بعد أعمال النهب في السودان.. أسواق “دقلو” تعرض بأسعار زهيدة بضائع مجهولة المصدر

المسيد (السودان): وقفت بائعة في سوق جديد نشأ على جانبي الطريق الذي يربط بين الخرطوم ومدينة ود مدني جنوبا تعرض أجهزة تلفزيون جديدة أقل من سعرها بأربع مرات على الأقل.. ولكن لا تسأل عن مصدر البضاعة إذا رغبت بالشراء.

على بعد 50 كيلومترًا جنوب العاصمة السودانية حيث تتواصل المعارك بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، نشأ هذا السوق الجديد الذي يحمل اسم “دقلو”، على اسم القائد العسكري.

يقع سوق “دقلو” شمال ولاية الجزيرة التي استقبلت معظم النازحين من الخرطوم التي فرّ منها ثلاثة ملايين شخص منذ بدء الحرب في 15 نيسان/ ابريل. ويفرش الباعة بضائعهم على الأرض من أجهزة كهربائية ومواد بناء وقطع غيار سيارات إلى الأدوية والمواد الغذائية.

قالت البائعة التي تعرض شاشات بأحجام مختلفة “الشاشة بخمسين ألف جنيه سوداني (80 دولارا)”، بينما يبلغ سعرها في متاجر البيع نحو 230 ألف جنيه سوداني (حوالي 383 دولارا). وكان من الواضح عدم دراية البائعة بأبعاد الشاشات او مواصفاتها، إذ قالت باستنكار لأحد الزبائن حين سألها عن ذلك: “ألا ترى بعينك؟”.

من جانبه، قال مصدر أمني فضل طلب عدم ذكر اسمه لوكالة فرانس برس إن “البضائع المعروضة في هذه الأسواق مسروقة.. لاحظ مدى انخفاض أسعارها”.

وفي هذا الصدد يقول سكان من العاصمة إن أسواقا تحمل الاسم نفسه نشأت في الخرطوم وضواحيها، حيث يشكو الجميع نهب ممتلكاتهم من محال أو منازل أو سيارات في ظل المعارك المستمرة.

وقال محمد حسن خليفة أحد سكان مدينة بحري وهي ضاحية شمال الخرطوم “لقد سُرقت جميع مقتنيات منزلي”.

كما أكد أحمد عبد العال وهو صاحب محل الأجهزة الكهربائية بوسط الخرطوم “تم نهب معرضي ومخزني بالكامل”.

وكان وكيل سيارات تويوتا بالسودان أعلن في بيان الأسبوع الماضي سرقة أكثر من ألف سيارة جديدة من مخازن الشركة ومعارضها، وكذلك قطع الغيار.

من جهتها كانت قوات الدعم السريع أعلنت في تموز/ يوليو بدء “حملة مكثّفة لمحاربة عمليات النهب والتخريب خاصة عمليات سرقة السيارات المدنية”.

“تشتري أو تتحدث؟”

في السوق، وقف بائع يعرض ثلاجات تحمل علامات تجارية مختلفة ولدى سؤاله عن سعرها، قال “الثلاجة سعرها 150 ألف جنيه سوداني (حوالي 250 دولارا)”. ويبلغ سعر هذه الثلاجة 450 ألف جنيه سوداني (880 دولارا) في المحال التجارية المرخصة.

وبسؤال أحد الزبائن لبائعة عن مصدر بضاعتها، ردت غاضبة “تريد أن تشتري أو تتحدث”.

تتركز معارك السودان التي أسفرت حتى الآن عن نحو خمسة آلاف قتيل بحسب منظمة أكليد، في العاصمة وضواحيها، بالإضافة إلى إقليم دارفور حيث حذّرت الأمم المتحدة من أن ما يشهده قد يرقى إلى “جرائم ضد الإنسانية” والنزاع فيه يتّخذ أكثر فأكثر أبعاداً عرقية.

وأدّى النزاع الدائر إلى نزوح أكثر أربعة ملايين شخص من القتال، سواء داخل السودان أو إلى بلدان مجاورة.

وكانت منظمات حقوقية وانسانية وثّقت بحسب شهادات لسكان سواء في العاصمة أو في إقليم دارفور، جرائم قالت إن عناصر الدعم السريع ارتكبوها مثل السرقة والنهب والعنف الجنسي.

كذلك دانت المنظمات الأممية ما تعرضت له مقارها ومخازنها من “أعمال نهب”، وكان برنامج الأغذية العالمي أعلن في حزيران/ يونيو تعرض مخازنه وأصوله للنهب في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان.

يقع سوق “دقلو” في بلدة المسيد في منطقة يسيطر عليها الجيش وتبعد نحو 10 كلم عن آخر نقطة تفتيش لقوات الدعم السريع، وعلى الرغم من ذلك يغض الجميع النظر عن البيع والشراء ومصادر البضائع.

كان الطريق الذي يفترش السوق جانبيه يعد في السابق يعج بحركة المسافرين والحافلات لكنه اليوم خاويا وتنتشر عليه نقاط تفتيش بعضها للجيش وأخرى يديرها رجال أمن بلباس مدني مسلحون ببنادق آلية، الأمر الذي جعل سكان البلدات والقرى الهادئة على جانبي الطريق يخشون من أن تمتد إليهم أعمال العنف والقتال.

في المسيد، وهي إحدى هذه البلدات، يقول عصام الذي طلب ذكر اسمه الأول فقط لفرانس برس “لدينا مخاوف أن تصلنا الحرب وخصوصا أننا نسمع أصوات الاشتباكات عندما تقع شمال بلدتنا”.

(أ ف ب)

الخرطوم.. معاناة متعددة وخوف من مجاعة

** سكان من العاصمة السودانية للأناضول: – منذ بدء الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” أصبحت المواد الغذائية شحيحة – المعاناة الأشد قسوة هي صعوبة الحصول على الطعام والخبز – ندرة السلع الضرورية بالأسواق القليلة التي تعمل جزئيا داخل الأحياء

عادل عبد الرحيم ـ بهرام عبد المنعم / الأناضول

** سكان من العاصمة السودانية للأناضول:
– منذ بدء الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” أصبحت المواد الغذائية شحيحة
– المعاناة الأشد قسوة هي صعوبة الحصول على الطعام والخبز
– ندرة السلع الضرورية بالأسواق القليلة التي تعمل جزئيا داخل الأحياء
– مع إغلاق الحدود ربما تدخل البلاد في مجاعة

 

معاناة بأوجه متعددة تشهدها العاصمة السودانية الخرطوم منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل أكثر من أربعة شهور.

إلا أن المعاناة الأشد قسوة هي صعوبة الحصول على الطعام والخبز في العاصمة التي يعيش سكانها تحت قصف المدافع والطيران وطلقات الرصاص من الأسلحة الخفيفة.

ومنذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي، يشهد السودان قتالا في الخرطوم ومدن أخرى بين الجيش و”الدعم السريع” ما خلَّف آلاف القتلى، معظمهم مدنيون، وأكثر من 4.2 ملايين نازح ولاجئ في دول الجوار، فضلا عن تفاقم الأوضاع الإنسانية في مناطق الاشتباكات، وفقا لوزارة الصحة والمنظمة الدولية للهجرة.

نحو 71 في المئة من سكان الخرطوم تركوا منازلهم من جملة النازحين واللاجئين من مدن أخرى إلى دول الجوار والذين تجاوز عددهم 4.2 ملايين شخص بحسب أحدث إحصائية لمنظمة الهجرة الدولية.

ومن بقي من سكان المدينة التي يقطنها بين 10 ـ 12 مليون نسمة قبل الحرب بحسب إحصائيات غير رسمية، يجدون معاناة في الحصول على الطعام والخبز والسلع الاستهلاكية الأخرى.

كما أن غياب خدمات الكهرباء والمياه والغاز من الأحياء لأيام فاقم معاناة السكان الذين تمسكوا بالبقاء في المدينة.

** شح البضائع وارتفاع الأسعار

المواطن عبد العزيز يوسف الذي يسكن مدينة بحري بالعاصمة، قال إن المواد الغذائية “أصبحت شحيحة وأسعارها مضاعفة نتيجة لتوقف المصانع منذ اندلاع الحرب”.

وأضاف للأناضول: “توجد ندرة في اللحوم والخضراوات والفواكه خاصة الطماطم والبطاطس والتفاح والموز”.

وأردف يوسف: “المتاجر الكبيرة أصبحت شبه خالية من السلع الضرورية ومع استمرار الحرب يمكن أن يجوع الناس”.

وفي 2 أغسطس/ آب الجاري، قالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”، إن أكثر من 20 مليون شخص بالسودان يعانون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وذكرت في بيان حينها، أن الولايات الأكثر تضررا هي تلك التي تعاني “النزاع النشط”، بما في ذلك الخرطوم (وسط) وجنوب وغرب كردفان (جنوب) ووسط وشرق وجنوب وغرب دارفور (غرب)، حيث “يواجه أكثر من نصف السكان الجوع الحاد”.

ووصفت المنظمة الأممية الوضع في السودان بأنه “حرج بلا شك”، خصوصا مع “قرابة 6.3 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ من مراحل الجوع الحاد”.

** إيقاف الحرب

عفاف مصطفى وهي من سكان مدينة الخرطوم، قالت للأناضول إن “الحرب أدت إلى شح المواد الغذائية الضرورية لاستمرار الحياة”.

وأوضحت أن “الأسواق القليلة التي تعمل بشكل جزئي داخل الأحياء تشهد ندرة مروعة في السلع الضرورية كاللحوم والزيوت والفواكه والخضراوات”.

وأردفت مصطفى: “الندرة وصلت إلى صابون الغسيل، وهذا يعني صعوبة في الحياة”.

وتابعت: “نتمنى إيقاف الحرب لتعود الحياة إلى طبيعتها”.

وأطلقت غرفة طوارئ الحارة السادسة بمنطقة الثورة في أم درمان غربي العاصمة مناشدة عاجلة، في 10 أغسطس الجاري، “لدعمها بأغذية وتجهيزات للنازحين من أحياء أم درمان القديمة”.

و دعت الغرفة في نداء إنساني عاجل، إلى “تقديم الدعم العيني والمادي للنازحين إلى الحي المتواجدين في مراكز إيواء (في مدارس المنطقة).

وحددت غرفة الطوارئ الاحتياجات بـ “مراتب، وماء، ووجبات طعام، ولبن أطفال، واحتياجات أخرى”.

وكانت أحياء مدينة أم درمان القديمة شهدت خلال اليومين الماضيين اشتباكات عنيفة بكل أنواع الأسلحة، أجبرت سكانها على مغادرتها إلى مناطق أكثر آمنا داخل المدينة.

وتكونت غرف الطوارئ في الأحياء من الناشطين في لجان المقاومة والمتطوعين لتقديم الخدمات الطبية َوالمساعدات للمواطنين في الأحياء.

** خوف من مجاعة

المواطن أنس عيسى، وهو من سكان مدينة أم درمان، قال إن البلاد “تعاني نقصا حادا في الغذاء جراء توقف المصانع بسبب الحرب”.

وأشار عيسى في حديثه للأناضول، إلى أنهم “يعانون جراء نقص الغذاء ما أدى إلى مضاعفة المعاناة”.

وأضاف: “أصبحنا نشتري السلع التي تأتي من دول الجوار كالمشروبات الغازية والصابون والزيوت، لكن مع إغلاق الحدود ربما تدخل البلاد في مجاعة”.

وفي 29 يوليو/ تموز الماضي، طالبت “لجان مقاومة الدناقلة” بمدينة بحري شمالي الخرطوم، بفتح ممرات آمنة لمدينة بحري، وأحياء وسط وجنوب بحري لعدم توفر المواد التموينية للسكان المتواجدين في تلك المناطق، وانقطاع الكهرباء والمياه للشهر الرابع على التوالي.

وقالت في بيان نشرته عبر حسابها على فيسبوك: “يعيش سكان هذه المناطق في وضع مأساوي جداً”.

وتكونت “لجان المقاومة” في المدن والقرى عقب اندلاع احتجاجات 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018، وكان لها الدور الأكبر في إدارة المظاهرات بالأحياء والمدن حتى عزلت قيادة الجيش الرئيس آنذاك عمر البشير في 11 أبريل 2019.

صيحة استغاثة من اللاجئين السودانيين في تونس: أين الإنسانية من وضعنا البائس؟

تونس- عادل الثابتي: وجه لاجئون سودانيون في مدينة صفاقس التونسية صيحة استغاثة للمنظمات الدولية والمجتمع الدولي من أجل مساعدتهم على تجاوز الوضع “البائس” الذي يعيشونه في إحدى حدائق المدينة.

ويتكدس مئات السودانيين الهاربين من أتون الحرب الدائرة في بلدهم في العراء بحديقة “الأم والطفل” بساحة “باب الجبلي” في صفاقس (شرق).

واختار اللاجئون مكانا قبالة حشد آخر من اللاجئين من إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في حديقة “رباط المدينة”، بالساحة نفسها.

فريق الأناضول زار مكان تجمع اللاجئين السودانيين وتحدث معهم، حيث كان الجو حارا واللاجئون يبحثون عن الظل تحت الأشجار القليلة بالحديقة.

“هربنا من الحرب”

رماح مهدي يوسف سنقولي، من مدينة كادوغلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، قال: “الوضع في بلادي متأزم، حروب ومجاعات ونهب وضرب واعتداءات”.

وأضاف سنقولي: “اخترت أن أخرج من السودان وأهاجر، ولما خرجت وجدت أن الوضع متأزم أكثر من السودان في الدول العربية”.

ومتحدثا عن رحلته للوصول إلى تونس، قال: “مررت بست دول عربية، وكل الدول العربية شبيهة ببعضها البعض، وليست هناك حياة كريمة في إفريقيا”.

وحول وضعه في تونس، ذكر أنه مر عليه شهر في البلاد، وبين قائلا: “ننام في الشوارع، وأصبحنا منبوذين دون هوية.. الوضع لم يتغير”.

ومنذ منتصف أبريل/ نيسان يخوض الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل، أغلبهم مدنيون، وأكثر من 4 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة.

“أموت أو أصل”

وبخصوص ما يعتزم القيام به، قال المهاجر السوداني: “أنوي عبور البحر (هجرة غير نظامية) إما أموت أو أصل (إلى القارة الأوروبية)”.

وأعرب عن ثقته بأن الحياة أفضل في أوروبا، قائلا “أعرف أن كل المهاجرين في أوروبا يجدون حياة أفضل وكريمة”.

وزعم سنقولي أن “الإسلام موجود هناك (في أوروبا) وليس في الدول الإسلامية”، على حد قوله.

ومعربا عن يأسه من تحسن الأوضاع بالعالم العربي وإفريقيا، قال: “الوضع نفسه في تونس أو الجزائر أو المغرب أو مصر.. مررت بكل هذه الدول فعندما تكون مريضا لا تجد علاجا”، وفق تعبيره.

لا أطلب سوى العلاج

وتابع سنقولي، يائسا: “تقدمت لمفوضية اللاجئين والمنظمات الإنسانية والخيرية بطلبات، ولكن ليس هناك جديد، كله كذب في كذب وخدعة نعيشها”.

وقال متحسرا: “ليس هناك مصير واضح للإنسان الأسود”.

وحول العلاج الذي يطلبه، قال سنقولي: “تعرضت عام 2016 إلى إصابة خلال عملية مداهمة ونهب في كادوغلي، في قرية اسمها كاتلة”.

وأضاف: “المسلحون دخلوا البيت ونهبوه، لم يتركوا حتى التلفاز، وأطلقوا النار عليّ، ومنذ ذلك الوقت ذهبت إلى كل المنظمات ولم أجد علاجا”.

وتابع المهاجر السوداني: “لا أريد سوى العلاج، ولما أُعالَجُ أعود إلى السودان وطني بلدي.. فقط أُعالج من الالتهاب العظمي المزمن”.

وأفاد: “منذ 2016 لا أعرف مصير أسرتي، جاءت منظمة أممية في كودا (منطقة سودانية) وعالجتني، واستقر بي الحال في تونس بعد مشقة ورحلة ومعاناة من مدينة تبسة في الجزائر (شرق) إلى غاية ما وصلت إلى صفاقس”.

تنقصنا المساعدات

مهاجر آخر في حديقة “الأم والطفل”، الحاج محمد أحمد، عرّف نفسه أنه من السودان، وقال: “نحن في هذا المكان، والذي دفع بنا إليه هي الحروب”.

وأضاف أحمد: “الشباب هنا ليس لهم مسكن ولا مأكل، وأنتم تشاهدون كيف نسكن، ومنذ 4 أيام لم نتلق أي مساعدة”.

وتابع: “نشكر تونس، رغم وضعها الصعب استقبلتنا، التعامل الأمني كان جيدا، لكن تنقصنا مساعدات إنسانية، ونتمنى من الأمم المتحدة وكل الدول التي ترعى الشؤون الإنسانية أن تهتم بقضية الشعب السوداني، فلولا المشاكل لما أتينا إلى هنا”.

وحول وضعهم الصعب في صفاقس قال أحمد: “ننام هنا على الكرتون (ورق مقوى) وعلى البلاط، والإنسان إذا تغدى لا يتعشى، نتمنى من المنظمات أن تدبر لإخواننا سكنا وتغيّر وضعنا”.

وأضاف: “نهرب من الحرب والتشريد ثم نسكن في وضع صعب، حتى قضاء الحاجة بالطابور، والآلاف يستعملون 3 حمامات تغلق بعد الظهر.. حتى بمقابل لا وجود لحمام”.

وتابع: “لا أحد يجد فراشا يرقد عليه ولا بطانية يتغطى بها”، وأردف متسائلا: “أين الانسانية؟!”.

بطاقات اللجوء

أحمد تحدث عن رغبة اللاجئين السودانيين بالحصول على بطاقات لجوء نظرا للحرب في بلاده، قائلا “هناك أناس يريدون استخراج بطاقة لجوء ولكن المدة تطول”.

وأضاف: “نحن في وضع صعب جدا، الشعب السوداني مدمر ولا يعرف إلى أين يذهب، والأهل مدمرون يضربهم الطيران وبيوتهم أحرقت”.

وعبّر أحمد عن أمله في أن تصل رسالته “لكل الجهات المختصة، وتوفر السكن للشباب، لأن الوضع محرج ومأسوي”.

وقال: “نحن أكثر من ألف سوداني، ومعنا إخوتنا من (دولة) جنوب السودان”، وأردف: “نريد أن يهتم الجميع بحالنا، نحن من إفريقيا، ومسلمون، ووضعنا في السودان أسوأ”.

وتابع: “دخلت إلى تونس على الأقدام من ليبيا، فالوضع المأساوي جعلنا نخاطر بحياتنا”.

وأشار إلى أنه “ركبت البحر لتحسين ظروفي، ووصلت إلى المياه الدولية وأرجعوني.. حاولت ثلاث مرات كلها بمقابل (لمهربي البشر)”.

وتعاني صفاقس من وجود أعداد كبيرة من المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء الراغبين باجتياز الحدود البحرية باتجاه أوروبا، حيث لا تبعد المدينة كثيرا عن سواحل مالطا وجزيرة صقلية الإيطالية.

