كيف يموّل الذهب حرب البرهان وحميدتي وما الجهات الأجنبية المستفيدة منه؟

اعتبر مراقبون للشأن السوداني بأن الذهب الذي يزخر به هذا البلد هو من بين أسباب الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع. كما أوضحوا أن شركات أجنبية منها الصينية والروسية تستورد هذا المعدن النفيس الذي ينتج منه السودان أكثر من 100 طن سنويا لا يذهب منه سوى 30 طنا إلى خزينة الدولة. هذا وحذّر دبلوماسي أمريكي من أن “من لديه الذهب لا بد أن يواصل الحرب” مستبعدا نهاية المعارك إن لم تُجفف مصادر تمويل المتحاربين.

تواصلت المواجهات في السودان الجمعة وسمعت أصداء قصف مدفعي في الخرطوم، فيما قرر الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان الأربعاء تعليق مشاركته في محادثات برعاية سعودية-أمريكية لوقف إطلاق النار.

بشأن الأوضاع في هذا البلد، قال مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية الخميس إن استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار في السودان دفع واشنطن إلى أن “تشكك بصورة جدية” في التزام طرفي الصراع بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وبالنسبة إلى دور الذهب في الأزمة التي وقعت بين الحليفين العسكريين السابقين البرهان وحميدتي، وأهمية الذهب فيما يحدث اليوم، أوضح الخبير الإستراتيجي والمحلل السياسي د.عمر الرداد لفرانس24، بأن الحرب الجارية في السودان كشفت عن مسألة مدى أهمية الذهب والتنقيب عنه في هذا البلد. واعتبر محدثنا بأن الذهب هو أصلا من الأسباب الرئيسية لاندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع والخلاف الذي وقع بينهما.

  • “من لديه الذهب لا بد أن يواصل الحرب”

من جهته أوضح الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي أبو بكر الديب لفرانس24 بأن ثروات الشعب السوداني تستغل في الصراع الدائر حاليا بين الجيش وقوات الدعم السريع. وقال الديب: “السودان من أهم منتجي الذهب في القارة الأفريقية والثالث عشر بين البلدان المنتجة للذهب في العالم. يحاول طرفا الصراع السيطرة على المعدن الأصفر، ما جعل السودان واحدا من أكثر البلدان فقرا على الرغم من أنه يعوم على بحر من الثروات وتصل احتياطيات من الذهب إلى 1550 طنا. كما توفر صناعة الذهب في السودان موارد هائلة وثروة يتم تهريبها إلى الخارج لينفق منها على الحرب الأهلية”. 

كذلك شكك دبلوماسي أمريكي سابق في إمكانية التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع في الزمن المنظور. وقال تيبور ناجي المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية في تصريح لقناة الجزيرة الخميس، إن الحل الوحيد هو “ضمان عدم حصول كل من قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الجنرال محمد حمدان حميدتي (حميدتي) على مزيد من الأسلحة الإضافية وضبط دخول الموارد المالية إلى السودان”.

وأكد الدبلوماسي الأمريكي على أن “من لديه الذهب وموارد مالية تأتيه من دول الجوار لا بد أن يواصل الحرب”. تعيد تصريحات السفير تيبور ناجي إلى الواجهة مسألة الموارد المالية التي تمول الحرب الدائرة حاليا بين القائدين العسكريين، وتحديدا قضية الذهب وثروات السودان.

  • “ثروات السودان تستغل في حرب البرهان وحميدتي”

تدير عائلة حميدتي جزءا كبيرا من مناجم الذهب في السودان، ثالث أكبر منتج للمعدن الأصفر في أفريقيا، وبالتالي فحميدتي “يستطيع أن يدفع رواتب (عناصر الميليشيالت) يمكن لكثيرين في أفريقيا جنوب الصحراء مجاراته فيها”، حسبما قال الباحث أندريا كريغ من “كينغز كولدج” في لندن، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

تسمح عائدات الذهب بتمويل الميليشيات التي تشكل الاستعانة بها منذ عقود نشاطا مربحا في السودان. فقد لجأت الخرطوم إلى الميليشيات من قبل إما لتوكل لهم قمع الأقليات الإثنية وحركات التمرد المسلحة أو لإرسالهم للمشاركة في حروب في الخارج، تضيف وكالة الأنباءئ الفرنسية. واليوم، باتت قوات الدعم السريع لا تتوانى في نشر مقاطع فيديو على المنصات لمقاتلين في تشاد أو النيجر يعلنون دعمهم لها.

بدوره، قال البرهان إن “مرتزقة جاؤوا من تشاد و(جمهورية) أفريقيا الوسطى والنيجر” يقاتلون مع قوات الدعم السريع. وأكد الجيش أخيرا أنه قتل “قناصا أجنبيا”.

الأمر نفسه أورده موفد الأمم المتحدة إلى السودان فولكر بيرتيس. فقد صرح أن “عدد المرتزقة الذين جاؤوا من مالي وتشاد والنيجر بدعم من قوات الدعم السريع لا يستهان به”.

وأضاف الباحث أندريا كريغ أن “تشاديين انضموا فعلا خلال السنوات الأخيرة إلى قوات الدعم السريع من أجل الرواتب”.

وبلغة الأرقام، أشار أبو بكر الديب إلى أن السودان “أنتج عام 2022 ما يصل إلى 18,6 مليون طن من الذهب بزيادة قدرها 611 كيلوغرام عن 2019، لكن هذا لا يمثل سوى 50 بالمئة من إجمالي الإنتاج حيث تختفي النسبة الأخرى التي يتم إنتاجها بشكل غير رسمي. بلغ إنتاج منجم ’هاساي‘ لوحده منذ اكتشافه حوالي 14,09 مليون طن ذهب”.

ويضيف الديب: “تصل قيمة حصيلة إنتاج الذهب في السودان بالإمكانيات الحالية إلى نحو 5,5 مليار دولار سنويا، يجري نهب 4 مليارات دولار منها لصالح الأطراف المتصارعة. توجد مناجم الذهب في صحارى وجبال شرق نهر النيل وفي محاذاة البحر الأحمر وأعلى سلسلة جبال البحر الأحمر وأيضا في مناطق جبال النوبة ومنطقة كردفان ودارفور. لكن اتساع الحرب واستمرارها سيكبد الاقتصاد السوداني وخزينة الدولة خسائر كبيرة وتزيد من متوسط معدلات التضخم، التي بلغت نسبتها 700 بالمئة وسيفقد السودان 2,5 مليار دولار من عائدات الذهب”.

  • “شركات دولية تستحوذ على الذهب السوداني”

كما قال أبو بكر الديب إن “ذهب السودان يتميز بمعدلات تركيز عالية جدا إذ يحتوي كل طن من الخام المستخرج على 100 غرام من الذهب. هناك جهات دولية تعمل على سرقة ثروات السودان في غيبة من القانون الدولي”. وأوضح بأن الشركات العاملة في مجال التنقيب عن الذهب في السودان والبالغ عددها 423 شركة، “تستحوذ على حوالي 300 كلم مربع من أماكن الامتياز، عدا عما يتم إنتاجه بشكل غير رسمي”.

كما لفت الديب إلى أن “البنك المركزي السوداني أصدر في مارس/آذار 2022 تعميما لبنوك البلاد بحظر تصدير الذهب من الجهات الحكومية والأجانب الأفراد والشركات، وقصر عمليات التصدير على الشركات التي لديها امتياز عمل في مجال التعدين فقط، بل وقصر دور البنك المركزي في سوق الذهب على عمليات الشراء لبناء الاحتياطيات فقط”.

من جانبه، قال الرداد إن “السودان ينتج أكثر من 100 طن سنويا من الذهب يذهب منه فقط 30 طنا إلى خزينة الدولة فيما يتم تقاسم الباقي بين الرجلين القويين في البلاد، عبر خمس أو أكثر من خمس شركات تعمل في مجال التنقيب عن الذهب، تتبع هذه الشركات للصين، روسيا، إيطاليا، ودول أخرى. لكن الملفت للنظر هو أن روسيا تعمل عبر خطين متوازيين: شركات روسية تتبع للحكومة وأخرى تتبع لشركة فاغنر، ويبدو أن الأخيرة هي أحد أسباب الخلاف أيضا، يؤيد هذه الفرضية كون غالبية هذا الذهب يتم نقله بعد استخراجه إلى روسيا، وأيضا إلى الإمارات العربية المتحدة التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع السودان سواء مع الجيش أو قوات الدعم السريع”.

  • شبح فاغنر.. و”شركة خاصة لإمبراطورية حميدتي”

يساند مرتزقة فاغنر أيضا قوات الدعم السريع، حتى أن السودان بات بمثابة قاعدة خلفية أخرى لهم في المنطقة وكذلك مصدرا لتمويل المجموعة شبه العسكرية الروسية. فقد وقّعت مناجم الذهب التابعة لعائلة حميدتي عقودا مع شركات تعمل كواجهات لرئيس فاغنر يفغيني بريغوجين، وفق وزارة الخزانة الأمريكية.

في هذا الشأن، قال ألكس دوفال الخبير في الشؤون السودانية لوكالة الأنباء الفرنسية إن “المال والقتال قابلان للتبادل في السوق السياسية السودانية”. مضيفا أن “حميدتي يتاجر في الاثنين”. وهو يعتبر أن “قوات الدعم السريع باتت الآن شركة خاصة للمرتزقة عابرة للحدود وشركة لاستخراج وبيع الذهب والذراع المسلحة للإمبراطورية التجارية لحميدتي”. وفي حال ربح حميدتي الحرب “ستصبح الدولة السودانية فرعا لهذه الشركة العابرة للحدود” حسب نفس المصدر.

ووصلت بأن فاغنر إلى السودان منذ أكثر من عشرة سنوات، حيث كان نشاطها يقتصر على تدريب الدعم السريع فقد تطور ليشمل “الاستثمارات النوعية أو تحديث القوات والسلاح والمعدات”. 

(فرانس برس – اليراع)

الحرب تبدد الحياة الفنية الناشئة في السودان

القاهرة (رويترز) – مثل العديد من سكان العاصمة السودانية، اضطرت الرسامة ياسمين عبد الله إلى ترك أشياء كثيرة خلفها شملت معظم أعمالها عندما فرت من البلاد بسبب الحرب.

وقالت “اضطُررت للتخلي عن أشياء كثيرة والمغادرة بدون أن أعرف متى سأعود، أو ما إذا كانت الأشياء التي تركتها ستكون موجودة عندما أعود”.

وأضافت “نحو 20 قطعة فنية، وسنوات من الخبرة الفنية، ومسودات لرسومات، ولوحات، كل شيء حرفيا”.

وسرعان ما اجتاح الصراع بين الطرفين المتناحرين الخرطوم منذ 15 أبريل نيسان وأدى إلى تقطع السبل بالمدنيين بسبب القصف الجوي والمعارك البرية وأعمال السرقة والنهب.

وياسمين جزء من مشهد فني أبطاله من الشبان، اكتسب زخما من الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس السابق عمر البشير، قبل أن يتبدد بعد ذلك بأربع سنوات بسبب الحرب.

والفنانة السودانية حبلى في شهرها التاسع الآن، لذا كان بقاؤها في مدينة تشهد انقطاعا في الكهرباء وانهيارا في الخدمات الصحية صعبا للغاية.

وقالت “تعرض المركز الصحي القريب من منزلي للقصف في نفس اليوم الذي كان من المقرر أن أجري فيه فحصا روتينيا. وحينها أدركت أنا وزوجي أنه ليس من الأمان البقاء هناك”.

وتقيم ياسمين وزوجها الآن في مدينة شندي على بعد 150 كيلومترا إلى الشمال من الخرطوم وتعتزم الولادة هناك ثم مغادرة السودان.

* “صرخات صامتة”

خضعت الأنشطة الثقافية والاجتماعية لرقابة صارمة في ظل حكم البشير. وعندما أطيح به في عام 2019، شهدت البلاد انتفاضة ثقافية شملت رسم جداريات في الشوارع وانتشار الموسيقى المعاصرة.

وقال رحيم شداد (28 عاما)، الذي شارك في تأسيس معرض داون تاون في الخرطوم عام 2019 “لطالما تعرضنا للقمع، لا سيما في عهد البشير… الفنانون أُجبروا على البقاء داخل هذه الفقاعات، وأطلقوا صرخات صامتة”.

وأضاف “الثورة غيرت كل شيء، لكنها في الغالب أدت إلى ظهور جيل جديد من الفنانين”.

وتمكن معرض شداد من جمع ما يزيد قليلا عن 8500 دولار من أصل 30 ألفا كانت مطلوبة لدعم الفنانين ماليا خلال الحرب.

ويرفض محمد يوسف، وهو واحد من 70 شخصا يساعدهم المعرض، مغادرة الاستوديو الخاص به في مدينة أم درمان حيث نشأ.

وقال يوسف “أضطلع بدوري الخاص كمبتكر، ولدي رسالتي الخاصة أيضا بصفتي رائدا في المجتمع، ومن هذا المنطلق أود أن أُبدع”.

فيما تفرقت بفنانين آخرين السبل.

ومكث خالد عبد الرحمن، المعروف بلوحاته المنمقة التي تصور أحياء الخرطوم، بضعة أيام في وسط المدينة عندما نشبت الحرب قبل أن ينقل أسرته إلى الضواحي الجنوبية للعاصمة.

وانتقل بعد ذلك إلى مدينة وادي حلفا على بعد 30 كيلومترا من الحدود المصرية التي يأمل في عبورها خلال الأسابيع المقبلة.

وقال “أحتاج تأشيرة دخول إلى مصر حتى أتمكن من العمل مرة أخرى”.

وفر الرسام وأستاذ الفنون المتقاعد صلاح عبد الحي مع زوجته وابنتيه إلى مصر. وقبل مغادرته السودان، نزع بعض اللوحات من إطاراتها وحملها معه إلى القاهرة لكنه ترك أعمالا أكبر حجما وراءه.

وقال “نخشى على كل التراث والفنون الجميلة والموسيقى في السودان، على كل شيء. هؤلاء الناس يمكنهم تدمير كل شيء”.

من المسؤول عن الاعتداء على المحاكم وإتلاف الملفات

أفادت مجموعة “محامو الطوارئ”، بأنه تم استهداف محاكم في مناطق مختلفة بالعاصمة السودانية الخرطوم بالقصف والنهب والسرقة والتدمير وإتلاف الملفات، وذلك خلال الفترة التي شهدت فيها البلاد صراعاً عسيراً وفرار آلاف السجناء.
وأشارت المجموعة، إلى أن “هذه الأعمال العدائية تنذر بضياع حقوق المتقاضين وتؤدي إلى انهيار المنظومة العدلية والقضائية بالبلاد”.
من جانبه، أكد عضو المجموعة والمحامي عثمان البصري، في تصريحات مع 

قناة العربية، أن “الملفات المحفوظة بالمحاكم تتعلق بالسجناء المحكومين أو المنتظرين، وأن تدمير المحاكم يؤدي إلى محو أي أثر يخص السجناء، بما في ذلك رموز النظام السابق”.

أعمال عدائية

وأضاف البصري، أن “الملفات تحمل بواسطة الشرطة من النيابة للمحكمة، وعند إيداعها أمام المحكمة لا تحتفظ الشرطة أو النيابة بأي نسخة من الملفات، مما يجعل تدمير المحاكم يؤثر بشدة على حقوق المتهمين والمنتظرين”.
وأشار إلى أن هذه الأعمال العدائية ترتبط بوجود استهداف خاص للمؤسسات القضائية والعدلية لمحو آثار الجرائم المرتكبة وطمس الحقائق وإخفاء الأدلة وإضاعة الحقوق العامة والخاصة، وذلك لاستمرار نهج الإفلات من العقاب.
وأوضح أن “تلك التجاوزات الخطيرة تنذر بضرورة الحفاظ على المنظومة العدلية والقضائية في البلاد، وعدم السماح بتدميرها أو التعرض لها بأي شكل من الأشكال”.

 

حلول سياسية

وأكد البصري، أنه “بعد اقتحام أقسام الشرطة والنيابة والمحاكم، لا توجد جهة أخرى تحتفظ بأوراق القضايا، بما فيها ملفات رموز العهد السابق، مما يجعل من الضروري حماية هذه المؤسسات والحفاظ على سلامة الملفات القضائية لحماية حقوق الجميع وضمان تقديم العدالة”.
وأشار إلى أن “تدمير المحاكم والمؤسسات العدلية ينذر بضياع حقوق المتقاضين وتؤدي إلى انهيار المنظومة العدلية والقضائية في البلاد، مما يتطلب العمل الجاد لحماية هذه المؤسسات والحفاظ على سلامة الملفات القضائية”.
وفي ختام حديثه، دعا البصري إلى ضرورة إيجاد حلول سياسية للأزمة الحالية في السودان، تحقق الاستقرار والأمن وتضمن حقوق الجميع وتعيد بناء المؤسسات الحكومية والعدلية والقضائية في البلاد.
وتدخل الهُدنة المعلنة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يومها الأخير، في وقت ارتفعت معدلات استهداف المحاكم بالخرطوم وحرق وتمزيق ملفات المتهمين،

 

أعمال عنف

ومنذ بدء اقتتال العسكر منتصف أبريل/ نيسان الماضي، قصفت مباني رئاسة السلطة القضائية بالسودان، ومحكمة جنايات الخرطوم شمال، ومكتب أراضي الخرطوم شمال، والمحكمة الجزئية بالخرطوم.
كما نهبت مباني قسم شرطة الأزهري، ومحكمة جنايات أمبدة ومحكمة أمدرمان غرب السوق الشعبي. كذلك نهبت مجمع محاكم دار السلام وأضرمت النيران فيه، ونهبت أيضا تسجيلات الأراضي بدار السلام بأمدرمان قبل تدمير مقرها وإتلاف ملفاتها وسجلاتها الرسمية بالكامل.
وأخيراً نهبت محكمة جنايات محكمة مكافحة الفساد ومخالفات المال العام وأتلفت ملفات القضايا قبل إضرام النيران داخلها، وتنظر هذه المحكمة بالذات في قضايا فساد مالي لقادة بارزين بالنظام السابق بينهم العقل المدبر للنظام ونائب البشير الأسبق علي عثمان محمد طه الذي فرّ مع قادة النظام من السجن، وذلك بعد قضائه قرابة الأربعة أعوام خلف القضبان.
وتتواصل منذ 15 أبريل/ نيسان الماضي، 

اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق، بين قوات الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، في مناطق متفرقة من السودان، تركزت معظمها في العاصمة الخرطوم، مخلفة المئات من القتلى والجرحى بين المدنيين، في حين لا يوجد إحصاء رسمي عن ضحايا العسكريين من طرفي النزاع العسكري.

