس في حيّهم.

تقول عفاف: “لا يمكننا نسيان ما رأيناه هناك. ابنة أختي ما زالت تتجمد في مكانها إذا رأت رجلا على دراجة نارية”.

يحاولون استعادة الماضي

ورغم كل هذا الألم، تحاول عفاف أن تزرع شيئا من الفرح. فمسكن عائلتها محاط بحديقة صغيرة فيها نباتات وخضروات وبعض الأزهار التي تذكّرهم بـ”سودانٍ كان مزدهرا” بأشجار الليمون والرمان.

ولم تتمكن عفاف من شراء البذور، فكانت تأخذ قصاصات نباتية من الطرقات وتعيد زراعتها في بيتها، تنتظر موسم الأمطار لترى خضرتها تنبض بالحياة.

تقول: “أحيانا في الصباح أحتسي كوب شاي وأنا واقفة في الحديقة. يمنحني ذلك شيئا من السعادة، يعيدني إلى الحياة قبل الحرب ويجعلني أنسى كل ما حدث. أشعر للحظة بأن كل شيء ربما يكون بخير ذات يوم”.

عرض الجزيرة \المصدر: الغارديان البريطانية

في المدن المحاصرة يقتاتون أوراق الشجر مع انعدام الطعام في المدن المحاصرة

بورتسودان: يجهد المدنيون السودانيون العالقون في المعارك الطاحنة بين الجيش وقوات الدعم السريع والمحرومون من أبسط مقومات العيش، للاستمرار في مدن محاصرة بغرب البلاد والتي لا تصل إليها أي معونة.
دخلت الحرب في السودان عامها الثالث مسفرة عن مقتل عشرات الآلاف ومتسببة في مجاعة يعانيها ملايين المدنيين العالقين في مدن محاصرة، تُمنع عنها المساعدات وتنتشر فيها الأمراض والأوبئة.
تحدثت وكالة فرانس برس الى سكان في ثلاث مدن تحاصرها قوات الدعم السريع في محاولة لانتزاع السيطرة عليها من قوات الجيش الموجودة داخلها، وهي الفاشر عاصمة شمال دارفور وكادوقلي والديلينج في جنوب كردفان.
في ما يأتي شهادات ناجين تحدثت إليهم فرانس برس.

“انعدم كل شيء”

في الفاشر “القصف مستمر طوال اليوم لذلك أغلب الوقت نكون داخل الملاجىء التي حفرناها قرب المنازل”، يقول عمر آدم الذي نزح من مخيم أبو شوك في ضواحي الفاشر إلى حي الدرجة في شمالها، مشيرا إلى ملاجئ غير آمنة يحفرها المواطنون في الساحات العامة وأمام المنازل ليحتموا من القصف.
في الأشهر الماضية، كثفت قوات الدعم السريع هجماتها على مناطق سيطرة الجيش في غرب وجنوب البلاد بعد أن أحكم الجيش سيطرته على مدن حيوية في الوسط والشرق.
وتحاصر قوات الدعم السريع منذ أكثر من 500 يوم الفاشر التي يقطنها نحو 260 ألف مدني، نصفهم من الأطفال، في ظل انعدام شبه كامل للمساعدات الإنسانية، وفق الأمم المتحدة.
ويضيف آدم لفرانس برس “هنا انعدم كل شيء حتى الأمباز” وهو علف حيواني يصنع من قشور السمسم والفول السوداني.
ويوضح أن تكلفة الخروج من الفاشر أصبحت باهظة جدا، فضلا عن كون الرحلة غير آمنة.
الأسبوع الماضي، أشارت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون الى “تقارير عن عمليات قتل غير قانونية واختطاف واعتقالات تعسفية” بحق المدنيين أثناء محاولة الخروج من الفاشر.
وأظهرت صور بالأقمار الاصطناعية حللها مختبر البحوث الإنسانية (هيومانيتاريان ريسيرش لاب) في جامعة ييل الأميركية أن الدعم السريع بنت جدارا بطول 68 كيلومترا حول الفاشر، بما يدع مخرجا وحيدا من المدينة يتعرض فيه المدنيون للابتزاز مقابل العبور.
وتقول حليمة عيسى، وهي أم لثلاثة أطفال فقدت زوجها في قصف مدفعي، إن أسرتها تعتمد “على وجبة التكية”، وهي مطبخ عام يقدم الوجبات المجانية للسكان.
وتضيف “حين تتوقف التكية عن العمل لا نأكل. وإذا مرض أحد الأطفال.. لا علاج”.
وبحسب تنسيقية لجان مقاومة الفاشر تجاوز سعر جوال الأمباز مليوني جنيه سوداني (نحو 600 دولار أمريكي)، وهو سعر لا تستطيع معظم الأسر تحمله.
ومن مستشفى الفاشر، واحدة من المنشآت الصحية القليلة التي ما زالت تعمل بعد تدمير معظم البنية التحتية الطبية، تحدث أحد الأطباء لفرانس برس طالبا عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية.
يعمل الطبيب بشكل مستمر في المستشفى الذي لم يغادره منذ ثلاثة أشهر في ظل “نقص في الأدوية، حتى الشاش الذي نغطي به الجروح انعدم”.
وأفاد فرانس برس “أصبحنا نستخدم قماش الناموسيات التي تحمي من الناموس لربط الجروح”.
وأضاف “حتى الأدوات التي نستخدمها في معالجة الجروح وإخراج الشظايا أصبح تعقيمها صعبا للغاية مع انعدام المعقمات”.
ووصفت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، وهي مجموعة من المتطوعين تعنى بتوثيق انتهاكات الحرب، المدينة بأنها باتت “مشرحة مفتوحة تنزف من كل الجهات”.
وقالت في بيان الأسبوع الجاري إن “القذائف تنهمر كما المطر” تاركة “أجسادا تنتشل من تحت الركام بلا أسماء ولا وجوه. فقط أرقام في سجل طويل من المجازر”.

الجوع في جنوب كردفان

أما في جنوب كردفان، فتطبق الدعم السريع حصارها لمدينة كادوقلي، حتى بات سكانها يحصلون “على وجبة واحدة في اليوم وهي غير كافية، وفي كثير من الأيام لا وجبات نهائيا فنلجأ لأوراق الشجر والنباتات”، بحسب هاجر جمعة (28 عاما).
ويقول حسن أحمد، وهو طبيب متطوع في مستشفى للأطفال “يموت الناس كل يوم أمامنا وكان من السهل جدا إنقاذهم في الظروف العادية”.
ويضيف “لا توجد أدوية والصيدليات شبه فارغة”.
وتحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن 63,000 طفل يعانون سوء التغذية الحاد في جنوب كردفان.
وتحاصر الدعم السريع وحلفاؤها كذلك مدينة الدلنج.
ويفيد مجاهد موسى، أحد سكان الدلنج ويبلغ 22 عاما، بأن “الأسعار تتضاعف يوميا” بشكل لا تقدر عليه معظم الأسر.
ويشير إلى أن الكثير من السكان باتوا يفرون من المدينة المحاصرة لينتهي بهم المطاف لاجئين في القرى المجاورة.
وأفاد الصديق عيسى، المتطوع في إحدى مجموعات الإغاثة، بأن “الأجهزة الأمنية” استولت على شحنة من بسكويت الأطفال كانت أرسلتها يونيسف، في إشارة إلى الجيش الذي قام ببيع محتويات الشحنة في الأسواق.
وأشار عيسى وشهود آخرون تحدثت إليهم فرانس برس إلى احتجاز الجيش شحنة مساعدات أخرى أرسلها برنامج الأغذية العالمي بدون توزيعها على من هم في أمس الحاجة إليها.
(أ ف ب)

تجميد المساعدات الأميركية هدد حياة الملايين

نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية تحقيقا رصدت فيه تأثير قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتجميد برامج المساعدات الطبية في أكثر من 40 دولة، وكشفت عن ارتفاع في الوفيات وأعداد المرضى في بعض الدول بسبب تأخر وصول الأدوية.

والتحقيق المطول هو بقلم كل من ميغ كيلي، وجويس سوهيون لي، ورايل أومبور، وسارة بلاسكي، وأندرو با تران، وأرتور غالوشا، وإريك لاو، وكاثرين هورلد.

end of list

وأكد التحقيق أن برنامج الرعاية الصحية التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والمسؤول عن شحن أدوية الملاريا وفيروس نقص المناعة، استؤنف جزئيا بعد أيام من قرار ترامب، لكن آثار التعليق استمرت لأشهر، ما أدى إلى تعطيل وصول الأدوية وعدم تأمين الفحوصات السريعة والإمدادات الحيوية لأكثر من 40 دولة، بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية.

تداعيات سلبية

وكشفت الصحيفة أن تحليلا أجرته للبيانات الداخلية للنصف الأول من العام الحالي، يوضح أن شحنات بقيمة 190 مليون دولار كان من المفترض أن تصل إلى المستودعات بحلول نهاية يونيو/حزيران، لكن ما يقارب 76 مليون دولار منها لم يتم تسليمه، بما في ذلك معظم أدوية الملاريا.

ولم يغادر بعض هذه الأدوية مصانع الإنتاج، والبعض الآخر علق في الموانئ أو لدى الجمارك بالقرب من المناطق المحتاجة.

وأضافت أن شحنات أخرى بقيمة 63 مليون دولار وصلت إلى المستودعات لكنها تأخرت لأكثر من 7 أيام، وهو الحد الأقصى المسموح به وفقا لمعايير الوكالة. وبلغ متوسط التأخير 41 يوما، ما ترك رفوف العيادات والمستشفيات فارغة.

وأشارت الصحيفة إلى أن حجم ومدة التعطيل في الجزء المفترض إعادة تشغيله من سلسلة الإمداد لم يُكشف عنه سابقا، رغم أن ميزانيته السنوية تتجاوز 900 مليون دولار، ويُعد العمود الفقري اللوجيستي لبرنامجي مكافحة الإيدز والملاريا التابعين للحكومة الأميركية.

وقد حذرت السفيرة الأميركية لدى الكونغو الديمقراطية، لوسي تاملين، في برقية بتاريخ 21 أبريل/نيسان من أن “الإلغاء المفاجئ” لبرامج الإيدز قد يؤدي إلى عودة انتشار الفيروس وظهور سلالات مقاومة تشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة.

وفي مقابلة بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول، دافع وزير الخارجية ماركو روبيو عن سياسات إدارته في مجال المساعدات، مؤكدا أن البرامج تُعاد هيكلتها لتصبح أكثر كفاءة.

مسؤولون في إدارة ترامب اعتبروا أن العديد من برامج المساعدات الأميركية تتعارض مع المصالح والقيم الوطنية، وقد وصف إيلون ماسك -خلال عمله في إدارة ترامب- الوكالة بأنها “منظمة إجرامية”، داعيا في منشور على منصة إكس إلى إغلاقها.

موقف إدارة ترامب

وألقى روبيو باللوم على دول أخرى لعدم بذلها المزيد من الجهود، وقال: “لم يمت أحد لأن الولايات المتحدة خفّضت مساعداتها”.

وكان مسؤولون في إدارة ترامب اعتبروا أن العديد من برامج المساعدات الأميركية تتعارض مع المصالح والقيم الوطنية، وقد وصف إيلون ماسك -خلال عمله في إدارة ترامب- الوكالة بأنها “منظمة إجرامية”، داعيا في منشور على منصة إكس إلى إغلاقها.

وذكر التحقيق أن آثار التجميد بدأت تنتشر عالميا، إذ تعفنت الأغذية المخصصة للمحتاجين في السودان وبنغلاديش وغزة وسوريا وميانمار داخل المستودعات.

ورشّدت العيادات في كينيا علاج الإيدز للحد من انتقاله إلى الأطفال حديثي الولادة، ولم تصل الأدوية إلى مناطق النزاع في السودان، ما أدى إلى وفيات يمكن تفاديها.

وتوقعت دراسة نُشرت في مجلة “لانسيت” الطبية المرموقة أن يؤدي تخفيض برامج المساعدات الطبية، إذا لم يتم التراجع عنه، إلى وفاة أكثر من 14 مليون شخص بحلول عام 2030، بينهم 4.5 ملايين طفل دون سن الخامسة.

وأوضحت واشنطن بوست أن ماركو روبيو كان قد تراجع عن تجميد المساعدات بشكل كامل تحت وطأة الضغوط، وأصدر إعفاء عاما للمساعدات الإنسانية المنقذة للحياة في 28 يناير/كانون الثاني.

وتلقت شركة “شيمونيكس”، المتعاقدة مع الحكومة الأميركية إعفاءات في الأسبوع الأول من فبراير/شباط لاستئناف توزيع بعض أدوية الإيدز والملاريا، بينما بقيت برامج أخرى مجمّدة، منها تلك المعنية بتنظيم الأسرة وصحة الأم والطفل.

لكن شبكة المساعدات، وهي منظومة معقدة من البيانات وعمليات النقل والتخزين عبر القارات، واجهت -وفقا للصحيفة- صعوبات في استئناف عملها.

وقد فقدت شركة “شيمونيكس” في الأيام الأولى من التجميد إمكانية الوصول إلى نظام الدفع الحكومي، ما أعاق قدرتها على إصدار أوامر للموردين.

وقد رفعت الشركة دعوى قضائية قالت فيها إن الحكومة مدينة لها بملايين الدولارات، وأكدت في مذكرة قدمتها في السابع من مارس/آذار أنها لا تزال غير قادرة على الوصول للنظام.

توقعت دراسة نُشرت في مجلة “لانسيت” الطبية المرموقة أن يؤدي تخفيض برامج المساعدات الطبية، إذا لم يتم التراجع عنه، إلى وفاة أكثر من 14 مليون شخص بحلول عام 2030، بينهم 4.5 ملايين طفل دون سن الخامسة.

تسريح موظفين

وقد اضطرت الشركة إلى تسريح 750 موظفا أميركيا، أي نحو ثلثي قوتها العاملة، كما تم فصل موظفين محليين في الدول المعنية بالمساعدات بسبب إلغاء العقود، قبل أن يتم إعادة بعضهم إلى العمل لاحقا.

وكانت إدارة ترامب قد أوقفت أكثر من 3500 موظف في الوكالة عن العمل، وألغت أكثر من 1600 وظيفة، في إطار مساعي روبيو لإعادة هيكلة الوكالة ثم إغلاقها.

وقد انخفض عدد العاملين في مكتب الصحة العالمية من نحو 800 موظف إلى 72 فقط، وفقا لمذكرة داخلية بتاريخ 28 فبراير/شباط.

وبيّن تحقيق واشنطن بوست أن البرامج اللوجيستية الأخرى المسؤولة عن إيصال الإمدادات من المستودعات إلى العيادات، والمعروفة باسم “التسليم في المرحلة الأخيرة”، لم تحصل على إعفاءات خلال النصف الأول من العام.

وتكبدت الإمدادات العالقة مئات آلاف الدولارات كرسوم تخزين في الموانئ والمرافق المؤقتة، بينما كانت تواريخ انتهاء الصلاحية تقترب.

نقص الأدوية

وذكرت الصحيفة أن جمهورية الكونغو الديمقراطية كانت ترزح تحت وطأة وباء الإيدز قبل انطلاق مبادرة مكافحة الفيروس المعروفة باسم  “بيبفار” عام 2003، حيث كانت الأدوية مرتفعة التكلفة والعيادات مكتظة، وكان نحو 60 ألف شخص يموتون سنويا بسبب المرض، وفقا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة المعني بالإيدز.

وقد وفرت المبادرة الأميركية لأول مرة إمكانية الفحص والعلاج على نطاق واسع، وساهمت الشحنات المنتظمة من الأدوية في تحسين حياة المصابين، وخفضت بشكل كبير احتمال انتقال العدوى من الأمهات إلى أطفالهن. وبحلول عام 2023، انخفضت الوفيات بسبب الفيروس بنسبة 75%.

لكن هذا الدعم انقطع خلال النصف الأول من العام الجاري -وفقا للصحيفة- إذ لم تُسلّم سوى شحنتين من أصل 6 شحنات كبيرة من أدوية الأطفال المضادة للفيروسات إلى مستودعات التوزيع بحلول نهاية يونيو/حزيران.

وقال الطبيب والباحث مارسل يوتبيينغ، من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، إن ارتفاع عدد الوفيات لا يعود فقط إلى نقص الأدوية، بل إلى سلسلة من الاضطرابات التي أحدثها تجميد المساعدات، وأثرت على الإمدادات والخدمات الصحية بشكل عام.

الطبيب والباحث مارسل يوتبيينغ، من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، إن ارتفاع عدد الوفيات لا يعود فقط إلى نقص الأدوية، بل إلى سلسلة من الاضطرابات التي أحدثها تجميد المساعدات، وأثرت على الإمدادات والخدمات الصحية بشكل عام.

ووفقا لتحليل واشنطن بوست، وصلت 3 شحنات فقط من أصل 9 شحنات من أدوية الملاريا الحادة إلى الكونغو في النصف الأول من العام، وجميعها كانت متأخرة عدة أشهر، بينما بقيت باقي الشحنات عالقة في الجمارك.

وقالت الصحيفة إن الملاريا تُعد من أبرز أسباب الوفاة في الكونغو الديمقراطية، وتزداد خطورتها في مقاطعة كاتانغا العليا خلال موسم الأمطار من أكتوبر/تشرين الأول إلى أبريل/نيسان.

وكان أحد المستودعات في المقاطعة يحتوي على كمية كبيرة من دواء أرتيسونات المقدم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بعد تسليم المخزون السنوي نهاية العام الماضي، لكن الشحنات الدورية إلى نقاط التوزيع المحلية لم تغادر المستودع بعد قرار التجميد في يناير/كانون الثاني.

ونقلت الصحيفة عن مصدرين مطلعين أن التوصيل النهائي لأدوية الملاريا من مستودعات الوكالة إلى المستشفيات والعيادات استؤنف في مايو/أيار، لكن بيانات حكومية تُظهر أن أكثر من 600 شخص توفوا بسبب الملاريا في كاتانغا العليا خلال النصف الأول من عام 2025، وهو عدد يفوق إجمالي وفيات الملاريا في المقاطعة خلال عام 2024.

واشنطن بوست أكدت أن عدد الموظفين العاملين في برنامج المساعدات الصحية انخفض بشكل كبير، إذ لم يتجاوز عددهم 10 أشخاص بعد شهرين من انتقال البرنامج إلى وزارة الخارجية، مقارنة بأكثر من 80 موظفا في السابق.

مستقبل غامض

وأوضحت الصحيفة أن الإشراف على برنامج المساعدات الطبية كان قد انتقل في الأول من يوليو/تموز الماضي من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى وزارة الخارجية.

ونقلت عن متحدث باسم الوزارة قوله إن هذا التحول “سهّل التنسيق الدبلوماسي لإيصال المساعدات الإنسانية”، مضيفا أن النهج السابق اعتمد على شبكة صحية موازية وشراكات مع منظمات غير حكومية لا يمكن الوثوق بها، ولم ينجح في بناء سلسلة إمداد صحية مستدامة أو مرنة.

وذكرت واشنطن بوست أن عدد الموظفين العاملين في برنامج المساعدات الصحية انخفض بشكل كبير، إذ لم يتجاوز عددهم 10 أشخاص بعد شهرين من انتقال البرنامج إلى وزارة الخارجية، مقارنة بأكثر من 80 موظفا في السابق.

وحسب الصحيفة، لا تزال عملية وصول الإمدادات إلى مستحقيها أبطأ مما كانت عليه قبل التجميد، حيث تتطلب معظم الشحنات موافقة شخصية من مسؤول صحي رفيع في وزارة الخارجية.

المصدر: واشنطن بوست\ عرض الجزيرة

ضغوط إقليمية على السودان للعودة إلى منبر جدة

الخرطوم – كشفت أوساط سياسية سودانية عن تحركات تجري خلف الكواليس لإعادة تفعيل منبر جدة، مشيرة إلى أن مبادرة الرباعية الدولية بشأن هدنة إنسانية ستكون مرتكزا للمفاوضات بين طرفي الصراع.

ويشهد السودان حالة من الاستعصاء الميداني منذ فترة، وهذا يعود إلى الإرهاق الذي أصاب طرفي القتال أي الجيش وقوات الدعم السريع، رغم محاولات الأخيرة تحقيق اختراق في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.

وعرضت الرباعية الدولية التي تضم كلا من الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر الشهر الماضي مبادرة تقضي بهدنة إنسانية في السودان لمدة ستة أشهر على أن تعقبها مفاوضات بين القوى السودانية للتوصل إلى تسوية سياسية.

وأثارت تلك المبادرة تحفظات واسعة لدى معسكر الجيش، لاسيما وأنها حمّلت الحركة الإسلامية مسؤولية الصراع الدائر، ودعت إلى عدم إشراك الحركة في أي دور مستقبلي.

وتقول الأوساط السياسية إن هناك تحركات إقليمية لإقناع الجيش بضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع قوات الدعم السريع ضمن منبر جدة، والتوصل إلى حل وسط بشأن المبادرة الإنسانية المعروضة.

ولفتت الأوساط إلى أن جزءا من أجندة زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي الأربعاء إلى بورتسودان حيث التقى بقائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان ورئيس الحكومة كامل إدريس، هو البحث في الجهود الجارية لحلحلة الأزمة السودانية.

وتدعم مصر الجيش السوداني، لكنها تفضل الاحتكام إلى الحلول الدبلوماسية لحل النزاع في الدولة الجارة، حيث تخشى من أن يؤدي استمراره إلى تداعيات ستؤثر عليها مستقبلا.