وقدر وزير الداخلية التونسي كمال الفقي، عدد المهاجرين غير النظاميين في صفاقس، بنحو 17 ألف إفريقي مهاجر، من إجمالي 80 ألفا مهاجر في كامل البلاد.

ومنذ فترة تشهد البلاد تصاعدا لافتا في وتيرة الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، على وقع تداعيات الأزمات الاقتصادية والسياسية في البلد الإفريقي ودول أخرى.

(الأناضول)

قصة عاملين إنسانيين فقدا حياتهما في دارفور

يخاطر العاملون الإنسانيون بحياتهم في سبيل إنقاذ الأرواح وحمايتها وتوفير المستلزمات الأساسية للحياة، فهم يقفون جنبا إلى جنب مع أبناء المجتمعات التي يخدمونها ويجلبون لهم الأمل. 

في السودان يعاني هؤلاء العاملون الإنسانيون الأمرّين في سبيل مساعدة الناس الذين قلبت الحرب حياتهم رأسا على عقب. لكن عمال الإغاثة يدفعون ثمنا باهظا في سبيل القيام بهذا الواجب النبيل. فمنذ بداية الحرب الحالية (وحتى منتصف الشهر الحالي) لقي ما لا يقل عن 19 منهم مصرعهم.

المجلس النرويجي للاجئين- المنظمة الشريكة للأمم المتحدة- فقد اثنين من العاملين السودانيين التابعين له في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور.

بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، الذي تحييه الأمم المتحدة، سنويا، في 19 آب/أغسطس، أجرينا حوارا مع السيدة ماتيلد فو، مديرة المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين لتسليط الضوء على الأوضاع الصعبة التي يمر بها العاملون الإنسانيون في السودان.

الشيخ: نازح وعامل إنساني

الشيخ وأبوبكر عاملان إنسانيان كانا يعملان مع المجلس النرويجي في مدينة الجنينة، ولقيا حتفهما خلال الهجوم العنيف على المدينة. حدثتنا ماتيلد عن الشيخ فقالت:

“كان الشيخ عاملا مجتمعيا، وكان نازحا يعيش في أحد مخيمات النازحين بالقرب من مدينة الجنينة. نزح الشيخ منذ فترة طويلة. تعرضت عائلته للهجوم منذ بضع سنوات، وكان يعيش وضعا صعبا وظروفا معيشية قاسية للغاية. عمل معنا في مجلس اللاجئين النرويجي وتمثلت مهمته في التواصل مع المجتمع المحلي. على سبيل المثال، كان يخبر الناس قبل أي عملية لتوزيع المساعدات. كان يجمع أيضا المعلومات حول الاحتياجات في المخيم ثم يتصل بالمجلس النرويجي للاجئين ويخبرنا إذا حدثت أي مشكلة في المخيم”.

قتل الشيخ في منتصف شهر أيار/مايو خلال الهجوم الذي استهدف مدينة الجنينة وأسفر عن مقتل وجرح المئات وتشريد الآلاف.

تقول ماتيلد إن المهاجمين لم يضعوا “أدنى اعتبار للمدنيين أو حياتهم. تم إحراق الكثير من مخيمات النازحين التي كان الشيخ يسكن في واحد منها. لقد شق علينا نعيه”.

أبوبكر: شخص إيجابي ومحبوب لدى الكل

لم يمض على مقتل الشيخ سوى شهر واحد حتى قُتل عاملٌ إنسانيٌ آخر يتبع للمجلس النرويجي للاجئين، وهو الزميل أبو بكر الذي قتل أمام منزله في مدينة الجنينة. تقول عنه ماتيلد:

“لقد تأثرنا جدا بمقتله. انضم إلينا أبو بكر في تشرين الأول/أكتوبر 2021 وكان شخصا إيجابيا للغاية. كان معروفا جدا في المجتمع، وكان على دراية تامة بمخيمات الجنينة. كان يهتم جدا بمساعدة المجتمع. قتل أمام منزله أثناء اندلاع العنف. في تلكم اللحظة، كنا قد أوقفنا بالفعل أنشطتنا في غرب دارفور. اضطررنا إلى إيقاف أنشطتنا في وقت مبكر جدا، مع نهاية نيسان/أبريل، لأنه كان من الخطير جدا على الزملاء التواجد في مدينة الجنينة. حوصر الكثير من زملائنا في منازلهم. نفد الماء والطعام عند الكثيرين منهم. لم يكن بإمكانهم السير في الشوارع بسبب وجود القناصة. لذلك، طلبنا منهم البقاء في منازلهم لأطول فترة ممكنة”.

رغم أن مقتل أبو بكر حدث في مطلع حزيران/يونيو، تشير ماتيلد إلى عدم التمكن من تأكيد خبر وفاته إلا بعد أكثر من ثلاثة أسابيع بسبب تعطل شبكة الاتصالات في غرب دارفور، تماما مثلما كان الحال في كافة أنحاء دارفور. وتضيف:

“كان من الصعب علينا الاتصال بأسرته ومحاولة التحقق من خبر وفاته. ولم نتمكن من تأكيد ذلك إلا في وقت لاحق جدا عندما تمكنت عائلته من عبور الحدود إلى تشاد. لقد شقّ علينا نعْيه. أفكر في جميع زملائنا، في الخرطوم ودارفور وأماكن أخرى ممن فقدوا أيضا أقاربهم”.

 

© WFP/Julian Civiero
المزيد من اللاجئين يفرون من السودان إلى تشاد

“لم أكن أتوقع أن أعيش هذه التجربة بنفسي”

سألنا السيدة ماتيلد فو عن كيفية تصرف العاملين الإنسانيين في الميدان لمساعدة المحتاجين في خضم الحرب الدائرة في السودان، فأجابت بالقول إن أوضاعهم “صعبة للغاية”، مشيرة إلى أن عمال الإغاثة- وكلهم سودانيون- هم أول من يتعرض للهجوم.

ومضت قائلة:

“كل شخص يعمل في المجال الإنساني الآن في السودان لديه قريب أو صديق تأثر بطريقة أو بأخرى بسبب هذه الحرب، إما لأنهم أجبروا على مغادرة منازلهم أو لأنهم أصيبوا أو أصيب أقاربهم. كنت أتحدث مع زميلة لي في وقت سابق، وهي صغيرة في السن، وهي تعمل معنا منذ ثلاث سنوات. كانت تخبرني أنه عندما بدأت العمل مع المجلس النرويجي للاجئين عاملة في المجال الإنساني، كانت تتعامل مع أزمة اللاجئين الإثيوبيين الذين عبروا من الحرب في إقليم تيغراي، ولم تكن تتوقع أنها ستضطر إلى أن تعيش هذه التجربة بنفسها. وكانت ترى اللاجئين يأتون وكانت تمني نفسها ألا تعيش تجربة مماثلة لتجربتهم. ولكن هي نفسها الآن نازحة وعائلتها نازحة، وهي المعيلة الوحيدة لأسرتها وعليها العمل في بيئة صعبة للغاية الآن في بلد غير مستقر للغاية. وهي تعمل في شرق البلاد، ولكن لا نعرف أبدا ماذا يمكن أن يحدث. وهي دائما قلقة على عائلتها وأصدقائها”.

وكان وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية مارتن غريفيثس قد قال إن الحرب في السودان جعلت البلاد من أصعب الأماكن التي يمكن العمل فيها الآن.

وتتفق ماتيلد مع السيد غريفيثس، “لأن هناك صدمات وصعوبات يتعين على زملائنا تحملها كل يوم، فهم، بالإضافة إلى تجربتهم الخاصة مع الحرب، يتعين عليهم البقاء هناك لخدمة الأشخاص المحتاجين بشدة. وبالتالي فإن هذا أمر صعب للغاية”.

العاملون الإنسانيون ليسوا هدفا

سألنا السيدة ماتيلد فو، مديرة المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين عمّا إذا كان لديها رسالة توجهها للأطراف المتنازعة بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، فقالت:

“منذ بداية الحرب، يبدو أن أطراف النزاع قد تجاهلت تماما القانون الإنساني الدولي والمبادئ التي يتضمنها. فقدنا زملاءنا، وكان بعضهم في الخدمة عندما لقوا حتفهم. نُهبت مكاتبنا وسياراتنا وأفرغت مستودعاتنا، وكل هذه الموارد كانت مكرّسة لمساعدة الآخرين وهذا انتهاك خطير للغاية.

يجب أن يتم تنبيه أطراف النزاع إلى أننا لسنا هدفا. والجهات الفاعلة الإنسانية ضرورية في الوقت الحالي في خضم هذه الكارثة الهائلة التي أمامنا: حرب مشتعلة، وموسم ممطر، وأزمة جوع، وانهيار الرعاية الصحية. بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، يجب التأكيد، بحزم، على أطراف النزاع أن العاملين الإنسانيين ليسوا هدفا، وهذا يمتد بوضوح إلى كل من المدنيين والموظفين الطبيين في جميع أنحاء السودان وجميع المتطوعين في الخطوط الأمامية الذين يضحون بحياتهم من أجل خدمة المحاصرين في العنف. هم بحاجة إلى أن يتم تذكرهم وهم بحاجة إلى الحماية”.

شوارع الخرطوم.. مقبرة لضحايا الحرب

 

سكان من الخرطوم للأناضول:
– نخرج إلى الشوارع عند توقف القتال فنجد جثثا في الشوارع ونقوم بدفنها.
– لجأنا إلى دفن الموتى في أماكن تفرضها معطيات القتال حينها.
– هناك جثث بقيت لأيام وتحللت في مناطق لا يمكن الوصول إليها لأنها قريبة من أماكن القصف.
– سيضطر الناس إلى نبش القبور مرة أخرى عندما تتوقف الحرب ويعود الهدوء.

تقرير عادل عبد الرحيم 

نداء صغير للتعرف على هوية مواطن خمسيني وجد مقتولا في الشارع نشره ناشطون من حي “أركويت” شرقي العاصمة السودانية الخرطوم.

وأرفق النداء بصورة الشخص المقتول حتى يتعرف أهله عليه، مع توضيح أنه سيتم دفن جثمانه في ميدان صغير بالحي وبالفعل تم الدفن.

ومنذ منتصف أبريل/نيسان الماضي يخوض الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل، أغلبهم مدنيون، وأكثر من 4 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة.

** حالات كثيرة

يقول النور سليمان أحد سكان حي “أركويت” للأناضول: “خرجنا للشارع بعد أن توقف القصف و الاشتباكات القوية بين الحيش وقوات “الدعم السريع” لنجد مواطنا في الخمسينيات من عمره ملقى في الشارع وهو مقتول”.

وأضاف: “نشر شباب الحي صورا للمواطن حتى يتعرف عليه ذويه وقمنا بدفنه في ميدان صغير بالحي لصعوبة نقله إلى المقابر كما السابق قبل اندلاع الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع”

وأردف سليمان: “هذه واحدة من حالات الدفن الكثيرة لموتي الخرطوم منذ أيام الحرب المستمرة لأربعة أشهر عمر القتال بين الحيش والدعم السريع”.

** دفن في كل مكان

ولجأ السكان في عدة أحياء بالخرطوم إلى دفن الموتى مضطرين في أماكن يحددونها وفق ما تفرضه معطيات القتال حينها وفق ما يقولون للأناضول.

ومنذ بداية القتال بين الجيش وقوات “الدعم السريع” شهدت جامعة الخرطوم أول حالة دفن لطالب جامعي داخل حرمها”.

وقتل الطالب جراء الاشتباكات أثناء تواجده وآخرين في مقر الجامعة وسط الخرطوم لأيام لصعوبة خروجهم حينها، حيث اضطرت إدارة الجامعة إلى اتخاذ قرار الدفن لصعوبة نقل الجثمان جراء الاشتباكات المتواصلة آنذاك.

ولم تكن تلك الحالة الوحيدة التي تم تناولها بكثافة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لتأتي بعدها حادثة دفن الشقيقتين أخصائية التخدير ماجدة غالي والطبيبة ماجدولين غالي في حديقة منزلهم بحي العمارات القريب من القيادة العامة للجيش وسط الخرطوم، بعد تدخل أطباء ومتطوعين للقيام بمهمة الدفن منتصف مايو/ أيار الماضي.

وفي 8 أغسطس/ الجاري قالت منظمة “أنقذوا الأطفال” الإنسانية (بريطانية غير حكومية تُعنى بالدفاع عن حقوق الطفل حول العالم) في بيان، إن “آلاف الجثث تتحلل في شوارع الخرطوم على خلفية عدم سعة المشارح لحفظ الجثث من ناحية، وتأثير انقطاع الكهرباء المستمر على نظم التبريد من ناحية أخرى”.

وحذر البيان من “خطر تفشي الأمراض والأوبئة في شوارع الخرطوم التي مزقتها حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع مستمرة منذ 4 أشهر”.

ونقلت المنظمة عن نقابة الأطباء السودانية قولها: “لم يتبق أي طاقم طبي في المشارح، تاركين الجثث مكشوفة على حالتها”.

وقال مدير صحة وتغذية الأطفال في المنظمة بشير كمال الدين حميد، إن “عدم القدرة على دفن الموتى بكرامة هي معاناة أخرى للعائلات، إلى جانب الأسى والألم”، حسب البيان نفسه.

** جثث لم تدفن

قال شهود عيان للأناضول، إن عشرات الجثث تنتشر في شوارع السودان لا سيما ضمن مناطق الاشتباكات بالخرطوم وبحري (شمال) وأم درمان غربي العاصمة، وسط تحذيرات من كارثة صحية محتملة.

وأضاف الشهود، أن هناك جثثا بقيت لأيام وتحللت في مناطق لا يمكن الوصول إليها لأنها قريبة من أماكن القصف، وسط تحذيرات من أن يؤدي ذلك إلى انتشار الأمراض الخطيرة والأوبئة.

** تراجيديا لم يسبق لها مثيل

ورغم المجهودات الإنسانية التي تقوم بها المنظمات الانسانية المعنية إلا أن اشتداد المعارك داخل الأحياء السكانية يفاقم من أزمة دفن الموتى مع انتشار الجثث في أحياء المدنية.

وفي 6 يوليو/ تموز الماضي قالت جمعية “الهلال الأحمر” السوداني، إن فرقها “جمعت خلال أسبوع واحد أكثر من 100 جثة من شوارع الخرطوم فقط”، لكنه أشار إلى أنه “لم يعد بمقدور تلك الفرق الاستمرار في العمل بالعاصمة ودارفور، بسبب نهب سياراتهم”.

وبحسب آخر إحصائية للجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السوداني فإن “فرقا مشتركة دفنت حوالي 1000 جثة كانت منتشرة في الشوارع منذ بداية القتال”.

ويحفر السودانيون القبر في الأماكن التي يحددونها على الطريقة الإسلامية بحفر متر من الأرض، وأن يكون القبر لحداً (حفرة قدر قامة الميت)، وذلك بعد تكفينه، ويسجى الجثمان على الطريقة الإسلامية الشرعية باتجاه القبلة.

يصف الكاتب والصحفي السوداني يوسف حمد الذي يحدث في الخرطوم بأنه “تراجيديا لم يسبق لها مثيل، ولم يوثق التاريخ لمثل هذه المأساة”.

ويقول في حديثه للأناضول: “باتت شوارع الخرطوم مدمرة، تنتشر فيها على نطاق واسع أرتال من الجثث المسجاة على الطرقات”.

وأضاف: “عمليا سيضطر الناس إلى نبش هذه القبور مرة أخرى متى ما توقفت الحرب وعاد الهدوء، وربما تقوم بذلك الحكومة، أو أهل الضحايا” .

واستدرك حمد قائلا: “لكن في الحالتين فإن الناس سيكونون بحاجة إلى أطباء نفسانيين واستشارات نفسية هائلة تساعد على الخروج من هذه الفواجع الإنسانية غير المسبوقة”.

** مدينة عريقة

هكذا تواجه الخرطوم الحرب في شوارعها ويدفن السكان من يستطيعون دفنه تحت وقع الرصاص والمدافع بعد أكثر من 200 عام على تأسيسها كمدينة حديثة.

وأُسست الخرطوم كمدينة على يد الجيش العثماني في عهد محمد علي باشا عندما أرسل جيشه لضم السودان إلى مُلكه بقيادة ابنه الثالث إسماعيل كامل باشا عام 1821م، واتخذها الأتراك في البداية معسكراً لجيوشهم ثم تحولت إلى عاصمة لهم في عهد عثمان جركس باشا البرنجي عام 1824م وذلك بعد تعيينه حكمدارا (حاكما) على السودان خلفا للحكمدار محمد بك الدفتردار.

والخرطوم هي ملتقى النيلين الأبيض والأزرق ظلت موطنا للإنسان منذ عهود سحيقة، وبينت دراسات أثرية وجود مستوطنات بشرية على موقع الخرطوم الحالي نحو 4000 عام قبل الميلاد.

ووجد فيها بقايا مستوطنات يرجع تاريخها إلى عهد نبتة ومروي (750 قبل الميلاد إلى 350 م) وكذلك في عهد الممالك المسيحية (450 إلى 1504م).

وعقب استقلال السودان من الاستعمار البريطاني عام 1956 صارت الخرطوم عاصمة البلاد حيث اطلق عليها تسمية العاصمة المثلثة حيث تضم 3 مدن “الخرطوم وأم درمان وبحري”.

مهندس يصنع الصابون ومعلمة تبيع الخبز .. الحرب تغير أنماط حياة السودانيين

ود مدني (السودان) (أ ف ب) – غيّرت الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع مسار حياة العديد من السودانيين. من أجل تأمين قوتهم اليومي، وتبدو الحاجة بالنسبة الى كثيرين أم الاختراع.

وسيف واحد من ثلاثة ملايين نازح من الخرطوم بسبب الحرب التي اندلعت بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في 15 نيسان/ابريل. وفرّ كثيرون إلى ولايات أخرى بمنأى عن القتال والبعض الآخر عبر الحدود إلى البلدان المجاورة.

وأسفرت الحرب التي تتركز في العاصمة وضواحيها وفي إقليم دارفور في غرب البلاد وبعض المناطق الجنوبية، عن مقتل 3900 شخص على الأقل، ودفعت أكثر من أربعة ملايين آخرين الى النزوح.

بين الأواني التي يُخلط فيها سائل الصابون قبل أن يتمّ إفراغه في قوالب مكعبة الشكل من أجل المنتج النهائي، يجلس سيف في غرفته في مخيم مؤقت للنازحين، ويقول “لم أتقاضَ راتبا منذ آذار/مارس”، مشيرا إلى تعطّل معظم المصارف والشركات بسبب الحرب.

في كشك صغير لبيع الطعام في ود مدني، يحضّر محمد علي القادم من الخرطوم والذي كان موظفا في مؤسسة عامة، الطعام لتقديمه للزبائن.

ويقول لفرانس برس “اضُطررنا لإيجاد بدائل. لذلك قررت مع بعض الأصدقاء فتح كشك صغير يقدم أصناف طعام من العاصمة غير منتشرة في مدني”.

يقدّم علي في محلّه الصغير الفلافل ووجبة “البوش” التي يتناولها سكان العاصمة بشكل شائع وعلى مدار اليوم وهي عبارة عن خبز مقطع في صحن كبير مضاف إليه الفول المدمس وبيض وجبن وبهارات.

