حقائق- ما نطاق أزمة المساعدات الناجمة عن القتال في السودان؟

جنيف (رويترز) – يقول عمال إغاثة إن القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في السودان يدفع بالبرامج الإنسانية الضعيفة التمويل في المنطقة إلى حافة الانهيار.

وحتى قبل اندلاع أعمال العنف في 15 أبريل نيسان، كان ملايين الأشخاص في السودان والدول المجاورة يعتمدون على المساعدات بسبب الفقر والصراعات. ومنذئذ لقي المئات مصرعهم من بينهم خمسة على الأقل من العاملين في مجال المساعدات الإنسانية كما تعرض مخزون المواد الغذائية للنهب وغادر كثيرون من عمال الإغاثة الدوليين المنطقة.

وتسعى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين للحصول على 445 مليون دولار إضافية حتى تستطيع توفير احتياجات نحو 860 ألف شخص قد ينزحون إلى دول جوار السودان السبع، وهي تشاد ومصر وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، بحلول أكتوبر تشرين الأول.

فيما يلي الاحتياجات بحسب البلد.

السودان

– قالت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 70 ألف شخص نزحوا داخل السودان منذ 15 أبريل نيسان. وقبل القتال، كان هناك 3.7 مليون نازح داخلي بالفعل، معظمهم في منطقة دارفور حيث تصاعد العنف منذ اندلاع صراع كبير في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

– يستضيف السودان أكثر من مليون لاجئ، معظمهم من جنوب السودان وإريتريا ومنطقة تيجراي الإثيوبية.

– قبل 15 أبريل نيسان، كان نحو 16 مليون شخص يعتمدون على المساعدات الإنسانية. وتشير تقديرات داخلية للأمم المتحدة حصلت عليها رويترز إلى أنه من المتوقع ارتفاع هذا الرقم نحو خمسة ملايين من بينهم 2.5 مليون طفل.

– لم يحصل برنامج مساعدات للسودان تابع للأمم المتحدة وتبلغ قيمته 1.75 مليار دولار لعام 2023 إلا على 15 بالمئة من التمويل المطلوب.

جنوب السودان

– تتوقع مفوضية شؤون اللاجئين فرار نحو 240 ألف شخص من السودان إلى جنوب السودان. ووصل بالفعل نحو 35 ألفا، معظمهم عن طريق قوارب عبر نهر النيل إلى مدينة الرنك الحدودية.

– لم يحصل برنامج مساعدات الأمم المتحدة البالغ قيمته 1.7 مليار دولار لهذا العام إلا على 26 بالمئة من التمويل المطلوب.

تشاد

– يتوقع أن يعبر نحو 105 آلاف شخص فروا من السودان الحدود الصحراوية الطويلة إلى تشاد. وصل إلى تشاد بالفعل نحو 30 ألف شخص.

– تشاد من بين الدول التي بها أعلى مستويات الجوع في العالم، وأكثر من ثلث أطفالها دون سن الخامسة يعانون من التقزم، بحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. وتشاد تستضيف بالفعل أكثر من 500 ألف لاجئ عانوا من انخفاض المساعدات أو قطعها منذ العام الماضي بسبب نقص التمويل.

– تقول مفوضية شؤون اللاجئين إنها بحاجة إلى أموال إضافية لنقل الوافدين الجدد الذين ينامون حاليا في ملاجئ مؤقتة إلى مخيمات اللاجئين القائمة وبناء خمسة مخيمات جديدة.

– وحتى الآن لم يحصل برنامج الأمم المتحدة لهذا العام الذي تبلغ قيمته 674 مليون دولار إلا على 4.6 بالمئة من التمويل المطلوب.

مصر

– تقول مفوضية شؤون اللاجئين إنه من المتوقع أن تستقبل مصر القسط الأكبر من الفارين من السودان مع توقع وصول نحو 350 ألف لاجئي. وحتى الآن، دخل نحو 50 ألف فار إلى البلاد، وكثيرون منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

إثيوبيا

– يُتوقع فرار نحو 85 ألف شخص إلى إثيوبيا. ووصل بالفعل نحو 1500 شخص من بينهم كثيرون من اللاجئين الإريتريين الذين التمسوا الملاذ في السودان. وقال تقرير للأمم المتحدة إن أوائل الوافدين ظهرت عليهم علامات الاضطراب النفسي.

– إثيوبيا لديها بالفعل برنامج مساعدات تابع للأمم المتحدة بقيمة أربعة مليارات دولار لعام 2023 في ظل سعيها للتعافي من حرب استمرت عامين وأودت بحياة عشرات الآلاف وتمخضت عن ظروف تشبه المجاعة لمئات الآلاف. وما حصل عليه هذا البرنامج من تمويل بلغ 20 بالمئة حتى الآن.

جمهورية أفريقيا الوسطى

– يتوقع أن تستقبل هذه الدولة 25 ألف شخص من السودان. وتقول مفوضية شؤون اللاجئين إن أكثر من ستة آلاف شخص قد وصلوا بالفعل.

‭ -‬يقول برنامج الأغذية العالمي إن أكثر من ثلاثة أرباع سكان البلاد يعيشون في فقر، ونصفهم تقريبا يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

‭-‬ تقول الأمم المتحدة إن جمهورية أفريقيا الوسطى تحتاج نحو نصف مليار دولار من المساعدات في 2023. ولم يحصل البرنامج حتى الآن إلا على 23 بالمئة من التمويل المطلوب.

إريتريا

‭-‬ قد تستقبل إريتريا نحو 55 ألف شخص من السودان، على الرغم من عدم تسجيل أي منهم حتى الآن.

‭-‬ إريتريا من أفقر دول أفريقيا وأكثرها قمعا. ويفر الآلاف منها كل عام في محاولة لخوض رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا.

كيف سيطرت قوات الدعم السريع على مناطق بالخرطوم واقتحمت مقر البرهان

دبي (رويترز) – حينما اندلع الصراع في العاصمة السودانية الخرطوم قبل شهر تقريبا بين الجيش بأسلحته الثقيلة وقوات الدعم السريع التي ولدت من رحم ميليشيا صحراوية ماهرة مزودة بأسلحة خفيفة، بدا الأمر وكأن الحرب محسومة لصالح قوات الجيش.

لكن سرعان ما أدرك الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة أن سلاحي الجو والمدفعية وحدهما لن يوقفا جنود خصمه الذين تمكنوا من اقتحام مقر إقامته داخل مجمع قيادة الجيش في الساعات الأولى للقتال وفقا لما قالته عشرة مصادر من طرفي الصراع لرويترز.

وقال أحد حراس البرهان الشخصيين لرويترز إن قائد الجيش والرئيس الفعلي للبلاد حمل بندقية كلاشنيكوف وفتح النار بنفسه قبل أن ينقله رجال الأمن إلى مكان آمن، كاشفا عن تفاصيل لم تنشر من قبل توضح كيف كان من الممكن قتل البرهان أو الإطاحة به في الأيام الأولى للصراع الذي اندلع في 15 أبريل نيسان.

وقال الحارس الذي طلب عدم نشر اسمه إن مقاتلي قوات الدعم السريع قتلوا أكثر من 30 من حراس البرهان في المعركة التي تلت ذلك قبل أن ينسحبوا من المقر في العاصمة.

ولم يتسن لرويترز الوصول لممثلين عن الجيش وقوات الدعم السريع للتعليق على ما حدث في مقر إقامة البرهان أو على استراتيجية الجانبين.

وتسلط هذه الرواية الضوء على الأسلوب المفضل لخصم البرهان الفريق أول محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع، الشهير باسم حميدتي، وهو القتال من مسافات قريبة واستغلال نقاط القوة لدى قواته.

وبعد قرابة شهر من تفجر القتال، وعلى الرغم من الضربات الجوية شبه اليومية، لم يتمكن الجيش من طرد قوات الدعم السريع من العاصمة حيث يتمركز رجال حميدتي في مناطق سكنية وعدة مؤسسات رئيسية.

وعلى مدار السنوات العشرة الماضية، تحولت قوات الدعم السريع من مجرد قوة متشرذمة من مقاتلي الصحراء إلى جيش مواز تقريبا له قواعده في العاصمة ويملك ما يكفي من الإمدادات لإجبار البرهان على إجراء محادثات دون أمل في تحقيق نصر سريع. وانسحبت قوات الدعم السريع بسرعة من قواعدها في الخرطوم عندما اندلع القتال.

وأثار الصراع تساؤلات لدى عموم السودانيين حول كيف سمح الجيش لخصم له أن يتضخم بهذا الشكل خلال السنوات الماضية. ودفع الصراع الكثير من أبناء السودان إلى الهرب من العاصمة وذهب البعض منهم إلى أقاربهم وأصدقائهم في مناطق ريفية وفر البعض الآخر عبر الحدود إلى دول مجاورة.

وقال حسين أحمد وهو يقف في صف طويل أمام أحد المخابز في الخرطوم “لماذا يسمح الجيش لمليشيا بتهديد حياة الناس العاديين؟ أين كان قادة الجيش من كل هذا؟!”.

وتهدف قوات الدعم السريع إلى جر الجيش إلى حرب شوارع في المدن تتمتع فيها مركباتهم المزودة بسلاح خفيف بأفضلية على الدبابات والطائرات الحربية. وخرجت قوات الدعم السريع من رحم ميليشيا الجنجويد العربية التي ساعدت الحكومة على إخماد انتفاضة سابقة في إقليم دارفور بغرب البلاد وكافأتها السلطة بتحويلها إلى قوة شبه عسكرية بموجب قانون.

وقال أحد مقاتلي قوات الدعم السريع عند نقطة تفتيش تابعة لهم في الخرطوم “على البرهان وقواته أن يكونوا شجعان ويحاربونا على الأرض وجها لوجه بدلا من استخدام الطيران”.

* انتشار 

    ترك مقاتلو قوات الدعم السريع قواعدهم التي تتعرض للضربات الجوية في العاصمة ولجأوا بدلا من ذلك إلى الاحتماء في المنازل بعد طرد سكانها. ويقول سكان في الخرطوم إن قوات الدعم السريع توقف مركباتها قرب المنازل حتى لا يستهدفها الجيش بالضربات الجوية.

    ولحميدتي عشرات الآلاف من المقاتلين في الخرطوم، لكن قوات البرهان الأكبر عددا منتشرة في جميع أنحاء البلاد ونادرا ما تظهر في العاصمة مما يعطي قوات الدعم السريع فرصة للتحصن.

    واحتل رجال حميدتي مباني حكومية مثل مقر وزارة الداخلية ومقرات الشرطة واستولوا على إمدادات كبيرة من الوقود من مصفاة للنفط وعلى بنوك. ونشرت قوات الدعم السريع قناصة على أسطح المنازل.

    واستولى مقاتلون آخرون في قوات الدعم السريع على منازل في حي راق بالخرطوم. والعديد من عناصر الدعم السريع مثلهم مثل قائدهم حميدتي ينتمون لقبيلة الرزيقات، أكبر القبائل العربية في دارفور، ويدينون له بالولاء.

    ولتشديد سيطرتهم على العاصمة، نصبوا نقاط تفتيش في جميع أنحاء الخرطوم، ويدققون في بطاقات الهوية ويفتشون السيارات والأمتعة. وقال سكان إنهم يفتحون الهواتف المحمولة للبحث عن اتصالات بالجيش.

    واتهم سكان العاصمة قوات الدعم السريع بارتكاب أعمال نهب، وهو ما تنفيه.

* حليفان سابقان

    اندلع الصراع بعد انهيار خطة مدعومة دوليا للانتقال إلى الديمقراطية.

    وعلى مدى السنوات الأربع التي تلت الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في انتفاضة شعبية، تقاسم الجيش وقوات الدعم السريع السلطة بتوجس.

    وترأس البرهان مجلس السيادة الحاكم الذي تشكل بعد الإطاحة بالبشير عام 2019 وأعيد تشكيله بعد انقلاب عسكري في عام 2021. وكان نائب رئيس المجلس هو حميدتي الذي صنع اسمه في صراع دارفور ووجه له سودانيون اتهامات بارتكاب فضائع.

    وقبل اندلاع الصراع بين الرجلين، كان حميدتي تاجر الأبل السابق الذي لم يتلق سوى قدر ضئيل من التعليم الرسمي يتخذ بعض الخطوات ومن بينها التقرب من تحالف قوى الحرية والتغيير، وهو تجمع سياسي مدني يقود عملية الانتقال إلى الحكم المدني.

وألمح هذا التحالف أن لحميدتي خططا سياسية بعد تعثر العملية الانتقالية، وحمل البرهان ما وصفها بطموحات حميدتي مسؤولية اندلاع الصراع.

    وقالت مصادر مقربة من حميدتي إن الرجل الذي جنى ثروة من تجارة الذهب يخوض معركة نفس طويل وحرب استنزاف تهدف إلى إتاحة الفرصة له ليصبح زعيما سياسيا من خلال المفاوضات. 

    وأسفر القتال منذ منتصف أبريل نيسان عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص وإصابة الآلاف، وعرقل وصول المساعدات، ودفع 100 ألف شخص إلى الفرار إلى الخارج، وحول المناطق السكنية في الخرطوم إلى ساحات حرب.

    وتعهد حميدتي بالقبض على البرهان أو قتله، وانتهك الجانبان الكثير من فترات وقف إطلاق النار التي وافقا عليها.

    و لم تتمكن رويترز من تحديد المكان الذي يقيم فيه حميدتي حاليا أو ما إذا كان البرهان لا يزال يستخدم مقرات الجيش لقيادة عملياته.

    ولم يكشف أي طرف عن عدد قتلاه.

المدنيون في الخرطوم يخوضون صراعا مريرا من أجل البقاء

القاهرة (رويترز) – قال أحد سكان الخرطوم، قدم نفسه باسمه الأول “عمر”، إنه لم يغادر هو ووالده منزلهما منذ اندلاع القتال في السودان في 15 أبريل نيسان، مضيفا أنهما أصبحا يعتقدان أنهما المدنيان الوحيدان الباقيان في الحي.

ويتناول الابن ووالده وجبة واحدة في اليوم أملا في أن تكفيهما إمداداتهما الغذائية الآخذة في التضاؤل لفترة أطول. وقال عمر عبر الهاتف من العاصمة السودانية المحاصرة “بعد ذلك، لا نعرف ماذا سنفعل سوى أن نعيش على الماء والتمر”.

وأضاف عمر الذي رفض الكشف عن اسمه بالكامل خوفا على سلامته، إنه بينما فر آخرون، مكث هو ووالده في الخرطوم لأنهما لم يرغبا في مغادرة منزلهما، في منطقة بالقرب من المطار‭ ‬دارت فيها معارك عنيفة.

وترسم روايته للأحداث صورة للوضع البائس الذي يعيشه ملايين ممن يُعتقد أنهم ما زالوا يقيمون في الخرطوم، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع.

صحيح أن عشرات الآلاف من الناس فروا من العاصمة التي كان عدد سكانها قبل الحرب نحو 10 ملايين، لكن معظم السكان قبعوا في منازلهم، إما بسبب خطورة الخروج أو الكلفة الباهظة للفرار من العاصمة، أو لأنهم يفضلون التحصن بمنازلهم.

ويعاني المقيمون من تناقص الإمدادات الغذائية وانقطاع الكهرباء ونقص المياه وضعف الاتصالات. وتقول الأمم المتحدة التي حذرت من وقوع كارثة إنسانية كبرى في السودان إنها تتفاوض من أجل الوصول الآمن للمساعدات إلى الخرطوم.

وقال برنامج الأغذية العالمي إن من المتوقع أن يسقط ما يصل إلى 2.5 مليون شخص في السودان في براثن الجوع. حتى قبل بدء أعمال العنف، كان الملايين في السودان والدول المجاورة يعتمدون على المساعدات بسبب الفقر والصراعات.

وتستهدف محادثات تجري في جدة بالمملكة العربية السعودية إلى ضمان وقف دائم لإطلاق النار ووصول المساعدات الإنسانية.

لكن القتال مستمر في الخرطوم حيث يمكن رؤية طوابير طويلة أمام عدد محدود من المخابز التي ما زالت تعمل.

وقال هاشم (35 عاما)، وهو صاحب نشاط تجاري سابق، إنه لم يتمكن من العثور على الأرز أو المعجنات منذ أسبوع وإن “هناك على الدوام عجزا في شيء ما”. وكان سيغادر السودان لكنه لم يستطع لأنه فقد جواز سفره قبل بدء القتال.

ومضى يقول “هناك من لا يملكون المال وهؤلاء لجأوا إلى منازل جيرانهم المهجورة ليأخذوا منها أي طعام يجدونه. أعيش من مدخراتي الخاصة… لكنها ستنفد في النهاية”.

ووجد أصحاب الأموال صعوبة في إنفاقها لأن النقد جفت ينابيعه وتوقف عمل التطبيقات المصرفية التي يعتمد عليها كثيرون من السودانيين.

ومع إغلاق معظم المستشفيات، انتشر مسعفون متطوعون في أحياء الخرطوم لمساعدة المحتاجين للرعاية الطبية، ونزل سكان محليون إلى الشوارع للمراقبة في محاولة لمنع النهب.

ويمكن سماع دوي الضربات الجوية وقذائف المدفعية وإطلاق النار حتى في أماكن بعيد عن الخطوط الأمامية مما يمثل عبئا نفسيا على السكان.

وقال أحمد خالد وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاما وما زال مقيما بالخرطوم إن الحياة توقفت تماما، مضيفا “لا نقدر أن نحس حتى بمرور الأيام”.

من يسيطر على ماذا في دارفور؟

مع دخول الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أسبوعها الرابع، بدأ القتال يشتد في مناطق أخرى في إقليم دارفور غربي البلاد بعد أن كان متمركزا في العاصمة الخرطوم، وسط مخاوف من عودة العنف مجددا للإقليم الذي ظل يعاني لسنوات من الحرب.

ورغم سيطرة الجيش السوداني على معظم ولايات دارفور الخمس، ما زالت قوات الدعم السريع تتركز في مواقع عديدة بمدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دافور، من بينها مطار المدينة.

وينقسم إقليم دارفور إلى خمس ولايات إدارية هي شمال دارفور وعاصمتها مدينة الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، وغرب دارفور وعاصمتها مدينة الجنينة، وشرق دارفور وعاصمتها مدينة الضعين، ووسط دارفور وعاصمتها مدينة زالنجي.

وفي خضم الاشتباكات المحتدمة في الخرطوم، أعلن رئيس “حركة تحرير السودان” منّي أركو مناوي، الاثنين، أن قواته توجهت إلى إقليم دارفور، دون أن يذكر المكان الذي تغادره ولا سبب ذلك.

ولقوات مناوي الذي يشغل أيضا منصب حاكم إقليم دارفور، وجود عسكري في العاصمة السودانية بموجب اتفاق سلام مع الخرطوم في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، واتخذت موقفا محايدا في الصراع الذي اندلع في 15 أبريل/ نيسان الماضي بين الجيش و”الدعم السريع”.

** مواقع السيطرة

منذ اندلاع الاشتباكات منتصف أبريل الماضي، ظل الجيش السوداني يسيطر على معظم ولايات دارفور الخمس، بينما تنتشر قوات الدعم السريع في عدة مواقع بمدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور المتاخمة لحدود دولة جنوب السودان.

ورغم السيطرة الكبيرة للجيش على ولايات شرق دارفور ووسط دارفور، وغرب دارفور، فإن الآثار السلبية للاشتباكات المتقطعة لم تسلم منها هذه الولايات.