وتوصل الجانبان، بوساطة أمريكية سعودية، إلى اتفاق هدنة تسري لمدة أسبوع اعتبارا من مساء الإثنين 22 مايو/ آيار الجاري، إلا أن أجواء التوتر والاشتباكات المتقطعة لا تزال مستمرة رغم الهدنة.
وأعلن المبعوث الأممي إلى السودان، فولكر بيرتس، مقتل 900 شخص بينهم أطفال، وإصابة 3500 آخرين في السودان جراء الاشتباكات المسلحة، متهمًا طرفي الصراع بانتهاك القانون الإنساني الدولي.
وكالة اسبوتنك الروسية -قناة العربية

“الوضع صعب شديد وبيزيد”… عشرات الأطفال يموتون في دار المايقوما للأيتام

(رويترز) – في الأيام التي تلت اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في العاصمة السودانية الخرطوم، كانت الطبيبة عبير عبد الله تهرع بين الغرف في أكبر دار للأيتام في السودان في محاولة لرعاية مئات الرضع والأطفال الصغار بعد أن تسبب القتال في منع غالبية الموظفين من الحضور.

وروت عبير كيف كانت صرخات الأطفال تدوي في أنحاء دار رعاية الطفل اليتيم كبيرة المساحة والمعروفة باسم دار المايقوما بينما كانت النيران الكثيفة تهز المناطق المحيطة.

ثم عرف الموت طريقه إلى الدار. وكان هناك أطفال رضع في الطوابق العليا من دار الأيتام التي تديرها الدولة. وقالت الطبيبة إنهم تعرضوا لسوء تغذية حاد وجفاف بسبب عدم وجود عدد كاف من الموظفين لرعايتهم. وأضافت أن عيادتها الطبية في الطابق الأرضي كانت تستضيف عددا من الأطفال حديثي الولادة الضعاف وتوفي بعضهم بعد إصابتهم بحمى شديدة.

وقالت عبير التي تشغل منصب المديرة الطبية لدار المايقوما عبر الهاتف من مقر عملها “هم كانوا يحتاجوا رضعة كل ثلاث ساعات. ماكنش في حد”.

وأضافت بينما كان بالإمكان سماع صرخات الأطفال في الخلفية “حاولنا نعملهم مغذيات بس في معظم الأحيان ما قدرنا ننقذ الأطفال دول”.

وقالت عبير إن معدل الوفيات اليومي ارتفع إلى حالتين وثلاث وأربع حالات وأكثر من ذلك. وأضافت أن ما لا يقل عن 50 طفلا، من بينهم 20 رضيعا على الأقل، توفوا في دار الأيتام في الأسابيع الستة منذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل نيسان. وقالت إن 13 طفلا على الأقل منهم توفوا يوم الجمعة الموافق 26 مايو أيار.

وأكد مسؤول كبير في دار الأيتام هذه الأرقام وقال جراح تطوع للعمل بالدار خلال الحرب إن عشرات الأيتام توفوا. وقال كلاهما إن الوفيات كانت في الغالب لحديثي الولادة وآخرين تقل أعمارهم عن عام. وأشار الثلاثة جميعهم إلى سوء التغذية والجفاف والإنتان (تعفن الدم) كأسباب رئيسية للوفيات.

وحدثت وفيات جديدة في اليومين الماضيين. واطلعت رويترز على سبع شهادات وفاة مؤرخة بتاريخي السبت والأحد قدمتها هبة عبد الله وهي يتيمة أصبحت فيما بعد واحدة من مقدمات الرعاية بالدار. وذكرت شهادات الوفاة أنهم توفوا جميعا نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية، كما ساهمت الحمى أو سوء التغذية أو الإنتان في وفاتهم جميعا باستثناء حالة واحدة.

وقالت الطبيبة عبير إن مشاهد الأطفال الضحايا في أسرتهم كانت “مفزعة ومؤلمة جدا”.

وتحدثت رويترز إلى ثمانية أشخاص آخرين زاروا دار الأيتام منذ بدء الصراع أو كانوا على اتصال بزوار آخرين. وقال جميعهم إن الأوضاع تدهورت بقدر كبير وإن عدد الوفيات ارتفع.

وكان من بين هؤلاء صديق الفريني مدير عام وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم وهي الجهة التي تشرف على مراكز الرعاية بما في ذلك الميزانية والتوظيف والإمدادات. واعترف بارتفاع عدد الوفيات في دار المايقوما وعزا ذلك بشكل رئيسي إلى نقص الموظفين وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر بسبب القتال. فبدون تشغيل مراوح السقف ومكيفات الهواء تصبح الغرف ساخنة بشكل خانق في ظل حر شهر مايو أيار في الخرطوم، كما يجعل انقطاع الكهرباء تعقيم المعدات أمرا صعبا.

وأحال الفريني وزينب جودة مديرة دار المايقوما الأسئلة المتعلقة بالعدد الإجمالي للوفيات إلى الطبيبة عبير. وقالت زينب إنها كانت على علم بأكثر من 40 حالة وفاة. وأضافت لرويترز أن القتال أبقى مقدمات الرعاية المعروفات باسم المربيات وغيرهن من الموظفين بعيدا عن الدار في الأيام الأولى من الصراع. وقالت إن مناقشات كانت تجري حتى يوم الجمعة الموافق 26 مايو أيار حول إجلاء الأيتام من الخرطوم.

وقال محمد عبد الرحمن مدير الطوارئ في وزارة الصحة السودانية إن فريقا يحقق فيما يحدث في دار المايقوما وسيصدر النتائج فور الانتهاء من التحقيق.

ولا تزال المنطقة خطرة. وفي مطلع الأسبوع الجاري استهدفت الضربات الجوية والمدفعية المنطقة التي تقع فيها دار الأيتام وفقا لما قالته الطبيبة وأكده اثنان آخران. وقالت مقدمة الرعاية هبة عبد الله إنه كان من الضروري إجلاء الأطفال من إحدى غرف دار الأيتام عقب وقوع انفجار في مبنى مجاور.

* ضحايا مجهولون

أطفال دار المايقوما من بين الضحايا المجهولين للصراع الدائر في السودان. ووفقا للأمم المتحدة أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 700 شخص وإصابة آلاف آخرين ونزوح قرابة 1.4 مليون شخص إلى أماكن أخرى داخل السودان أو إلى دول مجاورة.

ومن المرجح أن يكون العدد الحقيقي للقتلى أعلى. وتعطل العمل في العديد من المكاتب الصحية والحكومية المعنية بتتبع عدد القتلى في الخرطوم التي يتركز فيها القتال. وسجلت وزارة الصحة بشكل منفصل وفاة مئات الأشخاص في مدينة الجنينة بإقليم دارفور الذي اندلع فيه القتال أيضا.

وتفجر الصراع في الخرطوم يوم 15 أبريل نيسان بين الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة السودانية والفريق أول محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية والشهير باسم حميدتي. وكان الرجلان يستعدان للتوقيع على اتفاق إطاري يحدد ملامح عملية انتقال سياسي جديدة نحو انتخابات تحت قيادة حكومة مدنية. وأطاحا معا بحكومة مؤلفة من مدنيين في انقلاب عسكري في أكتوبر تشرين الأول 2021.

ووقع الجانبان في 20 مايو أيار اتفاقا لوقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام للسماح بوصول المساعدات الإنسانية. وساهم الاتفاق في تحقيق بعض الهدوء بعد قتال محتدم في العاصمة السودانية لكن حجم وصول المساعدات زاد بمقدار طفيف.

ولم يرد ممثلو الجيش وقوات الدعم السريع على طلبات للتعليق.

ويُعد السودان، الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 49 مليون نسمة، من أفقر دول العالم. وأضر القتال بخدمات الرعاية الصحية الضعيفة أصلا وبخدمات أساسية أخرى بما في ذلك المستشفيات والمطارات. وكان ما يقرب من 16 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية قبل بدء الحرب. وتقول الأمم المتحدة إن هذا الرقم قفز الآن إلى 25 مليونا. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية توقف أكثر من ثلثي المستشفيات في مناطق القتال عن العمل.

وقال عماد عبد المنعم مدير مستشفى الدايات، أكبر مستشفى للولادة في السودان، إن العاملين بالمستشفى اضطروا إلى الانتقال إلى أماكن أخرى في أواخر أبريل نيسان بسبب الصراع. وأضاف أن العاملين نقلوا عددا كبيرا من المرضى لكنهم اضطروا إلى ترك البعض وراءهم مثل المرضى اللذين يعتمدون على أجهزة التنفس الصناعي أو يرقدون في الحاضنات. وكان إجلاؤهم يستدعي توفير سيارات إسعاف جيدة التجهيز وهو ما لم يكن متوفرا. وقال إن نحو تسعة أطفال ماتوا، بالإضافة إلى عدد غير محدد من البالغين في وحدة العناية المركزة. وأكد مصدران آخران أن بعض المرضى تركوا في المستشفى لكن قالا إنهما لا يعرفان معلومات عن الوفيات.

ولدى سؤاله عن الوفيات في مستشفى الولادة، قال محمد عبد الرحمن مدير الطوارئ في وزارة الصحة إنه لا يعلم بوفاة أي من المرضى وشكك في ترك مرضى بالمستشفى وامتنع عن الخوض في تفاصيل.

ومما يؤكد التداعيات الصحية على السودانيين من مختلف الأعمار، حدثت وفيات أيضا في أحد مراكز رعاية المسنين بالخرطوم وفقا لما قاله موظف الرعاية رضوان علي نوري. وقال إن خمسة من المسنين المقيمين في مركز الضو حجوج لقوا حتفهم بسبب الجوع ونقص الرعاية. وقدم نوري صورة واحدة لما قال إنها جثة مغطاة لأحد النزلاء الذين ماتوا في ذلك الصباح.

وقال الفريني إن الوفيات المبلغ عنها في مركز رعاية المسنين ضمن “المعدل الطبيعي” ونفى وفاة أي من النزلاء بسبب الجوع.

وقال عطية عبد الله السكرتير العام للجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان إن عدد القتلى جراء أعمال العنف لا يمثل سوى جزء بسيط من أولئك الذين يلقون حتفهم بسبب الأمراض. وقال “الوضع الصحي يتدهور كل يوم”.

* أطفال بلا رعاية

تُعرف دار المايقوما للأيتام رسميا باسم دار رعاية الطفل اليتيم وهي عبارة عن مبنى مؤلف من ثلاثة طوابق في وسط الخرطوم وتقع على مقربة من مناطق القتال.

ويقول عاملون في الدار ومتطوعون إن وابلا من الرصاص أمطر المبنى. وقال أحد الأطباء إن الأطفال كانوا ينامون على الأرض في الأيام الأولى من القتال لإبعادهم عن النوافذ.

وتأسست دار المايقوما في عام 1961، وتستقبل عادة مئات الأطفال سنويا، وفقا لمنظمة أطباء بلا حدود الخيرية التي تدعم الدار. ويمثل إنجاب طفل خارج إطار الزواج وصمة عار في السودان الذي يشكل المسلمون أغلبية سكانه.

وتعاني الدار حتى من قبل اندلاع الصراع. وكانت تؤوي نحو 400 طفل دون سن الخامسة والكثير منهم من الرضع. ويعيش الأيتام في عنابر مكدسة في الدار، وتضم كل غرفة 25 طفلا في المتوسط، وغالبا ما يحمل السرير الواحد اثنين أو ثلاثة من الرضع حسبما قال مسؤول بالدار وممرضات من منظمة أطباء بلا حدود كن يعملن في دار المايقوما العام الماضي. وقال هؤلاء إن الأطفال يصلون في الغالب إلى الدار في حالة صحية سيئة.

وسجلت دار الأيتام موجات من الزيادات الحادة في حالات الوفاة على مر السنين. وعانت من مشكلات تتعلق بالنظافة وتدني أجور العاملين ونقص الموظفين ونقص التمويل اللازم للعلاج في المستشفيات، وفقا لأطباء بلا حدود.

وسجلت دار المايقوما معدل وفيات بلغ 75 بالمئة في عام 2003، وفقا لمنظمة أطباء بلا حدود التي تدخلت لمساعدة دار الأيتام في ذلك العام. وقالت السلطات لرويترز إن 77 طفلا توفوا في دار المايقوما في سبتمبر أيلول عام 2007، وهو ما عزته منظمة خيرية كانت تساعد دار الأيتام في ذلك الوقت إلى استقبال الدار لعدد كبير من الأطفال الذين كانوا يعانون من الضعف.

وتقول منظمة أطباء بلا حدود إنها تدخلت للمساعدة مرة أخرى في عامي 2021 و2022 بعد أن وصل متوسط عدد الوفيات إلى ما يقرب من 12 في الشهر، إذ قدمت دعما ماليا إضافيا من أجل سداد أجور مقدمي الرعاية ونقل الأطفال المرضى إلى المستشفيات. وبحسب المنظمة، تراجعت أعداد الوفيات إلى النصف تقريبا خلال تلك الفترة.

وعندما اندلع القتال، ظل معظم موظفي دار الأيتام في منازلهم. وعانت دار المايقوما من نقص العمالة لدرجة أنه لم يكن هناك سوى نحو 20 مربية لرعاية نحو 400 طفل، بحسب دعاء إبراهيم الطبيبة في دار الأيتام. وقالت هي وآخرون إن هذا يعني أن كل مربية مسؤولة عن رعاية 20 طفلا مقابل معدل مربية لكل خمسة أطفال في الظروف الطبيعية.

وقالت الطبيبة “أنا كنت أوقات أكون ناني (مربية) وممرضة وطبيبة بأكل في طفل وأعطي مضاد حيوي لآخر واغير حفاظات ليهم”. وأضافت أنها كانت تسأل نفسها إذا حصلت على قسط من الراحة “كم بيكون فيهم متوفي لما أصحي؟”.

وقالت إنه سرعان ما سقطت مصابة بالإرهاق والحمى واضطرت لمغادرة دار المايقوما بعد أربعة أيام من بدء الحرب. وطلبت من الله العفو إذا كان هناك أي تقصير من جانبهم.

* “نفقد يوميا في أطفال”

زاد التوتر مع استقبال الدار للمزيد من الأطفال. وتقول الطبيبة عبير إن مركزين للرعاية أرسلا عشرات الفتيات والصبية الأكبر سنا إلى دار المايقوما في الأسبوع الأول من الصراع، كما أعادت مستشفيات نحو عشرة رضع كان الفريق الطبي بالدار أرسلهم للعلاج.

ويقول الجراح عبد الله آدم الذي تطوع للعمل في الدار في الأسابيع الخمسة الأولى بعد اندلاع القتال إنه أطلق في الأسبوع الأول من الصراع نداء عبر الإنترنت لمناشدة الناس للمجيء للمساعدة في تغذية الأطفال. وأضاف أن بعض المتطوعين استجابوا لكن لم يكن من بينهم أطباء أطفال.

وقال إن استمرار القتال يعني أن الإمدادات ستظل شحيحة وأن العاملين سيجدون صعوبة في العودة خوفا من التعرض لحوادث وسط تبادل إطلاق النار. وصمت بينما كان يتحدث مع رويترز عبر الهاتف في العاشر من مايو أيار ليتيح سماع دوي القصف.

وقال آدم “هي الخرطوم حاليا بقت كلها منطقة عسكرية بالمناسبة. فأكيد ما في واحد هيتجرأ علشان يمشي يطلع خاصة بداية الضربة”.

وقال مسؤول بالدار وأيضا الطبيبة دعاء إن عدد مقدمي الرعاية لا يزال غير كاف بالنسبة لعدد الأطفال الذين يبقون بحفاضاتهم دون تغيير لفترة مما يجعلهم عرضة للطفح الجلدي والالتهابات والحمى. كما تتفاقم معاناة الأطفال وسط حرارة الخرطوم الشديدة التي وصلت في بعض الأحيان إلى نحو 43 درجة مئوية هذا الشهر.

وكانت منظمة “حاضرين” غير الحكومية، التي تساعد في جمع التبرعات لدار المايقوما من أجل سداد أجور العاملين وتوفير الإمدادات، قالت في منشور على فيسبوك في 16 مايو أيار “نفقد يوميا أطفالا ما بين عمر ستة أشهر لسنة ونصف. نفس الأعراض، حمى شديدة لا تجدي معها نفعا كل محاولات الطاقم الطبي والنتيجة بعد أقل من أربع ساعات أرواح بريئة تذهب لرب أكرم منا”.

ويجري تكفين الأطفال المتوفين في غرفة بالقرب من بوابات دار الأيتام، حسبما قال المسؤول والطبيبة دعاء.

وقالت المتطوعة مرين النيل التي تطوعت في الدار في الأسابيع الماضية إن الحرب تطارد الأطفال حتى بعد الوفاة. وأوضحت أن الأمر المعتاد كان دفن من يتوفى من الأيتام في جبانة تقع إلى الغرب من دار المايقوما، لكن الوصول إليها أصبح خطيرا للغاية. وقال المسؤول في دار المايقوما إن العاملين بدأوا يدفنون الأطفال المتوفين في موقع آخر إلى الشمال الشرقي من الدار.

وقالت الطبيبة عبير عبر الهاتف يوم الخميس إن نقل الجثامين إلى هناك صار خطيرا أيضا. وأضافت أن العاملين دفنوا طفلين في ساحة بالقرب من دار الأيتام يوم الأربعاء. وأضافت أن ستة مدنيين قتلوا جراء قصف قريب دفنوا بنفس الطريقة في الساحة أيضا.

وقالت “الوضع صعب شديد وبيزيد”.

استثمارات دول الخليج بالسودان.. حجمها ومصيرها

إسطنبول / الأناضول

ـ أكثر من 50 مليار دولار استثمارات خليجية في السودان جلها في القطاع الزراعي
ـ الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تهدد الأمن الغذائي الخليجي

 

أكثر من 50 مليار دولار من الاستثمارات الخليجية في السودان خاصة في القطاع الزراعي، أصبحت مهددة مع تصاعد القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية.