“فقدت الأمل في الحياة”

داخل كشك صغير آخر في سوق مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة، تجلس السودانية ميشيل إيليا التي كانت تعمل معلمة في مدرسة في أمّ درمان، ضاحية غرب الخرطوم الكبرى، تصنع وتبيع رقائق الخبز.

وتقول إيليا من وراء نظاراتها الطبية “بعدما كنت أطمح الى أن أكون أستاذة كبيرة ينتهي بي الحال هنا.. لأول مرة أعمل في السوق”.

وتتابع “لقد فقدت الأمل في الحياة.. ولكن أنا مجبرة على ذلك حتى أتكفّل بأسرتي وطعامي”، مضيفة “لست خجولة أو حزينة مما أقوم به، ولكنها ظروف الحرب”.

على مسافة من كشك إيليا الصغير، تقف إشراقة موسى التي غادرت منزلها في العاصمة أيضا من جراء الحرب، وراء عربة صغيرة اشترتها لتبيع عليها المشروبات الساخنة لتدبير دخل يومها.

وتقول لفرانس برس”أتيت إلى هنا واشتريت هذه العربة لصنع الشاي حتى أتمكن من تحمل تكاليف المعيشة.. كبدتنا الحرب أضرارا كثيرة وتركنا منازلنا وكل ما نملك”.

وتتابع بحسرة “الآن.. إذا تمكنت من إفطار أطفالي، قد لا أتمكن من تدبير وجبة الغداء”.

قبل الحرب، لم تمارس موسى هذا العمل بتاتا في مجتمعها المحافظ.

ويعدّ السودان من أكثر دول العالم فقرا حتى قبل اندلاع النزاع الحالي. ويستمر العاملون في المجال الإنساني في المطالبة من دون جدوى بالوصول إلى مناطق القتال، ويقولون إنّ السلطات تمنع وصول المساعدات إلى الجمارك ولا تُصدر تأشيرات دخول لطواقم الإغاثة.

بائع متجول بانتظار الزبائن في سوق في الخرطوم بتاريخ 19 أيار/مايو 2023 © / ا ف ب

ويشهد الوضع الصحي في البلاد مزيداً من التدهور يوماً بعد يوم. فإضافة الى الحرب، يتعيّن على الـ48 مليون سوداني التعامل مع الجوع والفيضانات وما تجلبه معها من أوبئة من الملاريا الى الكوليرا.

وتشير منظمة الصحة الدولية إلى أنّ “أكثر من 40% من السكان يعانون من الجوع، أي ضعف عدد العام الماضي”، هذا فضلا عن “نقص الأدوية والتجهيزات الصحية والكهرباء والماء”.

الحرب في السودان من دون أفق وتخوّف من أن “تستمر لسنوات”

ود مدني (السودان) (أ ف ب) – في الخامس عشر من نيسان/أبريل، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وكان كلّ من الطرفين يعتقد أنه سيفوز بها سريعا، ولكن بعد أربعة أشهر، فقد الجيش السيطرة الكاملة على الخرطوم وخسرت قوات

ويقول الخبير العسكري محمد عبد الكريم “الحرب في السودان امتدت لزمن أطول مما كان متوقعا لها بل أكثر من الزمن الذي قدّره من خطّطوا لها. لم يكن أحد يتوقّع أن تستمرّ لأكثر من أسبوعين في أسوأ أحوالها”.

ويضيف أن الجيش كان يظنّ أن “الحسم سيتمّ في وقت وجيز على اعتبار أنه يعرف تفاصيل تسليح قوات الدعم السريع وأن لديه ضباطا منتدبين للعمل في الدعم السريع”.

بعد أربعة أشهر، قتل 3900 شخص على الأقل، ونزح أكثر من اربعة ملايين، والحرب متواصلة.

ويقول ضابط سابق في الجيش السوداني طلب عدم الكشف عن هويته إن قيادة الدعم السريع “أعدّت خطوط إمدادها ولذلك كانت أولوياتها السيطرة على مداخل العاصمة”.

وتسيطر قوات الدعم على المدخل الغربي للخرطوم الرابط بين العاصمة وولايتي دارفور وكردفان عند الحدود الغربية لأم درمان (ضاحية الخرطوم). كما تسيطر علي الطريق الذي يربط العاصمة بولايات الوسط وشرق السودان.

ويضيف الضابط السابق أن الجيش اختار حماية قواعده الأساسية، غير أن قوات الدعم السريع كسبت أرضا في الأحياء السكنية التي كانت أقامت مقارا فيها وباتت منذ بداية الحرب تسيطر على العديد من المنازل والمستشفيات ومؤسسات بنى تحتية أخرى.

ويشير عبد الكريم الى أن “هذه حرب بطبيعتها تفترض الاعتماد بشكل أساسي على قوات المشاة بما أنها حرب داخل مدينة”.

غير أن الجيش “منذ سنوات طويلة لم يعد مهتما بسلاح المشاة الحاسم في مثل هذه المواجهات، إذ اعتمد خلال الحرب في جنوب السودان (الذي أصبح دولة مستقلة في العام 2011) على متطوعي الدفاع الشعبي. وبعد انتهاء حرب الجنوب وبداية القتال في إقليم دارفور، استعان الجيش بحرس الحدود، وهي قوات من القبائل العربية لا من الجيش النظامي، وبعد ذلك بالدعم السريع”.

في الإطار ذاته، كتب الباحث أليكس دو وال أن قوات الدعم السريع “أثارت شكوكا في الطريقة التي يقدّم بها الجيش نفسه باعتباره ممسكا بالسلطة” عندما فاجأته بانتشارها في الخرطوم. وبدا البرهان مسيطرا على الوضع بعد الانقلاب الذي نفّذه في العام 2021 بمساندة نائبه آنذاك محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي.

غير أن “ما كسبه الدعم السريع عسكريا، خسر مقابله سياسيا”، إذ إن قواته “فقدت بشكل نهائي تعاطف الشارع بسبب الفظاعات التي ارتكبتها من إعدامات بدون محاكمة واغتصاب ونهب”، وفق دو وال.

ويؤكد الباحث أن الفريق أول “كسب سياسيا”، ولكن فقط بسبب الرفض الشعبي لخصومه، فالرجل “ليس شخصية سياسية ولا يمتلك كاريزما”.

– عودة الإسلاميين –

وإذا كانت الحرب بدت في أيامها الأولى وكأنها صراع على السلطة بين جنرالين، فقد باتت اليوم أطراف أخرى متداخلة فيها بعد أن دعا الطرفان الى التعبئة العامة.

من ناحية الجيش، “فتحت هذه الدعوة الباب أمام الإسلاميين وهم الأكثر استعدادا”، غير أن مشاركتهم وغيرهم في القتال “سيؤدي الى إطالة أمد الحرب وتعقيد العلاقات الدبلوماسية للسودان”، وفق الضابط السابق.

أما قوات الدعم السريع فتعتمد على “تعبئة القبائل العربية في دارفور” للحصول على دعم، بحسب مصدر في هذه القوات.

وتشير بعض التقديرات الى أن تعداد قوات الدعم السريع يبلغ الآن 120 ألفا، في حين كان في بداية الحرب 60 ألفا.

ويشرح المصدر نفسه أن “البعض يقاتلون لدعم إخوتهم”، بينما “يقاتل آخرون من أجل المال”، وهو مورد متاح بين أيدي الفريق دقلو بفضل سيطرته على مناجم الذهب.

وبفضل التنقيب عن الذهب الذي يعدّ السودان ثالث منتح له في إفريقيا، اكتسب دقلو حلفاء مهمين على رأسهم مرتزقة فاغنر، وفق واشنطن.

ويؤكد دو وال أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد هو المشتري الرئيسي للذهب من دقلو وسنده الرئيسي، “ووفق بعض المعلومات ما زال يرسل له السلاح”.

على الجانب الآخر، يضع الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان ثقليهما خلف البرهان.

كل هذه العواصم “تتحدث عن السلام فيما تستمرّ في تسليح حليفها”.

في هذا الوقت، تتوسّع الحرب يوميا الى مدن جديدة في ظل انسداد أفق الحل السياسي.

ويرى دبلوماسي غربي أن “الحرب قد تدوم سنوات”.

صراع السودان يدمر قطاع التعليم مع إغلاق المدارس وإلغاء الامتحانات

القاهرة (رويترز) – آدم مكاري- عندما أجبرت الحرب في العاصمة السودانية سارة الشريف وأسرتها على الفرار، تركت الطالبة التي تدرس تكنولوجيا المعلومات والبالغة من العمر 19 عاما كتبها وجهاز الكمبيوتر الخاص بها.

وتعيش حاليا في سنار الواقعة على بعد 30 كيلومترا جنوب شرقي الخرطوم، وتعاني من ضعف الإنترنت ولا تملك جواز سفر لترك السودان.

ولا تجد، شأنها شأن كثيرين، سبيلا لمواصلة دراستها في وقت يحتدم فيه القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وهوى الصراع، الذي بدأ في منتصف أبريل نيسان، بنظام التعليم المتعثر في السودان إلى حالة من الانهيار مع إغلاق العديد من المدارس أو تحويلها لملاجئ للنازحين وإلغاء معظم امتحانات نهاية العام.

تقول سارة الشريف إن هذه الحرب تؤدي إلى نهاية التعليم في السودان وتحول الأمور من سيء إلى مستحيل.

وأشعل الصراع معارك يومية في شوارع الخرطوم وعادت معه الهجمات العرقية في دارفور وتسبب في تشريد أكثر من أربعة ملايين داخل السودان وعبر حدوده.

تقول سيمون فيس المسؤولة بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة(يونيسف) في السودان إن هناك “عددا مقلقا من التقارير التي تفيد بتجنيد جماعات مسلحة للفتيان والفتيات”.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن 89 مدرسة على الأقل في سبع ولايات تُستخدم ملاجئ للنازحين مما يثير مخاوف من عدم تمكن الكثير من الأطفال من دخول المدارس في العام الدراسي الجديد ليتركهم ذلك عرضة لعمالة الأطفال وسوء المعاملة.

وألغت وزارة التربية والتعليم يوم الأربعاء معظم امتحانات نهاية العام في المناطق المتضررة من الحرب.

وقالت سحر عبد الله وهي معلمة نازحة من الخرطوم لجأت إلى سنار ” في ظل الواضع الراهن هذا، أي زول يشوف إنه مستحيل يكون في عام دراسي جديد”.

* إضراب المعلمين

وحتى قبل اندلاع الصراع، صنفت منظمة أنقذوا الأطفال السودان واحدة من البلدان الأربعة الأولى على مستوى العالم التي يواجه فيها التعليم خطرا شديدا.

تشير المنظمة الخيرية إلى أن عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس ارتفع حالياً إلى تسعة ملايين من 6.9 مليون، ونزح أكثر من مليون طفل في سن الدراسة وأغلقت 10400 مدرسة على الأقل منذ بدء القتال.

وفي حين أن الخرطوم لديها تراث فكري تعتز به، ينهار نظام التعليم بسبب قلة الاستثمار والتدخل السياسي والأزمة الاقتصادية الطاحنة. وسبق أن تعطلت الدراسة نتيجة احتجاجات الشوارع قبل وبعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 2019، فضلا عن فيضانات عارمة غير معتادة في 2020 وجائحة كوفيد-19.

وعن مشكلة اكتظاظ الفصول الدراسية تقول المعلمة النازحة سحر عبد الله “بعض الطلاب يواجهون مشكلة في الإجلاس، الطالب ممكن ييجي شايل إجلاسه(مقعده) معه أو حتى توفير الكتاب المدرسي بالصورة الكافية المرضية للمعلم بحيث إنه يوصل المعلومة”.

ونظم المعلمون العاملون في الدولة إضرابا لثلاثة أشهر احتجاجا على الأجور وظروف العمل قبل اندلاع الحرب. وقال عضو بارز في لجنة المعلمين السودانيين إن ما يصل إلى 300 ألف معلم لم يتقاضوا رواتبهم منذ مارس آذار.

وقالت فاطمة محمد، وهي معلمة نازحة فرت من الخرطوم إلى ولاية القضارف بعد أن استولت قوات الدعم السريع على المدرسة التي تعمل بها “بسبب الحرب توقفت الدراسة وكنا نستعد لامتحانات نهاية العام الدراسي ومستقبل ومصير التلاميذ مجهول لا نعرف متي سنعود للعمل؟ ومنذ شهر مارس لم نستلم مرتباتنا الشهرية.. المدرسة حاليا في منطقة حرب”.

* “انتظار وأمل”

وعلى الرغم من الاضطرابات التي شهدتها الدراسة خلال السنوات القليلة الماضية، تمكنت رباب نصر الدين من بلوغ السنة الثالثة في كلية القانون بجامعة الخرطوم حتى اندلاع الحرب.

لكنها اضطرت هي الأخرى إلى الفرار وتخلت عن الشهادات والمواد التعليمية التي قد تساعدها على مواصلة الدراسة في مكان آخر. وقالت إن الخيار الوحيد أمامهم هو الانتظار والأمل في حدوث الأفضل.

أما عمال الإغاثة فيحاولون المساعدة في التخفيف من حدة الأزمة بإنشاء مساحات آمنة للتعليم وتزويد الأطفال بالدعم النفسي والاجتماعي.

وجمع صندوق “التعليم لا ينتظر” التابع للأمم المتحدة والمخصص لتمويل جهود التعليم في حالات الطوارئ 12.5 مليون دولار، ويهدف إلى توفير الخدمات التعليمية لنحو 120 ألف طفل في السودان والدول المجاورة.

وقالت ياسمين شريف المديرة التنفيذية للصندوق إنه خلال جائحة كوفيد-19، لم يرغب الآباء في الدول الغنية “في أن ينتظر الأطفال لعام أو شهر لمواصلة الدراسة، فلماذا نتوقع منهم (في السودان) الانتظار حتى ينتهي الصراع؟”

ويسعى بعض النازحين من السودان إلى الالتحاق بمدارس وجامعات في الدول التي فروا إليها مثل هؤلاء في مصر. لكن لا توجد مثل هذه الخيارات في تشاد التي وصل إليها أكثر من 377 ألف لاجئ.

وقال خليفة آدم وهو طالب نازح هرب إلى أدري في تشاد من دارفور لرويترز “ما أقدر أمشي وأواصل التعليم وأهلي ما أقدر أتواصل معهم وانقطع التواصل بيننا، الناس هنا قالوا ممكن تواصل إلكترونيا لكن شايف إلكترونيا هنا في أدري صعب، الشبكة سيئة”.

تفاؤل عمر… امرأة سودانية حامل طردت من تونس فتقطعت بها السبل في صحراء ليبيا

في مشهد يعكس مأساة مئات المهاجرين المتحدر معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والعالقين في مناطق حدودية بين تونس وليبيا، اضطرت الشابة تفاؤل عمر أن تسير رفقة زوجها وهي حامل حوالي أربع ساعات في الصحراء قبل أن تنقذهم دورية حدودية ليبية. الممرضة ذات الـ26 عاما واحدة من 350 مهاجرا ما زالوا عالقين في راس جدير وهي منطقة ساحلية تبعد 35 كيلومترا تقريبا عن العسة، وفق المنظمة الدولية للهجرة. وتتهم الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية تونس بالقيام بعمليات طرد جماعي للمهاجرين إلى مناطق حدودية “نائية ومهجورة” قرب ليبيا والجزائر، فيما تنفي تونس ذلك.

تحت شمس الصحراء الحارقة، بدت الممرضة السودانية تفاؤل عمر منهكة بعد سيرها نحو أربع ساعات في الصحراء رفقة زوجها، تقول وهي تذرف الدمع إن السلطات التونسية ألقت القبض عليها رفقة 14 مهاجرا آخرين إلى جانبها وألقت بهم في المنطقة الحدودية مع ليبيا، وهو اتهام تنفيه تونس.

قالت تفاؤل، وهي تنتظر مولودا جديدا، وآخرون غيرها إن مجموعة من الرجال والنساء من السودان والسنغال وغانا ومالي ساروا لأربع ساعات قبل أن تعثر عليهم دورية حدودية ليبية في نهاية الأسبوع وتقدم لهم الماء والطعام.

وتحدثت عن مخاوفها وقالت إنها تخشى أن تؤثر محنتها في الصحراء على جنينها، موضحة “شعور مروع عندما تمشي في مكان ناء”.

يتهم المهاجرون وحرس الحدود الليبي والمنظمات الحقوقية تونس بطرد المهاجرين عبر الحدود إلى مناطق جرداء في البرية بعيدا عن البلدات والقرى في ذروة الصيف في إطار حملة مستمرة منذ شهور.

وأفادت ليبيا بالعثور على جثث مهاجرين هلكوا في الصحراء.

تنفي وزارة الداخلية التونسية إلقاء المهاجرين في الصحراء ووصف الرئيس قيس سعيّد التقارير بأنها معلومات مضللة تهدف إلى تشويه سمعة بلاده.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية فاكر بوزغاية عن روايات المهاجرين إن تونس ترفض كل الاتهامات بطرد المهاجرين الأفارقة.

ولدى سؤاله عن كيفية وصول الذين تقطعت بهم السبل إلى الصحراء، قال “سيتم السماح بدخول من تنطبق عليهم شروط الدخول القانوني إلى تونس”، مضيفا أن “تونس ليست مسؤولة عما يحدث خارج حدودها” دون الخوض في التفاصيل.

وأشار بوزغاية إلى عمل الهلال الأحمر التونسي في مساعدة المهاجرين على الحدود.

 

“الوضع على الحدود معقد للغاية”

قالت تفاؤل عمر إنها وزوجها ياسين آدم كانا يعيشان في جرجيس، وهي بلدة في جنوب تونس بالقرب من الحدود مع ليبيا، ويدخران ما سيدفعانه للمهربين لنقلهم إلى إيطاليا. وأضافت أن الشرطة اعتقلتهما الأسبوع الماضي واقتادتهما إلى الحدود.

فر الزوجان من منزلهما في الخرطوم بسبب الحرب التي اندلعت هناك فجأة في أبريل/نيسان حيث أدى إطلاق قذائف في منطقتهما إلى مقتل والد عمر.

سافر الزوجان عبر تشاد والجزائر قبل الوصول إلى تونس، على حد قولهما.

قالت تفاؤل وياسين وغيرهما ممن عثرت عليهم الدورية الليبية إن الشرطة قبضت عليهم مع مهاجرين آخرين وإن أفراد الشرطة ضربوا الرجال وأخذوا هواتف كل من في مجموعتهم وتركوهم في الصحراء.

ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من رواياتهم عما حدث قبل العثور عليهم.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إنها ووكالات أخرى تابعة للمنظمة الدولية قدمت مساعدات غذائية وطبية لنحو 300 فرد في منشأة حكومية في العسة بليبيا، بالقرب من المكان الذي عُثر عليهم فيه.

وقال جياكومو ترينزي من المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا “الوضع على الحدود معقد للغاية. يبدو أن هناك نحو 350 مهاجرا ما زالوا عالقين في راس جدير” وهي منطقة ساحلية تبعد 35 كيلومترا تقريبا عن العسة.

وفي الشهر الماضي، قالت المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إنهما تشعران بالقلق الشديد بشأن سلامة مئات المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في تونس الذين نُقلوا إلى مناطق حدودية “نائية ومهجورة” أو تم الدفع بهم عبر الحدود.