وقال عبدالعاطي خلال استقباله من طرف إدريس، مساء الأربعاء، إن بلاده حريصة على الانخراط بصورة فاعلة في الجهود الهادفة إلى وقف إطلاق النار في السودان وتحقيق هدنة إنسانية، ووضع حد لمعاناة الشعب السوداني.

وشدد وزير الخارجية المصري على تضامن القاهرة الكامل مع السودان ودعم سيادته ووحدة وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية.

وليس من الواضح بعدُ مدى استجابة طرفي الصراع للتفاوض، لكن الأوساط السياسية ترى أن الطرفين لا يملكان خيارا، مع اتضاح صعوبة الرهان على الحسم العسكري.

وانطلقت أولى جولات منبر جدة في السادس من مايو 2023 برعاية سعودية وأميركية مشتركة. وشهد المنبر قبل توقف أعماله في نوفمبر 2023، الاتفاق على هدنة إنسانية لكن لم يجر الالتزام بها.

جزء من أجندة زيارة وزير الخارجية المصري هو البحث في الجهود الجارية لحلحلة الأزمة السودانية

وقال رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي والقيادي في تحالف القوى الديمقراطية المدنية “صمود” بابكر فيصل إن “كل المعطيات والدلائل تشير إلى أن عودة الجيش وقوات الدعم السريع إلى طاولة المفاوضات في جدة من أجل الاتفاق على الهدنة الإنسانية باتت وشيكة”، داعيا إلى “تغليب خيار السلام والحياة على خيار استمرار الدمار والموت”.

وأضاف فيصل في تصريحات صحفية أن “اتفاق الهدنة الإنسانية سيمهد الطريق أمام الوقف الدائم لإطلاق النار وانطلاق العملية السياسية التي تقودها القوى المدنية من أجل استئناف الانتقال ووضع البلاد في طريق التحول الديمقراطي الذي يرسّخ الاستقرار والسلام والتنمية”.

وحذر رئيس المكتب التنفيذي من أن “التحدي الأكبر أمام القوى المدنية في هذا التوقيت يتمثل في كيفية خلق أكبر جبهة تستطيع أن تتحمل مسؤوليتها في هذا المنعطف الأخطر في تاريخ البلاد”، مؤكدا أن “أي نجاح للعملية السياسية مشروط بامتلاك القوى المدنية لها بالكامل وتحديد أجندتها وقضاياها والأطراف المشاركة فيها”.

وأكد فيصل على “عدم وجود مجال لعودة الشراكة المدنية – العسكرية مرة أخرى”، موضحا أن “الأولوية القصوى في المرحلة القادمة هي بناء الجيش القومي المهني الواحد الذي يحتكر السلاح ويُحرس النظام المدني ويُحمِي البلاد وفقا للمهام التي يحددها الدستور”.

وحذّر القيادي في تحالف صمود من “أن الحركة الكيزانية الفاشية لن تقف مكتوفة الأيدي وستسعى بكل الوسائل لمنع أي مسعى لوقف الحرب”، داعيا إلى “توحيد كافة الجهود لعزلها وإفشال مخططها الذي لن تكون نتيجته سوى استمرار الموت والدمار وتفتيت السودان”.

وخلال كلمته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان على حرص المملكة على استقرار السودان ووحدة وسلامة أراضيه، مشددا على أهمية استمرار الحوار عبر منبر جدة.

وأكد بن فرحان على رفض بلاده لأي خطوات خارج إطار مؤسسات الدولة التي قد تمس وحدة السودان ولا تعبّر عن إرادة شعبه.

الاستثمار الأجنبي في السودان بعد الحرب.. كيف نحوّل الركام إلى فرص؟

في صباحٍ خانق على ساحل البحر الأحمر، تلمع رافعات ميناء بورتسودان كعظامٍ معدنية ساكنة. حركة البضائع خفيفة، والهواء محمّل بأسئلةٍ أكثر من كونه محمّلًا برائحة الملح.

في مثل هذه اللحظات، تُستعاد مقولة تتردّد كثيرا في دوائر الاقتصاد: “رأس المال جبان… لكنه يعشق الوضوح”. وبين خوف رأس المال واشتياقه للاتجاهات الآمنة، يقف السودان على مفترقٍ حاد: كيف ينتقل من مشهد الحرب إلى ساحة للاستثمار؟

end of list

رغم الخراب الذي حوّل مدن السودان إلى أطلال، ما زالت البلاد تحتفظ بثروات تجعلها على موعد مع الغد: مساحات شاسعة للزراعة، ذهب يلمع في باطن الأرض، وموقع يربط قلب أفريقيا بممرات التجارة عبر البحر الأحمر.

غير أن الاستثمار يحتاج كي يتوسع إلى الثقة لا الشعارات، والثقة تُبنى على قوانين واضحة ومؤسسات قادرة على فرضها. فالاستثمار الأجنبي لا يتلخص في حقائب أموال تهبط فجأة، إنما هو دم جديد يضخ في شرايين الاقتصاد فرص عمل وتكنولوجيا وأسواقًا أوسع. ولهذا تراهن عليه الأمم كجسرٍ للخروج من ركام الأزمات إلى رحاب التنمية.

في قلب الأسئلة المعلّقة فوق سماء السودان، يطل سؤالان يطرقان بإلحاح: ما حجم الاستثمار الأجنبي في السودان تاريخيًّا وما الذي فعلته الحرب به؟ وكيف يمكن أن يعود ليصبح جسرًا للبناء بعيدا عن البقاء كلعنة ترسخ النهب والتبعية؟

لسنا هنا لنرثي الماضي، بل لنفكك المشهد قبل الانهيار، ونحسب كلفة الخراب، ثم نرسم خريطة طريق بخمس ركائز متينة:

  • توفير أمن وإصلاح سياسي يعيد الاستقرار.
  • إصلاح اقتصادي ومالي يعيد الثقة.
  • تحديث القوانين وصون الملكية.
  • قفزة في البنية التحتية والتمويل المبتكر.
  • وأخيرًا شراكات دولية ذكية تفرّق بين رأس المال العابر والصبور.

ليست الوصفة أمنيات، بل خطة يُقاس أثرها بمشاريع تُقام، ووظائف تُخلق، وصادرات تتضاعف.

خريطة السودان (الجزيرة)

كيفَ تحوَّلَ الاستثمارُ الأجنبيُّ في السودانِ من الزراعة إلى النفطِ ثم الذهبِ؟

في عام 1956 صدر أول قانون استثماري في السودان، ثم تبعه صدور عدة قوانين استثمارية أخرى ومع ذلك لم يُجذب الاستثمار الأجنبي بشكل ملحوظ. في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بدأت الحكومة السودانية تطبيق إصلاحات اقتصادية نيوليبرالية، مما أدى إلى انفتاح الاقتصاد السوداني بشكل متزايد على الاستثمار الأجنبي.

وشمل ذلك قانون تشجيع الاستثمار (IEA) عام 1990 الذي عُدِّل لاحقًا عام 1996. ومع تنامي قطاع النفط طُبِّقت إصلاحات حكومية أخرى عام 1997 لتفتح أبوابها أمام القطاع الخاص لاستيراد وتوزيع المنتجات النفطية.

حتى عام 1997، لم يكن السودان يجذب أكثر من مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لكن مع تدفق الذهب الأسود تغيّر المشهد كليًّا، لتقفز التدفقات إلى قمة تاريخية بلغت 3.5 مليارات دولار في عام 2006.

غير أن الانفصال حمل معه الانكسار؛ فبذهاب معظم آبار النفط إلى جنوب السودان، بدأت الاستثمارات تتراجع على نحوٍ مؤلم، لتتهاوى من 2.3 مليار دولار في 2011 إلى مجرد 1.1 مليار دولار في 2018، وكأن ازدهار الأمس كان مجرد ومضة عابرة.

وبعد الإطاحة بنظام البشير عام 2019، تولّت حكومة عبد الله حمدوك قيادة الفترة الانتقالية (2019-2021). لكنها ورثت خزانة فارغة وديونًا خارجية بلغت 51.2 مليار دولار بنسبة 145.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

تشكلت حكومة الثورة ممن يعرفون بالتكنوقراط ممن لهم سوابق عمل في المؤسسات الدولية، وهو مما جعل تفكيرهم مقصورًا على الوصفات المتكررة لتلك المنظمات. فنفذوا برنامجا إصلاحيا جديدا يقوم على تحرير سعر الصرف ورفع الدعم وخفض الإنفاق العام. ورغم ذلك فشلت الإصلاحات في جذب الاستثمار الأجنبي الذي بلغ أدنى مستوى له مُنذ عقدين مسجلًا 523 مليون دولار فقط.

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك (يسار) ورئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يحضران مؤتمرا اقتصاديا في الخرطوم (الفرنسية)

سلة الغذاء السودانية: استثمارٌ يطعم الآخرين ويُجَوِّعُ أهله

في عام 2018، لم يبشر الحصادُ الأولُ لمشروعٍ زراعيٍّ ضخمٍ قرب الخرطوم بالخير، إذ أشعل شرارةً صراع مرير. فمجموعةٌ من أهالي القرى التي هُجّرت من أراضيها قررت الانتقام فهاجمت مستودع الشركة وأحرقت المحصول بأكمله.

لم يمرّ هذا الفعل الاحتجاجي دون عقاب من النظام، فبينما أُلقي القبض على قادة الحراك، فُرضت غرامات مالية قاسية على آخرين. لكن ردّ الشركات كان أكثر إثارةً للاهتمام، إذ بدلًا من تهدئة الأوضاع، كثّفت استثماراتها في بناء الأسوار الشاهقة وتعيين الحراس، في محاولة يائسة لتحصين أراضيها من غضبٍ قد يتجدد.

وفوق أرض السودان الخصبة، تزدهر حقولُ البرسيمِ كبساطٍ أخضرَ يمتدُّ على مرمى البصرِ، بينما تلوحُ سنابلُ الذرةِ كجنودٍ من ذهبٍ، تبشِّرُ بالخيرِ والرخاء. هذه صورة مناسبة للقب السودان باعتباره “سلة غذاء العالم العربي” نظرًا لإمكاناته الزراعية الهائلة.

يمتلك السودان  175 مليون فدان صالح للزراعة تمثل نحو 40% من الأراضي الصالحة للزراعة بالوطن العربي، فضلًا عن مصادر مياه متنوعة من أنهار وبحيرات وأمطار موسمية هائلة (تُقدّر بحوالي 440 مليار م3). هذا بالإضافة لامتلاكه ثروة حيوانية ضخمة قُدرت في عام 2022 بأكثر من 111 مليون رأس من الأبقار والأغنام والماعز والإبل، مما جعلها أداة جذب للاستثمارات الأجنبية.

حتى تسعينيات القرن الماضي استحوذ القطاع الزراعي على معظم تدفقات الاستثمار فبلغ في عام 1995 حوالي 85% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولكن مع ازدهار إنتاج النفط أفل نجم الزراعة واتجهت الاستثمارات نحو باطن الأرض (النفط). فتراجعت نسبة الاستثمار الزراعي إلى 0.76% في عام 2006.

تزامن هذا مع الأزمة العالمية في عام 2008 وارتفاع أسعار الغذاء مما جعل السودان ملاذًا آمنًا لدول الخليج التي اتجهت نحو الاستثمار الزراعي بالسودان لسد عجزها المائي والغذائي. وقد أشار الباحث في برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كاميرون هيدسون، إلى أن الاستثمارات الخليجية بالسودان بلغت حوالي 24 مليار دولار.

ومع رحيل الجنوب، توقفت نبضات الاقتصاد السوداني التي كان يغذيها النفط، مما دفع حكومة البشير إلى العودة مجددًا إلى الزراعة، شريان الحياة الذي لم يجفّ قط. فسارعت بإنشاء قانون الاستثمار الوطني لعام 2013 لجذب مزيد من الاستثمارات الزراعية.

على الرغم من ارتفاع التدفقات الاستثمارية في قطاع الزراعة وارتفاع حصيلة الصادرات الزراعية إلى 46.6% من إجمالي الصادرات السودانية بين عامي 2011 و2021، فما زال الفقرُ كأرضٍ قاحلةٍ يُجفِّفُ عروقَ المجتمعِ الزراعي، تاركًا خلفَهُ سنابلَ أحلامٍ ذابلةٍ وخدماتٍ أساسيةٍ لا تُروى.

يعمل أكثر من ثلثي السكان في الزراعة والرعي أو يعتمدون عليها كنشاط اقتصادي رئيسي ومصدر دخل وغذاء. وقد تم الاستيلاء على كثير من الأراضي الزراعية لصالح المستثمرين دون مراعاة للحقوق التاريخية للمزارعين والرعويين. ومن هنا يتضح لنا أن الاستثمار الزراعي كان يروي عطش الخليج على حساب أبناء السودان.

الذهب الأسود يفجِّر أزمة الانفصال في السودانِ

كان النفط طوق النجاة لنظام البشير المُكبل بالعقوبات الاقتصادية الأميركية، فأصبح نقطة محورية لتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السودان.

استحوذ قطاع النفط على 95% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة للسودان في عام 2000، بعد أن كان يمثل 3.6% من إجمالي التدفقات عام 1996، وهو ما أحدث نموًّا حقيقيًّا في الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع قيمة الصادرات وتوسعًا ملحوظًا في القطاع الصناعي والخدمي.

ولكن لم تعكس تلك المؤشرات الاقتصادية المحفزة الرؤية الحقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فلم يستفد من السودانيين سوى النخبة السياسية وأصحاب رؤوس الأموال من تلك الاستثمارات النفطية.

شهدت الخرطوم عملية تجديد شاملة في شكل مبانٍ مكتبية جديدة ومناطق سكنية وفنادق، ورغم هذا أشار البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ما بين 60 و75% من السكان في الشمال و90% في الجنوب يعيشون تحت خط الفقر.

ساعدت العائدات النفطية الحكومة السودانية في تمويل إنفاقها العسكري على حروبها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وكذلك حربها في إقليم دارفور التي ابتلعت 23% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًّا، بينما أنفقت البلاد 1.3% و1.2% فقط من ميزانيتها على الصحة العامة والتعليم على التوالي لأكثر من عقدين.

يتمركز 75% من النفط السوداني في الجنوب الذي لم تتوقف به دقات طبول الحرب الأهلية الأطول في أفريقيا بين الجيش السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان المتمردة التي تسعى للانفصال عن الشمال.

وبالرغم من ذلك لم تُثنِ الحرب تدفقات الاستثمارات الصينية والهندية في قطاع النفط، فقام الجيش والمليشيات الموالية له بحملات تطهير عرقي وتهجير لسكان القرى والمناطق ذات الأهمية الإستراتيجية لقطاع النفط، مما أتاح للشركات الوصول إلى المناطق الغنية بالنفط، كذلك وفر الأمن وحماية أصول الشركات.

ففي تناقض صادم لمقولة رأس المال جبان، أصبح العنف لا يطرد الاستثمار، بل تحول إلى أداة للنمو واستقرار الشركات الأجنبية، فهذا “الاستقرار” الجديد غالبًا ما يُعزّز بإصلاحات اقتصادية مواتية للمستثمرين، وكأن العنف أصبح حصنًا يضمن نجاح تلك السياسات. وبهذه الطريقة، تحول الدمار إلى فرصة اقتصادية، ولكن بثمن باهظ دفعه المدنيون.

“الذهب الملعون: ملاذ الأمس ووقود حرب اليوم”

بعد أن ضاعت مواسم الخير في الزراعة وتبددت ثروة النفط مع انفصال الجنوب، تعلقت أنظار السودانيين ببريق الذهب باعتباره المورد الأخير القادر على إنقاذ الاقتصاد.

لكن هذا المعدن سرعان ما تحوّل إلى لعنة جديدة، وإلى شرارة تُغذي الصراع وتُضاعف معاناة الناس؛ فبينما تُصدَّر أطنانه للخارج وتلمع في الأسواق العالمية، يبقى المواطن البسيط أسير الغبار السام ورصاص الحرب.

العقوبات الاقتصادية والأزمة العالمية وانفصال الجنوب النفطي، ثم حرب دارفور، أنهكت اقتصاد السودان وأضعفت حكم البشير.

ومع تراكم الفشل وشعوره بالخطر، ولضمان بقائه في سدة الحكم، سلّم البشير مفاتيح ثروة الذهب في البلاد للجيش والدعم السريع، مقابل حمايته وقمع التمردات في الأرياف والمدن السودانية. لكن هذا المورد، بدلًا من أن يصبح رافعة للتنمية، تحول إلى أداة للسيطرة والصراع.

خلال عام 2011 لم تتجاوز حصة الذهب 15% من الصادرات، لكنه قفز ليبلغ 54.3% عام 2021، ليصبح المصدر الدولاري الأهم، تشير التقديرات إلى أن 97% من إنتاج ذهب البلاد بين عامي 2012 و2018 لم يُصدر عبر قنواته الرسمية بفجوة مالية خسرتها السودان تقدر بـ4.1 مليارات دولار أميركي. وهُرّب الذهب عبر مطار الخرطوم في عمليات أشرفت عليها شخصيات نافذة.

خريطة انتشار الذهب في السودان (الجزيرة)

رأس المال الأجنبي يُزهق قبل الأرواح

من الزراعة إلى النفط ثم الذهب، كان الاستثمار الأجنبي في السودان قصة استغلال أكثر من كونه رافعة للتنمية. وحين تمددت أيادي الخارج على الثروة، جاءت الحرب لتقطع شريان الاقتصاد نفسه، تاركة وراءها نزوحًا واسعًا وأرقامًا قاتمة.

الحرب في السودان لم تكن مجرد صراع على الأرض، بل كانت معولًا للهدم ينهش في جسد الوطن؛ تهاوى معها الاقتصاد وتبخّرت الثروات كما يتبخر السراب في صحراء قاحلة.

لم تكتفِ الحرب بحصد الأرواح وتشريد 14 مليون إنسان منذ أبريل/نيسان 2023، بل امتدت لتخنق الأسواق، وتغلق المصانع، وتزرع الرعب في قلوب المستثمرين. قطاع الأغذية الزراعية نزف خسائر فادحة، كما أُغلق نحو 66% من المصانع كليًّا أو جزئيًّا، وتحولت الأسواق إلى ساحات دم ورعب، شهدت 236 هجومًا حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

ومع كل يوم يمر، تتساقط أعمدة الدولة؛ الاتصالات تنطفئ، المصارف تتهاوى، والمطارات والطرق تتحول إلى أهداف للقصف، لتسجل البلاد انكماشًا اقتصاديًّا بلغ 29% في 2023.

والأسوأ ما يلوح في الأفق: إذا طال أمد الحرب حتى نهاية 2025 فقد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 42%، وكأن الخراب لا يعرف حدًّا. في 2024، التهم التضخم 170% من قيمة الجنيه، وتهاوى الجنيه أمام الدولار بانهيار مدوٍّ بلغ 355% في السوق الموازي حتى ديسمبر/كانون الأول 2024.

أما البطالة فقد قفزت إلى 47%، لتترك أكثر من 71% من السودانيين في قبضة الفقر، وكأن الحرب تعيد صياغة السودان على هيئة مأساة جماعية، بلا أفق ولا خلاص.

رصاص الحرب لم يترك بيتًا إلا وشوّه ملامحه، طرق مقطوعة بأشجار متساقطة، أحياء غارقة في العتمة بعد انهيار شبكات الكهرباء والمياه.

لم تتوقف الكارثة عند العمران، بل طالت النظام الصحي؛ إذ خرجت 80% من المرافق عن الخدمة. التعليم منهار بإغلاق 10400 مدرسة، تاركًا ملايين الأطفال بلا مقاعد. وبينما قدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة تأهيل العاصمة بـ350 مليون دولار، تحدثت السلطات السودانية عن أرقام أضخم: 300 مليار دولار للخرطوم و700 مليار دولار لبقية البلاد. ورغم قتامة المشهد، ما زال الأمل يطل من نافذة الاستثمار كطريق لإحياء الخراب وتحويل الركام إلى فرصة للنهوض من جديد.

كيف نكسر قيود الماضي ونفتح أبواب الغد؟

إذا كان المال “جبانًا”، فإن طمأنته تحتاج إلى سياسة واضحة أكثر من حاجتها إلى الدعاية. السودان بعد الحرب لا يملك ترف إضاعة الوقت؛ بل يحتاج إلى خطة عملية تُعيد الثقة للمستثمرين وتُقنعهم بأن مخاطرتهم ستقابلها عوائد مضمونة. وتتطلب زيادة الاستثمار الأجنبي في السودان بعد الحرب خريطة طريق عملية من خمس خطوات مترابطة:

  • أولًا، السلام والإصلاح السياسي، فأي حديث عن الاستثمار بلا استقرار سياسي وأمني هو وهم. على القوى السودانية أن تضع حدًّا للصراع وتبني مؤسسات حكم ذات شرعية. فالسلام هو الشرط الأول قبل أي معادلة اقتصادية.
  • ثانيًا، إصلاح اقتصادي شجاع يُنهي الامتيازات غير الشفافة التي كانت تمنح لشركات بعينها، ويقوي القطاع الخاص المحلي كشريك حقيقي وليس مجرد تابع للاستثمار الأجنبي.
  • ثالثًا، تحديث القوانين والمؤسسات عبر تعديل قانون الاستثمار، وإنشاء نافذة موحدة للتراخيص، وضمان الشفافية والرقابة في العقود الزراعية والتعدينية.
  • رابعًا، إعادة إعمار البنية التحتية من طرق وموانئ وكهرباء، بالاعتماد على الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتخفيف العبء عن الدولة.
  • خامسًا، بناء شراكات دولية متعددة الأطراف لتمويل أهدافه التنموية وتجنبه الانحياز لأي محور سياسي عالمي، مثل مجموعة البريكس والاستثمارات الخليجية بشروط عادلة، مع تعبئة مدخرات المغتربين عبر صناديق استثمار وطنية. بهذه الطبقات الخمس يمكن للسودان أن يستعيد ثقة المستثمرين، ويحوّل رؤوس الأموال الأجنبية إلى رافعة لإعادة الإعمار والتنمية الشاملة.

