كيف ارتكب مقاتلو الدعم السريع والميليشيات العربية مذبحة عرقية مروعة في غرب دارفور

الحدود التشادية السودانية: عقدوا العزم على دفن موتاهم، حتى لو كان وجود القناصة على أسطح المنازل المحيطة بهم يعني المخاطرة بحياتهم للقيام بذلك.
وليوفروا غطاء لأنفسهم، دفنوا الموتى ليلا ووضعوا العديد من الجثث في نفس القبور المحفورة على عجل. كانوا يعملون بسرعة، واضطروا للاستغناء عن الكثير من شعائر الدفن الإسلامي، إذ وضعوا الآباء والأمهات والأبناء والبنات والجيران معا في الأرض. وتظهر على الجثث الطريقة الوحشية التي انتهت بها حياة أصحابها. فقد حُرق البعض لدرجة أنه لا يمكن التعرف عليه، والبعض كان فاقدا لبعض الأطراف، وآخرون تظهر عليهم جروح بالغة عند الحلق.
وكان تدفق الجثث مستمرا. ففي 24 أبريل نيسان، يقول المدرس عبد الماجد عبد الله إنه ساعد في نقل 52 جثة ملفوفة بأغطية، 27 رجلا و16 امرأة وتسعة أطفال، حيث أرقدوهم في صف في حفر حديثة.
وفي 27 أبريل نيسان، يقول الجراح كمال آدم إنه رافق جثمان والده الذي قتل بالرصاص داخل منزله، ووضعه في واحدة من ثلاث حفر كبيرة ومعه 107 جثث أخرى. وفي 29 أبريل، دفنوا 56 آخرين. وفي السابع من مايو أيار، حضر المحامي خالد إسماعيل دفن 85 شخصا بينهم زميله الذي يقول إنه أُحرق حيا بعد أن حبسه المهاجمون في بيته وأشعلوا فيه النار.
واستمر الدفن في مقبرة الغابة لأكثر من سبعة أسابيع، من أواخر أبريل- نيسان حتى منتصف يونيو حزيران، وتحولت قطعة الأرض المستطيلة إلى مقبرة جماعية مترامية الأطراف لما لا يقل عن 1000 من سكان مدينة الجنينة السودانية بولاية غرب دارفور.


تفيد العشرات من روايات الشهود بأن المذبحة نتجت عن أكثر من 50 يوما من الهجمات على قبيلة من عرق إفريقي تشكل أغلبية سكان المدينة. وشنت الهجمات قوات الدعم السريع السودانية، وهي قوة شبه عسكرية منبثقة بشكل كبير من الجماعات العربية والميليشيات العربية المتحالفة معها المعروفة باسم الجنجويد.
وصل سعار القتل إلى ذروته على مدى عدة أيام منتصف يونيو- حزيران، وتحولت الجنينة إلى “مستنقعات من الدم” بحسب وصف أحد الناجين. ووصف آخر إراقة الدماء بأنها “يوم القيامة”.
وكان الخطر مستمرا بلا هوادة لدرجة أن العديد من الناجين قالوا لرويترز إنهم لم يتمكنوا من دفن موتاهم على الفور كما يقتضي العرف الإسلامي والمحلي. تقول فاطمة إدريس إن رجال الميليشيات العربية قتلوا زوجها وثلاثة رجال آخرين بالرصاص في منزلها، ثم استعدوا لحرق الجثث.
وتوسلت قائلة “لا تشعلوا النار فيهم”. وأضافت فاطمة أنها تمكنت من جر زوجها بعيدا وغطته ببطانية قبل أن تهرب وتعثر لاحقا على ملاذ على الجانب الآخر من الحدود في تشاد. وقطعت على نفسها وعدا بأن تعود لتدفنه.
إصرار الناجين على دفن قتلى الجنينة بكرامة هو أحد السمات المميزة للصراع الذي مزق المدينة. وأجرت رويترز مقابلات مع أكثر من 120 شخصا فروا من الجنينة إلى تشاد حيث تعيش فاطمة ومئات الآلاف غيرها من اللاجئين الآن في مخيمات.
وبكى كثيرون من الناجين وهم يصفون إطلاق النار على الأطفال، واغتصاب النساء والفتيات، واصطياد القناصين للناس في الشوارع، وذبح آخرين دخلوا المساجد بحثا عن ملاذ.
ومن خلال رواياتهم، المدعومة بتحليل صور التقطت بالأقمار الصناعية وصور فوتوغرافية ولقطات على وسائل التواصل الاجتماعي وقوائم بأسماء القتلى جمعها نشطاء حقوقيون محليون، تمكنت رويترز من تجميع أول سجل شامل للعنف الذي اجتاح الجنينة في وقت سابق من العام.
كانت حملة قتل متواصلة لدوافع عرقية استمرت أسابيع. والهدف: قبيلة المساليت ذات البشرة الداكنة في المدينة التي تعتبر ولاية غرب دارفور موطنها التاريخي. وقال العديد من الناجين إن المهاجمين العرب أشاروا في كثير من الأحيان للمساليت بلفظ “أنباي” وتعني العبد.
وشملت عمليات القتل، حسبما روى عشرات الشهود، إعدام سكان بالجنينة عرف انتماؤهم للمساليت، أحيانا بعد أن تستجوبهم قوات الدعم السريع ومقاتلو المليشيات العربية. وقال ناجون إن رجال المليشيات كانوا يركزون بشكل خاص على قتل الرجال والصبية من المساليت لأنهم في نظرهم قد يصبحون مقاتلين.
ومع سعيهن المستميت لإنقاذ أبنائهن، وصفت أمهات كيف ألبسنهم ملابس الفتيات وأخفوهم تحت الأسرّة أو تحت أردية فضفاضة، أو دفعهم إلى خارج النوافذ حتى يفروا قبل وصول مقاتلي قوات الدعم السريع والجنجويد.
تكشف روايات الناجين عن حملة منهجية ومنسقة. فقد استهدفت نيران قذائف الهاون مناطق محددة في الجنينة يقطنها المساليت. ووضعت حواجز على الطرق الرئيسية للسيطرة على الحركة في المدينة. وطارد رجال المليشيات العربية بشكل خاص الشخصيات البارزة في مجتمع المساليت. وقال أكثر من 15 شاهد لرويترز إنه عندما انتهت الحملة، أشرف رجال المليشيات على محاولة لإخفاء الفظائع التي ارتكبت بما شمل دفن جثث على أطراف المدينة.
وقال حب الدين حسن، الناشط في حقوق الإنسان المنتمي للمساليت وهو من سكان الجنينة، إن ما حدث في المدينة، وهي عاصمة ولاية غرب دارفور، كان جزءا من حملة استمرت عقدين من “إبادة الناس والاستيلاء على أرضهم والتغيير الديموغرافي” تشنها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية.
وأضاف حسن الذي فر إلى تشاد “يتم تمييز الرجال لقتلهم ومعروف الهدف من وراء هذا الكلام… الهدف هو إبادتهم والاستيلاء على الأرض وتغيير هوية البلد”.
ولم ترد قوات الدعم السريع على أسئلة رويترز بخصوص هذا الأمر. ولم يتسن الوصول إلى زعماء القبائل العربية.
وفي تصريحاتهم العلنية، ينفي زعماء القبائل العربية مشاركتهم في تطهير عرقي بالجنينة، وتقول قوات الدعم السريع إنها ليست ضالعة فيما وصفته بصراع قبلي. وفي مؤتمر صحافي نشر على صفحة أحد مجتمعات الجنينة على وسائل التواصل الاجتماعي في 21 أغسطس آب، اتهم زعماء القبائل العربية في غرب دارفور المساليت بالمسؤولية عن اندلاع القتال. وقالوا إن الجيش السوداني تواطأ مع المساليت وزودهم بالأسلحة لمهاجمة المجتمع العربي. ونفوا اضطلاع قوات الدعم السريع بدور في القتال.
وقال الأمير مسار عبد الرحمن أصيل، زعيم قبيلة الرزيقات، التي ينحدر منها العديد من قادة قوات الدعم السريع، “انت طالما إنسان بتريد الحرب وتشمر ساعدك للحرب أبقى قوي وتحمل نتائج اللي بتطلع بيها الحرب”.
ولم يرد الجيش السوداني على الأسئلة المتعلقة بالأمر، ومنها سؤال عن سبب عدم تدخل الجنود المتمركزين في الجنينة لحماية المدنيين الذين يتعرضون للهجوم.
ولم تتمكن رويترز من التأكد بشكل مستقل من بعض روايات الناجين. لكن الشهود كانوا متفقين في وصف العنف وفي التفاصيل وتسلسل هذه الأحداث في الجنينة. وفي حالات كثيرة، وصف العديد من الناجين نفس الحدث.
وفي بعض الحالات، أظهرت صور الأقمار الصناعية ما كان يحدث على الأرض، مثل الصور التي تكشف انتشارا كبيرا للدمار في مساحات واسعة من المدينة. وخلص تحليل لرويترز إلى ظهور دمار على مساحة لا تقل عن 1.8 كيلومتر مربع في الجنينة من 19 أبريل نيسان إلى 29 يونيو حزيران. ويعادل ذلك تقريبا مساحة 250 ملعب كرة قدم.
وأوضحت تقارير صادرة عن منظمات معنية بحقوق الإنسان أنماطا مماثلة من العنف. وقال كريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في يوليو تموز، إن مكتبه بدأ التحقيق في الفظائع التي يقال إنها ترتكب في غرب دارفور، بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القضاء والحرق والنهب. وفي وقت سابق من هذا الشهر، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على اثنين من كبار شخصيات قوات الدعم السريع، أحدهما عبد الرحيم حمدان دقلو نائب قائد القوات. ووصف دقلو القرار الأمريكي بأنه “مجحف” ويستند إلى معلومات “مأخوذة من جهات ضد قوات الدعم السريع”.
كشف حسن زكريا، الذي كان يدير أحد المستشفيين الميدانيين اللذين عملا في الجنينة خلال العنف، عن قائمة بأسماء أكثر من 880 شخصا قال إنهم قتلوا بين 24 أبريل نيسان والتاسع من يونيو حزيران. وقدر الحصيلة الكاملة بأكثر من أربعة آلاف قتيل و10 آلاف جريح على الأقل. وفر أكثر من 290 ألف شخص من المدينة إلى تشاد، بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وقبل العنف، كان عدد سكان الجنينة نحو نصف مليون نسمة حتى عام 2022، بحسب وكالة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
واندلع العنف في دارفور بعد أيام من نشوب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخرطوم، على بعد نحو 1400 كيلومتر إلى الشرق. بدأ القتال في العاصمة السودانية في 15 أبريل نيسان، بسبب التوتر بين الجيش وقوات الدعم السريع بشأن خطة لدمج قواتهما في إطار مسعى التحول إلى الحكم المدني. وتولى الجيش، ومعه قوات الدعم السريع، السلطة في انقلاب في عام 2021، بعد عامين من الإطاحة بعمر البشير، الدكتاتور الذي حكم البلاد طويلا.
وتعرضت الخرطوم للتدمير بالغارات الجوية والقصف المدفعي واشتبك الجيش مع مقاتلي قوات الدعم السريع الذين اتخذوا مواقع في المنازل والمستشفيات والمدارس. واتهمت جماعات حقوق الإنسان مقاتلي قوات الدعم السريع بارتكاب أعمال نهب واغتصاب على نطاق واسع في العاصمة. وقُتل مئات المدنيين.
وفي ولاية غرب دارفور، التي يسكنها 1.8 مليون شخص، لم يقتصر العنف على الجنينة. وتحدثت رويترز إلى 30 شخصا في بلدات في أنحاء الولاية، وهي إحدى الولايات الخمس في إقليم دارفور.
ووصفوا الاستهداف العرقي الدموي وطردهم من أراضيهم من قبل قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها. وقال الكثيرون منهم إن منازلهم أحرقت وسويت بالأرض. وتظهر صور الأقمار الصناعية لغرب دارفور بقعا محترقة في الأماكن التي أبلغ السكان عن وقوع هجمات بها.
وقالت وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن عشرات الآلاف من سكان تلك المناطق فروا إلى تشاد.
وتكشف صور الأقمار الصناعية أيضا كيف اتسع الجزء الشمالي من مقبرة الغابة بشكل ملحوظ في الأسابيع التي تلت اندلاع أعمال العنف بمدينة الجنينة. وتتفق الأرض المرقطة الواضحة للعيان في الصور، مع أخرى من أرض الواقع حصلت عليها رويترز من محام محلي قال إنه شارك في عمليات الدفن. وتظهر تلك الصور العديد من أكوام التربة بنية اللون في المقبرة، وكل واحدة منها مقبرة جماعية قال سكان المدينة إنهم دفنوا بها القتلى.
وقال سلطان المساليت سعد بحر الدين لرويترز “المقبرة مليئة بالجثث… أصلا الموت لم يتوقف”.
وإضافة إلى مقبرة الغابة، تحدث أكثر من 20 شخصا عن ست مقابر أخرى في الجنينة حيث دفنوا موتاهم في قبور جماعية.
وفي صور الأقمار الصناعية التي راجعتها رويترز ظهرت عدة قبور جديدة خلال أعمال العنف في ثلاث من المقابر على الأقل. وفي 13 سبتمبر أيلول، قال رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان إن المنظمة حصلت على تقارير جديرة بالتصديق عن وجود ما لا يقل عن 13 مقبرة جماعية في المدينة والمناطق المحيطة بها.

