سباق صيني أمريكي محموم على الموارد الطبيعية في أفريقيا

بعد سنوات من الهيمنة الصينية عادت الولايات المتحدة لتصبح أكبر مستثمر في أفريقيا. لكن الإحصاءات وحدها لا تروي القصة كاملة: فالموارد الطبيعية الأفريقية لها أهمية جيوسياسية منذ زمن طويل.

أمريكا أولا، هذا هو أول ما يبرز من البيانات المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا. منذ عام 2012 كانت الصين دائما في الصدارة واستمرت في الاستثمار، بينما سحبت الشركات الأمريكية في بعض السنوات رأس مال أكثر مما نقلته إلى أفريقيا.

لكن أرقام عام 2023 تقدم صورة مختلفة: حيث استثمرت الشركات الأمريكية ما يقرب من ثمانية مليارات دولار أمريكي في أفريقيا أي ما يقرب من ضعف ما استثمره منافسوها من الصين.

لا توضح بيانات مبادرة أبحاث الصين وافريقيا التابعة لجامعة جونز هوبكنز التي نُشرت في مايو كيف تطورت الأوضاع منذ ذلك الحين. فالحكومات الوطنية ومنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية تحتاجان إلى وقت لتقييم الإحصاءات والتوصل إلى استنتاجات صحيحة. ففي النهاية يمكن أن تكون الأرقام غير المعدلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة خادعة: ففي التقرير الحالي لمنظمة أونكتاد تظهر هولندا على أنها أكبر مستثمر في أفريقيا. وبصفتها دولة “قناة” أو دولة عبور، غالبا ما تكون هولندا موقع متوسط لشبكة مالية معقدة حيث يأتي رأس المال في الأصل من دول أخرى.

من المرجح أن ينتظر المحللون في جميع أنحاء العالم الأرقام الجديدة بفارغ الصبر. فالتنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين يزداد حدة وقد شهدت الفترة الأخيرة بعض الأمثلة على استثمارات في أفريقيا قد تكون لها عواقب وخيمة.

أمريكا تستثمر بهدف الربح والصين تستثمر بشكل استراتيجي

هل تجاوزت الولايات المتحدة بالفعل الصين كأكبر مستثمر في أفريقيا، كما ورد مؤخرا في تقارير إعلامية؟

الخصوم الاقتصاديون: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر 2025 مع الرئيس الصيني شي جين بينغصورة من: Young Ho/Yonhap/Sipa USA/picture allianc

“عندما تنظر إلى الرسم البياني تلاحظ على الفور التقلبات وهي عبارة عن تقلبات حقيقية”، يقول جيمس شيكواتي، مؤسس ومدير شبكة الاقتصاد بين الأقاليم في العاصمة الكينية نيروبي. “أمريكا ترتفع ثم تنخفض، ذهابا وإيابا. ويرجع ذلك فقط إلى أن المستثمرين يتبعون نهجا يهدف إلى تحقيق الربح. فهذه شركات خاصة لا تنفق الأموال على الأعمال الخيرية”، كما يقول شيكواتي في حوار مع DW. وعلى النقيض من ذلك فإن الاستثمارات الصينية المباشرة مدعومة في النهاية من الحكومة التي تسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأجل.

ويقول شيكواتي إن الفروع في البلدان الأفريقية تختلف أيضا في استخدام العمالة المحلية: فالشركات أمريكية تعتمد على قوى عاملة جيدة التدريب يمكنها تحويل استثماراتها إلى أرباح”. وبذلك تستفيد أفريقيا من الأفارقة ذوي التدريب الجيد الذين يحتاجون إلى وظائف. أما الجانب الصيني فيحتاج قبل كل شيء إلى عمال في المجال العملي ويستهدف هذه الشريحة من السكان. تستفيد أفريقيا من كلا الجانبين”، يوضح شيكواتي.

أفريقيا تقاوم استغلال الموارد الطبيعية بفرض رسوم جمركية

ومن ناحية أخرى لم تستفد أفريقيا حتى الآن بشكل كافٍ من ثروتها من  الموارد الطبيعية الهامة: فغالبا ما يتم تصديرها دون معالجة بينما يتم تحقيق القيمة المضافة الفعلية في مناطق أخرى من العالم. قبل عام تقريبا قدم الاتحاد الأفريقي “استراتيجية للمواد الخام الخضراء” التي تنص على فرض رسوم جمركية على الصادرات بنسبة 10 في المئة. وبذلك ستشارك البلدان في القيمة الحقيقية للموارد الطبيعية أو سيتم تشجيع المستثمرين على تصنيعها مباشرة في أفريقيا.

تنتج القارة الجزء الأكبر من  كميات البلاتين والكوبالت والتنتال والمغنيسيوم  المستخرجة في العالم. قطاع التعدين هو قطاع تقليدي يتميز بارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيه. وقد قلصت الشركات الغربية أنشطتها بشكل خاص في البلدان التي تعتبر حساسة من الناحية السياسية. وفي الوقت نفسه أصبحت الصين لا غنى عنها في العديد من الأماكن بفضل استثماراتها المستمرة.

الصين تستثمر المليارات في المناجم الأفريقية

قال جيمي مونجوريك، المحامي والمدير المحلي لمنظمة Resource Matters غير الحكومية في جمهورية الكونغو الديمقراطية في سبتمبر لـ DW: “تُظهر التجارب في أفريقيا أن الصين لا تخشى عدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي”. “الصين تستثمر ولهذا السبب فإن العديد من  قطاعات التعدين في أفريقيا ولا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية تخضع اليوم لسيطرة الشركات الصينية إلى حد كبير”.

زيمبابوي تمتلك أحد أكبر احتياطيات الليثيوم في العالم والصين توفر رأس المال والبنية التحتية لاستغلالها.صورة من: Tsvangirayi Mukwazhi/AP Photo/picture alliance

وحسب إحصاءات مؤسسة بروكينغز الأمريكية استثمرت الصين وحدها في عام 2023 ما يقرب من ثمانية مليارات دولار في أفريقيا بما في ذلك مشاريع الليثيوم في زيمبابوي ومالي. ومع ذلك لا يمكن مقارنة هذه الاستثمارات الفردية إلا بشكل محدود بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والتي تعبر عن رصيد جميع تحركات رأس المال للمستثمرين الأجانب. وحسب هذه الإحصاءات كانت الاستثمارات الفردية المرتفعة بشكل خاص مخصصة لمشاريع النحاس في بوتسوانا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ترامب: نحن ننتقل من المساعدة إلى التجارة

في الوقت نفسه تتزايد الدلائل على أن الولايات المتحدة تنظر بشكل متزايد إلى موارد أفريقيا من المواد الخام من منظور استراتيجي بدلا من منظور يركز على الربح فقط. في عام 2019 خلال ولاية  دونالد ترامب  الأولى كرئيس للولايات المتحدة تم إنشاء المؤسسة الأمريكية للتمويل الدولي للتنمية وهي وكالة حكومية جمعت بين مجالي العمل المنفصلين سابقا وهما الاستثمارات الخاصة وقروض التنمية. ويهدف ذلك إلى تعزيز مصالح الولايات المتحدة، بحيث “يتم تعزيز الريادة العالمية للولايات المتحدة ومواجهة وجود الصين في المناطق الاستراتيجية”.

توجد مناجم كبيرة للكولتان في منطقة الحرب في شرق الكونغو والتي تعتبر ذات أهمية استراتيجية من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكيةصورة من: Moses Sawasawa/AP Photo/picture alliance

في بداية ولايته الثانية أوقف ترامب العديد من مشاريع المساعدة الإنمائية. وقد وعد ترامب في اجتماع مع العديد من رؤساء الدول الافريقية في البيت الأبيض. “نحن ننتقل من المساعدة إلى التجارة. هناك  إمكانات اقتصادية كبيرة  في أفريقيا أكثر من أي مكان آخر. على المدى الطويل سيكون هذا أكثر فعالية ومساعدة من أي شيء آخر يمكننا القيام به”. وفي نفس المناسبة تعهد ترامب بأن الولايات المتحدة ستعامل أفريقيا “أفضل من الصين أو أي دولة أخرى”. وبصفته الراعي لاتفاق السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا الذي لا يزال هشا وعد ترامب الاقتصاد الأمريكي بوصول متميز إلى  المواد الخام الكونغولية..حسب تقرير صادر عن وكالة رويترز للأنباء في أوائل نوفمبر فإن اتفاقا اقتصاديا قد تم التوصل إليه بالفعل ويمكن توقيعه خلال اجتماع بين الرؤساء الثلاثة. ويعتقد العديد من الخبراء أن التزام ترامب في المنطقة يهدف أيضا إلى مواجهة هيمنة الصين على المواد الخام.

قواعد اللعبة الجديدة

إن قوة الصين اليوم في مجال المواد الخام الحيوية ترتبط أيضا  بمبادرة الحزام والطريق وهو مشروع بنية تحتية عالمي يشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية والذي فتح في بعض الأماكن طرقا لنقل المواد الخاملأول مرة. ويقول الاقتصادي شيكواتي: “إنهم ينظرون إلى استراتيجيات البنية التحتية عبر الحدود. فعلى سبيل المثال عندما يبنون خط سكة حديد في كينيا لا يهدفون إلى ربط نيروبي. بل يريدون تمديده إلى الكونغو أو السودان أو الساحل الغربي لأفريقيا”.

ويتحدث شيكواتي عن “قواعد اللعبة الجديدة” التي جلبها المستثمرون من الشرق والتي يتعين على المؤسسات الأفريقية وكذلك الغرب التكيف معها من أجل الاستمرار في لعب دورهم.

منذ عام 2017 تربط خط سكة حديد أنشأته الصين بين العاصمة الكينية نيروبي ومدينة مومباسا الساحلية، وقد بدأ بالفعل تنفيذ المراحل الأولى من مشروع التوسعة إلى المناطق الداخلية.صورة من: Dong Jianghui/Xinhua/picture alliance

في الأسابيع الأخيرة من ولايته أطلق الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن مبادرة لدعم ممر لوبيتو وهو مشروع يمكن أن ينافس تماما التدابير الفردية لمبادرة الحزام والطريق: تربط الطرق والسكك الحديدية حزام النحاس في الكونغو بالساحل الأطلسي لأنغولا. كما يدعم الاتحاد الأوروبي نوسعته. وفي أوائل نوفمبر اطلع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير على حجم الإمكانات المتاحة في الموقع برفقة وفد اقتصادي.

المصدر:DW

وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل

الرباط/ الأناضول

** تعاني مالي والنيجر وبوركينا فاسو من توسع أنشطة التنظيمات المسلحة بمنطقة الساحل
** محمد الطيار، الخبير الأمني المغربي المتخصص في منطقة الساحل والصحراء:
– الانقلابات العسكرية المتكررة بتلك الدول ساهمت في إرباك عمل المؤسسات الأمنية
– التنظيمات تستمد قوتها من شبكة واسعة من مصادر التمويل مثل الفديات والضرائب والتجارة غير الشرعية
– التدخلات الأجنبية المتضاربة عمقت الصراع وحولت البلدان إلى ساحات تنافس دولي

تواصل التنظيمات المسلحة مثل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، فرع تنظيم “القاعدة” في منطقة الساحل الإفريقي، تفرض وجودها مستفيدة من غياب الاستقرار وضعف مؤسسات الدولة وانقلابات عسكرية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

ومنذ سبتمبر/ أيلول الماضي، تمنع الجماعة دخول شاحنات الوقود إلى مالي، حيث تهاجم الشاحنات وتضرم النيران فيها، خاصة القادمة من السنغال وساحل العاج.

ومؤخرا، باتت الجماعة على مشارف العاصمة باماكو، حيث تعتمد في فرض سيطرتها على العمل المسلح والحكم المحلي عبر محاكم وفرض الرسوم على التنقل.

وتشكلت الجماعة عام 2017، بعد تكتل حركات “أنصار الدين” و”جبهة تحرير ماسينا” و”المرابطون” وجناح الصحراء التابع لـ”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

وتوجد في منطقة الساحل الكثير من الحركات الموصوفة بأنها “جهادية” النشطة بدولها الثلاث، مثل “تنظيم الدولة في بلاد المغرب الإسلامي” الذي تأسس في يناير/ كانون الثاني 2007.

وفي شمال مالي، تنشط حركة “أنصار الدين” التي تأسست في ديسمبر/ كانون الأول 2011.

** فراغ أمني

محمد الطيار، الخبير الأمني المغربي المتخصص في منطقة الساحل والصحراء، حذر من تحول بعض الأماكن بالمنطقة إلى “ملآذات آمنة للتنظيمات الإرهابية”.

وفي حوار مع الأناضول، قال الطيار إن “الانقلابات العسكرية المتكررة بدول الساحل ساهمت في إرباك عمل المؤسسات الأمنية، في وقت تتفاقم فيه معدلات الفقر والتهميش خصوصا في المناطق النائية التي تشعر بالقطيعة مع السلطة المركزية”.

ولفت إلى أن “الجماعات الإرهابية تستغل الفراغ الأمني الذي أحدثه انسحاب القوات الدولية” من المنطقة.

وفي 7 يونيو/ حزيران الماضي، أعلنت مجموعة “فاغنر” العسكرية الروسية مغادرتها أراضي مالي بعد قتالها هناك لأكثر من 3 أعوام، واستبدالها بقوات “الفيلق الإفريقي” الذي تشكل بدعم من وزارة الدفاع الروسية.

كما أنهت بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي “مينوسما” مهامها في البلاد في يونيو الماضي، استجابة لطلب القادة العسكريون الذين استولوا على السلطة في انقلاب عام 2020، والذين اتهموا قواتها بـ”تأجيج التوترات المجتمعيّة”.

وكانت فرنسا قد أعلنت في أغسطس 2022، انسحاب آخر جنودها من مالي بعد تواجدها في البلد الإفريقي دام تسعة أعوام، وذلك على خلفية توتر علاقاتها مع المجلس العسكري الحاكم في البلاد.

** مشاكل داخلية

الخبير الأمني قال إن دول الساحل “تعاني من أزمة بنيوية عميقة ناتجة عن هشاشة الدولة الوطنية منذ الاستقلال، حيث وُلدت هذه الدول بحدود استعمارية لا تعكس الامتدادات القبلية والعرقية، ما أنتج دولا تجد صعوبة في تحقيق الانسجام الداخلي”.

وأوضح أن “تفشي الفساد وضعف الحكم أدى إلى تعطيل التنمية وتراجع ثقة المواطن في الدولة، بينما عمقت التدخلات الأجنبية المتضاربة الصراع عبر تحويل هذه البلدان إلى ساحات تنافس دولي بين فرنسا وروسيا والولايات المتحدة، ما أدى إلى مزيد من إضعاف المؤسسات بدل دعمها”.

وبحسب تقرير مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية (غير حكومي) صدر في مارس/ آذار 2025، ظلت منطقة الساحل “المسرح الأكثر فتكا في القارة لعام 2024، وللعام الرابع على التوالي، بسبب عنف الجماعات المتشددة”.

وأضاف التقرير أن التقديرات تشير إلى أن عدد القتلى المرتبط بـ”العنف المتشدد” في منطقة الساحل بلغ نحو 10 آلاف و400 شخص في عام 2024، ما يمثل 55 بالمائة من إجمالي الوفيات ذات الصلة في القارة.

** مصادر القوة

ويرى الطيار أن الجماعات النشطة بالمنطقة “تستمد قوتها من شبكة واسعة من مصادر التمويل تشمل الفديات الناتجة عن عمليات الاختطاف، والضرائب التي تفرض على السكان، والتجارة غير الشرعية في الذهب والمخدرات والوقود”.

وأوضح أن “الفديات تعد من أهم المصادر المالية للجماعات، إذ تدر عليها ملايين الدولارات سنويا، تمكّنها من شراء الأسلحة واستقطاب المقاتلين وشراء ولاء زعماء المجتمعات المحلية”.

كما تعتمد الجماعات على “تحالفات محلية مع بعض القبائل التي تشعر بالتهميش أو التي تبحث عن حماية في ظل غياب الدولة”، بحسب الطيار.

وأوضح الخبير الأمني أن هذه التنظيمات “تتقن أساليب حرب العصابات، فتشن هجمات مباغتة وكمائن بدل المواجهة المباشرة، ما يضعف قدرة الجيوش التقليدية على مواجهتها”.

كما تسيطر الجماعات كذلك على طرق التهريب العابرة للصحراء، خاصة تهريب مواد الكوكايين والبنزين والمواد الغدائية وقطع الغيار، “الأمر الذي يمكنها من تمويل عملياتها ويمنحها نفوذا واسعا”، على حد تعبير الخبير المغربي.

وأوضح الطيار أن الجماعات “تستفيد من بيئة اجتماعية متوترة تغذيها النزاعات العرقية، ما يجعل بعض الفئات ترى في هذه الجماعات قوة بديلة عن الدولة لحماية مصالحها”.

وإلى جانب ذلك، تعتمد هذه التنظيمات، وفق الطيار، على ارتباطها الأيديولوجي واللوجستي بتنظيمات عالمية مثل “القاعدة” و”داعش”، وتستفيد من خبرة مقاتلين قادمين من ليبيا وتشاد.

ولفت الطيار إلى أن “الجغرافيا الصحراوية الواسعة والحدود المفتوحة تمنحها حرية حركة استثنائية، يصعب على أي جيش تقليدي الحد منها، خاصة مع عجز دول الساحل في تأمين حدودها”.

** انقلابات متتالية

وقال الخبير الأمني إن “الجماعات الإرهابية تحصل على أسلحتها عبر قنوات متعددة تشمل نهب مخازن الجيوش خلال الهجمات أو عقب الانقلابات”.

وأوضح أن “المخازن التي تعاني من ضعف المراقبة ويتم المتاجرة بها بسبب انتشار الفساد، تعد مصدرا آخر للسلاح، إضافة إلى تدفق السلاح القادم من ليبيا بعد سقوط نظام القذافي سنة 2011”.

وشهدت مالي انقلابا عسكريا في أغسطس/ آب 2020 أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، ثم انقلاب مايو/أيار 2021 ضد الحكومة الانتقالية.

في 30 سبتمبر/ كانون الأول 2022 قاد النقيب إبراهيم تراوري، انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس المؤقت بول هنري سانداوغو داميبا، بدعوى “الفشل في التعامل مع تمرد جماعات إسلامية”.

وفي النيجر، احتجز الحرس الرئاسي، في 26 يوليو/ حزيران 2023، الرئيس محمد بازوم، وأعلن قائد الحرس الجنرال عبد الرحمن تشياني، نفسه قائدا للمجلس العسكري الجديد.

** مستقبل الجماعات بالمنطقة

واعتبر الطيار أن “مستقبل الجماعات الإرهابية في الساحل مرشح لمزيد من التعقيد”.

وأوضح أن خروج القوات الفرنسية والأممية من مالي أدى إلى “خلخلة ميزان القوى، ما سمح لهذه الجماعات بتعزيز حضورها بشكل كبير في الشمال والوسط، وسط عجز الحكومة الانتقالية عن بسط سيطرتها”.

وبشأن بوركينا فاسو، قال الطيار: “ما تزال مساحة نصف البلاد تقريبا خارج السيطرة الكاملة للسلطة المركزية”.

كما أن تراجع الدعم الغربي في النيجر بعد انقلاب 2023، دفع الجماعات إلى توسيع هجماتها بالبلاد، خصوصا على الحدود مع مالي وبنين، وفق الخبير.

واستدرك قائلا:” هناك صراعات داخلية بين هذه التنظيمات، وتنافس واقتتال بين تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى من جهة، وتنظيم نصرة الإسلام والمسلمين الذي أعلن ولاءه للقاعدة من جهة أخرى، ما قد يضعفها تدريجيا ويحد من قدرتها على التوسع اللامحدود”.​​​​​​​

وفي 17 سبتمبر/ أيلول 2023، وقعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو اتفاقا أسس تحالف دول الساحل الثلاث، مع إنشاء “هيكلية للدفاع المشترك والمساعدة (الاقتصادية) المتبادلة”.

ومؤخرا، أعلنت دول الساحل الثلاث تفعيل القوة الموحدة لمحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب، وسط تخوفات من ضعف المبادرة في تحقيق الاستقرار، في ظل تحذيرات أممية من ارتفاع وتيرة النازحين بالمنطقة.

مدن كردفان المحاصرة.. تتطلب تحركا دوليا فعال لمنع تكرار سيناريو الفاشر

** المحلل السياسي أمير بابكر:
– منع تكرار سيناريو الفاشر يعتمد على قدرة الجيش السوداني على الصمود
– الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” لا منتصر فيها وهذا يصعب حسمها عسكريا
** المحلل السياسي عثمان فضل الله:
– مدن بابنوسة والدلنج وكادوقلي تواجه وضعا إنسانيا شديد الخطورة
– عشرات الأسر في كادوقلي نزحت أما الدلنج فتعاني من انقطاع الطرق المؤدية إليها

أشبه بجزر معزولة داخل جغرافيا حرب مشتعلة، تعيش ثلاث مدن واقعا مأساويا في ولايتي جنوب كردفان وغرب كردفان جنوبي السودان، وذلك جراء الحصار الخانق الذي تفرضه “قوات الدعم السريع” منذ أكثر من عام.