الخاتمة

في كل مرة تنطفئ فيها نيران الحروب، يأتي صندوق النقد الدولي مسرعًا، كعطّارٍ أعمى لا يعرف سوى وصفة واحدة يبيعها لكل داء. وقد تجرع السودان هذه الوصفات أربع مرات من عهد النميري إلى حمدوك، فلم تجلب سوى فقرٍ أعمق وهشاشةٍ أكبر.

وهنا يظل صدى كلمات كينيث كوما، زعيم المعارضة وأكبر نقابة عمالية في بوتسوانا، حاضرًا بقوة: “الاقتصاد الذي يُسلَّم للأجانب يشبه رجلًا يتزوج امرأةً ثرية، سرعان ما يفقد السيطرة على بيته”.

إنها صورة تختصر مأساة دولنا حين يُختزل الاستثمار الأجنبي في نهب الثروات وربط القرار الوطني بالممول الخارجي.

لذلك، إذا أراد السودان أن يحوّل رأس المال إلى أداة لإعمارٍ عادل، فعليه أن يجعل الشفافية والمساءلة خطًّا أحمر، وأن يربط الاستثمارات بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، ويؤسس صندوقًا سياديًّا يصون العوائد من التبديد، ويضمن نصيبًا فعليًّا للمجتمعات المحلية. فبهذا يمكن للسودان أن يعيد تعريف علاقته برؤوس الأموال الأجنبية، لتصبح جسرًا نحو التنمية بدلًا من قيد جديد يرسخ التبعية.

فليس السؤال: هل سيعود الاستثمار الأجنبي إلى السودان؟ بل: بأي شروط سيعود؟ فهل نسمح بأن يُعاد إنتاج أزمات الماضي من تبعية ونهب للموارد، أم نصنع نموذجًا جديدًا يضع الإنسان قبل رأس المال؟ المستقبل لم يُكتب بعد، لكن قرار اليوم هو ما سيرسم ملامحه.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

الجزيرة نت :من يشعل النار في سلة غذاء العالم؟

ونحن صغار، كان الكبار يحكون عن السودان باعتباره أرض الخير التي لا تُضاهى، جنة الله في أرضه التي تجري الأنهار من تحتها. يقولون إنك لو ألقيت نواة تمر في تربته الخصبة، ستنبت وتتحول إلى نخلة باسقة.

هذه الصورة البسيطة المتداولة في الوجدان الشعبي، لم تكن مجرد مبالغة؛ إنما عكست حقيقة أن السودان يمتلك ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة، وموارد مائية هائلة، وثروة حيوانية قلَّ نظيرها.

end of list

ومنذ ستينيات القرن الماضي، شاعت تسمية السودان باسم “سلة غذاء العالم”، في إشارة إلى مشروع الجزيرة الذي مثّل أحد أكبر المشروعات الزراعية المروية في العالم، وأضيفت إلى هذه الوفرة ثرواته المعدنية والنفطية لاحقًا. هكذا بدا كأن السودان يملك كل مقومات النهوض.

لكن تلك الثروة لم تتحول إلى رخاء، فالأرض الخصبة أضحت مساحات معطلة، وتكررت موجات المجاعة على مدار عقود.

أما اليوم فيقف السودان على حافة واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم وفق برنامج الغذاء العالمي، إذ يحتاج ثلثا سكانه إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ويواجه الملايين خطر الموت جوعاً. إنها المفارقة السودانية: بلد غني بالموارد، غير أن وفرتها تحوّلت إلى عبءٍ يقوده نحو الانقسام والتأخر، بدلًا من التنمية.

ثروة بلا تنمية

تبدو خريطة السودان للوهلة الأولى كأنها قصة وفرة نادرة: أراضٍ خصبة، أنهار وجداول، ماشية لا تُحصى، وثروات معدنية هائلة. لكن المفارقة أن كل هذه النِعم لم تُترجم إلى تنمية.

الزراعة كانت دائمًا قلب الحكاية، فمشروع الجزيرة، الذي أنشأته الإدارة البريطانية عام 1925، بين ضفتي نهري النيل الأزرق والأبيض، ويمتد على مساحة تقارب 2.5 مليون فدان (نحو مليون هكتار)، أنتج في ذروته ما يزيد عن نصف مليون طن من القطن عالي الجودة سنويًا، إلى جانب الحبوب والبذور الزيتية والفول السوداني والقمح والسمسم والذرة الرفيعة والدخن والخضراوات، ليجسد حلم أن يكون السودان سلة غذاء أفريقيا والعالم.

لكن بمرور الوقت، انهارت بنيته التحتية، وتراجعت إنتاجيته، وتحول من مشروع قومي إلى مساحة شبه مهملة، نتيجة غياب الصيانة وتوقف التمويل والدعم الحكومي، ما أجبر المزارعين على هجر القمح والاعتماد على محاصيل أقل تكلفة.

وزادت الحرب من عمق الأزمة، حيث سيطرت قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من المشروع خلال العامين الماضيين، ما فاقم معاناة المزارعين وأوقف أي أمل في إحياء البنية الزراعية.

وعلى غراره تمتد أراضي الفشقة الخصبة شرقًا، ومراعي السافانا الغنية في الغرب والجنوب، كأمثلة أخرى على الموارد الزراعية التي لم يُستفد منها بالقدر المطلوب. فبحسب وزارة المعادن وإدارة معلومات الطاقة الأميركية، تبلغ المساحة الصالحة للزراعة في السودان نحو 73.5 مليون هكتار (حوالي 39% من جملة مساحة البلاد)، بينما يُستغل نحو 28.7 مليونا فقط.

خريطة انتشار الذهب في السودان (الجزيرة)

لكن الأرض وحدها لا تكفي، فالمورد الموازي هو المياه التي تمثل العمود الفقري لأي نهضة زراعية. ورغم وفرة المصادر المائية، يُصنَّف السودان ضمن البلدان التي تعاني من الفقر المائي.

وفقا لموقع “فاناك ووتر” (Fanack Water) المتخصص في بيانات الموارد المائية، فإن فالأمطار وحدها التي تهطل على السودان تُقدّر بحوالي 440  مليار متر مكعب سنويًا، لكن ما يتبقى فعليًا للاستعمال لا يتجاوز 30 مليارا فقط: 18.5 مليارا من حصة النيل (وفق اتفاقية 1959)، و7 مليارات من الأنهار والجداول مثل القاش، خور أربعات، وادي ازوم، خور أبو حبل، و4 مليارات من المياه الجوفية.

وبقسمة هذا الرقم على عدد السكان (45-50 مليون نسمة)، لا يحصل الفرد إلا على أقل من 700-760م³ سنويًا، أي دون خط الفقر المائي العالمي (1000م³ للفرد).

هذا إضافةً إلى معوقات مزمنة مثل عدم انتظام الأمطار، الفيضانات، تراكم الطمي، تآكل ضفاف الأنهار، والتلوث، فضلًا عن ضعف المؤسسات والحوكمة وقصور إنفاذ القوانين. ورغم وجود مخزون جوفي هائل يُقدّر بنحو 900 مليار م³، فإن الاستغلال الفعلي منه محدود. وهناك أيضًا مقترح لاسترداد 6 مليارات م³ إضافية عبر إصلاح المستنقعات في دولة جنوب السودان، لكنه مكلف اجتماعيًا وبيئيًا.

وإلى جانب الزراعة، يزخر السودان بثروة حيوانية هائلة تُعد من الأكبر في القارة. فبحسب تقرير رسمي صادر عن وزارة الثروة الحيوانية السودانية عام 2022، يضم السودان نحو 32 مليون رأس من الأبقار، و41 مليون رأس من الأغنام، و32 مليون رأس من الماعز، إلى جانب قرابة 5 ملايين جمل، أي ما مجموعه أكثر من 110 ملايين رأس.

وتتوافق هذه الأرقام مع تقديرات أخرى صادرة عن المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR) بالتعاون مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) وبدعم من الاتحاد الأوروبي، والتي قدّرت حجم القطيع السوداني بأكثر من 105 ملايين رأس، وبذلك يقف السودان في مصاف الدول الأفريقية الثلاث الكبرى من حيث حجم الثروة الحيوانية، إلى جانب إثيوبيا ونيجيريا.

لكن رغم هذه الوفرة، فإن معظم الإنتاج يُصدَّر خامًا دون أي قيمة مضافة، ما يفقد السودان فرصًا حقيقية لبناء صناعات غذائية وجلديّة يمكن أن تضاعف العوائد وتوفر آلاف الوظائف في بلد مأزوم اقتصاديًا.

والأخطر أن هذه الموارد لم تعد مجرد جزء من شبكة توريد إقليمية تؤمّن البروتين الحيواني الرخيص للحواضر الإقليمية، بل غدت ضمن استراتيجيات أوسع للسيطرة والهيمنة، فقد تُستخدم كذريعة لتأجيج صراعات أو حتى إشعال حروب إقليمية حولها، ما يحوّلها إلى ساحة للتنافس المُدار لصالح الأسواق الخارجية أكثر من خدمة الداخل.

فاقمت الحرب الأخيرة في السودان معاناة السودانيين، مما اضطر الكثير من العائلات للنزوح عن منازلهم (رويترز)

وتزداد المفارقة السودانية وضوحًا مع دور الشركات متعددة الجنسيات، لاسيما في قطاع الزراعة. فقد ارتكزت هذه الشركات على نماذج إنتاج نيوليبرالية تركز على المحاصيل التصديرية وإنتاج الأعلاف للأسواق الخارجية، بينما تُرك ملايين السودانيين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي.

ويبرز هنا مثال شركة كنانة للسكر، التي تُعد من أكبر المجمعات الزراعية الصناعية في أفريقيا، وجرى تصنيفها في موسم 2008/2009 كأكبر منتج عالمي للسكر الأبيض عالي النقاء، إذ تمتد كنانة على مساحة تقارب 165 ألف فدان، بطاقة إنتاج تبلغ نحو 400 ألف طن سنويًا، وقد تأسست بشراكة بين الحكومة السودانية ومستثمرين عرب، إلى جانب مساهمين أجانب.

غير أن إنتاج هذا القطاع ظل موجهًا للتصدير وجلب النقد الأجنبي أكثر من تلبية احتياجات السوق المحلية. فالسودان، رغم هذه القدرات، يظل مستوردًا صافياً للسكر، إذ يقدَّر الاستهلاك المحلي بحوالي مليون طن سنويًا -وهو من أعلى المعدلات عالميًا- بينما لم يتجاوز الإنتاج المحلي نصف ذلك قبل الحرب.

لقد استوردت البلاد في عام 2023 سكرًا خامًا بقيمة 794 مليون دولار، في حين صدّرت في العام نفسه ما يقارب 1.7 مليار دولار من السكر الخام، بما يعكس مفارقة التصدير والاستيراد في أوضح صورها.

وقد يُبرَّر هذا التوجه بأن التصدير يوفّر عملة أجنبية بينما يُستورد السكر الخام الأرخص، لكن هذا المنطق قصير المدى، إذ يجعل السودان رهينة لتقلبات الأسواق العالمية ويُبقيه معتمدًا على استيراد سلعة أساسية رغم وفرة إنتاجه، بينما لا تستفيد المجتمعات المحلية المحيطة بالمشروعات الزراعية من عوائدها في خدمات أو بنية تحتية أو خفض الأسعار.

هذه المفارقة ليست حكرًا على السودان، بل تمثل نمطًا أوسع في أفريقيا، حيث تتكرر المشاريع الزراعية الكبرى التي تُدار بشراكات متعددة الجنسيات وتخدم الأسواق الخارجية أكثر من الداخل.

وقد وثق الباحث صقر النور في دراسته حول التحول الزراعي في شمال أفريقيا، والباحثة راوية توفيق في تحليلها للشركات متعددة الجنسيات بأفريقيا، أن هذه السياسات النيوليبرالية تكرّس التبعية الغذائية بدلًا من تحقيق الاكتفاء، وتترك المجتمعات المحلية في مواجهة الهشاشة.

وإذا كان ما سبق يعكس وفرة طبيعية، فإن قصة الذهب تكشف وجهًا آخر للمفارقة السودانية. فبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن شركة الموارد المعدنية السودانية المملوكة للدولة، بلغ الإنتاج المُعلن عام 2024 نحو 64 طنًا، بصادرات لا تتعدى 1.57 مليار دولار، حيث ما زال التهريب يشكل التحدي الأكبر، إذ صرح مدير الشركة محمد طاهر بأن “نحو نصف إنتاج الدولة يتم تهريبه عبر الحدود”، بينما تقدّر فايننشال تايمز أن الإنتاج الفعلي يصل إلى حوالي 80 طنًا، بما قيمته أكثر من 6 مليارات دولار، لكن أكثر من نصفه يُهرّب عبر شبكات مرتبطة بالنخب العسكرية والمليشيات.

ويؤكد تقرير لمعهد تشاتام هاوس البريطاني أن عائدات السيطرة على المناجم وتمويل النزاع كانت من المحركات الرئيسية للصراع. أما موقع “عاين” فكشف عن مسارات محددة للتهريب تبدأ من مناجم دارفور وشمال السودان، لتتجه عبر طرق غير شرعية نحو ليبيا ومصر وتشاد وجنوب السودان، أو عبر مطارات داخلية إلى دبي، حيث يُعاد دمج الذهب في الأسواق العالمية.

وليست الأزمة في الذهب وحده، فالسودان يحتكر أيضًا النصيب الأكبر عالميًا من إنتاج الصمغ العربي، إذ يوفّر نحو 80% من الإنتاج العالمي لهذا المحصول المستخدم في صناعات الأغذية والأدوية والمشروبات الغازية.

غير أن تحقيقًا أجرته رويترز، كشف أن كميات كبيرة من هذا المورد الاستراتيجي تُهرَّب من مناطق النزاع عبر الحدود لتمويل الحرب، وعلى رأسها قوات الدعم السريع.

يوفّر السودان نحو 80% من الإنتاج العالمي للصمع العربي (الجزيرة الوثائقية)

وفي السياق ذاته، يشرح تقرير لشبكة “أتر” كيف تحوّل الصمغ العربي إلى رهينة للنزاع، حيث خرج من قنوات التوزيع الرسمية إلى شبكات تهريب موازية. كما يكشف عن خلل هيكلي متجذر منذ بدايات الدولة الحديثة بالسودان، تسبب في خسائر فادحة لمحصول يلعب دورًا محوريًا في الاقتصاد الوطني، وله أهمية اجتماعية مباشرة لملايين الأسر الريفية التي تعتمد عليه كمصدر أساسي للدخل.

وبحسب وزارة المعادن السودانية وإدارة معلومات الطاقة الأميركية، يجلس السودان أيضا على مخزون ضخم من الموارد الطبيعية غير المستغلة: نحو 1.5 مليون طن من اليورانيوم (ثالث أكبر احتياطي في العالم)، ويحتل المركز 13 عالميًا والثالث أفريقيًا في إنتاج الذهب.

كما تُقدّر احتياطيات الفضة بحوالي 1500 طن، بينما بلغت احتياطيات الذهب نحو 1550 طنًا في عام 2023. وإلى جانب ذلك، يملك السودان قرابة 5 ملايين طن من احتياطيات الحديد والنحاس، في حين يُقدر إجمالي الهدر الناتج عن سوء استغلال هذه الموارد بحوالي 250 مليار دولار.

أما النفط فقد كان حتى عام 2011 عصب الاقتصاد السوداني. فقبل الانفصال، أنتج السودان الموحد نحو 490 ألف برميل يوميًا، وكانت عوائده تمثل أكثر من نصف إيرادات الدولة وما يقارب 90% من صادراتها، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ولكن بعد استقلال الجنوب، خسر السودان نحو ثلاثة أرباع احتياطياته النفطية ومعها معظم العائدات، إذ بقي معظم المخزون في أراضي الجنوب. ويُقدر احتياطي السودان حاليا بنحو 1.25 مليار برميل. والأهم أن الخرطوم لم تنجح في إدارة هذا المخزون المحدود أو استثماره بفاعلية، ولم تعوض الفاقد عبر الزراعة أو التعدين، ليظل الاقتصاد هشًا أمام أي صدمة جديدة.

وإلى جانب كل هذه الموارد المادية، يقف المورد الأهم: البشر، بثقلهم الشبابي ورصيدهم الثقافي. فوفق كتاب الحقائق الذي تصدره وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يشكل مَن هم دون سن 15 عاماً حوالي 40% من سكان السودان، ما يعني قاعدة شبابية ضخمة يمكن أن تكون قوة إنتاجية هائلة في المستقبل.

كما تُظهر بيانات البنك الدولي أن نحو 55% من السكان في سن العمل (15-64 عامًا)، وهو ما يعكس وفرة في القوى العاملة حال توافر البيئة السياسية والاقتصادية المستقرة لاستيعابها.

أما التنوع الثقافي والإثني والديني فيمكن أن يشكل رأس مال رمزيًا يعزز الهوية الوطنية الجامعة والانفتاح الثقافي، حيث يضم السودان قرابة 500 مجموعة عرقية، لكنه تحوّل في ظل الانقسامات إلى وقود للصراع وأداة لتمزيق العقد الاجتماعي.

هكذا، تتجمع في السودان كل عناصر النهضة: أرض خصبة، مياه وفيرة، ثروة حيوانية، ذهب، صمغ، نفط، طاقة شبابية، وموقع استراتيجي على البحر الأحمر. لكنها بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية، ظلت محاصرة في دائرة الهدر والتهريب والاستغلال السياسي.

المرض الهولندي في السودان

يُعرّف “المرض الهولندي” بأنه أحد أهم مظاهر لعنة الموارد، وتقوم فكرته ببساطة على أن تدفق عوائد كبيرة من أحد الموارد الطبيعية -مثل النفط أو الذهب- يؤدي إلى دخول عملة صعبة للبلاد، فترتفع قيمة العملة المحلية، وتفقد القطاعات الأخرى -مثل الزراعة والصناعة- قدرتها على المنافسة.

النتيجة أن الاقتصاد يصبح أكثر اعتمادًا على هذا المورد وحده، ويتحول إلى اقتصاد ريعي هش. هذه الظاهرة، التي اكتُشفت أول مرة في هولندا بعد طفرة الغاز في ستينيات القرن 20، تكررت بوضوح في السودان، وبالتحديد فيما يتعلق بالنفط قبل عام 2011، ثم الذهب بعده، حيث أضعفا القطاعات المنتجة التقليدية وجعلا البلاد أسيرة لمورد قابل للزوال السريع.

ومن هنا جاء ما اصطلح عليه الاقتصاديون باسم “لعنة الموارد”، وهي وفرة طبيعية تتحول إلى عبء. أول من صاغ المصطلح كان البريطاني ريتشارد أوتي عام 1993، حين لاحظ أن الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن لم تحقق نتائج أفضل من نظيراتها الفقيرة، بل أحيانًا أسوأ، ثم جاء بول كولير ليضيف بُعدًا آخر: الموارد في الدول الهشة تزيد من احتمالات اندلاع الحروب الأهلية، إذ تتحول إلى غنيمة تتنازعها المليشيات والنخب.

أما جيفري ساكس فركّز على دور المؤسسات، معتبرًا أن الموارد لا تصبح “لعنة” إلا عندما تُدار في ظل نظم سياسية ضعيفة أو فاسدة. ولم تكن هذه النظرية وليدة التنظير وحده؛ بل خرجت من ملاحظة دول غنية بالموارد -مثل نيجيريا وفنزويلا والكونغو- بقيت غارقة في الأزمات المزمنة رغم ثرواتها النفطية والمعدنية الهائلة.

وإذا أسقطنا هذه العدسة على السودان، سنجد نموذجًا أكثر وضوحًا للمفارقة: بلد غني بكل شيء تقريبًا -أراضٍ خصبة، ذهب، نفط، مياه، ماشية، وصمغ عربي- لكنه يعيش اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

ولا شك أن حرب 15 أبريل/نيسان 2023 عمّقت الأزمة، لكن جذورها راسخة في بنية الدولة السودانية الحديثة. ولا ننسى أن ثورتي 1985 و2018 اللتين أطاحتا بجعفر النميري وعمر البشير كان من أسبابهما الجوهرية تردي الأوضاع المعيشية في البلاد، وهو ما تكشفه بوضوح المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.

فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، احتل السودان المرتبة 176 من أصل 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية لعام 2023، وهو مؤشر مركّب من معدلات جودة الصحة والتعليم وكفاية الدخل للمواطنين. ويقدّر البنك الدولي أن نسبة السكان تحت خط الفقر في السودان ارتفعت إلى أكثر من 71% بعد اندلاع حرب 2023، مقارنةً بحوالي 33% قبل الحرب .

أما معدلات الارتفاع في المستوى العام للأسعار (التضخم) فقد بلغ مستويات تاريخية، متجاوزًا 400% في يوليو/تموز 2021، قبل أن ينكمش مؤخرًا إلى حدود 100% بفعل انكماش النشاط الاقتصادي خلال الحرب، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء السوداني. كما ارتفعت معدلات البطالة من 32% في عام 2022 إلى نحو 47% في عام 2024.