إرث دارفور الدموي
تعود جذور قوات الدعم السريع إلى أعمال العنف التي عصفت بدارفور أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد ولدت القوة من رحم ميليشيات الجنجويد، وهي كلمة تعني “الشياطين على ظهور الخيل” باللغة العربية، التي سلحها النظام السوداني في ذلك الوقت للمساعدة في سحق انتفاضة متمردين اتهموا الحكومة بإهمال المنطقة.
وشنت الجنجويد هجمات على المدنيين. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2008، قتل 300 ألف شخص، كثيرون منهم بسبب الجوع، وطُرد مليونان من ديارهم. وأعلنت الولايات المتحدة في وقت سابق أن ذلك العنف يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وفي عام 2007 نُشرت قوة حفظ سلام مشتركة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في دارفور.
وكان معظم النازحين من القبائل غير العربية في دارفور، بما في ذلك المساليت. وأجبروا على العيش في مخيمات للنازحين داخليا. وفي الجنينة وحدها دمر الهجوم الأخير العشرات من هذه المخيمات، وفقا لصور الأقمار الصناعية وروايات عشرات السكان الذين هربوا إلى تشاد.
تمثل الجنينة تاريخيا مقر سلطة المساليت. وشكل المساليت، وهم تقليديا مزارعون، أغلبية سكان المدينة ومحيطها حتى أعمال العنف الأخيرة. وينتمي باقي السكان إلى قبائل عربية وجماعات عرقية أخرى غير عربية.
وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، هو أحد أفراد قبيلة الرزيقات العربية الكبيرة، وهي تقليديا شعب من البدو. ويقع المقر الرئيسي للقوة شبه العسكرية في ولاية غرب بمدينة الجنينة.
ومحور أعمال العنف التي ابتليت بها ولاية غرب دارفور التنافس على الأرض والمياه والموارد الشحيحة الأخرى بين المجتمعات الزراعية غير العربية ورعاة الماشية العرب الرحل.
وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 60 بالمئة من سكان ولاية غرب دارفور عانوا من “انعدام الأمن الغذائي” حتى قبل اندلاع أعمال العنف الأخيرة.
ونشبت موجات من الصراعات العرقية في السنوات القليلة الماضية. ولكن لم تكن أي منها طويلة الأمد ومنهجية مثل ما حدث في غرب دارفور من أبريل نيسان إلى منتصف يونيو حزيران. وتقول الأمم المتحدة إنه منذ عام 2019، قُتل مئات من السكان غير العرب في المنطقة في هجمات شنتها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية.
وفي عام 2017، وافقت الأمم المتحدة على سحب تدريجي لقوات حفظ السلام. وانتهى تفويض القوة بعد ثلاث سنوات، مما شكَّل نقطة تحول في غرب دارفور.
وحذرت تقارير داخلية للأمم المتحدة، كتبت في عام 2021 وراجعتها رويترز، من مخاطر سحب قوات حفظ السلام. وورد في أحد التقارير أن “إغلاق البعثة وانسحاب أصول الحماية الملموسة” سيخلف “فجوة في الحماية بدارفور”.
ووصف تقرير آخر قوات الدعم السريع بأنها “لاعب رئيسي في الصراع”.
وتصاعد التوتر منذ عام 2019. وأبرم اتفاق سلام في عام 2020 بين الحكومة الانتقالية في السودان والجماعات المتمردة مهد الطريق أمام النازحين من المساليت للعودة إلى أراضيهم التي استولى عليها العرب. لكن تقريرا آخر حذر من أن بعض السكان العرب غير راضين عن الاتفاق.
وقال التقرير “مهاجمة المدنيين المساليت الذين يعيشون في الجنينة أو في مخيمات النازحين في أنحاء المدينة هي وسيلة لإرسال إشارة إلى شعب المساليت بأنهم غير مرحب بهم في المنطقة ولم يعد لهم حق تقليدي في المطالبة بأراض في المنطقة”.
وبعد عامين، تفجرت تلك التوترات.