بابنوسة، والدلنج، وكادوقلي، تلك المدن باتت معزولة عن محيطها، والطرق الحيوية مقطوعة، ما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية.

ويرى محللون سودانيون أن منع تكرار سيناريو مدينة الفاشر غربي البلاد يعتمد على قدرة الجيش على الصمود، إلا أن الوسطاء يحاولون منع الانزلاق إلى الهاوية، رغم أن مؤشرات التصعيد لا تزال قائمة.

ومنذ 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تستولي “قوات الدعم السريع” على الفاشر مركز ولاية شمال دارفور، وارتكبت مجازر بحق مدنيين، فيما أقر قائد تلك القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بحدوث “تجاوزات” من قواته بالمدينة، مدعيا تشكيل لجان تحقيق.

** بابنوسة

تعتبر هذه المدينة الأكثر سخونة في السودان، وتحاصرها قوات الدعم السريع منذ يناير/ كانون الثاني 2024، فيما تتحصن قوات الجيش في الفرقة 22 داخل المدينة التي أصبحت شبه مهجورة.

وقال شهود عيان للأناضول، إن المدينة أصبحت خالية من الأهالي بعد أن نزح أهلها إلى محيطها.

بينما تقول غرف طوارىء بابنوسة (لجنة إغاثية) إن المدينة أصبحت خالية من الأهالي بعد نزوح 177 ألف شخص منها.

وتكمن أهميتها كونها إحدى أهم المدن الاقتصادية في إقليم كردفان، وتشتهر بمصانع الألبان ووفرة الثروة الحيوانية وكذلك حقول النفط.

كما تعتبر ممرا رئيسيا يربط السودان بجنوب السودان، وبوابة الجيش إلى دارفور، إذ تبعد عن مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور نحو 237 كيلومترا، و 400 كيلومترا عن نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، ومركز تحالف السودان التأسيسي برئاسة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

** كادوقلي والدلنج

المدينتان تبعدان عن بعضهما مسافة 135 كيلومترا، وتعانيان من حصار تفرضه “الدعم السريع” و “الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو منذ الشهور الأولى للحرب، وهجمات متكررة بالمدفعية والطائرات المسيرة.

وتسيطر الحركة الشعبية على المناطق الجنوبية من جبال النوبة في جنوب كردفان منذ عام 2011، وتتخذ من مدينة كاودا عاصمة لها.

وشكل انخراط الجانبان في “تحالف السودان التأسيسي” منذ فبراير/ شباط الماضي نقطة تحول في الصراع في جنوب كردفان، ومنحهما مساحة حركة أوسع لتضييق الخناق على المدينتين.

ورغم أن مدينتي كادوقلي والدلنج ظلّتا تحصلان على جزء محدود من الغذاء عبر طرق وعرة من المحليات الشرقية لجنوب كردفان، فقد أغلقت هذه المسارات بالكامل منذ يونيو/ حزيران الماضي بسبب الأمطار، ما أدى إلى انقطاع الإمدادات.

وأكد أحدث تقرير للجنة مراجعة المجاعة “آي بي سي” وقوع مجاعة فعلية في مدينتي الفاشر وكادوقلي، نتيجة انعدام الغذاء والرعاية الطبية.

وحذر التقرير من أن 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة، بما في ذلك مواقع جديدة في شرق دارفور وجنوب كردفان.

ولا توجد إحصائيات عن عدد الأهالي في كادوقلي، لكنها شهدت موجات نزوح كبيرة على فترات إلى الأطراف والمناطق المحاطة.

ولا يختلف الوضع في الدلنج ثاني مدن ولاية جنوب كردفان عن العاصمة كادوقلي، حيث تُحكم “الدعم السريع” الطوق شمالًا وشرقًا، بينما تحاصرها الحركة الشعبية من الغرب والجنوب.

وتقع مدينة الدلنج في أقصى شمال ولاية جنوب كردفان، ويعتمد اقتصادها على التجارة والحرف اليدوية وصناعة الجلود وغيرها.

كما تقع على مفترق طرق يربط جبال النوبة بمحاور كردفان ودارفور، وتتحكم في خطوط الإمداد بين شمال الإقليم وغربه وجنوبه.

وفي يوليو/ تموز الماضي، ضيّقت “الدعم السريع” الخناق أكثر على الدلنج بسيطرتها على منطقة الدشول التي تضم ملتقى يربط مدينة الدلنج بولاية غرب كردفان.

أما الشريان البري المغذي لمدينتي الدلنج وكادوقلي والواصل بينهما مع مدينة الأبيض في شمال كردفان فقد قُيِّدت الحركة عبره بشدة، بعد المعارك الضارية التي خاضتها “الدعم السريع” ضد الجيش السوداني في أبريل/ نيسان الماضي.

** لا منتصر بالحرب

المحلل السياسي أمير بابكر، يرى أن سيطرة “الدعم السريع” على مساحات في ولايتي غرب كردفان وجنوب كردفان، يجعل المدن الثلاث تحت مرمى نيرانها.

وأضاف بابكر للأناضول أن منع تكرار سيناريو الفاشر يعتمد على قدرة القوات المسلحة على الصمود في مواقعها.

وأشار إلى “محاولات الجيش للسيطرة على مواقع متقدمة، لتشتيت جهود قوات الدعم السريع”.

أما بالنسبة لمدينتي الدلنج وكادوقلي، يقول بابكر إنهما “ظلتا تحت مرمى نيران الحركة الشعبية، وهذا العامل سيضاعف جهود الجيش للحفاظ على السيطرة”.

وأشار إلى أن “الأهم هو أن طبيعة الحرب الجارية لا منتصر فيها، مما يصعب مسألة حسمها عسكريا”.

بابكر شدد على أن “كل ما يدور هو من أجل تحقيق أفضلية ميدانية تسمح بالحصول على موقف متقدم في مفاوضات سلام انعقادها حتمي، وللأسف الضحية هم المدنيون”.

** مؤشرات التصعيد قائمة

من جانبه، قال المحلل السياسي عثمان فضل الله إن المدن الثلاث المحاصرة تواجه وضعا إنسانيا شديد الخطورة.

وأضاف فضل الله أن “كادوقلي تشهد انعدام شبه كامل للسلع الأساسية، بينما تسجل حالات وفيات مرتبطة بالجوع”، دون إحصائيات.

وفيما يتعلق بالنزوح، قال إن “عشرات الأسر هجرت إلى أطراف المدينة، أما الدلنج فتعاني من انقطاع الطرق المؤدية إليها وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع، وسط تقارير عن نفاد الوقود”.

وعن الأوضاع في بابنوسة، لفت بابكر إلى أن الوضع “أقل حدة نسبيًا، لخلو المدينة من المدنيين”.

وأرجع الحصار إلى “محاولة الأطراف المتحاربة فرض السيطرة على الممرات الاستراتيجية بين ولايات جنوب كردفان وغرب كردفان، ما يجعل المدنيين الضحية الأولى”.

ورغم المخاوف الكبيرة من تكرار سيناريو الفاشر، إلا أن الوسطاء (السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة”، وفق بابكر “يحاولون منع الانزلاق، بينما لا تزال مؤشرات التصعيد قائمة”.

ومن أصل 18 ولاية بعموم البلاد، تسيطر “قوات الدعم السريع” حالياً على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس غربا، عدا بعض الأجزاء الشمالية من ولاية شمال دارفور التي لا تزال في قبضة الجيش، الذي يسيطر على معظم مناطق الولايات الـ13 المتبقية في الجنوب والشمال والشرق والوسط، بمافيها العاصمة الخرطوم.

ومنذ أبريل 2023 تتفاقم المعاناة الإنسانية بالسودان جراء استمرار حرب دامية بين الجيش و”الدعم السريع”، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص.

 

( الأناضول)

المهاجرون بين البحر والسجون: ليبيا تحت ضغط دولي متصاعد لإغلاق مراكز الاحتجاز

طرابلس ـ «القدس العربي»: على شاطئ مدينة الخمس شرق طرابلس، تمددت الأكياس السوداء التي احتوت جثث مهاجرين لفظهم البحر بعد حادث غرق جديد، بينما وقف عناصر الهلال الأحمر الليبي يقلبون الرمال بحثاً عن ناجين أو متعلّقات تحدد هويات من رحلوا. بدا المشهد تكراراً مألوفاً في ليبيا، بلد تتداخل فيه المأساة الإنسانية مع سياقات سياسية معقدة، وتتشابك فيه ملفات الهجرة غير النظامية مع الانقسام الداخلي والمصالح الأوروبية، فكلما غرق قارب، انفتحت من جديد أسئلة قديمة: لماذا لا تتوقف تلك الرحلات؟ وكيف أصبحت ليبيا نقطة عبور شديدة الخطورة؟ وما الذي يدور داخل مراكز الاحتجاز التي أعادت المجتمع الدولي إلى المواجهة مع السلطات الليبية خلال الأسابيع الأخيرة؟
في هذا الموضوع الموسّع، ترصد «القدس العربي» تفاصيل الموجة الأخيرة من حوادث الغرق، والضغوط الدولية المتصاعدة، والواقع القاسي داخل مراكز الاحتجاز، إضافة إلى الدور الأوروبي الذي لا يمكن فصله عن بنية الأزمة ويستعرض شهادات دولية وبيانات أممية وتقارير منظمات حقوقية عاملة على الأرض.

غرق جديد

شهد الساحل الليبي في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر حادثتين أعادتا ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة بقوة، ففي مدينة الخمس، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الليبي انتشال أربع جثث بعد انقلاب قاربين يقلان ما يقرب من 95 مهاجراً. كان أحد القاربين يحمل مجموعة من البنغاليين، بينما كان الثاني ينقل مهاجرين من السودان ومصر ودول أفريقية أخرى، تحدث ناجون عن ارتباك كبير أثناء الغرق، وعن محاولات فردية للسباحة نحو الشاطئ، فيما ظلت فرق الإنقاذ لساعات تبحث وسط أمواج متقلبة عن أي أثر لمفقودين.
لم يكن الحادث منفصلاً عن نمط متكرر منذ مطلع العام فبعده بأيام، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة فقدان 42 مهاجراً في غرق قارب مطاطي قرب حقل البوري النفطي، وتقول المنظمة إن هذه الحوادث أصبحت أكثر تكراراً خلال العام الجاري، مشيرة إلى أن عدد الغارقين أو المفقودين في طريق وسط المتوسط تجاوز الألف منذ كانون الثاني/يناير 2025، معظمهم ينطلقون من السواحل الليبية التي تحولت إلى نقطة عبور مركزية بسبب هشاشة الوضع الأمني وسيطرة التشكيلات المسلحة على أجزاء واسعة من الساحل.
تقرير حديث لمنظمة الهجرة الدولية أشار إلى أن شبكات التهريب تغيّر طرقها باستمرار، مضيفاً أن طرقاً جديدة ظهرت خلال عام 2025 خصوصاً جنوب صبراتة وزوارة والماية، وأن هذه التحولات تعيق القدرة على الاستجابة السريعة، كما تفتح المجال لظهور نقاط انطلاق غير خاضعة لأي رقابة، ويؤكد التقرير أن كثيراً من القوارب تُترك لفترات طويلة في البحر قبل تدخل أي طرف، سواء الرسمي أو المدني، وهو ما يرفع احتمالات الغرق.
وتشير منظمات الإنقاذ في المتوسط إلى أن بعض عمليات الاعتراض التي ينفذها خفر السواحل الليبي تتم بطرق «غير آمنة»، تتضمن الاقتراب المفرط من القوارب وإجبار المهاجرين على التوقف بشكل مفاجئ، ما يؤدي في بعض الحالات إلى انقلاب القارب أو سقوط ركاب في المياه، وتروي شهادات ناجين أن بعض القوارب اصطدمت بقوارب دوريات، وأن محركاتها تعطلت في البحر قبل ساعات من وصول أي جهة للمساعدة، فيما تتحدث شهادات أخرى عن رحلات تمت في ظروف بحرية سيئة تحت ضغط المهربين الذين يخشون نقاط التفتيش.
ويبدو أن أسباب الغرق ليست تقنية فقط، بل تندرج ضمن سياق اقتصادي وإنساني متداخل. فالأزمة في بلدان المهاجرين، سواء في القرن الأفريقي أو غرب أفريقيا أو جنوب آسيا، إلى جانب التدهور الأمني داخل ليبيا، تدفع المهاجرين إلى «خيار البحر» حتى مع إدراكهم لمخاطره، يقول أحد الناجين الذين فروا من السودان إن «البديل هو الموت أيضاً»، مشيراً إلى أن الميليشيات التي تسيطر على طرق العبور تجبر البعض على ركوب البحر حتى لو لم يكونوا مستعدين.

ضغط دولي

في 11 تشرين الثاني/نوفمبر، مثلت ليبيا أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، وهي جلسة شهدت أكبر موجة مطالبات دولية لإغلاق مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا منذ سنوات، فقد حثت عشرات الدول السلطات الليبية على إغلاق المراكز، والسماح لمنظمات الأمم المتحدة بالوصول إليها من دون قيود، والتحقيق في الانتهاكات التي تحدث داخلها.
استندت مداخلات الوفود إلى تقارير حديثة صدرت خلال عامي 2024 و2025 عن العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، تتحدث عن تعذيب ممنهج، وعنف جنسي، وحرمان من الرعاية الصحية، ووفاة محتجزين في ظروف غامضة، وأشارت عدة وفود إلى تقارير أممية سابقة تحدثت عن وجود ما وصفته بـ«المقابر الجماعية» قرب بعض المراكز، وهو ملف لم يُسمح بإجراء تحقيق مستقل بشأنه حتى الآن. كما أثار ممثلو الأمم المتحدة قضية «الإعادة القسرية» للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر بواسطة خفر السواحل الليبي، ثم إعادتهم إلى مراكز احتجاز توصف بأنها خطيرة وغير إنسانية، وطالبت وفود عدة بوقف التعاون الدولي الذي يسهم في هذه الإعادة.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تعترف فيه السلطات الليبية نفسها بأن المراكز باتت عبئاً خارج السيطرة. فالوفد الليبي المشارك في جنيف اكتفى بالتأكيد أن ليبيا «تتحمل ما يفوق طاقتها»، وأنها ليست دولة منشأ للهجرة بل نقطة عبور، لكنه لم يعلن أي خطة لإغلاق المراكز أو إعادة تنظيمها، كما لم يقدم تعهدات واضحة بشأن تحسين أوضاع المحتجزين أو ضمان وصول المنظمات الدولية.
ويرى خبراء الهجرة أن الانقسام بين سلطتين في الشرق والغرب يعقّد الموقف الليبي. فمن جهة، يصعب على حكومة واحدة اتخاذ قرار موحد بشأن المراكز، ومن جهة أخرى، تتحكم مجموعات مسلحة في إدارة بعض المنشآت، وتقول مصادر حقوقية إن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لا تملك السيطرة الكاملة على عدد من المراكز الواقعة في مناطق نفوذ مجموعات مسلحة نافذة.
وتشير تقارير جنيف إلى أن المجتمع الدولي يعيد تقييم تعامله مع ليبيا، فبعض الدول الأوروبية اقترحت إنشاء آلية رقابية مشتركة تشرف عليها الأمم المتحدة، لكن غياب الإجماع الليبي الداخلي يجعل تنفيذ هذه الاقتراحات أمراً شبه مستحيل حالياً.

احتجاز قاس

إذا كان البحر يمثل خطراً ظاهراً ومباشراً على حياة المهاجرين، فإن مراكز الاحتجاز تمثل الخطر الأكثر صمتاً وصعوبة في التوثيق، فداخل هذه المراكز، التي تصفها الأمم المتحدة بأنها «غير مناسبة لإقامة البشر»، يشهد المحتجزون ظروفاً قاسية تتراوح بين التعذيب ونقص الغذاء والعلاج، وصولاً إلى العنف الجنسي والابتزاز المالي.
وتشير تقارير العفو الدولية إلى وجود اكتظاظ شديد في أغلب المراكز، حيث يتم وضع عشرات بل مئات الأشخاص في غرف صغيرة بلا تهوية كافية ويُحرم المحتجزون من الخروج إلى الهواء الطلق لفترات طويلة، فيما يشير عاملون في منظمات دولية إلى انتشار الجرب والالتهابات الجلدية بسبب نقص النظافة. وتقول شهادات إن المحتجزين لا يحصلون إلا على وجبة واحدة في اليوم، غالباً ما تكون مكونة من القليل من المعكرونة أو الخبز.
أما العنف، فهو بحسب منظمات حقوقية، «ممارسة ممنهجة» في مراكز عديدة فقد وثقت هيومن رايتس ووتش حالات ضرب بأسلاك معدنية، واعتداءات جماعية، وتعليق محتجزين من أيديهم في غرف ضيقة. وروى ناجون أن الحراس يجبرون بعضهم على الاتصال بذويهم لطلب الفدية، وأن من يعجز عن الدفع يتعرض لاعتداءات جسدية وحرمان من الماء والطعام.
العنف الجنسي أيضاً حاضر بقوة، فشهادات نساء احتُجزن في مراكز صبراتة والزاوية وغريان تشير إلى تعرضهن لاعتداءات جنسية متكررة. إحدى الناجيات قالت في شهادة وثقتها منظمة العفو الدولية إنها تعرضت للاغتصاب من قبل ثلاثة حراس خلال ليلة واحدة، بينما روت أخرى أنها شاهدت فتيات قاصرات يتعرضن للابتزاز والتهديد.
وتشير تقارير أممية إلى أن بعض المراكز تُدار عملياً كـ«مشاريع خاصة» تحقق أرباحاً من خلال الابتزاز والاتجار بالبشر فهناك شبكات تنقل المحتجزين من مركز إلى آخر مقابل المال، أو تعيد بيعهم لشبكات تهريب في جنوب ليبيا لإجبارهم على الانضمام لرحلات جديدة.
ورغم أن السلطات الليبية أعلنت مراراً إغلاق مراكز سيئة السمعة، إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن بعضها يُعاد فتحه تحت أسماء جديدة، أو يتم نقل المحتجزين منه إلى مواقع مجهولة. وتقول المنظمات الدولية إن الافتقار إلى الشفافية وغياب السجلات الرسمية للمحتجزين يجعل من الصعب تتبع أماكن وجودهم، الأمر الذي يضاعف مخاطر الإخفاء القسري.

دور أوروبي

لا يمكن فهم الأزمة الليبية بمعزل عن السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة، فالاتحاد الأوروبي يعتمد منذ سنوات سياسة تسمى «الإدارة الخارجية للهجرة»، تقوم على تمويل وتدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي بهدف اعتراض القوارب ومنع وصول المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية وقد خصصت بروكسل عبر برامج عدة عشرات الملايين من اليوروهات لهذا الغرض منذ عام 2017.
لكن هذه السياسة تواجه انتقادات واسعة من منظمات إنسانية أوروبية ودولية، التي تقول إن التعاون الأوروبي الليبي يؤدي عملياً إلى إعادة المهاجرين قسراً إلى مراكز احتجاز خطرة. فوفق القانون البحري الدولي، لا ينبغي إعادة أي شخص إلى مكان يوصف بأنه «غير آمن»، وهذا ما ينطبق على ليبيا بحسب الأمم المتحدة.
وتقول منظمات إنقاذ بحرية إن بعض عمليات الاعتراض التي ينفذها خفر السواحل تتم بعنف، بما في ذلك إطلاق النار في الهواء أو الاقتراب الخطير من القوارب وقد حدثت حوادث انقلاب خلال اعتراضات من هذا النوع وتتهم المنظمات أوروبا بأنها «تنقل مسؤولية الحدود جنوباً» من دون توفير ضمانات لسلامة المهاجرين.
في المقابل، تقول الحكومات الأوروبية إنها تموّل عمليات الاعتراض لإنقاذ الأرواح ولمنع شبكات التهريب من استغلال المهاجرين، لكن منتقدي هذه السياسة يؤكدون أن الهدف الأساسي هو تقليل أعداد الواصلين إلى أوروبا، بغضّ النظر عن مصائر الذين يُعادون إلى ليبيا.
وقد أعلنت أكثر من عشر منظمات إنسانية أوروبية خلال العام الجاري وقف تنسيقها مع خفر السواحل الليبي، وقالت تلك المنظمات إن التعاون يجعلها طرفاً في عملية الإعادة القسرية، ودعت الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة سياساته وإيجاد مسارات آمنة وقانونية للهجرة.
وتشير تقارير أوروبية مستقلة إلى أن غياب البدائل القانونية، مثل التأشيرات الإنسانية أو برامج إعادة التوطين، يدفع المهاجرين إلى ركوب البحر رغم خطورته، وأن سياسات المنع وحدها لا تؤدي إلى تراجع الرحلات، بل إلى جعلها أكثر خطراً وتعقيداً.
وتجمع التطورات الأخيرة على أن أزمة المهاجرين في ليبيا لن تجد طريقها إلى الحل قريباً، فحوادث الغرق المتكررة تؤكد أن البحر ما زال الطريق الوحيد أمام آلاف الفارين من الحروب والجوع، بينما تكشف التقارير الحقوقية أن مراكز الاحتجاز ما زالت بيئة خطيرة وغير خاضعة للرقابة، وفي الوقت ذاته، تزداد الضغوط الدولية على ليبيا من دون وجود سلطة موحدة قادرة على تنفيذ الإصلاحات، فيما يواصل الاتحاد الأوروبي سياسة الاحتواء البحري التي تحول ليبيا إلى «حاجز صد» للمهاجرين.
وبين كل هذه المعادلات، يبقى المهاجرون هم الطرف الأضعف، عالقون بين البحر والمراكز، بين شبكات التهريب والمصالح الدولية، وبين غياب الدولة وغياب الأمل. ومع غياب الحلول السياسية، لا يبدو أن المشهد سيتغير قريباً، ما لم يتفق المجتمع الدولي على وضع حدّ لهذا المسار الدامي، وإيجاد ممرات آمنة وخيارات إنسانية تليق بكرامة البشر.