أما في الخدمات الأساسية، فالصورة تزداد قتامة: أكثر من 40% من السكان محرومون من مياه شرب آمنة، وفي عام 2023 تمتع قرابة 60% فقط بالكهرباء وفقا لبيانات البنك الدولي.

أما وفيات الأطفال دون الخامسة فبلغت 50 وفاة لكل 1000 ولادة وفق بيانات البنك الدولي، أي أعلى بنحو 35% من المتوسط العالمي (37 وفاة لكل 1000ولادة)[40]. وهو رقم صادم يكشف حجم التدهور في الخدمات الصحية والإنسانية، والمتوقع أن هذه الأرقام رغم مستوياتها المتدنية قد تدهورت بفعل الحرب.

وعلى صعيد الاستجابة للطوارئ الطبيعية، يُصنّف السودان كخامس أكثر دول العالم عرضة لآثار تغير المناخ، وفقًا لمؤشر التغير المناخي العالمي لعام 2022.

كما أشار مركز دراسات الكوارث والأزمات في أفريقيا إلى أن 151 منطقة في البلاد من أصل 189؛ تُعد شديدة التأثر بالكوارث الطبيعية، خاصة الفيضانات وندرة المياه. ويُفسر ذلك مقتل العشرات وتهدّم قرى بأكملها مع كل موسم للأمطار والفيضانات. غير أن ما يفاقم الأضرار هو ضعف البنية التحتية وغياب أنظمة فعّالة لإدارة الطوارئ، في تجلٍ آخر لهشاشة مؤسسات الدولة.

أحدثُ مثال مأساوي على ذلك وقع في قرية ترسين بمنطقة جبل مرة بولاية وسط دارفور غربي السودان، حيث أدى انزلاق أرضي بفعل الأمطار الغزيرة إلى مقتل أكثر من 1000 شخص. ولم تكن الكارثة انعكاسًا للعوامل الطبيعية فحسب، بل تجسيدًا لغياب سياسات الوقاية والجاهزية في دولة مأزومة.

جبل مرة السياحي في إقليم دارفور السوداني (صفحة منطقة جبل مرة السياحي على فيسبوك)

أما المجاعات، فقد أصبحت جزءًا متكررًا من تاريخ السودان منذ الاستقلال في عام 1956، حيث مرّت بالبلاد 5 موجات كبرى على الأقل، وصولًا إلى الأزمة الراهنة التي وصفها برنامج الغذاء العالمي (WFP) بأنها “الأسوأ في العالم اليوم”، إذ يواجه أكثر من 24 مليون شخص -حوالي نصف عدد السكان- مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، هذا فضلًا عن أن السودان شكّل مع حرب عام 2023 أسوأ أزمة نزوح ولجوء في العالم، مع أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ، بحسب المنظمة الدولية للهجرة (IOM).

ورغم عودة قرابة مليوني نازح بعد استعادة الجيش للعاصمة ومناطق استراتيجية في الشرق من قبضة قوات الدعم السريع، فإن حجم الدمار وغياب الخدمات الأساسية يشكلان تحديًا هائلًا. في الوقت نفسه، تفشّت الكوليرا والأوبئة الأخرى على نحو غير مسبوق، بحسب منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة أطباء بلا حدود.

وهكذا تتجلى لعنة الموارد السودانية: وفرة تُنتج هشاشة بدلاً من تنمية، وثروات تتحول إلى وقود لصراعات مسلحة بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية والاستقرار.

جذور المأزق السوداني

من الصعب فهم مأزق السودان المعاصر دون العودة إلى إرث الاستعمار البريطاني. فقد صاغ البريطانيون الاقتصاد السوداني على أسس ريعية، قائمة على إنتاج محاصيل نقدية محددة، مثل القطن الذي شكّل العمود الفقري لمشروع الجزيرة، والصمغ العربي، إلى جانب صادرات الماشية، وذلك لتلبية احتياجات الأسواق العالمية ومصانع الإمبراطورية البريطانية، دون أن يضعوا أساسًا لبنية إنتاجية متكاملة داخل البلاد تفضي إلى تنمية حقيقية ومستدامة.

بجانب ذلك، فرضوا سياسات مثل “المناطق المقفولة” في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور، التي عمّقت الانقسامات بين المركز والهامش، ورسخت دولة غير متوازنة الهوية والموارد. هذه البنية الهشة انتقلت إلى ما بعد الاستقلال، فظل السودان دولة موجهة للتصدير، منقسمة اثنيا وجهويًا، بلا عقد اجتماعي جامع.

ومع مرور الزمن، لم تُكسر هذه الحلقة، بل أعيد إنتاجها بأشكال أكثر حدة، نتجت عنها جولات طويلة من الصراعات، وتعمقت مع عسكرة الاقتصاد، حيث برز ما يمكن أن نسمّيه مفهوم “الحرب كاستثمار”، إذ لم تعد الحرب في السودان مجرد طارئ أو عارض سياسي، بل تحولت إلى بنية اقتصادية بحد ذاتها.

فمن خلال مفهوم “التراكم عبر نزع الملكية” لديفيد هارفي، يمكن قراءة كيف حوّلت النخب العسكرية والمليشيات الموارد العامة -خاصة الذهب- إلى أرباح خاصة عبر العنف والنهب.

ويضيف مارك دافيلد أن اقتصاديات الحرب نفسها تصبح وسيلة لإدارة الهشاشة، حيث تُستخدم العسكرة كأداة لضبط مجتمع مأزوم بدلًا من تطويره. أما سينثيا إنلو، فتذكرنا بأن العسكرة لا تُعيد فقط إنتاج علاقات القوة بين الدول، بل في داخل المجتمعات نفسها أيضا، حيث تُستغل النساء والفئات المهمشة كجزء من ماكينة الحرب.

هذه الأطر النظرية تشرح الواقع السوداني الراهن، فالحرب الحالية تمثل تطبيقًا مباشرًا لها، إذ تتجلى في ممارسات قوات الدعم السريع التي سيطرت لسنوات على مناجم الذهب في إقليم دارفور وغيره، واستخدمت العائدات في تمويل آلتها العسكرية بدعم من شبكات إقليمية ودولية.

خريطة السودان موضّحا عليها إقليم دارفور (الجزيرة)

غير أن الدعم السريع ليس حالة استثنائية، بل هو أداة ضمن منظومة أوسع؛ صنيعة لمؤسسات الحكم التي رعته واستفادت من خدماته، قبل أن يتغير توازن القوة بين الطرفين. ومن ثم، لا يمثّل الدعم السريع سوى مثال بارز لشبكة أعقد من النخب المدنية والعسكرية التي جعلت من الحرب آلية معاصرة لإدارة الاقتصاد.

وقد ساعد عدم الاستقرار السياسي وهشاشة المؤسسات على استمرار هذه الحلقة، فمنذ الاستقلال عام 1956، شهد السودان نحو 35 انقلابًا عسكريًا، ما جعل البلاد بمثابة مختبر للانقلابات. نجحت 6 انقلابات من هذه المحاولات، في حين مُنيت 12 محاولة بالفشل، وأُحبِطت 17 أخرى مسبقًا.

وبينما اقتصرت بعض هذه الانقلابات على نقل السلطة من قائد عسكري إلى آخر، أدّت انقلابات أخرى إلى إنهاء فترات قصيرة من الحكم الديمقراطي (1956-1958، و1964-1969، و1985-1989)، ما جعل السودان إحدى أكثر الدول تقلبًا سياسيًا في العالم، وأصبح الانقلاب أداة سياسية شبه طبيعية لإدارة السلطة في البلاد، ولم تنجح أي حكومة في بناء مؤسسات مدنية راسخة، بينما ظل الفساد ينخر في القطاعات الحيوية، من الذهب إلى الزراعة.

ولم يقتصر الأمر على الانقلابات أو الفساد بمعناه التقليدي، بل اتخذ شكلًا أكثر رسوخًا فيما يمكن تسميته بالزبائنية السياسية، حيث تحوّلت موارد الدولة من الأراضي الزراعية والوظائف العامة إلى أدوات لشراء الولاءات القبلية والسياسية.

ومع مرور الزمن، أصبح السودان بأسره سوقًا للزبائنية، تُوزَّع فيه الامتيازات مقابل الولاء، في نمط متكرر استنسخته النخب المدنية والعسكرية على حد سواء.

ويقدّم الباحث أليكس دي وال إطارًا نظريًا لذلك تحت عنوان “السوق السياسي”، موضحًا أن السياسة السودانية لا تُدار عبر مؤسسات رسمية أو قواعد قانونية بقدر ما تُدار عبر صفقات مالية وتحالفات آنية بين النخب وقادة الأجهزة الأمنية وزعماء القبائل. وبهذا المعنى، تتحول الدولة إلى ساحة للمقايضة والزبائنية المستمرة، بدلًا من أن تكون إطارًا جامعًا لإدارة الصالح العام.

هذه الأزمة البنيوية انعكست في الشروخ المجتمعية وأزمة الاندماج الوطني. فالمركز ظل يهيمن على السلطة والثروة، بينما تُركت مناطق مثل دارفور والشرق والنيل الأزرق في الهامش، ما قاد إلى تفجير الصراعات، والتي كان من أبرز تجلياتها انفصال الجنوب عام 2011.

وفي قلب كل ذلك، برزت إشكالية العلاقات المدنية-العسكرية. فمنذ الاستقلال، لم ينجح السودانيون في ترسيم حدود واضحة بين المجالين، بل عمدت النخب السياسية نفسها إلى تسييس الجيش، عبر إنشاء تنظيمات داخله، وتحويله إلى رافعة للتنافس السياسي، ومن ثم ترسخت هيمنة الجيش على الدولة والاقتصاد.

ومع صعود قوات الدعم السريع بات السودان في وضع فريد: جيشان متوازيان، كلاهما يسيطر على موارد استراتيجية ويقحم نفسه في السياسة والاقتصاد، فضلاً عن عشرات المليشيات التي كان بعضها صنيعة مؤسسات الدولة ذاتها.

ومع تعمق هذه الأزمة في بنية الدولة السودانية، بدا الباب مفتوحًا أمام القوى الإقليمية والدولية لملء الفراغ، وتحولت إلى قابلية للاستقطاب والاختراق الخارجي. هذه التدخلات لم تكن لتترسخ لولا القابلية الداخلية، إذ وفرت الانقسامات والهشاشة المؤسسية أرضًا خصبة لتحويل السودان إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.

هكذا يتضح أن السودان لم يتخلف صدفة، بل نتاج تضافر عوامل عدة: إرث استعماري انقسامي، هشاشة سياسية ومؤسسية، زبائنية سياسية، انقسامات اجتماعية عميقة، تدخلات إقليمية ودولية، وهيمنة عسكرية على الدولة والاقتصاد. والنتيجة أن الموارد التي كان يفترض أن تكون أساسًا للنهضة، تحولت إلى محركات للتفكك والفوضى.

نحو كسر لعنة الموارد

تكشف التجربة السودانية أن وفرة الموارد الطبيعية ليست ضمانة للتقدم، بل قد تتحول إلى مفارقة مؤلمة: بلد غني بالثروات، لكنه فقير في التنمية والاستقرار. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن يكسر السودان لعنة الموارد؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة إذا توافرت شروط أساسية: بناء مؤسسات مدنية قوية، ضبط العلاقة بين المدنيين والعسكريين، إدارة رشيدة للموارد، مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، برنامج عدالة انتقالية فعال، والتوافق حول عقد اجتماعي جامع لكل السودانيين. يضاف إلى ذلك ضرورة تحويل الوفرة الطبيعية إلى اقتصاد منتج ينعكس على حياة المواطنين لا على شبكات النفوذ.

لكن هذه الشروط ستظل مرهونة قبل كل شيء بإرادة السودانيين أنفسهم، فالحل داخلي أولًا وأخيرًا. التحديات ماثلة أمامهم: بداية خطر استمرار الحرب بأطوار جديدة حتى بعد توقفها، إلى احتمال إعادة إنتاج الانقسامات، وصولا إلى سيناريو التقسيم الثاني.

ومع ذلك، فإن نفس الموارد التي غذّت الصراع قد تكون أيضًا نقطة الانطلاق لبناء مستقبل مختلف، لو أحسن السودانيون إدارتها في إطار وطني جامع.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

دول أفريقية تنتهز ملف الهدرة لخدمة مصالحها مع الولايات المتحدة

وتبرز رواندا كإحدى أبرز هذه الدول، حيث أعلنت في 28 أغسطس 2025 عن استقبالها سبعة مهاجرين رُحّلوا من الولايات المتحدة، لتصبح بذلك ثالث دولة أفريقية تشارك في مثل هذه الترتيبات بعد جنوب السودان ومملكة إسواتيني.

وكان جنوب السودان قد استقبل ثمانية رجال مهاجرين من الولايات المتحدة في يوليو الماضي، فيما أرسلت واشنطن بعد أسبوعين خمسة رجال آخرين إلى مملكة إسواتيني، كما أعلنت أوغندا عن اتفاق مماثل لاستقبال أفراد غير مؤهلين للجوء في الولايات المتحدة ولا يرغبون في العودة إلى أوطانهم.

ويطرح هذا الواقع أسئلة حول دوافع بعض الدول الأفريقية للانخراط في هذه الاتفاقيات، والتداعيات المحتملة لذلك، وإمكانية إعادة تشكيل العلاقة بين واشنطن وهذه الدول.

بعض الدول تُعامل كأدوات لتنفيذ سياسة داخلية أميركية دون مراعاة أوضاعها المحلية أو مصالح شعوبها.

وتقول الباحثة المتخصصة في الشأن الأفريقي إيمان الشعراوي في تقرير نشره مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة إن دوافع بعض الدول الأفريقية لقبول استقبال المهاجرين المُرحلين، تتعدد ما بين اعتبارات سياسية واقتصادية وضغوط دبلوماسية، إلى جانب سعيها لتعزيز مكانتها الدولية.

سياسيا، يُمكن أن يُنظر إلى هذه الاتفاقيات كأداة لتسوية ملفات سياسية مع واشنطن، كما هو الحال في جنوب السودان الذي يسعى للاستفادة من هذا التعاون لرفع العقوبات الأميركية عن مسؤولين كبار واستعادة الدعم الأميركي في إدارة النزاعات الداخلية.

وفي أوغندا، يمثل قبول المهاجرين وسيلة لتعزيز موقع الرئيس يوري موسيفيني وتخفيف التوتر مع واشنطن بعد إقرار قانون مكافحة المثلية عام 2023، فيما تتعامل رواندا مع هذا التعاون ضمن إستراتيجية أوسع لترسيخ مكانتها كشريك موثوق للغرب والحصول على دعم أميركي في صراعها مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتستفيد مملكة إسواتيني من هذا الملف للحصول على دعم سياسي أو اقتصادي أميركي.

وأما البُعد الاقتصادي، فيشكل عاملاً محورياً في قبول هذه الاتفاقيات، إذ تواجه الدول الأفريقية المشارِكة قيوداً مالية وهيكلية مثل عجز الموازنات العامة، تراكم الديون الخارجية، ونقص التمويل في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.

وفي هذا الإطار، توفر الاتفاقيات مع واشنطن منفذاً للحصول على دعم مالي مباشر أو تمويل مشاريع تنموية، ما يسهم في تعزيز تدفق العملة الصعبة وفتح فرص اقتصادية ملموسة، كما تمنح الحكومات وسيلة لتحفيز النشاط الاقتصادي دون زيادات كبيرة في الإنفاق الحكومي.

كما تشكل هذه الاتفاقيات وسيلة للاستجابة لضغوط التأشيرات الأميركية، فقد فرضت واشنطن في أبريل 2025 قيوداً مشددة على منح التأشيرات لمواطني عدة دول أفريقية، بما فيها جنوب السودان، وهو ما أثر في الطلاب ورجال الأعمال والجاليات المقيمة في الولايات المتحدة، وقد استخدمت هذه القيود كأداة ضغط لإجبار الدول على استقبال المهاجرين مقابل رفع القيود، أو لتحذير الدول التي رفضت المشاركة بأن موقفها قد يؤدي إلى فرض قيود مماثلة.

ترحيل قصري نحو وجهة غير معلومة

وإضافة إلى ذلك، يتيح التعاون في هذا الملف لبعض الحكومات الأفريقية تحسين صورتها الدولية باعتباره مساهمة في معالجة قضية إنسانية عالمية، مما يعزز مكانتها كشريك مسؤول أمام المجتمع الدولي وقد يقوي موقفها التفاوضي مع القوى الكبرى.

ومن جانبها، فرضت حملة ترحيل المهاجرين التي تقودها إدارة ترامب معادلات جديدة في العلاقات مع الدول الأفريقية، حيث أصبح ملف الهجرة أولوية تتجاوز أهميته العديد من الملفات التقليدية مثل التنمية الاقتصادية أو التعاون في مكافحة الإرهاب، وتحولت إلى أداة ضغط دبلوماسي تجبر الدول الراغبة في تحسين علاقاتها مع واشنطن على قبول المهاجرين، ما يشي بعلاقة مشروطة بطابع ابتزازي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للولايات المتحدة.

وتعكس هذه السياسة تحول العلاقة بين واشنطن والدول الأفريقية إلى علاقة غير متكافئة، إذ تُعامل بعض الدول كأدوات لتنفيذ سياسة داخلية أميركية دون مراعاة أوضاعها المحلية أو مصالح شعوبها، وهو ما يُعيد النقاش حول استخدام القارة كساحة لحل مشكلات العالم المتقدم واستمرارية صيغ الاستغلال الحديثة.

ومع ذلك، قد تترتب على هذه الاتفاقيات تأثيرات سلبية تشمل جوانب سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، إذ أسفرت عن انقسام واضح في الموقف الأفريقي بين الدول القبولية والدول الرافضة، مما يضعف قدرة الاتحاد الأفريقي على تبني موقف موحد.

كما يمكن أن يؤدي استقبال المهاجرين إلى تنامي الاحتجاجات والغضب الشعبي، خصوصاً إذا شعر المواطنون بأن حكوماتهم خاضعة لضغوط خارجية، وهو ما ظهر في مملكة إسواتيني.

حملة ترحيل المهاجرين التي تقودها إدارة ترامب فرضت معادلات جديدة في العلاقات مع الدول الأفريقية، حيث أصبح ملف الهجرة أولوية تتجاوز أهميته العديد من الملفات التقليدية

وتتعرض الدول المستضيفة لضغوط كبيرة على بنيتها التحتية في الصحة والتعليم، مما يشكل تحدياً لتقديم الخدمات بشكل مستدام، بينما لا يُعالج الدعم المالي المقدم من الاتفاقيات المشكلات الاقتصادية الهيكلية، ويزيد من العجز المالي ويؤثر على الاستقرار الاقتصادي.

كما تنمو المخاطر الأمنية بسبب احتمال وجود سجلات جنائية بين بعض المهاجرين أو فروق ثقافية واجتماعية تؤدي إلى تصاعد التوترات، وقد تؤثر هذه الاتفاقيات سلباً على سمعة الدول المستضيفة، مما يقلل من قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية ويجعلها تبدو كمستودع بشري للمهاجرين غير المرغوب فيهم.

وفي المستقبل، من المرجح أن تستمر سياسة ترحيل المهاجرين نحو أفريقيا، خاصة مع استمرار الضغوط الأميركية، وقد يشمل التوسع دولاً أخرى مثل بنين وزيمبابوي والغابون، فيما سيكون استمرار الظاهرة مرتبطاً بالسياق السياسي داخل الولايات المتحدة، ففي حال استمرار الحزب الجمهوري، قد تتعزز سياسة الترحيل، أما إذا عاد الحزب الديمقراطي، فقد تُراجع أو تُجمّد بعض السياسات المثيرة للجدل.

وعلى المدى المتوسط، قد تواجه هذه السياسة مقاومة متزايدة من الشعوب ومنظمات المجتمع المدني في أفريقيا، خاصة إذا بدأت آثارها الاجتماعية والأمنية تظهر بشكل ملموس، إذ أن استقبال مهاجرين دون أي رابط تاريخي أو قانوني قد يُنظر إليه كمساس بالسيادة الوطنية ويعيد إنتاج خطاب الهيمنة الغربية بصيغة جديدة.

ويُمكن أن يشهد ترحيل المهاجرين من الولايات المتحدة إلى الدول الأفريقية توسعاً خلال السنوات المقبلة، غير أن استمرار هذه الظاهرة يعتمد على قدرة الدول على تحمّل الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومدى التزام واشنطن بوعودها الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى القدرة على حماية سيادة الدول ومصالح شعوبها، مع مراعاة التأثيرات المحتملة على الاستقرار الأمني والاجتماعي والبنية المؤسسية، فضلاً عن الأبعاد الحقوقية والإنسانية التي قد تنشأ في حال استقبال المهاجرين دون إطار تنظيمي واضح، ما قد يؤدي إلى توترات داخلية وانتقادات دولية.

محققي (فرانس ) يميطون اللثام عن صاحب فيدو تعليق امرأة من ذراعيها في السودان؟

أظهر مقطع فيديو تم تداوله على شبكة الإنترنت منذ يوم 10 أيلول/سبتمبر الجاري امرأة سودانية معلقة من ذراعيها على جذع شجرة في إقليم دارفور. وتوفيت هذه المرأة الشابة متأثرة بالجراح التي تعرضت لها جراء هذا التعذيب. وتم تحميل المسؤولية في هذه الحادثة لقوات الدعم السريع، المجموعة شبه العسكرية المتورطة في الحرب الأهلية مع الجيش السوداني، من قبل منظمات غير حكومية ومحققين مستقلين.