بداية القتل
في حوالي الساعة السابعة من صباح يوم 24 أبريل نيسان، كان بدر الدين عبد الرحمن يستعد لمغادرة منزله عندما سمع دوي طلقات نارية. وعبد الرحمن موظف في منظمة إنسانية دولية في الجنينة وكان يعيش على بعد 400 متر من مقر قوات الدعم السريع. وقال هو وسكان آخرون إن مناوشات اندلعت بين قوات الدعم السريع ووحدة من الجيش السوداني تتمركز في شمال الجنينة.
وروى عبد الرحمن وعشرات الشهود الآخرين، وجميعهم فروا لاحقا إلى تشاد، ما حدث بعد ذلك.
قالوا إن جنود الجيش السوداني انسحبوا بسرعة إلى قاعدتهم في أقصى الطرف الشمالي الشرقي من الجنينة. ومع انسحابهم، وجهت قوات الدعم السريع والميليشيات العربية نيران أسلحتها إلى سكان المناطق التي تقطنها أغلبية من المساليت في جنوب المدينة. ووصل بعض رجال الميليشيات العربية، كانت وجوههم محجوبة، على ظهور الخيل أو على دراجات نارية أو على متن سيارات لاند كروزر مغطاة بالطين.
وثار قلق سكان المساليت من تكرار الأعمال العدائية التي استهدفتهم في الماضي. وذكر ستة أشخاص كانوا حاضرين أنه في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، هرع المئات من السكان المساليت إلى مستودعات الأسلحة الخاصة بالشرطة. وفتح رجال الشرطة، وبعضهم من المساليت، الأبواب وسمحوا للحشد بالاستيلاء على الآلاف من بنادق الكلاشنيكوف. وقال خمسة شهود لرويترز إن كبار السن من الرجال ونساء ومراهقين، غير مدربين على استخدام الأسلحة، شوهدوا في الشوارع مسلحين بالبنادق.
وقال ناشط “دخلت مدينه الجنينة في حالة من التجييش والعسكرة الإجبارية لمواجهة بطش المليشيات التي تحاصر المدينة”.
وفي تلك الليلة، تم دفن أولى الجثث في مقبرة الغابة، وتجاوز العدد 50 جثة. وكانت الرغبة عارمة في تكريم جثث الضحايا وفقا للشريعة الإسلامية والعادات المحلية التي تقضي بالدفن بسرعة وباحترام.
وقال حب الدين حسن، وهو ناشط من الجنينة قال إنه دفن العديد من الضحايا في المقبرة، “من العار الشديد والهزيمة النفسية أن يرغم الناس على عدم دفن مواتاهم”
وأضاف “دفن الجثمان هو التعبير الأبلغ عن التبجيل والاحترام للمتوفى”.
ولكن مع وجود القناصين المتربصين والعدد الكبير من القتلى، لم يجد الناجون في معظم الأحيان الوقت للقيام بالأمر بشكل صحيح.
وقال آدم وهو جراح وضع جثمان والده في مقبرة جماعية “كنا نلف الجثامين في الناموسيات أو في البطاطين”.
وأضاف “ما كان في فواصل بين الجثث أو وقت أو مساحة”.
ولم يتسن دفن جميع من قتلوا في 24 أبريل نيسان. وقالت فاطمة إدريس، وهي أم لأحد عشر طفلا وتبلغ من العمر 45 عاما، إن رجال الميليشيات اقتحموا منزلها في منطقة الجبل صارخين “أين الرجال؟”.
وقالت إنه بمجرد دخولهم، أطلقوا النار على زوجها وشقيقها وأحد الجيران وأحد الأقارب. وأضافت أن المهاجمين أشاروا إليهم بلفظ “الأنباي”، أي العبيد.
وقالت إنهم أرادوا حرق الجثث. وأمسكت أيدي رجال الميليشيات وناشدتهم عدم فعل بذلك. ونجحت في جر جثة زوجها إلى غرفة نومهما وغطتها.
وقالت إنها كانت عازمة على دفنه، لكن القتال الذي اندلع في الأسابيع التالية جعل الأمر غاية في الخطورة. وفي منتصف يونيو حزيران، هربت إلى تشاد مع أطفالها تاركة جثته في الغرفة وتعهدت بالعودة.

يتيمة ومغتصبة
كما حدث في أعمال العنف عام 2003، أصبح الاغتصاب مجددا سلاحا من أسلحة الحرب في المنطقة. وأجرت رويترز مقابلات مع 11 امرأة وفتاة من المساليت قلن إنهن تعرضن للاغتصاب من مقاتلي قوات الدعم السريع والجنجويد. وقال ثلاثة أشخاص آخرين إنهم شهدوا اغتصاب نساء.
وقال تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش نُشر في 17 أغسطس آب إن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها اغتصبت عشرات النساء والفتيات. وذكر التقرير “يبدو أن المهاجمين استهدفوا الناس لأنهم من عرقية المساليت، وفي بعض الحالات، لأنهم كانوا نشطاء معروفين”.
ووصفت فتاة تبلغ من العمر 15 عاما لرويترز كيف شاهدت قتل أبيها وأمها ثم تعرضها للاغتصاب الجماعي. وكانت تتحدث بجمل قصيرة، متجنبة التواصل البصري، وهي جالسة بجانب أختها الكبيرة في مخيم اللاجئين المترامي الأطراف الذي نشأ في أدري، وهي مدينة على الحدود التشادية السودانية.
وقالت الفتاة إنه في الساعات الأولى من صباح 27 أبريل نيسان، تعرض مخيم النازحين في الجنينة حيث كانت تعيش مع أسرتها للقصف. ثم وصل مقاتلو قوات الدعم السريع والجنجويد سيرا على الأقدام. وجروا والدها إلى الشارع وأطلقوا النار عليه في صدره.
وقالت “والدتي كانت تتوسل لهم يتوقفوا… ضربوها في رقبتها… طشوا (حرقوا) البيت بعد ما كبوا بترول”.
وأضافت الفتاة أنها ركضت مذعورة ومعها حوالي 15 شخصا إلى مبنى على الجانب الآخر من الشارع واحتموا به، ليقعوا في أيدي مقاتلي قوات الدعم السريع الذين يحتلون المبنى.
لاحظت خمسة مقاتلين من المجموعة التي قتلت والديها. حبسوها هي وصديقتها في غرفة. وقالت إن الرجال كانوا يرتدون الزي العسكري والقبعات الحمراء الخاصة بقوات الدعم السريع. ولمدة خمس ساعات، تناوبوا على اغتصابها هي وصديقتها.
وسمعت صديقتها تصرخ “اقتلني”. ثم كان هناك طلق ناري.
وقالت الفتاة “لقد دقوها (أطلقوا عليها الرصاص) لأنها كانت ترد. أنا فضلت ساكتة”.
غادر الرجال بعد الاعتداء. قالت “ما قدرت أتحرك”. وبعد ساعات، مر رجل من الحي بعربة وساعدها على الصعود. واصطحبها إلى أطراف المدينة، وفي النهاية شقت طريقها إلى تشاد.
لم تعرف الفتاة إلا الحياة في مخيم النازحين. ومثل كثيرين ممن فروا إلى أدري، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُجبر فيها على ترك منزلها. لقد ولدت في مخيم للنازحين داخليا في كريندق، شرقي الجنينة، بعد أن تعرضت الأسرة لهجوم من قبل الجنجويد في عام 2003 وأجبرت على ترك أرضها، حيث كانت تربي الأبقار والماشية الأخرى. وقالت إن مخيم كريندق تعرض في عام 2019 لهجوم من قوات الدعم السريع والميليشيات العربية وتم إحراق كوخ عائلتها. وبحثت الأسرة عن مأوى في مخيم آخر للنازحين في الجنينة.
وجلست الشقيقة الكبرى للفتاة، وتدعى خديجة (20 عاما)، بجانبها وهي تتحدث، مؤكدة عناصر روايتها. وقالت خديجة إنه عندما وصلت الفتاة إلى أدري، كانت تتألم ولا تزال تنزف من جراء اغتصابها، فأخذتها إلى مستشفى ميداني. لكن خديجة ذكرت أن الأطباء قالوا إنهم لن يتمكنوا إلا من علاج العدد الكبير من الذين وصلوا إلى أدري مصابين بطلقات نارية. وأعطوا الفتاة مسكنات للألم وأبعدوها.