وفي نيالا التي تعد ثاني أكبر المدن كثافة سكانية في السودان، يسيطر الجيش على الجزء الغربي من المدينة الذي يضم مرافق الحكومة والقيادة العسكرية، بينما تسيطر “الدعم السريع” على جزئها الشرقي الذي يقع فيه المطار ومقرات الشرطة وجهاز المخابرات.

وخلافا للسيطرة على المواقع، تشير بيانات الجيش السوداني إلى انتشار لقوات من الدعم السريع بين المنافذ الغربية للعاصمة الخرطوم ومناطق دارفور.

والأحد، قال الجيش في بيان، إنه رصد هروب مجموعة من الدعم السريع على متن 40 عربة متجهة من الخرطوم إلى غربي البلاد، بينما ذكر السبت، أنه رصد مجموعة تعزيزات عسكرية للدعم السريع مكونة من 25 عربة قتالية تحركت من جنوب دارفور في طريقها إلى العاصمة.

ورغم أن مدينة الأبيض (وسط) خارج إقليم دارفور، فإن موقعها الرابط بين ولايات دارفور والخرطوم، جعلها في مرمى نيران اشتباكات الجيش و”الدعم السريع” دون أن تستطيع الأخيرة السيطرة عليها.

ولذلك شهدت المدينة الأحد، هجوما من “الدعم السريع” على إحدى قراها الجنوبية خلف 15 قتيلا وفق تقديرات محلية، وسبق أن تعرضت الأسبوع الماضي أحياء في المدينة لاشتباكات بين الطرفين أدت إلى مقتل قرابة 12 شخصا وإصابة العشرات.

** ضحايا الاشتباكات

بات ضحايا الاشتباكات من ولايات دارفور يشكلون حضورا راتبا في تقارير الوفيات والإصابات التي تصدرها وزارة الصحة السودانية ونقابة أطباء السودان (غير حكومية)، ما يشير إلى استمرار التوتر الأمني في الإقليم الغربي بجانب الخرطوم.

والأحد، قالت نقابة أطباء السودان إن “جميع المستشفيات والمرافق الصحية ما زالت متوقفة في مدينة الجنينة (غرب)” مشيرة إلى أنها استطاعت “حصر 100 وفاة في المدينة منذ 24 أبريل الماضي، بينما لا يوجد حصر دقيق لعدد الإصابات”.

بدورها، ذكرت وزارة الصحة الاتحادية في آخر تقرير أصدرته حول الاشتباكات بتاريخ 2 مايو/ أيار الجاري، أنها “سجلت حالة وفاة واحدة بولاية وسط دارفور”.

وفي 3 مايو الجاري، قالت جمعية الهلال الأحمر السوداني في بيان، إنها “أكملت إدارة 19 جثة وأخلت 307 جريحا في ولاية غرب دارفور”، بينما أشارت إلى أن فريقها بولاية شمال دارفور” قام بإدارة 51 جثة وفق الإجراءات القانونية المتبعة”.

** مخاوف الصراع القبلي

ويخشى مراقبون من تفاقم النزاع القبلي في دارفور جراء استمرار اشتباكات الجيش و”الدعم السريع” وانحياز قبائل المنطقة بأسلحتها لأحد طرفي الصراع، في وقت يزداد فيه سكان الإقليم النازحون إلى تشاد المجاورة بسبب القتال الأخير.

وكانت الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور مسرحا لتحول اشتباكات الجيش والدعم السريع إلى قتال قبلي، حيث اندلع في 24 أبريل الماضي صراع عنيف سقط فيه عشرات القتلى، وصفه الجيش بأنه ذو طبيعة “قبلية” بين قبائل عربية وقبيلة المساليت الإفريقية.

وفي 27 أبريل الماضي، عاودت مليشيات مسلحة هجوما عنيفا على الجنينة، تعرضت فيه مستشفى المدينة التعليمي لعمليات نهب كما اندلعت عمليات حرق واسعة طالت الأسواق والمرافق الحكومية والصحية ومقرات منظمات طوعية وأممية والبنوك، وفق شهود عيان.

وفي 6 مايو الحالي، تجددت الاشتباكات في مدينة نيالا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وطالت 3 أحياء من المدينة، استخدم فيها الجانبان أسلحة ثقيلة أحدثت أضرارا في عدد من منازل المدنيين.

ويوم اندلاع الاشتباكات في 15 أبريل الماضي، شهدت المدينة قتالا عنيفا بين الطرفين أدى إلى مقتل أكثر من 60 مدنيا، وفق تقديرات محلية.

( الأناضول)

ميسورو الحال عالقون في وادي حلفا على الحدود مع مصر

وادي حلفا: بعد أن نامت أسبوعا في ظل شجرة بفناء مسجد في مدينة وادي حلفا السودانية، استبدت الحيرة بداليا حسن فهي إما أن تعبر الحدود إلى مصر أو تنتظر إلى أن يحصل ابنها البالغ من العمر 18 عاما على تأشيرة.

وعلى مقربة من المدينة الحارة الصحراوية الترابية ثمة عائلة تشمل ثلاث شقيقات حوامل وجدة تتنفس بواسطة أسطوانة أكسجين ويتبادلن جميعا الأدوار للنوم على أسرة مستأجرة لحين حصول محمد البالغ من العمر 16 عاما على تأشيرة مصرية.

فوسط أمواج النزوح بسبب الحرب في السودان، فر الكثيرون من ميسوري الحال السودانيين من العاصمة الخرطوم وانطلقوا في رحلة مكلفة وشاقة على الطريق إلى الحدود مع مصر التي تبعد 720 كيلومترا إلى الشمال.

وعلى الرغم من أنه يمكن للنساء والأطفال وكبار السن دخول مصر بحرية، وإن كان ذلك يحدث كثيرا بعد الانتظار لأيام في ظل ظروف صعبة على الحدود المكدسة، فإنه يتعين على السودانيين الذين تتراوح أعمارهم من 16 إلى 50 عاما التقدم بطلب تأشيرة.

وأدت هذه اللائحة إلى حالة من الازدحام في وادي حلفا التي تبعد 25 كيلومترا جنوبي الحدود وتوجد فيها قنصلية مصرية حيث يتكدس رجال أعمال وأطباء وسودانيون آخرون ميسورو الحال في الفنادق والمدارس والمستشفيات بل ويمتد الأمر إلى الشوارع.

وقالت داليا البالغة من العمر 40 عاما والتي سافرت مع ابنها من حي كافوري الراقي على الجهة المقابلة لوسط الخرطوم عبر النيل الأزرق “كنا بنعيش في منازلنا كويسيين شوفي أصبحنا كيف الآن”.

وأضافت “لو ما أخد التأشيرة بنسيبه ونسافر بس كيف أترك ولد عمره 18 ما عمره سافر لوحده”.

وقال عبد القادر عبد الله قنصل السودان في أسوان يوم الأحد إن 6000 جواز سفر كانت بانتظار التأشيرات في وادي حلفا حتى خمسة أيام مضت وإن وزارة الخارجية المصرية أرسلت تعزيزات لتسريع الإجراءات.

وذكرت الوزارة الأسبوع الماضي ردا على أسئلة بشأن المعابر الحدودية أن السلطات تعمل على تسهيل إجلاء أبناء جميع الجنسيات من السودان منذ اندلاع القتال وكذلك تقديم الرعاية لمن يعبرون الحدود.

النهب وانعدام القانون

تحول صراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية إلى اشتباكات يوم 15 أبريل/ نيسان وينذر بجر البلاد إلى أتون حرب أهلية طويلة وأزمة إنسانية طاحنة.

وأسفر الصراع عن اضطرابات جديدة في إقليم دارفور بغرب السودان حيث لم ينته قط صراع تفاقم بعد عام 2003 وأثار اشتباكات وهجمات في السودان البالغ عدد سكانه 46 مليون نسمة.

لكن أغلب القتال يتركز في الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان المجاورتين لها وجميعها مناطق لم تصلها نيران حروب السودان السابقة التي شنها الجيش والميليشيات المتحالفة معه في مناطق نائية.

ويحتمي ملايين السكان بمنازلهم منذ ثلاثة أسابيع خوفا من الضربات الجوية ومعارك المدفعية والنهب وانعدام القانون وحُرم الكثيرون من الكهرباء والماء ويتكبدون العناء للحصول على إمدادات الغذاء.

ومع إغلاق مطار الخرطوم، هرب عشرات الآلاف برا إلى مناطق أكثر أمنا خارج العاصمة وعبر حدود البلاد.

وتشير الأرقام الحكومية إلى أن ما لا يقل عن 64 ألفا عبروا الحدود إلى مصر التي تستضيف بالفعل ما يقدر بأربعة ملايين سوداني ويوجد لعائلات كثيرة معارف فيها.

ولتحقيق ذلك يتكدس السودانيون في حافلات وشاحنات ويدفع كل منهم ما يصل إلى 500 دولار للانتقال إلى موقعين حدوديين هما أرقين إلى الغرب من بحيرة النوبة وقسطل شمالي وادي حلفا ثم إلى مصر.

وأصبحت المدينة المنخفضة الهادئة منطقة انتظار شاسعة لرجال بالغين ينشدون التأشيرة وعائلات لا ترغب في الانفصال عن ذوي القربى.

“قمت بفزع”

لم يستوعب الكثيرون بعد صدمة القتال الذي دفعهم لترك ديارهم.

وقالت دانيا النصري (28 عاما) التي تدرس للحصول على درجة الدكتوراه في الهندسة من لندن إنها قضت 20 ساعة تحت السرير في خوف قبل أن تغادر منزلها في كافوري يوم 30 أبريل نيسان.

وأضافت “كنا ما بنعرف ننام خالص! خالص! في يوم نمت نص ساعة قمت بفزع على صوت انفجار كبير. حصل لي هلع شديد لما صحيت ولقيت نفسي بزحف وأفكر أنا ميتة؟”.

واخترق الرصاص جدران المبنى الذي تعيش فيه والذي كانت 11 من بين 12 شقة فيه خاوية عندما رحلت عنه. وتوقفت دانيا في نقاط تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع ثلاث مرات وقالت إنها نجت بأعجوبة من تبادل لإطلاق النار.

وعندما وصلت إلى وادي حلفا أنزلها سائق الحافلة الذي وعد بتوصيلها إلى مصر مع عائلتها وطلب المزيد من المال.

وقالت دانيا التي كانت تعتزم العودة إلى لندن في نهاية الشهر لاستكمال دراستها قبل أن تندلع الحرب “احنا عندنا سيارات وبنعيش في أحياء كويسة.. في ناس ما يستطيعوا يخرجوا. ليه الناس تموت لأن مفيش معاهم كاش”.

وترك بعض من يستطيعون الهرب منازلهم وممتلكاتهم فريسة للصوص.

وكان خالد إبراهيم، وهو رجل أعمال في الثلاثينيات من العمر، في وادي حلفا بالفعل عندما شاهد على شاشة هاتفه المحمول لقطات لكاميرا أمنية في منزله بأم درمان تظهر مقاتلين يعيثون فسادا في الداخل فيطلقون النار على أقفال الأبواب ويحرقون شيكات بملايين الجنيهات السودانية.

وعاد إبراهيم لجلب بعض الأمتعة ووجد كلبه مقتولا بالرصاص. ورجع إلى وادي حلفا للتقدم بطلب تأشيرة لكن قيل له إن عليه الانتظار لذا أرسل والديه كبيري السن إلى مصر بمفردهما.

وقال وهو يقتل الوقت في مقهى على الجانب الآخر من الشارع من مكتب الجوازات السوداني الذي يستلم الوثائق ويسلمها للقنصلية المصرية للنظر فيها “كيف بيعيشوا وكيف بيتصرفوا في المعيشة من غيري؟”.

سوق سوداء

تمتلئ شوارع وادي حلفا المتسخة بطوابير طويلة من الحافلات التي توصل مسافرين وتقل المزيد منهم.

وحفنة الفنادق الرخيصة في المدينة محجوزة بالكامل.

وتزدحم المساجد والمدارس وساحات الانتظار والمستشفيات بعائلات كبيرة تستأجر كل شيء من الأسرة إلى استخدام دورات المياه.

وتعد فرق قليلة من المتطوعين الوجبات وتوزع المياه.

وفي يوم من أيام أواخر أبريل نيسان، قال بعض المتقدمين بطلب الحصول على تأشيرة لرويترز إن القنصلية المصرية لم تعد تنظر في طلباتهم لنفاد ما لديها من ملصقات التأشيرة.

وظهرت سوق سوداء للتأشيرات حيث قال إبراهيم وآخرون إنه يمكن للمتقدمين بطلب تأشيرة دفع 400 دولار لتسريع الإجراءات.

وأحمد عبد الرحمن (28 عاما) مهندس فر من أم درمان مع 14 من أقاربه. وواصل نصف المجموعة طريقهم إلى مصر واستقر الباقون في مدرسة بوادي حلفا وينامون في أحد الفصول مع ثلاث عائلات أخرى.

وقال إن المسؤولين المنهكين في القنصلية المصرية لا يبدون تعاطفا يذكر مع محنتهم. وأضاف “بيرزع الباب في وشك. ما في حد يسمعنا”.

ولم ترد وزارة الخارجية المصرية على طلب تعقيب على تقارير وجود سوق سوداء للتأشيرات ولا الشكاوى من سلوك موظفي القنصلية ولا نفاد ملصقات التأشيرة.

وفي فصل آخر بالمدرسة، قال جورج بشير حنا، وهو رجل أعمال كبير في السن ومن أصل سوري، إنه ينتظر منذ أسبوع حتى يحصل ابنه جيمي على تأشيرة.

وأبلغته المدرسة هو وآخرين بأنها تحتاج إلى استخدام الفصول هذا الأسبوع من أجل امتحانات نهاية العام.

وقال جورج “معنديش مكان أروح له. هروح أنام جنب الباصات في الموقف”.

(رويترز)

الصراع القبلي يلامس أبواب دارفور

ـ حركات التمرد السابقة في دارفور تتخذ موقفا محايد من الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” لكنها تشارك بشكل غير مباشر في القتال ضمن اللجنة الأمنية المشتركة مع الجيش
ـ يسيطر الجيش على المدن الرئيسية في ثلاث ولايات بدارفور، بينما تبسط قوات الدعم السريع سيطرتها على جنوب دارفور، فيما يشتعل القتال في ولاية غرب دارفور
ـ يرى الجيش أن القتال في غرب دارفور ذو طبيعة قبلية بينما يقول شهود عيان إن قوات الدعم السريع هاجمت وحدات للجيش

 

مع استمرار المعارك في العاصمة السودانية الخرطوم، توشك جبهة إقليم دارفور (غرب) أن تشتعل مجددا بعد أعوام قليلة من خمود بركان التمرد فيها.

ووضع دارفور أعقد من الخرطوم، بسبب الحساسيات القبلية والعرقية بين القبائل العربية والقبائل الإفريقية، وانتشار حركات التمرد السابقة بها، وإمكانية انخراطها في الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.

ـ لمن تنحاز الحركات المسلحة؟

وتحاول حركات التمرد السابقة في دارفور، أخذ موقف محايد من الصراع الدائر بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع (شبه عسكرية) بقيادة محمد حمدان دقلو، المدعو حميدتي.

إلا أن حركات التمرد الدارفورية السابقة شاركت بشكل غير مباشر في القتال إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، تحت لواء “اللجنة الأمنية المشتركة”، المشكلة من وحدات من الجيش وقادة حركات التمرد السابقة.

وهذا ما دفع وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين، إلى التأكيد بأن “جميع الحركات المسلحة تعمل مع القوات المسلحة النظامية جنبا إلى جنب دفاعا عن الوطن”، الأمر الذي تحفظت عليه الحركات المسلحة التي تحاول أخذ مسافة بينها وبين “اللجنة الأمنية المشتركة” رغم أنها جزء منها، بهدف عدم الزج بالإقليم في أتون الحرب مجددا.

وتشكلت اللجنة الأمنية المشتركة، بعد “اتفاق جوبا للسلام”، الموقع بين الحكومة وبعض حركات التمرد في دافور والجنوب الجديد، في أكتوبر/تشرين الأول 2020، بعد نحو عام من سقوط نظام البشير.

وهذا ما يفسر عدم سقوط ولاية شمال دارفور ومركزها الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، بيد قوات حميدتي، رغم أنها مسقط رأس الأخير.

بينما سقطت مدينة نيالا، مركز ولاية جنوب دارفور، في حين يشتعل القتال في مدينة الجنينة، مركز غرب دارفور، والتي كانت المعقل الرئيسي للحركات المسلحة في زمن التمرد، خاصة وأنها مفتوحة على الأراضي التشادية.

لكن محاولة قوات حميدتي، السيطرة على كامل إقليم دارفور بولاياته الخمس، من شأنه أن يدفع حركات التمرد الدارفورية السابقة للقتال إلى جانب الجيش، ما سيقلب معادلة التحالف التي كانت قائمة في الحرب التي اندلعت ما بين عامي 2003 و2019.

ويضم إقليم دارفور 5 ولايات تتمثل في: شمال دارفور، وجنوب دارفور وغرب دارفور، وشرق دارفور ومركزها زالينجي، ووسط دارفور ومركزها الضعين، ويترأس الإقليم حاليا مني أركو مناوي، زعيم حركة تحرير السودان (المتمردة سابقا)، والتي يقودها جناحها الآخر عبد الواحد نور.

** المشهد الحالي في دارفور

المشهد السياسي والعسكري في دارفور ملتبس ومعقد، بالنظر إلى تعدد الفاعلين القبليين والعسكريين في الإقليم، ما يهدد بخروج معادلة الصراع من ثنائية الجيش وقوات الدعم السريع، إذا طالت المعارك في الخرطوم وتطايرت شراراتها إلى الأطراف.

فالجيش يسيطر “نسبيا” على ولايات: شمال دارفور، الحدودية مع ليبيا وتشاد، وشرق دارفور، الحدودية مع دولة جنوب السودان، ووسط دارفور، الحدودية مع تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على جنوب دارفور، الحدودية مع دولة جنوب السودان.

غير أن الولاية المشتعلة حاليا فهي غرب دارفور الحدودية مع تشاد، والتي كانت المعقل الرئيسي للتمرد، بفضل تضاريسها الصعبة وخاصة جبل مُرة، الذي يوصف بأنه ذو مناخ متوسطي في قلب الصحراء، وينتج أحد ألذ أنواع البرتقال رغم حجمها الصغير.

والغموض في تحديد أطراف النزاع في غرب دارفور، يحمل في طياته مخاطر تجدد الحرب التي اندلعت في 2003، والتي بدأت كنزاع بين الرعاة والمزارعين، ثم تطورت لتصبح صراعا بين القبائل العربية والقبائل ذات الأصول الإفريقية، لتتحول إلى حرب بين الجيش السوداني وحركات مسلحة لها مطالب سياسية واجتماعية بينها رفض تهميش الإقليم.

وشهدت الجنينة، عاصمة ولاية غرب السودان، مؤخرا سقوط عشرات القتلى، في قتال وصفه الجيش بأنه ذو طبيعة “قبلية” بين قبائل عربية وقبيلة المساليت الإفريقية.

غير أن وسائل إعلام، نقلت عن شهود عيان، أن قوات الدعم السريع و”حلفائها”، هاجمت الجنينة، التي يقطنها سكان من المساليت، وقتلت ونهبت المدينة، على طريقة ما كان يفعله “الجنجويد” ما بين 2003 و2019، الأمر الذي نفته قوات حميدتي.

كما تم تداول تقارير تتحدث عن مهاجمة قوات الدعم السريع في ولاية غرب السودان لوحدات من الجيش كانت في طريقها لتنضم إلى القوات المشتركة مع تشاد لتأمين الحدود، ولم يتسن للأناضول التأكد منها.