إنها صور لا تطاق، ففي مقطع فيديو بلغ طوله 38 ثانية نرى امرأة شابة ترتدي فستانا أحمر وهي معلقة من ذراعيها على جذع شجرة. كما كانت مقيدة من ساقيها. وكانت المرأة تدور حول نفسها. ولمدة ثانيتين تقريبا، تم تغيير كاميرا الهاتف الذي صور به المشهد إلى الكاميرا الأمامية لنرى وجه رجل يرتدي قميصا عسكريا دون أن يظهر أي مشاعر. وتم القول بأن هذا الرجل هو مقاتل في قوات الدعم السريع، أحد أطراف الحرب الأهلية مع الجيش السوداني، وفق ما أكدته عدة حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام.

من هي قوات الدعم السريع، المجموعة شبه العسكرية المناوئة للجيش السوداني؟

صورة ملتقطة من الشاشة من مقطع فيديو يظهر المرأة قسمة علي عمر معلقة على جذع شجرة. وتمت تغطية وجه الضحية من قبل فريق تحرير مراقبون فرانس24. © صورة مراقبون فرانس24

تم تداول هذا المقطع المصور من قبل عدة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تتولى متابعة الحرب الأهلية المستمرة في السودان، وعبرت هذه الحسابات عن تنديدها بهذه الصور وحققت في مصدرها خصوصا حسابات @HkZuk, @EastKordofan و @Sudan_tweet على منصة إكس. وبدأ تداول هذه الصور منذ يوم 10 أيلول/سبتمبر الجاري دون أي ذكر لمصدرها فيما لم يتبين مصدر النسخة الأصلية من مقطع الفيديو. وبالتالي فمن المرجح أنها تسربت ومن غير الممكن تحديد تاريخ دقيق لالتقاطها.

إلا أن عددا كبيرا من وسائل الإعلام ومن المحققين المستقلين عبر شبكة الإنترنت تمكنوا بسرعة من تأكيد أن هذه الضحية تدعى قسمة علي عمر وهو ما أكدته وزارة الدفاع المدني في السودان، التي يديرها الجيش الذي يسيطر على السلطة في البلاد ويواصل قتاله ضد قوات الدعم السريع، وتم تأكيد هذه المعلومة من قبل مجموعة المحامين السودانيين “إيمرجنسي لويرز” في بيان صادر في يوم 12 أيلول/سبتمبر الجاري.

ووفق نفس هذه المصادر، فقد تم اعتقال هذه المرأة الشابة من قبل مقاتلي قوات الدعم السريع التي اتهمتها بأنها مرتبطة بمجموعة متحالفة مع الجيش السوداني. وأكدت هذه المصادر بأن هذه المرأة لقيت حتفها. وقامت عائلة الضحية بنشر نعي لقسمة علي عمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تسارع بحذفه في وقت لاحق. وفي اتصال مع فريق تحرير مراقبون فرانس24، أكد محمد صالح بوناوي وهو عضو في مجموعة المحامين السودانيين “إيمرجنسي لويرز” قائلا:

لا يوجد أي تقرير قضائي مستقل يؤكد بأن موت هذه المرأة جاء مباشرة بعد عملية التعذيب التي تعرضت لها أم أنها أبقيت معلقة هنا، إلا أن مقطع الفيديو يظهر بأن عملية التعذيب هو سبب موتها”.

صور سيلفي بالزي العسكري لقوات الدعم السريع

على الرغم من أنه تبقى معرفة مصدر تسريب مقطع الفيديو صعبة، إلا أن عددا كبيرا من حسابات المحققين عبر شبكة الإنترنت إضافة إلى وسائل إعلام سارعت للتأكيد بأنها تعرفت على هوية الرجل الذي ظهر في مقطع الفيديو. وأشارت إلى حساب باسم عبد الله الصكا على تطبيق تيك توك. وفق وسيلة الإعلام المصرية المختصة في التحقق من الأخبار الكاذبة “متصدقش“، فإن بحثا مع أدوات للتعرف على الوجوه أشارت إلى نفس هذا الحساب.

صورة ملتقطة من الشاشة من حساب عبد الله الصكا على تطبيق تيك توك، وتمت تغطية اسم الحساب من قبل فريق تحرير مراقبون فرانس24.
صورة ملتقطة من الشاشة من حساب عبد الله الصكا على تطبيق تيك توك، وتمت تغطية اسم الحساب من قبل فريق تحرير مراقبون فرانس24. © صورة من تطبيق تيك توك/ فرانس24

وينشر صاحب هذا الحساب منذ يوم 21 نيسان/أبريل 2025 مقاطع فيديو تظهر في معظم الأحيان رجلا يرتدي زيا عسكريا أو بصدد قيادة سيارة رباعية الدفع. وفي كثير من الصور ومقاطع فيديو الفيديو التي نشرها، كان يرتدي زيا عسكريا يحمل شارة قوات الدعم السريع. وفي صور أخرى، يشير هذا الرجل بوضوح إلى نفس هذه المليشيا شبه العسكرية. وعلى الرغم من أنه كان ينشر صورا بشكل شبه يومي منذ نيسان/أبريل الماضي ووصل عددها إلى 143 مقطع فيديو، فإنه لم ينشر أي شيء على شبكة الإنترنت منذ يوم 29 آب/أغسطس الماضي.

نشر هذا الرجل صورة سيلفي وهو يرتدي زيا عسكريا يحمل شارة قوات الدعم السريع عبر حسابه في تطبيق تيك توك. © صورة من تطبيق تيك توك

وردت قوات الدعم السريع على هذه الاتهامات الموجهة إليها في بيان نشر في يوم 11 أيلول/سبتمبر الجاري. وقالت قوات الدعم السريع في بيانها إنها تعرفت على الرجل الذي يلبس “زيا عسكريا معروفا لقواتها” إلا أنها  نفت “بشكل قطعي وجود أي رابط” بين مقاتليها ومقطع الفيديو المتداول وأكدت بأن كل هذا المشهد هو من “اختراع سخيف من قبل وسائل إعلام يهدف إلى تشويه صورة القوات ونشر الاتهامات الكاذبة بارتكاب عمليات تعذيب” وأضاف بيان قوات الدعم السريع بأن “هذه الاتهامات لا علاقة لها بأخلاق منتسبيها”.

وبناء على هذه المقاطع الأخيرة التي نشرت عبر الحساب في تطبيق تيك توك المشار إليه آنفا، فإن منصة “متصدقش” المصرية أكدت أيضا بأن مقطع الفيديو المتداول تم تصويره في منطقة زالنغي وهي عاصمة إقليم دارفور الأوسط. وفي إحدى مقاطع الفيديو التي نشرها، كتب عليه الرجل “سلام من زالنغي” ويظهر الرجل وهو بصدد قيادة عسكرية أمام قاعدة عسكرية كتبت عليها العبارة التالية “قوات الدعم السريع” وذلك بالقرب من جسر في مدينة زالنغي. ويتعلق الأمر بقاعدة عسكرية تابعة سابقا للجيش السوداني والتي يستخدمها الجيش السوداني منذ أن سيطر على هذه المدينة.

صورة ملتقطة من الشاشة من الحساب على تطبيق تيك توك المذكور أنفا  تظهر الرجل أما بناية تحمل عبارات “قوات الدعم السريع”. © صورة من تطبيق تيك توك

في المقابل، على الرغم من أن هذا الرجل صور نفسه على الأرجح بالقرب من الضحية عندما كانت معلقة من ذراعيها على جذع شجرة، إلا أنه لا يوجد أي دليل يؤكد بشكل مستقبل بأنه هو نفسه من قام بتعليقها على الشجرة وإلى أي حد هو مسؤول عن وفاتها.

يسيطر مقاتلو الدعم السريع على منطقة زالنغي منذ خريف سنة 2023، في إطار الحرب الأهلية التي بدأت في يوم 15 نيسان/أبريل من نفس السنة. وتسيطر قوات الدعم السريع على جزء كبير من منطقة دارفور.

“لا يمكن بدء أية ملاحقة قضائية بسبب السيطرة الأمنية التي تفرضها قوات الدعم السريع على المنطقة”

هذا المعطى يصعب أفق فتح تحقيق مستقل في هذا الملف وفق تقدير محمد صالح بوناوي من مجموعة المحامين السودانيين “إيمرجنسي لويرز” الذي يضيف قائلا:

إلى حد اليوم، لم يتم فتح أي تحقيق مستقل ولا يمكن بدء أية ملاحقات قضائية على المستوى المحلية وذلك بسبب السيطرة الأمنية التي تفرضها قوات الدعم السريع على المنطقة. والخلاصة التي توصلت إليها مجموعة “إيمرجنسي لويرز” هي بالتالي نتيجة عمل توثيق قضائي وإعلامي مباشر عن هذه الحادثة. هذه الجريمة تندرج في إطار صورة متكررة لانتهاكات حقوق الإنسان المتكررة من قبل قوات الدعم السريع بحق المدنيين بالخصوص ضد النساء والجماعات الأكثر هشاشة”.

وفق مجموعة المحامين السودانيين “إيمرجنسي لويرز”، فإن عملية تعذيب قسمة علي عمر يجب أن تصنف كجريمة ضد الإنسانية.

في أوائل شهر أيلول/سبتمبر الجاري، فإن البعثة المستقلة لتوثيق الأحداث في السودان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة تقدر بأن الجيش وقوات الدعم السريع متورطون في جرائم حرب.

ويكشر فريق تحرير مراقبون فرانس حسابات @HkZuk@EastKordofan و @Sudan_tweet على منصة إكس للمساعدة التي قدموها ولعملهم التحقيقي حول هذه الحادثة.

محلل اقتصادي: جهات متنفذة تواصل تصدير الذهب في السودان خارج القنوات الرسمية رغم الحظر

راديو دبنقا

في إطار جهودها للحد من تهريب الذهب وتعزيز الرقابة على قطاع التعدين، أصدرت السلطات السودانية سلسلة من الإجراءات التنظيمية، كان آخرها القرار الصادر يوم الأربعاء بتشكيل قوة مشتركة تتولى مهمة مكافحة تهريب المعادن وحماية مناطق الامتياز المخصصة للشركات العاملة في مجال التعدين من التعديات. هذا القرار يأتي في سياق تحركات أوسع تقودها لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، والتي أقرت في وقت سابق إنشاء نافذة موحدة لتداول الذهب.

حظر التداول

بالتوازي مع هذه الخطوات، أصدر بنك السودان المركزي قراراً يقضي بحظر شراء وتصدير الذهب من قبل الشركات أو من إنتاج التعدين الأهلي ومخلفات الشركات، وحصر هذه العمليات حصرياً في البنك المركزي أو الجهات التي يفوضها رسمياً. وأوضح البنك في بيان صدر يوم الإثنين أن شراء وتصدير “الذهب الحر” الناتج عن التعدين الأهلي أو مخلفات الشركات سيتم عبر بنك السودان فقط، وفقاً لأسعار البورصة العالمية والسعر المحلي السائد، على أن تتولى شركة مصفاة السودان للذهب تنفيذ عمليات الشراء.

ضوابط مصرفية

القرار منح المصارف صلاحية استكمال الإجراءات المصرفية المتعلقة بتصدير الذهب لأغراض التصنيع أو إعادة التصدير، بشرط الالتزام بجملة من الضوابط، من بينها الحصول على موافقة وزارة الصناعة والتجارة، واستخراج شهادة من هيئة المواصفات والمقاييس، وتقديم شيك مصرفي أو خطاب ضمان بنكي يعادل قيمة الذهب، مع إلزامية إعادة الذهب المصدر خلال فترة لا تتجاوز شهراً من تاريخ الشحن.

خلفية اقتصادية

المحلل الاقتصادي والكاتب الصحفي كمال كرار اعتبر أن الدافع الأساسي وراء قرار حظر شراء وتصدير الذهب عبر البنك المركزي يعود إلى فقدان نحو 80% من مصادر إيرادات الميزانية، مشيراً إلى أن الجزء المتبقي يعتمد على الضرائب ورفع التعرفة الجمركية. وأوضح أن البنى التحتية للإنتاج الزراعي والصناعي معطلة أو مدمرة، ما يجعل الذهب المورد الوحيد المتاح أمام السلطة الحاكمة في بورتسودان، التي تسعى للسيطرة على صادراته لضمان الحصول على عملة حرة.

تمويل عسكري

كرار أشار إلى أن التركيز على الذهب يرتبط بالحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الإنفاق العسكري، الذي يعتمد بشكل كبير على العملة الصعبة لاستيراد السلاح. ونقل عن وزارة المالية قولها إن الحاجة ليست للعملة المحلية بل للعملات الأجنبية، وهو ما يفسر توجه الحكومة نحو احتكار عمليات شراء وتصدير الذهب.

مسارات غير رسمية

ورأى كرار أن القرار لن يحقق الاستقرار الاقتصادي أو النقدي، لأن قطاع التعدين الأهلي والمنظم كان يعمل عبر مسارات غير رسمية. وأوضح أن الإنتاج والتصدير يتمان غالباً خارج القنوات الرسمية، وأن الذهب لا يصل عادة إلى المصفاة التي يفترض أن تتولى شراءه. وأكد أن شركات الامتياز والشركات العسكرية المتنفذة لديها منافذ خاصة لتصدير الذهب، ما يجعل بنك السودان عاجزاً عن السيطرة على أكثر من 20% من الإنتاج، بينما يبقى 80% خارج متناول الجهات الرسمية.

غياب الدولة

كرار شدد على أن الأزمة لن تُحل ما دامت الدولة غائبة عن دائرة الإنتاج، وأن ملكية الذهب تظل حصرية لشركات الامتياز أو للتعدين الأهلي، الذين يفضلون البيع لمن يدفع أكثر، وغالباً ما يكون المشترون وسطاء مرتبطين بالتهريب. وأشار إلى أن ارتفاع قيمة الجنيه مقابل الذهب لا يمر عبر القنوات الرسمية، بل عبر من يدفع أعلى سعراً، في منظومة ترتبط بعلاقات مع جهات رسمية وتحقق أرباحاً يصعب على بنك السودان منافستها.

طباعة العملة

وأوضح كرار أن بنك السودان يلجأ لطباعة العملة المحلية لشراء الذهب، وهو ما يؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه. وقال إن البنك ليس جهة تجارية أو صناعية تحقق أرباحاً، بل يطبع الجنيه السوداني لشراء الذهب، ويقنع المنتجين بأن السعر مطابق للسعر العالمي، لكنه يدفع بالعملة المحلية، ما يدفع كثيراً من المنتجين إلى رفض هذه المعادلة وتفضيل التصدير عبر الطرق التي تضمن لهم الحصول على العملة الصعبة.

تأثير محدود

واستبعد كرار أن يكون للقرار تأثير كبير على المستثمرين، مؤكداً أن قطاع التعدين غير خاضع للقرارات الرسمية، وأن صغار المعدنين يبيعون لسماسرة مرتبطين بالتصدير والتهريب، ولا توجد جهة تلزمهم ببيع إنتاجهم لبنك السودان. وأشار إلى أن الدولة غير مشاركة في عمليات الإنتاج، وأن مسارات البيع والتصدير متعددة، حتى في السوق المحلي، حيث يصل الذهب الخام إلى المصنّعين بطرق مشابهة لطرق التهريب.

تجارة موازية

كرار أوضح أن التفاوض الذي كان يتم “فوق الطاولة” صار الآن “تحت الطاولة”، وأن التجارة المحلية للذهب ستستمر بالتوازي مع التصدير عبر التهريب. وقال إن بنك السودان سيكتشف في نهاية المطاف أن الأموال التي طُبعت لشراء الذهب لم تؤدِ إلى نتائج اقتصادية ملموسة، بل زادت من المعروض النقدي، ما تسبب في ارتفاع أسعار السلع وتدهور القوة الشرائية للجنيه السوداني.

تجربة متكررة

ورأى كرار أن فكرة شراء الذهب بالعملة المحلية يمكن أن تنجح فقط إذا خضع المنتجون للقرارات الرسمية وتلقوا مدفوعاتهم بالعملة الصعبة وفقاً للسعر العالمي، لكن الواقع يشير إلى أن الحكومة تعيد تجربة سابقة أثبتت فشلها. واقترح إنشاء بورصة خاصة بالذهب على غرار البورصات العالمية، في بورتسودان أو الخرطوم، يتم توريد الذهب إليها وتُتاح فرصة الشراء بالعملات الحرة، ما يضمن دخول النقد الأجنبي إلى السودان وتوفير العملة الصعبة لبنك السودان.

كرار أضاف أن موقف بنك السودان يتمثل في رغبته في شراء الذهب بالجنيه السوداني ثم تصديره للحصول على العملة الحرة، بينما يحق للمنتج أن يبيع بالدولار مباشرة. ورأى أن تطبيق القرار على أرض الواقع شبه مستحيل، مشيراً إلى إمكانية الالتفاف عليه عبر استغلال نصوص تسمح بتصدير الذهب لأغراض إعادة التصنيع دون إعادته فعلياً، ما يفتح باباً للفساد.

استثناءات الشركات

وأوضح كرار أن القرار يخص “الذهب الحر” الناتج عن التعدين الأهلي ومخلفات الشركات، ولا يشمل شركات الامتياز الأجنبية التي تحتفظ بحق تصدير كامل إنتاجها مقابل دفع العوائد والضرائب. وأشار إلى أن هذه الشركات لا تخضع للقرار، بينما يشمل السودانيين العاملين في التعدين الأهلي، ما يخلق حالة من التمييز في تطبيق السياسات.

حسابات التصدير

وفي سياق القرارات السابقة، ذكر كرار أن بنك السودان كان يشترط وضع الذهب في حسابات بنكية تجارية تُعرف بـ”حساب صادر”، يتم التصرف فيها لعمليات استيراد أو البيع للبنك. لكن الذهب الذي دخل هذه الحسابات كان ضئيلاً مقارنة بالكميات المهربة، ولم يكن هناك التزام فعلي بتطبيق النصوص، ما أبقى السوق الموازي قائماً في تجارة العملة.

كرار خلص إلى أن الخزينة المركزية وبنك السودان لم يستفيدا من الإجراءات السابقة، وأن التجربة الحالية تعيد أخطاء الماضي. وأكد أن المشكلة ليست في رغبة البنك في الشراء، بل في توفر الذهب نفسه عبر القنوات الرسمية. وأشار إلى أن إنشاء مصفاة للذهب لن يغيّر الواقع طالما بقيت معظم الكميات خارج نطاق السيطرة الرسمية.

قيود دولية

أشار كرار إلى أن أحد شروط برنامج صندوق النقد الدولي هو عدم تدخل الدولة في قطاع التعدين، ما يشكل قيداً على إجراءات تقييد قطاع التعدين الأهلي. ومع ذلك، تميل الدول إلى اتخاذ قرارات استثنائية في ظل الحرب والضائقة المالية، حيث تغيب الميزانية ويضعف الاقتصاد، وتغيب الدولة عن المشهد الإنتاجي.

كرار اعتبر أن محاولة البنك المركزي فرض القرار على المنتجين المحليين، بينما تحتفظ شركات الامتياز بحقوقها وفق الاتفاقيات، يمثل نوعاً من التعسف. وأكد أن التهريب ليس ظاهرة جديدة، بل مستمرة منذ سنوات، وأن القرارات المماثلة جُرّبت وفشلت.

وفي ختام حديثه، شدد كرار على أن مهمة البنك المركزي لا تقتصر على إصدار العملة، بل تشمل الرقابة على السياسة النقدية والبنوك التجارية. لكنه أشار إلى أن هذا الدور أصبح ضعيفاً جداً، ما يظهر في نقص الاحتياطي المطلوب لدى البنوك، والاستثناءات الواسعة، وغياب الرقابة على حصائل صادر الذهب، حيث تتصرف البنوك التجارية بحرية دون أي رقابة فعلية.

الضحايا في الفاشر يدفنون بلا أكفان وسط حصار خانق ومتواصل

الفاشر- تحول الموت إلى مشهد يومي يعكس انهيارا إنسانيا غير مسبوق في مدينة الفاشر، فبينما تتراكم الجثث في الشوارع وتحت الأنقاض، يواصل السكان دفن أحبائهم بما توفر من أقمشة بالية أو ملابس ممزقة أو بأكياس بلاستيكية، وسط حصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع منذ أكثر من عامين.

ومنذ 10 يونيو/حزيران 2024، تعيش الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان تحت حصار مشدد، حال دون دخول الغذاء والدواء، وأدى إلى انقطاع شبه كامل في الخدمات، بما في ذلك مستلزمات الدفن الأساسية.

تقول أم أحمد، وهي أرملة فقدت اثنين من أبنائها في قصف عنيف، للجزيرة نت “لففت جسد ابني بعباءتي القديمة، لم يكن لدي خيار آخر، لم أكن أتخيل أن يأتي يوم لا أجد فيه كفنًا لدفنه”، وتضيف “حتى القبور نحفرها بأدوات مطبخ، لا توجد معاول ولا جرافات، نحن نعيش في زمن الموت البائس”.

آثار الدمار التي لحقت بالمستشفى السعودي آخر مستشفيات مدينة الفاشر (مواقع التواصل)

انهيار صحي

بات المستشفى الوحيد العامل في المدينة عاجزًا عن الاستجابة للكارثة، وتقول مديرة الصحة بشمال دارفور الدكتورة خديجة موسى للجزيرة نت “نستقبل يوميًّا ما بين 100 إلى 200 إصابة أثناء الاشتباكات، ولا توجد ثلاجات لحفظ الموتى، ولا أكفان، ولا حتى أكياس بلاستيكية”.