شقيق السلطان
قائد قوات الدعم السريع حميدتي هو تاجر جمال سابق. وتقع قاعدة سلطته في منطقة دارفور، حيث شارك في الصراع الذي اندلع في عام 2003. وانضم إلى الحملة الحكومية في ذلك الوقت لقمع التمرد في دارفور بينما كان في صفوف الجنجويد.
وتحت قيادة حميدتي، تحولت المليشيا في نهاية المطاف إلى قوات الدعم السريع شبه العسكرية، والتي تم الاعتراف بها بموجب القانون قوة أمنية مستقلة في عام 2017. وكان يقدر عدد القوة بنحو 100 ألف قبل بدء الحرب.
والدور الذي لعبه حميدتي في المساعدة في سحق تمرد عام 2003 أكسبه نفوذا وأصبح في نهاية المطاف بمثابة نقطة انطلاق لطموحاته السياسية. وفي عام 2019، بعدما ساعد في الإطاحة بالبشير الذي كان بمثابة الراعي السابق له، أصبح نائبا لرئيس مجلس السيادة. وجعله ذلك ثاني أقوى شخصية في السودان، بعد حليفه آنذاك، قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. وبعد التنافس على الهيمنة، أصبح حميدتي والبرهان الآن في حالة حرب.
وفي يونيو حزيران من العام الماضي، زار حميدتي الجنينة. وأطلق حمامة بيضاء، كرمز للسلام، في فعالية أعلن خلالها أنه موجود في المدينة للمساعدة في التوسط بين القبائل المختلفة. وأصدر نشطاء المساليت بيانات في ذلك الوقت اتهموا فيها حميدتي بمحاولة إخفاء الفظائع التي ارتكبتها قواته وشراء ولاء زعماء القبائل العربية والميليشيات بالمال والسيارات.
ولم يرد حميدتي على الأسئلة التي أرسلتها رويترز إلى قوات الدعم السريع.
وفي 20 يونيو حزيران من العام الجاري، بعد عدة أيام من انتهاء أعمال العنف، اتهم حميدتي الجيش السوداني بتأجيج الصراع من خلال تسليح القبائل. وفي تعليقات نشرت على صفحة لقوات الدعم السريع على مواقع التواصل الاجتماعي، قال إن عنده دليل على أن الجيش لديه “خطة خبيثة لإشعال الحرب القبلية في دارفور، والجنينة كانت هي البداية”. ولم يقدم حميدتي أي دليل.
وذكر أنه أمر قواته بالبقاء بعيدا عن الصراع في الجنينة. وقال “نترحم على أرواح المواطنين الأبرياء الذين سقطوا جراء الاقتتال القبلي”.
وقال أكثر من 20 شخصا أجرت رويترز مقابلات معهم، بينهم زعماء قبليون من المساليت ومقاتلون ومحامون فروا من الجنينة، إنهم رأوا قادة قوات الدعم السريع وزعماء القبائل العربية يشرفون على الهجوم على المدينة. وذكروا أن ذلك شمل إطلاق قذائف الهاون وقذائف آر.بي.جي على معسكرات النازحين داخليا ومقار حكومية في الجنينة.
ووقعت معارك متفرقة طوال شهر مايو أيار، حيث حاول مقاتلو المساليت، المسلحون ببنادق الكلاشنيكوف، إبعاد قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المسلحة بشكل أفضل منهم. ولجأ الآلاف الذين فروا من مخيمات النازحين التي تعرضت للهجوم إلى حي المدارس بالجنينة، بالقرب من مكتب والي ولاية غرب دارفور، وهو نفسه من المساليت.
وقال ستة من مقاتلي المساليت لرويترز إن نحو ألفي رجل مسلح من المساليت انتشروا في المنطقة وأقاموا حواجز من أكياس الرمل لحماية الذين يحتمون هناك. وكان من بينهم أعضاء في التحالف السوداني، وهو مظلة تضم فصائل مسلحة قاتلت في حروب دارفور الماضية. وذكر الستة أن المقاتلين كانوا تحت قيادة والي غرب دارفور، ولكن تفوقت عليهم قوات الدعم السريع، وفر العديد من المقاتلين لاحقا إلى تشاد.
وبدأت قوات الدعم السريع في إقامة نقاط تفتيش في الشوارع الرئيسية بمدينة الجنينة، ومنعت الناس من المغادرة. وقال نوح الفضيل (30 عاما)، وهو من السكان الذين تمكنوا من الوصول إلى تشاد، “فرضوا حصارا على المدينة، أصبح الخروج والدخول أشبه بالانتحار”.
وأضاف “إذا حاول الرجال الخروج، فسيتم قتلهم بالرصاص”.
وبحلول أوائل يونيو حزيران، كانت القوة النارية المتفوقة لقوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها قد تغلبت على مقاتلي المساليت. ودُمر حي المجلس بالمدينة وأحرقت المنازل. وفر العديد من السكان أو قُتلوا.
وكان أحد الصامدين طارق بحر الدين، الأخ الأكبر لسلطان المساليت. وكان السلطان، الذي تشمل صلاحياته التوسط في النزاعات بين شعبه، قد فر من منزل الأسرة قبل عدة أسابيع بعد أن تعرض لهجوم من ميليشيات. وكان يختبئ مع أصدقائه في المدينة، ثم هرب فيما بعد إلى تشاد.
وفي الثامن من يونيو حزيران، دخل حوالي 50 من قوات الدعم السريع ومليشيا الجنجويد المجمع الأخضر الذي كان يؤوي السلطان وإخوته وعائلاتهم.
وصفت فاطمة، وهي ابنة لبحر الدين، ما حدث في ذلك اليوم.
وتعتقد فاطمة أن رجال المليشيات لم يكونوا يعلمون بهوية العائلة. وقالت في مقابلة في أدري إنهم طلبوا معرفة ما إذا كانت الأسرة من “العرب أو المساليت؟”. وأضافت “قلنا له احنا عرب لو قلنا مساليت ما كانوا خلوا ولا واحد عايش”.
كان بحر الدين يمسك المسبحة المفضلة لديه ويلوح بها للرجال الذين يحتلون منزله. وتذكرت فاطمة قوله “هذا سلاحي ما في غيره – آيات الله”.
وقررت الأسرة مغادرة المنزل والانتقال إلى منطقة أكثر أمانا في شمال الجنينة. لكن بحر الدين لن يذهب. وتناولوا ما ستكون وجبتهم الأخيرة معا. وفي الرابعة صباحا يوم التاسع من يونيو حزيران، غادرت الأسرة. ووعدت زوجة بحر الدين، مريم إسماعيل، بالعودة إليه. لكن القناصة في الشوارع المحيطة جعلوا ذلك مستحيلا، على حد قول فاطمة وأفراد آخرين من الأسرة.
وبعد ثلاثة أيام من مغادرتهم، تلقت العائلة نبأ وفاة بحر الدين. قالت مريم إنه ذهب إلى مسجد على الجانب الآخر من الطريق لتناول الطعام. وعرض عليه رجل دين عربي يعرفه مأوى في المسجد وحاول إقناعه بالبقاء. لكن بحر الدين أخبر رجل الدين أنه إذا كان سيموت، فهو يريد أن يموت في منزله، حسب ما قاله رجل الدين لمريم لاحقا.
وقالت فاطمة إن بحر الدين قُتل بالرصاص لدى خروجه من المسجد. وعلى مدار الأسبوعين التاليين، ظلت جثته ملقاة في الشارع أمام منزله حيث منعت قوات الدعم السريع والمليشيات العربية الأسرة من دفنه. واصطف القناصة على أسطح المنازل استعدادا لإطلاق النار إذا حاولوا استعادة جثمانه.
وقالت فاطمة والدموع تنهمر على وجهها “الأسرة كلها كانت تشوف جثمان أبي من بعيد ولا تقدر تعمل أي شيء”. ولم تسمح قوات الدعم السريع بنقل جثة بحر الدين إلا بعد انتهاء القتال. وقالت الأسرة إنها طلبت المساعدة من الهلال الأحمر في دفنه.
وأخيرا دُفن بحر الدين في مقبرة الغابة. وقالت الأسرة إنه عندما أحضر العاملون بالهلال الأحمر جثته، أجبرتهم قوات الدعم السريع على دفنه في مقبرة جماعية مع آخرين.
وردا على سؤال عن الدور الذي يلعبه الهلال الأحمر، قالت عايدة السيد عبد الله، وهي الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر السوداني، لرويترز إن منظمتها “لا تتحدث عن حالات فردية لاحترام العملية السرية المتعلقة بإدارة (مسألة) جثث القتلى”.