 

مكافحة تهريب البشر

وردت أنباء عن عمليات طرد عبر الحدود الصحراوية لأول مرة في أوائل يوليو/تموز بعد مواجهات بين السكان المحليين والمهاجرين في مدينة صفاقس الساحلية، وهي نقطة انطلاق رئيسية لرحلات غير مشروعة إلى إيطاليا على متن قوارب صغيرة متهالكة.

حاول آلاف المهاجرين الذين كانوا يعيشون في تونس المغادرة إلى أوروبا هذا العام بعد أن أعلن الرئيس سعيّد عن حملة ضدهم في فبراير/ شباط، قائلا إن وجودهم جزء من مؤامرة لتغيير التركيبة السكانية لتونس.

وأدت تلك الحملة، التي ندد بها الاتحاد الأفريقي وبما أسماه “لهجة عنصرية”، إلى موجة من الهجمات على المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

وتصاعدت حركة الهجرة عبر شمال أفريقيا والبحر المتوسط ​​إلى أوروبا هذا العام ولا تظهر أي بوادر تدل على تباطؤها، حيث تم الإبلاغ عن المزيد من محاولات المغادرة وحوادث تحطم السفن المميتة.

وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لنهج تونس، قال الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي إنه سيمنح البلاد أكثر من 100 مليون يورو للمساعدة في مكافحة تهريب البشر وتحسين إدارة الحدود.

وتنتقد جماعات حقوقية الاتحاد الأوروبي لدعمه لإجراءات الهجرة في ليبيا، حيث تسيطر الفصائل المسلحة على مراكز إيواء المهاجرين التي وثقت منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش جرائم تعذيب فيها. وتنفي الحكومة الليبية وجود تعذيب في هذه المراكز.

قالت تفاؤل ومجموعتها إنهم تلقوا الماء والطعام من أفراد حرس الحدود الليبيين، من اللواء 19 التابع لوزارة الدفاع التابعة لحكومة طرابلس.

وعندما عثرت عليهم الدورية، كانوا مستلقين على الأرض، وقد تشققت شفاههم التي تحول لونها إلى الرمادي، فيما غطوا رؤوسهم بأوشحة لتخفيف لهيب الشمس والرياح القوية المحملة بالرمال والتراب.

قال حرس الحدود إنهم سيُنقلون إلى منشأة حكومية في العسة. وقال ترينزي إن المهاجرين الذين تتعامل معهم منظمته لن يتم إرسالهم إلى مراكز الإيواء.

وكان كوفي موسى (23 عاما) وزوجته بليسنق دافيد (20 عاما) ضمن مجموعة تفاؤل عمر.

قالا إنهما وصلا إلى تونس قبل ثلاثة أشهر عبر الجزائر. وقالت بليسنق إنها حامل أيضا. وكانا يأملان في السفر إلى أوروبا لكنهما لم يتمكنا من جني الأموال اللازمة للقيام بالرحلة.

وقال موسى “أشعر بالإحباط. لقد فقدت الأمل. أريد فقط العودة إلى غانا. طردوني أنا وزوجتي وتركونا نسير في الصحراء في مواجهة ظروف مروعة”.

 

فرانس24/ رويترز

السودان ضمن أربعة دول مهددة بتداعيات انقلاب النيجر (تحليل)

– دخول النيجر في مرحلة من الفوضى يهدد استقرار الجزائر وليبيا وموريتانيا والسودان
ـ انقلاب النيجر من شأنه دفع مزيد من المهاجرين والمهربين والإرهابيين نحو الجزائر وعرقلة انفتاحها على أسواق غرب ووسط إفريقيا
ـ ليبيا ستتحمل عبئا أكبر من نشاط الجماعات الإرهابية والمقاتلين الأجانب والمهاجرين على الحدود
ـ هل تنج موريتانيا من لعبة الدومينو؟
ـ السودان معرض لدخول المزيد من المرتزقة من النيجر للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع من أجل المال والقبيلة والطريقة والمجد
 

 

شكلت محاولة الانقلاب العسكري في النيجر، صدمة للدول الإفريقية وبالأخص العربية منها ذات الجوار القريب، لما لهذه الخطوة من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة.

فالانقلاب العسكري الذي قاده الحرس الرئاسي على الرئيس محمد بازوم، وحظي بدعم قيادة الجيش في اليوم التالي، من شأنه أن يعقد الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد ويزيدها عزلة، بسبب رفض المجتمع الدولي لهذا الانقلاب.

ومن شأن دخول النيجر في فوضى سياسية وأمنية أن يكون له تداعيات عصيبة على الدول العربية المجاورة لها على غرار الجزائر وليبيا، وأيضا موريتانيا والسودان، بحكم وقوعهما في منطقة الساحل، سواء من حيث تدفق المهاجرين والمجموعات المسلحة والمرتزقة والإرهابيين، وضياع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

ـ الجزائر

للنيجر أهمية استراتيجية بالنسبة للجزائر، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، فالبلدان عضوان في مجموعة الميدان التي تضم أيضا كلا من موريتانيا ومالي.

إذ يتدفق عبر النيجر آلاف المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى الجزائر عبر الحدود المشتركة.

وقع البلدان في 2021، على اتفاق التعاون الأمني، لتنسيق عمليات محاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والمنظمة.

كما أن النيجر تمثل ممرا مهما للجزائر نحو قلب إفريقيا، ضمن استراتيجيتها لتعزيز صادراتها إلى القارة السمراء، وبالأخص مشاريع الطريق العابر للصحراء والذي يربط الجزائر بنيجيريا عبر النيجر، بالموازاة مع خط للألياف البصرية، وأنبوب لنقل غاز نيجيريا إلى أوروبا مرورا بالبلدين.

كما أن مجمع سوناطراك الجزائري وقع في فبراير/شباط 2022، مع وزارة الطاقة في النيجر، على اتفاق لتقاسم الإنتاج في حقل “كفرا” النفطي شمالي البلاد، الذي اكتشفته في 2018، والذي تقدر احتياطاته بنحو 400 مليون برميل.

فكل هذه الاتفاقيات والمصالح الاستراتيجية أصبحت مهددة بعد الانقلاب على الرئيس بازوم، الذي من شأنه إدخال البلاد في مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار على غرار ما يجري في ليبيا ومالي.

وتستقبل الجزائر عددا كبيرا من المهاجرين القادمين من النيجر، وتقوم بين الحين والآخر بترحيلهم إلى بلادهم ضمن اتفاقية أمنية مع نيامي، لكن الانقلاب الأخير من شأنه مضاعفة أعدادهم خاصة وأن الجزائر تعد أغنى بلد بين دول الساحل، حيث تحولت لبلد استقرار لكثير منهم بعدما كانت بلد عبور نحو أوروبا.

لذلك دانت الجزائر بشدة المحاولة الانقلابية في النيجر منذ الساعات الأولى لاحتجاز الرئيس بازوم.

ودعت الجزائر، في بيان لخارجيتها “لوضع حد فوري للاعتداء غير المقبول على النظام الدستوري، وهذا الانتهاك الخطير لمقتضيات سيادة القانون”.

ورغم أن الجزائر سبق لها وأن تعايشت مع أربع انقلابات عسكرية ناجحة في النيجر، إلا أن انتشار الانقلابات في جوارها الجنوبي يهدد نظامها الديمقراطي.

ـ ليبيا:

تعد ليبيا أكثر الدول العربية تأثرا بالانقلاب في النيجر، فالرئيس محمد بازوم، يتحدر من قبيلة أولاد سليمان الليبية، التي يمتد انتشارها من بلدة هراوة على البحر الأبيض المتوسط (قريبة من مدينة سرت الليبية) إلى غاية النيجر وتشاد جنوبا.

ولم يخف رئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة، قلقه مما يجري في جارة بلاده الجنوبية، ودعا، عبر حسابه على تويتر، إلى “وضع حد فوري لهذه التحركات العسكرية التي تقوض أمن المنطقة واستقرارها، وتشكل مصدر قلق لجميع البلدان المجاورة، والمجتمع الدولي ككل”.

فليبيا سبق لها وأن جربت عدم الاستقرار في النيجر، خلال السنوات الأخيرة، إذ عانت من مشاركة مجموعات مسلحة من النيجر في القتال لصالح هذا الطرف أو ذاك.

فبسبب الوضع الاقتصادي في النيجر، يسهل على أطراف الصراع في ليبيا تجنيد مرتزقة للقتال في صفوفهم، أو على الأقل حماية حقول النفط والمراكز الحيوية في المناطق النائية خاصة بالجنوب.

الهجرة غير النظامية وتجارة البشر، انتعشت في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي في 2011، وشكلت عبئا اجتماعيا ومسؤولية إنسانية على البلاد، خاصة بعد صدور تقارير عن غرق مهاجرين في عرض البحر بينهم من النيجر، ناهيك عن وضعهم في مراكز إيواء غير مناسبة إحداها تعرض لقصف دموي سقط خلاله عشرات القتلى.

وإذا دخلت النيجر في حالة عدم استقرار أو انجرفت نحو الفوضى، فإن ذلك سيدفع أعداد كبيرة من سكان النيجر للفرار إلى ليبيا، التي لا تملك الإمكانيات الكافية لحماية حدودها.

ناهيك عن انتشار تجار البشر على طول سواحلها الغربية القريبة من شواطئ مالطا وإيطاليا، على غرار زوارة وصبراتة والقره بوللي والخمس، وتهريب الأسلحة والوقود، المنتشر على الحدود.

لكن الأخطر من ذلك عودة عناصر تنظيم داعش للنشاط في ليبيا، بعدما تم القضاء على إمارتهم في سرت نهاية 2016، وفرارهم إلى دول الساحل وحوض بحيرة تشاد وخاصة نيجيريا.

إذ أن تدهور الوضع في النيجر سيسمح للتنظيمات الإرهابية للنشاط على محور نيجيريا النيجر ليبيا وصولا إلى العراق وسوريا.

فالنيجر تمثل نقطة عبور رئيسية للعناصر المتطرفة بين معاقلها الرئيسية في العراق وسوريا وبين معاقلها الجديدة في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد.

ناهيك عن تجميد خطط ومشاريع لنقل غاز نيجيريا عبر البلدين، وربط كل من تشاد والنيجر وليبيا بخط للسكك الحديدية.

ـ موريتانيا

على الرغم من أن موريتانيا ليست لها حدود مباشرة مع النيجر، وتفصل بينهما مالي، إلا أنها معنية بشكل مباشر بالانقلاب الواقع على الرئيس بازوم، بحكم أن البلدان عضوان في مجموعة الخمسة ساحل، التي شكلتها فرنسا لتنسيق عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة.

فمن بين دول الساحل الخمسة، لم تبق سوى موريتانيا التي تتبع نظاما ديمقراطيا دستوريا، ولا يقودها نظام عسكري أو انقلابي.

وعندما يكون محيطها مُشكلا من أنظمة انقلابية فهذا يمكنه أن يشجع بعض المغامرين من ضباطها لقيادة انقلاب على النظام الدستوري أسوة بمالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وغينيا.

فالأنظمة المنتخبة في دول الساحل تتساقط الواحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو، وهذا ما يثير قلق موريتانيا وأيضا الجزائر وليبيا.

فموريتانيا شهدت عدة انقلابات عسكرية منذ استقلالها في 1960، آخرها الانقلاب الذي قاده رئيس أركان الحرس الرئاسي الجنرال محمد ولد عبد العزيز، في 2008، على الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.

والمصادفة أن قائد الحرس الرئاسي في النيجر من قاد الانقلاب على الرئيس بازوم.

لذلك كان من الطبيعي أن تدين الخارجية الموريتانية، في بيان، المحاولة الانقلابية وقالت إنها “تراقب بقلق كبير تطورات الأوضاع في النجير وترفض التغييرات غير الدستورية للحكومات”، داعية إلى “تضافر الجهود من أجل المحافظة على أمن واستقرار جمهورية النجير ومؤسساتها الدستورية”.

لكن هذا الوضع قد يخدم نواكشوط، لأنه سيجعلها في نظر المجتمع الدولي واحة للديمقراطية بين دول الساحل المنقلبة على أنظمتها الدستورية، ما يجعلها أكثر استقطابا للدعم العسكري والتنموي.

ـ السودان

على غرار موريتانيا لا تربط السودان أي حدود مع النيجر، لكن بينهما بحر مفتوح من الرمال وقبائل مترابطة عرقيا، أو مذهبيا (الطريقة التيجانية).

وفي الوقت الذي يشتعل فيه قتال عنيف في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع (شبه عسكرية)، فإن أي انهيار للاستقرار في النيجر سيغذي الحرب في السودان، والعكس صحيح.

حيث اتهم رئيس البعثة الأممية في السودان فولكر بيرتس، في مقابلة صحفية، قوات الدعم السريع بضم مقاتلين من مرتزقة أفارقة.

والنيجر بالذات تعج بالمرتزقة والباحثين عن الذهب والمجد، وشاركوا بشكل بارز في الحرب بليبيا، إلى جانب مجموعات مسلحة محسوبة على قوات الدعم السريع السودانية.

وقبيلة المحاميد التي يتحدر منها كثير من المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع لها امتداد في جنوب النيجر وبالضبط في ولاية ديفا، التي هاجروا إليها في بداية الثمانينات.

وفي ولاية أغاديز شمالي النيجر، ينتشر المنقبون السودانيون عن الذهب، وينشط المهربون على محور دارفور النيجر، خاصة في ظل تقارير عن تهريب قوات الدعم السريع لسيارات مسروقة إلى دول الساحل بما فيها النيجر.

وهذا التداخل القبلي والمذهبي والأمني يجعل من إمكانية تجنيد قوات الدعم السريع لمرتزقة من النيجر مسألة غير مستبعدة، خاصة إذا انفلت الأوضاع الأمنية في الأخيرة أكثر.

عن كثب-إحصائيات مستقلة: قتلى الحرب المدنيون بالخرطوم أكثر من مثلي الأرقام الرسمية

 

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 يوليو 2023 يوليو,سويسرا تنضم إلى الأصوات الدولية الغاضبة بسبب الانقلاب العسكري في النيجر الذي أطاح بالرئيس الأفريقي واحتجزه.

ويقول النشطاء والمجموعات التطوعية إن المدنيين يموتون كل يوم تقريبا في أنحاء العاصمة في نتيجة مباشرة للصراع في ظل استمرار الضربات الجوية والقصف المدفعي دون هوادة. وقال عشرات السكان لرويترز إن الحياة أصبحت جحيما بالنسبة لمن بقوا في مناطق مثل شمبات.

وينتشر جنود قوات الدعم السريع في الطرق الرئيسية في حي شمبات، الذي يقع بالقرب من قاعدة رئيسية لتلك القوات تسمى المظلات. ولطالما كان الحي بؤرة ساخنة للاحتجاجات المناهضة لكل من الجيش وقوات الدعم السريع.

ويقول سكان شمبات وأماكن أخرى في أنحاء العاصمة إن قوات الدعم السريع توقف كثيرا الشباب الذين تشتبه في أنهم يعملون لصالح الجيش، وذلك بحسب تصريحات من لجان المقاومة وثلاثة من السكان على الأقل. وقال اثنان من الشهود على حادثة السابع من مايو أيار، هما المهندس الثلاثيني ورجل آخر يعمل في مطار، إن جنودا من قوات الدعم السريع أوقفوهما في الشارع بعد أيام من الواقعة بعد أن استخدم أحدهما لفظ “الجنجويد”. وغالبا ما يستخدم المصطلح كإشارة ازدراء تشير لأصول قوات الدعم السريع المنبثقة من الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد التي اتُهمت، إلى جانب الجيش، بارتكاب إبادة جماعية في إقليم دارفور في العقد الأول من القرن الحالي. ونفت كل من قوات الدعم السريع والجيش تهم ارتكاب إبادة جماعية.

وقال الرجلان إن أفراد قوات الدعم السريع اقتادوهما إلى قاعدة المظلات واعتدوا عليهما بالضرب بالعصي وأعقاب البنادق. وقال موظف المطار إنه خلال المحنة التي تعرضا لها، أمر مقاتل من قوات الدعم السريع آخر بقتله.

ولم تتمكن رويترز من التأكد بشكل مستقل من روايات الرجلين اللذين قالا إنه أُفرج عنهما بعد ساعات. وتحدثت وكالة الأنباء إلى أحد الرجلين عبر الهاتف وهو في السودان ومع الثاني في مصر التي فر إليها بعد الضرب الذي قال إنه تعرض له على أيدي قوات الدعم السريع.

ولم تستجب قوات الدعم السريع لطلبات للتعليق على رواية الرجلين.

وردا على اتهامات من جماعات حقوقية سودانية في وقت سابق من هذا الشهر بشأن احتجاز مدنيين ومقاتلين ومعاملتهم بطريقة غير إنسانية، قالت قوات الدعم السريع لرويترز إن التقارير غير صحيحة وإنها لا تحتجز سوى أسرى حرب يلقون معاملة حسنة. كما قالت القوة شبه العسكرية في وقت سابق إنها ستحاكم أيا من مقاتليها يتبين ارتكابه انتهاكات بحق المدنيين.

ويقول السكان إن الغارات الجوية والقصف المستمر أصاب أطفالهم بصدمات نفسية وألحق أضرارا بمنازلهم. ولا يتوقع السكان انتهاء القتال قريبا، ويقولون إن المعركة بين الجيش وقوات الدعم السريع وصلت إلى طريق مسدود على ما يبدو. وأخفقت محاولات للوساطة من قوى إقليمية ودولية في إيجاد مخرج من الصراع الذي يزداد تعقيدا.

وقال أب لطفلين يبلغ من العمر 40 عاما من شمبات “لا يمكنك الفوز بمعركة بهذه الطريقة إلا إذا كنت تريد تدمير المنطقة بأكملها”.

من حقبة الـ”كي جي بي” إلى عهد بوتين… الجذور العميقة للنفوذ الروسي في أفريقيا

لم يطور فلاديمير بوتين شبكات نفوذه في أفريقيا بطريقة عشوائية، حيث اعتمد في ذلك على تاريخ طويل وثري للعلاقات التي أقامها الاتحاد السوفياتي مع الدول الأفريقية منذ ستينيات القرن الماضي وعلى الجهود التي بذلها الجواسيس الروس في خضم الحرب الباردة.

صيف العام 1960 كان حارا جدا فيما أصبح يسمى لاحقا جمهورية الكونغو الديمقراطية. فقد نجح هذا البلد في انتزاع استقلاله عن بلجيكا في يونيو/حزيران، وتولت أول حكومة منتخبة ديمقراطيا مهامها. إلا أن الصراعات على السلطة بلغت ذروتها تزامنا مع انقلاب لجوزيف ديزيريه موبوتو في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. وبعد بضعة أشهر تم اغتيال رئيس الوزراء باتريس لومومبا.