وإذا طالت حرب السودان التي اندلعت منتصف أبريل/نيسان الماضي، فمن شأن ذلك أن يرفع فاتورة الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي التي قفزت من 25.8 مليار دولار في عام 2010 إلى 53.1 مليار دولار عام 2020، وفق تقرير مركز “تريندز للبحوث والاستشارات”.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تضاعفت أسعار الغذاء، خاصة وأن البلدين من كبار مصدري الحبوب في العالم، وإذا توقفت صادرات الغذاء السودانية من التدفق إلى السوق الخليجية فإن الأزمة ستصبح مضاعفة.

لماذا استثمرت دول الخليج بالسودان؟

لجأت الدول الخليجية للاستثمار الزراعي في السودان لما يتوفر عليه من أراض خصبة ومياه وفيرة ومناخ متنوع، بينما تعاني هذه الدول من شح الموارد المائية ومناخها الصحراوي الجاف ومحدودية المساحات الصالحة للزراعة وقلة المراعي.

وتستورد دول الخليج الجزء الأكبر من غذائها من الخارج بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي الذي يستنزف كميات كبيرة من مياهها الشحيحة، خاصة محاصيل الأرز، الذي يعتبر الوجبة الرئيسية في المنطقة.

في حين يمثل الاستثمار في السودان الخيار الأكثر نجاعة من الناحية الاقتصادية، نظرا لانخفاض تكلفته، بسبب وفرة المياه والأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة.

يضاف إلى ما سبق، قرب المسافة مقارنة بالأسواق الآسيوية أو أسواق أمريكا اللاتينية، ما يقلل تكلفة النقل وبالتالي تراجع السعر النهائي للمنتوج المستورد.

وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية بالسودان أكثر من 175 مليون فدان (الفدان يساوي 4200 متر مربع)، أي أكثر من 18 ضعف مثيلتها في مصر، والتي لا تزيد عن 9.4 ملايين فدان.

أما بالنسبة للموارد المائية، فحصة السودان من مياه نهر النيل وإن كانت لا تزيد عن 18 مليار متر مكعب سنويا (حصة مصر 55.5 مليار متر مكعب)، إلا أن استهلاكها من مياه النيل لا يتجاوز 14 مليار متر مكعب سنويا، بينما لا يستغل 4 مليارات متر مكعب المتبقية، وفق مسؤولين سودانيين.

ناهيك عن كميات ضخمة من مياه الأمطار، التي تبلغ نحو 400 مليار متر مكعبٍ سنويا في المتوسط، ومياه جوفية، وعدد من السدود، وعلى رأسها سد مروي في الولاية الشمالية، أحد أكبر السدود في إفريقيا.

يضاف إلى كل ذلك، 52 مليون فدان من الغابات والمراعي، التي تسمح بتربية المواشي، والتي يفوق عددها 110 ملايين رأس، ويعمل نحو 80 بالمئة من السكان في القطاع الزراعي والرعي، لذلك يلقب السودان بسلة غذاء العالم.

أموال الخليج مع وفرة المياه والأراضي الزراعية في السودان، يكملان بعضهما البعض من أجل تحقيق الأمن الغذائي العربي، وهذا ما يفسر عشرات مليارات الدولارات من الاستثمارات الخليجية، وبالأخص في القطاع الزراعي.

استثمارات خليجية ضخمة

خلال الأعوام العشرة الأخيرة، استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي ما لا يقل عن 53 مليار دولار، الجزء الأكبر منها في القطاع الزراعي.

وجاءت السعودية في المرتبة الأولى باستثمارات بلغت نحو35.7 مليار دولار، تركز معظمها بقطاع الزراعة، حيث دعمت الاستثمارات السعودية 250 مشروعا في السودان.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وعد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بضخ 3 مليارات لمشروعات صندوق الاستثمار في السودان تليها دفعات أخرى.

كما تستورد السعودية كميات كبيرة من المنتجات الزراعية ورؤوس الماشية من السودان، خاصة في عيد الأضحى، وهذا ما يفسر وصول المبادلات التجارية بين البلدين إلى 8 مليارات دولار، وهو رقم يندر أن يسجل بين بلدين عربيين.

من جهتها تستثمر الإمارات 7 مليارات دولار بالسودان، منها 6 مليارات دولار في القطاع الزراعي، بحسب وسائل إعلام عربية بينها قناة CNBC عربية.

الكويت هي الأخرى استثمرت بالسودان 7 مليارات دولار، لكن أشهر استثماراتها تعود لشركة زين للاتصالات؛ فيما استثمرت قطر 4 مليارات دولار في الزراعة وتربية المواشي والتعدين والعقارات.

ولا توجد أرقام توضح حجم استثمارات سلطنة عمان ومملكة البحرين في السودان، لكن سبق للبحرين أن حصلت على رخصة لاستثمار قطعة أرض زراعية مساحتها 100 ألف فدان منذ يونيو/حزيران 2013.

إلا أن المشروع تأخر تنفيذه رغم إقراره مجددا في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وفق وسائل إعلام سودانية وبحرينية.

أما سلطنة عمان، فأعلنت في 2017 حصولها على أرض زراعية من السودان لاستثمارها في إنتاج الأعلاف الخشنة (حبوب الذرة الصفراء، والشعير، وفول الصويا) بالنظر للعجز الذي تعاني منه في إنتاج الأعلاف الحيوانية، والذي يقدر بنحو 47 بالمئة في 2016، والحد من استهلاك المياه الجوفية.

غير أن إعلام سوداني تحدث عن مساحات واسعة ممنوحة لشركات ودول عربية، لكنها لم تجد طريقها للاستثمار أو لم يستثمر سوى جزء منها.

الأمن الغذائي الخليجي مهدد

بفضل استثمار عشرات مليارات الدولارات في إنتاج المحاصيل الزراعية وأعلاف الحيوانات، بالإضافة إلى تربية المواشي تمكنت دول الخليج من تأمين حصة من أمنها الغذائي عبر السودان.

غير أن الحرب المندلعة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تهدد بشكل غير مباشر الأمن الغذائي الخليجي، وتعطل نشاط الاستثمارات في مناطق الاشتباكات.

فالأجواء السودانية مغلقة حتى نهاية مايو/أيار الجاري، والطريق المؤدية من الخرطوم إلى ميناء بورتسودان على سواحل البحر الأحمر خطرة ويصعب من خلالها شحن الصادرات الزراعية والحيوانية إلى دول الخليج وبالأخص السعودية، مع اقتراب موسم الحج والأضاحي.

ويتزامن توقف الصادرات الزراعية والمواشي السودانية نحو دول الخليج، مع ارتفاع أسعار الغذاء عالميا خاصة القمح والأرز، بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

هذا الوضع من شأنه أن يدفع دول الخليج إلى استيراد الحبوب والأعلاف والمواشي من أسواق بعيدة وبأسعار أعلى من نظيرتها بالسودان، ما سيرفع من فاتورة الغذاء بل من شأن ذلك أن يهدد الأمن الغذائي الخليجي.

وليس من المستبعد أن تلقي السعودية ودول الخليج ثقلها لتهدئة الأوضاع في السودان، وحماية استثماراتها واستئناف الصادرات الزراعية والمواشي، وأيضا الذهب الخام، لحماية أمنها الغذائي.

الأطفال يدفعون ثمنا باهظا للصراع في السودان ويكتوون بناره

القاهرة (رويترز) – بعد أن نجت لأسابيع من القتال الدائر في الخرطوم، تمكنت سناء محمود أخيرا من نقل أسرتها إلى بر الأمان في القاهرة لكنها تقول إن ابنتها ما زالت تستيقظ أثناء الليل وهي تصرخ بسبب ذكريات إطلاق النار والضربات الجوية في الحي السكني الذي كانت تقطنه في العاصمة السودانية.

وقالت سناء من ملجأ في القاهرة لاذت به مع ابنتيها “شافوا بعينيهم.. احنا في البيت قاعدين الطلقات تقع عندنا في البيت. وشافوا الأحداث وشافوا الحريق… شافوا مناظر بشعة”.

وأضافت “لحد دلوقتي تصرخ بالليل. بالليل بتعيط بتقولي ليه الناس دي يريدوا يقتلونا؟”

وحكت سناء كيف كانت تهرع ابنتها إليها فزعا في الخرطوم كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية وهي تحوم في السماء خوفا من أن يكونوا في خطر.

وقصة سناء ليس سوى نزر يسير من صدمة يعانيها مئات الآلاف من الأطفال في السودان حيث يخوض الجيش وقوات الدعم السريع صراعا منذ أسابيع أودى بحياة المئات.

ويقول صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن 368 ألف طفل اضطروا لترك منازلهم في السودان وإن 82 ألفا آخرين فروا إلى بلدان مجاورة. ويقدر أن 190 طفلا قُتلوا في أول عشرة أيام من الحرب وأصيب 1700.

وقالت مانديب أوبراين مديرة يونيسيف في السودان لرويترز “قبل الصراع كان لدينا بالفعل سبعة ملايين طفل بلا تعليم في سن الالتحاق بالمدارس وتتراوح أعمارهم بين 6 و18 عاما. كان لدينا بالفعل 611 ألف طفل تحت سن الخامسة ويعانون من سوء التغذية الحاد الشديد وثلاثة ملايين طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية إجمالا”.

وأضافت “وفي ظل هذا الصراع شهدنا إغلاقا للمدارس والمؤسسات التعليمية في عموم البلاد”.

وأردفت قائلة “يعيش الأطفال محنة رهيبة خاصة في المناطق الساخنة في هذا الصراع بسبب القصف المستمر وتبادل إطلاق النار. شهدنا هذا وعايشناه بأنفسنا”.

وفي مدينة بورتسودان التي تطل على البحر الأحمر وفر الآلاف إليها أملا في الإجلاء، تطوعت مجموعة من الفنانين لتنظيم أنشطة ترفيهية للأطفال بغية تخفيف الضغوط عنهم وحرصا على صحتهم النفسية.

وقالت رشا محمد طاهر رئيسة قسم الصحة النفسية التابع لوزارة الصحة السودانية في ولاية البحر الأحمر “عندنا كمية من الحالات .. أطفال عندهم اضطراب ما بعد الصدمة. تمت إحالتهم إلى المستشفى النفسي والآن عندنا حالات أيضا من ناس كبار”.

وأضافت “حاليا اللي نقدر نقدمه للأطفال هو إننا ندعمهم ونخفف عنهم عبء الأثر النفسي السيء عليهم”.

قاعدة “وادي سيدنا الجوية”.. مفتاح نجاح أو فشل أي انقلاب عسكري

إسطنبول: تعد السيطرة على قاعدة وادي سيدنا الجوية مفتاح نجاح أو فشل أي انقلاب عسكري في السودان، وبدون تحييدها لا يمكن إخضاع العاصمة الخرطوم. واليوم تلعب قاعدة وادي سيدنا الجوية، دورا استراتيجيا في المعارك الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، كما لعبته طيلة نصف قرن مضى.
فقاعدة وادي سيدنا الجوية، التي تقع شمالي أم درمان، على بعد 22 كلم من مركز العاصمة السودانية الخرطوم، تضم مطارا مدنيا، وبالمحاذاة منها تقع الكلية الحربية بمعاهدها المتخصصة مثل المشاة والمظليين، وأيضا “مجمع الصافات للتصنيع العسكري”، المتخصص في الصيانة والصناعة والتطوير والتحديث لمختلف أشكال الطائرات المدنية والعسكرية.
وتلعب قاعدة وادي سيدنا الجوية، الدور الأبرز في هجمات الجيش على قوات الدعم السريع، وخاصة معسكرات القوات داخل الخرطوم الكبرى (نحو 11 معسكرا)، ونقاط تمركزها بالمحاور الاستراتيجية وبالأخص رؤوس الجسور، التي تربط مدن العاصمة الثلاثة (الخرطوم، خرطوم بحري، أم درمان).
كما استهدفت المقاتلات والمروحيات الهجومية المنطلقة من قاعدة وادي سيدنا، خطوط إمداد قوات الدعم السريع القادمة من إقليم دارفور وولاية شمال كردوفان، باتجاه الخرطوم على طول نحو 1000 كلم.
فطول خطوط الإمداد وانكشافها أمام الطيران إحدى نقاط الضعف الرئيسية لقوات الدعم السريع، والتي أعاقت إحكام سيطرتها على العاصمة.
إنسانيا، لعبت قاعدة وادي سيدنا الجوية، دورا بارزا في إجلاء دبلوماسيين ورعايا أجانب من نحو 40 جنسية، بينهم أتراك وأمريكيون وبريطانيون ومصريون وألمان، ما أبرز أهميتها الاستراتيجية.

لماذا لم تسيطر “الدعم السريع” على قاعدة وادي سيدنا؟

على الرغم من أنها أكبر قاعدة جوية في السودان، وتمثل مفتاح نجاح أي انقلاب عسكري، وعبرها وجّه الجيش أعنف الضربات الجوية لقوات الدعم السريع، إلا أنه من المستغرب أن الأخيرة لم تقم بهجوم للسيطرة عليها، رغم أنها قريبة من مواقع انتشارها في أم درمان.
والمفارقة، أن قوات الدعم السريع، مع بداية هجومها كان هدفها الأول السيطرة على المطارات والقواعد الجوية، على غرار قاعدة مروي الجوية في الولاية “الشمالية”، ومطار الخرطوم الدولي، ثم مطار نيالا، بولاية جنوب دارفور، بينما أخفقت في السيطرة على قاعدة الفاشر الجوية، بولاية شمال دارفور، وعلى قاعدة الأُبيِّض الجوية في شمال كردفان.
والإجابة على هذا التساؤل، أبرزته صفحات منسوبة للجيش السوداني على شبكات التواصل الاجتماعي، التي أشارت إلى أن قوات الدعم السريع كانت تستعد لمهاجمة قاعدة وادي سيدنا، انطلاقا من معسكر كرري، في شمال أم درمان، والذي لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن القاعدة، ويضم نحو 5 آلاف مقاتل.
لكن طيران الجيش السوداني باغت قوات الدعم السريع في معسكر كرري بقصف كثيف عبر 10 طائرات هجومية، وفق وسائل إعلام عربية، ما أدى إلى انسحاب عناصرها من المعسكر، وسيطرة الجيش عليه.
وبثت صفحات مقربة من الجيش فيديوهات قالت إنها لقوات الجيش داخل معسكر كرري بعد انسحاب قوات الدعم السريع منه.
وسرعة تحرك الجيش في قصف معسكر كرري قبل تحرك قوات الدعم السريع للاستيلاء على قاعدة وادي سيدنا، يعكس أنه كان يستعد مسبقا لمثل هذا السيناريو.
سقوط قاعدة وادي سيدنا الجوية، بيد قوات الدعم السريع كان من شأنه تغيير مجرى المعارك في الخرطوم، بالنظر للدور الذي تلعبه حاليا في الميدان.
وفي هذا الصدد، نقلت شبكة قناة الجزيرة، عن مسؤول عسكري لم تسمه، قوله إن “متمردي الدعم السريع حاولوا 3 مرات اقتحام قاعدة وادي سيدنا لتدميرها وإخراجها من الخدمة، لكنهم فشلوا وجرى دحرهم وتكبيدهم خسائر فادحة، كما سعوا إلى قصفها من مواقع بعيدة ولم يفلحوا في ذلك”.
والقاعدة مؤمنة شرقا عبر نهر النيل، وأقرب جسر منها للعبور من ضفة خرطوم بحري إلى ضفة أم درمان يقع جنوب المنطقة العسكرية بوادي سيدنا، ويدعى جسر حلفايا، ويخضع لسيطرة الجيش، ما يصعّب أكثر من قدرة قوات الدعم السريع على المناورة لاستهداف القاعدة الجوية.
فبعد خروج مطار الخرطوم الدولي من الخدمة بسبب الاشتباكات، وكذلك اقتحام قوات الدعم السريع لقاعدة جبل أولياء (جنوب الخرطوم) التي تستخدم كمهبط للمروحيات، فإن قاعدة وادي سيدنا، أصبحت المنفذ الجوي الوحيد للعاصمة نحو الخارج.
الوضع الجديد جعل دور قاعدة وادي سيدنا استراتيجيا وحيويا على أكثر من صعيد، خاصة مع احتمال طول أمد الحرب، وحاجة أطراف الصراع لدعم خارجي بالأسلحة والذخائر.

قاعدة خلفية لمصر وهدف للانقلابيين

برزت الأهمية الاستراتيجية لقاعدة وادي سيدنا منذ إنشائها عام 1967، عندما استخدمت كقاعدة خلفية لاستقبال وتأمين الطائرات الحربية المصرية في حرب حزيران، عندما تعرضت القواعد الجوية المصرية لغارات إسرائيلية شاملة.
كما برزت قاعدة وادي سيدنا في الانقلابين العسكريين الناجحين الذين قادهما كل من العقيد جعفر نميري عام 1969، والعقيد عمر حسن البشير في عام 1989.
وكانت قاعدة وادي سيدنا، ضمن النقاط المستهدفة فيما يعرف بـ”عملية المرتزقة” عام 1976، التي حاول فيها النظام الليبي بزعامة معمر القذافي، الإطاحة بنظام نميري في السودان، عبر تدريب مجموعات من المعارضة السودانية، ووضع خطة للسيطرة على الخرطوم.
إبراهيم خليل، زعيم حركة العدل والمساواة المتمردة في دارفور، وضع هو الآخر، قاعدة وادي سيدنا الجوية، ضمن أهدافه للسيطرة على العاصمة، عندما زحف من معاقله البعيدة في الإقليم عام 2008.
وقسّم خليل قواته إلى 3 فرق، الأول قاده نحو الخرطوم، والثاني نحو مقر الإذاعة والتلفزيون بأم درمان، والثالث توجه نحو المنطقة العسكرية بوادي سيدنا.
فقاعدة وادي سيدنا، كانت دوما هدفا للطامحين والطامعين في حكم الخرطوم، ومنها بسط السيطرة والنفوذ على كامل البلاد، بالنظر إلى الطابع المركزي للدولة.
فبدون السيطرة على قاعدة وادي سيدنا الجوية، لن تتمكن قوات الدعم السريع من إحكام قبضتها على العاصمة الثلاثية، حتى ولو سيطرت على كامل مقرات القيادة العسكرية والقصر الجمهوري والإذاعة والتلفزيون، ومطار الخرطوم، ومهبط المروحيات بجبل أولياء.
هذا السيناريو يدفع لتوقع أن تحاول قوات الدعم السريع تكثيف محاولاتها للسيطرة على قاعدة وادي سيدنا الجوية، وإلا فإنها ستتعرض للاستنزاف من حيث الذخائر والوقود، وبدرجة أقل المؤن.