وفي هذا الصدد، نقلت شبكة بي بي سي، البريطانية، في 28 أبريل، عن والي غرب دارفور خميس أبكر، قوله إن “الاشتباكات بدأت منذ ثلاثة أيام، بعدما وصلت عناصر من القوات المسلحة السودانية إلى قيادة القوات السودانية التشادية المشتركة في مدينة الجنينة، وحينها هاجمتها قوات من الدعم السريع”، وهو ما قاله كذلك شهود عيان لبي بي سي، بينما نفته قوات الدعم السريع.

وبالحديث عن حلفاء قوات الدعم السريع، تحدثت تقارير عن وصول عناصر توصف أنها من “الجنجويد” في مالي والنيجر إلى دارفور للمشاركة في القتال بالإقليم إلى جانب قوات الدعم السريع، وهو ما لم تؤكد مصادر حكومية.

ومن المعروف أن قوات حميدتي، أغلبها تنتمي إلى قبائل الرزيقات العربية، التي لها امتدادات في الصحراء الإفريقية الكبرى من تشاد إلى النيجر ومالي.

ولكن قبيلة الرزيقات، ليست على قلب رجل واحد، فهي منقسمة بين الأبالة (رعاة الإبل) الذين يتحدر منهم حميدتي، والبقارة (رعاة البقر) الذين يتحدر منهم موسى هلال، الذي يوصف بأنه زعيم الجنجويد (أطاح به حميدتي في 2017)، لكنه يقف حاليا إلى جانب الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع.

وسبق أن شهدت ولاية جنوب دارفور مناوشات قبلية بين الأبالة والبقارة على غرار ما جرى في 2010، رغم أنهما ينحدران من فرع واحد، لكن الصراع على المراعي والسلطة والنفوذ ومناجم الذهب أشعل الخلاف بينهما.

فحبال الصراع تفلت من بين أيدي الجيش وقوات الدعم السريع، وبمجرد حسم معركة الخرطوم لأحد الطرفين، من المرجح أن تتحول دارفور إلى البؤرة الرئيسية للقتال، رغم أنها لم تلملم بعد جراحها، لكن أطرافا ثالثة بعضها محلي والآخر أجنبي تستعد لدخول الحرب لكن وفق أجنداتها الخاصة.

رحلة على الجمر.. الهروب من السودان “كابوس” للمغتربين الأفارقة

من ماكدونالد دجايروتوي

لاجوس (رويترز) – كان طالب القانون النيجيري عمر يوسف يارو مسترخيا في شقته حينما سمع لأول مرة دوي الطلقات النارية في الشهر الماضي بالحي الذي يقطنه في العاصمة السودانية الخرطوم.

وعلى مدى الأيام التسعة التالية، مكث يارو وحيدا ليتجنب الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية على أمل أن يتوقف القتال.

وفي ظل تعطل الإنترنت لديه واقتراب نفاد مخزونه من الطعام، فتح يارو بيانات هاتفه المحمول يوم 24 أبريل نيسان ووقعت عيناه على جملة أعادته إلى الحياة على تطبيق تيليجرام، وهي “ستجلي نيجيريا رعاياها” عند فجر اليوم التالي من حرم جامعة أفريقيا العالمية في العاصمة التي مزقتها الحرب.

سارع يارو بحزم حقيبتين وتوجه إلى أقرب محطة حافلات. لكن لم تصل أي وسيلة مواصلات.

وقال يارو “ظهرت قوات الدعم السريع بأسلحتها فجأة من العدم. صوبوا سلاحهم نحوي، ربما لإخافتي، وسألوني عن وجهتي في هذا الوقت من الليل بالحقيبتين”.

وكانت تلك بداية رحلة طويلة ومروعة إلى بر الأمان.

بينما أرسلت الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا طائرات لإجلاء رعاياها من مطار بالقرب من الخرطوم، عانى أفارقة وأجانب آخرون من دول أقل ثراء للعثور على طريق للخروج.

تكدس الآلاف في الحافلات والشاحنات في الرحلة الممتدة 800 كيلومتر برا من الخرطوم إلى بورتسودان في ولاية البحر الأحمر للصعود على متن سفن. بينما توجه آخرون صوب الشمال لمسافة تبلغ ألف كيلومتر إلى حدود مصر، ليجدوا أنفسهم عالقين فحسب في صفوف انتظار تستمر لأيام للسماح لهم بالعبور.

لكن مع تزايد الأعداد وشح الوقود، قفزت أسعار التنقل إلى مئات الدولارات لتكون بعيدا عن متناول الكثيرين ومن بينهم الطلبة مثل يارو.

* الرصاص في كل مكان

كان يارو (24 عاما) مذعورا إلى حد أعجزه عن الرد حينما واجهه المقاتلون.

وقال لرويترز “ظننت أنها ستكون نهايتي”.

لكن المقاتلين ضحكوا وتركوه في محطة الحافلات.

وتوسل يارو إلى رجل يركب دراجة نارية لتوصيله إلى الجامعة، ليجد أكثر من ألف نيجيري وبوركيني وتشادي وطلبة أجانب آخرين متجمعين بها.

لكن في اليوم التالي لم تظهر أي حافلات. واعترى الغضب الكثيرين الذين كانوا بلا طعام أو مياه أو نقود أو كهرباء.

وقال يارو لرويترز عبر تطبيق زووم، بينما يُسمع صوت بكاء في الخلفية، “حتى ونحن نجلس هنا، يمكنكم سماع أصوات أعيرة نارية في كل مكان تقريبا. لسنا آمنين هنا”.

وقالت حكومة نيجيريا إنها حاولت استئجار 250 حافلة لإجلاء نحو 5500 من رعاياها وأغلبهم من الطلبة. لكنها لم تستطع توفير إلا 40 حافلة بتكلفة بلغت 1.2 مليون دولار.

ووصلت الحافلات العشر الأولى إلى الجامعة يوم 26 أبريل نيسان، لكن لم يكن بها مكان ليارو. كان عليه الانتظار أربعة أيام أخرى لنقله إلى بورتسودان في رحلة ليلية. وقال إن النيران اشتعلت في إحدى الحافلات في الطريق، لكن لم يُصب أحد.

واستطاع طالب نيجيري آخر، وهو كبير آدم (24 عاما)، أن يضمن مقعده في قافلة مغادرة من جامعة الرازي في الخرطوم إلى أرقين، وهي أحد معبرين رئيسيين على الحدود المصرية السودانية. لكن آدم قال إن السلطات المصرية أعادتهم قائلة إن الحافلات غير مصرح لها بالعبور.

فناموا في الحافلة في تلك الليلة ثم توجهوا إلى مدينة وادي حلفا.

حينما وصلوا، قال سائق الحافلة إنه لا يملك تصريحا لتوصيلهم إلى المعبر الحدودي وتركهم على قارعة الطريق. وقال آدم إنه وآخرين، بينهم نساء حوامل، ناموا في العراء أربع ليال قبل أن يُسمح لهم بدخول مصر يوم الثلاثاء.

وقالت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ بنيجيريا إن مصر تسمح لرعاياها بالدخول فقط إن كانت لديهم مقاعد على متن رحلات مغادرة. وأجلت طائرة تابعة للقوات الجوية النيجيرية وطائرة مستأجرة أول 354 نيجيريا من مدينة أسوان المصرية يوم الأربعاء.

ولم ترد وزارة الخارجية المصرية على طلب للتعليق. وقالت إن السلطات توفر الإغاثة وخدمات الطوارئ في المعابر وتحاول تسريع إجراءات الدخول من خلال زيادة أعداد الموظفين الحدوديين.

* “كان الأمر مروعا”

حتى الأشخاص الأفضل حالا واجهوا صعوبات في الخروج. فقال بريده موبايوا (34 عاما)، وهو مستشار أعمال من زيمبابوي، إنه بقي مع زوجته وابنه ذي العامين في غرفة المعيشة عندما تعرض منزلهم للأعيرة النارية.

ومن دون إنترنت أو حتى كهرباء لتشغيل هواتفهم، عانوا للتواصل مع سفارتهم أو أسرتهم. وقال موبايوا إنه وزوجته كانا يدخران الطعام والشراب القليلين لابنهما.

وبعد أسبوع، جاءتهم أنباء أنه ستتوفر وسيلة نقل تغادر من سفارة بلدهم إلى بورتسودان.

وقال موبايوا إن محرك سيارته أبى أن يعمل، ولم تكن هناك سيارات أجرة، فسار وزوجته أربعة كيلومترات تفصلهم عن السفارة. وأوقف مقاتلو قوات الدعم السريع الأسرة في الطريق، لكنهم تركوهم يمضون في حال سبيلهم عندما قال لهم موبايوا إنه يبحث عن طعام لابنه.

ومن بورتسودان، انطلقوا إلى السعودية على متن سفينة شحن.

وقال موبايوا لدى هبوطه يوم الأحد في مطار هاراري عاصمة زيمبابوي حيث بكى أقاربه وهللوا “كان الأمر مروعا … كنا ننام على الأرض، وكان الطقس قارس البرودة”.

جذور الصراع وامتداداته

فجأة ودون سابق إنذار، يتفجر القتال في 15 من أبريل/نيسان بين حليفي الأمس، الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني و الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي قائد قوات الدعم السريع، ويحمل كل طرف منهما الطرف الآخر مسؤولية بدء القتال ومهاجمة الآخر.

ويأتي القتال بعد سلسلة من الاضطرابات أعقبت الإطاحة بالرئيس عمر البشير، في أبريل/ نيسان 2019، إثر مظاهرات شعبية حاشدة، خرجت ضد الرئيس السابق في عموم السودان، واستمرت لعدة أشهر.

عقب الإطاحة بالبشير، وافقت المؤسسة العسكرية، على فترة حكم انتقالي بمشاركة فصائل مدنية، وتشكلت حكومة مشتركة من المدنيين والعسكريين، لكنها لم تعمر طويلا بسبب كثرة الشركاء (الذين اتفقوا على الإطاحة بالبشير، واختلفوا بعدها على كل شيء)، واستعجال كل طرف في تنفيذ أجندته الخاصة به، وإصرار بعض القوى السياسية على إقصاء قوى سياسية أخرى، بذريعة تصفية فلول النظام السابق، ما أفسح المجال أمام المكون العسكري ، في أكتوبر/تشرين الأول 2021.

لكن الإطاحة بالمكون المدني، فتحت الباب على مصراعيه أمام تصاعد حدة التنافس داخل المكون العسكري، وتحديدا بين عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة والرئيس الفعلي للبلاد، ونائبه قائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي.

في ديسمبر/كانون الأول 2022، وضعت الفصائل العسكرية وبعض القوى المدنية إطارا جديدا لاتفاق حول نقل السلطة إلى المدنيين، لكن المحادثات حول تنفيذ تفاصيل الاتفاق، والتوقيع عليه فشلت، نتيجة الأسباب نفسها التي أدت إلى فشل الحكومة المشتركة السابقة.

**دمج قوات التدخل السريع يفجر الأزمة

بدأت الأزمة خلال الجلسة الخامسة لمباحثات تطبيق الاتفاق الإطاري لتسليم السلطة للمدنيين، وإعادة هيكلة النظام في السودان بدستور جديد. لكن سببها الحقيقي هو الخلاف داخل المكون العسكري، حول قضية إدماج قوات الدعم السريع في صفوف الجيش السوداني، حيث كان البرهان يريد دمجها بأسرع وقت ممكن، كونها باتت تشكل تهديدا خطيرا على كيان الدولة السودانية، بعد أن جاوز عدد أفرادها مئة ألفاً، مدعومة بإمكانات مادية ضخمة، بسبب سيطرتها على مناجم الذهب، فأصبحت بمثابة “دولة داخل دولة”.

في الوقت ذاته كان حميدتي يصر على جعل عملية الدمج ممتدة لفترة زمنية طويلة الأمد، تستمر لعشر سنوات، ليتمكن خلالها من التخلص من البرهان وقيادة الجيش الحالية.

وعندما تعذر الاتفاق بين الطرفين، سارعت قوات التدخل السريع إلى تنفيذ انقلاب عسكري، بدا واضحا أنها كانت قد أعدت له مسبقا، فقامت بعملية مباغتة، هدفت من خلالها السيطرة على مقرات قيادة الجيش والقصر الرئاسي.

**قوات الدعم السريع وظروف تشكيلها

مع ظهور حركات التمرد ضد الحكومة المركزية، برزت حاجة ملحة إلى قوات رشيقة سريعة الحركة، تتصدى للمتمردين، حيث تعجز الجيوش الوطنية عن مقارعة تلك الحركات التي تستخدم تكتيات “إضرب واهرب” مما يرهق الجيوش النظامية ويجعلها عاجزة عن حسم التمرد.

وعندما صدر قرار تكوين قوات الدعم السريع، تمت مباركته من جميع الدوائر العسكرية والمدنية، وأجازه المجلس الوطني عام 2017.

وسميت بقوات الدعم السريع، لأنها قوات ذات مهام عاجلة لمهمات محددة، يتم حلها أو دمجها في منظومة الجيش عندما تنتهي مهامها، لذلك لم يعترض الجيش على تشكيلها في البداية، لكن حميدتي اشترط على البشير أن يتبع لرئاسة الجمهورية، لانه لا يثق بضباط الجيش، بحجة سلولكهم السيء في دارفور، ولم يكن حميدتي أول قائد لهذه القوات، بل اللواء الركن عباس عبد العزيز التابع لهيئة العمليات الخاصة، الذي تقاعد، فتم ترفيع حميدتي ليكون قائدها خلفا له.

بدأت قوات التدخل السريع بخمسة آلاف مقاتل فقط. ولم يكن في مخططا زيادة عددها أكثر من ذلك. لكن وزير الدفاع الأسبق عوض ابن عوف رفع عددها ليصل إلى 21 ألف مقاتل رغم اعتراض كثير ضباط الجيش على ذلك.

لقد كان الهدف الرئيس والعاجل من تكوين قوات الدعم السريع، هو طرد المتمردين من منطقة “أبو كرشولا” الغنية بالبترول، بعد أن عجز الجيش الوطني عن حسم التمرد جنوب مدينة الأٌبيّض، وأيقن حينها الرئيس البشير أن الحل يكمن في تكوين قوات رديفة ذات طبيعة خلوية رشيقة الحركة تتبع نفس أسلوب حرب العصابات، بما يشبه القوات التي شاركت الجيش بالجنوب في الحرب ضد قوات جون قرنق.

مع احتدام القتال في السودان، توجهت الأنظار نحو طرفي الأزمة، الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، وقوات التدخل السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي.

وجاء صعود حميدتي بداية في عهد البشير مع مكافآت أخرى مُنحت له، فسُمح له بالعمل باستقلالية، مهدت له الطرق لمصادرة مناجم الذهب من زعيم قبلي منافس له في دارفور.

ثم جاءت حرب اليمن لتمهد الطريق أمام صعود حميدتي، وتمدد قوات الدعم السريع، حيث اضطلع بدور عسكري كبير ضمن قوات عاصفة الحزم، من خلال إسهام قواته بأكثر من نصف القوات السودانية التي شاركت في اليمن.

* البعد الإقليمي والدولي في الصراع السوداني

الصراع على القارة السمراء عموما، والسودان خصوصا، جعل خارطة العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية على الأرض السودانية متشابكة ومعقدة جدا. حيث الوجود العسكري الأمريكي في البحر الأحمر، والنفوذ الصيني المتصاعد في المنطقة، وانعكاسات الأحداث في السودان المباشرة على الأمن الاستراتيجي لكل من مصر وأثيوبيا، وكذلك السعودية، والنفوذ الناعم لإسرائيل، بالإضافة إلى التدخل الروسي من خلال وجود عناصر فاغنر مع حميدتي.. كلها مؤشرات خطيرة على تعقيد المشهد، وطول أمد الحرب.

يعتبر الموقف الأمريكي حاسما في انهاء الحرب أو إطالة أمدها، حيث ترغب واشنطن في الحد من النفوذ الصيني والروسي معاً، وهذا يحتم عليها دعم الشرعية المتمثلة بالجيش وقائده البرهان، وهنا يتبادر إلى الذهن النموذج الأثيوبي، عندما تم إبعاد القوات المتمردة عن العاصمة، وتطويقها وحصارها في مناطق محددة في إقليم تيغراي، ثم الدخول معها في مفاوضات سياسية بعد كسر شوكتها.

ميدانيا يستمر القتال في السودان رغم الهدنة، وقد لوحظ تراجع كبير في عدد نقاط التفتيش التي كانت تقوم بها قوات التدخل السريع، بسبب تقدم الجيش وسيطرته على غالبية المناطق في العاصمة الخرطوم، باستثناء بعض الجيوب. وهذا ما سيدفع البرهان إلى مزيد من التصعيد، والجيش إلى مزيد من التقدم حتى تنظيف العاصمة الخرطوم وما حولها من المناطق والولايات القريبة.

النزوح من المناطق الملتهبة … رحلة معاناة للهروب من رعب القتال

سبوتنيك– مع اقتراب أسبوع الحرب الثالث من نهايته بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في السودان، لا تزال طلقات الرصاص وقصف المدافع وطلعات الطيران هي الأجواء المسيطرة على المشهد، ورغم الإعلان عن هدنات متكررة في الخرطوم إلا أن الاقتتال والصراع لم يتوقف، تتزامن معه عمليات الفرار والنزوح من المناطق الملتهبة.
في تلك السطور نرصد جانبا من معاناة الفارين من جحيم الحرب إلى المناطق البعيدة عن القتال وكيف تمر عليهم الساعات والجهات التي تساعدهم.
بداية يقول فضل عبد المطلب، مسؤول التطوع بالهلال الأحمر السوداني في الولاية الشمالية (دنقلا)، إن الولاية الشمالية تبعد عن الخرطوم العاصمة مئات الكيلومترات، ونظرا لبعدها عن 

المواجهات العسكرية الدائرة تحولت إلى ملاذ آمن للنازحين من العاصمة والمناطق القريبة من الصراع.

الدعم النفسي
وقال في اتصال مع “سبوتنيك”، نقوم في الهلال الأحمر باستقبال النازحين عبر الطرق البرية وغيرها ونقدم لهم المواد الغذائية والدعم النفسي، كما نقوم بمساعدتهم على توفير أماكن الإيواء سواء عن طريق مساعدتهم في تأجير منازل لمن يمتلكون المال، أو تدبير الاستضافات لهم عن طريق أهل الخير في الولاية، حيث أن جميع الجهود الإغاثية محلية ولم نتلق أي دعم خارجي.
وأشار عبد المطلب إلى أن هناك نسبة من النازحين هم في الأساس من أبناء الولاية والذين يقطنون في الخرطوم والباقي من الفارين من جحيم الحرب نتيجة اشتداد عمليات القتال في المدن والأحياء، وعدم قدرتهم على حماية أنفسهم أو حتى الوصول إلى الصيدليات أو المستشفيات، والتي أغلق غالبيتها أبوابه نتيجة نقص الإمدادات، وفق الروايات التي نسمعها من العائلات النازحة إلى الولاية الشمالية.
وأكد مسؤول الهلال الأحمر أن الدعم النفسي والمواد الغذائية هو أو ما نقوم بتقديمه للنازحين، حيث يمثل الدعم النفسي عامل هام جدا لإخراج الأطفال والنساء من حالة الرعب والخوف التي عاشوها تحت القصف وسببت لهم صدمات نفسية قد تحتاج إلى أوقات طويلة للعلاج، أضف إلى ذلك هناك الكثير من الحالات الفارة من جحيم الحرب تعاني من بعض الإصابات، لذا نقدم لهم الاسعافات الأولية والمعلومات التي يرغبون في معرفتها عن المنطقة.
صوت الرصاص
من جانبها تقول د.نواره بافلي، خبيرة التنمية الريفية المستدامة والعلوم البيئية شرق السودان، إن المأساة تكمن في استمرار الحرب في الخرطوم التي روعت المواطنين لاسيما الأمهات والأطفال الذين بدأوا اختباراتهم النهائية لإعلان الأجازة الصيفية وبداية عام دراسي جديد.