سلسلة من الأحداث المتتالية ستشهدها هذه الدولة وستطرح أكثر من سؤال… وليس فقط في أفريقيا..فعلى بعد حوالي 11 ألف كيلومتر من كينشاسا في روسيا، أجبرت الأزمة التي كانت تمر بها الكونغو البلجيكية سياسة الاتحاد السوفياتي إلى اتخاذ منعطف جديد. حيث أدرك رئيس المخابرات السوفياتية آنذاك ألكسندر شيلبين، أنه يفتقد إلى جواسيس في أفريقيا جنوب الصحراء. في وقت كان للجواسيس الروس حينها حضور قوي في مصر، وكذلك في دول المغرب العربي وكانت لديهم صداقات قوية مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا.

حفنة من الجواسيس لإنقاذ لومومبا

إلا أن هذه الشبكة من الجواسيس لم تكن كافية لرئيس جهاز المخابرات السوفياتي. خاصة بالنسبة إلىالرئيس السوفياتي آنذاك نيكيتا خروتشوف الذي كان يؤمن بضرورة الانفتاح على دول العالم الثالث، ولا سيما في أفريقيا، فيما يعتبر قطيعة مع سياسة سلفه جوزيف ستالين. الذي كان يلقب “بالأب الصغير للشعوب” إلا أنه لم يكن يهتم كثيرا بـ”أطفاله” في أفريقيا.

لتصبح بذلك أزمة الكونغو “أول حالة مؤكدة لتدخل المخابرات السوفياتية في شؤون دولة أفريقية في جنوب الصحراء” بحسب ناتاليا تيلبنيفا، المتخصصة في تاريخ أجهزة المخابرات السوفياتية في أفريقيا بجامعة ستراثكلايد في غلاسكو.

كما يمثل هذا التدخل بداية فعلية لانتشار النفوذ الروسي في أفريقيا، رغم عدم الاهتمام بالمنطقة بين بداية التسعينيات ونهاية الألفية الثانية.

واستفاد فلاديمير بوتين لإعادة روسيا إلى القارة الأفريقية من الصورة الجيدة نسبيا للجمهوريات السوفياتية السابقة في هذه القارة وكذلك من شبكة من العلاقات القديمة”. حسب تعبير مارسيل بليشتا، المتخصص في النفوذ الروسي في أفريقيا في جامعة سانت أندروز الإسكتلندية.

إلا أن عملية إنقاذ رئيس الوزراء باتريس لومومبا، الذي كان يبدو كرفيق مثالي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية لم تستفد سوى من إمكانيات قليلة. وتقول ناتاليا تيليبنيفا: “لم تتمكن موسكو إلا من إرسال حفنة قليلة من العملاء بشكل فوري. لذلك اعتبر انقلاب جوزيف ديزيريه موبوتو في عام 1960،بدعم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سي آي أي”،إخفاقا مؤلما لجهاز الاستخبارات “كي جي بي”.

حرب باردة “بتكلفة منخفضة” في أفريقيا

لذلك كان على السوفيات اللحاق بالركب في مجال استراتيجيات التأثير. في البداية استطاعوا الاعتماد على حماس العملاء الأوائل الذين انضموا إلى قسم أفريقيا في صلب جهاز المخابرات الروسي “كي جي بي”. حيث كانت أفريقيا تمثل آفاقا مثيرة للاهتمام من حيث إمكانيات التجسس وتحقيق جملة من “الأهداف النبيلة” من خلال دعم حركات التحرير وتحليل نشاط الولايات المتحدة هناك.

كما أوردت ناتاليا تيليبنيفا في كتابها “كولد وور ليبيرايشن “استنادا إلى مذكرات فاديمكيربيتشينكو، الذي كان أول مدير لقسم أفريقيا في جهاز المخابرات الروسي “كي جي بي”.

وتعتقد ناتاليا تيليبنيفا أن “الأزمة في الكونغو كانت بمثابة الدرس لموسكوالتي أدركت أن الاتحاد السوفياتي لم يكن لديه نفس موارد القوى الغربية الموجودة في أفريقيا. وحيث يبدو أن العمل المخابراتي والعمليات السرية هي أفضل وسيلة لشن حرب باردة ‘منخفضة التكاليف” في هذه القارة لأن الاستثمار هناك يتعلق باستثمار بشري أساسا”.

من الحلم السوفياتي إلى خيبة الأمل

في ذلك الوقت، قدم الاتحاد السوفياتي نفسه على أنه بطل مناهض للاستعمار، بينما اليوم “تدعي روسيا أنها حليفة الوحدة الأفريقية ضد القوى الاستعمارية القديمة”، كما يوضح مارسيل بليتشتا.

وتعتبر الحملة الروسية لإذكاء مشاعر معاداة الفرنسيين في جمهورية أفريقيا الوسطى وفي مالي أبلغ مثال عن ذلك.لكن كل جهود  جهاز الـ”كي جي بي”، التي ألهمت روسيا الحالية، لم تتوج بالنجاح في ذلك الوقت، أو على الأقل لم ترق إلى مستوى آمال موسكو.

تقول ناتاليا تيلبنيفا إن الاتحاد السوفياتي “اعتقد أن هذه الدول ستقترب بشكل طبيعي من الأيديولوجية الشيوعية وبالتالي من الكتلة السوفياتية. لكن الأمر كان أكثر تعقيدا مما كان منتظرا”.

تمت الإطاحة بأول “صديق” لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في أفريقيا جنوب الصحراء كوامينكروما في 1966 بعد أن استبد بالسلطة في غانا لمدة ست سنوات. في حين أعلنت دولتان وقوفهما صراحة في الصف الروسي وهما مالي تحت قيادة موديبو كيتا وغينيا بقيادة أحمد سيكو توري.

لكن تمت الإطاحة بالزعيم المالي من السلطة عام 1968، بعد ثماني سنوات من الحكم بينما ظل الزعيم الغيني لأكثر من ربع قرن في سدة الحكم حتى عام 1984، على رأس أكثر الأنظمة وحشية في أفريقيا.

عمليات النفوذ السوفياتي في أفريقيا لم تستأنف إلا مع إنتهاء الاستعمار وتفكك الإمبراطورية البرتغالية السابقة في أفريقيا -موزمبيق وغينيا بيساو وأنغولا- في السبعينيات.

حيث دعا الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف أجهزة المخابرات إلى “إعادة نشر جهودها لتعزيز التعاون العسكري والأمني مع جيوش الدول “الصديقة”، حسب ناتاليا تيلبنيفا.

واكتشف الكرملين أنه قلل من أهمية دور الجيش في صراعات السلطة في أفريقيا.

الاتحاد السوفياتي و”القوة الناعمة”

ثم أصبح الاتحاد السوفياتي أحد أهم موردي الأسلحة للدول الأفريقية. حتى أن إثيوبيا التي كانت تحظى بدعم الاتحاد السوفياتي في حربها ضد الصومال، كانت تستقبل “طائرة سوفياتية مليئة بالمعدات العسكرية والمدربين كل 20 دقيقة”، بحسب ما ظهر في أرشيف ميتروخين.

وهذه المقاربة تذكرنا بسياسة فلاديمير بوتين ومجموعة فاغنر.حيث يؤكد مارسيل بليشتا أن “الاستراتيجية الرئيسية لموسكو لتوسيع نفوذها في أفريقيا إضافة إلى إرسال مرتزقة فاغنر، هي مضاعفة اتفاقيات التعاون العسكري: 21 اتفاقية موقعة بين عامي 2014 و 2019”.

خلال الحرب الباردة، لم يقتصر الدعم العسكري فقط على توريد الأسلحة، بل قام الاتحاد السوفياتي بتدريب الآلاف من “المناضلين من أجل الحرية” كما يسمون. وأصبح المركز التدريبي 165 فيبيريفالنويفي شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا، أبرز مثال على ذلك.

كان التعامل مع الأسلحة مجرد درسا من بين دروس أخرى: “كان هناك أيضا تدريب سياسي، ورحلات إلى مواقع سياحية، وزيارات للحقول والمزارع الجماعية أو حتى عروض الأفلام. كما تضمنت الدورات ندوات عن اللينينية-الماركسية ومناقشات حول تاريخ الاستعمار”. كما توضح ناتاليا تيلبنيفا.

بالإضافة إلى ذلك، أدركت موسكو في وقت مبكر دور التعليم في تعميق العلاقات مع أفريقيا. وكان هذا هدف جامعة باتريس لومومبا، التي افتتحها خروتشوف في موسكو عام 1961. حيث دربت هذه الجامعة أكثر من 7000 طالب من 48 دولة أفريقية خلال خمسين عاما في مجالات متنوعة كالفيزياء والاقتصادوالإدارة العامة.

بالنسبة للجواسيس الروس، كانت أفريقيا أرضا خصبة للعثورعلى مجندين محتملين. حيث كان نائب مدير جامعة لومومبا ينتمي أيضا إلى جهاز الـ”كي جي بي”.

لكن “لم يكن هذا هو الشيء الأكثر أهمية بالنسبة لموسكو”، بحسب القاضي كونستانتينوسكاتساكيوريس، المتخصص في قضايا التعليم في أفريقيا والاتحاد السوفياتي السابق بجامعة بايرويت الألمانية.

الأمر كان يتعلق أساسا بتحسين صورة جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق لدى الأفارقة.

مع سقوط الاتحاد السوفياتي، انسحبت موسكو تدريجيا من أفريقيا، بسبب انشغالها بمشاكلها الداخلية. لكن كل هؤلاء الطلاب السابقين الذين تدربوا في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ظلوا هناك. وعندما قرر فلاديمير بوتين في عام 2014 العودة إلى أفريقيا بحثا عن حلفاء جدد وكسر العزلة الدبلوماسية التي تلت ضمه لشبه جزيرة القرم، كان يعلم أن عملائه يمكنهم العثور على “أصدقاء جدد” هناك.

يؤكد مارسيل بليشتا أن “المقاتلين والطلاب كانوا صغارا عندما ذهبوا إلى الاتحاد السوفياتي. واليوم، أصبح بعضهم أعضاء لديهم تأثير في بلدانهم الأصلية”. هناك الكثير من الآذان التي قد تستمع إلى ما قد يهمس به رجال بوتين وبريغوجين.

الطيران الحربي السوداني.. فعالية ميدانية وجدل سياسي

الخرطوم- عادل عبد الرحيم: اشتداد الاشتباكات المسلحة في العاصمة السودانية الخرطوم، سلط الضوء على دور الطيران الحربي في المعارك المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وشارك الطيران الحربي للجيش في المعارك الدائرة ضد قوات الدعم السريع، بقوة وكثافة منذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي.

ومنذ اندلاع الاشتباكات، يتبادل الجيش و”الدعم السريع” اتهامات ببدء القتال وارتكاب خروقات خلال سلسلة هدنات لم تفلح في وضع نهاية لها.

ومع دخولها شهرها الرابع، خلّفت الاشتباكات أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وأكثر من 3 ملايين نازح ولاجئ داخل وخارج البلاد، بحسب الأمم المتحدة.

تباين التقديرات

ساهم الطيران الحربي للجيش في الحد من قوة واندفاع “الدعم السريع” ذات الكثافة العددية، وسريعة الانتشار، بحسب مراقبين.

ويعد سلاح الجو أكثر قوات الجيش فعالية في الحد من تمدد قوات الدعم السريع، التي تتميز بقدرتها على سرعة التحرك، من خلال سيارات الدفع الرباعي.

كما أن سلاح الجو حقق هدفه سابقا في أول أيام الاشتباكات بتدمير معسكرات “الدعم السريع” في الخرطوم وقد أفقدها ذلك قدرتها على القيادة الواحدة.

لكن مراقبين آخرين يرون أن نجاح سلاح الجو في تدمير معسكرات “الدعم السريع” في بداية المعركة حفزها على ابتكار وسائل جديدة سمحت لها بالحركة غير المركزية والانتشار في أحياء العاصمة.

ووفقا لموقع “غلوبال فاير باور” الدولي، يملك الجيش السوداني 191 طائرة حربية، منها 45 مقاتلة من طرازات روسية مختلفة، و37 مروحية، و25 طائرة شحن.

اتهامات متبادلة

ونفذ الجيش مئات الطلعات الجوية قصف خلالها مقار ومعسكرات وتجمعات قوات الدعم السريع في مناطق متفرقة بالخرطوم منذ اندلاع القتال في منتصف أبريل الماضي.

وتفتقد قوات الدعم السريع إلى طيران حربي، لكنها تملك طائرات مسيرة، قال الجيش إنه أسقط 4 منها مؤخرا.

ونفى الجيش اتهامات بقصف طيرانه مدنيين في 7 يوليو/ تموز الجاري بمدينة أم درمان غربي العاصمة الخرطوم، محملا “الدعم السريع” مسؤولية ذلك، لأنه لم يقم بطلعات عسكرية في المنطقة التي تعرضت للقصف.

وقالت “الدعم السريع” في بيانات سابقة إن “القصف العشوائي بالطيران والمدافع الثقيلة على المناطق المأهولة بالسكان، تسبب في مقتل وإصابة المئات من المواطنين، بما يمثل انتهاكا خطيرا لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني”.

وكان الجيش يرد في بياناته بأن قوات الدعم السريع “درجت على قصف المناطق السكنية بالمدفعية والصواريخ، بالتزامن مع تحليق طائراتنا، محاولة إلصاق تهمة استهداف القوات المسلحة للمواطنين زورا وبهتانا”.

وذكر مصدر عسكري في الجيش السوداني للأناضول، أن “الطيران الحربي ينفذ طلعاته بدقة عالية، وجميع طياريه يتميزون بمهارة”.

وصرح المصدر مفضلا حجب هويته، بأن “الحديث عن قصف مدنيين غير صحيح، لأن الطلعات الجوية تتم بعد رصد دقيق، والقصف يكون لأهداف محددة (تجمعات الدعم السريع، وخطوط الإمداد والدعم اللوجستي)”.

وأضاف: “لا يمكن نسب تقدم القوات المسلحة في المعارك بالخرطوم لسلاح الطيران فقط، لأن العمل الميداني يتم بتنسيق عالٍ بين كل قوات الجيش”.

وأشار إلى أن “هذا التنسيق العالي للجيش، تقابله عشوائية من قوات الدعم السريع، حيث لا توجد قيادة موحدة”، موضحا أن “الجيش سيحسم المعركة قريبا، وها هو يحقق انتصارات على الأرض في كل المحاور”.

حظر الطيران

مؤخرا، غضبت الخرطوم من أحاديث حظر الطيران التي تم تداولها في قمة اللجنة الرباعية للهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” المعنية بالسودان، والتي عقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 10 يوليو الجاري.

واستنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، عقب القمة، بشأن فرض حظر طيران في البلاد.

وقالت الخارجية السودانية، في بيان صدر بتاريخ 11 يوليو الجاري: “نستنكر دعوته (آبي أحمد) لفرض حظر جوي ونزع المدفعية الثقيلة، خلافا لمواقفه وتفاهماته المباشرة القائمة مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان”.

وأضافت الخارجية: “تعتبر حكومة السودان هذه التصريحات مساسا بسيادة الدولة السودانية، وهو أمر مرفوض”.

وفي 10 يوليو، دعا رئيس الوزراء الإثيوبي إلى “إجراءات فورية في السودان تشمل فرض منطقة حظر طيران ونزع المدفعية الثقيلة”.

ونقلت فضائية “الجزيرة” القطرية، عن آبي أحمد، قوله إن “قمة إيغاد تدعو لإجراءات فورية في السودان، تشمل فرض منطقة حظر طيران، ونزع المدفعية الثقيلة”.

ومع استمرار الاشتباكات بين الجيش و”الدعم السريع”، سيكون الطيران الحربي حاضرا ضمن المشهد في مقبل الأيام بالحالتين؛ مواصلته التحليق والقصف، أو في حال تجدد دعوات الحظر الجوي.

(الأناضول)

إمرأة غانيّة في قوات حفظ السلام تلهم النساء في السودان

تقول سيسيليا إرزواه، الضابطة الغانية البالغة من العمر 32 عامًا والعاملة في صفوف القوات الدولية، إن عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بحاجة إلى كسب ثقة المجتمعات التي تسعى إلى حمايتها، لكن هذا ليس بالأمر السهل.

وتخبر  هذه العسكرية SWI swissinfo.ch عن عملها الحائز على جوائز مع قوة حفظ السلام في منطقة أبيي السودانية المتنازع عليها.

«ليس من السهل مقابلة الناس ومطالبتهم بالانفتاح عليك فجأة »، تقول إرزواه، التي تضيف، «لذا كانت مسؤوليتي الكبرى، مع كتيبتي، هو التأكد من أن السكان المحليين يفهمون أننا محايدون، وأننا كنا هناك من أجلهم، وأننا نسعى لحمايتهم».

كانت إرزواه قائدة كتيبة الاشتباك الغانيّة في قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة بأبيي (UNISFA) التي يبلغ قوامها 3000 فرد، حيث خدمت من مارس 2022 حتى وقت قريب. ولدى سؤالها عن سبب انضمامها إلى القوات المسلحة، قالت إنها تحب الانضباط وهي معجبة بالثقة التي يمنحها ذلك، خاصة للنساء.

كان دورها في القوة الأمنية المؤقتة بأبيي هو التأكد من أننا «نتعامل مع المجموعات النسائية، والنساء اللواتي يرتدن السوق، وتلاميذ المدارس، والمعلمين، والقادة المحليين، فقط لفهم مخاوفهم، وما يفكرون فيه بشأن عمل الأمم المتحدة وكتيبتي، وما يعتقدون أنه بإمكاننا القيام به لجعل الوضع أفضل». كما كانت تبلّغ كتيبتها بردود فعلهم، مما أدى إلى إنشاء جسر اتصال بين جنود الأمم المتحدة والسكان المحليين.

وتقول إرزواه إنه إذا فهم السكان المحليون دور قوة الأمم المتحدة بشكل أفضل، فإنهم يشعرون بمزيد من الاستعداد لتبادل المعلومات، وهذا يمكن أن يساعد القوة الأمنية المؤقتة في مهمتها لحفظ السلام. “من خلال دورياتي والتقارير التي تلقيتها، تمكنا من معرفة أننا بحاجة إلى نشر المزيد من الأشخاص في هذه المنطقة، وفي هذا المكان. وبهذا، تمكنت كتيبتي من الانتشار لصد الهجمات. عندما تصد هجومًا، من الواضح أنك تنقذ أرواحا ”

كانت وظيفتها أيضًا هي تعزيز الأنشطة المدنية للقوة الأمنية المؤقتة، والتي تقول إنها تضمنت ترميم المدارس والتوعية الطبية. بالإضافة إلى الدوريات المنتظمة، أجرت كتيبتها أيضا «دوريات شهرية على الأقدام في السوق» لبناء جسور التواصل مع التجار والسكان المحليين.

أبيي منطقة حدودية غنية بالنفط متنازع عليها بين دولة السودان وجنوب السودان منذ استقلال الجنوب في عام 2011. لقد كانت فريسة لاندلاع العديد من أعمال العنف، والتي تقول إرزواه إنها تلحق خسائر وأضرار بحياة النساء والأطفال على وجه الخصوص.

ملهمة للثقة

تٌعتبر القوة الأمنية المؤقتة بأبيي واحدة من العديد من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام الموزعة في جميع أنحاء العالم. وقد تم إنشاء هذه القوة بموجب قرار مجلس الأمن الصادر في يونيو 2011، عقب موافقة السودان وجنوب السودان على جعل أبيي منطقة منزوعة السلاح. وأعرب مجلس الأمن حينها عن قلقه الخاص إزاء أعمال العنف التي نتج عنها تصاعد التوتر وتشريد المدنيين.