(الأناضول)

لاجئون في السودان يفرون إلى اثيوبيا هربا من الحرب مرة اخرى

ميتيما (إثيوبيا) (أ ف ب) – فر الشاب السوري سلام كنهوش من بلاده في عام 2016 ولجأ إلى السودان. ولكن المعارك التي بدأت قبل شهر هناك أجبرته على النزوح مرة اخرى.

ويقول “هذه الحرب الثانية التي أهرب منها”.

ووصل الطالب (30 عاما) إلى مدينة ميتيما الحدودية شمال غرب اثيوبيا مع آلاف من الأشخاص الذين فروا من السودان اثر اندلاع معارك بين الجيش وقوات الدعم السريع بسبب صراع على السلطة في السودان منذ 15 نيسان/أبريل.

وبحسب كنهوش فإنه بدأ “حياة جديدة” في السودان أولا في كسلا في شرق البلاد قبل أن ينتقل مؤخرا إلى العاصمة الخرطوم.

ويروي الشاب أنه كان يخطط في 15 من نيسان/ابريل للخروج مع أصدقائه لممارسة الكياك في نهر النيل، لكن “تلقيت الكثير من الرسائل التي طلبت مني البقاء في المنزل”.

وبقي كنهوش داخل منزله لثمانية أيام، قضى منها ثلاثة دون كهرباء، ويومين بلا ماء، قبل أن يتمكن من الخروج من الخرطوم.

ويؤكد “لم أخذ سوى حقيبة للظهر وفيها الأساسيات” مؤكدا أن قرار مغادرة الخرطوم “كان صعبا للغاية (..)اضطررت لترك الكثير من الأشياء”.

وفر كنهوش دون مشروع تخرجه وترك السودان بلا جواز سفره السوري الموجود في سفارة بلاده في الخرطوم، حيث ارسله للتجديد.

ودون أوراق رسمية، فإنه عالق منذ أسبوع في ميتيما ويؤكد أن “العودة إلى سوريا ليست خيارا”.

وكنهوش ليس اللاجىء الوحيد الذي اضطر للفرار مرة اخرى من السودان.

وقبيل اندلاع القتال، كانت السودان تستضيف 1,1 مليون لاجىء، بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.

– “كنت سعيدة”-

ولجأت الاريترية سينا (24 عاما) إلى السودان منذ عام 2018، بعد أن فرت من التجنيد الالزامي إلى ما لا نهاية بعد قضائها أربع سنوات فيه.

لاجئون قدموا من السودان يقومون بالتسجيل في ميتيما في اثيوبيا في 4 من ايار/مايو 2023 © Amanuel Sileshi / AFP

وتتذكر “أربع سنوات من أكل العدس والخبز كل يوم”.

وعملت الشابة كنادلة في فندق وتؤكد “كنت سعيدة للغاية في حياتي الجديدة” في الخرطوم، “تركت منزلا كاملا: شاشة مسطحة وأسرتي”.

وتقول سينا التي فرت مع صديقها وشقيقها إلى ميتيما “ليس لدينا مأوى مناسب. لا يوجد إمدادات كافية من المياه ولا أملك المال” ولا يوجد أي أفق.

وتعرف سينا أنه حال عادت إلى اريتريا فـ”سأعاقب وأذهب إلى السجن قبل أن يتم إرسالي إلى الجيش مرة اخرى”.

أما سارة (24 عاما) المولودة في السودان لأم اريترية لاجئة، فإن اندلاع المعارك في السودان لم يسمح لها بالتوجه إلى كندا في رحلة كانت مقررة في 17 من نيسان/ابريل، لتلحق بوالدتها التي انتقلت هناك قبل ستة اشهر.

وتقول “حدث كل هذا في صباح يوم سبت. كان من المفترض أن أسافر الإثنين ولكن الوضع ازداد سوءا كل يوم”.

وأضافت “مشاعري مختلطة: الأمر محزن ومزعج ومخيب للآمال”.

وبالنسبة لهذه الشابة فإن “سلامتنا وحياتنا تأتي أولا، لا يمكننا أن نواصل التفكير بالأشياء التي تركناها”.

وتتخوف سارة من أن تبقى عالقة لوقت طويل هنا في ميتيما. وتقول “حتى الآن، لم أتمكن من التسجيل لدى مفوضية اللاجئين وقالوا لنا إنها عملية طويلة ستستمر لأشهر”.

“بعيدا عن الحرب”

غادر محمد قاسم (29 عاما) أفغانستان في عام 2016 للدراسة في السودان. وتبددت آماله بالعودة إلى بلاده عام 2021 مع سيطرة طالبان على كابول.

ويؤكد “كنت أبذل قصارى جهدي للعيش (..) لم يكن لدي أي فرصة بالعودة إلى افغانستان”.

وكان قاسم يتحضر للحصول على شهادته في الاتصالات مع اندلاع القتال في الخرطوم، واضطر للفرار. ولكنه يعلم أنه لا يوجد له مستقبل في اثيوبيا.

ويضيف “الوضع في اثيوبيا ليس جيدا للغاية(..) حاليا، نشعر بالامان ولكن في المستقبل، لا أخطط للبقاء في هذا البلد وأمل بأن اتمكن من الذهاب إلى مكان آخر”.

بالنسبة للشاب السوري سلام كنهوش فإنه يحلم بالعودة إلى السودان يوما ما من أجل الحصول على شهادته و”المضي قدما” بحياته.

ويتابع “في حياتي الجديدة، اريد مكانا هادئا بعيدا عن الحرب”.

وفاة امرأة سودانية أسرتها تحمل جنسية غربية تثير مأساة العالقين بسبب الصراع الجاري

القاهرة (رويترز) – بينما تحاول أزهار شلقامي إنقاذ جديها المريضين العالقين وسط القتال في الخرطوم، ناشدت من نيويورك الفصيلين المتحاربين في السودان وعمال الإغاثة والسفارات القريبة من منزل جديها، لكن جهودها باءت بالفشل.

وماتت جدة أزهار وحيدة ولا تزال جثتها في منزل العائلة لم تُدفن بعد. وأصيب جدها بالرصاص ثلاث مرات أثناء خروجه لتأمين الاحتياجات الأساسية ولا يزال عالقا في الخرطوم وهو مصاب.

وتشبه قصة أزهار قصص سودانيين آخرين يائسين في الشتات وأولئك خارج العاصمة الذين يكافحون من أجل إجلاء أحبائهم المحاصرين تحت القصف وليس لديهم إلا فرصة ضئيلة للحصول على الطعام أو الماء فيما تدور المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في الخرطوم.

وقالت أزهار وهي تروي بالتفصيل جهود العائلة الحثيثة لمساعدة الجدين المسنين، علوية رشوان وعبد الله شلقامي، المتزوجين منذ 60 عاما “العملية مرهقة”.

وأضافت الطالبة التي تعيش في نيويورك “ماتت جدتي وحيدة وهذا كسر قلبي لأنها كانت تقول لي دائما إنها تخشى من أنها وحيدة”.

وتحول كثير من غضبها وإحباطها إلى السفارة البريطانية وما تعتبره إحجاما منها عن مساعدة جدها المواطن البريطاني لأنه يحمل الجنسية السودانية أيضا.

وذكرت “السفارة البريطانية تقع على بعد أربع خطوات من منزل جدي… وجدي مواطن بريطاني أيضا. وفي كل مرة نتصل بها أو نملئ استمارة، كنا نُسأل عما إذا كان يحمل جنسية أخرى. كيف لا يجعله ذلك يرقى إلى مستوى الأولوية؟”.

وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن البلاد قامت بأطول وأكبر عملية إجلاء تقوم بها أي دولة غربية من السودان، وإنها تجلي المواطنين البريطانيين وأفراد أسرهم المستحقين.

وبعد أسبوع من نشوب الصراع، بدأت بريطانيا ودول غربية أخرى إجلاء الدبلوماسيين ومواطنين آخرين. لكن الجدين لم يحالفهما الحظ ويعيشان في منطقة تجارية ليس لهما جيران فيها وهما غير قادرين على شحن هواتفهما بسبب انقطاع التيار الكهربائي، فكانا بمفردهما.

واستولى مقاتلو قوات الدعم السريع على منزلهما. ويقول سكان الخرطوم إنهم فعلوا ذلك بمنازل أخرى في جميع أنحاء المدينة، رغم أن قوات الدعم السريع تنفي ذلك.

وبعد مرور عشرة أيام، خرج جدها مستقلا سيارة لتأمين الاحتياجات الأساسية لكنه أصيب بطلق ناري في اليد والصدر وأسفل الظهر. ونقله جندي من الجيش إلى المستشفى، تاركا زوجته وحدها في المنزل.

ولم تعلم الأسرة أنه أصيب بالرصاص إلا بعد ذلك بأيام، واضطرت إلى الاتصال بما تبقى من المستشفيات العاملة في الخرطوم لمعرفة ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة. وكثفت أزهار جهودها مع السفارة.

وقالت “أردنا أن نعرف ما إذا كان بإمكانهم إرسال الطعام أو الماء لهما فقط. حاولنا 30 مرة على الأقل إجلاءهما، لكن دون جدوى”.

وحدث في نهاية المطاف أن أبلغ دبلوماسي تركي أزهار بوفاة جدتها عبر تويتر وطلب رقمها.

وقالت “اعتقدت أنه سيخبرني بأنهم على وشك إجلاء جدتي، لكنني علمت بوفاتها بدلا من ذلك”.

وتحاول الأسرة في هذه الأثناء ترتيب وثائق سفر الجد إلى القاهرة لأن جواز سفره في مكتبه ومن المستحيل الوصول إليه.

وذكرت “ماتت من الجوع، من الحر بدون كهرباء… لا نزال غير قادرين حتى هذه اللحظة على الوصول إلى جثمانها”.

وأضافت “نتوسل إلى قوات الدعم السريع، نتوسل إلى أي شخص أن يدفنها فقط في فناء منزلها الخلفي على الأقل”.

شهر على بدء الاشتباكات.. ماذا حدث في 30 يوما من القتال؟

لم يعد السودان كما كان قبل شهر مضى من مثل هذا اليوم، حيث بدأ الصراع العسكري بين القوتين العسكريتين الأكبر في البلاد؛ الجيش من جهة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى.
وبعد مرور شهر كامل على بداية الصراع المسلح بين القوتين لم يظهر في الأفق أي حل ينهي مأساة البلد الذي يعاني كثيرا على كل المستويات.
في هذا التقرير، نرصد أهم ما حدث خلال هذا الشهر، وما هي المكاسب التي حققها كل طرف، وتأثيره على الشعب السوداني.

بداية المعركة

صباح يوم 15 أبريل/ نيسان، تعرضت العاصمة السودانية الخرطوم لانفجارات عنيفة، بعد تحركات عسكرية ملحوظة في العاصمة، جاء هذا بعد إعلان تأجيل توقيع اتفاق نهائي بشأن العودة إلى الحكم المدني، بسبب خلاف بدا واضحا بين اللواء عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، والفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع، حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2022، وقع البرهان ودقلو بصورة منفصلة اتفاقا إطاريا مبدئيا مع المدنيين، تضمن استبعاد الجيش من السياسة وإصلاح قوات الأمن ودمج قوات الدعم السريع في الجيش، وحدد أول أبريل/ نيسان الجاري لتوقيع الاتفاقية لكن تم التأجيل مرتين ولم يحدد بعد موعد جديد لتوقيع الاتفاق.
وتبادل طرفي النزاع الاتهامات بشأن مسؤولية بدء الهجوم، وتحول فجأة الحلفان إلى متناحرين، واندلعت الاشتباكات في 11 ولاية من بينها العاصمة الخرطوم.
ومع بداية القتال أعلن الجيش السوداني، في بيان أن القوات المسلحة السودانية “تصدت لهجمات قوات الدعم السريع في منطقة المدينة الرياضية جنوبي العاصمة وفي عدة مناطق محيطة”.
كما أعلن الجيش السوداني، في بيان لاحق، قوات الدعم السريع، قوات “متمردة”، حيث ذكر، عبر بيان، أن “الاشتباكات الآن تدور بين قواتكم المسلحة وقوات الدعم السريع المتمردة في المواقع الاستراتيجية”.
ويواصل الجانبان نشر البيانات عن الانتصارات التي يحرزها والخسائر التي يوقعها في صفوف الطرف الآخر، وأكد أنه نفذ ضربات جوية على قواعد قوات الدعم السريع، مشددا على أنه لا يزال يمسك بزمام السلطة، بينما قالت قوات الدعم السريع إنها تسيطر على مطار الخرطوم والقصر الرئاسي ومواقع رئيسية أخرى.
وهكذا بدأ الصراع في البلد الذي عانى كثيرا من ويلات الحروب الأهلية والصراعات القبلية على مدار سنوات مضت.

لاجئون ونازحون بسبب الصراع

أدى الصراع إلى  نزوح العديد من السكان في عدة مناطق، وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين في السودان 700 ألف شخص، وهو ما يعني أكثر من ضعف العدد المسجل في الأسبوع السابق وهو 340 ألفاً، في وقت تتوقع الأمم المتحدة أن يتجاوز العدد في حال استمر القتال 800 ألف شخص.
وفي تصريح لرئيس بعثة منظمة الهجرة الدولية في مصر، كارلوس أوليفر كروز، أكد أن عدد الوافدين السودانيين النازحين إلى مصر وصل إلى 73 ألفًا، بالإضافة إلى 5 آلاف شخص من جنسيات مختلفة.
وأشار كروز إلى أن هذا الرقم يضاف إلى عدد النازحين داخل السودان، الذين تجاوزوا 3 ملايين نازح قبل بدء الأزمة، مما يؤدي إلى وجود أكثر من 4 ملايين نازح في السودان. ويتركز الغالبية العظمى منهم في ولاية الخرطوم، وجنوب وغرب دارفور.
ووفقا لإحصائيات منظمة الهجرة الدولية وصل أكثر من 30,000 لاجئ جديد في الأسابيع الأخيرة، إلى تشاد مما يرفع إجمالي عدد اللاجئين الفارين من السودان إلى 60,000 شخص، وتستضيف تشاد حتى قبل أزمة السودان الأخيرة أكثر من 400,000 لاجئ سوادني يقيمون في 13 مخيما وكذلك لدى المجتمعات المحلية المضيفة في شرق تشاد.
وتشير خريطة السودان إلى أنها تقع شمال شرقي أفريقيا، تحدها مصر من الشمال وليبيا من الشمال الغربي وتشاد من الغرب وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي وجنوب السودان من الجنوب وإثيوبيا من الجنوب الشرقي وأريتريا من الشرق والبحر الأحمر من الشمال الشرقي، ووأن 5 من 7 دول مجاورة للسودان، (إثيوبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا وجنوب السودان)، شهدت اضطرابات سياسية أو صراعات في السنوات القليلة الماضية، ما يفاقم أزمة السودانين اللاجئين.

اختلافات حول عدد الضحايا

بعد مرور شهر واحد على بداية القتال أعلنت وزارة الصحة السودانية، سقوط 460 قتيلا وما يزيد على 4 آلاف جريح، جراء الاشتباكات.
بينما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن عدد ضحايا الاشتباكات ارتفع إلى 676 شخصا، وأكثر من 5 آلاف و557 إصابة، في وقت تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الرقم أكبر من ذلك بكثير، حيث رصدت مؤسستي “مواقع النزاع المسلح” و”مشروع بيانات” أكثر من 750 حالة وفاة منذ بدء المعارك وحتى يوم 5 مايو الماضي.

أوضاع إنسانية وصحية صعبة

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إن نقص الغذاء والماء والدواء والوقود أصبح شديداً للغاية مع ارتفاع أسعار سلع أساسية منها المياه المعبأة، لافتا إلى أنه اضطر لتقليص أنشطته لأسباب أمنية.
وفقا للأمم المتحدة خرجت نحو 70% من المنشآت الصحية في المناطق المتأثرة بالقتال عن الخدمة، وتحدثت منظمة الصحة العالمية عن 14 هجوما على مرافق صحية.

وقبل أيام أعلنت نقابة أطباء السودان، توقف 60 مستشفى بالعاصمة الخرطوم والولايات عن تقديم الخدمات الصحية من أصل 88 مستشفى.
ولفتت النقابة إلى أن هناك 28 مستشفى تعمل بشكل جزئي، وبعض هذه المستشفيات يقدم الإسعافات الأولية فقد، وأشار البيان إلى أن 17 مستشفى تم قصفها في البلاد، و20 أخرى تعرضت لإخلاء قسري منذ بداية الحرب، ولفت إلى أن 6 عربات إسعاف تعرضت للاعتداء من قبل قوات عسكرية، ولم يسمح لها بالمرور لنقل المرضى.
وأمس قال مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن هناك أنباء عن تفشي الملاريا وحمى الضنك والحصبة في السودان.
وحذر غيبريسوس، في تصريحات نشرتها المنظمة على “تويتر”، من أن ملايين الأطفال والسيدات الحوامل يعانون من سوء التغذية الحاد.
وأضاف أن  إمدادات المياه والغذاء والأدوية والكهرباء تتراجع في ظل القصف المستمر.
ومن جانبه أكد رئيس المبادرة الوطنية لحل الأزمة السودانية وتجمع منظمات المجتمع المدني، عادل عبد الباقي علي، في تصريحات اليوم الاثنين، لـ”سبوتنيك” أن أكثر من 60% من المواطنين في الخرطوم لا يحصلون على لقمة الخبز، في ظل الاشتباكات التي لم تنقطع وانعدام المواد التموينية.
وأشار إلى أن “منظمات المجتمع المدني أطلقت نداء عاجلا للداخل والخارج لإغاثة المواطنين في ظل الحرب الدامية، والظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها المواطنون العٌزًل في الخرطوم ومناطق النزاعات المختلفة”.
وأضاف: “رصدت المنظمات المدنية الحياة المعيشية للمواطنين داخل مناطق الاشتباكات، ومن المؤسف جدا أن 62% من الأسر لم تتوفر لهم لقمة العيش في اليوم، نظرا لانعدام المواد التموينية، ومصادر الدخل كي يمكنهم مواجهة تلك الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها المدنيون”. 
(الوكالة الروسية اسبوتنك)

إيكونوميست: في السودان وجنوبه أخطأ الغرب في صناعة السلام وكافأ العسكر على حساب المدنيين

لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا تساءلت فيه عن أخطاء الغرب في صناعة السلام في السودان. وأضافت أن الحرب في ثالث بلد مساحة في القارة الإفريقية وبـ45 مليون نسمة تسببت بارتياح وخوف وديجافو في جوبا، عاصمة جارتها الجنوبية.