مصيدة الموت
أدت أحداث وقعت في 14 يونيو حزيران إلى مذابح استمرت عدة أيام ووصفها السكان بعبارات مروعة.
في ذلك اليوم، أجرى خميس أبكر والي غرب دارفور مقابلة مع قناة الحدث التلفزيونية المملوكة لسعوديين. واتهم قوات الدعم السريع بارتكاب “إبادة جماعية”، قائلا “هذا شعب يقتل بدم بارد”، داعيا إلى “تدخل حاسم من المجتمع الدولي لحماية من تبقى”.
وكان يتحدث وسط دوي إطلاق النار في الخلفية.
وذكرت رويترز في يونيو حزيران نقلا عن مصدرين حكوميين أن أبكر قُتل في اليوم نفسه على أيدي قوات الدعم السريع. وكان المقاتلون الذين قبضوا عليه وقتلوه تحت قيادة عبد الرحمن جمعة، قائد قوات الدعم السريع بغرب دارفور، وذلك حسبما قالت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الشهر عندما أعلنت فرض عقوبات على جمعة بسبب قتل الوالي. وشوهد أبكر بينما جرى اقتياده إلى مكتب جمعة في لقطات نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبعد ساعات، انتشرت صور جثة أبكر المشوهة على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي لقطات نشرت لاحقا، تسنى سماع هتافات احتفالية في الخلفية بينما تدهس شاحنة جسد الوالي وتلقي نساء الحجارة على الجثة. وقال أحد أقاربه وأربعة من مساعديه لرويترز إن الجثة التي ظهرت في اللقطات هي جثة الوالي.
في رسالة بتاريخ 20 يونيو حزيران على وسائل التواصل الاجتماعي، قال قائد قوات الدعم السريع حميدتي إنه يدين “مقتل” الوالي وتعهد بالتحقيق في الأمر.
وكان مقتل الوالي ضربة لمعنويات آلاف المنتمين للمساليت وغيرهم من السكان غير العرب الذين يحتمون بالقرب من المجمع الحكومي وفي المناطق المحيطة.
وقال عبد الخالق دويدن، وهو مستشار للوالي، إن السكان أصبحوا الآن أمام أحد خيارين. إذ من الممكن أن يتوجهوا إلى قاعدة الجيش السوداني في شمال الجنينة، وهي مقامرة إذ قد تعترضهم قوات الدعم السريع والميليشيات العربية. أو يمكنهم البقاء حيث هم. وكان دويدن معارضا للتوجه إلى القاعدة، قائلا إن الميليشيات العربية “ما عندهم أخلاق”.
لكنهم اختاروا المخاطرة، معتقدين أنهم إذا تمكنوا من الوصول إلى القاعدة قبل شروق الشمس فسيتجنبون المليشيات. وقرابة منتصف ليل 14 يونيو حزيران، بدأ الآلاف في مغادرة المجمع الحكومي وتوجهوا إلى القاعدة، التي تبعد نحو سبعة كيلومترات. واستقلوا السيارات أو امتطوا الحمير أو ساروا على الأقدام. ودفع البعض عربات محملة بالجرحى. وأدى الحجم الهائل للمجموعة إلى إبطاء تقدمها.
ومع انبلاج الفجر، لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى القاعدة وارتفع صوت الأذان عبر مكبرات الصوت في المساجد، واستيقظت قوات الدعم السريع ورجال الميليشيات العربية. وانقض مئات من المقاتلين العرب المسلحين بالرشاشات وبنادق القنص والسكاكين على الحشد، وفقا لدويدن وعشرات الأشخاص الآخرين الذين كانوا موجودين هناك. وقال ما لا يقل عن 30 شخصا في الحشد لرويترز إن مذبحة أعقبت ذلك.
تم حصد الناس بنيران الرشاشات. وسُحق البعض عندما صدم مقاتلو الميليشيات الحشد بمركباتهم. وتعرض آخرون لطعنات رجال الميليشيات المسلحين بالسكاكين. وقال ثلاثة مقاتلين من المساليت كانوا يحملون أسلحة لرويترز إنهم ردوا بإطلاق النار.
وأصبحت وئام عز الدين، وهي أخصائية اجتماعية تبلغ من العمر 30 عاما تقول إنها عملت سابقا في جمعية خيرية غربية في الجنينة، محاصرة وسط الحشد في ذلك اليوم. وتقول إنها أمسكت بوالدتها بيد وشقيقتها باليد الأخرى أثناء محاولتهن الهروب من وابل الرصاص. كانت هناك مذابح في كل مكان. وشاهدوا فتاة صغيرة تبكي طلبا للمساعدة بعد إطلاق الرصاص على أمها. وسقطت امرأة أخرى، كان طفلها الرضيع مربوطا إلى ظهرها، بعد أن أصيبت بالرصاص. وترك والدان طفلة صغيرة مصابة بينما كانا يحاولان يائسين حمل باقي أطفالهما المصابين.
وقالت وئام “ما قادرة أوصف ليكي اللي شفته، كيف أمشي على الجثث وأنا أجري”.
وفي خضم الفوضى، كان على وئام أن تختار من تساعده. أمسكت بوالدتها التي أصيبت بالرصاص، وكذلك بالرضيع الذي كان لا يزال مربوطا إلى ظهر أمه المقتولة، وأخذتهما إلى منزل قريب. وقالت إنها شاهدت من زاوية المنزل رجال مليشيات عربية يقتحمونه. وأجبروا الشباب الذين كانوا يختبئون في الداخل على الوقوف في صف وأطلقوا النار عليهم وأردوهم قتلى.
وأضافت أن المقاتلين العرب قالوا للشباب “أنتم مساليت قتلتم أهالينا أنتم ملاعين”، ثم أعدموهم.
وحاول البعض الهرب بالتوجه إلى وادي كجا الذي يمر عبر الجنينة، لكنه كان ممتلئا بمياه الأمطار. وقال عشرات كانوا هناك إن كبار السن والأطفال الصغار غرقوا بعد خوضهم في المياه. وقُتل آخرون عندما هاجمهم رجال الميليشيات بنيران البنادق.
وقالت عرفه عبد الشافي، وهي شابة علقت وسط أعمال العنف مع أسرتها “الدم غير لون الماء. الماء تلوث ولونه أصبح أحمر” وقالت إن ابنة أختها غرقت في ذلك اليوم.
وفر الكثيرون من المنطقة ولجأوا إلى مناطق أخرى من المدينة. لكن قوات الدعم السريع والمليشيات العربية واصلت مطاردتهم، وفقا لما ذكره ما لا يقل عن 12 ناجيا.
وقال أسعد أرباب، الناشط الذي يحتفظ بسجلات بالذين قتلوا في مخيمات النازحين داخليا، إنه وجد مأوى مع 200 شخص في مسجد المدينة المنورة بوسط الجنينة. وأضاف أن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية اقتحمت باحة المسجد وقتلت أكثر من 30 شخصا. وأضاف أن معظم الناجين تمكنوا من الفرار عبر مخرج آخر.
ومع استمرار الهجمات في 15 يونيو حزيران، قرر الكثيرون أن فرصتهم الوحيدة هي قطع الرحلة التي تمتد 30 كيلومترا إلى تشاد. وتحركوا غربا خارج الجنينة، معظمهم سيرا على الأقدام، وبدأوا مسيرة لمدة ثماني ساعات إلى الحدود.
وتبين أنه طريق مميت للكثيرين. وقال أشخاص تم إيقافهم فيه إن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية أقامت نقاط تفتيش على الطرق. وتم فصل الرجال عن النساء وإطلاق النار عليهم. وقال ثمانية أشخاص نجوا من الرحلة لرويترز إن الجثث تناثرت على الطرق المؤدية إلى تشاد.
وذكر عشرات الشهود أنه عند نقاط التفتيش، أخذ رجال الميليشيات شابات واغتصبوهن. وقال البعض إنهم شهدوا عمليات الاغتصاب بأنفسهم. وقال آخرون إنهم رأوا نساء يأخذهن مقاتلو الدعم السريع والجنجويد إلى الأدغال. ورجعن والدموع على وجوههن.
وقال قمر خاطر، أحد وجهاء الجنينة البارزين، إن 17 من أفراد أسرته قتلوا، معظمهم بعد وفاة الوالي. واحتفظ خاطر بملاحظات لما شهده هو وآخرون خلال أسابيع العنف.
وكتب في إحدى الملاحظات “شاهدت مواقع تواجد الجثث على طول الطريق”. ثم أدرج أسماء خمسة مواقع رأى فيها الجثث أثناء رحلته إلى تشاد.
وحمل أحد أقسام ملاحظاته عنوان “طرق قتل القبائل الأفريقية”. وشملت القائمة قذائف الهاون والقناصين والسواطير و”الضرب بعصي غليظة حتى الموت” و”الذبح بالسكاكين”.
وفي تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، قال المدعي العام خان إنه أعطى “تعليمات واضحة” لمكتبه “لإعطاء الأولوية للجرائم ضد الأطفال وجرائم العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي”.
وقالت المحكمة ردا على أسئلة إنها لا تستطيع تقديم تفاصيل بشأن تحقيقها بسبب “السرية” التي تعتبر ضرورية “لحماية نزاهة” تحقيقاتها و”ضمان سلامة وأمن الضحايا”.
ولم يوضح متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ما إذا كانت بلاده تبحث فرض المزيد من العقوبات على قادة قوات الدعم السريع. لكنه قال ردا على أسئلة “لن نتردد في استخدام هذه الأدوات للرد على الفظائع وغيرها من الانتهاكات التي يرتكبها أي من الأطراف المتحاربة”.
وفي المؤتمر الصحافي الذي عقدوه في 21 أغسطس آب، نفى زعماء القبائل العربية ارتكاب فظائع. وكانوا جالسين إلى طاولة أمام دبابة. وخلال المؤتمر، أشعلوا النار في علم المساليت.
وقالوا إن المساليت هم “المعتدون”. وأضافوا أن والي الجنينة وأنصاره هم من بدأوا الهجمات، في حين نهب المساليت مراكز الشرطة، واستولوا على آلاف البنادق، واضطر العرب للدفاع عن أنفسهم.
وقال مسار أصيل، زعيم قبيلة الرزيقات “العرب ما رايدين حروب”. وأضاف “لكن والله لو رايدين حرب احنا مستعدين”.