بعد إعلان ترامب نيته التدخل لإنهاء الحرب في السودان… ما هي القوى المؤثرة في هذا النزاع؟

فرانس24 في مقال، لها  توضح أبرز الأطراف الفاعلة في السودان، التي سيضطر الرئيس الأمريكي للتعامل معها، ضمن لعبة مصالح اقتصادية ونفوذ وتنافس إقليمي متشابكة ومعقدة، بعد إعلان نيته التدخل لإنهاء الحرب المستمرة بين القوات النظامية بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يتزعمها محمد حمدان دقلو (حميدتي). 

بعد أن قال إنه ينوي التدخل لإنهاء الحرب الدائرة في السودان بين الجيش الحكومي وقوات الدعم السريع، سيضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعامل مع شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والنفوذ والتنافس الإقليمي. 

وتتعثر مفاوضات وقف إطلاق النار منذ أشهر في البلد الغني بالذهب وذي الأراضي الخصبة والذي يشهد حربا منذ عامين ونصف عام.

وفيما تتزايد التقارير عن حدوث فظائع، دعت الأمم المتحدة مرارا إلى وقف تدفق الأسلحة ووقف كل التدخلات الأجنبية، لكن من دون جدوى.

عبد الفتاح البرهان في مواجهة محمد دقلو

يقود الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الرئيس الفعلي للبلاد، القوات الحكومية. في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بدعم من نائبه آنذاك وقائد قوات الدعم السريع محمد دقلو، دبر انقلابا عسكريا وأقصى المدنيين من مجلس السيادة الذي شُكّل عام 2019 بعد إطاحة الرئيس عمر البشير.

في منتصف أبريل/نيسان 2023، دخل الجنرالان في صراع على السلطة ما تسبب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين وأزمة إنسانية هائلة.

انبثقت قوات الدعم السريع من الجنجويد، ميليشيا عربية مسؤولة عن المجازر في إقليم دارفور غرب البلاد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

سياسيا، تتخذ حكومة موالية للجيش مقرا في بورتسودان، الميناء الاستراتيجي على البحر الأحمر. توازيا، شكلت قوات الدعم السريع إدارة منافسة مقرها في نيالا، عاصمة جنوب دارفور.

يتهم كل طرف الآخر بالحصول على دعم من حلفاء أجانب، وينكر هؤلاء جميعا أي تورط لهم.

من هم أبرز الوسطاء في النزاع السوداني؟

  1. المملكة العربية السعودية: قرر ترامب أن يعمل على إنهاء “الفظائع المروعة” في السودان، بناء على طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وذلك بعدما اعتبر الرئيس الأمريكي لفترة طويلة أن الوضع هناك “تعمه الفوضى وخارج عن السيطرة”. دعمت الرياض الجيش السوداني عقب إطاحة البشير عام 2019، لكنها في الوقت نفسه تؤدي دور الوسيط للحفاظ على الاستقرار في منطقة استثمرت فيها المملكة الغنية بالنفط مليارات الدولارات. وتشارك السعودية في مجموعة الوساطة المعروفة باسم “الرباعية”، والتي تضم أيضا الولايات المتحدة ومصر والإمارات العربية المتحدة.
  2. مصر:  لطالما اعتبرت هذه الدولة الكبيرة المجاورة للسودان، أن البرهان هو الممثل الشرعي للسلطة، وأنه شريك قادر على الحفاظ على النظام على طول حدودها الجنوبية، التي تكثر فيها الثغرات وعلى حماية مصالحها وخصوصا تلك المرتبطة بمياه نهر النيل الحيوية. سبق أن اتهمت قوات الدعم السريع القاهرة بتقديم دعم عسكري مباشر للجيش بقيادة البرهان، وهو ما تنفيه الحكومة المصرية.
  3. الإمارات العربية المتّحدة: يتهم الجيش السوداني الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بأسلحة ومحروقات ومرتزقة يرسلون عبر تشاد وليبيا وكينيا والصومال. في المقابل، تصر أبوظبي على نفي أي تدخل في الحرب الأهلية السودانية، رغم أدلة وردت في تقارير دولية وتحقيقات مستقلة.

الجوار الأفريقي ودوره في حرب السودان 

  1. ليبيا: في يونيو/حزيران، اتهم الجيش السوداني قوات المشير خليفة حفتر بدعم هجوم قوات الدعم السريع في منطقة حدودية استراتيجية في شمال غرب البلاد، تشكل مثلثا حدوديا بين مصر وليبيا. كما اتهم حفتر بتزويد الدعم السريع بالأسلحة والوقود نيابة عن الإمارات.
  2. تشاد:  تشترك مع السودان في حدود صحراوية تمتد لمسافة 1300 كيلومتر، وتستضيف أكبر عدد من اللاجئين السودانيين. اتهم الجيش السوداني نظام الرئيس محمد إدريس ديبي مرارا بتوفير خط إمداد حيوي لشحنات الأسلحة لقوات الدعم السريع القادمة من الإمارات.  
  3. كينيا: أكد الجيش السوداني في يونيو/حزيران الماضي أنه عثر على أسلحة في مخابئ تابعة لقوات الدعم السريع في الخرطوم، تحمل ملصقات مصدرها كينيا، واتهم نيروبي بالتحول إلى نقطة عبور لمعدات عسكرية ترسلها الإمارات عبر تشاد.
  • قوى أخرى تأثر في المعادلة السودانية

  1. إيران: استأنفت الخرطوم وطهران علاقاتهما الدبلوماسية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد قطيعة بسبب انضمام السودان إلى تحالف قادته السعودية ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. من ذلك الوقت، تتهم قوات الدعم السريع إيران بتزويد الجيش السوداني بالمسيرات.
  2. تركيا: أكدت تركيا، المنافس الرئيسي للإمارات، دعمها للجيش السوداني منذ بداية الحرب. وفق وسائل إعلام، منها صحيفة واشنطن بوست، فقد زوّدته خصوصا طائرات مسيّرة استخدمت في ضرب قوات الدعم السريع.

فرانس24/ رويترز

من حصار طويل إلى “مسرح جريمة”.. هكذا تصدرت الفاشر الاهتمام الدولي

بعد حصار استمر لأكثر من عام ونصف العام، وجد سكان الفاشر شمال إقليم دارفور السوداني أنفسهم أمام موجة عنف غير مسبوقة عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وخلال أيام قليلة، ظهرت شهادات تُوثق ما عاشه المدنيون من انتهاكات جسيمة، في مدينة تُعد من الأكثر تنوعا في دارفور، مما أعاد إلى الأذهان إرث العنف العرقي الذي عاشه الإقليم قبل 20 عاما، لكنه يحدث اليوم بأدوات أكثر فتكا وبتوثيق أكبر مما كان متاحا.

ومع تدفق روايات الناجين وتأكيد الأمم المتحدة وقوع مجازر وعنف جنسي، تحوّلت الفاشر إلى “مسرح جريمة” وصارت المدينة مركز اهتمام دولي وأممي واسع، واختبارا جديدا لمسؤولية المجتمع الدولي تجاه المدنيين في السودان الذي يعيش صراعا عنيفا منذ أبريل/نيسان 2023.

1- كيف دفعت الفاشر الملف السوداني إلى صدارة الاهتمام الدولي؟

برزت الفاشر في مقدمة المشهد الدولي بصفتها آخر مدينة كبرى خارج سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور، مما جعل سقوطها نهاية أكتوبر/تشرين الأول محطّة مفصلية تعني عمليا استكمال السيطرة على المراكز الحضرية بالإقليم وتغييرا جذريا في خريطة الحرب غرب السودان.

ولكن العامل الحاسم لم يكن السقوط العسكري ذاته بل الطريقة التي سقطت بها المدينة، وما تلا ذلك من انتهاكات واسعة ضد المدنيين.

فمع توالي الشهادات عن الإعدامات الميدانية، والعنف الجنسي، والنهب والخطف، واستهداف عمال الإغاثة، وفي ظل الانقطاع شبه الكامل للاتصالات، انتقل ملف الفاشر من كونه تطورا ميدانيا إلى قضية إنسانية وحقوقية دولية تُبحث في مجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية.

ويضاف إلى ذلك أن المدينة كانت تعيش أصلا حصارا قاسيا منذ 2024، تراجع خلاله وصول الغذاء والدواء وتكررت التحذيرات الأممية من المجاعة.

ولذلك شكل سقوطها، وما صاحبه من استهداف لمدنيين جياع ومحاصرين، سببا دفع الأمم المتحدة للتأكيد على أنها تتعامل مع الفاشر باعتبارها “مسرح جريمة” يستدعي تحركا دوليا عاجلا، لا مجرد محطة عسكرية في حرب ممتدة.

2- ما طبيعة الانتهاكات بالفاشر وعلى طرق النزوح؟

بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر، تواترت شهادات من ناجين ونازحين تصف نمطا من الانتهاكات يمتد من داخل المدينة إلى الطرق المحيطة بها. ووصف توم فليتشر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ما جرى بأنه “فظائع جماعية” شملت إعدامات واحتجازا وعنفا جنسيا “على نطاق مروّع”.

وداخل المدينة، أكدت معظم الشهادات اقتحام أحياء سكنية، وإطلاق النار على مدنيين حاولوا الفرار، وعمليات إعدام ميداني، ونهبا منظما للمنازل والمتاجر تلاه حرق لأجزاء من الأحياء.

وأشارت تقارير طبية إلى أن مرافق صحية تعرضت لاعتداءات أو تعطيل شبه كامل، في سياق انهيار متواصل للبنية الصحية منذ فترة الحصار. وكشفت صور الأقمار الصناعية التي استندت إليها منظمات حقوقية روايات السكان عن تغيّر كبير في ملامح أحياء وأسواق بعد الهجوم، بما يرجح وقوع هدم وحرق واسع النطاق.

أما خارج الفاشر، خصوصا على الطريق الطويل الذي سلكه نازحون إلى مخيم الدبّة شمالا أو إلى طويلة غربا، برزت صورة أخرى للعنف، إذ تحدث نازحون عن مسارات فرار امتدت لآلاف الكيلومترات في غياب الماء والغذاء.

وأكد الناجون أن الجثث تناثرت على جانبي طريق الفرار، كما انتزعت نقاط تفتيش الدعم السريع الأموال والهواتف والذهب، وتعرضت النساء لتفتيش مهين ومحاولات اعتداء أو اغتصاب.

وفي هذا السياق، أعلنت شبكة أطباء السودان توثيق 32 حالة اغتصاب لفتيات من الفاشر ومحيطها وصلن إلى منطقة طويلة، بعضها وقع داخل المدينة عقب الاجتياح وبعضها الآخر على طرق الهروب، غير أن التقديرات تشير إلى أن أعداد النساء اللواتي تعرضن للاعتداء الجنسي أكبر من ذلك بكثير.

وبحسب المجلس النرويجي لشؤون اللاجئين، فرّ أكثر من 80 ألف شخص من أصل 260 ألف مدني من الفاشر بعد سيطرة الدعم السريع عليها، لكن حوالي 7 آلاف فقط من الفارين وصلوا إلى مخيم طويلة على بُعد 60 كيلومترا فقط.

ولا يزال مصير عشرات الآلاف الآخرين الذين فروا مجهولا، كما أن مصير من بقوا في الفاشر مجهول أيضا، وفق ما نشرته صحيفة “تايم” نقلا عن المصدر السابق.

3- ما أبرز الانتهاكات؟

بالتوازي مع ذلك، وثقت مصادر محلية وحقوقية وصور أقمار صناعية ارتكاب قوات الدعم السريع مجزرة كبيرة في المستشفى السعودي بالفاشر يوم 28 من الشهر الماضي، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 460 شخصا من المرضى والمرافقين، ودفنهم لاحقا في مقبرة جماعية، إضافة إلى خطف عدد من الكوادر الطبية.

وأفادت الأمم المتحدة بأن الهجوم الدموي على المستشفى ترك آلاف الحوامل في الفاشر بلا أي رعاية، واضطرت كثيرات منهنّ للولادة في الشوارع والملاجئ المؤقتة.

ووثّق مكتب الأمم المتحدة أيضا هجمات استهدفت جامعا كان يؤوي نازحين، مما خلّف ما لا يقل عن 20 قتيلا وعشرات الجرحى، في انتهاك مزدوج باستهداف مكان عبادة من جهة، ومأوى للمدنيين الفارين من القتال من جهة أخرى.

جانب من آثار الدمار التي لحقت بالمستشفى السعودي (صحة شمال دارفور على فيسبوك)

4- هل لعبت وسائل التواصل دورا في لفت اهتمام العالم؟

عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت صور ومقاطع فيديو توثق الجرائم -التي وقعت في الفاشر داخل المدينة أو على الطرق المحيطة، بعضها نشره أفراد يقدمون أنفسهم عناصر في الدعم السريع- تظهر إطلاق نار على مدنيين، وتفاخرا بالسيطرة على أحياء وبما جرى فيها من قتل وسرقات.

وإلى جانب ذلك، نقل نازحون وناشطون محليون عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد الهروب الجماعي، والجثث المتناثرة على الطرقات.

ومنح هذا التوثيق اللحظي المنظمات الحقوقية مادة خام للتحقق منها وتحويلها إلى تقارير قانونية، خصوصا عندما جرى ربطها بصور الأقمار الصناعية التي أكدت وقوع الحوادث.

كما لعب الناشطون السودانيون دورا في توسيع دائرة اهتمام الرأي العام الدولي، عبر حملات رقمية أعادت توجيه الإعلام والنقاشات السياسية والحقوقية دوليا نحو الفاشر.

5- هل حملت الانتهاكات أبعادا عرقية؟

ربطت تصريحات أممية الانتهاكات التي وقعت في الفاشر، التي تضم قبائل عربية وأفريقية، بنمط أوسع من العنف العرقي في دارفور منذ 2023، خاصة ضد جماعات مثل المساليت، الذين تتهم منظمات دولية قوات الدعم السريع بقتل ما يصل إلى 15 ألفا منهم في الجنينة وحدها خلال 2023.

كما ظهر البعد العرقي في شهادات تحدثت عن استهداف مجموعات بعينها، وفي تحذيرات خبراء الأمم المتحدة من خطر حقيقي ومتزايد لوقوع إبادة جماعية، بما يعيد إنتاج ما شهدته دارفور قبل 20 عاما من قتل للمدنيين على أساس هويتهم.

وبدوره، حذر الاتحاد الأفريقي من أن استهداف المدنيين في الفاشر يتخطى إطار المواجهة العسكرية، ويميل بوضوح إلى نمط “عنف موجّه ضد مجموعات سكانية محددة” مطالبا بتحقيق مستقل وعاجل.

سودانية بعد رحلة نزوح مرهقة من الفاشر تنتظر السماح لها بدخول مخيم الدّبة (رويترز)

6- كيف انعكس الاهتمام الأممي على مواقف الدول؟

إلى جانب البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة، اتجهت دول غربية إلى استخدام لغة أكثر صرامة في توصيف ما جرى في الفاشر، معتبرة أن الهجمات على المدنيين قد تشكل جرائم حرب.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وقّعت أكثر من 20 دولة غربية، بينها المملكة المتحدة وألمانيا والسويد وهولندا وكندا وأستراليا وإسبانيا، بيانا مشتركا ندد بانتهاكات قوات الدعم السريع داعيا إلى وقف فوري للهجمات وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

ويعكس هذا التوافق الدبلوماسي الواسع انتقال الملف من تحذيرات أممية إلى إجماع دولي سياسي يُحمّل أطراف النزاع مسؤولية مباشرة، ويضع الفاشر في صدارة أولويات النقاش حول مستقبل السودان وضرورة المساءلة الدولية.

المصدر: الجزيرة + وكالات

حرب السودان.. كيف وصلت أسلحة ألمانية لقوات الدعم السريع؟

تتحدث تقارير إعلامية عن ظهور أسلحة ألمانية الصنع في السودان. فأي نوع من الأسلحة تلك التي تستعمل في حرب أهلية ضارية؟ وكيف وصلت إلى هناك؟

تشن ميليشيا قوات الدعم السريع حربا ضارية في السودان، وترصد بعض التقارير وجود أسلحة أوروبية لديها. تقرير حول الموضوع نشره موقع تاغس شاو، تحدث عن أدلة مصورة حللها موقع “ريبورت ماينز” الألماني، توضح أن الميليشيا تمتلك أسلحة من ألمانيا.

ويذكر موقع تاغس شو الألماني، أن “ريبورت ماينز” حلل مقاطع فيديو وصور، يُعتقد أنها التُقطت في السودان، وتعود إلى المراحل الأولى من الحرب. تُظهر إحدى الصور رجلا يرتدي زي قوات الدعم السريع وهو يحمل بندقية. وقد تمكنت صحيفة “ريبورت ماينز” من تحديد هويته، وقد كان موجودا في العاصمة السودانية الخرطوم وقت التقاط الصورة.

 تكتسب الصورة أهميةً كبيرةً، إذ يشير التعليق إلى أن السلاح المستخدم هو بندقية G36C من إنتاج شركة “هيكلر آند كوخ” الألمانية. كما تعرّف خبراء الأسلحة على البندقية خلال محادثاتهم مع “ريبورت ماينز”، وكذلك في مقطعي فيديو آخرين يُزعم أنهما يُظهران نوعًا آخر من بندقية G36 في السودان.

كيف وصلت أسلحة ألمانية لأيدي مقاتلين في السودان؟

ردّت “هيكلر آند كوخ” على استفسار من “ريبورت ماينز”، وجاء الجواب كما ذكره موقع تاغس شاو، أن “الأسلحة المصورة في الصور تبدو وكأنها أنواع مختلفة عن بندقية G36. ومع ذلك، لا تُتيح الصور إمكانية للوصول إلى أي استنتاجات موثوقة، أي لا يمكننا تقييم ما إذا كانت الأسلحة المصورة قد وصلت إلى مثل هذا الصراع دون معرفة رقمها التسلسلي، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف حدث ذلك؟”.

بالنسبة لخبير الأسلحة مايك لويس: “من الواضح أن القوات في السودان تتلقى إمدادات مُستمرة من المعدات، جوًا وبرًا”.ولويس الذي أجرى سابقًا أبحاثا عن السودان لصالح الأمم المتحدة، يعتبر أن “كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمركبات العسكرية وغيرها دخلت السودان”. وتتحدث تقارير كثيرة عن وجود أسلحة أوروبية أخرى في السودان، منها قذائف هاون من بلغاريا.

مزاعم ضد الإمارات العربية المتحدة

ماكس موتشلر باحث في شؤون النزاعات في المركز الدولي لدراسات النزاعات في بون (BICC) يرى أنه من الملحوظ عموما في العديد من الحروب الأهلية في القارة الأفريقية “أن الأسلحة تنتقل من منطقة نزاع إلى أخرى”. وينطبق هذا أيضا على السودان، سواء بالنسبة للقوات الحكومية أو ميليشيات الدعم السريع المتمردة. علاوة على ذلك، تم تصدير قاذفات قنابل G36 إلى عدة دول خارج أوروبا.

ظهرت أسلحة أوروبية بشكل متكرر في السودان خلال الحرب الأهلية، وقد تمكنت قناة فرانس 24 التلفزيونية الفرنسية من تتبع مصدر قذائف الهاون التي عُثر عليها في الصحراء السودانية باستخدام مذكرة تسليم، والتي حصل عليها موقع “ريبورت ماينز” أيضا. ووفقًا للمذكرة، تم تسليم القذائف من بلغاريا إلى شركة في الإمارات العربية المتحدة، ولا يزال من غير الواضح كيف وصلت إلى السودان.

تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع لسنوات، لكنها نفت ذلك في بيان لموقع “ريبورت ماينز”. تقرير موقع “تاغس شاو” يرى أن هناك مؤشرات على وجود نظام أسلحة منشأه الإمارات، وانتهى به المطاف في السودان، ومنها ناقلة الجنود المدرعة التي تصنعها شركة “نمر أوتوموتيف”.

وتُظهر لقطات من السنوات الست الماضية، والتي حللها موقع “ريبورت ماينز”، المدرعة على الطرق السودانية. ووفقًا لمراقبين، تلعب هذه المدرعات دورا مهمًا في الحرب الأهلية، وخاصة بالنسبة لقوات الدعم السريع.

مسار يؤدي إلى ألمانيا

عُثر على تكنولوجيا أوروبية على متن المركبات التي وُجدت في السودان وداخلها: نظام دفاع من فرنسا ومحرك مُصنّع خصيصًا في إنجلترا. قادت التحقيقات التي أجراها موقع “ريبورت ماينز” إلى شركة ألمانية تُدعى “ويباستو”، وهي شركة مُصنّعة لتقنيات التدفئة وتكييف الهواء، وقد سبق لها تقديم حلول للتحكم في مشاكل المناخ.

ورفضت “ويباستو” التعليق على أسئلة مُحددة، لكنها أوضحت سياستها العامة في التصدير: “نُبرم عقود التوريد بشرط الالتزام الصارم بحظر الأسلحة المعمول به من قِبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدولة المُصدّرة المعنية”. ولم تُجب شركة “نيمر أوتوموتيف” على أسئلة “ريبورت ماينز”.

ودعا أديس أحمدوفيتش، المتحدث باسم السياسة الخارجية في الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، الحكومة الألمانية إلى اتباع نهج مختلف تجاه صادرات الأسلحة، قائلاً: “إذا اتضح أن جهات أجنبية تستخدم أسلحة ألمانية، فيجب إعادة النظر في هذا الأمر”.

وذكرت الوزارة الاتحادية للشؤون الاقتصادية والطاقة، رداً على استفسار من “ريبورت ماينز”، أنها “لم تتوصل إلى نتائج مستقلة تتعلق بالسؤال المطروح”. وأوضحت الوزارة أنها لم تتحقق من أماكن وجود الأسلحة المُسلّمة إلى الإمارات العربية المتحدة إلا مرة واحدة منذ عام 2017، دون العثور على أي مشاكل.

DW عربية

فظائع الفاشر تعيد للسودانيين في المهاجر شبح مجازر دارفور

القاهرة (أ ف ب) – بعد مرور عشرين عاما على حرب دارفور التي شهدت بعضا من أسوأ الفظائع في مطلع القرن الحادي والعشرين، يقول سودانيون نزحوا من الإقليم ويعيشون اليوم في الشتات إن الكابوس عاد، وكأنه “لم ينتهِ أبدا”.

وتعيد مشاهد العنف في مدينة الفاشر، بعد سقوطها في قبضة قوات الدعم السريع، ذكريات المذابح التي شهدها الإقليم قبل عقدين.

وفي نهاية الشهر الماضي أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على الفاشر، آخر المعاقل الرئيسية للجيش السوداني في دارفور، قبل أن تخرج شهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وهجمات استهدفت عمال إغاثة، إضافة إلى عمليات نهب وخطف، في وقت لا تزال فيه الاتصالات مقطوعة إلى حدّ كبير.

وحذّرت الأمم المتحدة من إعدامات تُرتكب على أساس عرقي على يد قوات الدعم السريع المنبثقة مما كان يُعرف أثناء حرب 2003 باسم ميليشيا الجنجويد.

ويقول عبد الله ياسر آدم، وهو باحث سوداني نزح من نيالا ويقيم حاليا في القاهرة “أحيانا لا يمكنني تصديق أن ذلك يحدث مرة ثانية”.

ويضيف لوكالة فرانس برس أن “الناس تموت دون أن تعرف لماذا.. أشعر وكأنها نهاية العالم”.

ينتمي آدم، البالغ 45 عاما والذي استخدم اسما مستعارا حفاظا على أمنه، إلى قبيلة الفور وهي واحدة من عدة جماعات غير عربية تمردت على النظام السوداني مطلع الألفية، فقمعتها السلطة عبر تسليح ميليشيات الجنجويد العربية.

وخلال العقدين الماضيين، نزح ستة ملايين سوداني خارج البلاد، بينهم أربعة ملايين فرّوا منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين الجيش والدعم السريع في نيسان/أبريل 2023.

ويروي ناجون من الهجوم على الفاشر مشاهد تُذكّر بما عاشه آدم قبل عشرين عاما.

ويستعيد تلك الحقبة قائلا إن “الطيران من فوق، والجنجويد من تحت بالجمال والأحصنة والعربات يضربون ويحرقون القرية”.

ويتابع “كان ذلك يحدث بعد أن يستسلم الناس. كانوا يجرون والمسلحون وراءهم كأنها عملية صيد”. واليوم، كما يقول، فالهجمات هي نفسها، لكن بأسلحة أكثر تطورا.

“صورة مصغّرة لما سيأتي”

يقود محمد حمدان دقلو (حميدتي) قوات الدعم السريع، بعدما برز دوره خلال الأعوام 2003–2008 في عهد الرئيس السابق عمر البشير، أثناء قمع تمرد قبائل مهمّشة مثل الفور والمساليت والزغاوة والبرتي.

خلّفت تلك الحرب 300 ألف قتيل و2,7 مليون نازح، ووصفتها المحكمة الجنائية الدولية بالإبادة الجماعية.

وبعد إطاحة البشير عام 2019، حاول حميدتي تقديم نفسه كرجل دولة وحليف للجيش، وفق محللين، لكن الخلافات حول دمج قواته في الجيش أشعلت الحرب الحالية.

وترى الشاعرة السودانية–الأميركية امتثال محمود، التي نجت طفلة من معارك بداية الألفية، أن إبادة دارفور “لم تتوقف أبدا”.

وتقول محمود (32 عاما) التي تعيش في فيلادلفيا منذ سن الخامسة لوكالة فرانس برس “أصبح الأمر أكثر تعقيدا سياسيا، لكن القتل لم يتوقف”، معتبرة أن الجيش والدعم السريع كلاهما ارتكب فظائع في الماضي.

وتوضح “كان الجيش يقصف قرانا بأكملها بينما ينتظر الجنجويد” لقتل الناجين، مضيفة أنهم “كانوا يحرقون المحاصيل، ويلقون الجثث في الآبار، ويغتصبون النساء والأطفال”.

وتتذكر محمود من طفولتها في الفاشر رؤية “الدخان يتصاعد من وسط المدينة” جراء قصف الجنجويد للأسواق والحشود.

وتروي أنه “كان علينا الاختباء. في ذلك اليوم اختبأت تحت الفراش مع أربعة آخرين.. ورأيت أحذية الجنود تدخل.. ورأيت دماءنا على أقدامهم”. وفي اليوم نفسه شاهدت عمّها “ملطخا بالدماء” بعدما تطوع لإسعاف الضحايا “وبدت هذه اللحظة كصورة مصغرة لكل ما سيأتي”.

وفي نيالا، كما يروي آدم، “كنا نستقبل ضحايا الاحتكاكات بين الميليشيات وأصحاب المزارع.. كانت القرى البعيدة الأكثر تضررا”.

ويضيف أن “الفارّين كانوا يصلون حفاة وعلى الدواب.. ليس معهم طعام.. والأطفال يعانون سوء تغذية واضح.. كانت مشاهد صعبة جدا”.

لذلك يرى آدم أن الجيش وميليشيا الجنجويد “وجهان لعملة واحدة”، فربما تبدلت الأدوار اليوم، “لكن الشعب السوداني لا يزال هو الضحية”.

وخلال النزاع الحالي، يُتهم الجيش بشن غارات جوية عشوائية وباستخدام أسلحة كيميائية، بينما تُتَّهم قوات الدعم السريع بعمليات قتل جماعي واغتصاب ونهب.

أبعد من دارفور

وبعد سقوط الفاشر، أصبحت جميع عواصم ولايات دارفور الخمس تحت سيطرة قوات الدعم السريع، ما يدفع نحو تقسيم فعلي للسودان بين الجيش في الشمال والشرق، والدعم السريع في دارفور وأجزاء من الجنوب.

ويحذر مراقبون ومنظمات دولية من توسع رقعة القتال إلى مدن كردفان وخاصة منطقة جبال النوبة التي تضم قبائل أفريقية مسيحية.

ويقول كومان سعيد المقيم في أوغندا لفرانس برس “تاريخيا، يشبه الوضع (في كردفان) دارفور تماما”.

ويحذّر سعيد من مذبحة جديدة “مثل ما حدث في الفاشر” إذا سيطرت قوات الدعم السريع على مدينتَي الدلنج وكادوغلي في جنوب كردفان، المحاصرتين من قبل قوات الدعم السريع بينما لا تزالان تحت سيطرة الجيش.

وفي دارفور، حيث شكّلت قوات الدعم السريع حكومة موازية، يقول السكان إن حياتهم بات يخيّم عليها الخوف.

وتُتَّهم هذه القوات بقتل ما يصل إلى 15 ألف مدني من قبيلة المساليت في الجنينة، عاصمة غرب دارفور، في أواخر 2023.

ويقول عمر، الذي يتواصل مع أصدقاء له في نيالا ومدن أخرى “من المساليت مثلي”، إن هؤلاء “يعيشون في خوف من استهدافهم”.

حرب السودان تنذر بـ”فوضى عالمية”

منذ سقوط الفاشر، دخل السودان مرحلة جديدة من الفوضى والدماء. تتوالى شهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وسط تجاهل دولي. ويقول خبراء إن السودان بات يتحول إلى ساحة صراع دولي على الذهب والمياه والزراعة، في حرب تمزيق البلاد.

منذ سقوط الفاشر آخر المعاقل الرئيسية للجيش السودان في إقليم دارفور، توالت الشهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وهجمات على عمال الإغاثة وعمليات نهب وخطف.

في هذا السياق يقول الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وأوروبا مارك شامبيون في مقال نشره موقع “بلومبرغ” إن ثمة لحالة من التجاهل الغربي للصراع الدموي في السودان  رغم أن حجم المعاناة الإنسانية الناجمة عن هذا الصراع تفوق ما الصراع في  أوكرانيا وغزة.

وقال إن الحرب الأهلية السودانية، التي بدأت عام 2023، تُعد نموذجا “للفوضى المسلحة التي قد تميز العالم في مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية.”

ويشير شامبيون إلى أن الصراع في السودان يجذب قوى إقليمية ودولية تسعى للنفوذ، مثل الإمارات والسعودية  وقطر ومصر، إضافة إلى الصين وروسيا وإيران وليبيا.

وقال الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وأوروبا إن الذهب والزراعة والمياه وموانئ البحر الأحمر هي أبرز المكاسب التي تتنافس عليها هذه الأطراف.

وأشار إلى أن الوضع الإنساني في السودان باتت كارثيا إذ يعاني ملايين النازحين من الجوع، منتقدا عدم وجود أي إرادة دولية حقيقية لحل الأزمة.

والمح إلى أن تقسيم السودان إلى شرق وغرب هو السيناريو الأكثر احتمالا، مما يهدد بتكرار تجربة جنوب السودان التي انتهت بصراعات داخلية.

وأشار الكاتب إلى أن طريق حل الأزمة في السودان تبدأ بالعمل على تحقيق تسوية بين القوى الأجنبية المتنافسة ورطة في السودان، كخطوة أولى لتجنب العودة إلى صراعات القرن التاسع عشر على النفوذ والموارد في عالم متعدد الأقطاب.

دور الإمارات المزدوج

وسلط الكاتب الضوء على أن الإمارات تلعب دورا مزدوجا فهي تدعم  قوات الدعم السريع  وتشتري الذهب من الحكومة السودانية، مما يجعلها ممولا للطرفين.

وكشف الكاتب أنه بحسب البنك المركزي السوداني، فقد اشترت الإمارات نحو 97٪ من صادرات السودان الرسمية من الذهب في عام 2024، وهي صادرات تخص حكومة  عبد الفتاح البرهان، قائد  الجيش.

في المقابل، تراجعت الولايات المتحدة عن دورها التقليدي في الوساطة، بسبب مصالحها مع دول الخليج، وغياب السودان عن أولويات إدارة ترامب.

الوضع الإنساني كارثي: ملايين النازحين، وملايين يعانون من  الجوع، ولا توجد إرادة دولية حقيقية لحل الأزمة. ويبدو أن تقسيم السودان إلى شرق وغرب هو السيناريو الأكثر احتمالًا، مما يهدد بتكرار تجربة جنوب السودان التي انتهت بصراعات داخلية.

في هذا الإثناء، قُتل 40 شخصا على الأقل وأصيب آخرون في هجوم على تجمع عزاء في الأُبيض عاصمة شمال كردفان، بحسب ما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الأربعاء .

ولم يحدد المكتب الجهة التي تقف وراء الهجوم في الوقت الذي تشهد فيه مدن كردفان تواجدا مكثفا للجيش السوداني الذي يسيطر على المدينة وقوات الدعم السريع التي تحاول إحراز تقدم فيها.

مزيد من التدهور

وتعتبر الأُبيض نقطة حيوية على الطريق الذي يصل الخرطوم بإقليم دارفور الذي أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها عليه الأسبوع الماضي بالسيطرة على الفاشر.

وتعد الأبيض طريقا رئيسا للإمدادات ومركزا لوجستيا وقياديا، علما أنها تضم مطارا أيضا.

وحذر مكتب  الأمم المتحدة  لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن “الوضع الأمني في منطقة كردفان مستمر في التدهور”.

وأفاد سليمان بابكر الذي يقطن أم صميمة الواقعة غرب الأُبيّض فرانس برس بأن “عدد مركبات قوات الدعم السريع ازداد” في المنطقة بعد سيطرتها على الفاشر.

وتتهم قوات الدعم السريع المنبثقة من ميليشيات الجنجويد بأنها ارتكبت قبل عقدين إبادة جماعية ومذابح إثنية في دارفور. وتواجه كذلك اتهامات بارتكاب جرائم وأعمال عنف خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.

ويواجه الجيش كذلك اتهامات باستهداف المدنيين والبنية التحتية في مناطق سيطرة الدعم السريع.

وأسفر النزاع في السودان حتى الآن عن مقتل عشرات الآلاف وأجبر نحو 12 مليونا على النزوح أو اللجوء خارج البلاد، وتسبب بأكبر أزمتي نزوح وجوع في العالم، وفق الأمم المتحدة.

الفاشر: خطف ومجاعة و”أجساد النساء مسرح” لحرب السودان

تتحول الفاشر إلى مسرح لانتهاكات مروعة، حيث تروي نساء نازحات فصولا من القتل والاغتصاب والخطف، في ظل مجاعة خانقة ونزوح جماعي وجحيم الفرار. ومسؤولة أممية تقول “أجساد النساء باتت مسرحا للجريمة في السودان”.

تعكس شهادات الفارين من جحيم الفاشر قساوة الوضع الحالي، بعد نحو أسبوعين من سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة الواقعة في إقليم دارفور. من بين هؤلاء، منير عبد الرحمن، الذي فقد والده المنتسب إلى الجيش، وكان يعالج في مستشفى بالفاشر خلال رحلة مضنية إلى تشاد.

يروي الفتى البالغ من العمر 16 عامًا، بتأثر بالغ، كيف اقتحم عناصر الدعم السريع المستشفى السعودي حيث كان يرقد والده للعلاج من إصابة تعرض لها أثناء المعارك قبل أيام. وقال في مقابلة مع وكالة “فرانس برس”: “نادوا سبعة ممرضين إلى غرفة، سمعنا صوت إطلاق رصاص، ورأينا الدم يسيل أسفل الباب”.

قالت الأمم المتحدة إن نساء الفاشر تعرضن لـ”أهوال لا يمكن لأحد تحملها على الإطلاق”.صورة من: Mohammed Jamal/REUTERS

أجساد النساء باتت مسرحا للجريمة

وفي سياق متصل، قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، اليوم الثلاثاء (11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، إن النساء النازحات من الفاشر أبلغن عن عمليات قتل واغتصاب ممنهجة وخطف لأطفالهن، بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.

وأوضحت المديرة الإقليمية للهيئة في شرق وجنوب أفريقيا، آنا موتافاتي، للصحفيين في جنيف عبر الفيديو من نيروبي، أن النساء تعرضن لـ”أهوال لا يمكن لأحد تحملها على الإطلاق”.

وأضافت أن العنف الجنسي منتشر بشكل كبير، مؤكدة: “توجد أدلة واضحة على أن الاغتصاب يُستخدم بشكل متعمد ومنهجي كسلاح في الحرب”.

وتابعت: “أجساد النساء باتت مسرحا للجريمة في السودان. لم تعد هناك مناطق آمنة، ولا مكان يمكن للنساء أن يجتمعن فيه بأمان لطلب الحماية أو حتى للحصول على أبسط أشكال الرعاية النفسية والاجتماعية”.

“كارثة أكبر”

وحذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن الجهود الإنسانية في ولاية شمال دارفور قد تتوقف تماما ما لم يتم توفير تمويل فوري وضمان إرسال إمدادات الإغاثة بأمان.

وذكرت المنظمة في بيان: “باتت العمليات الإنسانية الآن على شفا الانهيار، رغم ازدياد الحاجة. المستودعات شبه خالية، وقوافل المساعدات تواجه غيابًا كبيرا للأمن، ولا تزال قيود الوصول تحول دون توصيل ما يكفي من المساعدات”.

وأوضحت أن هناك حاجة ملحة لتخفيف الأثر الإنساني للحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، محذرة من “كارثة أكبر” ما لم تتم الاستجابة لهذه المناشدة.

حذرت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، آمي بوب، من موجة نزوح دراماتيكية يشهدها السودان.صورة من: NRC/AP Photo/picture alliance

“نزوح دراماتيكي”

ولا تنتهي معاناة الفارين بمجرد مغادرتهم المدينة، فخارج حدودها تبدأ محنة جديدة. وأفاد شهود بأنهم اضطروا لدفع مبالغ مالية عند نقاط التفتيش، راوحت بين 500 ألف ومليون ليرة سودانية (ما بين 700 و1400 يورو) عند كل نقطة.

وقد حذرت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، آمي بوب، من موجة نزوح دراماتيكية يشهدها السودان، مع فرار نحو 90 ألف شخص من الفاشر شمال ولاية دارفور خلال أسبوعين، وسط انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل الجماعي والعنف العرقي والجنسي.

وقالت بوب، في مستهل زيارة تستغرق خمسة أيام إلى السودان الذي مزقته الحرب: “إن الأزمة في الفاشر هي النتيجة المباشرة لحصار دام قرابة 18 شهرا، تسبب في حرمان العائلات من الغذاء والماء والرعاية الطبية”.

المصدر: مؤسسة DW

الساحل الأفريقي اصبح تربة خصبة لتنامي الحركات المتطرفة وسط فشل عالمي للحرب على الارهاب في المنطقة

باماكو – شهد إقليم الساحل الإفريقي واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في العالم المعاصر، حيث يتداخل الانهيار الاجتماعي مع الانقسام الإثني والاضطراب السياسي ليشكّل تربة خصبة لتنامي الحركات المتطرفة.

ويجد الشباب في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهم ضحايا الفقر والعزلة وتفكك البنى التقليدية، أنفسهم في فراغ هويّاتي عميق، يدفعهم نحو الانخراط في جماعات جهادية تقدّم لهم ما فقدوه في مجتمعاتهم: الانتماء، المعنى، والإحساس بالكرامة.

ويرى الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة كريس مينساه-أنكراه في تقرير نشرته مؤسسة جيمس تاون أن الظاهرة ليست وليدة فكر متطرف فحسب، بل نتاج أزمة نفسية واجتماعية ممتدة.

و لم تعد التفسيرات الاقتصادية والسياسية كافية لتوضيح أسباب انضمام الآلاف من الشباب إلى التنظيمات المسلحة. فالباحثون يشيرون إلى مسار نفسي واضح يبدأ بفقدان الإحساس بالذات، ثم الانعزال عن الجماعة، لينتهي بالاحتماء بجماعات تقدم بديلًا عن الأسرة والمجتمع.

المطلوب ليس فقط تسليح الجيوش، بل ترميم الروابط الاجتماعية عبر التعليم، ودعم الزعامات المحلية، وتمكين الشباب من المشاركة في إدارة مجتمعاتهم.

وهنا تتحول الجماعة المسلحة إلى “أسرة بديلة” توفر دفئًا زائفًا، وتُعيد تعريف مفاهيم الشرف والولاء، فتمنح هؤلاء الشباب هوية جديدة قائمة على الطاعة والانتقام.

وتتجلى المعضلة بوضوح في مجتمعات الرعاة كالطوارق والفولاني، الذين يعيشون على أطراف الدول ويعتمدون على أنماط عيش رعوية تقليدية.