فمن ناحية كان هناك شعور بالارتياح لأن جنوب السودان، الذي انفصل عن السودان في عام 2011، يبدو بمعزل إلى حد ما عن الفوضى. أما الخوف فلأن عنف السودان قد يمتد رغم ذلك عبر الحدود بين البلدين، مما يؤدي إلى تفاقم الصراعات التي لا تزال مستعرة في أحدث دولة في العالم. وبالنسبة لشعور اننا كنا هنا، ديجافو فلأن ما يحدث في السودان اليوم يبدو وكأنه تكرار للأحداث في جنوب السودان في السنوات التي أعقبت الاستقلال، حيث انتهت كما تقول المجلة محاولات الغرب الحسنة النية لصنع السلام وبناء الدولة بالحرب والفوضى.

وترى المجلة أن جذور الأسباب المعقدة للحروب في السودانين إلى عقود، إن لم يكن قرونا. الرجال الذين يختارون ذبح مواطنيهم هم المسؤولون بشكل مباشر. لكن منذ أن شن جيشان متنافسان حربا على الخرطوم، عاصمة السودان، في 15 نيسان/ أبريل، اندلعت موجة من الانتقادات للدبلوماسية التي استخدمها الغرب والحكومات الإقليمية في محاولتها الفاشلة لتجنب الصراع.

وكان جزء كبير منه عبارة عن نقد ذاتي، حيث كان الدبلوماسيون والمسؤولون السابقون يتألمون من الأخطاء وما إذا كان بإمكانهم فعل الأشياء بشكل مختلف. ولكن هناك شعور عام بأن نموذج “حل النزاع” المستخدم على نطاق واسع في مثل هذه الحالات معيب. إذا لم تتم معالجة هذه الأخطاء، فإن الجهود الأخيرة لإسكات البنادق في السودان، والتي بدأت في السعودية في 6 أيار/ مايو، محكوم عليها بالفشل.

وتعتقد المجلة أن في قلب عملية صنع السلام في السودان، كانت محاولة للحصول على رضا اثنين من القادة العسكريين الأقوياء لتقاسم السلطة بعد انقلابهم في نيسان/ أبريل 2019. وذلك بعد احتجاجات الشوارع المستمرة التي أدت إلى الإطاحة بعمر البشير، الذي حكم السودان كديكتاتور منذ عام 1989. مع أن ما حدث كان “ثورة نصف مكتملة”. فقد رأت القوات المسلحة السودانية البشير على وشك السقوط، فطردته واستولت على السلطة.

قاد الانقلاب اللواء عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، ومحمد حمدان دقلو، حميدتي، الذي قاد ميليشيا في دارفور تحولت إلى قوة شبه عسكرية تعرف باسم قوات الدعم السريع لكسر إرادة المتظاهرين، قتلت قوات الأمن أكثر من 100 شخص في حزيران/ يونيو 2019.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، توصل الدبلوماسيون إلى اتفاق لتقاسم السلطة على أمل منع المزيد من سفك الدماء. وبدا الأمر أنه من أجل انتقال السلطة “بقيادة مدنية” إلى الديمقراطية، وفي واقع الحال، كانت كل السلطة لا تزال في أيدي الجيش وقوات الدعم السريع.

وتعلق أن استراتيجية التركيز على الرجال المسلحين بدت جيدة وإن كانت مناسبة أيضا. ففي ظل غياب قيادة واضحة بين “لجان المقاومة” التي ازدهرت في الخرطوم، لم يكن من السهل معرفة المدنيين الذين ستضمهم المحادثات. وفاقم الوضع ثقافة تجنب المخاطر التي تميل إلى إبقاء الدبلوماسيين في غرف الاجتماعات وحفلات الكوكتيل بدلا من الخروج إلى الشوارع.

قال دبلوماسي أمريكي في عام 2019، عندما سُئل عما إذا كان قد اختلط بالمحتجين: “بالطبع لا. لن يسمح لنا”. ربما كان العيب الأكبر هو أن الصفقة استندت إلى فكرة أنه يمكن الوثوق بالجنرال برهان وحميدتي عندما أبلغا المفاوضين أنهم سيسلمون السلطة إلى المدنيين.

ولا يمكن الوثوق بهما بعدما أعاقا محاولات رئيس الوزراء الانتقالي، عبد الله حمدوك لإصلاح الاقتصاد الكليبتوقراطي السوداني، وهو خبير اقتصادي تم تعيينه في منصبه كتكنوقراطي.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بعد خمس ساعات من إخبار جيفري فيلتمان، الذي كان حينها مبعوث أمريكا إلى القرن الأفريقي، بموافقتهم على صفقة أخرى أعيد كتابتها من شأنها أن تؤخر تسليم السلطة، أطاح الجنرال برهان وحميدتي بحمدوك.

وبنفس المثابة قدما في نيسان/ أبريل من هذا العام وعودا مماثلة للدبلوماسيين، لكن بعد أيام قليلة خاضا حربا مع بعضهما البعض بدلا من ذلك.

وأشار فيلتمان في الفترة الأخيرة إلى أن “المجتمع الدولي تبنى ما قلناه لأنفسنا أنه النهج الواقعي الوحيد: التعامل مع أمراء الحرب أنفسهم. اعتبرنا أنفسنا براغماتيين. الإدراك المتأخر يقول بأن ذلك كان تمنيا كوصف أكثر دقة”.

وخلف هذه السذاجة افتراضات خاطئة حول حوافز الجنرالين برهان وحميدتي.

وتقول المجلة: “يمكن فهم السودان، مثل العديد من البلدان الهشة، على أنه سوق سياسي حيث العملة الرئيسية هي العنف”.

يمكن فهم السودان على أنه سوق سياسي حيث العملة الرئيسية هي العنف

وعلق دبلوماسي غربي سابق أن القوات السودانية المسلحة وقوات التدخل السريع كانتا “طرفي احتيال تحاولان محاصرة السوق”.

كان الانقلاب في عام 2021 مدفوعا بمخاوف الجيش من تسارع وتيرة جهود قمع المصالح الاقتصادية للجيش، وفي الوقت نفسه، من خلال المخاوف من أن حميدتي سيستفيد من أي بيع للأصول التي تحتفظ بها شبكات الجيش الواسعة، بحسب الدبلوماسي.

في المفاوضات، يلاحظ كاميرون هدسون، الدبلوماسي الأمريكي السابق، أنه من السهل أن ينخدع الشخص بأن “ممثلين آخرين يتماشون بطريقة تتماشى بها معهم”. ولوح المبعوثون بالحوافز مثل إنفاق المساعدات على التعليم مقابل إصلاحات سياسية أو إصلاحات لمكافحة الفساد، والتي اعتبرها القائدان العسكريان تهديدا مباشرا.

ويجادل هدسون قائلا: “إنك تعرض عليهم طريقا إلى البطالة”.

وتقول المجلة إن القتال الأخير اندلع من خلال محادثات تهدف إلى دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة السودانية.

إلا أن الدبلوماسيين بدفعهم للاثنين لتقاسم السلطة، ابتكروا “منطق المحصل الصفري” الذي كان بمثابة “صيغة للانفجار”، كما يقول أليكس دي وال من كلية لندن للاقتصاد. وأضافت كليوناد راليخ، من مشروع بيانات الأحداث والمواقع للصراع “أكسليد” إن “العنف ليس انهيارا للنظام ولكنه جزء من تسلسل طبيعي”.

وكشف بحثها كيف كانت هناك زيادة مطردة في عدد الميليشيات والعنف الذي يرتكب عبر إفريقيا. يرجع هذا الاتجاه إلى الحوافز الكامنة في الديمقراطيات الهشة أو “الانتقالية”، حيث يستخدم كبار الشخصيات العنف للمساومة على السلطة التي تصبح بعد ذلك رسمية في اتفاقيات السلام.

وقد حدثت أخطاء مماثلة في جنوب السودان وأحيانا من قبل نفس الأشخاص.

وكان في قلب الحكومة الجديدة في جنوب السودان- ولا يزال- اتفاق تقاسم السلطة بين الرئيس سلفا كير ورياك مشار، النائب الأول للرئيس. في عام 2013، أعاد الاثنان بلدهما الناشئ إلى الحرب الأهلية، وكلفهما حوالي 400 ألف شخص. على الرغم من أنه انتهى اسميا في عام 2018، إلا أن العنف المحلي لا يزال مستمرا.

في نيسان/ أبريل، اتهم تقرير للأمم المتحدة العديد من السياسيين البارزين بالمسؤولية عن القتل والاغتصاب والاستعباد الجنسي. يقول رزق زكريا حسن، حليف مجلس وزراء سيلفا كير: “يسود السلام البلد أو 90% منه على الأقل”.

ولم يجر الرجال الأقوياء هناك انتخابات عامة منذ الاستقلال في 2011 رغم الوعود المتكررة بذلك. لا يحمل السلك الدبلوماسي المحبط في جوبا أملا ضئيلا في إجراء التصويت المقرر بحلول نهاية العام المقبل.

ويقول بيتر أجاك، الأكاديمي المختص في جنوب السودان، إن جنوب السودان لم يكن ليكون السويد، إن العواقب غير المقصودة لتعزيز “الاستقرار” أضرت بالبلاد. “عندما تبقى النخب في السلطة فقط من خلال العنف والفساد، لا يمكن أن يكون هناك استقرار حقيقي”.

فمشار، أحد نواب الرئيس الخمسة، هو نتاج نظام يكافئ أمراء الحرب بالسلطة. يقول دبلوماسي غربي: “نحن نسارع إلى إلقاء اللوم على السياسيين. لكن يجب أن نقضي المزيد من الوقت في النظر في المرآة”.

بعيدا عن المجمعات المليئة بعمال الإغاثة ذوي الأجور الجيدة في جوبا، غالبا ما تكون الحياة خطرة وبائسة. ففي أوتالو، شرق جنوب السودان، يتم اختطاف الأطفال بشكل متقطع من قبل قبيلة منافسة. لا يوجد مدرسون بأجر في المدرسة المحلية. كل ما يمكن أن تفعله “العيادة” هو توزيع أكياس التغذية المتبرع بها للرضع الذين يعانون من الجوع. وقضت الفيضانات المفاجئة العام الماضي على معظم المحاصيل والماشية.

يقول أوجوك ليرو، أحد قادة المجتمع، إنه “يشعر بخيبة أمل كبيرة في الاستقلال”. وأضاف أن السبب الجذري هو “العمل السياسي… أولا تتمرد، ثم تكافأ من قبل الحكومة”.

مثل السودان، يبدو جنوب السودان رهين لرجلين كبيرين محتملين. في آذار/ مارس، في أحدث تطور في دراماهما الطويلة، أقال سلفا كير وزيرة دفاعه، التي تصادف أن تكون زوجة مشار. يوضح واني، وهو طالب في جوبا، “لدينا مشكلة مع قادتنا: كلاهما يريد وظيفة لا يمكن تقسيمها”. هو نفسه يتخيل مهنة سياسية. يقول: “تأتي، وتأكل ما يمكنك أن تأكله، ثم تذهب. لهذا السبب يريد الجميع أن يصبح رئيسا – حتى أنا”.

هناك الآن إدراك متأخر بأن الأطراف الخارجية في كلا البلدين لم تفعل ما يكفي لتعزيز قوة المؤسسات المدنية. يقول أمجد فريد، المسؤول السابق في الحكومة الانتقالية السودانية: “لقد رأينا مرات عديدة في إفريقيا أنه لا يمكنك المساعدة في بناء ديمقراطيات من خلال استبعاد المجتمع المدني والتساهل مع الجنرالات”. كما لم تساعد أمريكا في ظل إدارة ترامب الأمور من خلال إقناع حمدوك بالتوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل على حساب رأسماله السياسي ووقته الثمين. خطأ فادح آخر هو عدم إعطاء حمدوك الدعم المالي الكافي، من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثلا وفي وقت مبكر بما فيه الكفاية.

يقول الدبلوماسي السابق: “إذا لم تقدم الطعام للناس في الوقت المناسب، فإنهم يموتون. هنا إذا لم تحصل على الأموال للحكومات المدنية في الوقت المناسب، فإن السياسة تموت”.

وتقول المجلة إن بعض المحللين يذهب إلى أبعد من ذلك، بحجة أن عملية استرضاء الجماعات المسلحة ذاتها يمكن أن تمنع التدفق الطبيعي للسياسة.

في كتاب “عندما يقتل السلام السياسة”، وهو كتاب لشاراث سرينيفاسان، استنادا إلى بحث أكاديمي في كامبريدج حول السودان، يجادل بأن صنع السلام على النحو الذي يروج له الدبلوماسيون الغربيون يقضي على نوع الحركات السياسية التصاعدية التي أطاحت بالبشير في عام 2019. في المنتديات التي يتم فيها تقسيم الغنائم بين أولئك الذين يحملون السلاح وجلب التكنوقراط مثل حمدوك، يهمش السياسيين الذين لديهم قواعد شعبية حقيقية والذين يجب أن يكونوا على الطاولة.

يضيف أجاك، الاقتصادي المختص في جنوب السودان، أن أمريكا يجب أن تكون حذرة من تآكل ما يجب أن يكون أكبر ميزة لها في عصر المنافسة الجيوسياسية. يجب أن تكون أمريكا نموذجا للديمقراطيات الطموحة. ولكن إذا كان ينظر إليها على أنها تدعم أمراء الحرب في الدول الهشة، “كيف ستنافس الصين؟”.

و”الاختلاف الوحيد بين الاثنين هو أنه عندما يتعامل الأفارقة مع الأمريكيين فإنهم يعودون بوعود فارغة بدلا من أكياس من المال”.

الحرب في السودان… منجم ذهب للميليشيات والمرتزقة

الخرطوم (أ ف ب) – في ميدان القتال في السودان، لا يكتفي الجنرالان المتحاربان بالقوات التابعة لكل منهما بل يتحلق حولهما مرتزقة وحراس خاصون ومقاتلون قبليون أو مدربون أجانب يجذبهم الربح الكبير و…. الذهب.

منذ عقود، تشكل الاستعانة بالميليشيات في السودان نشاطا مربحا. فالخرطوم لجأت اليهم من قبل إما لتوكل لهم قمع الأقليات الاثنية وحركات التمرد المسلحة أو لإرسالهم للمشاركة في حروب في الخارج.

وقاتلت هذه الميلشيات في وقت من الأوقات في اليمن لصالح السعودية والامارات، كما شاركت في القتال في ليبيا لمعسكرات مختلفة وحاربت في الساحل.

الآن وقد باتت الحرب على أرضها، تنشر قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو المعروف ب “حميدتي” على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمقاتلين في تشاد أو النيجر يعلنون دعمهم لها.

ويقول قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان العدو اللدود لدقلو، إن “مرتزقة جاؤوا من تشاد و(جمهورية) افريقيا الوسطى والنيجر” يقاتلون مع قوات الدعم السريع. وأكد الجيش أخيرا أنه قتل “قناصا أجنبيا”.

والأمر نفسه أورده موفد الأمم المتحدة الى السودان فولكر بيرثيس. فقد صرح أن “عدد المرتزقة الذين جاؤوا من مالي وتشاد والنيجر بدعم من قوات الدعم السريع لا يستهان به”.

وأكد شهود في الخرطوم أنهم سمعوا مقاتلين من قوات الدعم السريع يتحدثون الفرنسية وهي لغة لا يتحدث بها السودانيون، ما يشير الى أنهم قد قد يكونوا تشاديين.

مرتبات أفضل

وتدير عائلة دقلو جزءا كبيرا من مناجم الذهب في السودان، ثالث أكبر منتج للمعدن الأصفر في إفريقيا، وبالتالي فدقلو “يستطيع أن يدفع رواتب لا يمكن لكثيرون في افريقيا جنوب الصحراء مجاراته فيها”، كما قال لفرانس برس أندريا كريغ من “كينغز كولدج” في لندن.

وأضاف أن “تشاديين انضموا فعلا خلال السنوات الأخيرة الى قوات الدعم السريع من أجل الرواتب”.

وتعتبر تشاد البلد المتاخم لاقليم دارفور بغرب السودان، امتدادا طبيعيا بالنسبة لدقلو الذي ينتمي الى قبيلة الزريقات في دارفور حيث لا يكترث كثير الرعاة والمزارعون المهددون بالجفاف بالحدود الرسمية.

ومعظم قادة المجموعات المسلحة، بمن فيهم دقلو لهم أصول تشادية. وعلى امتداد الأجيال جندوا رجالا ثم أبناءهم ومنحوهم جميعا “جوازات سفر سودانية وأراضي هجرها أصحابها من القبائل غير العربية الذين اضطروا للنزوح” بسبب الحرب في الاقليم، بحسب ما أكد منذ 2017 مركز أبحاث “سمول أرمز سيرفاي”.

ويساند مرتزقة آخرون قوات الدعم السريع، وهم مقاتلو مجموعة فاغنر.

منذ أن لجأت افريقيا الوسطى في العام 2018 الى هؤلاء المقاتلين الروس لقمع تمرد لديها، يقول دبلوماسيون غربيون أنهم كانوا يرون قوافل من المرتزقة الروس في مطار الخرطوم وفي فنادق العاصمة السودانية.

ويشكل السودان قاعدة خلفية ولكن كذلك مصدر تمويل لفاغنر. فقد وقعت مناجم الذهب التابعة لعائلة دقلو عقودا مع شركات تعمل كواجهات لرئيس فاغنر يفغيني بريغوجين، وفق وزارة الخزانة الأميركية.

وأكد الخبير الأميركي كاميرون هدسون لفرانس برس أن “مجموعة فاغنر لا تحارب اليوم في السودان ولكن لديها مستشارين فنيين”.

– شركة عابرة للحدود-

القاعدة الخلفية لدقلو تقع في واقع الأمر في ليبيا.