تطهير المدينة
قال عشرات السكان إن الاتصالات انقطعت في الجنينة خلال معظم فترات العنف، مما جعل من الصعب اطلاع العالم الخارجي على أدلة وقوع الهجمات. واتخذت قوات الدعم السريع والميليشيات العربية إجراءات أثناء أعمال العنف وبعدها للتغطية على أعمالها.
وذكر كل الأشخاص الذين قابلتهم رويترز تقريبا، وهم أكثر من مئة، أن رجال الميليشيات استولوا على هواتفهم المحمولة في هجومهم على منازلهم أو عند نقاط التفتيش على طول الطريق إلى تشاد.
وقال أكثر من 50 شخصا إن قوات الدعم السريع والمليشيات العربية تطاردان الشخصيات البارزة من المساليت، مثل النشطاء والمحامين والأطباء.
وانتهى القتال في منتصف يونيو حزيران وسيطرت قوات الدعم السريع والميليشيات العربية على الجنينة بشكل كامل وبدأوا جهود تطهير المدينة.
وقال متطوع في الهلال الأحمر إن الجثث المتحللة ملقاة في الشوارع وسط المتعلقات الشخصية للحشود الهاربة ومن بينها بطانيات وأحذية وملابس وأكياس طحين (دقيق) وأدوات مطبخ ووثائق إثبات الهوية.
وأضاف المتطوع، وهو مدرس ساعد في جمع الجثث بعد القتال “لم أستطع تحمل رائحة البشر المتحللين أمام منزلي.. أقل شيء يمكن أن نفعله هو دفنهم”.
وقال ثلاثة أشخاص تطوعوا لمساعدة الهلال الأحمر في دفن الجثث بعد القتال إن رجال الميليشيات منعوهم من التقاط الصور أو الاحتفاظ بأي سجل للقتيل.
وذكروا أن قوات الدعم السريع والمليشيات العربية طلبت منهم أيضا عدم مساعدة الجرحى، وأضافوا أنهم شاهدوا قوات الدعم السريع ومقاتلين عربا يطلقون النار على الجرحى.
وقالت عايدة السيد عبد الله، وهي الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر السوداني لرويترز إن موظفي ومتطوعي الهلال الأحمر بذلوا منذ بدء الصراع “كل ما في وسعهم لمساعدة الآخرين في بيئة أمنية شديدة التقلب”.
وأضافت أن خمسة من متطوعي الهلال الأحمر قُتلوا في أول شهر من الصراع في الجنينة وأن فرع المنظمة في المدينة تعرض للنهب والحرق.
وذكرت أن الوضع لا يزال “مليئا بالمخاطر بالنسبة للموظفين والمتطوعين”.
وحاول البعض إسعاف المصابين. وقالت امرأة، وهي تبحث عن أشقائها الثلاثة المفقودين، إنها أخفت رجلا مصابا في موقد خبز داخل منزل في محاولة لإنقاذه. وتركت لافتة حتى تتمكن مجموعة من النشطاء تساعد الجرحى من معرفة أنه في المنزل. وأوضحت أنها لا تعرف ماذا حدث للرجل.
وقال ستة أشخاص لرويترز إنه بناء على تعليمات قوات الدعم السريع وزعماء القبائل العربية، تم تحميل الجثث على الشاحنات ونقلها إلى منطقة في ضواحي الجنينة تسمى التراب الأحمر ودفنها في حفر. واتهمت الأمم المتحدة في 13 يوليو تموز قوات الدعم السريع بأنها أمرت بدفن “ما لا يقل عن 87 من المساليت وآخرين” في مقابر جماعية بالتراب الأحمر.
وذكر فرح يحي، وهو تاجر من الجنينة، أنه شاهد أيضا جثثا ملقاة على مشارف المدينة.
وأضاف يحيى أن مقاتلي قوات الدعم السريع والمليشيات العربية الملثمين ألقوا القبض عليه مع عشرة رجال آخرين في 15 يونيو حزيران واحتجزوهم في غرفة بمرفق مياه يستخدم كمركز للاعتقال لمدة ثلاثة أيام بدون طعام أو مياه.
وقال “أحضرونا وحبسونا في غرفة وكنا في معاناة شديدة من العطش والجوع، ًوالناس اضطرت شرب بولها، والحمد لله أنا تحكمت في أعصابي ولم أشرب… الناس يبكون ويصرخون… كل هذا لأنهم يريدون الماء والأكل… الناس كانوا يقولون نريد ماء، وهم يردون بعبارة تشربون السم”.
وأردف قائلا “هذا غير ممكن يا جماعة، الإنسان أعطوه ماء يشرب يا جماعة، المشكلة أن هؤلاء مأسورين، كونوا وجدت لديهم سلاح أو شيء مثل هذا يمكن أن تعذبه، لكن أنت تجد شخصا بريئا يمشي في الشارع تقبض عليه وتقوم بتعذيبه بدون أي سبب، ذهبنا وهدمنا منازل ناس دون أن يكون لهم ذنب، تقريبا 6 بيوت كلها هدمناها وتركناها عبارة عن ساحة فقط”.
واصطف خاطفوهم في اليوم الثالث وسألوهم عن انتمائهم القبلي ووعدهم بعدم إيذائهم. ويتذكر يحيى أنهم قالوا “بسم الله، لا تخشى شيئا… ما هي قبيلتك؟”.
وقال إن من أجابوا “المساليت” أعدموا.
وذكر يحيى أنه كذب فنجا. وقال لخاطفيه إنه ينتمي لقبيلة أخرى غير عربية.
ثم أحضره مقاتلو قوات الدعم السريع بينما كانوا يتخلصون من جثث المعدومين. وأضاف يحيى أنهم وضعوا الجثث في شاحنات ونقلوها إلى مشارف المدينة وألقوا بها في حفر.
وقال اثنان آخران ممن كانوا في مركز الاعتقال لرويترز إنهما شاهدا أيضا جثثا تُحمل على شاحنات وتنقل خارج المنشأة.
وذكر الرجال الثلاثة أن المعتقلين تعرضوا للتعذيب. وقال واحد منهم اسمه صلاح موسى إنه رُبط في شجرة مانجو وعلق من ذراعيه لمدة يومين حتى أنه يجد صعوبة الآن في رفع ذراعيه أو الإمساك بالأشياء.
وقال موسى “في دونكي، 13 ذهبوا بنا وقاموا بتقييدنا وعلقونا على شجرة ويعذبوننا ويسألوننا… أنت ماهي قبيلتك؟ أنا قلت لهم قبيلتي مسلاتي وعذبوني ليومين ونصف… وسألوني من بعض قادة الحركات”.
ولا تزال الكدمات واضحة حول كاحليه ومعصميه حيث كان مقيدا.
وقال “وجدنا أمامنا أشخاص مقيدين ومعلقين ثم تم فك وثاقهم وأخذوهم نحو اتجاه الشرق، وبعد أخذهم نحن بقينا يومين ونصف ثم أصبحت أنزف دم من أنفي وفمي، ثم قاموا بإنزالنا وقالوا لنا هيا معنا لنقتلكم… نحن لم نكن قادرين على المشي… تم جرنا حتى وجدنا وادي… وجدنا الخور ووجدنا جثث نفس الناس الذين كانوا معلقين”.
وأضاف “أثناء ما كنت مقيد… لم أكن عايش وطلبنا منهم أن يقتلوننا.. بدلا عن تعذيبنا قلنا لهم أطلقوا علينا النار، لكنهم رفضوا إطلاق النار علينا… الحمد لله ربنا كتب لنا عمر جديد والحمد لله على كل حال والآن وصلنا دولة تشاد وموجودين”.
وذكر يحيى أنه دفع رشوة بعد عدة أيام ليتمكن من الخروج من المركز. وسمح له خاطفوه بالخروج بعدما دفع لهم أقاربه وجيرانه ما يعادل 800 دولار.
وقل “شاهدنا الجثث، لا يقومون برصها، أي جثة يتم جرها ورميها في الحوض، يقومون برميها، وجدوا شخصا حيا يتنفس مع الموتى سألوه ما الذي أتى بك إلى هنا، قال لهم أنا خائف لذلك جلست مع الموتى، فقاموا بضربه برصاص حي وقتلوه في نفس المكان”.
وفي أواخر يونيو حزيران، بعد 58 يوما من تركها جثة زوجها، الذي ذبح في غرفة نومهما، تركت فاطمة إدريس خيمتها في مخيم أدري للاجئين وسارت مسافة 30 كيلومترا للعودة إلى مسقط رأسها.
سافرت فاطمة مع مجموعة من النساء أردن أيضا دفن موتاهن. وأكد اثنتان منهن روايتها.
وعثرت فاطمة على عربة يدوية وضعت داخلها أشلاء زوجها وسارت بها إلى مقابر الغابة.
ومع انتهاء القتال، شرعت في دفنه في وضح النهار. وساعدها أناس آخرون في المقابر على دفن جثته في أحد المدافن الجماعية ثم عادت إلى مخيم أدري.
(رويترز)