ومع تغيّر المناخ وتزايد التصحر، تحولت حياة الرعي إلى صراع من أجل البقاء، حيث تتناقص المراعي والمياه وتشتد النزاعات مع المجتمعات الزراعية المستقرة.

ومع كل دورة من العنف، يتفتت النسيج الاجتماعي أكثر، وتتراجع سلطة الشيوخ والوجهاء لصالح الميليشيات التي تقدم نفسها كحامية للكرامة والعشيرة.

وهكذا يصبح الانخراط في القتال فعلًا دفاعيًا في نظر الشباب، قبل أن يتطور إلى قناعة أيديولوجية. لكن المأساة لا تقتصر على المناطق الريفية. فمدن الساحل التي تمتلئ بالعاطلين والمهاجرين والنازحين تشهد بدورها حالة من التفكك الاجتماعي الحاد.

وفي أحياء فقيرة مكتظة كضواحي باماكو ونيامي وواغادوغو، يعيش جيل كامل بلا فرص تعليم أو عمل، مع شعور متزايد بالتهميش من الدولة والمجتمع.

ومع انهيار مؤسسات الرعاية وضعف الخدمات، تظهر الجماعات المتطرفة كمنظومة بديلة توفر النظام والانتماء، ولو بثمن العنف. هكذا ينجذب شباب المدن إلى “الجهاد” بحثًا عن هوية تمنحهم مكانة وسط عالم فوضوي.

وتفسّر النظريات النفسية هذا الانجذاب من خلال ما يسمى “بأزمة الهوية”، وهي المرحلة التي يعيش فيها الشاب صراعًا بين الحاجة إلى الانتماء والرغبة في الاستقلال.

وفي مجتمعات الساحل، حيث تُفرض الطاعة للأعراف والسلطة الأبوية منذ الطفولة، لا يتاح مجال للاكتشاف الذاتي أو التفكير المستقل.

وعندما تنهار هذه السلطات التقليدية بفعل النزوح والحروب، يجد الشاب نفسه في فراغ وجودي عميق، يبحث فيه عن بديل سلطوي جديد. هنا يتسلل دعاة التطرف ليقدّموا أنفسهم كقادة روحيين يعيدون النظام المفقود ويمنحون الحياة معنى “جهاديًا” يتجاوز الفوضى المحيطة.

وتستثمر التنظيمات المسلحة كجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو “داعش الصحراء الكبرى” هذه الثغرات النفسية والاجتماعية ببراعة. فهي لا تعتمد فقط على الخطاب الديني، بل تبني “شبكات أخوّة” داخل معسكراتها، حيث يعيش المقاتلون كعائلة متماسكة، يتشاركون الطعام والمهام والخوف والأمل.

وفي تلك البيئة المغلقة، تتحول العلاقات إلى ما يسميه الخبراء “الأخوّة الزائفة”، إذ يصبح الولاء للجماعة بديلاً عن الأسرة، والطاعة للقائد بديلاً عن الأب، والانتماء إلى المعسكر بديلاً عن الوطن. هكذا يتم بناء منظومة ولاء عاطفي تجعل الانفصال عن الجماعة أمرًا شبه مستحيل.

في أحياء فقيرة مكتظة كضواحي باماكو ونيامي وواغادوغو، يعيش جيل كامل بلا فرص تعليم أو عمل، مع شعور متزايد بالتهميش من الدولة والمجتمع

ومع طول أمد الصراع، باتت هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا. فالمجند الجديد في التنظيم ليس بالضرورة متدينًا متشددًا، بل شاب يبحث عن العدالة، أو يريد الانتقام لمقتل والده أو فقدان ماشية أسرته، أو ببساطة يسعى لإثبات ذاته. في ظل غياب مؤسسات الدولة، تصبح هذه التنظيمات الوسيلة الوحيدة لتحقيق معنى ما في الحياة، ولو كان زائفًا. وهذا ما يفسّر استمرار تجدد الحركات الجهادية رغم الحملات العسكرية الواسعة ضدها.

ويعود فشل المقاربات الأمنية في القضاء على التطرف في الساحل إلى تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي للأزمة. فالقضاء على “داعش” أو “القاعدة” عسكريًا لا يكفي، ما لم تتم إعادة بناء المجتمعات من الداخل.

والمطلوب اليوم ليس فقط تسليح الجيوش، بل ترميم الروابط الاجتماعية عبر التعليم، ودعم الزعامات المحلية، وتمكين الشباب من المشاركة في إدارة مجتمعاتهم. إذ إنّ إعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها هي الخطوة الأولى لإغلاق الباب أمام الجماعات المتطرفة.

إنّ مأساة الساحل ليست في صحرائه ولا في فقره، بل في فقدان الانتماء. فحين ينهار الإحساس بالهوية، يصبح العنف هو اللغة الوحيدة للتعبير عن الذات.

وما لم يُعالج هذا الجرح النفسي العميق، ستظل المنطقة ساحة مفتوحة للتمرد والتطرف، تتناسل فيها الأجيال المقاتلة جيلاً بعد جيل، بحثًا عن معنى ضائع لم يجدوه في مجتمعاتهم، فوجدوه في البندقية.

هل تستطيع القوى الأجنبية المعنية إيقاف الحرب؟

يعتمد طرفا النزاع في السودان على دعم خارجي متنوع، ما يثير تساؤلات حول أدوار القوى المنخرطة في الأزمة، مثل مصر والإمارات وإيران وتركيا. فهل تسعى هذه الأطراف فعلاً لإنهاء الحرب؟ وهل تملك أدوات الضغط الكافية لتحقيق ذلك؟

لولا الدعم الخارجي، لما استطاع أيٌ من الطرفين في السودان إطالة أمد الحرب. وقد أدى هذا الصراع إلى تحول البلاد إلى أحد أسوأ مناطق الكوارث الإنسانية في العالم، وأدى مؤخراً إلى عمليات قتل جماعي وارتكاب فظائع ضد المدنيين السودانيين في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، والتي تعد أيضا، من الناحية التاريخية، عاصمة إقليم دارفور بأكمله.

اندلعت الحرب في أبريل/ نيسان 2023 عندما اختلفت القوات المسلحة السودانية، حول دمج قوات الدعم السريع شبه العسكرية في الجيش النظامي.

ونظرا لاستمرار القتال في دارفور، فلا يمكن تقدير عدد القتلى، لكن منظمات الإغاثة والأمم المتحدة قالت إن عددهم تجاوز 140 ألف قتيل.

يبلغ عدد سكان السودان51 مليون نسمة، ويعتمد حوالي نصف هذا العدد على المساعدات الإنسانية. وقد انتشرت المجاعة والأمراض بشكل كبير، وتضررت أجزاء كبيرة من البنية التحتية والأراضي الزراعية في البلاد.

ويقول مراقبون إن الحكومة السودانية المعترف بها دوليا بقيادة عبد الفتاح البرهان، الذي يرأس أيضا القوات المسلحة السودانية، تحظى بدعم من مصر وتركيا وروسيا وإيران. وينفي المصريون والسعوديون دعم أي جهة سودانية بالسلاح. ويُزعم أن قوات الدعم السريع تتلقى دعما من الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من أن الإماراتيين ينكرون ذلك.

وقالت هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA)، في تصريح لـ DW: “كان لدى قوات الدعم السريع عدد من الموردين للأسلحة والوقود خلال الحرب، لكن الإمارات العربية المتحدة لا تزال المورد الرئيسي”.

نتيجة للفظائع والقتل الجماعي في الفاشر، ألقت قوات الدعم السريع القبض على أبو لولو، الذي لُقِبَ بجزار الفاشر جراء جرائمه في حق المدنيين.صورة من: Rapid Support Forces (RSF)/AFP

أجندة الإمارات في السودان تثير الجدل

نفت الإمارات العربية المتحدة مرارا دعمها لقوات الدعم السريع، واصفة هذه المزاعم بأنها حملة إعلامية من جانب القوات المسلحة السودانية، وطالبت باعتذار. ويوم الخميس (30/10/2025)، أدانت أبوظبي أيضا فظائع قوات الدعم السريع ضد المدنيين، وأعلنت عن مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار (86 مليون يورو).

ومع ذلك، فقد وجدت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أدلة متكررة على إمدادات عسكرية من الإمارات العربية المتحدة. ويخلص محللون مستقلون بانتظام إلى أن الأسلحة والذخائر التي تستخدمها قوات الدعم السريع إماراتية.

وقالت مصادر من وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية ومكتب الاستخبارات التابع لوزارة الخارجية لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية الأسبوع الماضي: “تشمل هذه المواد طائرات مسيرة متطورة صينية الصنع، إلى جانب أسلحة صغيرة، ورشاشات ثقيلة، ومركبات، ومدفعية، وقذائف هاون وذخيرة”.

وقد ذكر تقرير للأمم المتحدة صدر في يناير/ كانون الثاني 2024 أن الميليشيات المتحالفة مع الجنرال الليبي خليفة حفتر تستخدم علاقات تهريب قائمة مسبقا لتزويد قوات الدعم السريع بالوقود والمركبات والذخيرة.

وتؤكد هاجر علي أن “الإمارات العربية المتحدة هرّبت أسلحة مباشرة عبر الحدود الليبية إلى السودان، وكذلك عبر تشاد وأوغندا. إنها أكبر مستورد للذهب السوداني تقليديا، أي أن لديها مصلحة راسخة في الحفاظ على وصولها إلى ذهب السودان”.

بالنسبة لقوات الدعم السريع، فقد أصبحت موارد الذهب الغنية في السودان، والتي تقع بشكل رئيسي في الأراضي الخاضعة لسيطرتها، عملة رئيسية لشراء الأسلحة والتهرب من العقوبات.

وأضافت المتحدثة: “نفترض أن الأسلحة المستخدمة حاليا في السودان ليست من قلة من الموردين فحسب، بل هي أسلحة تُهرَّب في منطقة الساحل بأكملها”، مضيفة أن تسليم الأسلحة في ساحة المعركة غالبا ما يتم بواسطة فيلق أفريقيا، وهو القسم الأفريقي التابع لمجموعة فاغنر الروسية.

في يناير/ كانون الثاني، فرضت الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها آنذاك برئاسة جو بايدن عقوبات على كلا الجانبين. كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على سبع شركات من الإمارات العربية المتحدة واتهمتها بتوفير الأسلحة والتمويل وغير ذلك من أشكال الدعم لقوات الدعم السريع.

تقدم دول مختلفة طائرات بدون طيار للأطراف المتحاربة مقابل الحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر أو ذهب السودان.صورة من: Sudanese Ministry of Culture and Information/Xinhua/picture alliance

مصالح أخرى في السودان

تُعد مصر داعما رئيسيا للقوات المسلحة السودانية، وتعترف بحكومة البرهان كجهة سودانية رسمية. ووفقا لتقرير صادر عن “معهد الحرب”، وهو مركز أبحاث مستقل، فقد قامت مصر أيضا بتدريب طيارين من القوات المسلحة السودانية وزودتهم بطائرات بدون طيار، وهو ما تنفيه القاهرة. وتحرص القاهرة على ألّا ينتقل الصراع الدائر في السودان إلى داخل الحدود المصرية، وتأمل في إعادة ملايين اللاجئين السودانيينإلى بلدهم.

ومن الداعمين الآخرين للقوات المسلحة السودانية إيران، التي زودتها أيضا بطائرات مسيرة. وتأمل طهران في تأمين قاعدة بحرية على البحر الأحمر تُمكّنها من مواصلة دعم ميليشيا الحوثي في اليمن. ومن المعروف أن السودان أصبح مركزا لوجستيا للحوثيين.

كما زودت تركيا القوات المسلحة السودانية بطائرات مسيرة وصواريخ. وسبب اهتمام أنقرة هنا هو تأمين الوصول إلى البحر الأحمر.

أمّا فيلق أفريقيا، الذي ترعاه روسيا، فهو الآخر متدخل في الحرب لصالح قوات الدعم السريع، ورغم ذلك فإن روسيا نفسها تلعب دورا محدودا نسبيا في السودان، وفقا لتحليل آخيم فوغت، المسؤول بمؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، في تصريح أدلى به لـ DW.

وقال فوغت إن “لديهم مصالح اقتصادية فيما يتعلق بصادرات الذهب وميناء بورتسودان، لكنهم أوضحوا لحد ما عدم رغبتهم في التدخل في ما يسمونه صراعًا داخليًا”.

تحت وطأة الحرب، نزح الملايين من المدنيين السودانيين، خصوصا النساء والأطفال.صورة من: Mohammed Jammal/UNICEF/AP Photo/picture alliance

هل يمكن لـ”مجموعة الرباعية” أن تُجدي نفعا؟

يرى فوغت أن الدول الأربع التي تُشكّل ما يُسمى “مجموعة الرباعية” وهي: الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يُمكنها ممارسة نفوذ حقيقي في السودان على الرغم من تحالفاتها المختلفة مع الجانبين. وكان هدف المجموعة هو وضع خارطة طريق لإنهاء الحرب، أو على الأقل الوصول لهدنة إنسانية.

وقال فوغت إنه إذا اجتمعت هذه الدول، بدعم من الدول الأوروبية مثلا، فيمكنها تحقيق العودة إلى الاحتكام للقانون الإنساني الدولي، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان، وتحسين الوضع الإنساني للسكان المدنيين.

ومع ذلك، في 26 أكتوبر/ تشرين الأول من هذا العام، انتهت محادثات الرباعية في واشنطن، التي كان من المفترض أن تجمع الأطراف المتحاربة للاتفاق على وقف إطلاق نار لمدة ثلاثة أشهر، دون نتيجة. وفي اليوم نفسه، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر وصعّدت عمليات القتل الجماعي وغيرها من الفظائع.

وبحسب ليتيسيا بدر، مديرة قسم القرن الأفريقي في هيومن رايتس ووتش، فإن حجم وخطورة الانتهاكات الأخيرة في الفاشر ومحيطها يتطلبان “محاسبة قيادة قوات الدعم السريع وداعميها، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة، التي واصلت تقديم الدعم، وذلك في ظل وجود أدلة واضحة على الجرائم”، حسبما صرحت لـ DW.

وقالت بدر: “نود أن نرى مجلس الأمن الدولي يتحرك فورا لفرض عقوبات على قادة قوات الدعم السريع، وندعو المجتمع الدولي إلى ضمان المساءلة السياسية والجنائية”.

بولس يزور القاهرة وتحركات في بورتسودان

يُذكر أنه في ظل الغضب الدولي إزاء المجازر والجرائم المرتكبة في الفاشر، اعتقلت قوات الدعم السريع، يوم الجمعة الماضي، عددا من مقاتليها، لكن المراقبين يقولون إن الفظائع لا تزال مستمرة.

ويوم الأحد (الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني)، عقد الموفد الأمريكي لأفريقيا، مسعد بولس، لقاءات في القاهرة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، تناولت جهود وقف إطلاق النار في السودان. وأكد الجانب المصري أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية، فيما عرض بولس تفاصيل التحركات الأمريكية لدعم المساعدات وبدء حوار داخلي، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس.

وأوردت الوكالة الثلاثاء، نقلا عن مصدر حكومي في بورتسودان طلب عدم الكشف عن هويته، أن مجلس الأمن والدفاع السوداني، برئاسة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، يبحث مقترح هدنة تقدّمت به الولايات المتحدة لإنهاء النزاع.

DW العربية: ماجدة بوعزة

مأساة المدنيين السودانيين الفارّين من الفاشر… الاعتقال أو التجويع أو الضرب حتى الموت

بورت سودان (السودان) (أ ف ب) – يواجه المدنيون الفارّون من العنف في مدينة الفاشر في إقليم دارفور بغرب السودان مخاطر متزايدة، بينها التجويع أو الضرب حتى الموت أو الوقوع في قبضة قوات الدعم السريع التي أصبحت تسيطر على المدينة.

وفرّ عشرات الآلاف من مدينة الفاشر بعد أن أعلنت قوات الدعم السريع السيطرة عليها بعد أكثر من 18 شهرا من حصار قاس واشتباكات عنيفة مع الجيش السوداني في سياق الحرب التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023.

ومنذ سقوط المدينة، توالت شهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وهجمات على عمال الإغاثة وعمليات نهب وخطف، بينما لا تزال الاتصالات مقطوعة إلى حدّ كبير.

وأفاد شهود وكالة فرانس برس باعتقال الدعم السريع لمئات المدنيين أثناء محاولتهم الخروج من الفاشر عبر مدينة قرني وإطلاق سراحهم مقابل فدية تبلغ مئات الدولارات.

وأوضح أحد المفرج عنهم أنه تم احتجاز نحو 150 شخصا في غرفة واحدة قبل أن”تتم تصفية الجزء الأكبر منهم” في حين أُطلق سراح آخرين بعد دفع فديات.

“أنتم عبيد”

ويقول حسين الذي طلب عدم ذكر اسمه الكامل حفاظا على سلامته، إنه تم احتجازه لأربعة أيام مع 200 شخص في مدرسة في قرني القريبة من الفاشر وكان “يتم ضربنا بالعصي ويقولون لنا +أنتم عبيد+”.

ومن داخل أحد معتقلات قوات الدعم السريع في قرني، أرسل عباس الصادق مقطعا مصورا لعائلته طالبا منها إرسال مليوني جنيه سوداني (نحو 900 دولار) مقابل إطلاق سراحه.

وقال أحد أقرباء الصادق لفرانس برس إنهم لم يكونوا على علم باعتقاله حتى طلب الفدية، فقاموا بإرسالها قبل أن يُطلق سراحه.

وحذر مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية من أن صور الأقمار الاصطناعية تشير إلى تجمعات كبيرة من النازحين في قرني شمال غرب الفاشر “والتي تشهد انتهاكات ضخمة لحقوق الإنسان بحسب تقارير”، وفقا للمختبر.

وصل حسين سالم وعائلته إلى مدينة طويلة غرب الفاشر بعد رحلة شاقة استمرت خمسة أيام شاهدوا خلالها “جثثا كثيرة غير مدفونة لأناس ماتوا من الجوع والعطش وآخرين بالرصاص”.

ويقول سالم لفرانس برس، جالسا على الأرض تحت الشمس “دفنت ابني الكبير قبل أن نصل إلى قرني بعد أن ضربوه أمام عيني وعيون أطفاله”.

وتقول سعاد عبد الرحمن إنها فقدت الاتصال بوالدتها وأشقائها فور خروجهم من الفاشر “ولا أعلم إن كانوا عادوا إلى الفاشر أم ذهبوا إلى مكان آخر”.

وتضيف جالسة تحت مظلة صنعت من ملابس قديمة معلقة على شجرة شوكية في أحد شوارع طويلة، “أنا هنا وحدي”.

الموت جوعا أو بالرصاص

إلى قرني كذلك، وصل آدم عيسى بملابس تحمل آثار دماء ابنيه اللذين قتلا أثناء محاولة الفرار من الفاشر.

ويقول عيسى لفرانس برس “قُتل أبناي أمام عيني، 17 و21 عاما” أثناء الخروج من الفاشر بعدما اتهمهما مقاتلو الدعم السريع بالمشاركة في القتال إلى جانب الجيش.

وحين وصل إلى قرني الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع “رأوا دم ولديّ على ملابسي فحققوا معي واتهموني بأنني كنت أقاتل” مع الجيش.

وبعد رحلة شاقة استمرت أياما “بلا طعام أو شراب”، وصل عيسى وعائلته إلى مدينة طويلة الواقعة على مسافة نحو 70 كيلومترا غرب الفاشر.

لجأ الى طويلة عشرات الآلاف من النازحين الذين فرّوا من الفاشر بعد حصار استمر أكثر من عام. يفترشون الارض في هذه المدينة وسقفهم السماء بلا أي مأوى او رعاية صحية كافية.

وقال منسق دارفور في منظمة أطباء بلا حدود سلفان بينيكو “الناس مصدومون … كل شخص هنا يبحث عن شخص ما”.

واضاف لفرانس برس “كثيرون ممن فروا إلى (طويلة) قالوا إنه تم استهدافهم بسبب لون بشرتهم”.

وقوات الدعم السريع منبثقة من ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب إبادة جماعية ومذابح إثنية في دارفور قبل عقدين. وتواجه بدورها اتهامات بارتكاب جرائم وأعمال عنف خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.

“لا أعرف شيئا عن ابني”

بالقرب من الفاشر وفي الطريق إلى قرني، أوقف مقاتلو الدعم السريع زهرة ضو البيت ونجليها (20 و16 عاما)، وسارعوا الى احتجازهما رغم توسلاتها أن يدعوهما وشأنهما.

في النهاية تركوا الابن الأصغر، “لكنني لا أعرف شيئا عن ابني الآخر محمد وما إذا كانوا قتلوه أو لا يزال على قيد الحياة”.

وأفادت الأمم المتحدة الجمعة بأن عدد القتلى جراء هجوم الدعم السريع على الفاشر قد يناهز المئات، فيما تتهم الحكومة التابعة للجيش قوات الدعم السريع بقتل ألفي مدني.