ويؤكد كريغ أن المناطق الخاضعة لسيطرة اللواء خليفة حفتر، الرجل القوي بشرق ليبيا، تشكل “ملتقى لتسليم الأسلحة الى قوات الدعم السريع”.

ويتابع الخبير أن دولة الأمارات أرسلت الى حفتر في 2019 و2021 أطنانا من الأسلحة التي يمكن الآن أن تمنح الآن لقوات الدعم السريع من دون أن يتم رصدها”. ويشير الى وجود “صور تظهر فيها أسلحة إماراتية في السودان”.

وجاء أجانب آخرون الى السودان وسط الفوضى التي عمت بسبب مغادرة الدبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة والأجانب الآخرين.

ويؤكد هدسون أن “شركات صغيرة خاصة عدة تضم أساسا متقاعدين من القوات البريطانية الخاصة قاموا باجلاء أشخاص (من السودان) مقابل ما يراوح أحيانا بين 20 الف و50 الف دولار”.

ويقول ألكس دوفال الخبير في الشؤون السودانية، إن “المال والقتال قابلان للتبادل في السوق السياسية السودانية”. ويضيف في نشرة “لندن ريفيو أوف بوكس”، أن “حميدتي يتاجر في الاثنين”.

وهو يعتبر أن “قوات الدعم السريع باتت الآن شركة خاصة للمرتزقة عابرة للحدود”. و”شركة لاستخراج وبيع الذهب” و”الذراع المسلحة للإمبراطورية التجارية لحميدتي”.

واذا ما ربح دقلو الحرب “ستصبح الدولة السودانية فرعا لهذه الشركة العابرة للحدود”.

العربي الجديد: شباب يطلقون مبادرة “تفقد جارك” لإنقاذ العالقين معيشياً في الخرطوم

:

وسط الحصار المعيشي الذي تسببت فيه الاشتباكات في السودان، أطلق مجموعة من الشباب مبادرة عرفت باسم “تفقد جارك” بهدف إنقاذ العالقين معيشياً، لا سيما في العاصمة الخرطوم، الذين نفد مخزونهم السلعى، بينما توقفت عجلة الحياة.

يقول حسن إسماعيل أحد القائمين على المبادرة إن “تفقد جارك” تقوم بحصر الأسر التي لم تغادر الخرطوم، “حيث أنشأنا صندوق تبرعات يعنى بتقديم الدعم المادي والعيني للمواطنين في هذه المناطق، والأولوية في الصرف للأسر التي تعول الأطفال، كما تعمل على تكوين احتياطات سلعية لاستخدامها في حالة الطوارئ في ظل إغلاق الطرق والمرافق الصحية”.

وأدى الاقتتال بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و”قوات الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى تداعيات سلبية سريعة على الأوضاع المعيشية والأمنية في البلاد، حيث جاء في وقت تعاني فيه البلاد بالأساس من أزمة اقتصادية طويلة الأمد وتزايد الاحتياجات الإنسانية على نطاق واسع.

وتسبب الانفلات الأمني في انتشار أعمال النهب والسرقة وحرق المؤسسات والشركات، ما أدى إلى إغلاق الأسواق والمتاجر أبوابها، ونزحت معظم الأسر من الخرطوم باتجاه ولايات أخرى آمنة أو باتجاه الدول المجاورة.

يشير إسماعيل إلى أن مبادرة ” تفقد جارك” وجدت تجاوباً في العديد من أحياء الخرطوم، التي استطاع كثير من التجار نقل بضاعتهم من الأسواق إلى منازلهم خوفاً من السرقة والحريق، حيث ساهموا في المبادرة بطريقة فاعلة.

من ناحية أخرى شكا مواطنون من تدهور التطبيقات المصرفية، التي حرمت كثيرا منهم من الاستفادة من تحويلات أقاربهم في الخارج، ما زاد من الصعوبات المعيشية التي يواجهونها.

ومع اشتداد الأزمة المعيشية لجأت أسر كثيرة إلى عرض مقتنياتها للبيع بأي سعر، لكنها لم تجد من يشتري لانعدام السيولة في أيدي المواطنين.

تقول آسيا خلف الله ربة منزل إنها عرضت أسطوانة غاز للبيع لحاجتها الشديدة لشراء دواء لطفلها المريض، لكنها لم تجد مشتر بأي ثمن. كما قالت بدرية عز الدين إنها لجأت إلى بيع بعض مقتنياتها بثمن بخس بغرض توفير بعض الأموال من أجل التنقل للحاق بأسرتها فى حلفا الجديدة هرباً من الأوضاع الحالية.

ولم يسلم كثيرون ممن تركوا منازلهم واستقروا في ولايات أخرى من المعاناة المعيشية، حيث قالت فتحية إسحاق التي تعمل معلمة في أم درمان، إنها ذهبت إلى ولاية الجزيرة برفقة أبنائها هربا من الحرب في الخرطوم، مضيفة: “ما إن استقر بنا المقام في منطقة آمنة حتى واجهنا صعوبة فى المعيشة فاضطررت إلى عرض بعض ما أقتنيه من مشغولات ذهببية، لكن فوجئت بالسعر المتدني الذي عُرض علي من قبل تجار الذهب في مدينة مدني عاصمة ولاية الجزيرة، ورغم ذلك اضطررت للبيع لتدبير احتياجات العيش”.

ومع استمرار الحرب وتوقف الأعمال ونزوح الكثيرين، توقع خبراء انعكاس ذلك على المجتمع خاصة في الخرطوم ويمتد أثره إلى الولايات المنتجة، خاصة أن الموسم الزراعي على الأبواب، مشيرا إلى أن استمرار الحال سيؤدي إلى فشل الموسم القادم ما يؤثر بشكل حاد على مستويات الأسعار والمعروض من السلع.

يقول المحلل الاقتصادي أحمد خليل، إن الوضع الحالي يتسبب في ارتفاع تكاليف الإنتاج خاصة ما يتعلق بتوفير الوقود، ما يؤدي الى ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية. وما يزيد من الأزمة هو توقف عمليات الاستيراد، إذ أعلنت مجموعة مولر ــ ميرسك العملاقة لشحن الحاويات، في بيان لها نهاية إبريل/ نيسان الماضي، أنها أوقفت تلقي حجوزات جديدة للبضائع للسودان، بسبب الاشتباكات الدائرة في البلاد.

وقبل الاشتباكات الأخيرة، كان السودان يواجه بالأساس صدمات معيشية واضطرابات اجتماعية، وسط ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي أدت إلى الفقر والجوع والنزوح، وفق تقرير حديث للجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة غير حكومية عالمية مختصة بتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثة والتنمية، مشيرة إلى أن 39% من السكان يعانون من مستويات قصوى من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

الجسور العشرة.. من يملك مفاتيح الخرطوم؟

ـ يسيطر الجيش السوداني على 6 جسور بالخرطوم بينما تتحكم قوات الدعم السريع في 4 جسور
ـ يتقاسم الجيش وقوات الدعم السريع بالتساوي السيطرة على الجسور الواقعة على نهر النيل الأزرق (3/3) ونهر النيل (1/1)، بينما يحتكر الجيش السيطرة على جسرا نهر النيل الأبيض الذي يربطان أم درمان بقلب الخرطوم

 

مع دخول معارك الخرطوم مرحلة الاستنزاف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تصاعدت أهمية الجسور النهرية العشرة التي تربط مدن العاصمة الثلاث.

فالطبيعة الجغرافية المتميزة للخرطوم، فرضت على طرفي الصراع خوض معركة الجسور، التي تمثل مفتاح السيطرة على العاصمة.

ـ العاصمة الثلاثية والجسور العشرة

الخرطوم تمثل ملتقى النهر الأبيض القادم من بحيرة فكتوريا في قلب إفريقيا، ليلتقي بالنيل الأزرق، الأغزر مياها، وينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا، وعليه تشيد أديس أبابا سد النهضة المثير للجدل.

ويلتقي النيلان الأبيض والأزرق في منطقة المقرن، والتي تتوسطها جزيرة توتي، ذات المناخ المعتدل والمتميز مقارنة ببقية مدن الخرطوم، وسكانها يمتهنون الزراعة على الطريقة التقليدية، ولا توجد بها مقرات رسمية أو منتجعات سياحية، لذلك لا تمثل أهمية استراتيجية.

ومن منطقة المقرن ينطلق نهر النيل شمالا نحو مصر أين يصب في البحر الأبيض المتوسط.

والتقاء الأنهار الثلاثة في شكل خرطوم فيل، منح العاصمة السودانية اسم الخرطوم.

وقسمت الأنهار الثلاثة (النيل الأبيض، والنيل الأزرق، والنيل) العاصمة إلى ثلاث مدن:

ـ الخرطوم وتعتبر المركز وتحتضن مقرات السيادة، مثل القصر الجمهوري، ومقر قيادة الجيش، والمطار الدولي، بالإضافة إلى أكبر الفنادق والمراكز التجارية والمنتجعات السياحية، وهي أقل مساحة وأكثر كثافة وتقع جنوبي العاصمة التي تحمل نفس الاسم.

ـ أم درمان: وتعتبر العاصمة التاريخية للسودان خلال ثورة الإمام المهدي، ومازالت إلى اليوم معقلا لحزب الأمة، الذي أسسه الصادق المهدي، وتقع على الجهة الغربية والشمالية الغربية منفتحة على إقليم دارفور، وبها مقر الإذاعة والتلفزيون (حكومي).

ـ خرطوم بحري: وتقع على الجهة الشرقية والشمالية الشرقية، منفتحة على ميناء بورتسودان الاستراتيجي على البحر الأحمر، وعلى الولايات الشرقية الحدودية مع إثيوبيا وإريتريا، وتعتبر مركز الطريقة الختمية، وحزبها الاتحادي الديمقراطي بقيادة عائلة الميرغني، وتتميز بجوها اللطيف لذلك تسمى بحري.

ويربط مدن العاصمة الثلاثة، 10 جسور بالإضافة إلى جسر الدباسين على نهر النيل الأبيض، الذي مازال قيد الإنشاء منذ 2003.

حيث يوجد 5 جسور على نهر النيل الأزرق، و3 جسور على نهر النيل الأبيض، وجسران على نهر النيل.

وتختلف الأهمية الاستراتيجية لكل جسر حسب الدور الذي يمكن أن يلعبه، لكن الجسور المؤدية نحو القصر الجمهوري ومقر القيادة العسكري ومطار الخرطوم، تمثل الأخطر، والسيطرة عليها يحرم الطرف الآخر من حرية الحركة والمناورة من وإلى مركز العاصمة.

وعلى رأس هذه الجسور ذات الأهمية الاستراتيجية التي يشتد حولها القتال: جسر الملك نمر، وجسر النيل الأزرق، وجسر كوبر، على النهر الأزرق، وجسر النيل الأبيض وجسر الإنقاذ، على النهر الأبيض.

أ/ جسور نهر النيل الأزرق:

ويربط مدينة الخرطوم بمدنية خرطوم بحري

  1. جسر الملك نمر: وتسيطر عليه قوات الدعم السريع، ويؤدي إلى القصر الجمهوري، ومقر وزارة الخارجية، ويربط خرطوم بحري بقلب الخرطوم الأكثر ازدحاما، كما أنه قريب من المقرات الأمنية والعسكرية والمطار الدولي.
  2. جسر النيل الأزرق: ويخضع لسيطرة الجيش، ويؤدي إلى مقر القيادة العامة للجيش، الذي يتقاسم السيطرة فيه مع قوات الدعم السريع، حيث تجري اشتباكات بين الطرفين للسيطرة الكاملة عليه، ويضم مقرات القوات الجوية والبرية والبحرية، وجهاز المخابرات، ومقر قيادة الدعم السريع، وقصر الضيافة الذي يوجد به منزل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
  3. جسر كوبر: ويخضع لسيطرة غير مؤكدة للجيش، بالنظر للاشتباكات الواقعة بالقرب منه من ناحية “بحري”، وهو أقرب جسر لمطار الخرطوم الدولي، المحاذي لمقر قيادة الجيش، أما من جهة خرطوم بحري فقريب من سجن كوبر المركزي، والذي كان الرئيس المخلوع عمر البشير، مسجونا فيه…
  4. جسر المنشية: يخضع لمراقبة الجيش، يعد الوحيد على الجهة الشرقية لمدينة الخرطوم، حيث يمثل البوابة الشرقية المؤدية للمطار، رغم بعده النسبي عنه مقارنة بالجسور الثلاثة الشمالية، لكنه قريب من مصفاة البترول، التي تقول وسائل إعلام إن قوات الدعم السريع استولت منها على كميات كبيرة من الوقود لتشغيل عرباتها المسلحة.
  5. جسر توتي: ويخضع لسلطة قوات الدعم السريع، ويربط مدينة الخرطوم بجزيرة توتي، وليست له أهمية استراتيجية، خاصة أن الجزيرة يقطنها مزارعون ولا توجد فيها مقرات سيادية أو عسكرية، لكن يمكن استخدامها كقاعدة خلفية لتخزين الذخائر والمؤن وعلاج الجراح غير المستعصية.
  6. جسر سوبا: ويخضع لقوات الدعم السريع، ويعد آخر جسر على نهر النيل الأزرق جهة الجنوب، وتعتبر منطقة سوبا نقطة انطلاق هجوم قوات الدعم السريع على مقرات القيادة والسيطرة، ويوجد بها سجن سوبا، أحد أكبر السجون في الخرطوم، وكلية الشرطة، ويمكن لهذا الجسر أن يمثل أحد الخيارات لقوات الدعم السريع للمناورة ومنع تطويقها وسط الخرطوم، أو إرسال تعزيزات لخرطوم بحري.

ب/ جسرا نهر النيل الأبيض

ويربطان بين مدينتي الخرطوم وأم درمان:

  1. جسر النيل الأبيض: يخضع لسيطرة الجيش، ويمثل أهم جسر على نهر النيل الأبيض، حيث يصل أم درمان بأشهر شارع في السودان، وهو شارع النيل الذي يلتف على مدينة الخرطوم من الشمال مارا على القصر الجمهوري، ومقر الحكومة، وعدة مقرات وزارية، أما من جهة أم درمان فيؤدي إلى مستشفى السلاح الطبي، وإلى مقر قيادة سلاح المهندسين، وهو الجسر الذي تمكن الجيش السوداني من وقف زحف أرتال مسلحي حركة العدل والمساواة من دارفور للسيطرة على الخرطوم في عام 2008.
  2. جسر الإنقاذ: ويخضع لسيطرة الجيش، يؤدي إلى مقر البنك المركزي وغابة السنط من جهة الخرطوم، وإلى كلية القادة والأركان العسكرية وأكاديمية نميري العسكرية العليا من جهة أم درمان.

ج/ جسرا نهر النيل

ويربطان أم درمان وخرطوم بحري:

  1. جسر شنبات: وتسيطر عليه قوات الدعم السريع، وتعد منطقة شنبات نقطة انطلاق هجوم قوات السريع من الشمال إلى جانب سوبا من الجنوب، وتكمن أهميته في أن تعزيزات قوات الدعم السريع من دارفور (غرب) تعبر من خلاله إلى خرطوم بحري، وعبر جسر الملك نمر تكون في القصر الرئاسي دون أن تعترضها وحدات الجيش البرية باستثناء الطيران، لذلك يحاول الجيش استعادته لأهميته الاستراتيجية، خاصة وأنه يؤدي إلى مقر الإذاعة والتلفزيون في أم درمان.
  2. جسر حلفايا: يسيطر عليه الجيش، ويمثل أبعد جسر في شمال الخرطوم، وعبره يمكن الوصول إلى قاعدة وادي سيدنا الجوية، في أقصى شمال ولاية الخرطوم من جهة أم درمان.

وتنطلق من القاعدة المقاتلات الهجومية والمروحيات لاستهداف تمركزات قوات الدعم السريع، التي بدورها تحاول الوصول إليها لوقف الضربات الجوية على عناصرها، والسيطرة على الكلية الحربية ومقرات مختلف التشكيلات العسكرية المنتشرة بكثافة في منطقة وادي سيدنا.

في المحصلة يسيطر الجيش على 6 جسور؛ 3 منها على نهر النيل الأزرق، وعلى جسرا نهر النيل الأبيض، وعلى جسر على نهر النيل.

بينما تسيطر قوات الدعم السريع على أربعة جسور؛ 3 منها على نهر النيل الأزرق، وواحد على نهر النيل، ولا تسيطر على أي جسر على نهر النيل الأبيض رغم انتشارها بكثافة في أم درمان.

ويعكس هذا الوضع نوعا من التوازن في السيطرة على الجسور مع أفضلية مؤقتة للجيش، لكن قوات الدعم السريع لديها انتشار أوسع في الأحياء القريبة من رؤوس الجسور، وفق تقارير إعلامية، وقد يكون ذلك خشية استهدافها من الطيران في مناطق مكشوفة أو حتى احتمال تدمير الجسور لإعاقة حركتها.

ويفسر هذا التوازن صعوبة كل طرف في حسم المعركة سريعا، بالنظر لأن كليهما نقاط قوة ونقاط ضعف تجعلهما غير قادرين على إنهاء معركة الخرطوم.

المزارعون والحرفيون لا يجدون زبائن منذ اندلاع الحرب

الخرطوم (أ ف ب) – كان ابراهيم عبد القادر يبيع إنتاجه من الطماطم في سوق الخضار المركزية في الخرطوم قبل اندلاع النزاع… اليوم، يضطر الى تسويقه في قرى محيطة بمكان إقامته، ولكنه يبيع بالخسارة، لأن الزبائن بمعظمهم نازحون لا يملكون شيئا.

ويقول عبد القادر متحسّرا “المشترون يعرضون علينا ألفي جنيه سوداني ( أكثر قليلا من ثلاثة دولارات) للقفص الذي يحوي عشرة كيلوغرامات وهذا لا يغطي حتى كلفة النقل من المزرعة الى هنا”.

ومنذ بدء المعارك بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، يرفض أصحاب الشاحنات، باستثناء قلة، الذهاب إلى الخرطوم، “لأنهم لا يريدون أن يموتوا أو أن يخسروا شاحنتهم”، والذين يوافقون على الذهاب “يطلبون مبالغ كبيرة خصوصا بعد تضاعف سعر الوقود ثلاث مرات”.