وتضيف مديرة الصحة بشمال دارفور “نستخدم الثياب لتضميد الجراح بدلًا من الشاش، ونواري الجثامين بما يرتديه الأطباء أثناء العمليات”.

وفي السياق ذاته، أفاد الشيخ حسن بدوي، مؤذن مسجد الفاشر العتيق، للجزيرة نت بأنهم يضطرون أثناء الاشتباكات إلى دفن ما لا يقل عن 50 قتيلا في كل مرة، معظمهم في مقابر جماعية، نتيجة استمرار القصف وانعدام مستلزمات الدفن.

وقال “القصف لا يتوقف، والناس يحفرون القبور بسرعة وبأدوات بدائية، وغالبًا ما يُدفن الضحايا في أكياس بلاستيكية بدلًا من الأكفان”، وأضاف “قبل أيام، دفنا 4 أشخاص في قبر واحد، بعضهم لم يكن جسده مكتملا، كانوا مجرد أشلاء”.

ومع تزايد عدد القتلى، امتلأت المقابر عن آخرها، حيث يقول الشيخ محمد عبد الرحمن، إمام مسجد حي الرديف سابقًا للجزيرة نت إن “مقبرة حي أبو شوك غرب المدينة استقبلت خلال هذا الشهر أكثر من 150 جثة، وهو رقم يفوق طاقتها بـ3 أضعاف”.

ويضيف “نضطر أحيانًا إلى دفن أكثر من جثة في قبر واحد، أو نبحث عن أراضٍ مهجورة لدفن الموتى، هذا أمر لم نشهده حتى في أسوأ سنوات الحرب”.

أرقام مفزعة

وفقًا لتقديرات محلية، تجاوز عدد القتلى في الفاشر منذ اندلاع الهجمات 10 آلاف شخص، معظمهم من المدنيين، ويقول مدير عام وزارة الصحة السابق إبراهيم خاطر إن “عدد القتلى خارج المدينة يفوق هذا الرقم، خاصة في أعقاب الهجمات المتكررة على القرى المحيطة”.

ويضيف خاطر، في حديث للجزيرة نت، “هناك جثث مجهولة الهوية لم يتمكن أحد من التعرف عليها بسبب تحللها أو تفحمها، وبعضها في القرى لم يُدفن حتى الآن”.

وتشير إفادات مسؤولين صحيين إلى أن نحو 70% من هؤلاء القتلى، قد دُفنوا بلا أكفان، نتيجة الانعدام الكامل لمستلزمات الدفن، ويؤكد هذا أحد أطباء قسم الطوارئ -فضل عدم ذكر اسمه- للجزيرة نت “حتى الذين يُقتلون دفاعًا عن المدينة لا نجد لهم كفنًا لائقًا، نضطر أحيانًا إلى استخدام الأكياس البلاستيكية التي كانت مخصصة للنفايات الطبية، لكنها نفدت أيضًا، الوضع تجاوز كل الخطوط الحمراء”.

صور من الأقمار الصناعية توضح توسع المقابر في الفاشر (موقع مختبر جامعة ييل)

مراقبة من الفضاء

وفي 30 أغسطس/آب 2025، صرّح ناثانيال ريموند، مدير مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأميركية على الموقع الرسمي للمختبر، بأنهم “يراقبون مقابر مدينة الفاشر من الفضاء باستخدام الأقمار الصناعية، ويحصون أعداد الموتى التي تتزايد بشكل كبير”.

وأضاف “لقد تمكن محققو جرائم الحرب من توثيق الفظائع واحدة تلو الأخرى، في ظل تشديد قوات الدعم السريع شبه العسكرية قبضتها على المنطقة”.

وفي حديثه للجزيرة نت، وصف الدكتور عبد الناصر سالم، الخبير في حقوق الإنسان ومدير برنامج شرق أفريقيا بمركز فوكس للأبحاث في السويد، ما يجري في الفاشر بأنه “انهيار أخلاقي وإنساني شامل”، مؤكدًا أن دفن الجثث في أكياس بلاستيكية وسط الحصار يُعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف.

وأضاف أن استخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين يرقى إلى جريمة حرب، مشددًا على أن “صمت المجتمع الدولي لا يعكس فقط الفشل، بل يكرّس التواطؤ في استمرار المأساة”.

الفريق الطبي لآخر مستشفى مدني في الفاشر (مواقع التواصل)

ردود غائبة

ورغم تفاقم الأزمة، لم تصل أي مساعدات غذائية أو طبية إلى الفاشر منذ نحو عامين، وقال برنامج الأغذية العالمي في منشور على صفحته الرسمية في موقع “فيسبوك” إن “العائلات في المدينة تعتمد على التحويلات النقدية للبقاء، لكن الحاجة مُلحّة لإيصال المواد الغذائية”.

وأضاف أن “البرنامج حصل على الموافقات اللازمة من مفوضية العون الإنساني الحكومية، لكنه لا يزال ينتظر تأكيدًا من قوات الدعم السريع للسماح بمرور المساعدات”.

ويصف خبراء محليون في القانون الدولي الإنساني الوضع بأنه “انتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف”، مشيرين إلى أن “عدم دفن الموتى بكرامة يُعد جريمة ضد الإنسانية، ويعكس إستراتيجية ممنهجة لخلق ظروف معيشية قاتلة”.

وتأتي هذه الكارثة في سياق الحرب المتواصلة في السودان منذ 15 أبريل/نيسان 2023، حيث تمكنت قوات الدعم السريع من تعزيز سيطرتها على جميع ولايات دارفور باستثناء شمالها، مع ارتكاب فظائع وانتهاكات ممنهجة، وفقًا لتقارير أممية وشهادات محلية.

المصدر: الجزيرة

هل يكون إدراج “إخوان” السودان على لائحة الإرهاب الخطوة الأميركية التالية

الخرطوم – لا تستبعد أوساط سياسية سودانية إمكانية إدراج الولايات المتحدة لجماعة الإخوان المسلمين والمجموعات المرتبطة بها على لائحة الإرهاب، في ظل قناعة سائدة بأن الجماعة هي من تقف حجر عثرة أمام التوصل إلى تهدئة إنسانية تمهد الطريق لمفاوضات تسوية في البلاد.

وتبني هذه الأوساط فرضيتها على الإشارة الواضحة التي تضمنتها المبادرة المعروضة من الرباعية الدولية، مؤخرا، والتي تنص على أن “مستقبل السودان لا يمكن أن تُمليه الجماعات المتطرفة العنيفة التي تنتمي أو ترتبط بشكل موثق بجماعة الإخوان المسلمين، التي أدى نفوذها المزعزع للاستقرار إلى تأجيج العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.”

وتزامنت مبادرة الرباعية التي قدمت الجمعة، وهدفها عرض هدنة إنسانية في السودان لمدة ثلاثة أشهر، مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية عن حزمة عقوبات جديدة بحق شخصيات وكيانات متورطة في الحرب السودانية، شملت كتيبة “البراء بن مالك”، التي تعد الذراع العسكرية الأبرز لجماعة الإخوان.

وتقول الأوساط إن الولايات المتحدة ذاقت ذرعا بسلوك “الإخوان” في السودان، وأن الدوائر الأميركية باتت ترى بضرورة تشديد الضغوط على الجماعة لكونها الطرف الرئيسي المعرقل للسلام في البلاد.

الدوائر الأميركية باتت ترى بضرورة تشديد الضغوط على جماعة الإخوان لكونها الطرف الرئيسي المعرقل للسلام في السودان

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أكدت على أنها ستستخدم كافة أدواتها لضمان عدم عودة جماعة الإخوان إلى السلطة في السودان. وأشارت إلى أن الجماعة لعبت دورا محوريا في تقويض الحكومة الانتقالية المدنية السابقة، وعرقلة الاتفاق الإطاري، كما ساهمت في اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

وأضافت الوزارة أن “المتشددين” يواصلون تعطيل الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وإنهاء النزاع.

وقبضت جماعة الإخوان المسلمين على مفاصل الحكم في السودان لعقود طويلة، عبر ذراعها السياسي حزب المؤتمر الوطني قبل أن تنهار سلطتها في العام 2019 عبر انتفاضة شعبية، ويجري حل الحزب وسجن رموزه.

لكن الجماعة سرعان ما نجحت في التسلل إلى المشهد السوداني مجددا، مستغلة التنافس داخل السلطة الانتقالية والطموحات الكبيرة لقائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وقد لعبت الجماعة دورا بارزا في الانقلاب الذي قاده الجيش ضد الحكومة المدنية بقيادة عبدالله حمدوك في العام 2021.

وفي خطوة منها لقطع الطريق على تسلم المدنيين السلطة، تحت ضغط من المجتمع الدولي، عمدت الجماعة إلى دفع قيادة الجيش للدخول في مغامرة عسكرية ضد قوات الدعم السريع.

وعملت جماعة الإخوان على إجهاض كل التحركات والمبادرات الدولية والإقليمية للتسوية بسبب سيطرتها على مفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية، وحتى السلطة التنفيذية.

ويرى مراقبون أن قرار إدراج جماعة الإخوان على لائحة الإرهاب، قد تكون الخطوة التالية بعد بيان الرباعية، والعقوبات التي فرضت على إحدى أبرز الكتائب المسلحة الموالية للجماعة.

ويشير المراقبون إلى أن هذه الخطوة قد تخفف العبء على قيادة الجيش وتجعلها تنخرط فعليا في جهود السلام، في ظل صعوبة حسمها عسكريا أمام الدعم السريع.

وقال الكاتب والمحلل السياسي الطيب الزين إن رفض الجيش السوداني لدعوة المجموعة الرباعية يعكس بوضوح أن المؤسسة العسكرية لا تزال واقعة تحت تأثير فلول النظام السابق، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان المسلمين المعروف محلياً بـ”الكيزان”.

واعتبر الزين في تصريحات صحفية أن عرقلة التسوية السياسية ليست مجرد مناورة تكتيكية، بل هي امتداد لمحاولات اختطاف الدولة ومنعها من التعبير عن إرادة شعبها في حياة حرة كريمة.

وشدد المحلل السياسي على أن بناء السودان الجديد يبدأ بكسر قبضة الإخوان على مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، وإعادة توجيه البوصلة نحو دولة مدنية تحترم الإنسان وتخدمه.

وانتقدت الحكومة السودانية الموالية للجيش، الأحد العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على كتيبة البراء بن مالك.

في خطوة لقطع الطريق على تسلم المدنيين السلطة، تحت ضغط من المجتمع الدولي، عمدت الجماعة إلى دفع قيادة الجيش للدخول في مغامرة عسكرية ضد قوات الدعم السريع

ونقلت وكالة الأنباء السودانية “سونا” عن بيان وزارة الخارجية السودانية “إن حكومة السودان تود أن تشير إلى أن مثل هذه الإجراءات الأحادية لا تساعد في تحقيق الغايات المنشودة في بيان الخزانة من تحقيق للسلام في السودان والمحافظة على السلم والأمن الدوليين.”

وتابع البيان أن “حكومة السودان تؤكد أن أفضل الطرق لمعالجة الأزمات يعتمد في الأساس على الانخراط المباشر وعدم الاعتماد على افتراضات تروج لها بعض الجهات التي تحمل أجندة سياسية خاصة لا تخدم المصالح العليا للشعب السوداني.”

وأضاف أن “الحكومة تشير في هذا الخصوص إلى أن تحقيق السلام في السودان ربما يكون غاية مشتركة للمجتمعين الإقليمي والدولي ولكنه في المقام الأول شأن سوداني مبني على تطلعات الشعب بكافة مكوناته، وأن حكومة السودان هي المسؤولة عن تحقيق هذه التطلعات عبر كل الوسائل بما فيها الانخراط والعمل المشترك مع كافة الجهات في إطار احترام السيادة الوطنية.”

وإلى جانب كتيبة البراء بن مالك، أعلنت الولايات المتحدة يوم الجمعة عقوبات على وزير المالية جبريل إبراهيم.

وفي بيان، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن العقوبات تستهدف “جهات فاعلة إسلامية سودانية،” وهما إبراهيم والكتيبة، “لتورطهما في الحرب الأهلية الوحشية في السودان وصلاتهما بإيران.”

وأضاف البيان أن العقوبات “تهدف إلى الحد من النفوذ الإسلامي داخل السودان وتقليص الأنشطة الإقليمية لإيران،” والتي قال إنها ساهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي والصراع ومعاناة المدنيين.

يشار إلى أن إبراهيم هو زعيم حركة العدل والمساواة، وهي جماعة مسلحة من دارفور وقعت اتفاق سلام مع الحكومة السودانية في عام 2020 وتقاتل الآن إلى جانب الجيش.

ويتهم ابراهيم بالدوران في فلك جماعة الإخوان المسلمين.

العالم يريد من السودانيين المؤمنين بالديمقراطية أن يتحدوا لتشكيل أوسع جبهة مدنية

الخرطوم – بعد مرور نحو عامين ونصف العام على اندلاع القتال في السودان بين الجيش السوداني والدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (المعروف باسم حميدتي)، أصبح هذا الصراع يهدد بتقسيم السودان بعد أقل من 15 عاما على انفصال جنوبه وإعلانه دولة مستقلة باسم جنوب السودان.

ورغم تصاعد مخاطر الصراع الدامي في السودان فإنه مازال لا يحظى بالاهتمام الدبلوماسي ولا الإعلامي الدولي اللازم رغم أنه تسبب في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح أكثر من 14 مليون شخص عن منازلهم هربا من القتال.

وقالت ديم روزاليند مارسدن، الدبلوماسية البريطانية سابقا والزميل المشارك في برنامج أفريقيا في تحليل نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس) إن هناك أسبابا عديدة تفرض على الحكومات الغربية منح التعامل مع الصراع في السودان أولوية قصوى.

وإلى جانب الكارثة الإنسانية، هناك أمن البحر الأحمر الذي تهدده خطط روسيا لإقامة قاعدة بحرية على سواحله والوجود الإيراني المتزايد في ميناء بورت سودان، وثمة احتمال تحول السودان مرة أخرى إلى دولة فاشلة وتصبح ملاذا للجماعات الإرهابية ومصدرا للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

لا يمكن تحقيق سلام مستدام في السودان دون إستراتيجية سياسية منسقة ومتسقة، ودعم كامل من الشركاء الدوليين

ويعني هذا أن إنهاء الحرب والوصول إلى سلام مستدام وقيام دولة ديمقراطية مدنية مستقرة في السودان هي مصلحة عليا للغرب في المقام الأول.

وفي الوقت نفسه تعتبر الحرب الأهلية في السودان أزمة إقليمية أوسع نطاقا، تزعزع استقرار جيرانه المباشرين وتهدد بخلق محور عدم استقرار يربط منطقة الساحل بالقرن الأفريقي المضطرب والشرق الأوسط الأوسع نطاقا.

كما أن حرب السودان ليست مجرد صراع على السلطة والثروة بين الأطراف المتحاربة وداعميها الإقليميين، وإنما أيضا هي حرب مضادة للثورة، بهدف تبديد إنجازات الثورة السودانية السلمية في 2019-2018 وعرقلة طريق التحول الديمقراطي الحقيقي.

وترى ديم روزاليند أن الحرب الأهلية متجذرة بعمق في تاريخ السودان الطويل من الصراعات الداخلية، بما في ذلك عسكرة السياسة والاقتصاد، وثلاثة عقود من الحكم الإسلامي وثقافة الإفلات من العقاب – وهي العوامل التي دفعت كلا من الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة وحميدتي إلى الانقلاب على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021، مما أنهى التحول الديمقراطي وزرع بذور الحرب الحالية.

وأدت الفظائع واسعة النطاق التي ارتكبتها الأطراف المتحاربة وإضفاء الطابع العرقي على الحرب بشكل متعمد، بما في ذلك استخدام خطاب الكراهية والتضليل، إلى زيادة الاستقطاب الاجتماعي، مما دفع الكثير من الناس إلى الانحياز إلى طرف من أطراف الصراع.

ومع ذلك، لا تزال الروح الثورية حية، وخاصة بين الشباب والنساء.

ويتطوع الآن العديد ممن احتجوا خلال الثورة في غرف الاستجابة للطوارئ التي كانت حجر الأساس للاستجابة الإنسانية للمجتمعات المحلية في غياب الحكومة الفاعلة أو المساعدات الدولية.

لكن الأطراف المتحاربة سعت إلى تعميق الخلافات بين الجهات المدنية الفاعلة، وهو ما يفرض على تحالف صمود الذي يواجه انتقادات عديدة، أن يزيد تواصله مع مختلف الدوائر داخل البلاد، وأن يكثف جهوده لمواجهة الدعاية ذات الطابع الإسلامي.

وإذا كان للمدنيين المؤيدين للديمقراطية أن ينتصروا على المسلحين، فعلى مختلف الجماعات المدنية بذل المزيد من الجهود للتوحد في جبهة مدنية واسعة ترتكز على مبادئ مشتركة.

وسيساعد هذا في إقناع المجتمع الدولي بدعمها بقوة أكبر، وتعزيز قدرتها على التواصل مع الدول الإقليمية المؤثرة، والأهم من ذلك، توحيد المدنيين حول سودان موحد غير خاضع لسيطرة عسكرية.

وبحسب ديم روزاليند فإن عودة انخراط الولايات المتحدة في الملف السوداني ضرورة، باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على إقناع حلفائها الإقليميين بالضغط على حلفائهم في السودان لوقف القتال.

الأطراف المتحاربة تسعى إلى تعميق الخلافات بين الجهات المدنية الفاعلة، وهو ما يفرض على تحالف صمود أن يزيد تواصله مع مختلف الدوائر داخل البلاد

كما أن احتمال عودة التيار الإسلامي المتشدد المرتبط بفترة الرئيس السابق عمر البشير يجب أن يثير قلق الدول العربية التي ترى في جماعة الإخوان المسلمين بمختلف فروعها تهديدا لأمنها القومي.

ويشير الاجتماع الذي عقد في سويسرا في 11 أغسطس بين كبير مستشاري الولايات المتحدة لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، والفريق أول عبدالفتاح البرهان، بوساطة قطرية، وفقا لبعض التقارير، إلى أن الولايات المتحدة تجري اتصالات مباشرة لمحاولة التوسط في وقف إطلاق النار. لكن فرص نجاح هذه المحاولة تبدو ضئيلة، إذ يعيد كلا الطرفين المتحاربين تسليح وتجنيد وتدريب آلاف المقاتلين الجدد.

وقد سعى البرهان إلى تعزيز سيطرته من خلال إصدار أوامر بوضع الميليشيات التي تقاتل إلى جانب الجيش تحت القيادة المباشرة للقوات المسلحة السودانية، وإعادة توزيع الضباط الإسلاميين؛ بينما شدد حميدتي من خلال قواته (الدعم السريع) حصار مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور، على الرغم من دعوات الأمم المتحدة والجهات المانحة المشتركة إلى هدنة إنسانية للسماح بوصول المساعدات إلى سكان المدينة الذين يعانون من المجاعة.

والأولوية الأشد إلحاحا الآن هي إنقاذ الأرواح بإسكات البنادق، وحماية المدنيين، ومعالجة الأزمة الإنسانية. وفي الوقت نفسه، من المهم ألا ينخدع الوسطاء الدوليون بفكرة الحلول السريعة، فاتفاق تقاسم السلطة بين الأطراف المتحاربة لن يؤدي إلى سلام مستدام.

وفي الوقت نفسه ينبغي على السودانيين المؤمنين بالديمقراطية أن يتحدوا لتشكيل أوسع جبهة مدنية ممكنة، وأن يعملوا على صياغة أجندة سلام مشتركة، ويجب دعمهم في ذلك. كما تنبغي استشارة المدنيين منذ البداية بشأن تصميم عملية السلام، بدءا بوقف إطلاق نار إنساني من شأنه توسيع مساحة العمل المدني، وفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة، يمكن للمدنيين الديمقراطيين أن يلعبوا فيها دورا مهما.

لكن لا يمكن تحقيق أي من هذه الأهداف دون إستراتيجية سياسية منسقة، ودعم كامل من الشركاء الدوليين الذين يؤمنون بنفس قيم الديمقراطية. وعلى هؤلاء الشركاء استغلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستبدأ خلال الشهر الحالي بإحياء الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء حرب السودان وحشد الدعم لقواه المدنية.

صراعات وتضامن وآلاف الضحايا – كواليس بناء سد النهضة الإثيوبي

آلاف الضحايا ومليارات الدولارات وصراعات وأزمات سياسية وأسرار أخرى تحيط ببناء سد النهضة الإثيوبي الكبير. فكيف تم بناؤه؟ ومن موّله؟ ولماذا يُثير هذا المشروع الضخم كل هذا الجدل والقلق لدى دول الجوار: مصر والسودان؟

بالتزامن مع احتفال إثيوبيا بافتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير، أكبر سد في أفريقيا، أثار تقرير محلي ضجة واسعة حول عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم أثناء عملية بناء السد.

وأفاد التقرير أن حوالي 15 ألف شخص على الأقل قضوا خلال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، الذي استغرق 14 عاماً، والذي بلغت تكلفته حوالي 5 مليارات دولار أي ما يعادل 4.2 مليار يورو.