من جانبه، أعرب قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الأربعاء عن أسفه لـ”الكارثة” التي تعرض لها سكان مدينة الفاشر متعهدا المحاسبة.

وأصدرت قيادة الدعم السريع الخميس “أمرا قياديا ينص على حماية المدنيين” وجّه بـ “السماح لجميع المدنيين بمغادرة مناطق الأعمال العدائية” بالإضافة إلى منع أعمال الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي.

ومن شأن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر أن تمنحها تحكما كاملا في العواصم الخمس لإقليم دارفور، ما يعني تقسيم السودان فعليا إلى محور شرقي-غربي، مقابل سيطرة الجيش على شمال البلاد وشرقها ووسطها.

من هي الأطراف الرئيسية في الحرب الأهلية السودانية؟

رزت عدة أطراف محلية وإقليمية ودولية مؤثرة في الحرب الأهلية السودانية، حيث يتواجه الجيش النظامي بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد دقلو، وسط تدخلات من مصر والإمارات وليبيا وتشاد وتركيا وإيران وروسيا وكينيا، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري بالبلاد.

تواصل قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، المنخرطتان في صراع مدمر منذ نيسان/ أبريل 2023، تبادل الاتهامات المتعلقة بالحصول على دعم من قوى خارجية.

وطالبت الأمم المتحدة الدول الأعضاء عدة مرات بـ”الامتناع عن أي تدخل خارجي” والالتزام بحظر السلاح، دون أن تجد هذه الدعوات صدى على أرض الواقع.

وفيما يلي عرض للأطراف الرئيسة في الحرب الأهلية السودانية:

الجنرالان

يتولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يشغل منصب الرئيس الفعلي للسودان، قيادة الجيش النظامي. في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، نفذ بمساندة نائبه السابق وقائد قوات الدعم السريع محمد دقلو انقلابا عسكريا أدى لاستبعاد المدنيين من مجلس السيادة الذي أسس عام 2019 عقب إسقاط الرئيس عمر البشير.

اندلع نزاع قوي بين الجنرالين منتصف نيسان/ أبريل 2023 حول السلطة، مخلفا عشرات آلاف القتلى وملايين النازحين إلى جانب أزمة إنسانية كبرى.

تعود أصول قوات الدعم السريع إلى ميليشيا الجنجويد العربية، التي ارتبطت بارتكاب مجازر في إقليم دارفور غربي البلاد خلال مطلع الألفية.

من الناحية السياسية، تنتشر في بورتسودان حكومة مدعومة من الجيش تحت قيادة كامل الطيب إدريس عبد الحفيظ.

في المقابل، أسست قوات الدعم السريع إدارة موازية تتخذ من نيالا، عاصمة جنوب دارفور، مقرا لها.

اللاعبون الخارجيون

مصر

ترتبط مصر، الدولة الكبرى المجاورة للسودان، بدعم تقليدي للجيش وتعتبر البرهان الممثل الشرعي للسلطة وتوجه له الدعوات المتكررة إلى القاهرة.

سبق أن وجهت قوات الدعم السريع اتهامات لمصر بتقديم دعم عسكري مباشر للجيش بقيادة البرهان، وهو ما تنفيه القاهرة، بينما أشارت تحليلات إلى استفادة مصر من دعم سعودي في هذا الإطار.

الإمارات العربية المتحدة

وجه الجيش السوداني اتهامات للإمارات بتوريد أسلحة ومرتزقة لقوات الدعم السريع، خصوصا من جنسيات كولومبية يتم نقلهم برا أو جوا عبر تشاد وليبيا وكينيا والصومال.

أعلنت الحكومة الموالية للجيش قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات في أيار/ مايو، مشيرة إلى أن أبوظبي تمد الدعم السريع بطائرات مسيرة. ونفت الإمارات أي تدخل في الحرب الأهلية، رغم ما ذكرته تقارير دولية وتحقيقات تستند إلى مصادر متاحة للجمهور.

ليبيا

في حزيران/ يونيو، وجه الجيش السوداني اتهامات للقوات التابعة للمشير الليبي خليفة حفتر بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع في منطقة استراتيجية شمال غرب السودان تقع في مثلث حدودي مع مصر وليبيا. كما طالت الاتهامات حفتر بنقل الأسلحة والوقود لصالح الدعم السريع نيابة عن الإمارات، الأمر الذي نفاه حفتر.

تشاد

صدرت اتهامات متكررة من الجيش السوداني تجاه نظام الرئيس محمد إدريس ديبي بتوفير خط إمداد رئيسي لقوات الدعم السريع نيابة عن الإمارات، ما تسبب في خلافات داخل عشيرة ديبي وداخل الجيش التشادي، رغم النفي المتكرر لهذه الاتهامات.

تركيا

أعلنت تركيا، المنافس الأساسي للإمارات، دعمها للجيش السوداني منذ اندلاع الحرب. وأوردت وسائل إعلام مثل “واشنطن بوست” أن أنقرة زودت الجيش بطائرات مسيرة استخدمت في ضرب قوات الدعم السريع.

إيران

استعادت السودان وإيران علاقاتهما الدبلوماسية في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بعد انقطاع طويل. ومنذ ذلك الحين، اتهمت قوات الدعم السريع إيران بتزويد الجيش السوداني بطائرات مسيرة.

روسيا

اعتمد السودان سابقا على روسيا عسكريا في عهد عمر البشير، حيث تم توقيع اتفاق لبناء قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر. بعد انقلاب 2019، أخضع الاتفاق للمراجعة، لكنه عاد للطرح على أعلى مستوى في الأشهر الأخيرة حسب وسائل إعلام روسية. وأبرم البلدان مؤخرا عدة اتفاقيات تعاون عسكري واقتصادي.

ترددت الاتهامات بشأن دعم مرتزقة روسيا من فيلق إفريقيا لقوات الدعم السريع انطلاقا من ليبيا أو جمهورية إفريقيا الوسطى.

كينيا

كشف الجيش السوداني في حزيران/ يونيو عن العثور على أسلحة وذخائر تحمل علامات الجيش الكيني في مخابئ تابعة لقوات الدعم السريع في الخرطوم.

اتهمت نيروبي بأنها تسهم في “إثارة الانقسام” بالسودان عبر كونها نقطة عبور للمعدات العسكرية التي تقدمها الإمارات عبر تشاد. كما استضافت العاصمة الكينية اجتماعا تأسيسيا للجناح السياسي لقوات الدعم السريع في فبراير/شباط.

فرانس24/ أ ف ب

تقارير: تسليح “مجموعة فاغنر” بأفريقيا انتهك القواعد الدولية

تشير دراسة جديدة إلى أن مرتزقة مجموعة فاغنر استخدموا على مدى سنوات معدات الجيش المالي بما يخالف القواعد الدولية، ومن المحتمل قيام “الفيلق الإفريقي” بذلك أيضا. 

تقرير: DW

الصحراء الرملية ليست مكانا مريحا بحد ذاتها لكن المشهد يبدو هادئا رغم ذلك: تظهر الصورة التي نُشرت على  تلغرام  Telegram في ديسمبر 2024 أرجلا ممدودة بشكل مريح على نوع من سرير حقل وبجانبها توجد حزمة طعام تابعة للجيش المالي وعلبة سجائر. يُفترض أن الساقين تخصان أحد المرتزقة في  الجيش الروسي الخاص Wagner الذي تم تجريده رسميا من سلطته وقد نُشرت الصورة في قناة مقربة من  مجموعة فاغنر .

تقف سيارة دفع رباعي في الرمال من النوع الذي يستخدمه الجيش المالي. وعلى السرير يوجد رشاش W85 من صنع الشركة الصينية NORINCO وهنا بالضبط تكتسب صورة الاستراحة أهمية سياسية. فكل من الصين ومالي دولتان متعاقدتان في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 2013 بشأن التجارة الدولية بالأسلحة، ATT. وفيها يلتزم كل من المصدرين والمستوردين بواجبات واسعة النطاق. وإذا كان الجيش المالي قد ترك معدات للمرتزقة الروس فسيكون ذلك انتهاكا واضحا للاتفاقية.

تُلزم معاهدة تجارة الأسلحة الدول الأطراف بضمان ألا تسهم صادرات الأسلحة في انتهاكات حقوق الإنسان أو جرائم الحرب أو زعزعة استقرار المناطق. أي انتهاك محتمل لاتفاقية تجارة الأسلحة من قبل مالي من شأنه أن يقوض إمكانية تتبع تجارة الأسلحة العالمية، كما أن مالي قد تتعرض لعواقب دبلوماسية وعقوبات إذا تأكدت الشكوك. إذا كان الجيش المالي قد سلم معدات للمرتزقة الروس فسيكون ذلك انتهاكا واضحا للاتفاقية.

لقطة شاشة من قناة Telegram “الأعمام البيض في إفريقيا”صورة من: Белые дяди в Африке🌴/Telegram

دراسة جديدة: فاغنر استخدم معدات الجيش المالي

لكن هذا بالضبط ما تشير إليه دراسة جديدة أجرتها المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية: حسب هذه الدراسة استخدم  مرتزقة فاغنر على نطاق واسع مخزونات الجيش المالي حتى عندما كانوا يعملون بشكل مستقل عن الجنود. ويتعلق الأمر بمركبات مدرعة ورشاشات مركبة على سيارات جيب كما في المثال أعلاه وربما حتى طائرات هجومية بدون طيار.

أجرى الخبراء استطلاعات رأي مجهولة الهوية لأفراد القوات المسلحة المالية وقارنوا إفاداتهم بمصادر متاحة للجمهور مثل الصور من قنوات Telegram كما أوضحت المحللة جوليا ستانيارد في مقابلة مع DW: “تمكنا من إجراء مقارنات مع إفادات من المقابلات تفيد بأن شركة Wagner تستخدم مركبات عسكرية ومدافع رشاشة مركبة على سيارات تابعة للجيش المالي. وتمكنا من إثبات ذلك بأدلة مستقلة”.

الفيلق الأفريقي بديلا لمرتزقة فاغنر

وحسب التقارير فإن أول مرتزقة فاغنر موجودون في مالي منذ نهاية عام 2021. بعد انقلابين عسكريين أنهى الحكام الجدد التعاون الأمني مع الجيوش الغربية في مقدمتها القوة الاستعمارية السابقة فرنسا ولكن أيضا ألمانيا. كان من المفترض أن يملأ  المرتزقة الروس الفراغ ويدعموا الجيش المالي المثقل بالأعباء في محاربة الإرهابيين والمتمردين. وقد تم توثيق العديد من انتهاكات حقوق الإنسان في هذا الصدد.

في عام 2023 اختلف ريتشارد فاغنر مع جهاز السلطة الروسي ونتيجة لذلك تم تفكيك تلك القوات النشطة في العديد من البلدان الأفريقية إلى حد كبير وأصبحت وحداتها تابعة  للفيلق الأفريقيالذي تم إنشاؤه حديثا في وزارة الدفاع الروسية. في يونيو انتهت رسميا مهمة مجموعة فاغنر في مالي وحل محلها الفيلق الأفريقي.

في هذه الصورة المنشورة على Telegram يمكن رؤية علم مالي على ملابس المرتزق المشتبه به.صورة من: Белые дяди в Африке🌴/Telegram

تشير جميع الأدلة الواردة في دراسة الخبراء إلى مجموعة فاغنر. لكن هناك دلائل تشير إلى أن الفيلق الأفريقي يعمل بطريقة مماثلة، كما يقول ستانيارد: “بل إن بعض أفراده هم نفس الأشخاص. العديد من القوات المتمركزة مع الفيلق الأفريقي في مالي هم من المرتزقة السابقين في مجموعة فاغنر. لذا على الرغم من أنه يبدو ظاهريا أنه تنظيم جديد إلا أن الكثير من الأمور بقيت على حالها”.

عند وصول الفيلق الأفريقي تم شحن مركبات مدرعة ومعدات أخرى وحتى طائرات عبر غينيا إلى مالي. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الفيلق الأفريقي لم يعد يستخدم معدات الجيش المالي، و”لا يعني استبدال الفيلق الأفريقي بالفيلق الأفريقي تلقائيا أن الدولة الروسية ستحترم المعايير الدولية بشكل أكبر. بل على العكس تماما”، كما يرى ستانيارد.

الأمم المتحدة: مرتزقة فاغنر قاموا أيضا بتحويل أسلحة في جمهورية أفريقيا الوسطى

تشير إيرينا فيلاتوفا، المؤرخة الروسية في جامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا والأستاذة الفخرية في جامعة كوازولو ناتال إلى أن فاغنر حصل منذ البداية على أسلحة خاصة به من روسيا. تقول فيلاتوفا لـ DW إنها لا تملك معلومات خاصة بها عن مالي، “ولكن مع استمرار الحرب في أوكرانيا التي تستنزف موارد روسيا فمن المنطقي ببساطة استخدام ما هو متاح خاصة وأن شركة فاغنر وفيلق أفريقيا يدربان القوات المسلحة المحلية”.

على وجه التحديد يذكر تقرير الخبراء خمسة أنواع من المركبات المدرعة: نموذجان من الإمارات العربية المتحدة ونموذج واحد من كل من الصين وفرنسا ونيجيريا. بالإضافة إلى ذلك هناك رشاشات من الصين وطائرات بدون طيار من تركيا. باستثناء الإمارات العربية المتحدة فإن هذه البلدان هي دول أطراف في معاهدة تجارة الأسلحة. وفي الإمارات العربية المتحدة تتطلب القوانين الوطنية ما يسمى بإعلان الوجهة النهائية. وفيه تلتزم الدولة المستلمة بعدم نقل الأسلحة التي حصلت عليها دون إذن.

مالي باماكو 2025 ، اجتماع جمعية تاموزوك مع السلطات المالية، تنطبق القاعدة نفسها على القوات المسلحة المالية: لا يجوز نقل المعدات العسكرية إلى أطراف أخرى.صورة من: Gousno/AFP

يشير تقرير للأمم المتحدة صادر عام 2021 عن جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن تسليح مرتزقة فاغنر لا يلتزم دائما بهذه القواعد. وحسب التقرير قام مرتزقة فاغنر هناك أيضا بتحويل أسلحة من شحنات روسية لاستخدامهم الخاص على الرغم من أن العقود تنص على أن هذه الأسلحة لا يجوز استخدامها إلا من قبل جيش افريقيا الوسطى. وقد اعتبرت لجنة الأمم المتحدة ذلك “انتهاكا لإعلانات الاستخدام النهائي”.

ويوجه التقرير اتهامات خطيرة إلى القيادة العسكرية لدولة مالي العضو في اتفاقية ATT: هل قام الجيش بنقل معدات إلى  شركة فاغنر منتهكا بذلك إعلانات الاستخدام النهائي؟ اتصلت DW بعدة أعضاء في البرلمان الانتقالي والقيادة المالية. لكنهم رفضوا الإدلاء بأي تعليق أو لم يردوا على استفساراتنا حتى نشر هذا المقال.

ماذا يجري في الفاشر وما تأثيره على مستقبل الحرب في السودان؟

قالت قوات الدعم السريع اليوم الأحد إنها سيطرت على مقر قيادة الجيش في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، آخر مدينة رئيسية يسيطر عليها الجيش في إقليم دارفور غربي البلاد.

وجاء هذا الإعلان بعد أيام من المعارك العنيفة في محيط الفرقة السادسة مشاة، دفعت الجيش السوداني إلى الانسحاب من بعض المواقع لأسباب تكتيكية، وفقا لمصدر في الجيش السوداني تحدث للجزيرة.

ويشكل ذلك تطورا لافتا في سير المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع المستمرة في السودان منذ أبريل/ نيسان 2023، نرصد سياقه ونستشرف تداعياته عبر العناصر التالية:

ماذا حدث في الفاشر؟

وفقا لورقة للباحث عبد القادر محمد علي صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، سادت حالة من السلام الهش حول الفاشر عقب اندلاع الحرب الحالية في السودان نتيجة تفاهمات غير مكتوبة مستندة على الحياد الذي تبنَّته الحركات المسلحة الدارفورية، وإعلان القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أن الفاشر “خط أحمر”، وأنها ستخوض حربًا على قوات الدعم السريع إذا تم تجاوز هذا الخط.

واستمرت الهدنة الهشة لعدة أشهر قبل أن يتصاعد التوتر نتيجة عدد من التطورات، منها انحياز بعض الحركات الدارفورية إلى جانب الجيش، وقيام حركة تحرير السودان (مني أركو مناوي) وحركة العدل والمساواة (جبريل إبراهيم) بجهود تجنيد واسعة النطاق للمساهمة في “دحر مليشيا الدعم السريع”.

وفي 14 أبريل/نيسان 2024، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة مليط الإستراتيجية شمال شرق الفاشر والرابطة لشمال دارفور بليبيا، مما يعني قدرة هذه القوات على شق طريق إلى ليبيا للحصول على الدعم والإمدادات.

وفي مايو/أيار 2024، انفجر “الصراع الحتمي” حول السيطرة على مدينة الفاشر، حيث تبادلت كل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني الاتهامات بإشعال فتيل المعركة.

وتحاصر قوات الدعم السريع مدينة الفاشر منذ ذلك التاريخ، مانعة دخول المساعدات الإنسانية، ومسببة أزمة غذائية طاحنة وعجزا في توفير المياه والرعاية الصحية في المدينة التي يقطنها نحو 250 ألف نسمة.

وعقب سيطرة الجيش على العاصمة الخرطوم في مارس/آذار الماضي، صعدت قوات الدعم هجماتها على مواقع الجيش السوداني في الفاشر.

واستهدفت قوات الدعم السريع المدينة بالمدفعية وهجمات متكررة بالمسيرات، وشملت الغارات أحياء في المدينة ومخيمات نزوح. وتسببت تلك الهجمات في مقتل وإصابة مئات المدنيين.

وفي ظل تلك الأوضاع شهدت المدينة انهيارا للخدمات الإنسانية، وتوقفت المطابخ الخيرية (التكايا)، وتأثرت أغلب المستشفيات بالقصف مسجلة نقصا فادحا في الأدوية والمستلزمات.

ويتهم الجيش السوداني قوات الدعم بالاستعانة “بأعداد كبيرة من المرتزقة القادمين من كولومبيا وتشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى”.

ما أهمية الفاشر؟

تعد الفاشر واحدة من المدن التاريخية المهمة في السودان، والمركز التاريخي الرئيسي للحكم في دارفور، ونقطة ارتكاز رئيسية لانطلاق قوافل الإغاثة إلى ولايات دارفور الخمس.

وتزايدت أهمية دارفور بعد فقدان قوات الدعم السيطرة على العاصمة الخرطوم وبعض المدن السودانية الأخرى، وكانت السيطرة عليها خطوة مهمة لقوات الدعم من أجل بسط سيطرتها على آخر ولاية من ولايات إقليم دارفور الخمس.

وباعتبارها عاصمة ولاية شمال دارفور، فإن الفاشر هي المركز الإداري للولاية حيث تستضيف المؤسسات والمكاتب الحكومية وقيادة الفرقة السادسة بالجيش، كما أنها مركز تعليمي وصحي يضم العديد من المؤسسات التعليمية بما في ذلك جامعة الفاشر، وتحتوي المدينة على المرافق المتعلقة بالخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية التي تلبي احتياجات سكان المدينة والنازحين إليها.

وتشغل الفاشر 57% من إجمالي مساحة دارفور الكبرى، مما يمنحها موقعا إستراتيجيا، حيث يحدها من الشمال الغربي والغرب كل من ليبيا وتشاد على التوالي، كما أنها تحادي سبع ولايات سودانية وتربطها طرق حيوية بأربع ولايات والخرطوم.

وتمثل المدينة المركز الاقتصادي النابض في شمال دارفور، وتشتهر المناطق المحيطة بها بإنتاجيتها الزراعية في محاصيل كالدخن والذرة والفول السوداني، بجانب تربية الماشية، إذ تملك المنطقة ثروة هائلة منها، كما تعد المدينة السوق المركزي لأبناء الولاية، إلى جانب كونها نقطة عبور نشطة للبضائع من وإلى السودان نتيجة مجاورتها لكل من ليبيا وتشاد.

ما هو الوضع حاليا في الفاشر؟

بعد ساعات من إعلان الدعم السريع سيطرته على مباني الفرقة السادسة مشاة بالفاشر قالت مصادر من داخل المدينة أن الجيش استعاد زمام المبادرة في محاولة لاسترداد المواقع التي خسرها في وقت سابق.

ونشرت القوات المشتركة التي تقاتل بجانب الجيش عدة فيديوهات تقول إنها من مواقع ظهر فيها مقاتلو الدعم السريع في وقت سابق.

وستشكل سيطرة الدعم السريع على المدينة في حال حدوث ذلك نقطة تحول كبيرة في مسار الحرب وربما تعزز من وجود ما تسمى بالحكومة الموازية التي شكلتها قوات الدعم مؤخرا، واختارت الإقليم مقرا لها.

وحذّر نشطاء من أن استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر سيؤدي إلى هجمات عرقية، كما حدث عند سيطرتها على مخيم زمزم جنوبا.