على الرغم من ذلك، يواصل المزارعون في القرى المجاورة للخرطوم عملهم كالعادة في موسم الحصاد ويضربون الأرض بمعاولهم لاستخراج البصل.

ويزرع الخطيب ياسين (40 عاما) الفول السوداني الذي تشتهر به بلاده.

ويقول الرجل الذي ارتدى جلبابا وبنطالا من اللون البني الفاتح لوكالة فرانس برس “لدينا مشكلة واحدة، ليس هناك مشترون” يؤمنون استمرارية القطاع الزراعي الذي يمثل 40% من إجمالي الناتج القومي و80% من الوظائف في المناطق الريفية، بحسب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية.

حصاد البصل في منطقة في ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم في 11 أيار/مايو 2023

حصاد البصل في منطقة في ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم في 11 أيار/مايو 2023 © / ا ف ب

محاصيل تتلف وحرب تطول

ويقول حسين الأمين الذي يزرع البامية في مساحة خمسة فدادين (الفدان يساوي قرابة 4 آلاف متر مربع) على مقربة من الضفة الغربية للنيل الأزرق، إنه باع خضرواته في الخرطوم للمرة الأخيرة “قبل الحرب بيوم واحد”.

ويضيف “الآن بدأ المحصول يتلف لعدم جنيه. كما أننا توقفنا عن ريه بالماء لعدم توفر الوقود اللازم لتشغيل رافعة المياه للري”.

وبحسب الأمم المتحدة، كان 65% من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر في العام 2020. قبل الحرب، كان ثلث السكان يعانون من الجوع. اليوم، بالإضافة الى الموسم الزراعي الكارثي، نُهبت المساعدات الغذائية من مخازن المنظمات الانسانية.

وحذّرت الأمم المتحدة من أن 2,5 مليون نازح إضافي سيعانون من الجوع يوميا إذا استمرت الحرب.

ويتابع الأمين بأسف “كان لدينا أمل بأن تتوقف الحرب سريعا، لكن يبدو أن هذا الأمر بعيد المنال”.

وقُتل أكثر من 750 شخصا في السودان منذ اندلاع الحرب، كما جرح أكثر من خمسة آلاف ونزح قرابة مليون شخص من منازلهم، ثلثهم ذهبوا الى دول مجاورة.

وفقدت حرم آدم الأمل في أن تتوقف الحرب في الخرطوم، فتركت مقهاها الصغير في العاصمة ونزحت مخلّفة وراءها ملايين من سكان الخرطوم الذين يعيشون خلف الأبواب المغلقة في منازلهم خوفا من الموت في الشارع.

قطف خضار في منطقة في ولاية الجزيرة الى جنوب الخرطوم  في 11 أيار/مايو 2023

 

قطف خضار في منطقة في ولاية الجزيرة الى جنوب الخرطوم في 11 أيار/مايو 2023 © / ا ف ب

في الحصاحيصا، في ولاية الجزيرة على بعد 120 كيلومترا جنوب الخرطوم، وجدت آدم مياها جارية وتغذية ببضع ساعات من الكهرباء يوميا. والأهم، لم تعد تسمع أصوات القصف المتواصل.

ولكنها تجد صعوبة في توفير احتياجاتها الأساسية مع بناتها الثلاث.

وتقول “في الخرطوم، كان دخلي اليومي لا يقل عن 100 ألف ليرة يوميا”.

أما في الحصاحيصا حيث افترشت الأرض تحت شجرة مع بائعات أخريات لبيع الشاي والقهوة. فلا يزيد دخلها “عن عشرة آلاف ليرة”.

مغادرة البلاد الى الأبد

وجلس آدم عيسى الذي يمتهن خياطة الملابس منذ ثلاثين عاما، في ممر بين محلات تجارية في سوق مدينة الحصاحيصا خلف ماكينة خياطه يحتسي كوبا من القهوة. ويقول “في الخرطوم عندي محل فيه ثلاث ماكينات أعمل على واحده ومعي عاملان يعملان على الأخريين. الآن، أستأجر هذه الماكينة وأدفع إيجار المكان والعمل قليل جدا”.

ويتابع “ما أجنيه لا يكفي احتياجات أسرتي المكوّنة من ستة أفراد”.

أما زاهر دفع الله الذي كان يبيع أصنافا من الخضروات على قارعة الطريق، فقد كان موظفا في مصنع لإنتاج الحديد مملوكا لأجانب في الخرطوم.

مع بداية القتال، أغلقت أبواب المصنع وانقطع الاتصال.

عاد دفع الله مع أسرته الى القرية التي يتحدّر منها وتبعد خمسة كيلومترات غرب الحصاحيصا حيث “قررت أن أبدأ هذا العمل لتوفير احتياجات أسرتي، لكن العائد قليل جدا”.

وشاهد دفع الله على شاشات التلفزيون الأجانب وهم يهربون عبر البحر أو الجو في رحلات تنظمها على عجل البعثات الأجنبية في السودان.

ويقول بقلق “أتمنى فقط ألا يكون أصحاب المصنع قرروا مغادرة السودان بشكل نهائي”.

السودان.. من محضن اللاجئين إلى مصدّر لهم

الخرطوم: بعدما فتح السودان أذرعه لملايين اللاجئين الذين تقطّعت بهم السبل طوال عقود ماضية، يجد السودانيون أنفسهم اليوم مضطرين إلى النزوح إلى دول الجوار مع استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع.
والمفارقة أن اللاجئين في السودان أصبحوا مضطرين إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية، أو البحث عن بلد ثالث أكثر استقرارا.

لاجئون يحتمون بالسودان

ولا توجد إحصاءات دقيقة بشأن عدد اللاجئين في السودان، خاصة في ظل حركة اللاجئين من وإلى البلاد.

بعض التقديرات تضعهم بين 8 و10 ملايين لاجئ، منهم ما بين 3 و4 مليون لاجئ إثيوبي، ونحو 3 ملايين من دولة جنوب السودان، ونحو 700 ألف يمني، و250 ألف سوري، بالإضافة إلى آلاف من الإريتريين، وحتى القادمين من منفاهم في إقليم تيغراي بإثيوبيا.
غير أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تقدر عدد اللاجئين في السودان أكثر من مليون لاجئ، منهم 800 ألف لاجئ من دولة جنوب السودان، التي استقلت عن الخرطوم رسميا في عام 2011، ربعهم يعيشون في العاصمة الخرطوم، التي تشهد اشتباكات عنيفة.
الفرق الشاسع بين تقديرات مفوضية اللاجئين والتقديرات الإعلامية يعود إلى معايير التصنيف، إذ إن الأخيرة تضم مثلا كل مواطني جنوب السودان إلى فئة اللاجئين بمن فيهم الطلبة والتجار والمقيمين والذين لا تنطبق عليهم صفة اللجوء.

السودانيون يبحثون عن اللجوء

بعد نحو ثلاثة أسابيع من الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم، لا توجد آمال كبيرة بتوقف القتال قريبا، لذلك تزداد حركة لجوء عكسي للسودانيين إلى دول الجوار على غرار تشاد وجنوب السودان ومصر وحتى ليبيا، وفق الأمم المتحدة.
بينما لم تسجل الأمم المتحدة في آخر تقاريرها نزوحا إلى إثيوبيا وإريتريا وجمهورية إفريقيا الوسطى، المجاورة هي الأخرى للسودان.
ففي تقرير للأمم المتحدة صدر في 25 إبريل/نيسان المنصرم، أي بعد عشرة أيام من بداية الاشتباكات، كشف عن تصاعد حركة لجوء السودانيين نحو تشاد، وجنوب السودان، ومصر. إذ كشف التقرير عن وصول نحو 20 ألف لاجئ سوداني من إقليم دارفور إلى شرق تشاد، التي تحتضن أصلا نحو 400 ألف لاجئ من أيام حرب دارفور الأولى (2019 -2003) في 13 مخيما للاجئين بالبلد الإفريقي، الذي يعاني هو الآخر أوضاعا أمنية هشّة. بينما بلغ عدد اللاجئين السودانيين في دولة جنوب السودان نحو 4 آلاف وفق التقرير الأممي، غير أن سلطات جنوب السودان، قدمت في 4 مايو/أيار الجاري، أرقاما أكبر، إذ كشف وزير خارجيتها المكلف “دينغ داو دينغ”، أن عدد اللاجئين السودانيين في بلاده، ارتفع إلى نحو 25 ألف شخص. وهذه الأرقام مرشحة للارتفاع مع تواصل القتال، خاصة في الخرطوم، وفي ولايات إقليم دارفور الخمسة (غرب)، وبالأخص ولاية غرب دارفور، وبدرجة أقل في قاعدة مروي الجوية، بالولاية الشمالية (شمال)، وفي قاعدة الأُبيِّض الجوية بشمال كردوفان (جنوب)، وبمنطقة الدمازين، بولاية النيل الأزرق (جنوب) وفي ولاية القضارف (شرق)، وفق بيانات أممية.
فالاشتباكات طالت نحو عشر ولايات بشكل متفاوت، إلى أن النصيب الأكبر من القتلى كان في الخرطوم وإقليم دارفور، ما أدى إلى موجات نزوح داخلية، ولجوء إلى تشاد وجنوب السودان.
أما مصر فلم تشهد في الأيام الأولى موجات لجوء كبيرة إلا أن أعداد اللاجئين سرعان ما تضاعفت وبلغت 16 ألف لاجئ منهم قرابة 15 ألف سوداني والبقية من نحو 50 جنسية، بحسب الخارجية المصرية. وتضاف هذه الأعداد إلى نحو 86 ألف طالب لجوء سوداني في مصر، قبل اندلاع الاشتباكات الأخيرة منتصف إبريل الماضي، فضلا عن نحو 4 ملايين سوداني مقيم.
وترتفع الأصوات داخل مصر لإلغاء التأشيرة عن اللاجئين السودانيين لأسباب إنسانية وفتح الحدود أمامهم إلى غاية استقرار الأوضاع الداخلية عندهم، في حين تتحفظ أطراف أخرى عن رفع التأشيرة لأسباب أمنية.
ولم تذكر بيانات الأمم المتحدة أعدادا محددة للاجئين السودانيين الفارّين إلى ليبيا عبر الحدود، ولكن حتى قبل الاشتباكات الأخيرة، كانت الطريق إلى ليبيا أقصر سبيل نحو أوروبا لقربها من السواحل الإيطالية والمالطية. ويقدر عدد طالبي اللجوء السودانيين في ليبيا نحو 15 ألف، وفق المفوضية الأممية للاجئين.

من اللجوء إلى اللجوء

يجد اللاجئون في السودان أنفسهم في مأزق جديد، فالبلاد التي احتموا بها أصبحت على حافة حرب أهلية، ما سيدفعهم إما إلى العودة إلى بلدانهم مثلما يفعل أبناء جنوب السودان، الذين تحولوا من مواطنين سودانيين إلى لاجئين (أو مقيمين) وإما البحث عن الأرض الأخيرة للفرار إليها.
وهذا المصير ينتظر اللاجئين الإثيوبيين، خاصة الذين فروا خلال الأشهر الماضية من إقليم تيغراي، الذي شهد أعمال عنف ما بين عامي 2020 و2022، ما اضطر نحو 60 ألف من سكان الإقليم إلى الفرار إلى شرق السودان.
أما المناطق الشرقية للبلاد فأكثر هدوءا، فنحو 33 ألف من سكان الخرطوم نزحوا إلى الولايات الشرقية، التي شهدت قدرا محدودا من الاشتباكات، وفق تقارير أممية، تحدثت أيضا عن فرار نحو 5 آلاف نازح من الخرطوم إلى مخيمات اللاجئين في ولاية كسلا (شرق) وألفين في ولاية القضارف (شرق).
لكن إذا توسعت المعارك لتشمل المناطق الحدودية فمن المتوقع أن يضطر جزء من اللاجئين الإثيوبيين إلى العودة إلى مناطقهم في تيغراي، وهو ما بدأ يحدث فعلا عقب توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الاتحادية في أديس أبابا، وجبهة تحرير شعب تيغراي (المتمردة).
فيما تقدر مفوضية اللاجئين الأممية عدد النازحين السودانيين داخليا بنحو 3.7 مليون نازح، بسبب الحروب خاصة في دارفور وفي جنوب السودان.
ورغم تقلص أعداد النازحين السودانيين الذين كان عددهم يقدر بنحو 7 ملايين نازح بعد طي الحرب في دارفور (2019) وجنوب السودان (2005)، إلا أن تواصل الاقتتال بين قوات الدعم السريع والجيش، ولفترات طويلة يهدد باشتعال موجة أكبر من اللجوء.

(الأناضول)

“دعاء السفر” وأحلام محطمة في مطار بورتسودان

بعد أيام قضوها على الطريق هربا من المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، يتلو كثيرون منهم الدعاء بهدوء أملا في مغادرة بلدهم الغارق في الحرب.

ويسعى مدنيون بعد ما يقرب من شهر من اندلاع النزاع، الى الفرار على متن طائرات وسفن حاملين أغراض محدودة وتاركين وراءهم منازل وأقرباء وأحلام قضت عليها المعارك.

بالنسبة لأولئك الذين اصطفوا في قاعات المطار الصغير في شرق السودان، بعد رحلة محفوفة بالمخاطر من الخرطوم على بعد حوالى 850 كيلومترًا بالسيارة أو الحافلة، بدا الخروج قريبا أخيرا.

لكن بعد ساعات من الانتظار، شوهد عدد قليل منهم فقط يسيرون ببطء تحت أشعة الشمس باتجاه طائرتين على مدرج المطار، وقد حمل بعضهم أطفالًا وأمتعة صغيرة.

من بينهم طبيب الأسنان سعيد نور الدائن سعيد (25 عاماً)، واحد من عشرات الأشخاص المحظوظين الذين تم إجلاؤهم على متن طائرة إماراتية متوجهة إلى أبوظبي.

وقال سعيد الذي كان يرتدي قميصًا أحمر ويستعد لملاقاة والديه في الإمارات العربية المتحدة “أمضيت يومين على الطريق”.

وأضاف لوكالة فرانس برس على متن الطائرة الإماراتية “استيقظت على صوت إطلاق النار يوم اندلعت الحرب… ومنذ ذلك الحين رأيت اشياء مروعة”.

رغم الاضطرابات السياسية، اتخذ سعيد قرار البقاء في السودان بعد تخرجه من الجامعة في الخرطوم قبل عامين، وكان يأمل في افتتاح عيادة كبيرة ذات يوم.

وقال الشاب بابتسامة حزينة “لا أفهم حقا ما حدث. تركت كل شيء ورائي. لقد انكسر الحلم”.

وقُتل أكثر من 750 شخصًا منذ اندلاع المعارك في 15 نيسان/أبريل. وبحسب وكالات الأمم المتحدة، فرّ حوالى 177 ألف شخص من البلد الفقير، بينما نزح أكثر من 736 ألف شخص داخليا.

“فوضى”

على متن الطائرة ذاتها، روى عبد الرحمن إبراهيم عبد الخالق ( 16 عامًا) كيف قرّر مع والدته وشقيقته الفرار من منزلهم في الخرطوم عندما اقترب الاقتتال.

وقال إنهم استقلوا حافلة إلى بورتسودان أمضوا على متنها يوما ونصف قبل أن يتمكنوا أخيرًا من الصعود إلى الطائرة، وبدأت الوالدة بتلاوة الأدعية مع إقلاع الطائرة.

وأوضح الشاب السوداني الذي أراد دراسة الهندسة الكهربائية وكانت لديه خطط للالتحاق بالجامعة العام المقبل “لم يعد هناك أمان، إنها فوضى. كثر من أصدقائي غادروا بالفعل”.

وتابع “أعتقد أن هذا (دراسة الهندسة) انتهى الآن. كنت آمل في الواقع أن أرى البلاد تتطور ولكن الآن أعتقد أن السودان يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل لاستعادة الاستقرار”.

الذين لم يتمكنوا من الفرار يعانون من نقص في الغذاء والضروريات الأخرى، ويعيشون بفضل شبكة تضامن ومساعدات بين الأصدقاء والجيران.

وتقدّم دول الجوار مساعدات وتقوم بإجلاء مئات الأشخاص من جنسيات مختلفة منذ بداية القتال.

ونقلت الطائرة الإماراتية التي أجلت سعيد وعبد الخالق وآخرين الأربعاء أطناناً من الإمدادات الطبية. وبحسب السفير الإماراتي حمد محمد الجنيبي، أرسلت بلاده حتى الآن 10 طائرات تحمل أكثر من 450 طنا من المساعدات الغذائية والطبية.

وقال لوكالة فرانس برس في المطار “الجسر الجوي الاماراتي سيستمر”.

في صالة المطار الرئيسية، اقترب الركاب القلقون من عناصر الأمن ليستفسروا عن كيفية مغادرة البلاد، وقد حمل بعضهم أكياسا بلاستيكية وضعوا فيها أطعمة وفاكهة.

وجلس محمد، موظف المطار البالغ من العمر 70 عامًا، على مقعد في وسط الصالة، ينتظر تلقي راتبه المتأخر وقد وضع على رأسه عمامة بيضاء تقليدية.

وقال بالإنكليزية “لم يعد لدي مال”، ثم استدرك “إن شاء الله تتحسن الأمور”.

قوات الدعم السريع تقتحم المنازل وتستخدمها مقرات عسكرية

الخرطوم (أ ف ب) – مع بداية المعارك في السودان، لزم محمد منزله للاحتماء فيه مع أسرته في منطقة بحري شمال الخرطوم، الى أن فوجىء بأفراد من قوات الدعم السريع يقفون على عتبة بيته قبل أن يخرجوه منه.

وتعد منطقة بحري من البؤر التي تشهد اشتباكات مكثفة منذ أن اندلع النزاع في 15 نيسان/أبريل بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”.

في اليوم الرابع من الاشتباكات وبينما كان محمد (45 عاما) (اسم مستعار) وأسرته في المنزل وسط أزيز الرصاص ودوي الانفجارات التي تصمّ الآذان، “توقفت أربع سيارات تقل أفرادا من الدعم السريع أمام البناية التي نسكن بها”، وفق ما يروي لوكالة فرانس برس.

ويتابع “أخذوا يطرقون الأبواب ويطلبون منا المغادرة.. فخرجنا إلى شمال بحري”.