وفي مقابلة معDW  لم يستطع هابتامو إيتيفا، وزير المياه والطاقة الإثيوبي من تأكيد أو نفي هذه الادعاءات، وقال لـ DW: “فيما يتعلق بالأرقام المذكورة، فإن السؤال خاطئ، والإجابة خاطئة أيضاً”، وأضاف: “للحصول على معلومات حول هذا الأمر، عليك الذهاب إلى المؤسسات ذات الصلة”.

من بين الوفيات يبرز اسم سيمغنيو بيكيلي، مدير مشروع سد النهضة السابق. وما يثير الشكوك حول الأمر هو وفاته في ظروف غامضة، إذ تم العثور عليه مصاباً بطلق ناري في سيارته في وسط العاصمة أديس أبابا عام 2018، مما أثار التكهنات باغتياله على خلفية بناء السد.

وتشمل الوفيات المبلغ عنها أيضاً مهندسين وعمالاً وقوات أمن وسائقين وسكاناً، ساهموا في بناء السد أو دعموا ذلك بطريقة أو بأخرى.

كيف مولت إثيوبيا بناء السد؟

لم تتلقَ إثيوبيا أي مساعدات مالية دولية من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو حتى بنك التنمية الأفريقي أو غيرها لبناء سد النهضة الكبير؛ بسبب حساسية السد الجيوسياسية، ولهذا أصدرت إثيوبيا سندات حكومية، وحشدت تبرعات عامة، وشجعت موظفي الخدمة المدنية على المساهمة بجزء من رواتبهم لجمع الأموال لبنائه.

قيام الإثيوبيين بالمساهمة في بناء السد من خلال شراء السندات والتبرعات؛ أدى إلى توحيدهم على الرغم من انقساماتهم السياسية والعرقية والاقتصادية.

وإلى جانب الجهود المحلية اقترضت إثيوبيا من الصين لإنشاء البنية التحتية للسد، مثل خطوط نقل الطاقة والتوربينات، إلا أن البناء الأساسي لجدار السد كان ممولاً ذاتياً بالكامل.

اعتماد إثيوبيا الكبير على التمويل المحلي مكّنها من فرض سيطرتها الكاملة على السدّ، وهو ما يعدّ نموذجاً يُحتذى به، وقال جيديون أسفاو، رئيس اللجنة الفنية لفريق التفاوض الإثيوبي لـ DW: “عندما تأتي بعض الدول الأفريقية إلى هنا، فإنها تتساءل كيف حشدنا المجتمع لتمويل بناء مثل هذا السد”.

بناء السد أثار مخاوف مصر والسودان

تحدثت دولتا المصب: مصر والسودان، عن مخاوف من أن السد قد يؤثر على إمداداتهما المائية من نهر النيل، فتخشى مصر التي تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل للحصول على المياه العذبة من أن يقلل سد النهضة من حصتها المائية، الأمر الذي يشكل تهديداً وجودياً لها، والمخاوف نفسها موجودة لدى السودان.

وحتى مع استمرار المفاوضات بين الدول الثلاث لسنوات طويلة إلا أنها فشلت في التوصل إلى اتفاق لتقاسم مياه النهر.

ومع ذلك رفضت إثيوبيا هذه المخاوف، وأكدت التزامها بـ”وثيقة سد النهضة”، وهي اتفاقية إعلان مبادئ بين مصر وإثيوپيا والسودان حول مشروع السد، تم التوقيع عليها عام 2015، وبموجبها تشارك إثيوبيا التحديثات باستمرار مع الدول المجاورة.

وقال إيتيفا لـ DW: “نعتقد أن هذا السد للجميع، وإثيوبيا مستعدة لأي نقاش”، وأضاف أن إثيوبيا قد شاركت بيانات تدفق النهر مع السودان في السنوات الثلاث الماضية لبناء الثقة مع جيرانها.

وأشار إيتيفا إلى أنه على المجتمع الدولي أن يُدرك أن “منح شعوبنا، بما في ذلك الدول الشقيقة السودان ومصر، حياة أفضل يعني حياة أفضل للجميع”.

ومع أن مصر والسودان رفضتا التوقيع على اتفاقية إقليمية للاستخدام العادل لمياه النيل إلا أن إثيوبيا قد حصلت على دعم دول المنبع مثل أوغندا، التي وقعت على الاتفاقية.

وبهذا الصدد قال أسفاو لـ DW: “نرغب باستمرار المفاوضات عبر الاتحاد الأفريقي طالما أرادوا ذلك. السد اكتمل، وننتقل الآن إلى مرحلة التشغيل”، وأضاف: “ستستمر المفاوضاتعلى أساس الاستخدام العادل والمعقول”.

معاهدة ثنائية قسمت مياه النيل بين السودان ومصر

اتفاقية نهر النيل لعام 1959 هي اتفاقية ثنائية بين مصر والسودان فقط، ولهذا تسمى أيضاً باتفاقية مصر والسودان، وبموجبها حصلت مصر على حصة من نهر النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، في حين خصصت السودان لنفسها 18.5 مليار متر مكعب من مياهه.

واستبعدت الاتفاقية الثنائية إثيوبيا ودولا أخرى، بالرغم من أن إثيوبيا هي مصدر للنيل الأزرق الذي يساهم بنسبة 85 بالمئة من تدفق نهر النيل، وبناء عليه لا تعترف أديس أبابا بهذه المعاهدة.

ومع أن النيل الأزرق والأبيض يندمجان في السودان قبل أن يصبا في مصر باتجاه البحر الأبيض المتوسط، يتدفق النيل الأبيض وهو أطول فروع نهر النيل عبر 11 دولة، بما في ذلك أوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان.

ولأن هذه الدول المطلة على النهر لم تكن مستقلة حين توقيع الاتفاقية فقد تم استبعادها هي الأخرى أيضاً. واستبعاد هذه الدول إلى جانب إثيوبيا من الاتفاقية جعلها مثيرة للجدل إلى يومنا هذا.

سنوات طويلة لبناء سد النهضة الإثيوبي الكبير

تم تحديد موقع السد لأول مرة من قبل مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي أثناء مسح النيل الأزرق، وذلك بين عامي 1956 و1964 في عهد الإمبراطور الراحل هيلا سيلاسي.

ولكن اضطرابات سياسية عديدة عرقلت استمرار أعمال بناء السد، وكان أبرزها الانقلاب الذي وقع في إثيوبياعام 1974، والذي أطاح بهيلا سيلاسي، وغزو الصومال لإثيوبيا في عامي 1977 و1978، والحرب الأهلية الإثيوبية التي استمرت 15 عاماً، ولهذا لم يتقدّم المشروع حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2009، وأغسطس/ آب 2010 قامت الحكومة الإثيوبية بمسح موقع السد، وقدمت تصميمه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، وتم الإعلان عن المشروع الذي تبلغ تكلفته 5 مليارات دولار في 31 مارس/ آذار 2011.

أما حجر الأساس لسدّ النهضة فقد تم وضعه من قبل رئيس الوزراء السابق ملس زيناوي في 2 أبريل/ نيسان عام 2011.

المصدر: DW

مصر أمام خيارين امام سد النهضة احلاهما مر التكيف مع الامر الواقع او الخيار العسكري

القاهرة – مع اقتراب موعد التدشين الرسمي لسد النهضة الإثيوبي الكبير في التاسع من سبتمبر الجاري، تدخل الأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد مرحلة جديدة، تضع القاهرة أمام واقع مائي صعب، وخيارات سياسية باتت أكثر تضييقا من أي وقت مضى.

وبينما ترى إثيوبيا في السد مشروعًا تنمويًا وطنيًا وإستراتيجيًا، لا تزال مصر تعتبره تهديدًا وجوديًا لأمنها المائي، الذي تعتمد عليه بنسبة تقارب 97 في المئة لتلبية احتياجاتها الزراعية والحياتية.

ولم يكن السد، الذي بلغت كلفته نحو 4 مليارات دولار ويعد أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، منذ البداية مجرد مشروع فني، بل تحول إلى أداة تفاوض جيوسياسي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية مائية.

نجاح مصر في تجاوز أزمة سد النهضة لن يقاس بالقوة العسكرية بل بمدى قدرتها على التكيف مع المتغيرات الجديدة

وأحسنت إثيوبيا توظيف المشروع داخليًا كرمز للوحدة الوطنية في ظل أزمات متتالية وحروب داخلية، خصوصًا في أقاليم أوروميا وأمهرة وتيغراي، وحولته خارجيًا إلى ورقة قوة في مواجهة دول المصب.

وفي المقابل، تواجه مصر مشهدا مختلفا تماما. فرغم سنوات من التحذيرات والتصريحات المتشددة، لم تفلح القاهرة في دفع أديس أبابا إلى توقيع اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل السد أو ملئه. كما فشلت مساعي الوساطة المتعددة، التي شملت الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأفريقي، في كسر حالة الجمود.

والآن، وبعد أن أصبح السد واقعا ماديا، تبدو خيارات مصر أكثر محدودية من أي وقت مضى.

وباتت الخيارات العسكرية، التي كثيرا ما طُرحت في وسائل الإعلام أو عبر تلميحات سياسية، مستبعدة عمليًا. إذ لا تظهر مصر رغبة حقيقية في التصعيد، خاصة في ظل تداعيات إقليمية معقّدة، وأولويات داخلية ملحّة.

كما أن كلفة أي عمل عسكري ستكون باهظة وغير مضمونة النتائج، وقد تفتح بابًا واسعًا للمزيد من التوترات في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية.

وفي هذا السياق، تبرز قناعة بدأت تترسخ في الخطاب الرسمي والبحثي المصري، مفادها أن التكيّف مع السد، لا مواجهته، هو الخيار الواقعي الوحيد المتاح حاليا.

وصرّح الخبير في الموارد المائية محمد محيي الدين أن “البديل الوحيد لمصر هو التكيّف، لا توجد خيارات أخرى”، في إشارة إلى غياب أدوات الردع الفعّالة، وتحول الأزمة من مسألة تفاوضية إلى واقع جغرافي وبيئي لا يمكن تجاهله.

ويواصل رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد، من جهته، إطلاق رسائل طمأنة، مؤكدًا أن السد لا يشكّل تهديدًا لمصر أو السودان، وأنه لم يتسبب في نقصان مياه سد أسوان “ولا حتى ليتر واحد”، حسب تعبيره. لكن هذه التصريحات، رغم أهميتها الخطابية، لم ترافقها أي التزامات قانونية واضحة تضمن حقوق دول المصب.

مشهد يعيد خلط أوراق القيادة المصرية

وأمام هذا المشهد، تتجه مصر نحو إستراتيجية “احتواء الضرر”، عبر التركيز على تحسين إدارة الموارد المائية، وتوسيع مشروعات التحلية وإعادة التدوير، وبناء تحالفات إقليمية أكثر مرونة.

وتميل القيادة السياسية في مصر بشكل واضح إلى احتواء الضرر الناجم عن أزمة سد النهضة عبر التركيز على تحسين كفاءة استخدام الموارد المائية، وهو توجه ينبع من إدراك حقيقي لمدى محدودية الخيارات المتاحة أمامها في مواجهة هذا التحدي الإستراتيجي.

وفي ظل اعتماد مصر شبه الكامل على مياه نهر النيل، فإن التحول إلى إدارة أكثر حكمة للمياه أصبح ضرورة ملحة، وليس خيارًا ثانويًا، حيث تركز السلطات على تنفيذ إصلاحات شاملة في قطاع الري والزراعة بهدف تقليل الهدر وزيادة الاستفادة من كل قطرة ماء.

ويشمل ذلك مشروعات تحديث نظم الري التقليدية والانتقال إلى طرق أكثر فعالية كالري بالتنقيط والرش، بالإضافة إلى تبطين الترع والقنوات لتقليل الفاقد في نقل المياه، فضلاً عن تطوير مشاريع معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي، مما يساهم في توفير مصادر مائية بديلة تُخفف الضغط على النيل.

وفي ذات الوقت، تحرص مصر على تنويع مصادر المياه لتخفيف الاعتماد الكلي على نهر النيل، وهو ما جعلها توسع من استثماراتها في مجال تحلية مياه البحر، خاصة في المناطق الساحلية والجنوبية، حيث تسعى إلى بناء شبكة واسعة من محطات التحلية تعمل بالتعاون مع القطاع الخاص وشركاء دوليين.

وترى مصر في تحلية المياه خيارًا إستراتيجيًا بعيد المدى يمكن أن يدعم الاستقرار المائي ويخفف من مخاطر التوترات المستقبلية حول حصتها من مياه النهر.

وتتجه هذه المشروعات إلى استخدام مصادر طاقة متجددة لتقليل التكلفة البيئية والمالية، مما يعكس اهتمامًا بتقنيات مستدامة تضمن استمرارية الإمداد.

وإلى جانب ذلك، تسعى مصر إلى كسر حالة الاحتكار الجغرافي للمياه عبر مشاريع لجمع مياه الأمطار والسيول وتخزينها، وتطوير الموارد الجوفية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك الصحراء الغربية وسيناء، حيث توفر هذه الإجراءات موارد مائية إضافية يمكن الاعتماد عليها في فترات الجفاف أو الانخفاض الموسمي في تدفق نهر النيل

وتعكس كل هذه الإجراءات إدراكا عميقا من القيادة المصرية بأن الأمن المائي الوطني لن يتحقق عبر قوة السلاح أو المواجهة المباشرة، بل من خلال إدارة متكاملة وذكية للموارد المتاحة.

وفي الجانب الدبلوماسي، تبنت القاهرة أسلوبًا مميزًا يركز على حشد الدعم الإقليمي والدولي بعيدًا عن التصعيد، مع محاولة بناء شبكة من العلاقات مع الدول الواقعة في حوض النيل، مثل أوغندا وكينيا وتنزانيا، عبر التعاون الاقتصادي والتنموي، وكذلك العمل على تعزيز التنسيق مع السودان، الذي يشترك معها في مخاوف مماثلة بشأن السد. كما قامت مصر بمحاولات لفتح قنوات تواصل مع إريتريا والصومال، في محاولة للضغط على إثيوبيا من اتجاهات مختلفة.

ولا تقتصر الجهود المصرية على الجانب الإقليمي فقط، بل امتدت إلى المحافل الدولية مثل مجلس الأمن ومنظمات التعاون الإفريقي، حيث تسعى مصر إلى تحويل النزاع حول السد إلى قضية أمن إقليمي تتطلب تدخلًا دوليًا لحماية مصالحها الحيوية. كما تحافظ مصر على علاقاتها مع الدول العربية والخليجية، مستغلة القلق المشترك من تأثيرات الأمن المائي على استقرار المنطقة.

وتعبر هذه الإستراتيجية الشاملة التي تتبناها القيادة السياسية في مصر عن تحول جوهري في مقاربة الأزمة؛ فالتكيّف مع واقع جديد لم يعد خيارًا مجرّدًا بل أصبح عقيدة سياسية تتطلب إعادة تعريف للأمن القومي المائي بشكل كامل.

وفي ظل هذا الواقع، بات من الواضح أن مصر لم تعد تملك القدرة على فرض سيطرتها الكاملة على مياه النيل كما في السابق، وأن دورها في المستقبل سيكون مرتبطًا بقدرتها على إدارة الموارد المحدودة المتاحة لها بذكاء، وعلى القدرة على بناء تحالفات دبلوماسية توازن بين مصالحها ومصالح دول المنبع.

وفي النهاية، فإن نجاح مصر في تجاوز أزمة سد النهضة لن يقاس بالقوة العسكرية أو التهديدات، بل بمدى قدرتها على التكيف السياسي والاقتصادي والبيئي مع المتغيرات الجديدة التي فرضتها هذه الأزمة.

ماذا نعرف عن حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر السودانية؟

الخرطوم (أ ف ب) – تفرض قوات الدعم السريع حصارا على مدينة الفاشر في غرب السودان منذ أكثر من عام، في مسعى للسيطرة عليها في ظل الحرب مع الجيش التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023.

وباتت المدينة التي تشهد أعمال عنف وحشية آخر جبهة استراتيجية في النزاع في وقت تحاول قوات الدعم السريع السيطرة عليها باعتبارها آخر مدينة في منطقة درافور ما زالت في قبضة الجيش.

وتحاول قوات الدعم السريع التي خسرت معظم أجزاء وسط السودان بما في ذلك الخرطوم في وقت سابق هذا العام، تعزيز سلطتها في الغرب وتأسيس حكومة منافسة.

في ما يأتي لمحة عن أبرز ما نعرفه عن الوضع داخل الفاشر:

من يقاتل في الفاشر؟

يقاتل الجيش السوداني إلى جانب “القوة المشتركة”، وهي تحالف مجموعات متمرّدة سابقة يتزعمها قادة ميليشيات هم جزء من الحكومة المتحالفة مع الجيش.

وتخلّت هذه المجموعات عن الحياد في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بعد مجازر عرقية قادتها قوات الدعم السريع ضد قبيلة المساليت في منطقة الجنينة في ولاية غرب دارفور وبعد سيطرة الدعم السريع على أربع عواصم ولايات في دارفور.

انبثقت قوات الدعم السريع من ميليشيات الجنجويد العربية التي استعانت بها الحكومة مطلع الألفية في عهد عمر البشير لسحق تمرّد لمجموعات عرقية غير عربية في دارفور، ما أدى إلى مقتل 300 ألف شخص تقريبا في ظل اتهامات بالإبادة.

واندلعت الحرب الحالية بعد صراع بين الحليفين السابقين، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، بشأن مسألة دمج الدعم السريع في الجيش النظامي.

ما الذي يحدث على الأرض؟

يسيطر الجيش وحلفاؤه حاليا على أقل من 13 كيلومترا مربعا من إجمالي مساحة المدينة البالغة 80 كلم مربعا، خصوصا المنطقة المحيطة بالمطار في غرب المدينة، بحسب صور للأقمار الصناعية من “مختبر الأبحاث الإنسانية” التابع لجامعة ييل.

وتمتد باقي المناطق الخاضعة لسيطرته من مخيم أبو شوك للنازحين في الشمال والذي يعاني قاطنوه من المجاعة إلى سجن شالا في الجنوب وحتى السوق الكبير شرقا.

وقال ناثانيل رايموند الذي يجري تحقيقات مرتبطة بالحروب وهو المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في ييل لفرانس برس إن المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش هي حاليا “الأصغر منذ بدأ الحصار”.

سيطرت قوات الدعم السريع على معظم أجزاء مخيم أبو شوك الذي تعرّض لهجمات متكررة خلال الأسابيع الماضية إذ استولت على مقر الجيش وسط المدينة واستهدفت مستشفيات ومناطق ذات كثافة سكانية عالية قرب المطار.

وتظهر صور الأقمار الصناعية من مختبر ييل أضرارا كبيرة لحقت بهيئة المياه التابعة للمدينة، ما يعرقل إمكان الوصول إلى مياه الشرب النظيفة.

وأقامت قوات الدعم السريع سواتر ترابية على امتداد أكثر من 31 كلم تحيط بالفاشر لمحاصرة سكانها، “ما يخلق منطقة قتل حرفيا”، بحسب تقرير ييل الأخير.

وبدأ الجيش إقامة هذه السواتر لكن قوات الدعم السريع أكملتها وعززتها، بحسب رايموند.

وأفاد الباحث بأن السواتر تشكّل “هلالا” على الجانب الشمالي، بينما يخضع الجزء الجنوبي لسيطرة قوات الدعم السريع بالكامل بعدما استولت على مخيم زمزم الذي يعاني أيضا من المجاعة، في نيسان/أبريل.

وقال ريموند “لا يوجد مخرج” إذ يواجه الأشخاص الذين يحاولون عبور الحواجز الموت على الأرجح لأن مقاتلي قوات الدعم السريع يطلبون رشاوى مقابل السماح بمرورهم ويعدمون من يشتبه بأنهم على ارتباط بالجيش.

وأضاف “نرى من الفضاء نقاط الاختناق التي تستخدمها قوات الدعم السريع للسيطرة على وصول المدنيين”.

ما هو الوضع الإنساني؟

ما زال نحو 300 ألف مدني عالقين داخل الفاشر ومحرومين الغذاء والمياه والدواء والمساعدات الإنسانية، بحسب الأمم المتحدة.

وأُعلنت المجاعة العام الماضي في زمزم وأبو شوك ومخيم ثالث قريب.

وفي الفاشر، يعاني نحو 40 في المئة من الأطفال تحت سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بحسب بيانات الأمم المتحدة. يأكل المدنيون علف الحيوانات بينما يموت كثيرون ممن يهربون إلى الصحراء جوعا أو جراء العنف.

وتظهر صور الأقمار الصناعية توسّع المقابر. ويتحدّث المدنيون الذين يعانون الجوع عن اضطرارهم للاختباء داخل ملاجئ موقتة لحماية أنفسهم من القصف المتواصل.

ما الذي يمكن أن يحصل في حال سقوط الفاشر؟

دفع هجوم قوات الدعم السريع على زمزم مئات آلاف الأشخاص إلى النزوح. وتخشى هيئات إغاثية من موجة هروب جماعي أخرى إذا سقطت الفاشر.

ومن شأن السيطرة على الفاشر أن تتيح للدعم السريع السيطرة على جميع عواصم ولايات دارفور الخمس، ما يعزز فعليا موقعها لإقامة إدارة موازية في غرب السودان.

ويحذّر خبراء من فظائع تستهدف قبيلة زغاوة المهيمنة في الفاشر، تشبه مجازر 2023 في الجنينة والتي قتل فيها ما يصل إلى 15 ألف شخص، معظمهم من قبيلة المساليت.