ما احتمال أن يتكرر سيناريو درنة في سد النهضة الإثيوبي؟

أثارت كارثة فيضانات ليببا وانهيار السدين في درنة مخاوف في مصر والسودان من مدى سلامة سد النهضة الإثيوبي ومخاطر انهياره ووقوع “الكارثة الكبرى”. واعتبر عدد من المراقبين أن مثل هذا السيناريو يظل ماثلا ويجب أن يؤخذ على محمل الجد، فيما حذر آخرون من كارثة تشابه تسونامي اليابان عام 2011. في المقابل، اعتبرت مصادر إثيوبية بأن السد آمن وأن هناك “محاولات لشيطنة مشروع سد النهضة وإثيوبيا”.

سد النهضة الإثيوبي في جوبا، إثيوبيا في 20 فبراير/شباط 2022. © أ ف ب.

حذّر الجيولوجي وخبير المياه المصري عباس شراقي من خطر تكرار سيناريو درنة في سد النهضة، حيث ربط في منشور له على صفحته في فيس بوك، بين انهيار السدين في ليبيا وما نجم عنه من فيضانات كارثية أوقعت آلاف القتلى ودمارا هائلا في البنى التحتية، وبين مخاطر أن تتكرر المأساة في المشروع الإثيوبي المائي العملاق المثير للجدل أصلا بين مصر والسودان وإثيوبيا.

وحلل شراقي ما حدث في ليبيا من تراكم لعدة عوامل بشرية وأيضا طبيعية ساهمت في وقوع الكارثة. وأوضح بأن “سد النهضة أكبر من السدين (الليبيين) معا بحوالي 3000 مرة، ومنطقة سد النهضة تزيد عن درنة في خطورة الفيضانات السنوية والانحدارات الشديدة والنشاط الزلزالي الأكبر في القارة الأفريقية”.

وجاءت هذه التصريحات بعد مأساة ليبيا لكن أيضا بعد إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الأحد عن اكتمال عملية تعبئة سد النهضة الضخم على النيل الأزرق، والذي يُقدّم على أنه الأكبر في أفريقيا، ما يهدد بإحياء التوترات الإقليمية مع مصر والسودان الواقعتين عند مجرى النهر. وفورا، نددت مصر بإعلان إثيوبيا أنها أتمت ملء السد مؤكدة أن هذا الإجراء يشكل “مخالفة قانونية”.