وقالت قوات الدعم السريع الأسبوع الماضي إنها تسهّل خروج المدنيين والمقاتلين المستسلمين من المدينة، لكن أولئك الذين غادروا الفاشر أبلغوا عن عمليات سطو واعتداءات جنسية وقتل على يد جنود قوات الدعم على الطريق.

وتشير بيانات من الأمم المتحدة إلى فرار أكثر من مليون شخص من الفاشر خلال حصارها من قوات الدعم السريع المستمر منذ 18 شهرا. وتشير تقديرات إلى أن ربع مليون مدني لا يزالون فيها.

وتواجه قوات الدعم السريع وحلفاؤها اتهامات بالمسؤولية عن موجات من أعمال العنف بدوافع عرقية في دارفور خلال الحرب، وخلصت الولايات المتحدة العام الماضي إلى أن تلك القوات ارتكبت إبادة جماعية.

وتنفي قيادتها إصدار أوامر بمثل هذه الهجمات، وتقول إن الجنود المارقين المخالفين للأوامر سيمثلون للعدالة.

المصدر: الجزيرة

وحدهم أمام خطر الموت ـ بعد معاناة في ليبيا وتونس اللاجئون الأطفال والمراهقين يركبون البحر نحو المجهول

منظمات الإنقاذ البحري تدق ناقوس الخطر: مئات الأطفال والمراهقين يشرعون ـ بعد معاناة في ليبيا وتونس ـ في رحلة عبر المتوسط، أحد أخطر طرق الهروب في العالم، بعضهم يقضي نحبه أو يفقد للأبد والبعض الآخر يتم إنقاذه في وضع مزري.

“لن يخاطر أحد بحياته في البحر إذا كان هناك طريق أفضل. ولكن لا يوجد حل آخر. لذلك نخاطر بحياتنا”؛ هذا ما قاله صبي يبلغ من العمر 15 عاما من غينيا تم إنقاذه من قبل منظمة الإنقاذ البحري SOS Humanity وهو قاصر يسافر بمفرده.

تحذر المنظمة غير الحكومية في برلين المعنية بالإنقاذ البحري المدني والتي  تنقذ اللاجئين من الغرق منذ عشر سنوات من أن المزيد من الأطفال والمراهقين يغادرون عبر ليبيا أو تونس بمفردهم في قوارب مكتظة تماما وغالبا ما تكون غير صالحة للإبحار. حوالي خمس الذين يتم انقاذهم هم من القاصرين.

كما هو الحال مع إستر، الحاصلة على شهادة في علم النفس والتي كانت تعمل كمسؤولة صحة عقلية متطوعة على متن سفينة الإنقاذ Humanity 1 في نوفمبر وديسمبر 2024. إستر لا تريد ذكر اسم عائلتها. تقول في مؤتمر صحفي إنهم أنقذوا ست قوارب تقل 347 شخصا خلال تلك الفترة. وكان من بينهم 43 قاصرا معظمهم من الشباب غير المصحوبين بذويهم والذين يعانون من ضعف جسدي ونفسي شديد.

“غالبا ما كانوا يقضون عدة أيام وليالٍ في البحر دون طعام أو شراب وكانوا يعانون من الجفاف ودوار البحر وغالبا ما كانوا يعانون أيضا من حروق بسبب ملامسة المياه المالحة والوقود. للأسف يعاني الكثيرون منهم من الجرب أو أمراض جلدية أخرى وجروح بسبب احتجازهم لفترات طويلة في المخيمات في  ليبيا. وجميعهم يعانون من إرهاق عاطفي شديد”.

يتم تقديم الإسعافات الأولية للأطفال والمراهقين على متن سفينة الإنقاذ SOS Humanity.صورة من: SOS Humanity

القُصر في خطر كبير في المخيمات الليبية

الوضع في المخيمات الليبية التي يتم إعادة القصر إليها من قبل خفر السواحل الليبي بعد فشلهم في الهروب عبر  البحر الأبيض المتوسط هو كارثي بالنسبة للشباب. منذ سنوات يتعرض هذا  البلد الشمال أفريقي الذي من المفترض أن يتولى حماية الحدود ويقلل عدد اللاجئين بشكل كبير بموجب اتفاقية بملايين الدولارات مع الاتحاد الأوروبي، لانتقادات شديدة بسبب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

“أخبرني الشباب عن أشكال خطيرة من العنف الجنسي والتعذيب وعمل الأطفال وفقدان الأقارب وكذلك حالات اتجار بالنساء. أظهر لي بعض الشباب آثار التعذيب الذي تعرضوا له. آثار ندوب على أجسادهم وكذلك صور ومقاطع فيديو من المخيمات الليبية تظهرهم مقيدين ومعذبين”، تقول إستر، المتطوعة في إنقاذ الأرواح في البحر.

3500 قاصر بين ميت أو مفقود 

إذا تمكن القاصرون من الخروج من المخيمات فإنهم يواجهون خطرا أكبر أثناء العبور. وحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( اليونيسيف ) في أبريل 2025 لقي حوالي 3500 طفل حتفهم أو فقدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى إيطاليا عبر الطريق الرئيسي للبحر الأبيض المتوسط خلال العشر سنوات الماضية. وهذا يعني: طفل واحد ميت أو مفقود كل يوم على مدار عقد كامل. لذلك تطالب منظمة SOS Humanity بوقف التعاون بين الاتحاد الأوروبي وليبيا وتونس على الفور.

“في الواقع تزداد نسبة القاصرين بين اللاجئين بشكل مطرد منذ عشر سنوات. يمثل القاصرون حوالي خمس إجمالي الوافدين إلى إيطاليا. وفي عمليات الإنقاذ التي نقوم بها تبلغ هذه النسبة في المتوسط أكثر من الثلث”، يقول تيل رومنهول، المدير التنفيذي لمنظمة SOS Humanity. “لقد استقبلنا مؤخرا قاربا كاملا يقل 120 قاصرا. كانوا شبابا في حالة ذعر تام يسافرون بمفردهم وقفزوا في الماء خوفا من خفر السواحل الليبي”.

“من يعيق عملية الإنقاذ حتى إنقاذ الأطفال يكون شريكا في وفاتهم” – تيل رومنهول المدير التنفيذي لمنظمة SOS Humanity.صورة من: SOS Humanity

عواقب وخيمة لحل وكالة للتنمية الأمريكية

تحذر لانا إدريس، رئيسة مجلس إدارة منظمة قرى الأطفال العالمية SOS-Kinderdörfer weltweit من أن مشكلة تزايد أعداد الأطفال والمراهقين الذين يشرعون في رحلة خطرة إلى أوروبا قد تتفاقم في المستقبل. الخلفية: قامت الحكومة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب بحل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، مما قد يكون له عواقب وخيمة.

وقد قدرت مجلة ”The Lancet“ المتخصصة أن التخفيضات في ميزانية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد تؤدي إلى وفاة أكثر من 14 مليون شخص إضافي خلال السنوات الخمس المقبلة من بينهم خمسة ملايين طفل دون سن الخامسة. كما خفضت ألمانيا مساعداتها الإنمائية بنحو مليار يورو.

وتقول إدريس: “بهذا ندخل في حلقة مفرغة تؤدي إلى زيادة عدد الأطفال الذين يسلكون هذا الطريق”. وتضرب مثالا على ذلك بالصومال. “كان هذا البلد يعتمد بنسبة 80 في المائة على الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. في حين أننا وصلنا إلى أربعة ملايين ونصف مليون طفل وشاب في الصومال العام الماضي لم يصلنا هذا العام سوى 1.3 مليون. لماذا؟ لأن المخيمات المخصصة لإمداد هؤلاء الأطفال والشباب أصبحت فارغة منذ الصيف”.

حماية خاصة وفق اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل

في اتصال هاتفي مع المحامية فيرا ماغالي كيلر، التي تدير مكتب محاماة في برلين متخصص في دعم المنظمات الإنسانية بما في ذلك  منظمات الإنقاذ البحري. تذكر المحامية  لـ DW بأن الأطفال والمراهقين يجب أن يحظوا بالأولوية في الحماية والإجلاء عند الإنقاذ في البحر، مشيرة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي التزمت بها جميع الدول.

“الأطفال لا يهربون أبدا طواعية. وعندما يكونون على طريق الهروب هذا فإنهم دائما ما يكونون في حالة خوف شديد” ، لانا إدريسصورة من: David Ausserhofer

وتضيف: “في مختلف الدول الأوروبية هناك آفاق خاصة للبقاء والحق في الحماية والحق في لم شمل الأسرة. في إيطاليا على سبيل المثال ينطبق هذا غالبا حتى بلوغ سن الرشد. بشكل أساسي يجب إيواء الأطفال والمراهقين بشكل منفصل عن البالغين وتوفير حماية خاصة لهم ويجب تجنب حرمانهم من حريتهم قدر الإمكان”.

الحكومة الألمانية توقف دعم عمليات الإنقاذ المدنية في البحر

أعلنت منظمة الإنقاذ البحري SOS Humanity أنها سترسل سفينة إنقاذ أخرى إلى البحر الأبيض المتوسط في عام 2026 والتي ستتولى مهمة البحث عن قوارب اللاجئين ومراقبة انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة قبالة السواحل التونسية. ولكنها ستضطر إلى الاعتماد على التبرعات حيث أوقفت الحكومة الألمانية المكونة من حزبي الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي دعمها المالي لعمليات الإنقاذ المدنية في البحر بمبلغ مليوني يورو سنويا.

وليس هذا السبب الوحيد الذي يجعل كيلر متشائمة بشأن المستقبل: “في ضوء التطورات السياسية والقانونية الحالية لا أرى أي آفاق جيدة. أخشى أن يتفاقم تجريم وقمع عمليات الإنقاذ المدنية في البحر، والتضامن مع اللاجئين في ظل الائتلاف الحالي. كما ستزداد سوءًا معايير الحماية والاستقبال الكارثية بالفعل للاجئين في أوروبا”.

المصدر:DW

إسبوتنك: هل تعود “الخرطوم” مجددا إلى واجهة الصراع بين الدعم السريع والجيش السوداني؟

بعد شهور من إعلان الجيش السوداني السيطرة الكاملة على العاصمة الخرطوم وعودة أعداد من النازحين إلى بيوتهم وتحسن بعض الخدمات، جاء استهداف الدعم السريع لمطار الخرطوم بالمسيرات قبل ساعات من افتتاحه للملاحة مرة أخرى لتثير مخاوف جديدة من عودة الخرطوم مجددا إلى واجهة الصراع في السودان.
حيث أغارت طائرات مسيرة على محيط مطار الخرطوم في وقت مبكر من صباح أمس الثلاثاء، قبل يوم واحد من الموعد المحدد لإعادة فتح المطار أمام الرحلات الداخلية، للمرة الأولى منذ نحو 30 شهرا.
يشار إلى أن مطار الخرطوم الدولي، خرج من الخدمة منذ اليوم الأول لبدء الاشتباكات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

تحرك محدود

بداية يؤكد الكاتب والمحلل السياسي السوداني، عثمان ميرغني،”أن ما جرى في العاصمة الخرطوم خلال الأيام الماضية لا يعد تجددا للأحداث أو تصعيدا ميدانيا بقدر ما هو تحرك محدود، تمثل في إطلاق طائرات مسيرة من قبل قوات الدعم السريع تجاه بعض المناطق المؤثرة في الخرطوم، أصاب بعضها محيط مطار الخرطوم الذي كان من المقرر أن يعاد تشغيله بعد أكثر من عامين من التوقف”.
وأوضح في حديثه لـ”سبوتنيك“: “هذا القصف أدى فقط إلى تأجيل افتتاح المطار لفترة وجيزة، ما ترك أثرا إعلاميا ونفسيا كبيرا، نظرا لتعلق الحدث برمز مهم من رموز عودة الحياة الطبيعية في العاصمة”.

وقال ميرغني: “إن ما حدث لم يتسبب في موجة نزوح جديدة كما تناولت بعض التقارير الإعلامية، بل على العكس، فقد أظهر تقرير حديث صادر عن منظمة الهجرة الدولية، أن ولاية الخرطوم استقبلت أكثر من مليون نازح ولاجئ عادوا إليها مؤخرا، مؤكدا أنه لا توجد هجرة مضادة من الخرطوم إلى الخارج، بل تتواصل عودة آلاف المواطنين إلى مدن وقرى الولاية”.

وتابع: “التحسن في الأوضاع المعيشية يسير بصورة متدرجة، فبعد فترة من شح الخدمات وانقطاع الكهرباء والمياه، ومع انقضاء موسم الأمطار الذي تسبب في انتشار بعض الحميات، بدأت مظاهر الحياة اليومية في التحسن بشكل مضطرد”.

رسائل إعلامية ونفسية

وبين المحلل السياسي “أن الهجمات الأخيرة تحمل في جوهرها رسائل إعلامية ونفسية أكثر من كونها عسكرية، إذ رغم كثافتها التي بلغت إحدى عشرة مسيرة، فإن الأضرار كانت محدودة جدا ولم تسفر عن قتلى أو دمار ملموس، مشيرا إلى أن الدفاعات الجوية السودانية تمكنت من إسقاط معظم المسيرات، ولم يتبق منها سوى واحدة أو اثنتين سقطتا قرب المطار دون تأثير يذكر”.
وأشار ميرغني إلى أن” الطائرات المسيرة غيرت تكتيك العمليات العسكرية في السودان خلال الأشهر الماضية، حيث تراجعت المواجهات الميدانية المباشرة التي كانت تخاض عبر الدبابات والمدفعية وسيارات الدفع الرباعي، وأصبحت المسيرات هي الوسيلة الأساسية للهجمات المتبادلة بين الطرفين”.
وأضاف: “الجيش السوداني يستخدم المسيرات لاستهداف مواقع الدعم السريع في ولايات كردفان ودارفور، بينما يلجأ الدعم السريع إلى استهداف منشآت خدمية مثل الكهرباء والمياه، ما يؤثر سلبا على حياة المواطنين نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة بعد استهداف محطات التحويل والمولدات”.
وختم ميرغني، بالقول: “إن الأثر الأبرز لهذه العمليات يظل إعلاميا ومعنويا، وليس له تأثير جوهري في موازين القوى أو في مجريات الميدان العسكري، إذ ما تزال كل الأطراف بعيدة عن تحقيق أي تحول حاسم في مسار الصراع”.

واجهة الصراع

من جانبها، تقول الباحثة في الشأن السوداني، فاطمة لقاوة: “إن هذا التطور على الساحة العسكرية من قصف الدعم السريع مطار الخرطوم بالمسيرات، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن العاصمة الخرطوم عادت مجددا إلى واجهة الصراع، في ظل إستمرار تبادل العمليات العسكرية بين أطراف النزاع”.
وأضافت في حديثها لـ”سبوتنيك“: “يأتي هذا التصعيد كنتيجة مباشرة لفشل المجتمع الدولي في فرض مسار جاد للسلام، وغياب أي إرادة حقيقية لوقف الحرب التي أنهكت البلاد ومزقت نسيجه الإجتماعي، لقد اكتفت القوى الدولية بالبيانات والدعوات الشكلية، دون أن تتخذ خطوات ملموسة تلزم الأطراف المتحاربه بإنهاء القتال وحماية المدنيين”.
وأشارت لقاوة إلى أن “تورط بعض دول الجوار في دعم مجموعة بورتسودان بات أمرا لا يمكن إخفاؤه، بعد أن تحولت أراضيها إلى منصات لإطلاق المسيرات والطائرات التي استهدفت مناطق آهلة بالسكان في ولايات كردفان ودارفور، وأودت بحياة أعيان وقيادات أهلية بريئة”.
وتابعت: “هذا العدوان السافر أثار حفيظة قيادة حكومة السلام، التي أكدت في تصريحات واضحة لرئيس مجلسها، الفريق أول محمد حمدان دقلو، أن أي مطار أو قاعدة تستخدم للإعتداء على السودان ستعد هدفا مشروعا، ما يعني أن حرب السودان قد تتحول إلى حرب إقليمية”.

الحرب العبثية

وبينت الباحثة في الشأن السوداني “أن تصريحات عبد الفتاح البرهان تكشف عن إنشغاله المفرط بالسلطة والبقاء في الكرسي، دون اكتراث لمعاناة الشعب السوداني الذي يدفع ثمن هذه الحرب العبثية من دمائه وأمنه واستقراره”.
ولفتت لقاوة إلى أن “ما يجري اليوم هو إنذار خطير بأن البلاد تتجه نحو مزيد من المواجهات المتبادلة، ما لم يتحرك المجتمع الدولي والإقليمي بجدية لكبح الأطراف المتورطة في تغذية الصراع، ووقف نزيف الدم السوداني الذي طال أمده”.

محاولات فاشلة

بدوره يقول، الفريق جلال تاور، الخبير العسكري السوداني: “إن الاستهداف الذي وقع مؤخرا يمثل نشاطا موجها من قبل( الدعم السريع)، هدفه الأساسي لفت الأنظار ومحاولة تعطيل افتتاح مطار الخرطوم”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “محاولات التعطيل باءت بالفشل، حيث تم افتتاح المطار في موعده المحدد وهبطت أول طائرة تقل نحو 180 راكبا”، مشيرا إلى أن المطار يعمل بشكل طبيعي وأن الرحلات الداخلية قد انطلقت بالفعل.
وأشار تاور إلى أن “الطائرات المسيرة لا تحقق أي مكاسب ميدانية، فهي تسبب أضرارا مادية لكنها لا تضمن السيطرة على الأرض، مؤكدا أن القوات المسلحة تعاملت مع الهجوم وأسقطت ما تم إطلاقه دون تأثير على سير العمليات أو افتتاح المطار”.
واختتم تاور: “رغم كل المحاولات في العديد من المناطق إلا أن المعارك ستنتهي بانتصار القوات المسلحة السودانية، نظرا لثباتها وصمودها في مواجهة التمرد”.
وتفاقمت الأزمة الإنسانية في السودان، بينما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 25 مليون سوداني (نحو نصف السكان) يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في وقت وصفت فيه المنظمة الدولية الأزمة بأنها “الأسوأ في التاريخ الحديث”، مع دخول الحرب عامها الثالث.
وأدت الحرب التي اندلعت بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، في أبريل/ نيسان 2023، إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين، إذ تعرضت مدينة الفاشر، ساحة القتال في دارفور، للدمار جراء المعارك.
وتقدر الأمم المتحدة أن الأطفال يشكلون نحو نصف المدنيين المحاصرين في المدينة، والبالغ عددهم 260 ألف شخص، والذين انقطعت عنهم جميع المساعدات الخارجية تقريبا.

استمرار الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية… والحقيقة غائبة بين ركام الحرب والسياسة

الخرطوم ـ «القدس العربي»: في مدينة الفاشر، التي تمزقها الحرب وتئن تحت الحصار منذ أكثر من عام، لا يبدو أن الرصاص وحده ما يفتك بسكانها. فمع تصاعد العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، برزت اتهامات خطيرة باستخدام أسلحة كيميائية محرّمة دوليًا، أثارت قلقًا داخليًا ودوليًا، وفتحت الباب أمام جولة جديدة من الجدل السياسي والدبلوماسي والقانوني.
لكن هل فعلاً تم استخدام أسلحة كيميائية في النزاع السوداني؟ ومن المسؤول؟ وماذا تقول الجهات الدولية والمحلية؟

أعراض مريبة في الفاشر

برزت الشكوك مرة أخرى، حين رصدت تنسيقية لجان المقاومة في الفاشر حالات مرضية غير معتادة وسط المدنيين، بينها أطفال ونساء، يعانون من ضيق في التنفس، غثيان حاد، وتشنجات عصبية، من دون وجود أسباب طبية واضحة، بالتزامن مع تعرض المدينة للقصف من طائرات مسيّرة.
تقول التنسيقية في بيان أصدرته: «لاحظنا استخدام غازات مجهولة المصدر ذات رائحة نفاذة وسامة، أعقبتها حالات اختناق شديدة في المناطق المستهدفة، ما يرجح استخدام مواد كيميائية ذات طبيعة قاتلة.»
كما قال مصدر طبي لـ«القدس العربي» إن الهجمات الأخيرة على المدينة شملت «غازات تسبب اختناقات حادة»، وقال إن بعض المرضى ظهرت عليهم أعراض «تعكس التعرض لمواد كيميائية سامة».
وعززت هذه المخاوف تصريحات عبدالعزيز أوري، مسؤول الإعلام في حكومة إقليم دارفور، الذي أتهم قوات الدعم السريع بإلقاء «رؤوس أسلحة محظورة دوليًا عبر طائرات مسيرة»، مشيرا إلى «روائح غريبة وغازات تسببت في حالات مرضية خطيرة، استدعت تدخلات طبية عاجلة».