ووصفت المحللة السياسية خلود خير المعركة بأنها “وجودية” بالنسبة للجانبين، إذ تسعى قوات الدعم السريع لنيل الشرعية وتأمين خطوط إمداد مع وجود داعمين لها في ليبيا وتشاد والإمارات العربية المتحدة، في حين تعتبر “القوة المشتركة” المشكّلة بمعظمها من مقاتلين من الزغاوة أن المدينة آخر خط دفاع لها.

وقالت خير لفرانس برس إن “الفاشر باتت تعيش حصار استنزاف يذكّر بستالينغراد.. ويرجّح ألا يجلب سوى مزيد من الموت والدمار قبل انتهائه”.

الفاشر : قتلى وجرحى والجوع حوّل أطفالاً «هياكل متحركة»

الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل 7 مدنيين وأصيب أكثر من سبعين آخرين في قصف مدفعي مكثف لـ«الدعم السريع» استهدف الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، حيث طال مخيم أبو شوك للنازحين، بالإضافة إلى عدد من الأحياء السكنية المجاورة في المدينة المحاصرة منذ أكثر من 16 شهرا.

قصف عشوائي

ووفقًا لتنسيقية لجان المقاومة في الفاشر، فإن القصف تواصل بشكل عشوائي على مناطق متفرقة، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإثارة حالة من الذعر في أوساط السكان، الذين يعيشون ظروفًا إنسانية مأساوية منذ أشهر طويلة.
وأكدت أن الجيش تصدى، السبت، لمحاولة تسلل جديدة من قوات «الدعم السريع» مشيدة بما وصفتها بـ «بسالة» الطيران المُسيّر التابع للجيش ومدفعية الفرقة السادسة مشاة، واصفة إياها بـ«الركيزة القوية التي لا تكل ولا تمل».
وأعلنت شبكة أطباء السودان أن سبعة مدنيين قُتلوا وأُصيب 71 آخرون جراء القصف المدفعي.
ووصفت الهجوم بأنه «جريمة بشعة تضاف إلى سجل طويل من الجرائم ضد الإنسانية» مؤكدة أن ما يحدث في المدينة يرتقي إلى «إبادة جماعية مكتملة الأركان».
ووجهت انتقادات لاذعة لصمت المجتمع الدولي، وحمّلت قوات «الدعم» كامل المسؤولية عن «المجزرة» مطالبة بتدخل عاجل لوقف القصف ورفع الحصار وفتح ممرات إنسانية لتوصيل الدواء والغذاء.
مع دخول مدينة الفاشر في حالة حصار مستمر منذ أكثر من 500 يوم، كشفت منظمة الصحة العالمية عن وجود ما يقرب من 260 ألف شخص لا تصلهم المساعدات الإنسانية في المدينة.
وأشارت إلى أن الاحتياجات الصحية وصلت إلى مستويات حرجة بعد نفاد المخزونات الطبية، مؤكدة استعدادها لإرسال قافلة مساعدات من مدينة نيالا، شريطة منحها إذنا بالوصول.
وكانت قوات «الدعم» قد أعلنت في يوليو/ تموز الماضي، رفض مبادرة طرحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لوقف إطلاق النار في الفاشر من أجل السماح بوصول المساعدات الإنسانية، معتبرة إياها منطقة عمليات عسكرية وطالبت المدنيين بالمغادرة. وفي مخيم أبو شوك أطلقت غرف الطوارئ نداء استغاثة وسط عمليات القصف المحموم، داعية إلى نجدة مئات الأطفال الذين يعيشون على مياه «الملوخية» ويواجهون شبح الموت جوعا كل يوم.
وقالت: «إن الأوضاع الإنسانية في مخيم أبو شوك لا تبشر بخير وسط الأطفال الذين يعتمدون على شرب الملوخية المسلوقة والأمراض الفتاكة التي تفتك بكل من هو داخل المخيم».
وقد أصبح هؤلاء الأطفال «هياكل متحركة وسط عمليات القصف المستمرة التي تهدد كل يوم أرواحهم المتعبة وأجسادهم الهزيلة».

قوات «الدعم» قصفت مخيم نازحين وأحياء… و231 طبيباً سقطوا خلال الحرب

وأضافت: «نعيش منذ أشهر طويلة تحت حصار محكم وانعدام الغذاء والدواء والماء لا سبيل آمن للخروج ولا مصدر للقمة عيش للحياة. لقد فقدنا شهداء كثيرين من ضحايا الجوع والمرض والمدافع والهجمات التي لا تتوقف».
يأتي الهجوم المكثف على الفاشر بالتزامن مع استهداف مسيرات «الدعم» حقل هجليج النفطي، مما أسفر عن سقوط قتلى مدنيين من الطواقم الفنية العاملة هناك.
وأدانت حكومة السودان بأشد العبارات الهجوم على حقول هجليج النفطية.
وقالت وزارة الخارجية في بيان صحافي: «لا تزال الميليشيا الإرهابية تمارس هذا السلوك الهمجي منذ بداية التمرد في أبريل/ نيسان 2023، باستهداف البنية التحتية والمباني الحيوية التي تقدم الخدمات الأساسية للمواطن السوداني، ولكن تعدت هذه الهجمات الإضرار بالمصالح الوطنية إلى استهداف مصالح جمهورية جنوب السودان وشركات أجنبية أخرى تستخدم منطقة هجليج لتصدير نفط جنوب السودان».
وأضافت: «ظلت حكومة السودان تعكس انتهاكات الدعم السريع في حق الشعب السوداني دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً الأمر الذي شجعها على التمادي في انتهاكاتها لتتجاوز السودان إلى جيرانه، مما يشكل مهدداً أمنياً للإقليم كافة». وأشارت إلى أن الحكومة لدواع أمنية، قد تضطر لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف العمل في الحقل وإخلاء العاملين في المنطقة حفاظاً على حياتهم.
بالتزامن، وثقت شبكة أطباء السودان مقتل 231 من الكوادر الطبية منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، وإصابة أكثر من 500 آخرين، إلى جانب فقدان 59 من العاملين في القطاع الصحي.
وأكدت الشبكة أن استهداف الطواقم الطبية والمنشآت الصحية يعد «جريمة حرب» مبدية تمسكها بمواصلة العمل رغم التهديدات، ومناشدة المجتمع الدولي للضغط على الأطراف المتحاربة لوقف الانتهاكات.

كارثة في كردفان

في جنوب وغرب البلاد، دقّ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة «أوتشا» ناقوس الخطر، بشأن الوضع في مدن كادوقلي والدلنج في ولايتي جنوب وشمال كردفان.
وفي بيان مشترك مع المفوض السامي لحقوق الإنسان في السودان، أشار إلى أن المدينتين على شفا كارثة إنسانية في ظل اشتداد القتال، وحصار عمال الإغاثة، وانعدام الممرات الآمنة.
ومنذ يونيو/ حزيران 2025، أصبحت المدينتان تحت سيطرة مشتركة لقوات «الدعم السريع» والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، ما أدى إلى إغلاق الطرق البرية وتعقيد الأوضاع الإنسانية. وتفاقمت الكارثة مع انتشار وباء الكوليرا وانعدام الخدمات الصحية الأساسية.
رغم إسقاط طائرات الجيش مواد إغاثة في مدينة كادوقلي مؤخرًا، إلا أن تلك الجهود لم تفلح في تغيير الوضع المأساوي، وسط تفاقم يومي للحالة الصحية والمعيشية.

دارفور .. الناجون من الحرب ملاحقون من الكوليرا

– ولايات دارفور الخمسة غرب السودان تشهد خلال الأسابيع الأخيرة، تفشيا متسارعا لوباء الكوليرا
– 8569 إصابة في دارفور، وسط انهيار لقطاع الصحة وتدهور الأوضاع الإنسانية بسبب الحرب
– أعداد الإصابات بكافة أنحاء البلاد بلغت 102.831 إصابة بينها 2561 وفاة منذ أغسطس 2024
– في محلية طويلة بولاية شمال دارفور تتزايد الحالات نتيجة لشح المياه وعدم توفر الخدمات العلاجية

وسط انهيار كامل للقطاع الصحي وتدهور الأوضاع الإنسانية جراء الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، تشهد ولايات دارفور في غرب السودان تفشيا متسارعا لوباء الكوليرا، مع غياب حملات التوعية الصحية وانعدام وسائل الوقاية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، سجل السودان آلاف الإصابات في ولايات شمال ووسط وجنوب دارفور، فيما تجاوز عدد الوفيات المئات، معظمهم من النساء والأطفال.

ومنذ 30 يونيو/حزيران الماضي بدأ المرض ينتشر على نطاق واسع في إقليم دارفور، خاصة بين مواقع إيواء النازحين ذات الكثافة السكانية العالية، كما ساهم اشتعال المعارك إلى تفاقم الوضع.

والكوليرا مرض معد يحدث جراء تناول طعام أو ماء ملوث بجرثومة الضمة الكوليرية، ويسبب إسهالا حادا يهدد الحياة إذا لم يخضع للعلاج، ويتعرّض الأطفال الذين يعانون سوء التغذية وتقل أعمارهم عن 5 سنوات بشكل خاص لخطر الإصابة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وبلغت عدد الإصابات في دارفور 8569 حالة، منها 361 وفاة حتى الأربعاء (27 أغسطس/آب الجاري)، بحسب المنسقية العامة للاجئين والنازحين بدارفور.

وذكرت المنسقية أن مناطق طويلة بولاية شمال دارفور سجلت أعلى نسبة إصابات، حيث بلغت 4850 حالة، وفي منطقة قولو بجبل مرة بلغت الإصابات بالكوليرا 1290 حالة.

وأشارت إلى أن الوباء انتشر في مخيمات النازحين، بينها مخيم “كلمة” حيث سجل 435 إصابة بالكوليرا بينها 64 حالة وفاة، وكذلك مخيم عطاش 216 حالة اصابة، بما في ذلك 55 حالة وفاة.

وتأثر القطاع الصحي في دارفور بالحرب كبقية مناطق السودان التي شهدت قتالا بين الجيش وقوات الدعم السريع، ويواجه اليوم واحدة من أسوأ أزماته.

وتعاني المستشفيات العاملة نقصا حادا في الأدوية الأساسية، خاصة محاليل الإماهة الفموية والوريدية، وهي خط الدفاع الأول في مواجهة الكوليرا، رغم المناشدات الدولية بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية والطبية إلى مناطق النزاع بدارفور.

ووفق آخر إحصائية حكومية، بلغ عدد الإصابات بالكوليرا 102.831 بينها 2561 وفاة في كافة أنحاء البلاد، منذ بدء الوباء في أغسطس 2024.

متحدث المنسقية العامة للنازحين، آدم رجال، يقول للأناضول إن “دارفور تعيش أسوأ أزماتها، والحياة ضاقت بالناس من تفشي الأوبئة والجوع والحرب التي تحصد الأرواح في صمت”.

ويضيف: “عدد المصابين بسوء التغذية بلغ مستويات قاسية، بينما تجاوزت إصابات الكوليرا 8 آلاف حالة، بينها ما يقارب 400 وفاة”. ويوضح أن ثمة نقصا حادا في الإمدادات الطبية، وأن أعداد الإصابات في مراكز العزل تتزايد باستمرار.

ويشير رجال إلى أن أكثر مناطق انتشار الوباء هي محلية طويلة بولاية شمال دارفور، التي استقبلت مئات الآلاف من النازحين الفارين من مدينة الفاشر المحاصرة.

ويتابع: “هناك شح في المياه ولا تتوفر خدمات علاجية، وفي مناطق شرق جبل مرة ينقل المرضى سيرا على الأقدام أو على الأكتاف لمسافات تراوح بين ساعتين و8 ساعات للوصول إلى مراكز العلاج”.

ويوضح أن المرض تفشى في عدد من مخيمات النزوح بدارفور بينها مخيمات كلمة، عطاش، دريج، السلام، الحميدية، الحصاحيصا، و5 دقائق.

ويؤكد أن علاجات الكوليرا لم تصل بعد إلى دارفور، قائلا: “الوضع تجاوز حدود الكارثة الإنسانية؛ إذ نجد حالات يكون فيها المريض مصابا بالملاريا والكوليرا في آن واحد، أو طفلا يعاني من سوء تغذية مع إصابته بالكوليرا”.

وفي 14 أغسطس أعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” وفاة 40 شخصا بالكوليرا في دارفور خلال أسبوع، مع أسوأ تفشي للمرض بالسودان.

وقالت إن الكوليرا تضرب مختلف أنحاء دارفور، حيث يعاني السكان أساساً من نقص المياه، مما يجعل من المستحيل اتباع تدابير النظافة الأساسية.

وأشارت المنظمة في بيان إلى أنه مع تصاعد أعداد حالات الإصابة بالكوليرا ونفاد الموارد في دارفور، تبرز الحاجة الماسة إلى توفير المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي لمنع المزيد من الوفيات.

وقال رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان تونا تركمان: ”الوضع أكثر من طارئ، فقد انتشر الوباء الآن إلى ما هو أبعد من مخيمات النازحين، ووصل إلى مناطق متعددة في ولايات دارفور بل وتجاوزها”.

وأضاف: ”يجب أن تتضمن الاستجابة الدولية آلية تنسيق للطوارئ لمواجهة تفشي المرض تكون قادرة على توفير الرعاية الصحية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وبدء حملات التطعيم بلقاح الكوليرا في المناطق المتضررة”.

وفي 6 أغسطس، أكدت منظمة الصحة العالمية، رصد إصابات بالكوليرا في كل الولايات السودانية (18 ولاية)، حيث يستمر النزاع لأكثر من عامين.

وكانت الأمم المتحدة حذرت في يوليو/تموز الماضي من أن الوضع الصحي في شمال دارفور يتدهور بسرعة، حيث تتزايد الإصابات بالكوليرا والحصبة والملاريا في منطقة طويلة، وكذلك في الفاشر وكبكابية.

وتصف الصحفية نعمات الحاج، الوضع في الفاشر بأنه الأسوأ، كونها مدينة محاصرة وكل الطرق المؤدية إليها مغلقة، بينما نفد الغذاء والدواء، وانعدمت أدوية الأمراض المزمنة وعلاجات سوء التغذية ولقاحات الأطفال.

وأضافت في حديثها للأناضول أن ما يزيد الوضع سوءا هو أن المستشفى الجنوبي هو الوحيد ما يزال يقدم خدمات علاجية في المدينة بعد توقف كل المستشفيات والمراكز الصحية الأخرى، لكنه لا يعمل إلا بطاقة 20 بالمئة، ولا يستطيع تغطية كل الحالات المرضية.

وأكدت أن الوباء متفش داخل الفاشر، كما ينتشر في المناطق المحيطة بها، خاصة محلية طويلة التي تسجل أعلى نسبة إصابات، إضافة إلى جبل مرة ومنطقة شنقل طوباي جنوب المدينة.

وأشارت إلى أن عددا من المفقودين والمعتقلين لدى قوات الدعم السريع شرق الفاشر أصيبوا بالكوليرا، ولقي بعضهم حتفه نتيجة المرض.

وتتزامن الكوارث الصحية في السودان مع معاناة المواطنين جراء حرب مستمرة بين الجيش و”قوات الدعم السريع” منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023.

وخلّفت الحرب أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدر بحث لجامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفا.

شركات المرتزقة العسكرية الخاصة تتكاثر و تتوسع في أفريقيا

باماكو – في السنوات الأخيرة، أصبحت القارة الأفريقية ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية والجهات غير الحكومية على النفوذ، لكن المشهد ازداد تعقيدًا مع تزايد الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة، وعلى رأسها مجموعة فاغنر الروسية، التي مثلت رأس الحربة في الانتشار غير التقليدي لموسكو في أفريقيا، قبل أن تُعاد هيكلتها تحت مسمى “الفيلق الأفريقي” بعد مقتل قائدها يفغيني بريغوجين.

ويقول محللون إن فاغنر ليست وحدها في هذا الحراك المتسارع، إذ أن ساحة العمليات الأفريقية تشهد صعود نماذج جديدة من الفاعلين العسكريين غير الرسميين، تتراوح بين شركات شبه نظامية مدفوعة بمصالح إستراتيجية، وشركات متشددة تقدم خدماتها لجماعات متمردة أو إرهابية، في سياق يشهد انزياحا متزايدا عن منطق الجيوش الوطنية إلى نمط “المقاولين المسلحين.”

ومع تراجع ثقة الأنظمة الإفريقية الهشة في الحماية الغربية التقليدية، باتت هذه الشركات تعرض نفسها كبديل فعال، يوفر الأمن والاستقرار مقابل صفقات مربحة تتضمن امتيازات التنقيب عن الذهب أو إدارة موارد الطاقة. لكن هذا النموذج المصلحي لا يقف عند حدود مكافحة الإرهاب كما يُروّج، بل يتحوّل تدريجيًا إلى أداة تأثير جيوسياسي وأمني.

الساحة الأفريقية تشهد صعود نماذج جديدة من الفاعلين كالشركات التي تقدم خدماتها لجماعات متمردة أو إرهابية

وبينما تملأ الشركات الروسية (مثل فاغنر سابقًا والفيلق الأفريقي حاليًا) الفراغ في مالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، تتسلل نماذج أكثر تطرفًا وخطورة، تمثلها جماعات مسلحة خاصة درّبتها تنظيمات جهادية عابرة للحدود في سوريا والعراق وإيران.

وكشف مراقبون ومراكز أبحاث مثل “كارنيغي” و”آريس إنتليجنس” عن ظاهرة جديدة تتجلى في “الشركات العسكرية الخاصة المتشددة”، وهي مجموعات صغيرة تتألف من مقاتلين أجانب ذوي خبرة عالية، يعرضون خدماتهم على جماعات إرهابية إفريقية مقابل المال أو خدمة لقضية أيديولوجية.

ويتضح هذا بجلاء في حالة تحالف الحوثيين اليمنيين، المدعومين من الحرس الثوري الإيراني، مع جماعات مثل حركة الشباب الصومالية وداعش الصومال.

ويتجاوز هذا التحالف الدعم السياسي إلى التزويد بتكنولوجيا عسكرية متقدمة، تشمل المسيّرات والصواريخ وتكتيكات الحرب غير المتناظرة، وهو ما أدى إلى تصعيد نوعي في العمليات الإرهابية في القرن الأفريقي.

وقد نقل الحوثيون خبراتهم في تصنيع المسيّرات وتوجيه الصواريخ إلى حلفائهم في إفريقيا، وبدأت تتكرر مشاهد استخدام هذه التكنولوجيا في هجمات تستهدف مراكز أمنية في الصومال.

و في يناير، سجّل تنظيم داعش الصومال أولى هجماته باستخدام المسيّرات، في دلالة واضحة على نوعية التحول الجاري. كذلك، تم تتبع أسلحة ذات منشأ إيراني في يد حركة الشباب، وهو ما أكده رئيس الصومال الذي أشار إلى أن هذه الأسلحة تُغذي عودة الإرهاب وتزعزع الاستقرار.

ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الأدلة على نشاط جماعات مثل “ملحمة تاكتيكال” و”مهاجر تاكتيكال”، التي تنشط في سوريا، وتقدم تدريبًا متقدمًا لمقاتلين من آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، قبل أن يُعاد توجيههم إلى الساحات الأفريقية.

وتعمل هذه الجماعات، التي تنشط غالبًا تحت مظلات غير رسمية، على تجنيد وتدريب عناصر إرهابية بخبرات ميدانية عالية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات مشفرة، وتستفيد من العملات الرقمية في تمويل توسعها.

 

ساحة نفوذ غير رسمية

 

وقد بات هذا النموذج يُقلد ويُنسخ في إفريقيا، حيث يظهر “المدربون” من الشرق الأوسط ضمن مجموعات متمردة، يقدّمون خبرات متقدمة في القنص والقتال الليلي والعلاج الميداني وتنسيق المسيّرات.

وفي هذا السياق، لا تقتصر التهديدات على تصاعد الإرهاب فحسب، بل تطال أيضًا منطق السيادة، إذ إن هذه الجماعات تمارس نفوذًا مستقلاً عن الدول، وتبني شبكات تمويل وتسليح وتحالفات عابرة للحدود، يصعب على الحكومات تتبعها أو احتواؤها. كما أن اعتماد بعض الأنظمة على هذه الشركات الخاصة – سواء كانت روسية الطابع أو ذات طابع جهادي – يضع مستقبل الدولة الوطنية على المحك، ويكرّس منطق الخصخصة الأمنية الذي أثبتت التجارب أنه يُنتج فوضى أكثر من أن يحقق استقرارًا.

ويفرض توسّع الشركات العسكرية الخاصة المتشددة في إفريقيا تحديات جديدة على استراتيجيات مكافحة الإرهاب التقليدية، والتي غالبًا ما عولت على الضربات الجوية أو التعاون الاستخباراتي.

واليوم، تواجه القارة نمطا أكثر مرونة وانتشارا وخفاءً، تتطلب مواجهته فهمًا معمقًا للبُنى الجديدة: شبكات تهريب، تدريب عبر الحدود، لوجستيات رقمية، وتسويق أيديولوجي مغلّف بالاحترافية.

ولم يعد ما يجري في أفريقيا مجرد تنافس بين جيوش ودول، بل بات ساحة مفتوحة لتعاقدات غير رسمية بين جماعات مسلحة ومقاتلين محترفين، في تمازج خطير بين الربح والإرهاب.

وبينما تهيمن فاغنر على الصورة العامة، فإن الظاهرة أبعد وأعمق، وتتطلب نقاشًا عالميًا حول مستقبل الأمن، وشرعية القوة، وحدود تدخل الفاعلين غير الحكوميين في ساحات تعاني أصلا من الهشاشة.