وأضافت في حديثها لـ”سبوتنيك”: “ضاعت آمال الأطفال بمجرد سماع صوت الرصاص وضاع عامهم الدراسي، حيث تم استبدال نشيدهم الصباحي وتحية العلم بأصوات القنابل والرصاصات القاتلة للأمهات والأطفال حتى إن الجميع يعاني ويتحين الفرصة للفرار من الخرطوم بعد أن تحولت الشوارع إلى مقابر مفتوحة و وأصبحت كل المرافق والخدمات نادرة”.

حالة هيستيرية
وتحكي بافلي عن صديقتها التي تقول إن ابنها كاد أن يصاب بالجنون ودخل في حالة هيستيرية نتيجة لسماع طلقات المدافع والرصاص، لذا كان الخيار الأوحد للأسر بالخرطوم هو النزوح إلى الولايات أو خارج السودان، ولكن هذا الخيار لاقى مالاقى من المعاناة أولها كيفية الخروج من البيوت بطريقة آمنة للوصول إلى المواصلات التي تؤدي إلى مناطق بعيدة عن صوت الدانات المرعبة.
وتابعت بافلي أن المشكلة الأصعب من النزوح هي استغلال أصحاب المركبات لهذه الأزمة بزيادة أسعار التذاكر بأضعاف مضاعفة، ومثال ذلك تذكرة السفر من الخرطوم زادت من 12 دولارا تقريبا إلى 120 دولارا أو ما يزيد عن ذلك، وكان التأثير أكبر على الأسر والأطفال الذين عانو الأمرين، نار الحرب ونار الأسعار المتزايدة دون مراعاة للوضع والألم الذي يعيشه الناس.
المعابر الآمنة
وأشارت خبيرة التنمية الريفية إلى أن مدينة بورتسودان التي تنتمي لها تعد من المعابر الآمنة لإجلاء الأجانب إلى الخارج عبر المملكة العربية السعودية ومنها إلى دول العالم المتفرقة عبر ميناء بورتسودان إلى ميناء جدة.

ولفتت بافلي إلى أن منظمات المجتمع المدني السودانية لعبت وما زالت تلعب دورا كبيرا عن طريق طرح المبادرات الشعبية،

باستضافة الفارين من الحرب إلى إيوائهم وتقديم الخدمات لهم من مأكل ومشرب ومسكن إلى حين اجلائهم خارج البلاد أو البقاء إلى حين تنجلي هذه الكارثة والحروب الطاحنة.

 

واستبعد مبعوث الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، اليوم الأربعاء، أن يشهد العالم نهاية لموجة النزوح من السودان للدول المجاورة قريبا.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده غريفيث لدى وصوله إلى السودان.
وأكد غريفيث أن الأمم المتحدة تسعى لتقديم المساعدة للنازحين في السودان ومنع خروجهم إلى دول الجوار.
وقال المبعوث الأممي إن المنظمة الدولية تسعى للحصول على ضمانات من كافة الأطراف لحماية المساعدات الإنسانية، بعدما تم سرقة شاحنات المساعدات الإنسانية التي كانت متجهة إلى إقليم دارفور.
وأضاف أن المنظمات الإنسانية تعمل وسط ظروف صعبة في السودان، ويجب توفير الحماية لها.
وأشار إلى أنه يتم العمل على نشر مزيد من الموظفين لإيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر تضررا في البلاد.
كما دعا غريفيث المجتمع الدولي لبذل المزيد لإرسال المساعدات إلى السودان.
ووصل غريفيث، اليوم الأربعاء، إلى السودان وذلك في اليوم الأخير من الهدنة التي من المفترض أن تنتهي عند منتصف الليل، ولم يكن لها تأثير يذكر لوقف القتال.
وتأتي الزيارة وسط قلق متزايد بشأن الوضع الإنساني في السودان، بسبب القتال الناجم عن الصراع على السلطة في البلاد.

حقائق-السودان… تاريخ الانقلابات والحروب وعدم الاستقرار

(رويترز) – منذ ثلاثة أسابيع، تفجر صراع دموي على السلطة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. ولم يبد قادة الطرفين أي بادرة على قبول حلول وسط، بعد أن تقاسما السلطة في وقت سابق ضمن عملية مدعومة دوليا للانتقال إلى نظام ديمقراطي.

وللسودان تاريخ مع الحروب الأهلية، واستيلاء العسكريين على السلطة. وفيما يلي بعض الحلقات الرئيسية للاضطرابات السياسية والصراعات في ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة.

* 1985. أطاحت انتفاضة شعبية بالرئيس جعفر نميري الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 1969. وتولى قائد عسكري آخر زمام الأمور ووعد بإجراء انتخابات في غضون عام. وفتحت الانتخابات التي أجريت في 1986 الباب لحكم مدني الذي استمر ثلاث سنوات.

* 1989. نظم عمر البشير، وهو أحد جنرالات الجيش، انقلابا وبدأ ثلاثة عقود في السلطة بدعم من ضباط الجيش الإسلاميين وبدعم في البداية من السياسي صاحب النفوذ حسن الترابي الذي يعتبر الزعيم الروحي للإسلاميين في السودان. ولاحقا، انفصل الترابي عن البشير.

* 1996. بضغط من الولايات المتحدة، طلبت الحكومة السودانية من أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة مغادرة السودان في مايو أيار 1998 بعد أن أمضى خمس سنوات في البلاد كضيف رسميا.

* 1998. الولايات المتحدة تقصف مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم. وقال مسؤولون أمريكيون إنه كان ينتج مكونات أسلحة كيماوية ومملوكا جزئيا لأسامة بن لادن. وقال السودان إنه كان ينتج أدوية فحسب.

* 2003. اشتعال صراع في إقليم دارفور بغرب السودان بين متمردين والقوات الحكومية المدعومة من ميليشيا (الجنجويد). وحصد الصراع أرواح نحو 300 ألف شخص وشرد الملايين. استمر العنف حتى بعد التوصل إلى اتفاق سلام في عام 2020.

واتهمت المحكمة الجنائية الدولية البشير بتدبير إبادة جماعية وغيرها من الفظائع في دارفور.

* 2005. توقيع حكومة السودان المتمركزة في الشمال ومتمردي جنوب السودان على اتفاق سلام بعد عقدين من القتال في أطول حرب أهلية في أفريقيا أدت إلى مقتل مليوني شخص. ونص الاتفاق على إجراء استفتاء على انفصال الجنوب. وأعلن جنوب السودان استقلاله في عام 2011.

* 2019. الإطاحة بالبشير بعد انتفاضة شعبية. وأعقب ذلك فترة من التوترات المتصاعدة بين الجيش والسياسيين المدنيين حول الانتقال إلى الحكم الديمقراطي.

* 2023. بعد احتجاجات ضد الجيش، اندلع قتال في 15 أبريل نيسان بين الجيش بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس الحاكم في السودان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب البرهان في المجلس.

“حرب المضائق والكنز المدفون”… ما هي مصالح روسيا بالسودان وأي دور لمرتزقة فاغنر؟

أمين زرواطي

فيما تأبى أصوات المدافع والقصف أن تخفت في السودان منذ 15 أبريل/نيسان الماضي رغم تمديد الهدنة مرارا بين الجيش وقوات الدعم السريع، يتساءل مراقبون عن دور القوى الكبرى وتحديدا روسيا خاصة عبر مجموعة فاغنر ذراعها المسلح في أكثر من دولة، بسبب علاقة موسكو خصوصا بالجنرال دقلو (حميدتي)، لكن أيضا لمصالحها العسكرية بالمنطقة وتلك المتعلقة بالثروات الطبيعية وعلى رأسها الذهب. هذا، وحذر خبراء من أن العالم مقبل على “حرب المضائق والممرات” البحرية.

يستفيق السودانيون كل يوم منذ اندلاع المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان، على هدير الطيران الحربي والانفجارات رغم موافقة طرفي النزاع على تمديد إضافي للهدنة، فيما حذرت الأمم المتحدة من بلوغ الوضع الإنساني “نقطة اللاعودة”.

في ظل هذا الوضع المتفجر والضبابي إلى حد بعيد، يبدو أن كل محاولات الحل تصطدم بصراع النفوذ الشخصي بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، اللذين أطاحا معا في 2021 بشركائهما المدنيين بعدما تقاسما السلطة معهم في أعقاب سقوط نظام عمر البشير في 2019.

رغم تحالفهما السابق، يحتفظ كل من البرهان وحميدتي بشبكة من العلاقات والحلفاء منذ سنوات خلال توليهما مسؤوليات مختلفة حتى في عهد البشير، ولكل منهما موارده المالية الخاصة، حسب وكالة الأنباء الفرنسية. فقد كان دقلو قائد الميليشيا السابق في دارفور (الجنجويد)، من أتباع البشير ومنفذا لأوامره، وقد جمع ثروة من تجارة الذهب، وفق نفس الوكالة.

غير بعيد عن صراع النفوذ الداخلي هذا بين الحليفين السابقين، لطالما أسالت ثروات السودان أيضا لعاب القوى الدولية الكبرى التي تسعى لضمان مصالحها وتعزيز نفوذها بالمنطقة، خصوصا بحكم موقع البلاد الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، وثرائه بالموارد الطبيعية حيث إنه ثالث منتج للذهب في أفريقيا.

  • فاغنر ومناجم الذهب السودانية

في هذا الإطار، فإن الاستثمارات الروسية وأيضا الإماراتية هي من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث يستثمر البلدان في قطاع الموانئ وفي التعدين، وأيضا في الذهب الذي تسيطر عليه إلى حد كبير قوات الدعم السريع، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

كما تتهم الولايات المتحدة روسيا بنشر قوات مجموعة فاغنر ذراعها المسلح في دول أفريقية عديدة، وهي تنتشر في السودان منذ 2017 مع قوات الدعم السريع خصوصا حول مناجم الذهب للاستحواذ على مواردها.

في هذا السياق، أوضح عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار السودانية لفرانس24: “وصلت قوات فاغنر إلى السودان منذ أكثر من سبع سنوات، وكان نشاطها يقتصر على تدريب قوات الدعم السريع ثم تطور إلى الاستثمارات النوعية أو تحديث القوات والسلاح والمعدات. حاليا لا أتوقع أن يكون لها وجود فعلي سوى الارتباط بالاستثمار في مجال الذهب”.

وفي تصريحات سابقة لفرانس24، قال المؤرخ الفرنسي جيرار برونييه المتخصص في شرق أفريقيا: “في السودان، يخضع رجال فاغنر لسيطرة مشددة من قبل حميدتي الذي يستخدمهم كحراس أمن في مناجم الذهب غير الشرعية”. من جانبه، أوضح رولاند مارشال الباحث في مركز العلوم الدولية للبحوث (CERI): “ظلت فاغنر بعيدة عن الأضواء في السودان لأن اعتماد البلاد على المساعدات الأمنية كان أقل منه في مالي أو جمهورية أفريقيا الوسطى”.

هذا، وكشف تحقيق لقناة سي إن إن الأمريكية في يوليو/تموز 2022 عن “نهب موسكو” لكميات هائلة من الذهب تجاوزت قيمتها مليارات الدولارات ساعدتها على تضخيم احتياطاتها من المعدن الأصفر. أضاف نفس التحقيق بأن “16 رحلة جوية سرّية تمت من الخرطوم وبورتسودان إلى اللاذقية في سوريا حيث تمتلك روسيا قاعدة جوية رئيسية”.

يلحظ، أن السجل الفرنسي لتجميد الأصول وهو تابع للمديرية العامة للخزينة ووزارة الاقتصاد، كشف في قرار خاص بتجميد أصول شركة “مروي جولد Meroe Gold” بتهمة “انتهاك حقوق الإنسان”، نشره على موقعه الإلكتروني، بأن هذه الشركة ومقرها الخرطوم، “هي كيان يغطي عمليات مجموعة فاغنر في السودان. ترتبط ارتباطا وثيقا بيفغيني بريغوجين.. تعمل على استغلال الذهب السوداني وتصديره إلى روسيا”.

  • التعاون الأمني وفض اعتصام 2019 بالخرطوم

إلا أن الشراكة بين السودان ومجموعة فاغنر لا تتوقف عند التعدين والموارد الطبيعية، حيث وفرت المجموعة الروسية شبه العسكرية التي أسسها ويقودها يفغيني بريغوجين رجل الأعمال الثري المقرب من بوتين، التدريب العسكري لقوات الدعم السريع، إلى جانب خبرتها في حملات التضليل الإلكتروني.

وكانت نيويورك تايمز قد كشفت في 5 يونيو/حزيران الماضي، عن جانب مظلم جديد من الأحداث الدامية لموقعة فض اعتصام المحتجين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم في يونيو/حزيران 2019، والتي أودت بحياة 128 متظاهرا مؤيدا للديمقراطية.

حيث قالت الصحيفة الأمريكية إنه وبعد يومين من تلك المأساة الراسخة في نفوس السودانيين، استوردت شركة “مروي جولد Meroe Gold” الروسية 13 طنا من دروع مكافحة الشغب إضافة للخوذات والهراوات. كانت هذه الشحنة حسب نفس المصدر مخصصة لشركة تسيطر عليها جماعة حميدتي التي تتهيأ للعب دور جديد على الساحة السودانية بعد أن كانت تمارس مهمة محورية في عهد البشير.

في 2022، كشف تحقيق آخر أجراه مشروع “الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)” لمجموعة من الصحافيين الاستقصائيين، عن روابط وثيقة بين فاغنر وأجهزة أمنية سودانية. بحسب هذا التحقيق، دفعت شركة M Invest الروسية التي يملكها مؤسس فاغنر، مئات الآلاف من الدولارات لشركة تسيطر عليها أجهزة أمنية تابعة لقوات الدعم السريع، في مقابل الوصول إلى قواعد جوية في البلاد.

وكانت وزارة الخارجية السودانية نفت في 22 مارس/آذار 2022، اتهامات أخرى صادرة عن دبلوماسيين غربيين لفاغنر بممارسة “أنشطة غير قانونية” في السودان مرتبطة بالتنقيب عن الذهب، وفنّدت الوزارة حتى وجود المرتزقة الروس في البلاد. كما اتهمت دبلوماسيين من النرويج وبريطانيا والولايات المتحدة “بمحاولة التدخل في الشؤون السودانية وإقحام البلاد في الصراع الدائر في أوكرانيا بصورة اعتباطية وجزافية”.

  • قاعدة “بورتسودان الروسية”

في 2021، قالت الخرطوم إنها تدرس مجددا الاتفاق الموقع مع موسكو حول إنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان تم التوصل إليه في عهد عمر البشير. ففي 2017، وقع الرئيس المعزول ونظيره الروسي فلاديمير بوتين اتفاقات للتنقيب عن الذهب وتفاوضا خصوصا حول بناء قاعدة عسكرية في البحر الأحمر.

وكان مسؤول عسكري سوداني رفيع المستوى قال حينها إن بلاده بصدد مراجعة الاتفاق لتضمنه بنودا تعتبر “ضارة”، لكن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان أكدا في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 أن الاتفاق لم يتم إلغاؤه.

وأعلنت روسيا عن توقيع الاتفاق في ديسمبر/كانون الأول 2020 وأشارت إلى أنه ينص على إنشاء قاعدة عسكرية بحرية في مدينة بورتسودان الاستراتيجية. يسمح الاتفاق للبحرية الروسية بالاحتفاظ بما يصل إلى أربع سفن في وقت واحد في هذه القاعدة بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية. ويمكن للقاعدة أن تستقبل 300 من العسكريين والمدنيين كحد أقصى. كما نص الاتفاق على حق روسيا في نقل عبر مرافئ ومطارات السودان “أسلحة وذخائر ومعدات” ضرورية لتشغيل هذه القاعدة البحرية.

ولسنوات طويلة، اعتمد السودان عسكريا على روسيا، وبخاصة خلال العقود التي شهدت العقوبات الأمريكية، حسب ما أفادت وكالة الأنباء الفرنسية.

  • “حرب خفية على الكنز المدفون”

يرى أبو بكر الديب الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بأن “لدى روسيا والقوى الغربية الكبرى مصالح سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة في السودان. تخشى روسيا مثلا من أن يؤثر الصراع الحالي على التصديق على الاتفاقية بين موسكو والخرطوم، بشأن إنشاء مركز لوجستي للبحرية الروسية في السودان والذي يخطط له لكي يصبح قاعدة أو مركز لوجستي مهم للبحرية الروسية، لأنها تتيح إمكانية الوصول المباشر إلى جمهورية أفريقيا الوسطى غير الساحلية ومنطقة الصحراء والساحل حيث تعمل شركات التعدين الروسية. كما أن السودان يمثل الكنز المدفون للدول الكبرى فهو يعني 200 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة و11 نهر جاري و102 مليون رأس ماشية و400 مليار متر مكعب أمطار سنوية و1.4 مليون طن من اليورانيوم و6.8 مليار برميل من النفط و85 مليار متر مكعب من الغاز.

 ويضيف الديب بأن السودان يحتل المركز الثاني في إنتاج الذهب على مستوى القارة الأفريقية إذ يبلغ إنتاجه السنوي أكثر من 90 مليون طن بقيمة تصل لخمسة مليارات دولار. وقد عرف أيضا بسلة غذاء العالم. أيضا تتعدد موارده من فضة ونحاس وغير ذلك بالتوازي مع موقع جيوسياسي حيث يعتبر البوابة للقرن الأفريقي. لذلك، فهنالك حرب خفية بين روسيا والصين من ناحية والغرب أي أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون على السيطرة والتواجد في دول أفريقية عديدة من بينها السودان وليبيا وأفريقيا الوسطى وموزمبيق ومالي. هو صراع مصالح ونفوذ وطمع في ثروات هذه البلدان كلها بالإضافة إلى تركيا التي تسعى لإيجاد مكان لها في السودان لتنطلق منه نحو بقية أفريقيا”.

وحسب الديب فإن “موسكو تسعى لاستكمال قواعدها العسكرية في البحر الأحمر وتقوية نفوذها في القارة الأفريقية ومشاركة ثروات السودان كاليورانيوم والذهب وموارد الطاقة والإمكانات الزراعية الهائلة عبر تواجدها العسكري هناك. قبيل اندلاع المعارك في السودان زار محمد حمدان دقلو (حميدتي) موسكو على رأس وفد رفيع في زيارة استغرقت 8 أيام لتكون الأطول لمسؤول سوداني كبير إلى روسيا الطامحة لنفوذ أكبر في السودان، وهي التي حافظت على كونها مصدر السلاح الرئيسي للجيش السوداني خلال حكم البشير. هناك تواجد عسكري روسي في أفريقيا الوسطى المجاورة للسودان وتتطلع روسيا إلى بناء قاعدة في الساحل السوداني المطل على البحر الأحمر لزيادة تأثيرها في القرن الأفريقي وتوسيع حضورها في مضيق باب المندب. بالطبع تخشى الولايات المتحدة الأمريكية من تزايد النفوذ الروسي أو الصيني في السودان وهي ترى في احتمال سيطرتهما عليه ليس مجرد تحذير من تهديد محتمل لمصالحها في المنطقة فحسب، بل مؤشر يدفعها إلى إعادة تقييمها لمصلحتها في السودان. لهذا السبب قام مسؤولون عسكريون أمريكيون كبار بزيارة السودان خلال الفترة القليلة الماضية”.