فيديوهات وشهادات من الميدان

نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة وثقها جنود في القوة المشتركة، تُظهر عبوات غامضة تنبعث منها غازات كثيفة في مناطق انسحب منها الدعم السريع.
القيادي في القوة المشتركة، محمد آدم (كش)، قال في تصريح مسجل: «رأينا عبوات تنبعث منها أدخنة صفراء وخضراء، تسببت في حالات اختناق وسط القوات، وحتى الحيوانات نفقت في بعض المواقع. لا نستطيع الجزم بأنها أسلحة كيميائية، لكنها بالتأكيد مواد سامة.»
هذا المشهد دفع العديد من الجهات المحلية إلى المطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل، واعتبرت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر أن ما حدث «يمثل جريمة حرب متكاملة الأركان»، مطالبة بـ«تحقيق عاجل من قبل الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية».
المفارقة أن قوات الدعم السريع لم تكن وحدها في مرمى الاتهام، إذ قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن وسيلة إعلام فرنسية حققت في حادثتين يُحتمل أن الجيش السوداني استخدم فيهما غاز الكلور في أيلول/سبتمبر 2024، في قاعدة قري العسكرية ومصفاة الجيلي شمال العاصمة السودانية الخرطوم.
وأوضحت المنظمة أن صحافيي القناة الفرنسية أعلنوا عثورهم على «أدلة مرئية لعبوات غازية ملونة، ومقابلات مع شهود عيان أكدوا ظهور أعراض اختناق بعد الهجمات».
وهنا، تتعقد الرواية أكثر، مع تبادل للاتهامات، وغياب جهة محايدة تثبت أو تنفي استخدام تلك الأسلحة.

اتهامات رسمية وعقوبات أمريكية

في 21 أيار/مايو الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا اتهامها لحكومة السودان باستخدام أسلحة كيميائية عام 2024، وفقًا لقانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الأمريكي لعام 1991.
وجاء في بيان المتحدثة باسم الخارجية، تامي بروس، «أن حكومة السودان غير ممتثلة لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، وستُفرض عليها عقوبات شاملة تشمل منع الصادرات والتكنولوجيا الحساسة، ووقف التمويل والدعم الحكومي الأمريكي.»
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة قررت بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء عليها لعام 1991 (قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية) أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024.
وقالت إن القرار بالخصوص سُلِّمَ إلى الكونغرس، إلى جانب ملحق لتقرير الشرط 10(ج) الصادر في 15 نيسان/أبريل 2025 بشأن الامتثال لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، والذي أشار إلى «أن حكومة السودان غير ممتثلة للاتفاقية، التي هي طرف فيها».
وذكرت وقتها أنها بعد مهلة إخطار مدتها 15 يومًا من الكونغرس، ستفرض عقوبات على السودان، تشمل قيودًا على الصادرات الأمريكية إلى السودان، وعلى الوصول إلى خطوط الائتمان الحكومية الأمريكية.
ودخلت العقوبات بالفعل، حيز التنفيذ في حزيران/يونيو 2025، وتم تمديدها لعام كامل.
وشملت أيضا، إنهاء المساعدات الخارجية غير الإنسانية، ووقف مبيعات الأسلحة وتمويلها، وحرمان السودان من أي قروض أو دعم مالي حكومي أمريكي، بالإضافة إلى حظر تصدير السلع والتكنولوجيا الحساسة للأمن القومي.

رد الحكومة السودانية: «مزاعم سياسية»

الخرطوم من جانبها نفت بشكل قاطع الاتهامات الأمريكية، ووصفتها بأنها «محض افتراء»، و«محاولة جديدة للابتزاز السياسي».
وقالت وزارة الخارجية السودانية في بيان مطول: «تفاجأنا بإصدار الإدارة الأمريكية اتهامات خطيرة بدون اتباع الآلية الدولية المخولة بهذا الشأن؛ وهي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي نتمتع بعضويتها، بل بعضوية مجلسها التنفيذي».
وأشارت إلى أن واشنطن لم تقدم أي بلاغ رسمي للمنظمة، وإنما بدأت بتسريبات صحافية، وهو ما ينافي روح التعاون الدولي، حسب تعبيرها.
وأعلنت الوزارة عن تشكيل لجنة وطنية للتحقيق تضم ممثلين من وزارتي الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات، إضافة لخبراء من الأدلة الجنائية والطب العدلي.

لجنة وطنية لتحقيق داخلي

في 29 أيار/مايو الماضي، أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قرارًا بتشكيل لجنة تحقيق وطنية للتقصي في مزاعم استخدام الجيش لأسلحة كيميائية.
ورغم أن القرار قوبل بالترحيب محليًا، إلا أن منظمات حقوقية دولية رأت أن التحقيق يجب أن يكون دوليًا ومستقلاً، لضمان الشفافية والحياد. في المقابل، قالت وزارة الخارجية إن الخطوة «تأتي في إطار الالتزام بالاتفاقيات الدولية، والحرص على الشفافية رغم التشكيك الأمريكي».

دور المنظمة الدولية… غائب أم مُغيّب؟

في خضم التراشق السياسي بين السودان والولايات المتحدة، تبرز منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كطرف معني مباشر بالقضية، ولكن دورها بدا حتى اللحظة هامشيًا أو مؤجلاً، ما أثار انتقادات من عدة جهات، خاصة داخل السودان.
فبينما أكدت الخرطوم أنها لم تتلق أي إخطار رسمي من واشنطن عبر المنظمة، التزمت الأخيرة الصمت في الغالب، واكتفت بالإشارة إلى وجود «طلبات إيضاح» من بعض الأعضاء.
ويُعد هذا الحضور المتواضع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، عن مسار الاتهامات خطيرًا، لأن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي وقعها الطرفان، تنص بوضوح على آليات التحقيق المشتركة والإبلاغ الرسمي عبر قنوات المنظمة. وبالتالي، فإن تجاوز هذه الآلية، كما تقول الحكومة السودانية، «يطرح علامات استفهام بشأن أهداف الحملة الأمريكية.»
الخرطوم اعتبرت ذلك تجاوزًا خطيرًا، حيث قالت وزارة الخارجية السودانية: «الاتفاقية لا تتيح لأي دولة الانفراد بإصدار قرارات وإجراءات بدون العودة للمنظمة، وإلا فإننا أمام سابقة تُقوّض القانون الدولي برمته.»

تفاعلات دولية معقدة

في حزيران/يونيو 2025، ناقش المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي القضية، بناءً على طلبات إيضاح من عدد من الدول الأعضاء حول المزاعم الأمريكية.
قدم وفد السودان في الجلسة بيانًا أكد فيه التمسك الكامل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ورفض السودان القاطع لاستخدام تلك الأسلحة، مشيرًا إلى أن «الاتهامات الأمريكية لم تلتزم بالإجراءات المعتمدة في الاتفاقية».
وطالب الوفد بتمكين اللجنة الوطنية السودانية من مواصلة أعمالها من دون تدخل، مؤكدًا الاستعداد الكامل للتعاون الفني مع المنظمة في حال توفير البيانات من الجانب الأمريكي. وقال إن التعامل الموضوعي مع أي مزاعم يتطلب الإطلاع على المعلومات التي بنيت عليها، وأن هذا ما تعمل عليه الحكومة السودانية عبر قنوات الاتصال الفني مع الجانب الأمريكي، الذي أبدى استعداداً لتزويد السودان بالبيانات والتفاصيل الضرورية خلال الفترة القادمة.
ودعا وفد السودان المجلس التنفيذي إلى إتاحة الفرصة لهذا المسار لاستكمال أعماله بروح من التعاون البناء مؤكدا التزام الحكومة الكامل بأحكام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، واستعدادها التام للتعاون مع المنظمة وجميع الدول الأطراف، دعماً للجهود الدولية الرامية إلى منع انتشار واستخدام الأسلحة الكيميائية، وتعزيز الأمن والسلم على الصعيدين الإقليمي والدولي.
لاحقا، في تموز/يوليو الماضي، قالت الحكومة السودانية، أنها شرعت في اتخاذ تدابير عملية للتعاطي مع المزاعم الأمريكية باستخدام الجيش أسلحة كيميائية في الحرب المندلعة في البلاد منذ منتصف نيسان/أبريل 2023. وأشارت إلى أن واشنطن أبدت استعدادها لتزويد السودان بالبيانات والتفاصيل الضرورية بالخصوص خلال الفترة القادمة.
وقالت وزارة الخارجية السودانية: «أن القرار جاء التزاما بتعهدات السودان الدولية ومنها اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وفي إطار الشفافية الحكومية على الرغم من عدم قناعتها بصحة إتهامات الإدارة الأمريكية باستخدام السودان للأسلحة الكيميائية».

هل هي أوراق ضغط سياسي؟

يرى خبراء ومحللون سياسيون أن الاتهامات الأمريكية قد تحمل أبعادًا تتجاوز الجانب الإنساني والتقني، وتندرج ضمن محاولة للضغط على الجيش السوداني ودفعه إلى قبول خريطة طريق معينة لوقف الحرب والتسوية السياسية، خاصة وأن اتهامات واشنطن تزامنت مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال خلالها أن إدارته تعمل على دفع جهود التسوية السلمية في كل من السودان وليبيا، في إطار استراتيجية جديدة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي.

غموض… وثمن باهظ

حتى الآن، لا توجد أدلة قاطعة منشورة رسميًا تثبت استخدام الجيش أو الدعم السريع للأسلحة الكيميائية، رغم خطورة الاتهامات وتصاعد وتيرتها منذ منتصف العام الماضي.
وتشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن الاتهامات أصبحت ورقة ضغط سياسية تستخدمها الأطراف الدولية لتعزيز نفوذها في الملف السوداني المعقد.
ويخشى مراقبون أن تؤدي العقوبات الأمريكية، إن استمرت، إلى زيادة معاناة المدنيين، في بلد يعاني بالفعل من انهيار اقتصادي وصحي، ونزوح ملايين السكان.

الواقع الإنساني على الأرض

في مدينة الفاشر وحدها، تجاوز عدد المدنيين المحاصرين أكثر من 300 ألف نسمة، بينما تم رصد أكثر من 1300 قتيل منذ بداية العام الجاري إثر عمليات القصف المدفعي التي تنفذها قوات الدعم السريع على المدينة المحاصرة منذ نحو العام ونصف العام، حسب تقارير منظمات إنسانية، حيث يعيش الأهالي وسط قصف عشوائي، ونقص حاد في الغذاء والدواء، وتفشي واسع للأوبئة.
وقال مصدر طبي في المدينة تحدث لـ«القدس العربي»: «نعاني من شح كبير في الأدوية وأسطوانات الأكسجين. هناك حالات اختناق لا نجد لها تفسيراً طبياً واضحاً. بدأنا نشك فعلاً أن هناك مواد غير تقليدية تستخدم في الهجمات.»
ويضيف: «الوضع الإنساني مروّع. لا طعام، لا ماء نظيف، لا مأوى آمن. والموت يأتينا من السماء.»

مسؤولية معلقة بين السياسة والميدان

ما بين اتهامات متبادلة، وتحقيقات معلقة، وردود متناقضة، تبقى الحقيقة حول استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان غامضة وغير محسومة حتى اللحظة.
لكن ما هو مؤكد أن المدنيين وحدهم من يدفعون الكلفة الباهظة، في ظل الحرب التي تدور رحاها في البلاد منذ أكثر من عامين ونصف العام.

أسواق “أسواق الظل” في الخرطوم أكثر من مجرد مصدر رزق

الخرطوم – في الأحياء الطرفية بمدن الخرطوم الثلاث نصب تجار سودانيون طاولات خشبية بسيطة، وخياما من القماش، وأكشاكا من بقايا حديد وخشب لعرض السلع والبضائع لتظهر في العاصمة “أسواق مؤقتة” بديلة عن الأسواق الرئيسية التي دمرتها الحرب المتواصلة منذ عامين ونصف العام.

وخلال الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تعرضت الأسواق الرئيسية في العاصمة السودانية، ومن أبرزها سوق أم درمان الكبير والسوق العربي بمدينة الخرطوم وسوق سعد قشرة بالخرطوم بحري، لتدمير واسع، ما دفع التجار للانتقال إلى أطراف المدينة، لإقامة “أسواق الظل” أو “أسواق الأمل” كما يصفها السودانيون.

وتشهد هذه الأسواق، التي تعمل بلا كهرباء أو مخازن أو ميزان موثوق، انتعاشا كبيرا، حيث تتولى لجان أهلية مهمة إدارتها وتنظيمها.

ولا يتوفر إحصاء دقيق لعدد هذه الأسواق أو حجم التجارة فيها.

 الأسواق في المدن السودانية الآمنة عدة أزمات واجهت منها الركود بسبب تآكل القوة الشرائية لانخفاض سعر الجنيه

وفي منطقة جنوب الخرطوم يعتمد نحو 70 في المئة من سكان المنطقة على سوق مؤقت لتلبية الاحتياجات الأساسية.

وقال السوداني عبدالرحمن الطيب، وهو أحد مسؤولي اللجنة الأهلية لإدارة السوق المؤقت بجنوب الخرطوم، “بعد الدمار الذي طال الأسواق الرئيسية بالمنطقة، خاصة السوق المركزي، وجدنا أنفسنا أمام فراغ اقتصادي كامل، ولم يكن أمام التجار والمواطنين سوى البحث عن بديل قريب وآمن.”

وأضاف الطيب أن “فكرة هذه الأسواق بدأت بمبادرة أهلية خالصة، واعتمدنا على نظام اللجان الأهلية لتتولى مسؤولية الإدارة والتنظيم والنظافة وتوزيع المواقع.”

وتابع “لدينا تواصل وتنسيق مع الجهات الرسمية التي تمثلها محلية جنوب الحزام،” مؤكدا أن السوق المؤقت بجنوب الخرطوم يحظى بإقبال كبير.

وذكر الطيب أنه “يمكن القول إن 70 في المئة من سكان جنوب الخرطوم يعتمدون الآن على هذا السوق لتلبية احتياجاتهم اليومية.”

وتعمل السلطات الحكومية في الوقت الحالي على إعادة تأهيل السوق المركزي، وهو السوق الرئيسي لجنوب الخرطوم، بعدما تعرض لتدمير وتخريب طال أبرز محلاته التجارية.

وفي مدينة الخرطوم بحري ما زال سوق سعد قشرة مغلقا بعد تعرضه للتخريب واحتراق معظم المحلات التجارية، فيما بدأ سوق أم درمان الكبير، وهو أكبر سوق تاريخي في السودان، يعود تدريجيا لاستئناف نشاطه التجاري.

وفي العام الماضي اجتهد تجار سودانيون لإعادة تشغيل سوق أم درمان، أكبر أسواق الخرطوم، بعد دمار كامل بسبب الحرب في البلاد.
ولسوق أم درمان، الواقع في قلب المدينة، تاريخ طويل من النشاط التجاري لقرنين من الزمن، ضم فيهما مختلف أنواع التجارة، مثل الأقمشة والملبوسات والأحذية والمفروشات والذهب والتحف والأواني المنزلية والأدوات الكهربائية والكتب والأدوات المدرسية والأعشاب الطبية، وغيرها، حيث يضم آلاف المحال التجارية بعضها احتفظ بطرازه المعماري القديم والآخر مصمم بحداثة وتطور المعمار.

ويتوسط السوقَ اثنان من أبرز المعالم التاريخية في المدينة التاريخية، هما مسجد أم درمان الكبير، ومبنى البريد والبرق، ويجاور السوق 12 حيا من أحياء أم درمان القديمة والمرتبط بعضها بأحداث تاريخية مهمة، لاسيما حقبة الثورة المهدية (1885 – 1898) حيث اختيرت أم درمان عاصمة وطنية للسودان.

70 في المئة من سكان جنوب الخرطوم يعتمدون الآن على هذا السوق لتلبية احتياجاتهم اليومية

وللسوق قيمة اجتماعية، حيث عمل فيه تجار من غالب ولايات السودان، كما يعمل فيه تجار هنود وجنسيات أخرى، وظهر فيه تنوع ديني، حيث برز المسيحيون الأقباط مكوناً تجارياً أساسياً داخل السوق، وسبق أن عمل فيه في عقود ماضية اليهود والبوذيون، ويرتاده السياح لشراء المنتجات المحلية واحتساء القهوة في المقاهي التاريخية.

وتقدر الحركة التجارية في السوق قبل الحرب بنحو مليون دولار يوميا، وأثر توقفه على كل مدن السودان، وعلى بلدان مجاورة للسودان.

وكان بعض تجار الأواني المنزلية، وهم الأقدم في السوق حسب قولهم، قد قرروا تبني مبادرة لإعادة تأهيل محالهم التي يزيد عددها عن الألف، حتى يدشنوا نشاطهم التجاري ويشجعوا التجار في المجالات الأخرى على القيام بالشيء نفسه، كي يعود السوق لسيرته الأولى.

وترى السودانية أمينة محمد، وهي أرملة وأم لخمسة أطفال، في السوق المؤقت بجنوب الخرطوم “أكثر من مجرد مصدر رزق.”

وقالت “هذا السوق ليس مجرد مكان للبيع، بل مركز حياة اقتصادية صغيرة، النساء يفترشن الأرض لبيع الخضار والفواكه والبهارات، بينما يوزع الشباب المناديل وعبوات المياه على المارة، والأطفال يشاركون في البيع أحيانا.”

ويحاول التجار من خلال الأسواق المؤقتة استعادة النشاط التجاري في العاصمة، وفق التاجر جادالله أحمد سليمان.

وقال سليمان “خسرت كل شيء، لكن لا يمكنني أن أجلس مكتوف اليدين، فمن هذه الطاولات المهترئة سنبدأ حياتنا من جديد.”

فيما قال تاجر الخضروات والفواكه محمد أحمد بشير “إن كل قطعة من الخضروات أبيعها، وكل جنيه أكسبه، يمنحاني شعورا بأني ما زلت أملك شيئا في هذه المدينة التي فقدت كل شيء فيها.”

◄ سوق أم درمان الكبير، وهو أكبر سوق تاريخي في السودان، بدأ يعود تدريجيا لاستئناف نشاطه التجاري

وأضاف “هذا السوق أعاد لي شيئا كنت أفتقده منذ اندلاع الحرب، إنه شعور الانتماء، فرغم الخراب الذي حل بالخرطوم، نحن نعيش مرة أخرى.”

بينما يرى الناشط الاجتماعي حسن علي أن هذه الأسواق تجربة صغيرة لاختبار قدرة المجتمع علي الصمود والتعاون.

وقال علي إن هذه الأسواق “قد تكون مؤقتة في شكلها، لكنها دائمة في معناها، فهي تجسيد لإصرار الناس على استعادة إيقاع الحياة، وإعادة تعريف الأمل في مدينة تتعلم من جديد كيف تبني مستقبلها.”

وتابع “إذا صمد الناس هنا، ستنهض المدينة بأكملها لاحقا، هذه الأسواق باتت الآن نموذجا حيا للتعافي.”

ويجسد الستيني الحاج عمر، الذي فقد متجرا كبيرا في السوق العربي بعدما التهمته النيران في أيام الحرب الأولى، صمود السودانيين، إذ يفرش بضاعته فوق طاولة خشبية صغيرة صنعها بنفسه.

وقال الحاج عمر وهو يجلس تحت مظلة من القماش البالي، بابتسامة يشوبها التعب، “المال مهم، لكن الأهم أن أشعر بأني ما زلت أساهم في حياتي وحياة أسرتي.”

وأضاف الرجل “كل حزمة بصل أبيعها، وكل زبون يمرّ، يعنيان لي انتصارا صغيرا على الخراب، السوق هو بيتي الثاني، فأصوات الموازين ونداءات الباعة تؤكد لنا أن الخرطوم تنهض من جديد.”

وواجهت الأسواق في المدن السودانية الآمنة عدة أزمات، منها الركود بسبب تآكل القوة الشرائية لانخفاض سعر الجنيه في مقابل العملات الأجنبية، وكذلك منع عبور المحاصيل الزراعية والمواشي إلى شمال البلاد من قبل قوات الدعم السريع.

وأسهم توقف الإنتاج في لجوء التجار إلى استيراد السلع من دول الجوار، خاصة مصر وإثيوبيا وجنوب السودان، عبر منافذ شمال البلاد وشرقها وجنوبها، لاسيما بعد فشل المصانع الجديدة بمدن بورتسودان وعطبرة وشندي في تغطية حاجة المستهلكين نظراً إلى أنها تستضيف مئات الآلاف من النازحين الفارين من ويلات الصراع المسلح بغرض الإقامة والعمل أو مواصلة الدراسة.

وعلى الرغم من انتشار عدة أسواق في المدن والمناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، فإنها تعاني الشح المتنامي في السلع الغذائية والارتفاع الجنوني في أسعارها، إلى جانب شح السيولة النقدية وانحسار المتداول منها، ما ضاعف الضغوط المعيشية لسكان ولايات دارفور الخمس وأقاليم كردفان الثلاثة، فضلاً عن انخفاض أسعار المحاصيل وتراجع حركة البيع والشراء، إضافة إلى التأثير في قطاع النقل وعرقلة الأعمال التجارية.