وتتلخص مهمة قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة بأبيي في مراقبة الحدود بين السودان وجنوب السودان، وتيسير إيصال المعونة الإنسانية. وهي مخولة باستخدام القوة لحماية المدنيين وعمال الإغاثة في أبيي.

“عمل الكابتن إرزواه وضع معيارًا لضمان انعكاس احتياجات واهتمامات النساء في عمليات حفظ السلام”.

 ويمثل المجندون والمجندات من غانا العدد الأكبر ضمن هذه الوحدة العسكرية المسؤولة عن الأمن في جنوب المنطقة المتنازع عليها. وتتكون الكتيبة المشاركة من هذا البلد الأفريقي من 22 فردًا، مع عدد متساوٍ من الرجال والنساء. وتقول إرزواه إن هذا مهم لاكتساب ثقة النساء خاصة. وتضيف: «هذا الامر يساعد في التواصل مع السكان المحليين من الذكور والإناث وعلى التفاعل مع الجميع».

لكن اكتساب الثقة ليس بالأمر السهل، وتميل النساء المحليات إلى الخجل. لقد اعتدن على رؤية قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. لكن إرزواه تعتقد أن رؤيتها في قيادة كتيبة مختلطة من الرجال والنساء قد ساعد في بناء الثقة: «لقد ألهمهم هذا الكثير من الشجاعة وحفزهم وأظهر لهم بأن المرأة قادرة على أداء ما يماثل ما يقوم به الرجال، إذا أُتيحت لها الفرصة.”.

وتعاملت كتيبة  إرزواه مع النساء وأجرت مناقشات معهن حول العنف المنزلي والمساواة بين الجنسين ورعاية الأطفال. وخلصت إلى القول: «تحدثنا عن الرفاهية وكيفية الاعتناء بالأطفال، وعن العنف المنزلي، وما هي المعاملة التي يجب أن يلقينها”. «حقًا، النساء والأطفال عرضة للانتهاكات»، تضيف هذه المرأة القائدة.

 UNISFA

كما نظمت الكتيبة الغانيّة حملات توعية بشأن مخاطر سرطان الثدي في مناطق انتشارها. «ولأن كتيبتي مكونة من ذكور وإناث، فقد جعل هذا من السهل جدًا مناقشة هذه القضايا مع النساء، لأنه يمكنهن التواصل معنا بسهولة».

كان لعملها أيضًا تأثير على عمل الشرطة المجتمعية، ومن خلال تعزيز دور المرأة داخل لجان حماية المجتمع المحلي. توضح إرزواه، زاد حضور المرأة في صفوف الشرطة المحلية، وتولت فيها ادوارا متقدمة. لقد كانت هناك نساء في هذه اللجان من قبل، ولكن نادرًا ما يتولين أدوارا قيادية.

تقول: «رأينا المزيد منهن يخرجن ويبادرن بفعل الكثير من الأشياء ويتواصلن معنا». وتضيف: «احساسهن بالمسؤولية في حماية أمن مجتمعاتهن يعزّز أيضا دورهن في المجال العام”.

الفائزة بالجائزة السنوية للمساواة

في 25 مايو، حصلت إرزواه على الجائزة السنوية لأفضل مدافعة عن المساواة بين الجنسيْنرابط خارجي ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام. وسلمها الأمين العام أنطونيو غوتيريش بنفسه هذه الجائزة في نيويورك. وأشاد غوتيريش بعملها مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أبيي، قائلا إن «عمل الكابتن إرزواه وضع معيارًا لضمان انعكاس احتياجات واهتمامات النساء في عمليات حفظ السلام لدينا».

“لقد كان شعورًا رائعًا. لقد كنت متحمسة لتكريم كتيبتي، لأن هذه الجائزة تنافسية للغاية لجميع العسكريين”، تقول الضابطة الغانيّة. «إنه إنجاز لفريقي بأكمله».

وتبدو إرزواه طموحة، وتقول إنها تريد الاستمرار في إلهام النساء. معترفة بأن «مهمتنا ليست سهلة». “لكنني أعتقد أننا نساعد في جعل العالم مكانًا أفضل من خلال توفير الأمن للفتيات والنساء الصغيرات هناك. أريد أن أشجعهن على بذل قصارى جهدهن واغتنام الفرص المتاحة لهن”.

مئة يوم من القتال العنيف ولا حل في الأفق

لم تفض جهود الأسرة الدولية، ولا بعض المبادرات العربية مثل التي قادتها السعودية، إلى نتيجة ملموسة في الحرب الدائرة في السودان منذ مئة يوم بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو. ولا تزال بلاد النيلين غارقة في بحر العنف والاقتتال في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية والغذائية. نستعرض فيما يلي أبرز الأحداث التي طبعت هذه الحرب.

دخلت الحرب فيالسودان يومها 100 بدون أن يستجيب الطرفان المتنازعان، الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو الملقب بحمديتي، إلى دعوات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بوقف الاقتتال، ما تسبب في أزمة إنسانية كبيرة أرغمت الملايين على النزوح داخليا في حين سلك مئات الآلاف الأخرين طريق الهجرة نحو تشاد ومصر، أو حتى أوغندا.

ورغم الوساطات العديدة التي قامت بها بعض الدول، أبرزها السعوديةوالولايات المتحدة، وعمليات وقف إطلاق النار التي شهدها النزاع من حين إلى آخر، إلا أن الوضع على الأرض يتفاقم يوما بعد يوم بسبب رفض الرجلان الجلوس على طاولة المحادثات لإيجاد مخرج سياسي يضمن سلامة السودانيين وينهي العنف. فكلاهما متشبث بالحل العسكري في حين ينهار اقتصاد البلاد، ليعود السودان إلى نقطة الصفر.

مخاوف قوات الدعم السريع من افتقاد نفوذها في السلطة

تفجر الوضع الأمني في البلاد في 15 أبريل/نيسان على خلفية التوتر الذي وقع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بخصوص ملف تسليم السلطة للمدنيين

ما المنتظر من المفاوضات السودانية الجديدة في السعودية؟

كانت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي تخشى أن تفقد نفوذها في السلطة، ما جعل قائدها -الذي كان يعتبر الرجل الثاني في هرم السلطة التي استولت على الحكم بعد سقوط نظام عمر البشير في 2019- يتمرد على رفقيه عبد الفتاح البرهان.

فأعلن “الحرب” ضده وضد الجيش، واستولى على عدد من المؤسسات والمقرات العسكرية والمدنية في الخرطوم ومدن أخرى، مدشنا بذلك حقبة جديدة من العنف.

وكانت منظمة الأمن الغذائي العالمي أولى الهيئات التابعة للأمم المتحدة التي أوقفت نشاطاتها الإنسانية في السودان بعد مقتل ثلاثة من عمالها في الخرطوم. لكنها استأنفت تقديم خدماتها إثر نشر تقارير دولية عن تعرض الملايين للموت بسبب نقص الغذاء.

3000 قتيل على الأقل وفرار نحو 3 ملايين شخص

في اليوم الخامس من بدء القتال، بدأت الدول الغربية والعربية بعملية إجلاء رعاياها وأطقم سفاراتها من البلاد في وقت اتسعت فيه دائرة الاشتباكات واستخدام الجيش طائرات حربية لقصف مواقع قوات الدعم السريع التي كان بعض عناصرها يختبئ في الأحياء السكنية، ما أدى إلى سقوط الكثير من الضحايا المدنيين.

وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى مقتل ما يقارب 3000 شخص ونزوح حوالي 3 ملايين آخرين من بينهم 600 ألف غادروا إلى الدول المجاورة، وعلى رأسها تشاد وأوغندا ومصر. فيما لا تزال عمليات النزوح والفرار تتواصل داخليا وخارجيا مع ارتفاع وتيرة القتال وفي ظل غياب أي مخرج سياسي للأزمة.

وحذرت الأمم المتحدة من بروز بوادر “حرب أهلية شاملة في السودان” إذا استمر الوضع على حاله وأن هذا قد يؤثر “على المنطقة بأكملها”. وفي مطلع شهر مايو/أيار، حذرت منظمة اليونيسف من “انهيار المنظومة الصحية” السودانية بالكامل بسبب احتدام القتال في البلاد.

هشاشة عمليات وقف إطلاق النار تزيد من حدة العنف

وفي 20 مايو/أيار الماضي، اتفق الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للمرة الأولى على خطة لوقف إطلاق النار مدتها سبعة أيام للسماح بوصول المساعدات الطبية والغذائية إلى البلاد بطلب من السعودية، لكن سرعان ما عادت الاشتباكات المسلحة من جديد إلى الواجهة، ما صعّب كثيرا من وصول هذه المساعدات.

وفي 29 مايو/أيار، حذر المفتش الأعلى للاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي من خطر فرار ما يقارب مليون شخص من السودان في حلول شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل جراء العنف المتزايد مشيرا أن “نسبة الاتجار بالأسلحة وبالبشر مرشحة للارتفاع بسبب هشاشة الوضع الأمني”.

وفي 8 يونيو/ حزيران، شرعت حركة تحرير السودان بتعبئة مقاتليها في ولاية كردفان، الأمر الذي ولّد مخاوف إضافية من انتقال عدوى الحرب إلى المناطق التي بقيت آمنة.

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر

يخشى المجتمع الدولي أن تلتهب الأوضاع من جديد في دارفور، خاصة بعد مقتل خميس أبكر وهو حاكم هذا الإقليم في 14 يونيو/تموز الماضي بسبب اتهامه قوات الدعم السريع بارتكاب مجازر في حق السكان غير العرب بدعم من جماعات مسلحة مقربة منها.

وفي 19 يونيو/ حزيران، نظمت الأمم المتحدة في جنيف اجتماعا بحضور بعض الدول المانحة التي تعهدت بتقديم مليار ونصف دولار كمساعدات مالية للخرطوم.

لكن حتى وأن تم جمع هذا المبلغ، إلا أنه بات غير كاف لمواجهة الاحتياجات الإنسانية الكبرى التي تحتاج إليها البلاد، خاصة معالجة أوضاع النازحين واللاجئين الذين يعانون من نقص في المواد الغذائية والطبية.

اجتماع لقوى الحرية والتغيير في مصر لمناقشة إنهاء الحرب

على المستوى السياسي، رغم اللقاءات التي بادر بتنظيمها الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” -التي تضم كل من جيبوتي وإثيوبيا وجنوب السودان وكينيا والصومال وإيريتريا بالإضافة إلى السودان نفسه- إلا أنها لم تفض إلى أي نتيجة تذكر بسبب تمسك الوفد الحكومي بضرورة تنحي الرئيس الكيني عن رئاسة اللجنة متهما إياه بـ”عدم حياده وعلاقته المشبوهة بقوات الدعم السريع”.

وفي 13 يوليو/تموز، أطلقت مصر مبادرة سياسية جديدة لحل الأزمة السودانية بحضور بعض قادة الدول المجاورة كإثيوبيا، لكن اللقاء لم يسمح بوقف إطلاق النار ولم يخرج بخطة سياسية كفيلة بعودة السلم والمسار الديمقراطي إلى البلاد.

من جهتها، أعلنت قوى الحرية والتغيير التي تضم أحزابا سياسية وجمعيات مدنية عن تنظيم اجتماع جديد في القاهرة الإثنين والثلاثاء “لمناقشة إنهاء الحرب ومخاطبة جذور الأزمة فضلا عن قطع الطريق أمام مخطط النظام وفلوله واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي وفق رؤية سياسية تؤسس لوطن جديد” كما كتبت في حسابها على تويتر. فهل تنجح قوى المجتمع المدني حيث فشل العسكريون والأسرة الدولية؟

بعد 3 أشهر.. زخم المعارك ينتقل من الخرطوم إلى دارفور وكردفان (تحليل)

دخول سلاح المضادات الجوية والطائرات المسيرة ميدان المعارك يغير تكتيكات القتال بالخرطوم

ـ دخول سلاح المضادات الجوية والطائرات المسيرة ميدان المعارك يغير تكتيكات القتال بالخرطوم
ـ الحركات المتمردة بدارفور تلوح بالعودة إلى القتال بعد مقتل والي غرب دارفور ووقوع مجازر بالجنينة
ـ اشتداد المعارك بشمال كردفان للسيطرة على خطوط الإمداد ومتمردو عبد العزيز الحلو بجنوب كردفان متوثبون للسيطرة على الولاية
ـ استمرار المعارك لأشهر أخرى يهدد بانقسام جديد للسودان وتدخل دول الجوار

 

لم يسبق في تاريخ حروب السودان الطويلة أن خاضت العاصمة الخرطوم معارك مستمرة سوى لبضعة أيام على الأكثر، لكن أن تستمر الحرب بها أشهرا دون مؤشرات على قرب نهايتها فهذا ما لم يكن في حسبان أي طرف.

فالقتال المندلع حاليا في مدن الخرطوم الثلاثة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ 15 أبريل/نيسان الماضي، لم يفرز أي منتصر، في ظل تداخل مناطق السيطرة والنفوذ مكانيا وحتى زمانيا، بل جوا وأرضا، في بقعة صغيرة يكتظ فيها عشرات الآلاف من المقاتلين المدججين بالسلاح.

لكن القتال ليس مقتصرا على الخرطوم فحسب، بل تطايرت شظايا الحرب لتصل ولايات بعيدة في إقليمي دارفور (غرب) وكردفان (جنوب).

الدعم السريع تتراجع لكنها لم تندحر

التفوق الجوي للجيش السوداني مكنه من تدمير معظم معسكرات قوات الدعم السريع في الخرطوم ودارفور وكردفان، واستهداف قوافل الدعم القادمة من الغرب إلى العاصمة.

ورغم ذلك حاولت قوات الدعم السريع التكيف مع هذا الواقع مسبقا من خلال سعيها للسيطرة على القواعد العسكرية الجوية، لمنع الجيش من استخدامها كنقاط انطلاق لمهاجمتها، إلا أن هذا التكتيك فشل.

حيث أخفقت قوات الدعم السريع في السيطرة على قاعدة وادي سيدنا الجوية الاستراتيجية، شمالي أم درمان والتي تنطلق منها معظم الغارات الجوية ضدها.

وتمكن الجيش من استعادة قاعدة جبل أولياء الجوية (مهبط مروحيات) جنوب الخرطوم، ناهيك عن طرده قوات الدعم السريع من قاعدة مروي الجوية (شمال) بعد أيام من اقتحامها في اليوم الأول من القتال.

“الدعم السريع” لجأت إلى تكتيك جديد في الأسابيع الأخيرة تمثل في استخدام صواريخ مضادة للطائرات ومسيرات، يعتقد أنها حصلت عليها من قوات فاغنر الروسية المتمركزة في ليبيا، وفق تقارير إعلامية غربية.

لكن سيطرة الدعم السريع على الشريط الحدودي مع جمهورية إفريقيا الوسطى، وبالأخص معبري أم دافوق وعد الفرسان الحدوديين، يعتقد أنه بهدف التواصل مع قوات فاغنر المنتشرة في إفريقيا الوسطى للاستفادة من تدفق السلاح النوعي عبر الحدود.

ورغم أن فاغنر سبق وأن نفت انحيازها لقوات الدعم السريع وأبدت استعدادها للتوسط مع الجيش إلا أن عدة مؤشرات لا تدعم هذا الموقف.

فحصول الدعم السريع على منظومات دفاع جوي وإسقاطها طائرتين حربيتين على الأقل للجيش السوداني رغم عدم امتلاك مقاتليها لخبرة باستخدام هذه الأسلحة النوعية يكشف عن وجود طرف أجنبي دخل الصراع.

وهذا ما يفسر توجه مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني إلى موسكو حيث أجرى محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من المرجح أنها تضمنت ملف دعم فاغنر لقوات الدعم السريع، ورغبة الجيش السوداني في تدخل موسكو لإنهاء هذه الشراكة.

ميدانيا، قلص الجيش السوداني نسبيا بحسب مراقبين استخدامه للطيران الحربي، في ظل هذا التطور النوعي للدعم السريع، وبدأ باستخدام الطائرات المسيرة في الاستطلاع والهجوم، في محاولة لتكرار النموذج الإثيوبي في هزيمة جبهة تحرير تيغراي، بعدما كادت تصل إلى مشارف العاصمة أديس أبابا.

إلا أن ابتعاد الدعم السريع عن التمركز في الثكنات وتجنب التحرك بأعداد كثيفة، ومحاولة الذوبان داخل أحياء الخرطوم والتجول في لباس مدني والتحرك ليلا في المناطق التي يمشطها الجيش نهارا.. تكتيكات صعبت على الجيش استهدافها جوا وطرد عناصرها من العاصمة باستخدام سلاح المدرعات القوي.

بالمقابل تواجه قوات الدعم السريع صعوبة في السيطرة على المعسكرات المحصنة للجيش على غرار سلاح المهندسين والقيادة العامة للجيش، خاصة في ظل تفتتها وانقسامها إلى وحدات صغيرة، منتشرة على مساحة واسعة.

إذ فقدت قوات الدعم السريع نحو 4 آلاف و500 إلى 6 آلاف عربة مسلحة في السبعين يوما الماضية من الحرب، وفق مركز الخبراء العرب، من إجمالي نحو 10 آلاف عربة مسلحة.

ورغم تراجع الدعم السريع ميدانيا في الخرطوم بعد خسارتها لقاعدة جبل أولياء الجوية، وهزيمتها في معركة القيادة العامة للجيش، وانكسار هجماتها على مقرات سلاح المدرعات والإشارة والمهندسين، إلا أنها حققت عدة انتصارات وعلى رأسها الاستيلاء على مصنع اليرموك للصناعات الدفاعية الاستراتيجي، ما سيؤمن لها بعض الأسلحة والذخائر.

استنزاف مقاتلي الدعم السريع

قوات الدعم السريع، التي كانت تأمل في نصر سريع يطيح بعبد الفتاح البرهان، من قيادة الجيش والدولة، مستغلة تمركزها في عدة مناطق حساسة مثل القصر الرئاسي، وجدت نفسها تخوض حرب استنزاف بالعاصمة خارج معاقلها التقليدية في دارفور.

ورغم أنها حشدت نحو 60 ألف مقاتل في الخرطوم لوحدها من أصل نحو 120 ألف من عناصرها، إلا أن تقرير مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام (مستقل) كشف أن عددهم في ولاية الخرطوم انخفض بشكل ملحوظ إلى ما بين 10 إلى 12 ألف مقاتل بسبب الموت او الإصابة أو الفرار من ميدان المعركة.

ورغم هذه الحقائق على الأرض، وانتشار قوات الدعم السريع في مساحات شاسعة خاصة في الخرطوم ودارفور وكردفان، إلا أنها لا تعاني من نقص بالمؤن والوقود والذخائر.

ويعود ذلك “لنهبها للكثير من المتاجر والأسواق”، وفق رواية الجيش، واستيلائها على مصفاة الجيلي للنفط بالخرطوم، وكذلك على مصنع اليرموك للتصنيع العسكري وعدة معسكرات للجيش، ما يمنحها قدرة على مواصلة القتال لأمد أطول دون أن تستنزف، باستثناء المجال الطبي خاصة العمليات الجراحية المعقدة.