  • “التحكم في مداخل قناة السويس”

يقول رامي القليوبي الأستاذ الزائر بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو ومراسل صحيفة العربي الجديد إن “المصالح الروسية في السودان هي بالدرجة الأولى أمنية وكذلك في مجال الدعم العسكري التقني، لأن السودان هو ثاني أكبر مشتري للأسلحة الروسية في أفريقيا بعد الجزائر وهو يتفوق حتى على مصر التي تأتي في المرتبة الثالثة. من وجهة النظر الروسية، فإن قاعدة ميناء بورتسودان لها أهمية سياسية أكثر منها عسكرية لأننا لا ننسى أن روسيا لديها قاعدة عسكرية في ميناء طرطوس السوري، يعني هذا أنه في حال إنشاء قاعدة في السودان ستستطيع روسيا إن اقتضى الأمر أن تحكم السيطرة أو تقطع مداخل قناة السويس سواء من البحر الأحمر أو البحر الأبيض المتوسط. طبعا روسيا لا تنوي فعل ذلك لكن هي تحافظ على هذه الورقة السياسية”.

يضيف القليوبي: “بالنظر إلى التصريحات الرسمية، فإنه وحسب مؤسس مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين، لا توجد عناصر لشركته في السودان منذ أكثر من عامين، لكن هناك مؤشرات لوجود مصالح لهذه الشركة أو بمعنى أصح لروسيا لأن الشركات العسكرية الخاصة هي أداة لتنفيذ مهام ما من دون توريط الدولة بشكل مباشر ولذلك ليس من المستبعد أن يكون لروسيا مصالح أو حتى وجود عبر مجموعة فاغنر بالسودان في الأفق المنظور”. كما أشار محدثنا إلى أن روسيا “تكتفي حتى الآن بحث أطراف النزاع على الحوار وإنهاء الأزمة سلميا، كما يبدو أن روسيا لا تراهن على قوة بعينها، بل ستتعامل مع أي قوة جديدة تصل إلى السلطة على أساس أن هذا الأمر شأن داخلي سوداني، وفق الرؤية الروسية لما يعرف بالديمقراطية السيادية التي تمنع التدخل في شؤون الدول الأخرى طالما لا تمثل تهديدا للدول الأخرى”.

وردا على اتهام صحيفة “ذا هيل” لروسيا بإشعال فتيل المعارك الأخيرة في السودان، قال رامي القليوبي: “لا أعتقد ذلك، لأن السودان ليس منطقة للنفوذ الروسي المباشر، وفعليا فإن البلد الوحيد الذي يمكن وصفه كمنطقة للنفوذ الروسي هو سوريا، أما الدول الأخرى فلروسيا مصالح فيها لكنها لا ترقى إلى درجة التدخل”.

  • “مقبلون على حرب الممرات والمضائق”

من جانبه، أثار محمد الألفي الخبير في الاقتصاد السياسي موضوعا لافتا يتعلق بما أطلق عليه “حرب الممرات والمضائق” بين القوى الدولية الكبرى، وهو يقول في هذا الشأن: “تريد روسيا أن يكون لها قاعدة عسكرية بحرية تضمن لها وجودا في المياه الدافئة أي منطقتي البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، المليئة بالثروات والكنوز والمواد الخام. كما أنها تسعى لمنع أمريكا من السيطرة على مداخل البحار والمحيطات. نحن مقبلون على حرب الممرات والمضائق وحرب المياه. روسيا تريد أن تكون متواجدة في المنطقة التي تضم مضيق باب المندب المعبر إلى البحر الأحمر ومن ثم المتوسط. وهي تريد أن تكون لها قاعدة في بورتسودان حتى لا تسمح للولايات المتحدة بالسيطرة على هذه المنطقة البحرية والمضائق والتي تتواجد فيها أصلا أغلب القوى الكبرى. هذا جزء من صراع النفوذ الحالي في العالم وهو معلن حتى في الاستراتيجية التي تحدث عنها بوتين مؤخرا. كما أن الصين موافقة على التحركات الروسية والهدف المشترك هو تشكيل العالم الجديد من عدة أقطاب”.

يضيف الألفي: “تصر روسيا وتضغط بصورة كبيرة حاليا لأن الولايات المتحدة تخطط لمزيد من الانتشار في البحر الأحمر حيث أرسلت فعلا بعض القوات الخاصة البرية والقطع البحرية تحت مسمى الإجلاء، لكنها تخطط لإبقائها، وقد رأينا تواصل بلينكن وحميدتي الذي دعا إثرها إلى التدخل الدولي. الولايات المتحدة تدعم حميدتي وهناك أخطار من انفصال إقليم دافور الغني والذي يمتد على مساحة مليون كلم مربع غنية بخام البترول واليورانيوم والغاز ومناجم كبيرة لاستخراج الذهب، ما سيسمح أيضا بتوسيع نفوذ حميدتي حتى مناجم الذهب في تشاد وأفريقيا الوسطى”. كما حذر الخبير في الاقتصاد السياسي من أن “ملف السودان قريب جدا مما يحدث في أوكرانيا. نحن مقبلون على صراع نفوذ دولي ينبئ بنشوب صراعات أكبر قد تخمد لفترة لكنها ستشتعل مجددا. المنطقة تتحضر لأمر كبير وسنرى تجمعا كبيرا لميليشيات مسلحة ما سيشكل مخاطر كبيرة على السودان ودول أخرى هي خصوصا ليبيا وتشاد ومصر والسعودية وحتى جيبوتي وإرتيريا”.

 

نظرة فاحصة- ماذا يحدث في السودان؟ نظرة على القتال في الخرطوم

من أيدن لويس

الخرطوم (رويترز) – أدى الصراع في السودان الذي اندلع في 15 أبريل نيسان إلى مقتل المئات ودفع أكثر من 100 ألف إلى الفرار عبر الحدود وتشريد مئات الآلاف داخل البلاد التي كان كثير من سكانها يعتمدون بالفعل على المساعدات الدولية قبل بدء القتال.

‭-‬ ما الذي أدى إلى العنف؟

تصاعد التوتر منذ أشهر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، اللذين أطاحا معا بحكومة مدنية في انقلاب أكتوبر تشرين الأول 2021.

بلغ الخلاف ذروته من خلال خطة مدعومة دوليا لإطلاق عملية انتقال جديدة مع القوى المدنية. وكان من المقرر توقيع اتفاق نهائي في أوائل أبريل نيسان، في الذكرى الرابعة للإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في انتفاضة شعبية.

كان الأمر يتطلب من كل من الجيش وقوات الدعم السريع التنازل عن السلطة بموجب الخطة، وظهر الخلاف بشأن مسألتين على وجه الخصوص، الأولي هي الجدول الزمني لدمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة النظامية. والثانية هي التسلسل القيادي بين الجيش وقادة قوات الدعم السريع ومسألة الإشراف المدني.

وعندما اندلع القتال، تبادل الطرفان اللوم في إثارة العنف. واتهم الجيش قوات الدعم السريع بنشر مقاتلين بشكل غير قانوني قبل اندلاع الصراع بأيام. فيما قالت قوات الدعم السريع، في أثناء تحركها صوب مواقع استراتيجية رئيسية في الخرطوم، إن الجيش حاول الاستيلاء على السلطة كاملة عبر مؤامرة مع موالين للبشير.

– من هم اللاعبون الرئيسيون على الأرض؟

الطرفان الرئيسيان في الصراع على السلطة هما الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الحاكم منذ عام 2019، ونائبه في المجلس قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.

مع تطور خطة عملية الانتقال الجديدة، تحالف حميدتي بشكل أوثق مع الأطراف المدنية من تحالف قوى الحرية والتغيير، الذي تقاسم السلطة مع الجيش في الفترة التي أعقبت الإطاحة بالبشير وحتى انقلاب 2021.

وبحسب دبلوماسيين ومحللين، فإن هذا كان جزءا من استراتيجية حميدتي لتحويل نفسه إلى رجل دولة وترسيخ مكانته في قلب السلطة.

وشدد كل من قوى الحرية والتغيير وحميدتي، الذي اكتسب ثروة من مناجم الذهب ومشاريع أخرى، على الحاجة إلى تهميش الموالين للبشير والمخضرمين الذين اكتسبوا موطئ قدم من جديد بعد الانقلاب ولديهم جذور عميقة في الجيش.

إلى جانب بعض الفصائل المتمردة الموالية للجيش التي استفادت من اتفاق السلام لعام 2020، عارض الموالون للبشير الاتفاق الجديد للانتقال إلى الديمقراطية.

– ما هي المخاطر؟

أحيت الانتفاضة الشعبية الآمال في أن يتمكن السودان وسكانه البالغ عددهم 46 مليون نسمة من التخلص من عقود شهدت استبدادا وصراعا داخليا وعزلة اقتصادية في عهد البشير.

القتال الحالي، الذي يتركز في واحدة من أكبر المناطق الحضرية في أفريقيا، لن يدمر تلك الآمال فحسب، بل سيزعزع استقرار منطقة مضطربة تقع على الحدود مع منطقة الساحل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

كما يمكن أن يتحول إلى منافسة على النفوذ في المنطقة بين روسيا والولايات المتحدة، وبين قوى إقليمية تتودد إلى طرفي الصراع في السودان.

– ما هو دور القوى الدولية؟

دعمت القوى الغربية، ومنها الولايات المتحدة، الانتقال صوب انتخابات ديمقراطية بعد الإطاحة بالبشير. وعلقت المساعدات المالية بعد الانقلاب، ثم أيدت الخطة الجديدة للانتقال نحو الديمقراطية وتشكيل حكومة مدنية.

وسعت السعودية والإمارات أيضا إلى تشكيل الأحداث في السودان، ورأتا أن الابتعاد عن حكم البشير وسيلة لدحر نفوذ الإسلاميين وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

وواصلت الدولتان الخليجيتان ضخ استثمارات في قطاعات منها الزراعة، التي يتمتع السودان فيها بإمكانيات هائلة، والموانئ على ساحل البحر الأحمر.

وتسعى روسيا لبناء قاعدة بحرية على البحر الأحمر بينما انضمت عدة شركات إماراتية لجهود الاستثمار.

وطور كل من البرهان وحميدتي علاقات وثيقة مع السعودية بعد إرسال قوات للمشاركة في العملية التي قادتها السعودية في اليمن. وأقام حميدتي علاقات مع قوى أجنبية أخرى مثل الإمارات وروسيا.

كما لدى مصر، في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، علاقات وثيقة مع البرهان والجيش وشجعت في الآونة الأخيرة مسارا موازيا للمفاوضات السياسية من خلال القوى التي لها صلات أقوى بالجيش ونظام البشير.

– ما هي السيناريوهات؟

دعت الأطراف الدولية إلى وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية والعودة إلى الحوار، لكن توجد مؤشرات قليلة على توصل طرفي الصراع لحل وسط على الرغم من تراجع القتال بشكل سمح للدول الأجنبية بإجلاء دبلوماسييها ورعاياها. وفي غضون ذلك، نزح السودانيون من منطقة العاصمة.

وصنّف الجيش قوات الدعم السريع على أنها قوة متمردة وطالب بحلها، بينما وصف حميدتي البرهان بأنه مجرم واتهمه بتدمير البلاد.

وعلى الرغم من أن الجيش السوداني يتفوق من ناحية الموارد بما في ذلك القوة الجوية ولديه قوات يقدر قوامها بنحو 300 ألف جندي، فقد تطورت قوات الدعم السريع في السنوات الماضية لتصبح قوة مجهزة جيدا قوامها 100 ألف تقريبا منتشرة في البلاد. ومنذ أن بدأ القتال تنتشر في أحياء في أنحاء العاصمة.

ويمكن لقوات الدعم السريع الاستفادة من الدعم والعلاقات القبلية في منطقة دارفور الغربية، حيث انبثقت عن ميليشيات قاتلت إلى جانب القوات الحكومية لسحق متمردين في حرب وحشية تصاعدت وتيرتها بعد عام 2003.

وتضرب الأزمة الإنسانية المتنامية دولة عالقة بالفعل في أزمة اقتصادية مستمرة لفترة طويلة، وكان حوالي ثلث السكان بحاجة إلى المساعدات قبل نشوب القتال.

كما يتسبب القتال في نزوح جماعي داخل السودان يمكن أن يمتد بشكل متزايد ليتجاوز الحدود. وفر بالفعل عشرات الآلاف إلى دول مجاورة مثل مصر وتشاد وجنوب السودان.

عطبرة.. مهد الانتفاضة تتحول إلى نقطة عبور للفارين من الحرب

عطبرة (السودان) (رويترز) – تحولت مدينة عطبرة، مهد انتفاضة السودان التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس عمر البشير في عام 2019، إلى نقطة التقاء وعبور للفارين من الصراع الدائر في الخرطوم.

وأفلتت عطبرة من القتال العنيف الذي اندلع في العاصمة الخرطوم بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية منذ أكثر من أسبوعين، لكن الصراع على السلطة بين الطرفين وجه أحدث ضربة لآمال أنصار الديمقراطية في عطبرة.

ويسعى بعض الذين وصلوا إلى عطبرة، التي كانت مركزا للسكك الحديدية إبان الحقبة الاستعمارية وتبعد 350 كيلومترا إلى الشمال الشرقي من الخرطوم، إلى الإقامة في المدينة. ويمر آخرون بها في طريقهم إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر أو إلى الحدود الشمالية للسودان مع مصر.

ولم يحسم البعض الآخر أمره.

وقالت أميمة ياسين (35 عاما) وهي تحمل طفلها “حضرنا لعطبرة بحثنا عن الأمان بعد الحرب في الخرطوم، وتركنا منازلنا وحياتنا هناك، لا نعرف كيف سنواصل حياتنا”.

وذكرت الأمم المتحدة أن الصراع أسفر عن مقتل المئات وإصابة الآلاف ونزوح 33 ألفا من العاصمة.

وألحق الصراع أضرارا بمطار الخرطوم الذي دارت معارك للسيطرة عليه. وحاول بعض الفارين مغادرة البلاد بالحافلات أو السفن، لكن معظمهم لجأوا إلى المدن والبلدات والقرى خارج العاصمة.

وشهدت عطبرة التي يحفل تاريخها بحركات المعارضة السياسية إلى جانب حركة عمالية قوية مرتبطة بخطوط السكك الحديدية، انطلاق المظاهرات الحاشدة المناهضة لحكم البشير الاستبدادي والتي أدت إلى الإطاحة به في أبريل نيسان 2019.

ولا تستقبل المدينة في العادة الكثير من الزوار، لكن القتال الدائر في مناطق أخرى عاد بالنفع على الأنشطة التجارية فيها.

وقال مالك أحد الفنادق القليلة في المدينة “لم يشهد الفندق إقبالا مثل ما يتم حاليا من بدء الحرب في الخرطوم، وهذا تسبب في ارتفاع الأسعار إلى 30 ألف جنيه (50 دولارا) لليلة الواحدة”.

* أحلام كبيرة

قال محمد إسماعيل، وهو صاحب متجر للبقالة في المدينة، إن زيادة الطلب أدت إلى ازدهار حركة البيع، لكن توقف الحياة الطبيعية في العاصمة تسبب في ارتفاع التضخم وولد مخاوف بشأن الإمدادات.

وقال تاجر السلع المنزلية جابر عبد الله (29 عاما) “بدأنا في رفع الأسعار لأن السوق ارتفعت أسعاره، كل البضاعة تأتينا من سوق الخرطوم، وبسبب الحرب لا نستطيع الشراء من أم درمان (المجاورة للعاصمة)”.

وتضاءلت مخزونات الوقود نظرا لتمركز التوزيع في الخرطوم، مما أدى إلى اصطفاف طوابير طويلة من المركبات للحصول على الوقود.

وقالت المحامية إيمان الرفاعي، وهي من سكان عطبرة، في إشارة إلى ارتفاع الأسعار ونقص الطحين “الضرر من الحرب ليس في الخرطوم ولكن كل السودان تعثر اقتصاديا”.

وشاركت المحامية بصفتها عضوة في إحدى “لجان المقاومة” المحلية في الاحتجاجات المناهضة للجيش منذ انقلاب 2021، وقبل ذلك في الانتفاضة المناهضة للبشير.

وقالت “كانت أطماع العسكر أكبر من أحلام شباب الثورة، نأمل في إيقاف الحرب ونكتفي بالخسائر الحالية”.

وبدأ السودان مرحلة انتقالية تمهيدا لإجراء انتخابات بعد الإطاحة بالبشير وحتى وقوع الانقلاب. وأدى الصراع الذي اندلع في الخرطوم ومناطق أخرى من السودان في 15 أبريل نيسان إلى تعطيل خطة مدعومة دوليا لعملية انتقال جديدة تشمل تعيين حكومة مدنية.

وقال عضو آخر في لجان المقاومة يدعى يوسف حسن (31 عاما) “كان لدي أحلام كبيرة بالتغيير الحقيقي وتحقيق إسقاط النظام والوصول للديمقراطية والدولة المدنية والحياة الكريمة وفرص العمل للشباب”.

وأضاف حسن الذي أشار إلى أنه كان من ضمن المشاركين في أول احتجاج خرج في عطبرة في 19 ديسمبر كانون الأول 2018 “الواقع الحالي محبط ولا يبشر بحدوث خير لأن الحرب أسوأ شيء في العالم”.

(الدولار = 597.9002 جنيه سوداني)

“ضاع الوطن”…امتنان وحسرة على متن سفينة إجلاء سعودية من السودان

على متن سفينة جلالة الملك الدرعية (أ ف ب) – روى الباكستاني حسن فرج الذي أُجلي مع آخرين على متن سفينة سعودية من السودان، أنه كان يغسل أسنانه صباح 15 نيسان/أبريل عندما سمع صوت طلقات نارية أمام المبنى الذي يسكنه قرب مطار الخرطوم، في بداية حرب فاجأت الجميع.

كان حسن قد سلّم مؤخرًا جواز سفره إلى مكتب حكومي، ما يعقّد أي محاولة لمغادرة البلاد. غير أن انتظاره في المنزل أن يهدأ القتال في ظلّ نقص الغذاء والمياه والكهرباء والسيولة النقدية، كان سيكون في ذاته معاناة لا تُحتمل.

بعد أن تواصل على مدى أيام مع السفارة الباكستانية، فُرجت الحال أخيرًا فجر الأحد، فتمكّن من الانضمام إلى 51 شخصا آخر يتمّ إجلاؤهم على متن سفينة سعودية متّجهة إلى مدينة جدّة، حاملًا تصريح سفر خاصا يسمح له بالعودة إلى مسقط رأسه كراتشي.

وقال الرجل لوكالة فرانس برس “أشعر بأنني محظوظ جدًا”، مستذكرًا أيامًا “مخيفة جدًا” سمع خلالها أصوات إطلاق النار والقصف المدفعي والضربات الجوية.

كما عبّر حسن عن قلقه على ملايين السودانيين الذين ليس لديهم فرصة مغادرة البلاد هربًا من المعارك المستمرّة بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمّد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الذي كان حليفًا للبرهان ونائباً لقائد الجيش قبل أن يتحولا الى خصمين

وأدى القتال إلى مقتل 528 شخصاً على الأقل وإصابة حوالى 4600 آخرين، وفق أرقام وزارة الصحة، لكن يرجح أن تكون الحصيلة أكبر من ذلك.

وقال “أنا قلق فعلًا على أصدقائي، خصوصًا أولئك الموجودين في الخرطوم”.

وأضاف “أعرف أناسا انتقلوا إلى أماكن أخرى أكثر أمانًا، لكن إلى متى؟ لا أحد يعرف”.