وقرّر محمد أن يعود إلى بيته بعد ثلاثة أيام من المغادرة. ويضيف “وجدت البناية وقد تحوّلت إلى ثكنة عسكرية ورأيت أسلحة وذخائر”.

ويتابع “تم التحقيق معي حتى يسمحوا لي بالدخول إلى شقتي”.

ودفعت المعارك التي تستخدم فيها أسلحة ثقيلة وطائرات، الملايين إلى ملازمة منازلهم، وسط انقطاع الكهرباء مع صعوبة الحصول على الموارد من ماء وغذاء ودواء ومال.

من منزل إلى ثكنة عسكرية

خلال الأسابيع الماضية قال شهود في الخرطوم إن مقاتلي قوات الدعم السريع يتمركزون في شوارع سكنية، ويختبئ الجنود داخل شاحنات مموهة تحت الأشجار.

كذلك شوهد مقاتلون يتجولون في الشوارع بزيهم العسكري مستقلين شاحنات صغيرة ويحملون الرشاشات الثقيلة، وأبلغ العديد من سكان العاصمة – البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة تقريبا – عن تعرض منازلهم لاعتداءات.

كان السوداني بابكر (اسم مستعار) البالغ من العمر 44 عاما، من بين كثيرين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في وسط الخرطوم وسط تبادل النيران المستمر، إلا أنه عاد بعد أسبوعين ليجد بيته مشغولا.

ويقول لفرانس برس “ذهبنا إلى أهلنا في جنوب الخرطوم وبعد أسبوعين عُدت لتفقد المنزل فوجدت أكثر من 20 عنصرا من الدعم السريع يقيمون فيه”.

ويضيف “يستخدمون كل أدوات المنزل ويطهون طعامهم في مطبخنا.. وجدت جميع الغرف التي أغلقناها قبل أن نغادر، مفتوحة”.

ولا يتوقف الأمر عند اقتحام المنازل، إذ أفادت لجان المقاومة، وهي مجموعات غير رسمية ظهرت خلال الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير من الحكم في عام 2019، بأن قوات الدعم السريع سيطرت على العديد من المستشفيات والمرافق الطبية وحولتها إلى “ثكنات”.

ودانت منظمة الصحة العالمية الاحتلال العسكري للمستشفيات ووصفته بأنه “انتهاك صارخ”.

وكتبت مستخدمة سودانية على حسابها على “تويتر” الأسبوع الماضي “استولت قوات الدعم السريع على منزل عائلتي في الخرطوم حيث وثائقنا ومقتنياتنا الثمينة وجميع ذكرياتنا أنا وأبناء عمومتي”.

وأسفرت المعارك منذ نشوبها عن سقوط أكثر من 750 قتيلاً وخمسة آلاف جريح، بحسب منظمات غير حكومية والسلطات، في ظل فشل هدنة وراء أخرى أعلنها الطرفان المتناحران على السلطة. ويلقي كل طرف باللوم على الآخر في خرق وقف إطلاق النار.

وأفادت الأمم المتحدة أن حوالى 900 ألف شخص نزحوا إلى مناطق بمنأى عن المعارك، بينهم 177 ألفا لجأوا إلى دول الجوار، فيما تخطى عدد النازحين داخليا 700 ألف شخص، ما يزيد عن ضعف العدد الذي أُحصي قبل أسبوع.

“سلاح في الشرفة”

حتى البعثات الدبلوماسية لم تسلم من الاعتداءات.

في الثالث من أيار/مايو، أعلنت السعودية التي تنظم عمليات لإجلاء مدنيين وتقود جهوداً لوقف المعارك، أنّ مجموعة مسلّحة اقتحمت وخرّبت ملحقيتها الثقافية في السودان.

ودانت السعودية الاقتحام ودعت إلى احتواء التصعيد ووضع حد للعنف.

في 17 نيسان/أبريل، تعرّض سفير الاتّحاد الأوروبي في السودان لاعتداء في منزله في الخرطوم، بحسب بيان للاتحاد الأوروبي لم يوضح الجهة التي نفذت الهجوم.

وبدأت حكومات دول عدة منذ الأيام الأولى للنزاع بإجلاء الآلاف من رعاياها برا وبحرا وجوا.

وحتى الآن، تتعثر جهود الوساطة الدبلوماسية لوقف القتال، ولم تحرز محادثات تجري بمدينة جدة السعودية بين ممثلين عن الطرفين، بوساطة سعودية-أميركية، أي تقدم بعد.

وتقول الشابة السودانية تهاني (اسم مستعار) البالغة من العمر 33 عاما، أنها تخلّت عن آمالها في وقف القتال وقرّرت الانضمام إلى عشرات الآلاف من السودانيين الذين شرعوا في رحلة طويلة شاقة إلى مصر للفرار من جحيم المعارك.

وتوضح أنها غادرت مع أسرتها إلى منزل أقاربها عندما اشتد القتال، وعندما قررت السفر إلى خارج البلاد عادت مع والدتها إلى المنزل لجمع بعض الأغراض، إلا أن “ضباطا من الدعم السريع كانوا يفترشون الأرض أمام منزلنا ودخلنا المنزل برفقة عنصر منهم”.

وتضيف مذعورة “وجدنا سلاحا على شرفة منزلنا في الطابق الثاني”.

وتتابع “بحثنا عن جوازات سفرنا وأخذناها وخرجنا مسرعين. نحن الآن في طريقنا إلي مصر ولا نعرف مصير منزلنا”.

انهيار وشيك يهدد النظام الصحي

ـ كوادر صحية تنقل للأناضول الوضع الصعب الذي تعيشه المرافق الطبية منذ اندلاع الاشتباكات في الخرطوم
ـ طبيب في مستشفى حكومي: نتجه نحو كارثة صحية ونطالب بآليات لإجلاء المرضى والجرحى من المستشفيات
ـ مديرة مركز صحي: الوضع في طريقه للانهيار جراء غياب الكوادر الطبية وانعدام الأدوية

 

أدى القتال المندلع بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” شبه العسكرية منذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي، إلى وقوع مئات القتلى والمصابين بين المدنيين، لكنه طال أيضا سلامة البنية التحتية للبلاد ومرافقها الصحية، متسببا في كارثة إنسانية مستمرة.

اشتباكات الطرفين داخل العاصمة الخرطوم ومدن أخرى لأكثر من 3 أسابيع بكل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والقصف بالطائرات الحربية، ألحقت ضررا بالغا بالمستشفيات ومراكز توزيع الأدوية.

وتضاعفت المعاناة بعد اتخاذ أفراد من “الدعم السريع” عددا من المستشفيات والمرافق الصحية بالخرطوم “ثكنات عسكرية” وتعطيل خدماتها المقدمة للمرضى، وفق شهود عيان وبيانات نقابات طبية، بينها “تجمع المهندسين الطبيين السودانيين” (غير حكومي).

** إخلاء قسري

ووفق نقابة أطباء السودان، فإن عدد المستشفيات في مناطق الاشتباكات بالخرطوم ومدن الولايات (18 ولاية) المتوقفة عن العمل حتى 8 مايو/ أيار الجاري يبلغ نحو 61 مستشفى من أصل 88.

وذكرت “أطباء السودان” (غير حكومية) في بيان، أن 27 مستشفى تعمل بشكل كامل أو جزئي وبعضها يقدم خدمات إسعافية أولية فقط.

وحذرت النقابة من أنه حتى المستشفيات التي تعمل مهددة بالإغلاق نتيجة نقص الكوادر والإمدادات الطبية والتيار الكهربائي والماء.

وتحدثت عن 17 مستشفى تعرضت للقصف أثناء المعارك، بينما أخليت 20 أخرى قسريا دون أن تحدد النقابة الجهة التي أخلتها، لكن “تجمع المهندسين الطبيين السودانيين”، أدان السبت في بيان “احتلال قوات الدعم السريع لعدد من المستشفيات وتحويلها لثكنات عسكرية وتعطيلها”.

وبحسب المتابعين، فإن تعمد “أطباء السودان” عدم ذكر الجهات العسكرية التي استولت على هذه المستشفيات يعود للحرص على سلامة الأطباء وعدم استهدافهم من قوات أي من الطرفين.

** خسائر طبية

وبالنظر إلى المستشفيات التي توقفت عن العمل فإن معظمها حكومية عامة تقع وسط الخرطوم أبرزها “مستشفى الخرطوم ومستشفى الشعب التعليمي” والتي سيطرت عليهما قوات الدعم السريع، بحسب شهود عيان.

يشار إلى أن معظم المستشفيات الحكومية والخاصة وسط العاصمة تقع ضمن نطاق سيطرة “الدعم السريع” وكذلك مستشفيات شرقي الخرطوم.

ويبدو الوضع أفضل في مستشفيات جنوبي الخرطوم، رغم أن الواقعة منها في المناطق الطرفية للعاصمة تعمل بإمكانيات أقل، وأبرزها “المستشفى التركي” بضاحية الكلاكلة، و”بشائر الحكومي”.

ويغلب على المستشفيات التي تعمل تقديم خدمات الطوارئ والجراحة العامة كون النسبة الكبرى من المترددين على المستشفيات هم من مصابي الاشتباكات والمحتاجين إلى تدخل سريع.

تعمل مستشفيات أخرى على تقديم خدمات لمرضى الكلى وحالات الولادة على اعتبار الحاجة العاجلة لهاتين الشريحتين لتلقى العلاج في المرافق الصحية، ونظرا لنقص المستشفيات بالعاصمة، يجري نقل ذوي الأمراض المزمنة إلى مرافق صحية خارج الخرطوم وخاصة ولاية الجزيرة (وسط).

ومع ازدياد عدد المصابين جراء الاشتباكات، تتضاعف معاناة توفير أكياس الدم لإجراء العمليات اللازمة، حيث ظلت الخرطوم تشكو من نقص حاد في مخزون بنوك الدم لديها.

ويبلغ عدد الأطباء والكوادر الطبية الذين لقوا حتفهم جراء الاشتباكات 14 بحسب “أطباء السودان”.

وحتى أمس الثلاثاء، قدّرت “أطباء السودان” عدد ضحايا الاشتباكات من المدنيين بـ481 قتيلا، وأكثر من 2564 مصابا، وبين القتلى 14 من الأطباء والكوادر الصحية.

** انهيار متوقع

وقال الطبيب هيثم مكاوي اختصاصي التخدير والعناية المكثفة بمستشفى “سوبا” الجامعي الحكومي بالخرطوم، إن معظم مستشفيات الخرطوم (وسط)، وبحري (شمال)، وأم درمان (غرب) خارج الخدمة.

وأوضح مكاوي للأناضول أن البلاد “تتجه نحو كارثة صحية حقيقية ونطالب بإيجاد آليات لإجلاء المرضى والجرحى من المستشفيات. والإمداد الدوائي متوقف”.

وأضاف: ” في مدينة أم درمان (شمال غرب) يعمل فقط المستشفى السعودي الحكومي، أما مستشفى أم درمان الحكومي للولادة فهو محتل من قبل قوات الدعم السريع، وفي مدينة بحري (شمال شرق) تعرضت الكوادر الطبية في مستشفى حاج الصافي الحكومي للاعتقال”.

وأشار مكاوي إلى أن “بعض الطواقم الطبية ما زالت محتجزة في المستشفيات من قبل قوات الدعم السريع، وأخرى محتجزة بالمنازل جراء الإغلاق التام للشوارع من الجنود المدججين بالأسلحة”.

من جانبها، قالت نادية عبد الله، وهي مديرة مركز صحي خاص بمنطقة بحري شمالي العاصمة، إن “المركز على وشك الانهيار جراء غياب الأطباء والكوادر الصحية، وانعدام الأدوية”.

وذكرت عبد الله للأناضول، أن “الوضع الصحي في طريقه إلى الانهيار، لانعدام الأدوية في الصيدليات الخاصة والحكومية”.

لاجئون من السودان يجدون الأمان ويبحثون عن الآمال في إثيوبيا

ميتيما (إثيوبيا) (أ ف ب) – وصل محمد يوسف الى بلدة ميتيما الإثيوبية منهكا بعد رحلة مضنية هربا من المعارك الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. لكن الراحة التي تحققت بعد بلوغه برّ الأمان، سرعان ما استحالت قلقاً حيال مستقبل غير واضح.

تبيّن للسوداني محمد أن خياراته شبه معدومة: عليه الانتظار لوقت يُرجَّح أن يكون طويلا، في مخيم عشوائي أقيم في البلدة الحدودية بشمال غرب إثيوبيا، وفي ظل نقص يطال كل شيء تقريبا.

فرّ أكثر من 15 ألف شخص من السودان عبر ماتيما منذ اندلاع المعارك في 15 نيسان/أبريل بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، وفق أرقام المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.

وتقول المنظمة إنها تسجّل يوميا ما معدّله ألف وافد جديد الى ماتيما.

وروى اللاجئون الذين التقتهم وكالة فرانس برس الظروف المروعة التي مرّوا بها، اذ أمضوا أياما يحاولون الاحتماء في منازلهم في ظل دوي الانفجارات وإطلاق النار المتبادل، قبل بدء رحلة شاقة امتدت لمسافة 550 كيلومترا من الخرطوم الى الحدود الإثيوبية، مصحوبة بالخوف والقلق من التعرض للسرقة.

وعلى رغم الغبار وحرارة الشمس الحارقة، شكّلت ميتيما الواقعة الى الجنوب الشرقي من الخرطوم وتربطها بها طريق مباشرة، ملجأ لسودانيين وإثيوبيين وغيرهم من سكان السودان الذين أنهكتهم أسابيع من القتال فشلت معها كل محاولات التهدئة.

وقال محمد يوسف (30 عاما) لفرانس برس “الآن بتنا في أمان ويوفّرون لنا المأوى وبعض الغذاء أحيانا”.

وعلى رغم هذا الاطمئنان النسبي بعيدا من المعارك، تبقى ظروف الحياة في المخيم صعبة ومعقّدة، وفق يوسف الذي كان يعمل مدقّقا محاسبيا في السودان.

ويوضح إن غالبية اللاجئين في المخيّم “تنقصهم الأساسيات حتى ولا يملكون المال لإطعام أطفالهم، والوضع سيئ”.

– “أخذوا” كل شيء –

لا يعدو المخيّم الذي أنشئ على عجل كونه تجمعا من قطع القماش التي استحالت سقوفا معلّقة بالأشجار.

لاجئات من السودان بعد عبورهن الحدود الإثيوبية الى بلدة ميتيما في الخامس من أيار/مايو 2023. © عمانوئيل سيليشي / أ ف ب

بنهاية فترة بعض الظهر يفرغ خزان مياه بسعة 10 آلاف ليتر يفترض به أن يروي ظمأ آلاف الأشخاص، ولا امكانية لملئه مجددا قبل صباح اليوم التالي.

أولئك الذين يحملون المال يعتمدون على الباعة المتجولين المحليين لشراء مياه معدنية أو عصير الفواكه الذي يبقى مبرّدا بقطع من الأقمشة الرطبة.

ويعبر الحدود كل يوم مئات الأشخاص على الأقل الذين ينقلون أمتعتهم على ظهور الحمير أو باستخدام حمّالين أصبحوا “إلزاميين” ويطلبون بدلا ماليا لذلك.

لكن البعض لا يحتاجون خدمات كهذه لأنهم أتوا بلا حاجيات، ومنهم محمد علي الإثيوبي الذي هاجر من بلاده قبل سبعة أعوام بحثا عن لقمة العيش في السودان.

ويقول بأسى لفرانس برس “أنفقت الكثير من المال لأذهب الى هناك لكنني اضطررت للاستدانة من أجل العودة الى بلادي”.

ويوضح أنه من الصعوبة بمكان تأمين وسيلة نقل للخروج من الخرطوم “فالحافلات الكبيرة قد تطلب ما يصل الى 150 ألف ريال سوداني (250 دولارا) وثمة العديد من الحواجز على الطريق”.

ويشير الى أنه عند كل نقطة من هذه النقاط قام مسلّحون “بتفتيشنا… وأخذوا كل ما عثروا عليه (معنا)، بما فيه أموالنا وأي أغراض عائدة لنا”.

لم يكن مواطنه ذكير أبا جهاد أفضل حالا. ويقول هذا الشاب البالغ 25 عاما وكان يعمل في مصنع للفولاذ “عشت هناك ثمانية أعوام، وغادرت دون أن يكون معي سوى الملابس التي أرتديها”.

– “لا أملك المال” –

يأمل هذان الشابان في إعادة إطلاق حياتهما في بلدهما بمجرد أن يتمكنا من مغادرة ميتيما وبلوغ مدينتهما جيما الواقعة على مسافة ألف كيلومتر الى الجنوب الغربي منها.

فارون من السودان ينتظرون دورهم للتسجيل لدى المنظمة الدولية للهجرة في ميتيما في الرابع من أيار/مايو 2023. © عمانوئيل سيليشي / أ ف ب

وفي حين عاد محمد يوسف ومحمد علي الى بلدهما، يواجه آخرون معضلة التواجد في بلد أجنبي من دون جواز سفر.

ويوضح الأفغاني محمد يوسف (29 عاما) الذي كان يدرس الهندسة في السودان، أنه تواصل وعدد من مواطنيه مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة طلبا للمساعدة.

ويقول “في الوقت الراهن لا نتوقع أي شيء… لكن نأمل في حصول أمر جيد”.

من جهته، أبلغ لاجئ نيجيري فرانس برس عن شعوره بأنه عالق في مكانه، موضحا أنه يحتاج لاستصدار تأشيرة دخول إثيوبية في حال أراد مغادرة المخيّم، لكنه غير قادر على تحمّل كلفة ذلك.

ويقول “يطلبون 80 دولارا لقاء التأشيرة لكنني لا أملك المال”.

بالنسبة الى السودانيين مثل محمد يوسف، يبدو الآتي من الأيام غامضا، اذ يستبعد العودة لبلاده حتى بحال توقّف القتال الذي يقترب من إتمام شهره الأول.

ويقول إن الوضع “من سيئ الى أسوأ… ما هو المستقبل هناك اذا توقفت الحرب اليوم؟ هل تعتمد الديموقراطية؟”.

ويشدد على وجوب “أن نكون واقعيين، علينا أن ندبّر إيجاد حلّ آخر”، مشيرا الى رغبته بطلب اللجوء الى بلد ثالث.

في انتظار ذلك، وفي غياب أي أفق لعودة سريعة “ليس لدينا أي أمل فعلا”.