أما على الصعيد البشري، فرغم تراجع عدد مقاتلي الدعم السريع لأسباب عديدة بينها خلافات بين قبيلتي الرزيقات، التي ينحدر منها محمد حمدان دقلو “حميدتي”، والمسيرية، التي ينحدر منها موسى هلال، القائد السابق لمليشيا الجنجويد (الدعم السريع)، إلا أن حميدتي تلقى دعما هاما من 7 زعماء لقبائل في دارفور.

إذ دعا زعماء أكبر 7 قبائل عربية في إقليم دارفور، أفراد قبائلهم إلى الانضمام لقوات الدعم السريع والانسحاب من الجيش.

وهذا الوضع من شأنه تعزيز الإمدادات البشرية لقوات الدعم السريع وتعويض ما خسرته من مقاتلين خلال المعارك.

دارفور.. الحركات المسلحة على وشك دخول الحرب

القتال في دارفور يتصاعد خاصة بولاية غرب دارفور، بين قوات الدعم السريع والمجموعات المسلحة الموالية لها والقبائل الإفريقية وخاصة قبيلة المساليت، ومن شأن ذلك أن يدفع الحركات المسلحة في الإقليم للعودة إلى القتال.

إذ اتهمت “حركة تحرير السودان” قوات الدعم السريع بقتل والي ولاية غرب دارفور الجنرال خميس أبكر، منتصف يونيو/حزيران الماضي وأعلنت نفض يدها من الاتفاق الإطاري.

ومن شأن ذلك أن يدفع حركات التمرد السابقة في دارفور للدخول في حرب جديدة مع الدعم السريع، على غرار تلك التي اندلعت في 2003، ما سيؤدي إلى توسع القتال لأطراف جديدة.

فالفاشر، أكبر مدن إقليم دارفور وعاصمة ولاية شمال دارفور، والتي يوجد بها أكبر مطار وقاعدة جوية بالإقليم، ما زالت تقاوم محاولات قوات الدعم السريع السيطرة عليها.

إلا أن الوضع بولاية غرب دارفور يبدو خارج سيطرة الجيش، فالولاية كانت آخر معاقل حركات التمرد في الإقليم، لكنها اليوم تتعرض لهجمات عنيفة من الدعم السريع والمجموعات القبلية الموالية لها ضد قبيلة المساليت وقبائل إفريقية أخرى، ما أجبر مئات الآلاف من أفرادها على النزوح غربا أو اللجوء إلى دولة تشاد، بحسب وسائل إعلام، ومنظمات أممية.

وزيارة قيادات من الحركات المسلحة في دارفور الموقعة على “اتفاق جوبا” العاصمة التشادية نجامينا للقاء الرئيس محمد إدريس دبي، يعكس أن الأوضاع في دارفور تقترب من التدويل بعد أعوام قليلة من الهدوء النسبي.

أما في ولايتي جنوب دارفور وشرق دارفور، ذات الغالبية العربية، والتي تقطنها قبائل المسيرية والرزيقات، مع أقلية من القبائل الإفريقية، فالأوضاع تتجه لتصعيد أكبر من جانب قوات الدعم السريع.

فبعد نحو ثلاثة أشهر من إخفاق الدعم السريع بالسيطرة على الخرطوم، تتجه نحو تركيز جهدها للسيطرة على ولايات دارفور الخمسة، التي تتصاعد فيها الاشتباكات باستثناء ولاية وسط دارفور وعاصمتها الضعين.

بينما يسعى الجيش لحشد معظم قواته في الخرطوم، باعتبارها معركته الرئيسية دون أن يسحب قواته من دارفور وكردفان.

كردفان.. السيطرة على خطوط الإمداد

أما في إقليم كردفان، الذي يضم ثلاث ولايات (شمال كردفان، وجنوب كردفان، وغرب كردفان)، فالأوضاع عادت لتشتعل مجددا، خاصة وأن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة شمال كردفان، تضم قاعدة جوية استراتيجية يمكن للجيش السوداني من خلالها مراقبة كامل المنطقة ما بين الخرطوم ودارفور، وقطع خطوط إمداد قوات الدعم السريع الطويلة.

وهذا ما دفع قوات حميدتي لمحاصرة الأُبيض بهدف السيطرة على قاعدتها الجوية وفتح طريق الإمداد بين دارفور والخرطوم، بينما يحاول الجيش فك الحصار عنها عبر الغارات الجوية.

جنوب كردفان، ولاية أخرى شديدة الاحتقان ليس لتواجد الدعم السريع بها، ولكن لمحاولة الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال، جناح عبد العزيز الحلو، استغلال انشغال الجيش في قتال وجودي، للهجوم على وحداته المحلية في مدينة كادوغلي، عاصمة الولاية، بهدف تحقيق تقدم ميداني بها.

لكن هذا التحرك لا يحظى بدعم دولة جنوب السودان الداعم الرئيسي لحركة الحلو، ولا الجناح الآخر في الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال، بقيادة مالك عقار، الحليف الجديد لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

لم يوسع جناح الحلو عملياته العسكرية ضد كادوغلي، لكن مقاتليه الذين يسيطرون على أجزاء من ولاية جنوب كردفان، يمثلون تهديدا مستمرا خاصة مع انشغال الجيش بالقتال في أكثر من جبهة.

بينما ولاية غرب دارفور، ورغم أنها تعيش هدوءا حذرا، إلا أنه يتواجد في جنوبها منطقة آبيي، الغنية بالنفط، والمتنازع عليها مع دولة جنوب السودان.

وإذا طالت الحرب لأشهر أخرى وربما لسنوات، فإن ذلك يفتح المجال لتمدد الصراع خارج حدود البلاد، ما يهدد بانقسامها مجددا.

حرب السودان لا تحظى بأولوية إنسانية

 

واحد من كل ثلاثة سودانيين واجه انعداما حادا للأمن الغذائي قبل الاقتتال، ثم دفع الصراع بملايين أخرى إلى الجوع.

نيروبي – يحتل السودان في عالم تشوبه الصراعات الداخلية مرتبة متدنية في ما يتعلق بالمساعدات الدولية التي يحتاجها مواطنوه بشدة.

وبعد مرور ثلاثة أشهر من الصراع الدامي بين الفصائل والذي زعزع الحياة وأغلق المستشفيات والمدارس وأفرغ البنوك والرفوف في المتاجر، لم يدفع المانحون الأجانب سوى نصف الأموال التي قالت الخرطوم إنها تحتاجها للتغلب على الأزمة.

ويقول عمال الإغاثة إن الحياة اليومية تزداد سوءا وتتدهور بسرعة مع تقلص الاهتمام الدولي الآن بعد أن أغلقت السفارات أبوابها تاركة وراءها أمّة في حالة مزرية.

ويعتمد سوداني واحد من كل اثنين الآن على شكل من أشكال المساعدة. وأصبح ثلاثة ملايين من السكان اليوم مشرّدين، ومات الآلاف منهم. وبينما يعيش العديد من الناس في حالة صدمة، يبقى من لا قدرة لهم على الفرار عالقين في منازلهم دون طعام أو كهرباء أو ماء.

ومع التركيز المتزايد للوكالات على الأزمات الأقرب منها جغرافيّا، كحرب أوكرانيا، أو على الضغوط على ميزانيات المساعدات، يخشى العديد من عمال الإغاثة في الدولة الواقعة في شرق أفريقيا أن تكون الخرطوم قد نُسيت.

وارتفعت الاحتياجات الإنسانية بحوالي 19 في المئة في أفريقيا خلال الفترة الممتدة من عام 2021 إلى 2022. لكن بيانات الأمم المتحدة أظهرت أن كبار المانحين، بما في ذلك كندا والسويد واليابان والنرويج وهولندا، قلصوا تمويلهم للقارة.

وقال أحد عمال الإغاثة في إحدى المؤسسات الخيرية التي تقدم الرعاية الصحية والذي لم يرغب في الكشف عن اسمه “توجد بالطبع أزمات متنافسة في جميع أنحاء العالم، لكن المجتمع الدولي يتجاهل السودان مرة أخرى. نحن نحتاج إلى التمويل، وإلى الأمن، وإلى تدخل المجتمع الدولي حتى نتمكن من تأمين نوع من السلام”.

وبينما تكثف وكالات الإغاثة استجابتها بتوزيع الغذاء ومساعدة المصابين وإجلاء المستضعفين، فإنها تواجه وابلا من التحديات.

وتبقى مهمات إنقاذ المدنيين المتضررين من الحرب محفوفة بالمخاطر، وتمرّ طلبات الخبراء الخارجيين للحصول على تأشيرة بعملية بيروقراطية طويلة. وتقول وكالات الإغاثة إنها لم تتلق الأموال التي تم التعهد بها.

وقال إيدي رو المدير القطري لبرنامج الغذاء العالمي في السودان “ما يقلقني هو أن حدّة الأمور لا تتراجع، إنها تتصاعد”.

وحدد برنامج الأغذية العالمي أن واحدا من كل ثلاثة سودانيين واجه انعداما حادا للأمن الغذائي قبل بدء الاقتتال، ثم دفع الصراع الآن بملايين أخرى إلى الجوع.

وأضاف رو “يحتاج 40 في المئة من السكان، أي 19 مليون شخص، إلى مساعدات غذائية عاجلة. والتحدي الأكبر الذي نواجهه هو الوصول إلى مناطق الصراع حيث يوجد عدد من الأسر التي تكافح للعثور حتى على وجبة واحدة في اليوم”.

ويقوّض القتال أيضا موسم الزراعة الحالي، حيث يواجه المزارعون انعدام الأمن ويكافحون لمواجهة الزيادة في أسعار الأسمدة والبذور.

وأدى الصراع الناجم عن خلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى تحويل الخرطوم إلى منطقة حرب وانتشار العنف إلى إقليمي كردفان ودارفور.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأسبوع الماضي إن السودان، الذي يعدّ ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، هو على شفا حرب أهلية واسعة النطاق.

 

وتكررت الاتفاقات المؤقتة على وقف إطلاق النار لكن لم يستمر أيّ منها لفترة طويلة.

وقالت منظمة “أنقذوا الأطفال” إن الصراع أدى أيضا إلى تصاعد عمليات اختطاف واغتصاب النساء والفتيات، ولا تتجاوز أعمار بعضهن 12 عاما.

وأكّدت المنظمة الخيرية التحقق من 88 حالة اغتصاب في الخرطوم ودارفور، لكنها ترجح أن يكون العدد أعلى من ذلك بكثير.

وقال المدير القطري للمنظمة في السودان عارف نور إن “أحد أسباب فرار البعض من ديارهم هو مخاوفهم على سلامتهم الشخصية وسلامة بناتهم، وهذا وضع شنيع ومرعب”.

وتعاني المناطق الساخنة بالطبع من نقص حاد في الغذاء.

وزادت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير، وتفاقمت ندرة السيولة النقدية مع إغلاق البنوك. وأعاق هذا بشكل خطير قدرة المدنيين على شراء الطعام أو دفع أجرة النقل للفرار من القتال.

لكن الوكالات الإنسانية تواجه صراعا شاقا في تقديم المساعدة مع نهب مساعداتها، والهجوم على المستشفيات، وتعريض الموظفين للإصابة أو ما هو أسوأ خلال توجههم إلى وظائفهم اليومية.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي عن خسائر تجاوزت 94 مليون دولار، بما في ذلك نهب مستودعاته وسرقة إمدادات الغذاء والتغذية والسيارات والوقود والمولدات.

وتحققت منظمة الصحة العالمية من 50 حادثة هجوم على مرافق الرعاية الصحية. وحُدد مقتل أكثر من 11 عامل إغاثة منذ اندلاع الحرب.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي “روّعتني الهجمات على الرعاية الصحية وزيادة العنف القائم على النوع الاجتماعي”.

وأكّد أن مثل هذه الهجمات تمنع الفتيات والنساء من “الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية في وقت يكنّ فيه في أمسّ الحاجة إليها”.

وقال مسؤول الاتصالات باللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان أحمد علي أحمد علي إن القتال دمّر البنية التحتية للكهرباء والمياه في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، وأشار إلى استحالة الإصلاح الآن.

وكتب لمؤسسة تومسون رويترز عبر البريد الإلكتروني “يواجه السكان صعوبة في الحصول على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء. تعرضت محطات الكهرباء والمياه لأضرار بالغة ولا يستطيع الكادر الفني الوصول إليها بأمان”.

كما يواجه الفارون من البلاد وضعا مزريا عندما يلتمسون اللجوء إلى البلدان المجاورة، حيث يجب أن يتحملوا تأخيرات شديدة على الحدود ومحدودية الوصول إلى المياه والصرف الصحي بعد رحلات طويلة وخطيرة، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المعدية وتلك التي تنقلها المياه.

ومع عدم اقتراب الأعمال القتالية من نهايتها، تتفاوض وكالات الإغاثة مع الفصائل العسكرية المتنافسة وأنشأت بعض الممرات لتوصيل المساعدات. لكن الحاجة إلى المزيد تتواصل.

كما حث عمال الإغاثة الخرطوم على تسريع إصدار التأشيرات للأطباء والمهندسين واللوجستيين الأجانب. وتبدو مهمتهم أكثر عرضة للخطر مع إجهاد المانحين.

وتعهد المانحون الدوليون حتى الآن بتقديم 1.5 مليار دولار فقط لمساعدة السودان، أي حوالي نصف المطلوب.

وقال الصادق النور المدير القطري لمنظمة الإغاثة الإسلامية عبر العالم بالسودان في بيان “مع فرار أكثر من 3 ملايين شخص من ديارهم في غضون ثلاثة أشهر فقط، يعدّ هذا من بين أسوأ أزمات النزوح في القرن الحادي والعشرين. أصبح الوضع أكثر إلحاحا من أيّ وقت مضى وندعو المجتمع الدولي ألّا ينسانا”.

السودان.. أزمة إنسانية بلا حدود

تتضخم الأزمة الإنسانية في السودان بسرعة ككرة ثلج متدحرجة، بعد أن تجاوز عدد النازحين 3.1 مليون نازح، منهم نحو 740 ألف لجؤوا إلى دول الجوار، في أقل من ثلاثة أشهر، وفق أحدث تقرير للمنظمة الدولية للهجرة.
فالحرب التي اندلعت في 15 إبريل/نيسان الماضي، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (شبه عسكرية)، تلقي بظلال قاتمة على الوضع الإنساني في البلاد، التي أصلا كانت تحصي3.2 مليون نازح في إقليم دارفور العام الماضي، فضلا عن 1.1 مليون لاجئ من دول الجوار.
وجاء النزاع الأخير ليلقي عبئا إضافيا على المعاناة الإنسانية السودانية، وهذا ما تضمنه التقرير الأخير للمنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة.
وكشف التقرير، الصادر في 11 يوليو/تموز الجاري، أن عدد النازحين داخليا منذ بداية الصراع الأخير بلغ مليونين و414 ألفا و625، بالإضافة إلى 737 ألفا و801 لاجئ فارّ خارج البلاد، أي ما مجموعه 3 ملايين و152 ألفا و426.
ومقارنة بإجمالي عدد النازحين قبل نحو شهر، فإن العدد ارتفع بقرابة مليون نازح، إذ تم تسجيل نحو 2.2 مليون نازح، في 13 يونيو/حزيران الماضي.
وتعكس هذه الأرقام تسارع الأزمة الإنسانية في البلاد، واستمرارها لأشهر أخرى من شأنه أن يضيف ملايين أخرى إلى عدد النازحين.
إذ إن 24.7 ملايين سوداني بحاجة إلى مساعدة إنسانية، وهو رقم يعادل أكثر من نصف عدد سكان البلاد البالغ أكثر من 45 مليون نسمة.

خريطة النزوح
تتركز الاشتباكات حاليا في ولاية الخرطوم، وإقليم دارفور بولاياته الخمسة، وبولايتين من إقليم كردوفان المكون من ثلاث ولايات.
لكن وفق خريطة للمنظمة الدولية للهجرة، فإنه لم ينجُ من هذه الاشتباكات سوى عدد قليل من الولايات من إجمالي 18 ولاية، وهي: سنار، الجزيرة، وغرب كردوفان.
وبناء على خريطة الاشتباكات، فإن ولاية الخرطوم شهدت أكبر نسبة نزوح، يليها إقليم دارفور وبالأخص ولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة الحدودية مع تشاد، التي شهدت عدة مجازر، ثم الولاية الشمالية الحدودية مع مصر، التي انطلقت منها الأحداث، بعد اقتحام قاعدة مروي الجوية.
ووفق مركز الخبراء العرب للخدمات الصحافية ودراسات الرأي العام (مستقل) فإن العمق الاجتماعي في القرى والولايات وفّر حاضنة اجتماعية للنازحين، حيث تم استضافة الكثير من النازحين لدى أقاربهم، بينما اتجهت مجموعات أخرى لاستئجار مساكن منفصلة، وهو ما يفسر عدم إقامة مخيمات للنازحين خارج الخرطوم.
وكانت أكثر المدن استضافة للنازحين بورت سودان (ولاية البحر الأحمر)، وحلفا، ودنقلا (الولاية الشمالية) وعطبرة (ولاية نهر النيل)، وفق مركز الخبراء العرب.
أما حركة اللجوء فتركزت نحو مصر بأكثر من 255 ألف لاجئ، تليها تشاد بنحو 240 ألف لاجئ، ثم دولة جنوب السودان بأكثر من160 ألف لاجئ، فإثيوبيا بما يزيد عن 62 ألف لاجي، وجمهورية إفريقيا بنحو 17 ألف لاجئ، وأخيرا ليبيا بقرابة 3 آلاف لاجئ، بينما لم يسجل أي لاجئ في إريتريا.

مستشفيات منهوبة ودراسة معطلة
الأزمة الإنسانية في السودان لا تقتصر مظاهرها على النزوح واللجوء فرارا من نيران الحرب، إذ إن اقتحام المستشفيات ونهب المحلات التجارية وتوقيف الدراسة وحرق السجلات الإدارية والقضائية أصبحت هي الأخرى جزءا من المأساة السودانية.
ووفق آخر الإحصائيات المتوفرة عن مركز الخبراء العرب، فإن المستشفيات العامة والخاصة العاملة بالخرطوم انخفضت إلى 58% في يونيو/حزيران الماضي، نزولا من 63% في مايو/ أيار الماضي.
فمن إجمالي 134 مستشفى في الخرطوم قبل اندلاع الاشتباكات، لم يبق سوى 79 مستشفى يقدم خدماته إلى المرضى، في الشهر الماضي، بعد اعتداء قوات الدعم السريع على 24 مستشفى، وفق مركز الخبراء العرب.
ولأول مرة في تاريخ السودان، يتم إيقاف إجراء امتحانات الشهادة العامة (البكالوريا) منذ انطلاقها في عام 1838، أي حتى قبل استقلال البلاد في 1956، إذ بات مصير نحو 560 ألف طالب مجهولا في ظل هذا الوضع، بحسب مركز الخبراء العرب.
وحتى الجامعات توقفت الدراسة بها، وطال النهب والحرق أكثر من 45 مؤسسة جامعية في عموم البلاد، خاصة بعدما تم إتلاف الوثائق الرسمية للطلبة، البالغ عددهم نحو 600 ألف طالب.
ما يجعل مستقبل الطلبة الجامعيين مهددا بالضياع، خاصة بالنسبة إلى الطلبة العرب والأفارقة الذين يرغبون في إكمال دراستهم في بلدانهم أو في الخارج، على غرار الطلبة الصوماليين.