“ضاع الوطن”

عملية الإجلاء التي نقلت حسن إلى جدّة، نفّذتها القوات البحرية السعودية التي تسيّر منذ أكثر من أسبوع سفنًا من السودان وإليه للمساعدة في إجلاء آلاف المدنيين من كافة أنحاء العالم.

السودانية بدرية السيد تقف مع ابنها على متن مركب استعدادًا للانتقال إلى سفينة سعودية خلال عملية إجلاء من بورتسودان إلى جدة في 30 نيسان/أبريل 2023 © فايز نورالدين / ا ف ب

قبل الفجر بوقت طويل، وقف الركاب في طوابير بهدوء على رصيف ميناء مدينة بورتسودان التي لم تصل المعارك إليها حتى الآن، للصعود على متن مركب ينقلهم إلى السفينة السعودية البالغ طولها مئة ومترين.

وفيما كانت مياه البحر الأحمر هائجة، راح عناصر القوات البحرية والخاصة السعودية يرفعون الركاب واحدًا تلو آخر إضافة إلى أمتعتهم، إلى متن السفينة حيث استُقبلوا بالتمر والعصير والقهوة العربية.

وكان من الواضح أن كثرًا غادروا منازلهم على عجل إذ إنهم لم يحملوا سوى أكياس بلاستيكية تحتوي على بعض الملابس، فيما تمكّن آخرون على غرار حسن فرج من أن يجلبوا معهم حقائب عدة.

وتمكن الرجل الأربعيني أيضًا من إحضار قوقعة بيضاء كبرى وكيس يحتوي على أوراق زهرة الكركديه، وهي تذكارات من رحلة سياحية قام بها إلى بورتسودان قبل أربعة أشهر فقط. لم يكن يتخيّل آنذاك أنه سيعود إلى المدينة ليغادر منها البلاد في عملية إجلاء.

ومن بين الذين تمّ إجلاؤهم الأحد، بدريّة السيّد وهي من بين السودانيين القلائل الذين شملتهم عمليات الإجلاء، بمساعدة من بلد زوجها، سلطنة عُمان.

مطلع نيسان/أبريل، سافر الزوجان وابنهما إلى السودان على أمل تمضية شهر رمضان وعطلة عيد الفطر بهدوء مع أقرباء بدريّة، إلّا أنهم فوجئوا باندلاع معارك ضارية.

وقالت المرأة التي كانت تضع حجابًا زهريّ اللون، “عادة تُقدّم الحلويات في العيد، هذه السنة قُدّم الرصاص”.

استغرقت رحلة الأسرة برًّا إلى بورتسودان أيامًا عديدة. وفي نقطة معيّنة اضطروا إلى السير لمدة خمس ساعات على طريق يصعب على السيارات سلوكها.

وأضافت بدريّة بحسرة وهي تبتعد عن الساحل السوداني صباح الأحد، “ضاع الوطن، وطن لا يستحقّ هذه الحروب”.

وتابعت “كل السودان مقهور، ليس هناك منزل يوجد فيه فرح”.

“تركتُ كل شيء خلفي”

الأمر نفسه يشعر به محمد علي (44 عامًا) وهو باكستاني عاش في السودان لمدة 13 عامًا.

أشخاص على متن سفينة سعودية خلال عملية إجلاء من بورتسودان إلى جدّة في 30 نيسان/أبريل 2023

أشخاص على متن سفينة سعودية خلال عملية إجلاء من بورتسودان إلى جدّة في 30 نيسان/أبريل 2023 © فايز نورالدين / ا ف ب

كان أستاذ الهندسة قد ترك زوجته وأبناءه في باكستان منذ أشهر حتى تتمكن بناته من التقدم لامتحانات الالتحاق بالمدارس الثانوية، ما اعتبره نعمة في الوقت الحالي، نظرًا إلى السهولة التي لمسها في رحلة مغادرته السودان بمفرده.

غير أنّ جلوسه وحده على متن السفينة دفعه إلى التفكير بالذكريات الجميلة التي تركها خلفه بسبب حرب قلبت حياته رأسًا على عقب وستجبره على بدء حياته من الصفر.

وقال فيما اغرورقت عيناه بالدموع، “إنه لأمر مؤلم بالفعل، لأن أولادي ولدوا هنا، كانوا يدرسون هنا”.

وأضاف “الآن أعود خالي الوفاض. تركتُ كل شيء خلفي. منزلي، كل شيء. كل الذكريات”.

بعد تسع ساعات، أثناء اقتراب السفينة من ميناء جدّة، بدأ علي بالبكاء من جديد لكن هذه المرّة لسبب مختلف. كان يتخيّل كيف سيكون اللقاء مع عائلته. وقال “إنهم ينتظرونني منذ أيام”.

كيف مهد طرفا الصراع في السودان الطريق للحرب مع فشل جهود الوساطة

الخرطوم (رويترز) – خشية من أن تتسبب عمليات الحشد التي قام بها الفصيلان العسكريان الغريمان في السودان في سفك الدماء، كانت مجموعة من الوسطاء تدفع باتجاه إجراء محادثات في اللحظات الأخيرة بين القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية الفريق أول محمد حمدان دقلو قبل أسبوعين.

لكن ثلاثة من الوسطاء السودانيين قالوا إن أقوى رجلين في البلاد لم يشاركا في الاجتماع الذي انعقد في مقر الرئاسة بوسط الخرطوم في الساعة العاشرة من صباح يوم 15 أبريل نيسان، وذلك في تفاصيل يُكشف عنها لأول مرة في هذا التقرير.

وبدلا من ذلك، اندلع القتال في أنحاء البلاد.

ووفقا لثلاثة شهود ومستشار لدقلو المعروف أيضا باسم حميدتي، بدأ إطلاق النار في معسكر سوبا العسكري في جنوب الخرطوم في حوالي الساعة 8:30 صباحا بالتوقيت المحلي.

ولم تتمكن رويترز من تحديد من الذي أطلق الرصاصة الأولى، لكن العنف تصاعد بسرعة في أنحاء البلاد، وهو ما يوضح إلى أي مدى تفرقت السبل بالطرفين في الأسابيع التي سبقت استعدادهما لخوض حرب شاملة.

ومن خلال مقابلات مع حوالي 12 مصدرا في الجيش وقوات الدعم السريع ومع مسؤولين ودبلوماسيين، أعادت رويترز بناء عدة أحداث رئيسية في الفترة التي سبقت أعمال العنف وأودت حتى الآن بحياة ما لا يقل عن 512 شخصا، ودفعت عشرات الآلاف إلى الفرار وفاقمت من أزمة إنسانية خطيرة تشهدها البلاد بالفعل.

وقال دبلوماسي اطلع على الأمر واثنان من الوسطاء إن البرهان وحميدتي التقيا للمرة الأخيرة في الثامن من أبريل نيسان في مزرعة على مشارف الخرطوم، أي قبل أسبوع من اندلاع القتال.

وطلب البرهان خلال اللقاء انسحاب قوات الدعم السريع من مدينة الفاشر، التي تقع في إقليم دارفور بغرب السودان، معقل حميدتي، ووقف تدفقات قوات الدعم السريع إلى الخرطوم المستمرة منذ أسابيع.

وذكر الدبلوماسي والوسيطان أن حميدتي طلب بدوره سحب القوات المصرية من قاعدة جوية تسمى مروي خشية استخدام هذه القوات ضده. ومصر حليف وثيق للبرهان.

وقال الوسيطان إن الرجلين تحدثا أيضا على انفراد ووافقا على ما يبدو على خفض التصعيد. وكانت هناك نية لعقد لقاء آخر في اليوم التالي، لكنه لم يحدث.

وعلى مدى الأسبوع التالي وخلف الكواليس، كان كل منهما يستعد بقوة للأسوأ.

وتحدث مصدران عسكريان مع رويترز عن خطط لم يكشف عنها من قبل، وقالا إن القوات الجوية بقيادة البرهان كانت تدرس أماكن تجمع قوات الدعم السريع اعتمادا على إحداثيات قدمها الجيش. وأوضح المصدران نفسهما أن قوات الدعم السريع كانت في الوقت ذاته تنشر المزيد من المسلحين في سوبا ومعسكرات أخرى في أنحاء الخرطوم.

وذكر المصدران العسكريان أن القوات الجوية، التي تقصف مواقع في العاصمة منذ اندلاع القتال، ظلت تدرس أماكن معسكرات قوات الدعم السريع لأكثر من أسبوع قبل بدء المعارك. وقال المصدران نفسهما إن الجيش شكل أيضا لجنة صغيرة من كبار قادته للاستعداد لصراع محتمل مع قوات الدعم السريع.

وقال موسى خدام محمد مستشار حميدتي في مقابلة عبر الهاتف مع رويترز إن الطلقات الأولى في الحرب يوم السبت 15 أبريل نيسان أيقظت قوات الدعم السريع المتمركزة في سوبا.

وأضاف أن قوات الدعم السريع شاهدت قوات الجيش من خلف أسوار المعسكر وهي تنصب مدافع في المنطقة المحيطة به.

وقال “شعرنا إنه في قوة جات في نفس الموقع”، مضيفا أن قوات أخرى تجمعت حول مقر إقامة حميدتي في الخرطوم.

وسرعان ما تبادل الجيش وقوات الدعم السريع الاتهامات علنا بإشعال العنف ومحاولة الاستيلاء على السلطة.

ولم يتسن لرويترز التحقق بشكل مستقل من الأحداث التي وصفها مستشار حميدتي.

وردا على أسئلة مكتوبة، قال المتحدث باسم القوات المسلحة العميد ركن نبيل عبد الله إن الجيش كان يستعد للرد وليس لشن حرب بعد مؤشرات عن هجوم لقوات الدعم السريع.

وقال إن قوات الدعم السريع هي التي بدأت الهجوم وأسرت عدة جنود، مضيفا أن الجيش تحرك لصد الهجوم. وأشار إلى أن الجيش كان ينفذ حملته بموجب تسلسل قيادي واضح وأن قوات الدعم السريع أصبحت هدفا مشروعا للقوات الجوية بعد بدء القتال.

ولم يستجب مكتبا حميدتي والبرهان لطلبات إجراء مقابلات.

واتفق الجانبان على هدنة مؤقتة هذا الأسبوع بضغط من الولايات المتحدة والسعودية، اللتين تشعران مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالقلق من أن السودان قد يتفتت ويزعزع استقرار منطقة مضطربة بالفعل.

وسمح الهدوء للآلاف من سكان الخرطوم والزوار الأجانب بالفرار من العاصمة. ورغم تمديد الهدنة في ساعة متأخرة من مساء يوم الخميس، هزت الضربات الجوية والقذائف المضادة للطائرات المدينة مرة أخرى.

* الصراع على السلطة

كان حميدتي، وهو قائد ميليشيا سابق في دارفور، تابعا للرئيس السابق عمر البشير ومنفذا لأوامره، وتنعم بالثراء من تجارة الذهب.

ولم يكن على خلاف دائم مع البرهان ضابط الجيش المحترف.

وقاد كلاهما رجالا في دارفور حيث تسبب صراع تصاعد في عام 2003 ومستمر حتى الآن، رغم العديد من اتفاقيات السلام، في مقتل ما يصل إلى 300 ألف شخص وتشريد 2.7 مليون.

وشكل الرجلان، اللذان تقلدا أكبر منصبين في مجلس السيادة الحاكم بعدما أطاحت حركة احتجاجية بالبشير في عام 2019، جبهة موحدة في الغالب في اتفاق لتقاسم السلطة مع قوى الحرية والتغيير، وهو تحالف سياسي خرج من رحم الانتفاضة.

وخلال ذلك الوقت زادت قدرات قوات الدعم السريع وأصبحت قوة يقدر قوامها بنحو 100 ألف فرد. واكتسبت هذه القوة شبه العسكرية صفة رسمية في الدولة بموجب قانون أقره البرلمان في عهد البشير.

وفي أكتوبر تشرين الأول 2021، نفذ الرجلان انقلابا.

لكن حميدتي سرعان ما رأى أن الاستيلاء على السلطة كان خطأ مكن الموالين للبشير من استعادة بعض النفوذ، وذلك حسبما قال في خطابات ومقابلات تلفزيونية. وأدى الانقلاب إلى خروج احتجاجات حاشدة كل أسبوع في الشوارع وأوقف الانفتاح المؤقت لاقتصاد السودان المتعثر.

وبينما راهن حميدتي على اتفاق إطاري مدعوم دوليا لتشكيل حكومة مدنية كان من الواضح أنه يتطلع من خلاله إلى لعب دور سياسي في المستقبل، توترت العلاقات بسبب تسلسل القيادة في المرحلة الانتقالية الجديدة وخطط دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي.

وفي إطار الاستعداد للقتال، أصر حميدتي على أن دمج قوات الدعم السريع يجب أن يجري على مدى يتجاوز العشر سنوات، بما يتماشى مع بنود الاتفاق الإطاري للخطة الانتقالية الموقع في ديسمبر كانون الأول، حسبما ذكرت عدة مصادر سودانية ودبلوماسية مطلعة على المحادثات.

لكن الجيش كان يضغط من أجل مدى زمني أقل. وضغط الفريق أول ركن شمس الدين الكباشي، النائب الصارم للبرهان داخل الجيش، من أجل تنفيذ الدمج على مدى عامين فقط.

ولم يتسن لرويترز الوصول إلى الكباشي للتعليق.

وقال دبلوماسي كبير شارك في جهود الوساطة في الأسابيع الأخيرة قبل اندلاع القتال إن فرصة كانت سانحة على ما يبدو للتوصل إلى اتفاق بين البرهان وحميدتي، لكن قائد قوات الدعم السريع كان ساخطا.

وقال “كان هناك الكثير من الغضب والإحباط والحديث عن أنه ‘أنا الشخص الوحيد الذي يحمي التحول الديمقراطي‘”.

وأضاف أن قائد الجيش كان يصر على ضرورة أن يرفع حميدتي إليه التقارير، بينما كان حميدتي يقول إن البرلمان المنتخب وحده هو الذي يملك سلطة تحديد تسلسل القيادة. وذكر الدبلوماسي البارز أن أيا منهما لم يرغب في تقديم تنازلات.

* من دارفور إلى السلطة

ردد موسى خدام محمد مستشار حميدتي تصريحات أدلى بها علنا كل من قائد قوات الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير بأن هناك طرفا ثالثا يلعب على الأرض، مما أدى إلى توتر العلاقات بين الجيش والقوات شبه العسكرية.

وقال المستشار “في قوة داخل الجيش رافضة مسألة التحول الديمقراطي”، مضيفا أن مخابرات قوات الدعم السريع راقبت اجتماعات حلفاء للبشير يعارضون عملية الانتقال.

وذكر المستشار وقوى الحرية والتغيير أن هذه الكتلة تتألف من أنصار للبشير ومن بينهم إسلاميون. وعادت القوات الموالية للبشير للظهور مرة أخرى بعد انقلاب 2021. وعارضت علنا الاتفاق الإطاري المبرم في ديسمبر كانون الأول، وهو الاتفاق الذي كان يهدف إلى التمهيد لإجراء انتخابات والتحول للحكم المدني.

وقال خالد عمر يوسف الوزير السابق والعضو البارز في قوى الحرية والتغيير لرويترز “هدد الاتفاق المساحة التي وجدها عناصر النظام البائد بعد انقلاب 25 أكتوبر، لذا فقد أججوا الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع ويعملون الآن على استمراره بعد اندلاع الحرب”.

واتهم أعضاء في قوى الحرية والتغيير المجموعة الموالية للبشير بنشر الشائعات وممارسة ضغوط داخل الجيش.

ولم يرد ممثلو حزب المؤتمر الوطني الذي كان يتزعمه البشير على اتصالات هاتفية للتعليق.

والبشير مسجون منذ الإطاحة به، لكنه يقضي بعض الأوقات في المستشفى. وأدين بتهم فساد ويحاكم الآن بتهم قيادة انقلاب عام 1989 أوصله إلى السلطة.

وقال الجيش يوم الأربعاء إن البشير نُقل قبل اندلاع أعمال العنف من سجن كوبر مترامي الأطراف إلى مستشفى عسكري مع خمسة من كبار الموالين له، من بينهم مسؤول سابق تتهمه المحكمة الجنائية الدولية مثل البشير بارتكاب جرائم حرب.

وهاجم أنصار للبشير قبل أيام من اندلاع القتال مجموعات مؤيدة للديمقراطية بالقرب من السجن. وفي مطلع الأسبوع الجاري، خرج آلاف النزلاء من السجون في ظروف غامضة.

وكان من بينهم وزير سابق في حكومة البشير مطلوب أيضا لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، وكذلك أعضاء كبار آخرون في حزبه.

وعاد محمد طاهر إيلا، الذي كان رئيسا للوزراء وقت سقوط البشير ووصف من قبل بأنه رئيس مستقبلي محتمل، للظهور علنا في الآونة الأخيرة بعد أن ظل بعيدا عن الأنظار لعدة سنوات.

وفي تجمع مع أنصاره قبل أيام قليلة من بدء القتال، بعث برسالة ملتهبة وتعهد بتقديم “الشهيد تلو الشهيد” للدفاع عن أرض السودان ودينه.

ولم تتمكن رويترز من الوصول إلى إيلا أو البشير، أو إثبات ما إذا كان لهما أي دور في انهيار خطة المرحلة الانتقالية أو في الصراع.

وقال إيلا في لقطات مصورة للاجتماع اطلعت عليها رويترز “لا مكان فيه (السودان) للإطارية ولا لغيرها”.

وأضاف “نحن أقدر من الأمس أن نحمل السلاح وأن نأخذ حقنا بأيدينا”.

مخاوف من إطالة أمد الصراع في السودان مع سعي طرفيه للسيطرة

من إيدن لويس وتوم بيري

القاهرة (رويترز) – يخوض فصيلان متناحران صراعا في السودان منذ أسبوعين وسط مؤشرات على أنه لا يمكن لأي منهما أن يحقق نصرا حاسما، مما يثير المخاوف من أن تؤدي حرب طويلة الأمد بين قوات الدعم السريع شبه العسكرية والجيش النظامي المجهز تجهيزا أفضل إلى زعزعة استقرار منطقة مضطربة بالفعل.

ورغم سقوط مئات القتلى وتحول العاصمة الخرطوم إلى منطقة حرب، لا توجد مؤشرات تذكر على إمكانية التوصل إلى تسوية بين قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.

ويبذل وسطاء أجانب جهودا حثيثة لوقف الانزلاق إلى الحرب. وأدى القصف المدفعي والضربات الجوية في الخرطوم والصراع في أماكن أخرى، مثل منطقة دارفور الغربية، إلى تقويض عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار توسطت فيها الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأشار مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان فولكر بيرتس يوم السبت إلى وجود مؤشرات على مزيد من الانفتاح على التفاوض، لكنه قال إن الخرطوم شهدت تجدد القتال.

وأعلن حميدتي والبرهان استبعادهما فكرة التفاوض مع بعضهما في تصريحات علنية منذ بدء القتال.

ولم يرد أحد مساعدي حميدتي على أسئلة من رويترز بشأن استعداده للتفاوض أو إجراء محادثات سلام. وقال حميدتي الذي وصف البرهان بأنه “مجرم” في 20 أبريل نيسان إنه لن يجلس معه.

وأشار أحد مساعدي البرهان، عند طرح السؤال نفسه عليه، إلى تصريحات أدلى بها قائد الجيش لقناة الحرة هذا الأسبوع والتي قال فيها إنه لن يجلس مع “قائد التمرد”، في إشارة إلى حميدتي.

وستكون مخاطر الصراع وخيمة بالنسبة للسودان والدول السبع المجاورة له والتي قد يتزعزع استقرارها بسبب الصراع في بلد له تاريخ من الحروب الأهلية، ومنها الحرب التي استمرت عقودا وانتهت بانفصال جنوب السودان في 2011.

ورغم ما يمتلكه الجيش من طائرات مقاتلة ودبابات، فإنه لم يتمكن حتى الآن من طرد مقاتلي الدعم السريع من الخرطوم التي نجت من أعمال العنف في الحروب الأهلية السابقة في السودان.

ويتجلى ذلك في معركة طويلة للسيطرة على العاصمة الواقعة على نهر النيل. وقال الجيش يوم الخميس إن مقاتلي الدعم السريع على وشك الهزيمة، لكن دبلوماسيا غربيا قال إن قوات الدعم السريع لها اليد العليا.

وفر الكثير من المدنيين من العاصمة إلى مناطق أكثر أمانا. ووصف السكان الوضع بأنه يشهد حالة من الانهيار السريع في ظل انتشار العصابات واللصوص في الشوارع الخالية وتعرض الأحياء لضربات جوية وقصف مدفعي ونفاد الطعام والوقود.

وحتى لو تمكن الجيش من الانتصار في الخرطوم، يشعر المحللون بالقلق من أن يتحول الأمر إلى حروب داخلية كما هو المعتاد، مما يضع الجيش الوطني الذي تديره نخبة قوية في العاصمة في مواجهة السكان الغاضبين المنحدرين من مناطق تعاني التهميش، مثل دارفور، المنطقة التي ظهر فيها حميدتي وقوات الدعم السريع لأول مرة كقوة مقاتلة.

ووصف دبلوماسي إقليمي بارز الوضع بأنه “مرعب”.

وقال الدبلوماسي “سنشهد الكثير من الانقسام” معبرا عن قلقه من تجدد الصراع بين مركز الحكم في الخرطوم والمناطق النائية في بلد يبلغ تعداده 46 مليون نسمة.

* لا توجد سيناريوهات جيدة

تصاعد التوتر منذ أشهر بين حميدتي والبرهان حول كيفية دمج قوات الدعم السريع البالغ عددها نحو مئة ألف في الجيش السوداني بموجب اتفاق إطاري مدعوم دوليا يفضي لتشكيل حكومة مدنية، وبشأن التسلسل القيادي في الفترة التي تسبق الانتخابات.

كان حميدتي، وهو قائد ميليشيا سابق في دارفور، من أتباع الرئيس السابق عمر البشير ومنفذا لأوامره، وأثري من تجارة الذهب.

وشغل حميدتي منصب نائب البرهان في مجلس السيادة بالسودان بعد الإطاحة بالبشير وأصر على أن دمج قوات الدعم السريع يجب أن يجري على مدى عشر سنوات، بما يتماشى مع بنود اتفاق إطاري للخطة الانتقالية، حسبما ذكرت عدة مصادر مطلعة على المحادثات، بينما أراد الجيش إطارا زمنيا أقصر بكثير.

وقال الدبلوماسي الغربي إن الوسطاء سعوا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار و”استقرار الوضع بهذه الطريقة، بدلا من التوصل إلى نوع من اتفاق سلام كبير” الأمر الذي يبرز صعوبة إقرار السلام في المستقبل.

وتساءل “ما الذي سيتحدثان عنه ولم يكن مطروحا على الطاولة قبل بدء الصراع؟”، مضيفا أنه لا يمكن لأي من الجانبين تحقيق نصر عسكري حاسم أو السيطرة على جميع أراضي السودان.

وقال أحمد سليمان من مركز تشاتام هاوس البحثي في لندن إنه توقع “سيناريو سيئا للغاية في كلتا الحالتين مع وجود احتمال ضئيل لإيجاد حل قصير الأجل من شأنه إيقاف القتال بشكل دائم”.

وأضاف سليمان “قوات الدعم السريع متمرسة على القتال باستخدام أساليب حرب العصابات في المناطق الحضرية، بينما تملك القوات المسلحة السودانية القوة الجوية والدبابات وإمكانات لوجستية أفضل”.

وتابع أن الجيش يحاول على ما يبدو ملاحقة حميدتي على أمل توجيه ضربة قاصمة لقوات الدعم السريع.

وأردف “ربما يكونون بمرور الوقت قادرين على طرد قوات الدعم السريع من الخرطوم … إن نجح ذلك السيناريو، فسيزداد التنافس في إقليم دارفور وهو أمر بدأنا في رؤية آثاره”.

* ضغوط أجنبية

من شأن العنف أن يقضي على العملية السياسية إلى الأبد، وهي عملية كان من المفترض أن ترسي أسس الديمقراطية في السودان بعد الإطاحة بعمر البشير وقاعدته السياسية الإسلامية في 2019 بعدما أمضى ثلاثة عقود في السلطة.

ويساور القلق السودانيين الذين ناضلوا من أجل الحكم المدني من عودة العهد الماضي وأن تتيح الفوضى للجيش إحكام قبضته على السلطة إلى جانب عودة أفراد من حكومة البشير إلى السلطة.

ووصف مسؤول بالحكومة السودانية الصراع بأنه بين جيش شرعي وميليشيا متمردة لا بد أن تستسلم ولا يمكن التفاوض معها، مرددا بيانات الجيش.

وتصور قوات الدعم السريع، التي تملك قواعد في أنحاء السودان، أفراد الجيش بأنهم “متطرفون”، وهي إشارة واضحة إلى النفوذ الذي يقول حميدتي إن الإسلاميين يتمتعون به في الجيش.

ويعتقد المحللون أن القوى الأجنبية التي تملك سطوة على كلا الطرفين من شأنها أن تضع مزيدا من الضغوط عليهما لوقف التصعيد، وأبرز هذه القوى هي مصر التي تربطها علاقات وثيقة بالجيش ودول الخليج الملحوظ تأثيرها على حميدتي.

وقالت المؤرخة ويلو بيريدج “ستزيد فرص وقف إطلاق النار بشكل دائم إن أمكن جعل الطرفين يدركان أنهما لن يجنيا شيئا من هذا الصراع”، مضيفة أن القوى الإقليمية ربما تؤدي دورا في إقناعهما.

ما حقيقة الهجوم الذي شنته “قوات إثيوبية” على منطقة الفشقة الحدودية؟

 

أفادت صحيفة سودانية بأن قوات إثيوبية شنّت في 18 أبريل/نيسان الجاري هجوما بريا على منطقة الفشقة في السودان، بعد ثلاثة أيام فقط على اندلاع المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ونفى رئيس الوزراء الإثيوبي شن قواته توغلا عبر الحدود، الأمر الذي أكدته لفرانس24 مصادر سودانية مشيرة إلى أن ميليشيات مسلحة هي من تقف وراء الهجوم على المنطقة الزراعية الهامة المتنازع عليها بين البلدين الجارين، اللذين يؤكدان أنها داخل حدودهما الدولية ويتبادلان الاتهامات حيالها بانتهاك سيادة أراضي الطرف الآخر.

تحقيق أمين زرواطي فرانس24

نشرت يومية “السوداني” في 19 أبريل/نيسان خبرا مفاده أن قوات إثيوبية نفّذت ثلاثة أيام بعد اندلاع الاشتباكات في السودان “غزوا وهجوما على الفشقة الصغرى.. معززة بالدبابات والعربات المصفحة وحشود كبيرة من المشاة”. مضيفة بأن وحدات الجيش السوداني تعاملت على الفور معها “بمنظوماتها النيرانية المختلفة والبعيدة المدى فكبّدتها خسائر فادحة في الأفراد والعتاد”.

وأوضحت الصحيفة ومقرها الخرطوم بأن القوات السودانية المتمركزة على الحدود الشرقية رصدت “حركة استنفار ونشاطا غير عادي لدى القوات الإثيوبية ومعسكراتها، كما رصدت عمليات الاستطلاع والرقابة الكثيفة التي تقوم بها القوات الإثيوبية”، وذلك منذ اندلاع المعارك بين الجيش السودان و قوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان.

  • “إثيوبيا لا تريد استغلال الظروف الحالية في السودان”

في المقابل، دان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي في بيان نشره على منصات التواصل هذه الأنباء، محذرا “الجهات التي تعمل في التحريض والوقيعة بينها (بلاده) وبين السودان الشقيق”. وقال إن هناك جهات تدعي “بأن إثيوبيا أدخلت قواتها داخل المناطق الحدودية السودانية. فنحن ندين بشدة هذه الادعاءات، التي تصبوا إلى تشويه علاقات حسن الجوار بين إثيوبيا والسودان”.

وأضاف آبي أحمد: “نحن نؤمن إيمانا راسخا بأن قضية الحدود بين بلدينا الشقيقين ستحل عبر الحوار والمناقشات حيث تثمن إثيوبيا الأخوة، وحسن الجوار بين بلدينا، ولا ترغب بتاتا في انتهاز الظروف الحالية التي يمر بها السودان الشقيق”.

كما قال المسؤول الإثيوبي: “لا ترغب إثيوبيا بتاتا استغلال الظروف الحالية التي يمر بها السودان الشقيق. بل كل ما تتمناه هو أن يعود السلام والاستقرار في السودان”.

  • “ميليشيات تتحرك بدون علم إثيوبيا”

في نفس السياق، أوضح اللواء أمين مجذوب، خبير إدارة الأزمات والتفاوض بمركز الدراسات الدولية بالخرطوم، بأن “من الواضح أن بعض ميليشيات الفانو (مجموعة مسلحة من إقليم أمهرة الإثيوبي) تتحرك في هذه المنطقة بدون علم السلطات الإثيوبية. وربما تحاول استغلال الاضطرابات في الداخل السوداني لتجد لها موطئ قدم في هذه المنطقة. هذه الأحداث المتعددة والمتكررة تتصدى لها القوات المسلحة السودانية وتنتهي بشكل فوري، أي أنها لا تؤثر على الأمن الداخلي بالمنطقة الشرقية ولا تؤثر على ما يدور في الخرطوم الآن من صراع بين القوات المسلحة والدعم السريع”.

وأضاف محدثنا: “أعتقد أنها مليشيات الفانو التي تتبع لأمهرة (إقليم يقع شمال غرب إثيوبيا). كما أن القيادة الإثيوبية أكدت قبل يومين أنها لن تستغل ما يحدث في السودان للتمدد في هذه المنطقة التي تحكمها اتفاقيات. ليس من مصلحة إثيوبيا التورط في هذا الأمر لأنها تحتاج إلى السودان في ملفات عديدة منها سد النهضة والجالية الإثيوبية في السودان والتجارة الحدودية، وأيضا استخدام ميناء بورتسودان. بالتالي أعتقد أنها تصرفات فردية”.

كما أوضح مجذوب بأن نقل القوات السودانية إلى الخرطوم بعد اندلاع المعارك لا يعني إخلاء منطقة الفشقة من القوات، وقال في هذا الشأن: “نقل القوات إلى الخرطوم لا يعني نقل كافة القوات، بل مجرد تعزيزات تراعي الإبقاء على توازن القوى سواء بين تلك المنشورة في العاصمة أو في الفشقة. وفي الأصل تم نقل تلك القوات من مواقعها في الخرطوم وفي الشمال إلى منطقة الفشقة والآن جاءت الفرصة لإعادتها إلى مواقعها والمشاركة في الصراع لتنظيف العاصمة. أعتقد أن إثيوبيا لن تكون طرفا في هذا الصراع مثلما كان السودان محايدا في صراع تيغراي حيث لم يتدخل لصالح أي طرف. إثيوبيا تعلم أن الوضع لا يتحمل وأنها يمكن أن تتضرر هي الأخرى”.

من جانبه، أكد اللواء المتقاعد الرشيد المعتصم، الباحث في مركز الخرطوم للحوار، بأن الجيش الإثيوبي لم يتورط في الهجوم الأخير على منطقة الفشقة السودانية، واتهم المعتصم: “مجموعات مسلحة قبلية في إقليم أمهرة الإثيوبي لديها حاليا بعض الخلافات مع الحكومة المركزية الإثيوبية فيما يتعلق بملف الحرب في إقليم تيغراي، ولها موقف من اتفاقية السلام مع جبهة تحرير تيغراي. سبق وأن تم ضم الأراضي الإثيوبية المتاخمة لمنطقة الفشقة في الداخل الإثيوبي إلى إقليم تيغراي في عهد الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي. لكن ميليشيات الفانو في أمهرة ترفض هذا التقسيم وتعتبر هذه الأراضي جزءا من هذا الإقليم”.

وتابع المعتصم: “كما أن المزارعين من إقليم أمهرة الإثيوبى تاريخيا يعملون في موسم الحصاد في هذه الأراضي ويأخذون الأجر. وفي موسم الخريف عادة ما يتطلع المزارعين في الجانب الإثيوبي للاستثمار في هذه الأراضي الخصبة التي تجري فيها عدة أنهر تصب في أفرع نهر النيل، منها باسلام (بحر السلام). في مراحل لاحقة بدأ بعضهم يستأجر الأراضي في موسم الخريف، ويزرع مع السودانيين لمواسم طويلة استمرت لعقود، بين سكان المناطق الحدودية في ولاية القضارف السودانية ومنطقة القلابات وإقليم أمهرة الإثيوبي. مع مرور الوقت، وفي ظل حرب الحكومة المركزية مع المتمردين في جنوب السودان حينها، وانشغال الحكومة السودانية في جبهات القتال الواسعة في جنوب السودان ودارفور، بدأت عصابات تسمى الشفتة لفترة طويلة تعتدى على المزارعين السودانيين. تجدر الإشارة إلى أن هناك لجانا حدودية مشتركة وصلت إلى مراحل متقدمة في حسم هذا الملف إبان حكومة ملس زيناوي، لكن ووجهت بضغوط كبيرة من البرلمان الإقليمي لأمهرة”.

  • ما أهمية الفشقة ومتى اندلع النزاع عليها؟

قال الصحافي إسلام عبد الرحمن، مراسل إذاعة مونت كارلو الدولية في الخرطوم، إن الفشقة “هي منطقة سودانية في الأساس رغم وجود تنازع من الناحية القانونية (مع إثيوبيا)، لكنها معروفة في كل المواثيق القديمة كأرض سودانية باعتراف الإثيوبيين. رغم ذلك يبقى لإثيوبيا أطماع في هذه الأراضي لأنها تعد من أفضل الأراضي وأكثرها خصوبة على مستوى السودان والوطن العربي وربما عالميا”.

أضاف عبد الرحمن: “مر أكثر من قرن على النزاع الحدودي في منطقة الفشقة على الحدود الشرقية بين السودان وإثيوبيا، وهو نزاع يتجدد حسب الوضع السياسي. اندلع النزاع تحديدا في عام 1902 بعد توقيع معاهدة ترسيم الحدود بين إمبراطورية إثيوبيا والإدارة الاستعمارية البريطانية سابقا في السودان. منذ خمسينيات القرن الماضي، يتهم الجانب السوداني ما يطلق عليها ميليشيات الشيفتا التي تقوم باعتداءات متكررة على مناطق الفشقة بهدف إخلاء الشريط الحدودي من المزارعين السودانيين ومن ثم الاستيلاء عليها واستيطانها وزراعتها”.

وأوضح مراسل مونت كارلو أنه رغم النفي الإثيوبي الرسمي، فإن “المشكلة الآن هي أن الجيش السوداني في معركته داخل الخرطوم قد استعان بقواته التي كانت متمركزة في منطقة الفشقة، وهي تمثل نقطة ضعف قد تسيل لعاب الإثيوبيين لمحاولة تكرار الهجوم على منطقة الفشقة والسعي إلى احتلالها”.

  • “الأطماع حول الفشقة تظل موجودة”

وقال عبد الرحمن أيضا: “تظل الأطماع حول الفشقة موجودة ويظل الاستيلاء على هذه الأراضي مكسبا إستراتيجيا بالنسبة للإثيوبيين، حيث إنها تؤمن لهم الغذاء بالكامل خصوصا وأنها معروفة بزراعة الذرة والسمسم، ولما لا أيضا تصديره إلى الخارج. ولاية القضارف تحديدا معروفة على المستوى العالمي من حيث صادرات السمسم وعدد من المحاصيل الإستراتيجية كانت تزرع في الفشقة وعلى كامل الشريط الحدودي في ولاية القضارف الكبرى، والتي تضم أخصب الأراضي الزراعية في السودان. وهي تنقسم إلى ثلاث مناطق: الفشقة الكبرى ويحدها نهر سيتيت شمالا وبحر باسلام أو السلام جنوبا وأيضا نهر عطبرة غربا. الفشقة الصغرى ويحدها شمالا بحر باسلام وشرقا نهر عطبرة وشرقا الحدود مع إثيوبيا. والفشقة الثالثة هي المنطقة الجنوبية. مساحتها تبلغ حوالي 2 مليون فدان (حوالي 8093 كلم مربع) منها 168 كلم من الحدود مع إثيوبيا من إجمالي مساحة الشريط الحدودي لولاية القضارف مع إثيوبيا البالغة حوالي 265 كلم”.

وأكد عبد الرحمن على أنه “لا يوجد دخول مباشر للقوات الإثيوبية لكن تظل هذه المخاوف خاصة بالنسبة للمزارعين السودانيين موجودة، فهناك تخوف من اقتحام في أي لحظة من قبل القوات الإثيوبية أو ميليشيات الشيفتا، لكن أعتقد أن الجيش السوداني تفطن لهذه المسألة وهي لن تتم بسهولة خاصة وأنه بذل مجهودا كبيرا في استعادة هذه الأراضي وتأمينها”.

ولا تزال الفشقة محل نزاع حول ملكيتها بين البلدين الجارين، حيث يؤكد كل منهما أن المنطقة داخل حدوده الدولية، كما يتبادلان الاتهامات بانتهاك سيادة أراضي الطرف الآخر. وعلى مدى أكثر من عقدين استقر آلاف المزارعين الإثيوبيين في الفشقة وزرعوا أرضها، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وظلت القوات السودانية، حسب نفس الوكالة، خارج الفشقة حتى اندلاع نزاع تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، لتعود إليها من أجل “استعادة الأراضي المسروقة”. وعقد البلدان محادثات عدة على مر السنين، لكنهما لم يتوصلا أبدا إلى اتفاق على ترسيم خط الحدود الفاصل بينهما.

وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، قُتل عدد من العسكريين السودانيين في هجوم للقوات الإثيوبية على منطقة الفشقة حسبما أعلن الجيش السوداني آنذاك في بيان قال فيه: “تعرضت قواتنا التي تعمل في تأمين الحصاد بالفشقة الصغرى في منطقة بركة نورين لاعتداء وهجوم من مجموعات للجيش والمليشيات الإثيوبية استهدفت ترويع المزارعين وإفشال موسم الحصاد والتوغل داخل أراضينا”، وفق وكالة الأنباء الفرنسية.

“الرجل الأخطر هرب”… من هو أحمد هارون المتهم بالإبادة الجماعية في السودان

بعد أيام من الاشتباكات العنيفة في السودان بين الجناحين المسلحين؛ الجيش من جهة والدعم السريع من جهة، أعلن المساعد السابق للرئيس السوداني المعزول عمر البشير، والمحتجز في سجن كوبر القومي في الخرطوم أحمد هارون، خروجه من السجن برفقة عدد من رموز النظام السابق.
وجاء إعلان هارون هروبه من السجن ليطرح الكثير من الأسئلة حول هوية الرجل ولماذا وضع في السجن؟ وما هي التهم الموجهة إليه؟ وما هي علاقته بعمر البشير؟ وإلى أي فريق ينحاز في المعركة الدائرة في البلاد؟
يعد أحمد هارون واحدا من أخطر رجال نظام البشير، بل هو واحد من أربعة مسؤولين في نظام البشير أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمر توقيف بحقهم، بينهم البشير نفسه ووزير دفاعه الفريق عبد الرحيم محمد حسين، وعلي كوشيب أحد قادة ميليشيا الجنجويد، ووجهت لهم المحكمة تهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في إقليم دارفور ما بين عامي 2003 و2007.
ولد هارون في مدينة الأبيض، عام 1965، وينتمي لقبيلة عربية من شمال كردفان، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في السودان، وفي أثناء دراسته الثانوية التحق بتنظيم الاتجاه الإسلامي، واستمر في العمل التنظيمي عند التحاقه بالدراسة الجامعية، حيث درس القانون في جامعة القاهرة وتخرج فيها عام 1987.