الجانب التجاري والغذائي

أما على الصعيد التجاري والغذائي الذي يمس حياة كل سوداني، فإن نحو 118 ألف محل تجاري، و21 سوقا بينهم 6 أسواق مركزية تعرضت المحتويات للسرقة.
ووفق تقدير مركز الخبراء العرب، فإن 70% من المصانع والمؤسسات الإنتاجية بولاية الخرطوم في حالة شلل.
فضلا عن انتشار سرقة السيارات ونقلها إلى دارفور وبيعها في ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، وفق المصدر ذاته، حيث تم تسجيل 47 ألف بلاغ لسيارات مسروقة.
فتواصل الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالأسلحة الثقيلة وسط أحياء مكتظة بالسكان، يضاعف الضحايا من المدنيين، فضلا عن الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب في حق العزل منهم على غرار التهجير القسري والاستيلاء على المنازل وانتهاك الحرمات وسرقة المحتويات الثمينة. والنقص الحاد في المواد الغذائية والأدوية يضاعف المعاناة الإنسانية للشعب السوداني، في ظل نقص للمساعدات الإنسانية المحلية والدولية.

(الأناضول)

بعد 12 أسبوعا.. حرب السودان بين داعم لوقفها ومؤيد لحسمها

شارفت حرب السودان على دخول شهرها الرابع، ومع طول أمدها بدأت تتسع هوة الخلافات بين المواطنين الذين تباينت رؤاهم تجاهها ما بين مؤيد لوقفها وآخر يدعم حسمها.
وبات واضحا أن هناك تيارين هما الأكثر حضورا في المشهد السياسي، أحدهما يقول “لا للحرب” والآخر يدعو إلى “الحسم” ويدعم استمرارها إلى حين تحقيق أحد الطرفين النصر على الآخر.
ومنذ منتصف أبريل/ نيسان يشهد السودان قتالا بالعاصمة الخرطوم ومدن أخرى بين الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، و”قوات الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
ويتبادل الجانبان اتهامات ببدء القتال وارتكاب خروقات خلال سلسلة هدنات لم تفلح بوضع نهاية لاشتباكات خلَّفت أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وما يزيد عن 2.8 مليون نازح داخل وخارج إحدى أفقر دول العالم، بحسب وزارة الصحة والأمم المتحدة.
وبين القائدين خلافات أبرزها المدى الزمني لتنفيذ مقترح لدمج “الدعم السريع” بالجيش، وهو بند رئيسي في اتفاق مأمول لإعادة السلطة بالمرحلة الانتقالية إلى المدنيين، بعد أن فرض البرهان حين كان متحالفا مع حميدتي في 2021 إجراءات أبرزها حل مجلس الوزراء والسيادة الانتقاليين.
واعتبر الرافضون تلك الإجراءات “انقلابا عسكريا” على المرحلة الانتقالية التي بدأت عقب عزل الرئيس عمر البشير (1989-2019)، بينما قال البرهان إن إجراءاته هدفت إلى “تصحيح مسار المرحلة الانتقالية”، ووعد بإعادة السلطة إلى المدنيين عبر انتخابات أو توافق وطني.
بين تيارين
وبالنسبة لتيار “لا للحرب”، فقد اصطفت حوله قوى سياسية ومجتمعية وشعبية، أبرزها قوى الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم سابقا) ومكونات مهنية مجتمعية.
أما تيار “نعم للحسم” الذي يدعم الجيش ويدعو للقضاء على “تمرد الدعم السريع”، فيضم تيارات إسلامية وأحزاب سياسية أبرزها حزب الأمة بقيادة مبارك المهدي.
وبين التيارين خلاف واضح يعود لمواقف الطرفين قبل اندلاع الحرب، وبعد توقيع الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2022 بين المكون العسكري وقوى مدنية أبرزها “الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي”، للتوصل إلى اتفاق يحل الأزمة السياسية.
وكانت العملية السياسية تهدف إلى حل أزمة ممتدة منذ 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، حين فرض البرهان إجراءات استثنائية منها حل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وإعلان حالة الطوارئ.
وتوجد مجموعة كبيرة من قوى الثورة خاصة “لجان المقاومة” التي كانت ترفض الحوار بين العسكر والمدنيين خلال الفترة الماضية، إلا أنها تدعم إيقاف الحرب وفق شعارها القديم “العسكر للثكنات والجنجويد (في إشارة للدعم السريع) ينحل”.
وقادت هذه اللجان احتجاجات شعبية منذ 25 أكتوبر 2021 تطالب بعودة الحكم المدني الديمقراطي، وترفض الإجراءات الاستثنائية التي فرضها البرهان وتعتبرها “انقلابا عسكريا”.
وتكونت “لجان المقاومة” في المدن والقرى عقب اندلاع احتجاجات 19 ديسمبر 2018، وكان لها الدور الأكبر بإدارة المظاهرات حتى عزلت قيادة الجيش البشير في 11 أبريل/ نيسان 2019.
وتقف قوى سياسية مع الجيش وتدعم خطواته في الصراع الدائر بغرض دحر قوات الدعم السريع، باعتبار أن معركة الجيش هي “معركة كل السودانيين ضد ميليشيا متمردة”.
فيما تؤكد قوات الدعم السريع أن المعركة هي “من أجل استرداد الديمقراطية وإقامة حكم مدني في البلاد”، وذكرت أكثر من مرة أنها “أجبرت على القتال ضد الجيش، وأن معركتها ضد قادة الجيش وأنصار النظام السابق”.

إيقاف الحرب

ورغم أن الطرفين (الجيش والدعم السريع) أعلنا مرارا رغبتهما في الحل السلمي، وانخرطا في مفاوضات بمدينة جدة برعاية سعودية أمريكية، إلا أن الوقائع تسير عكس ذلك، حيث لم يتوقف القتال طوال الأشهر الثلاثة الماضية.
وتدعو قوى سياسية ومجتمعية إلى إيقاف الحرب والدخول في تفاوض “لأن الصراع العسكري لن يكون الحل لأزمات البلاد المستمرة”، وفق ما ترى.
القيادي بقوى الحرية والتغيير، محمد عبد الحكم، يرى أن “الوضع الكارثي الذي يعيشه شعب السودان يحتم على أطراف الحرب العبثية الاضطلاع بمسؤوليتهم الأخلاقية والأمنية ووقف الحرب بشكل فوري”.
وأضاف في حديثه للأناضول: “يجب الابتعاد عن عسكرة الحياة المدنية والعودة إلى الثكنات، والعمل على حلحلة كل أزمات البلاد عبر طاولات التفاوض، ومن ثم استعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي”.
وأشار عبد الحكم إلى أنه “من المهم النأي بالمؤسسة العسكرية عن ممارسة الأنشطة السياسية والاقتصادية، والالتزام بأداء مهامها الطبيعية بحفظ الأمن وحماية البلاد من المهددات الأمنية”.
وأردف: “نحن في قوى الحرية والتغيير ندرك أن الهدف الأساسي لهذه الحرب هو عسكرة الحياة المدنية وإحكام العسكر قبضتهم على السلطة وإنهاء أي جهود لاستعادة الحكم المدني الكامل، وهو أمر لن يسمح الشعب السوداني به على الإطلاق”.
وأردف: “الأوضاع الإنسانية من قتل وتشريد واغتصاب ونهب هي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ينبغي وقفها بوقف الحرب نفسها، وتشكيل لجان حقوقية لكشف مرتكبي هذه الجرائم ومحاسبتهم، بحزم وحسم”.
انقسام مستمر
وبحسب كثير من المتابعين، فإن “الانقسام في المشهد ليس جديد وهو ملازم للحالة السودانية قبل الحرب وبعدها”.
إذ يرى المحلل السياسي أمير بابكر، أن الانقسام كان واضحا بالشارع قبل اندلاع الحرب، واستمر بعدها بين أصوات تريد تأجيج الصراع وأخرى تتمسك بالحلول السلمية.
وأضاف في حديثه: “بعد اندلاع الحرب فعليا في 15 أبريل، بدا المشهد منقسما بين دعوات لوقف الحرب وجنوح للسلم، وبين من يدعون من مناصري طرفي النزاع إلى حسمها عسكريا، وكل طرف من أولئك يدعم موقف من يناصره”.
وذكر بابكر أنه على مستوى القوى السياسية كانت القوى الموقعة على “الاتفاق الإطاري” ترى في الوصول بالعملية السياسية التي ابتكرتها الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي و(المنظمة الحكومية الدولية للتنمية بشرق إفريقيا) إيغاد) مخرجا من مأزق الصراع أو الحرب.
ويوضح أن قطاعا واسعا من الشعب رافض للحرب التي وصفها قادة الجانبين المتصارعين بأنها “عبثية”، منطلقين في رفضهم من آثارها التي ستترتب على البلاد وعليهم، وهو ما حدث بالفعل خلال ثلاثة أشهر من المعارك التي خلفت دمارا واسعا في العاصمة ومدن أخرى إلى جانب القتلى والجرحى والنازحين، وفق المحلل.

اختلاف في الطرق
بدوره يعتبر المحلل السياسي عمر الفاروق أن “الجميع يدعو لإيقاف الحرب ولكن الاختلاف يكمن في طريقة التنفيذ”.
وأضاف: “البعض يريد العودة إلى ما قبل 15 أبريل، وهي مجموعات سياسية محددة، والبعض يريد وضعا جديدا ينهي تعدد الجيوش وتجنب الأخطاء التي أدت لاندلاع الحرب”.
واستطرد: “وبالتالي عدم تجريب المجرب، وهذا الاتجاه يؤدي إلى انفتاح جديد في العملية السياسية”.

(الأناضول)

أحلاها مر.. 6 سيناريوهات لمستقبل المعارك في السودان

الخرطوم- عادل عبد الرحيم: مع دخول المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شهرها الرابع، تستمر الاشتباكات بين الطرفين بالأسلحة الثقيلة والخفيفة والقصف المدفعي وقصف الطيران في العاصمة الخرطوم وولايات كردفان (جنوب) ودارفور (غرب)، مع غياب تام لحل الأزمة في الأفق المنظور.

وفي 15 أبريل/ نيسان الماضي، اندلعت في عدد من مدن السودان اشتباكات واسعة بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و”الدعم السريع بقادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، خلَّفت أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وما يزيد على 2.8 مليون نازح ولاجئ داخل وخارج إحدى أفقر دول العالم، بحسب وزارة الصحة والأمم المتحدة.

وفي ظل أصرار الطرفين على تحقيق الانتصار وإيمان كل منهما بقدرته على سحق الطرف الآخر، تبدو مسألة إيجاد حل للأزمة بعيدة المنال، كما أن غياب إرادة الطرفين لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار يعقد المشهد أكثر، حسبما يراه مراقبون.

وفي ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل المعارك في السودان، تستعرض الأناضول عدة سيناريوهات محتملة لما سيؤول إليه الصراع على المدى القريب.

السيناريو الأسوأ

يحمل استمرار الحرب لفترة أطول تعقيدات كبيرة قد تؤدي إلى انهيار الدولة، حيث يرى مراقبون أن “الحروب حاليا لا تحسم سريعا، كما حدث في عدة دول، آخرها الحرب الروسية الأوكرانية” التي مازالت مستمرة منذ 24 فبراير/ شباط 2022.

وعليه، يبقى سيناريو استمرار الحرب وتوسعها إلى مناطق أخرى ودخول أطراف أخرى فيها، أحد سيناريوهات الأزمة السودانية.

ويعد هذا السيناريو هو الأسوأ، حيث لا منتصر فيه، مع توسع المعارك إلى مناطق أخرى فر إليها نحو 2.2 مليون نازح داخلي، ما يمثل أساسا لتحول الصراع إلى حرب أهلية في بلد هش يعاني من نزاعات قبلية بين مكوناته شرقا وغربا وجنوبا.

وخلال الأعوام الأخيرة، اشتعل الصراع القبلي في عدة مناطق في السودان شرقا وغربا، راح ضحيته المئات وأدى إلى نزوح عشرات الآلاف.

وفي 9 يوليو/ تموز الجاري، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في بيان، إن “السودان على شفا حرب أهلية واسعة النطاق، مع استمرار الاشتباكات العنيفة بين طرفي النزاع بلا هوادة”.

كما أن طول مدة المعارك في الخرطوم يمكن أن يدفع بقوات الدعم السريع إلى محاولة تشتيت جهود الجيش السوداني، بفتح بؤر للحرب في ولايات تعد آمنة نسبيا، خاصة في ولايات الجزيرة (وسط) والنيل الأبيض (جنوب) ونهر النيل (شمال).

ويعد هذا السيناريو ممكنا في ظل حضور الجيش في 18 ولاية سودانية بأعداد تقدر بالآلاف في معسكرات تتوزع بمعظم مدن البلاد، يقابله انتشار لقوات الدعم السريع، التي تخوض بالفعل قتالا بجانب الخرطوم في ولايات منطقة كردفان (شمال وغرب وجنوب)، وولايات دارفور الخمسة (شمال وشرق وغرب ووسط وجنوب).

وبحسب تقديرات غير رسمية، يبلغ عدد أفراد الجيش السوداني حوالي 105 آلاف جندي فاعل، ونحو 85 ألف جندي في قوات الاحتياط، فيما تقدر قوات الدعم السريع بأكثر من 100 ألف مقاتل.

سيناريو الانتصار

انتصار الجيش في الخرطوم لا يعني أن المعركة ستنتهي، بل من المحتمل أن يكون ذلك بداية لزحف الحرب إلى أطراف البلاد، عطفا على تجارب سابقة من القتال بين الجيش وحركات التمرد في الولايات الطرفية شرقا وغربا وجنوبا، خلال 40 عاما مضت.

ويرى متابعون أن انتصار الجيش على “الدعم السريع” في الخرطوم سيدفع الأخيرة إلى التوجه بقوة إلى دارفور التي تعتبر مركز تأسيسها عام 2013، وخبرت المعارك في ذات الإقليم حينما كانت تحارب مع الجيش السوداني ضد الحركات المسلحة آنذاك.

وتمثل دارفور أهمية كبرى لـ”الدعم السريع”، حيث تتشكل معظم قواتها من عناصر تنتسب لقبائل الإقليم، وهو الاتهام الذي ظلت تنفيه حكومة الخرطوم سابقا باستمرار.

وينفيه أيضا حميدتي، الذي أكد في عدة مناسبات أن “الدعم السريع قوات قومية عناصرها من كل أنحاء السودان”.

سيناريو حرب الولايات

في حال انهيار الجيش في الخرطوم وسيطرة “الدعم السريع” على العاصمة، سيكون سيناريو حرب الولايات هو السائد.

وبحسب مراقبين، سيترك سقوط الخرطوم قوات الجيش في ولايات البلاد الـ18 أمام خيارين؛ إما التسليم للدعم السريع أو خوض حرب أوسع في الولايات.

في حال رفض وحدات الجيش في الولايات الانصياع للمسيطر على العاصمة، حينها ستكون ولايات البلاد الأخرى في الشمال والشرق والوسط ساحة لمعركة أوسع، لأن “الدعم السريع” ستحاول اخضاعها بالقوة.

ويتكون تنظيم الجيش السوداني من 5 قيادات إقليمية؛ هي القيادة المركزية في الخرطوم والشرقية في القضارف والغربية في الفاشر والوسطى في الأُبيّض والشمالية في شندي.

سيناريو التقسيم

يعد تقسيم السودان أحد السيناريوهات المطروحة لمآلات الحرب الحالية، خاصة في ظل واقع معقد في بلد شهد حروب استمرت 40 عاما في جنوبه وغربه وشرقه.

وخيار التقسيم وارد، خاصة وأنه تحقق في انفصال جنوب السودان عام 2011 بعد حرب استمرت عشرين عاما مع الشمال.

كما أن الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” قد تغري أطرافا كثيرة بأن يكون التقسيم هو الحل لإنهاء الحرب الدائرة منذ سنوات في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

وما يزيد من احتمالية هذا السيناريو هو وجود حركات مسلحة تسيطر على أراضٍ واسعة، مثل “الحركة الشعبية” التي تقاتل في جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق)، وحركة “تحرير السودان” بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي تقاتل في دارفور منذ 2003.

وهاتان الحركتان لم تشاركا في مفاوضات السلام التي أدت إلى توقيع اتفاق سلام في جوبا بين حركات مسلحة والخرطوم في أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

سيناريو الضغط الإقليمي والدولي

يعتمد هذا السيناريو على قيام المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي ودول الجوار بالضغط على طرفي الصراع في السودان للجلوس إلى طاولة التفاوض وإيقاف القتال.

وعلى مدى الأسابيع الماضية، قادت السعودية مبادرة بالتعاون مع الولايات المتحدة محاولات عديدة لرأب الصدع بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، ونجحت في إتمام أكثر من هدنة عقب استضافة اجتماعات للمتنازعين بمدينة جدة غربي المملكة، لكنها اخفقت في أحداث إيقاف القتال بشكل دائم.

ومن المبادرات الاقليمية أيضا، تبرز مبادرة المنظمة الحكومية الدولية للتنمية في شرق إفريقيا “إيغاد” التي أعلنت في 12 يونيو/ حزيران المنصرم تشكيل لجنة رباعية لبحث إنهاء القتال ومعالجة الأزمة في السودان.

إلا أن المبادرة لم تنجح بعد في عقد اجتماعات مباشرة بين طرفي الصراع، خاصة مع اعتراض الحكومة السودانية على رئاسة كينيا للجنة الرباعية التي تضم جنوب السودان وجيبوتي والصومال.

وفي 10 يوليو الجاري، انسحب وفد الجيش السوداني من اجتماع اللجنة الرباعية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اعتراضا على رئاسة كينيا للجنة ومطالبا بتغييرها.

و”إيغاد” منظمة حكومية إفريقية شبه إقليمية تأسست عام 1969، تتخذ من جيبوتي مقرا لها، وتضم أيضا كلا من إثيوبيا وكينيا وأوغندا والصومال وإريتريا والسودان وجنوب السودان.

الضغط الشعبي

يمثل الحراك الشعبي لإيقاف الحرب إحدى أدوات الضغط على طرفي الصراع لإيقاف الحرب، وهو ما يتطلب جهدا سياسيا وشعبيا واسعا لرفض استمرار الحرب في الخرطوم وامتدادها إلى بقية ولايات البلاد.

ومن الممكن ممارسة الضغط الشعبي بالتظاهر والاعتصامات في الولايات الآمنة، ما يتطلب إجماعا شعبيا داخل الولايات أولا، ثم التحرك بشكل أوسع للضغط على الجيش و”الدعم السريع” لدفعهما إلى للتفاوض وإيقاف الحرب.

وربما يكون ما شهدته مدن بورتسودان ومدني والقضارف من وقفات احتجاجية خلال الأسابيع الماضية، شرارة حراك شعبي للمطالبة بوقف الحرب.

(الأناضول)