 

وعاد هارون إلى السودان وعمل قاضيا لفترة قصيرة قبل أن يتم تعيينه وزيرا للشؤون الاجتماعية في ولاية جنوب كردفان، وفي هذه الفترة كان أحد أبرز العناصر في الحركة الإسلامية السودانية، التي دبرت وساعدت عمر البشير في الانقلاب العسكري عام 1989 الذي جاء بالبشير رئيسا للبلاد.
وفي هذه الأثناء تم تعيين هارون في منصب منسق عام للشرطة الشعبية، وهي قوة شبه عسكرية تتبع وزارة الداخلية، واستعان بها نظام البشير في قمع المظاهرات والحركات السياسية.
وفي عام 2003، عين هارون وزير دولة في وزارة الداخلية، ومسؤولا عن مكتب دارفور الأمني بعد تصاعد الأحداث في إقليم دارفور، وخلال الفترة التي تولى فيها هارون هذه المهام شهدت دارفور كوارث إنسانية وصفت بأنه لم يحدث مثلها من قبل، وبسبب هذه الفترة وجهت له اتهامات المحكمة الجنائية ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
وإبادة جماعية في إقليم دارفور، من خلال تجنيد وتسليح مسلحي الجنجويد وارتكاب انتهاكات واسعة في الإقليم المنكوب الذي شهد مقتل نحو 300 ألف شخص ونزوح 2.5 مليون من ديارهم، وبشكل محدد وجهت له المحكمة 42 تهمة تشمل القتل والاغتصاب والتعذيب والاضطهاد والنهب.

 

وبعد توقيع اتفاق “سلام نيفاشا” الذي أنهى أطول حرب أهلية بين شمال وجنوب السودان عام 2005، اُعفي هارون من منصبه كوزير دولة في الداخلية، وتم تعينه في سبتمير/أيلول 2005، في منصب وزير الدولة في وزارة الشؤون الإنسانية، ضمن الحكومة التي شُكلت بموجب اتفاق السلام الشامل.
وفي مايو/أيار 2007، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرا بالقبض على أحمد هارون مع أحد قادة ميليشيا الجنجويد في السودان علي كوشيب، الذي سلم نفسه للمحكمة الجنائية الدولية في جمهورية أفريقيا الوسطى ويحاكم حاليا في لاهاي، في اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقبل هذا التاريخ بأيام (27 أبريل/نيسان) كان هارون يعالج في الأردن، وفور علمه بالمذكرة التي قدم الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية ويطالب فيها قضاة محكمة لاهاي لاستصدار مذكرة اعتقال دولية للقبض عليه بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أسرع هارون إلى مطار علياء الدولي في الأردن وغادر المملكة إلى السودان.
وظل نظام البشير لسنوات يرفض الاستجابة لقرارات الجنائية الدولية ويتهم المحكمة بـ”المسيسة”.
وعيّن هارون أيضا واليا على ولاية جنوب كردفان، ومن بعدها عيّن واليا على ولاية شمال كردفان، وتشير 

وسائل إعلام سودانية إلى أنه خلال تولي هارون منصبه كوالي لشمال كردفان حدث خلاف كبير بينه وبين قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، (حميدتي) عندما خرجت مظاهرات في الإقليم تطالب بطرد قوات الدعم السريع وهو ما استجاب له هارون وتصاعد الخلاف بين هارون وحميدتي على أثر ذلك لدرجة أن صرح حميدتي في تصريحات تلفزيونية بأن أحمد هارون “جاب لينا السمعة البطالة”، واتهمه إلى جانب مجموعة في الحكومة السودانية بالتآمر عليه والسعى لتشويه سمعة قواته، وأكد أن “هارون محله السجن وليس الولاية”، وفي هذه الأزمة تدخّل البشير بنفسه وقتها للصلح بينهما.

إلا أن هذا الصلح فيما يبدو لم يكن كاملا، حيث انحاز في الأزمة الأخيرة إلى الجيش السوداني في مواجهة الدعم السريع وحميدتي، ودعا هارون السودانيين لمساندة القوات المسلحة وأشار إلى استعداده والمسؤولين الآخرين للمثول أمام القضاء.
وبسبب قربه من البشير ودوره في قمع المظاهرات والاحتجاجات أثناء تصاعد المظاهرات الرافضة لنظام البشير، اختاره البشير في عام 2019، في منصب مساعد للرئيس ونائبا له في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وكان أحد القادة الذين تم القبض عليهم بعد الإطاحة بنظام البشير، وتم إيداعه في سجن كوبر.

 

وأعلنت الحكومة الانتقالية وقتها فتح النيابة العامة تحقيقا في جرائم المسؤولين في نظام البشير ضمن مسار تفاوضي لإحلال السلام في دارفور، إلا أن هارون أكد أنه بالنسبة له المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية أفضل من المثول أمام محكمة محلية، وأصدر في يونيو/حزيران 2021 من محبسه بيانا أكد فيه أن “سلطة بهذا الأداء القانوني البائس لن تكون قادرة أو راغبة في 

إقامة العدل، ففي ظل أجواء الفصل والتشريد للقضاة والمستشارين بشكل مستمر والتلويح المستمر بأن هناك كشفا آخر قيد الصدور لا يمكن أن تتحقق معها عدالة (…) لهذه الأسباب ولأسباب أخرى فأعلن وبكل ثقة أن من الأفضل لي أن تقدم قضيتي، إن كان هناك ثمة قضية تستحق التقديم، لمحكمة الجنايات الدولية”.

وحتى الآن تطالب الجنائية الدولية بتسليم البشير وباقي المسؤولين عن جرائم دارفور إليها ليحاكموا على الجرائم التي ارتكبوها ضد الإنسانية.

الجميع يبحث عن عمر البشير… أين ذهب رأس النظام السوداني السابق؟

اليراع- (وكالة اسبوتنك الروسية)- مع تطور الأحداث المسلحة في السودان، وإعلان عدد من رموز نظام عمر البشير الهروب من سجن كوبر، تضاربت المعلومات حول مكان وجود البشير، الذي يواجه أحكاما بالسجن بتهم الفساد وغسيل الأموال وتنفيذ انقلاب عام 1989، وهل هرب من السجن أم ما زال قيد الاحتجاز؟
بعد ساعات من تداول شائعات حول  هروب البشير، على خلفية هروب المساعد السابق للبشير، أحمد هارون من سجن كوبر في الخرطوم برفقة عدد من رموز النظام السابق، أعلن الجيش السوداني أن البشير موجود في مستشفى علياء التابع للقوات المسلحة تحت حراسة ومسؤولية الشرطة القضائية، إلى جانب بعض رموز النظام السابق.
ونفى الجيش، في بيانه، الأربعاء 26 أبريل/نيسان، أنباء فرار البشير ومقربين منه من سجن كوبر، وتابع: “توضح القوات المسلحة أن جزءاً من متهمي 30 يونيو من العسكريين كانوا محتجزين بمستشفى علياء التابع للقوات المسلحة نسبة لظروفهم الصحية وحسب توصيات الجهات الطبية بسجن كوبر قبل اندلاع التمرد، ولا يزالون بالمستشفى تحت حراسة ومسؤولية 

الشرطة القضائية

“.

 

ولفت البيان إلى أن هذا الأمر “يتعلق بكل من الرئيس المعزول عمر البشير إلى جانب كل من بكري حسن صالح وعبد الرحيم محمد حسين وأحمد الطيب الخنجر ويوسف عبد الفتاح، إلى جانب مدني واحد وهو علي الحاج محمد محتجز لتلقي العلاج بمستشفى أحمد قاسم”.

وكذلك أصدرت وزارة الداخلية السودانية بيانا، قالت فيه إن “قوات الدعم السريع اقتحمت 5 سجون وأطلقت سراح نزلاء في الفترة من 21 إلى 24 أبريل”، وأشارت إلى أن قوات الدعم السريع “اقتحمت سجن كوبر؛ مما تسبب في مقتل وجرح عدد من منسوبي إدارة السجون، واستطاعت إطلاق سراح جميع النزلاء“.

من هرّب المساجين؟

تبادل طرفا الصراع في السودان؛ الجيش والدعم السريع المسؤولية عن إطلاق سراح سجناء من سجن كوبر
وسجون أخرى، ففي بيان الجيش السوداني أكد أن سلطة الإشراف على سجون البلاد هي خارج نطاق اختصاصه وتقع تحت مسؤولية وزارة الداخلية، ولفت إلى “أن بعض السجون شهدت اضطرابات خلال الأيام السابقة، بدأت باقتحام الميليشيا المتمردة (الدعم السريع) لسجون الهدى وسوبا والنساء بأم درمان”.

 

وأشار الجيش إلى أن “قوات الدعم السريع أجبرت شرطة السجون على إطلاق سراح النزلاء بعد قتل وجرح بعض منسوبي الشرطة، بجانب تصرف إدارة سجن كوبر بإطلاق سراح نزلائه بسبب انقطاع خدمات المياه والكهرباء والإعاشة، ما خلق تهديدا إضافيا على الأمن والطمأنينة العامة بمدينة الخرطوم”.
بينما تتهم حركة الدعم السريع الجيش بالمسؤولية عن تهريب المساجين ، قال قائد الدعم السريع في تصريحات سابقة إن الجيش السوداني قام بفتح سجن كوبر، مما أدى إلى هروب المساجين، ولم يستبعد أن يكون الجيش قام بالفعل بتهريب البشير.
وفي مقطع متداول على “تويتر”، أكد الناشط السوداني مصعب الشريف، الذي كان موقوفا في سجن كوبر بتهمة قتل عميد شرطة، أن الشرطة والحراس كانوا جالسين يشاهدون المساجين يموتون عطشا وجوعا، فأكدوا لهم أنهم سيطلقون سراحهم، لافتًا إلى أنه “في تلك اللحظة خرج الجميع ولم يبق شخص واحد في السجن”.

شائعات حول مصير البشير

وتداول عدد واسع من السودانيين مقاطع مصورة تظهر مروحية عسكرية بجوارها سيارات مدنية، وزعم متداولو الصور أنها توثق لحظة نقل البشير إلى غرب أم درمان عبر إسعاف وطاقم تأمين من مستشفى علياء التخصصي بالسلاح الطبي، وباستخدام مروحية تابعة للجيش، إلا أن صفحة التحقق من الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي “بيم ريبورتس” تحققت من المقطع المصور وأكدت أن فريقه اكتشف أنه “ادعاء مضلل، وأن الصور المتداولة مجتزأة من فيديو تم نشره يوم 25 يناير، لموكب بمحلية كرري، للقائد العام للجيش”.
ومنذ اقتحام السجون السودانية، الأحد الماضي، وتداول مقاطع مصورة تظهر فرارا جماعيا لسجناء في عدد من السجون من بينهم سجن كوبر وهو السجن الذي يضم عددا كبيرا من رموز النظام السابق إلى جانب البشير نفسه ونائبه علي عثمان محمد طه.
وقبل بيان الجيش نقلت وكالة “رويترز” عن مصدرين بمستشفى عسكري في الخرطوم، أن البشير نقل من سجن كوبر إلى المستشفى قبل اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهي نفس المعلومة التي قالها مسؤولون عسكريون لوكالة “أسوشيتيد برس” بأن البشير وعدد من المسؤولين السابقين نقلوا إلى منشأة طبية
 يديرها الجيش في الخرطوم في ظل إجراءات أمنية مشددة.

 

وفي تصريحات لعضو هيئة الاتهام في قضية انقلاب 1989 التي يحاكم فيها البشير و18 من أعوانه، المعز حضرة، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن “طائرة مروحية نقلت البشير ونائبه بكري حسن صالح ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين إلى جهة غير معلومة؛ وذلك بعد ساعات من قيام مجموعة مسلحة باقتحام سجن كوبر وإطلاق سراح أكثر من ألف سجين من داخله، من بينهم قيادات إخوانية”.
ويبدو أن البشير في مستشفى علياء قبل فترة. ففي مارس/ آذار، منحت إدارة السجن المركزي تصريح خروج البشير، لأداء واجب العزاء في وفاة شقيقه محمد.
وبحسب وسائل الإعلام السودانية ، وقتها وصل البشير إلى منزل العزاء قادما من مستشفى علياء العسكري الذي يتلقى فيه الرعاية الطبية، حيث سمح له بالخروج لمدة ساعات، لأداء واجب العزاء.

لماذا يقبع البشير في السجن؟

يحاكم البشير في قضايا عدة، بتهم تشمل الفساد وقتل المتظاهرين خلال الانتفاضة التي أطاحت بحكمه في أبريل 2019، بالإضافة إلى القضية المعروفة باسم “انقلاب 30 يونيو”، والتي وجهت المحكمة فيها التهم تدبير وتنفيذ 

انقلاب عسكري ، والاستيلاء على الحكم بالقوة، وتقويض النظام الدستوري القائم في يونيو/حزيران 1989.

وفي 2019، حكم القضاء السوداني على البشير بالإيداع عامين في مؤسسة إصلاح اجتماعي مع مصادرة الأموال التي تحصل عليها في قضية “تداول النقد الأجنبي بشكل غير قانوني” والتربح غير المشروع.
وينص القانون السوداني على أن يحاكم المتهم بالسجن عشر سنوات إذا أدين بالتهم التي وجهت إلى البشير، لكن الحكم خفف على البشير إلى عامين يقضيهما في مؤسسة إصلاح اجتماعي بحكم تجاوز سنه السبعين عاما.

بدون طعام او شراب وفي ظلام دامس … رحلة الهروب من الخرطوم إلى حدود مصر

القاهرة: تقضي عائلات سودانية أيامًا بائسة في توفير المال والوقود، وساعات من القيادة في ليل حالك الظلام مرورا بعشرات نقاط التفتيش، من أجل القيام برحلة طولها ألف كلم إلى الحدود المصرية، هربا من ويلات الحرب في الخرطوم.
لمدة 24 ساعة ظل الشاب السوداني عمر، الذي تحدث لوكالة فرانس برس باسم مستعار، حبيسا بين جدران منزله فيما أصوات الرصاص والانفجارات تهز أرجاء العاصمة السودانية، يحضر كل شيء لرحيله مع عائلته خارج الخرطوم.
وقال عمر إن أخطر مرحلة واجهتهم كانت مغادرة الحي: “عبرنا 25 نقطة تفتيش للوصول إلى محطة الحافلات على أطراف الخرطوم”.
وفي المحطة، كان عليهم الانتظار حتى يكتمل عقد الركاب في حافلتهم التي تتسع لـ 45 شخصا. وأوضح أن سعر التذكرة كان 115 دولارا للشخص الواحد.
ولكن مع تدفق مئات العائلات اليائسة للفرار من القتال، ارتفع المبلغ إلى نحو 400 دولار، وهو ما يعادل الراتب الشهري للموظف السوداني المدني.
وأضاف عمر أنه حتى بعد شراء التذكرة، “قد تنتظر بعض الحافلات يوما كاملا”، بينما يتدافع السائقون للعثور على الوقود الذي تضاعف سعره “ثماني مرات” في الأيام العشرة التي انقضت منذ بدء القتال.
رحلة مظلمة
في 15 نيسان/أبريل اندلع القتال في الخرطوم وعدد من الولايات السودانية بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو ما أدى حتى الآن إلى مقتل أكثر من 420 قتيلا وإصابة نحو أربعة آلاف.
وإثر هدنة نسبية، بدأ سكان الخرطوم من سودانيين وأجانب يفرّون إلى أمكنة أكثر أمانا، كما باشرت دول عربية وأجنبية إجلاء مواطنيها.
وصلت طالبة الطب نون عبد الباسط البالغة 21 عاما، إلى القاهرة الأحد، بعد يومين من مغادرتها الخرطوم “مع عشرة أشخاص من أقاربها تراوح أعمارهم بين 4 و 70 عاما”، بحسب ما قالت لفرانس برس.
في طريقهم للخروج من العاصمة السودانية أوقفت حافلتهم، على ما أفادت عبد الباسط، “مرتين من قبل الجيش ومرة من قبل قوات الدعم السريع”.
وقالت “كنا قلقين من أن يصعدوا (القوات) بأسلحتهم أو يؤذوا أي شخص”، ولكنها شعرت بالارتياح عندما “تأكدوا فقط من الركاب وطرحوا بضعة أسئلة”.
يلتقط الركاب أنفاسهم بمجرد الخروج من العاصمة ويبقون في الحافلات حتى الوصول إلى معبر أرقين الحدودي مع مصر.
وأضافت عبد الباسط أنه لم يكن هناك نقطة تفتيش واحدة طوال 13 ساعة من القيادة. كذلك لا مكان يتزودون منه الطعام والماء. فقط “طريق أسود ولا شيء إلى اليمين أو اليسار”.
ويساعد الطالب السوداني مصعب الهادي البالغ 22 عاما الفارين من القتال في التخطيط لفرارهم خارج العاصمة ومن بعدها البلاد.
وقال لفرانس برس “عندما نتلقى اتصالا ممن يحاولون العثور على ممر آمن إلى مصر، فإن أول أمر نسأل عنه ما إذا كان لديهم ما يكفي من الطعام والماء” لهذه الرحلة.
حتى أولئك الذين وصلوا بالفعل إلى الحدود المصرية، اضطر بعض منهم ليلا الى الانتظار ساعات لفتح المعبر.
دعوات لإلغاء التأشيرة
في الظروف العادية، يسمح فقط للنساء والأطفال والرجال السودانيين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاما بدخول مصر، حيث يعيش أربعة ملايين سوداني بحسب الأمم المتحدة، بدون تأشيرة مسبقة.
ويتعين على من هم رجال دون الخمسين الحصول على تأشيرة دخول من القنصلية المصرية في وادي حلفا أقصى شمال البلاد.
ولكن مدى الأيام الماضية، طالب العديد من المستخدمين المصريين لمنصات التواصل الاجتماعي سلطات بلادهم بالسماح للسودانيين الوافدين بسبب الحرب بالدخول من دون تأشيرات، مستخدمين وسم “مصر هي بيتك الثاني”.
كما نشرت احدى منظمات العمل الخيري المحلية أرقاما للتواصل بين الوافدين في حالات الطوارئ، وخصوصا من هم في حاجة إلى حليب الأطفال أو الخدمات الطبية.
وتوقع كاميرون هدسون من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن “نزوحا جماعيا للمدنيين” بمجرد سريان وقف دائم لإطلاق النار، مع “محاولة ملايين الأشخاص عبور الحدود” إلى بر الأمان.
حتى بعد عبور الحدود، يظل الطريق طويلا إلى القاهرة، إذ تعتبر أسوان في أقصى جنوب مصر أقرب مدينة كبرى وتقع على بعد 300 كلم شمال المعبر.
وبدلا من استقلال حافلة أخرى لمدة 20 ساعة للوصول إلى القاهرة، فضلت عبد الباسط وأسرتها ركوب القطار لمدة 14 ساعة فقط، والهدف أن يكونوا أخيرا في مأمن من الحرب.
(أ ف ب)