انهيار يشابه تسونامي اليابان عام 2011

يعد السد حيويا بالنسبة لأديس أبابا وقد بلغت تكلفته أكثر من 3,7 مليارات دولار، وهو في قلب صراع إقليمي منذ أن بدأت إثيوبيا العمل فيه في 2011. وأثار عباس شراقي دراسة علمية سابقة له كانت قد نشرت في مايو/أيار 2011 عن هذا المشروع، حيث كشف عن بعض ما ورد فيها خصوصا المخاطر على المنطقة. ولعل من أبرز ما ورد فيها أن من أضرار سد النهضة: “زيادة فرص تعرض السد للانهيار نتيجة العوامل الجيولوجية وسرعة اندفاع مياه النيل الأزرق والتي تصل في بعض الأيام (سبتمبر) إلى ما يزيد عن نصف مليار متر مكعب يوميا ومن ارتفاع يزيد على 2000 متر نحو مستوى 600 متر عند السد، وإذا حدث ذلك فإن الضرر الأكبر سوف يلحق بالقرى والمدن السودانية خاصة الخرطوم التي قد تجرفها المياه بطريقة تشبه التسونامي الياباني عام 2011”.

وأضافت الورقة البحثية التي أشرف عليها شراقي: “هناك فرص أكبر لحدوث زلزال بمنطقة الخزان (سد النهضة) نظرا لوزن المياه التي تم استقدامها إلى هذه المنطقة والتي هي عبارة عن بيئة صخرية متشققة”.

ينبغي خفض سعة سد النهضة إلى مستوى آمن

وعن هذا الموضوع، أوضح د. عباس شراقي في تصريح لفرانس24 بأن “سد النهضة معرض للانهيار لأسباب جيولوجية بشكل رئيسي. حيث أن زيادة سعة الاستيعاب جاء لعوامل سياسة وتم دون وجود دراسات علمية دقيقة، رغم أن إثيوبيا هي من منطقة زلزالية نشطة وتقع في المنطقة الأخدود الأفريقي وهي أيضا منطقة بركانية، وهي مكونة إذن من صخور بازلتية نارية بركانية تتحلل بمياه الأمطار، والتي تتساقط بكميات غزيرة خلال فصل الصيف خصوصا شهري أغسطس/آب وحتى سبتمبر/أيلول. إضافة إلى ذلك وجود انحدارات كبيرة حيث إن السد على علو حوالي 500 متر عن سطح البحر، فيما أن البحيرات أعلى ما يوجد انحدارات شديدة تكون عالية الخطورة في حال وقوع فيضانات”.

وضرب شراقي مثلا عن تجربة إثيوبيا السابقة مع تشييد السدود، مثل ما حدث في عام “2007 لسد تاكيزي الذي شهد انهيارا جزئيا أودى بحياة 47 من عمال الشركة الصينية التي كانت تعمل عليه نتيجة فيضان المياه من أعلى السد. كما هناك تجربة نهر أومو الذي يصب في بحيرة تركانا وقد سعت إثيوبيا لإقامة مشاريع عليه مثل مشروع نفق جيبا 2 الذي انهار نتيجة فيضان محمل بالطمي وقد تم افتتاحه في 10 يناير/كانون الثاني لكنه انهار لاحقا”.

كذلك، قال الجيولوجي المصري إن “عوامل الانهيار المحيطة بسد النهضة الإثيوبي هي غير موجودة في منطقة السد العالي بمصر، والتي هي غرانيتية ولا تتواجد فيها فوالق كبيرة أو جبال أو انحدارات شديدة، كما أنها تفتقر إلى التساقطات المطرية ولا تشهد حدوث فيضانات. كما أنها منطقة مستقرة من ناحية الزلازل”.

وبالنسبة إلى السعة الآمنة من المياه التي ينبغي أن يكتفى بها لجعل سد النهضة آمنا، قال شراقي: “المطلوب خفض السعة التخزينية لسد النهضة إلى سعة أقل من 40 كليار متر مكعب حتى يكون آمنا بشكل أفضل”.

سيناريو انهيار سد النهضة يظل ماثلا وعلى السودان الاستعداد

من جانبه، قال محمد خليفة صديق أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان: “مع التأكيد أن الحالة الليبية في درنة تختلف عن حالة سد النهضة جيولوجيا ومناخيا، لكن سيناريو انهيار سد النهضة يظل ماثلا. خاصة وأن هناك سدود انهارت من قبل في إثيوبيا مثل مشروع سد جيبا 2 الذي انهار ثلاث مرات، وكان اَخر انهيار بعد افتتاحه بـ10 أيام فقط. قد يكون الإشكال في سد النهضة نفسه والسد الركامي لأن مسألة أمان السد لا تجد اهتمام إثيوبيا رغم النص عليها في اتفاق إعلان المبادئ في الخرطوم في مارس/آذار 2015 البند الثامن: مبدأ أمان السد، لأن السد حال انهياره لن تتضرر منه إثيوبيا لأنه يقع قريبا من الحدود السودانية، ومنطقة السد أصلا كانت أراض سودانية حتى 1906”.

يضيف خليف: “لكن حتى ولو تمت مسألة الأمان بأفضل المواصفات، فلا توجد أي ضمانات بعدم وجود كوارث طبيعية، مثل الزلازل خاصة وأن السد يقع بمنطقة الأخدود الأفريقي العظيم، بجانب الفيضانات الشديدة والأعاصير المدمرة في ظل التغير المناخي الذي يجتاح العالم. في ظل التعنت الإثيوبي واستمرار المفاوضات اللولبية بين الأطراف بلا طائل منذ أكثر من عشر سنوات، لا بد أن يتعامل السودان مع تهديدات سد النهضة بجدية ويبحث طرق علمية ومعالجات غير تقليدية للتعامل مع تهديد انهيار سد النهضة، مثل حفر ترعتين شمال سد النهضة داخل إثيوبيا واحدة في اتجاه شمال شرق وواحدة في اتجاه الغرب لاستيعاب أي مياه تنجم عن انهيار السد أو حفر ترعتي كنانة والرهد داخل الأراضي السودانية. توجد أفكار أخرى طرحها متخصصون يجد أن تؤخذ على محمل الجد.  برغم أن احتمال الانهيار قد يكون ضعيفا بحسب الخبير المصري أسامة الباز الذي يرى أن الشركات العالمية والجهات المساهمة في بناء السد والتي أنفقت الملايين، ما كانت لتفعل ذلك إلا وهي على يقين من أن أموالها في محلها، وأن دراسات السد سليمة”.

“محاولات لشيطنة مشروع سد النهضة وإثيوبيا”

في المقابل، قال ياسين أحمد بعقاي رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية: “بالنسبة إلى سد النهضة وتصريحات د. عباس شراقي، فليس هناك أوجه التشابه بين انهيار السدين في مدينة درنة الليبية والتنبؤ بانهيار سد النهضة في إثيوبيا، أولا بالنظر إلى الأسباب التي أدت إلى انهيار السدين في ليبيا، حيث إن الكارثة وقعت بسبب إعصار دانيال وكثير من الخبراء الليبيين منهم رمضان حمزة والمتحدث باسم جهاز الإسعاف الليبي أسامة علي، يؤكدون على أن عدم صيانة السدين في درنة كان له تأثير واضح في حدوث الفيضانات، فالأسباب الرئيسية لكارثة درنة تتعلق بأن السدود في مناطق النزاعات أو الحرب قد يتم إهمال صيانتها بشكل دوري، وهو حال ليبيا منذ 2011 وحتى الآن. أما فيما يتعلق بسد النهضة فهناك دراسات أجريت على أمان وموقع السد وهو آمن بالنسبة إلى الزلازل وبني على أساس دراسات ومعدل أمان في مستوى عال. أشرفت عليه شركة إيطالية وي بيلد Webuild المعروفة بمسمى ساليني Salini والتي بنت العشرات من السدود في العالم. وكذلك كان هناك لجنة من الخبراء متكونة الدول الثلاث من إثيوبيا ومصر والسودان، إضافة إلى لجان أخرى دولية من فرنسا وهولندا، هذه اللجان الفنية المكونة من الخبراء قدمت دراسات حول سلامة وأمان السد”.

وتابع ياسين أحمد بعقاي: “هنا أستشهد بعالمين في الجيولوجيا، المصري فاروق الباز الذي أكد مرارا وتكرارا أن منطقة بناء السد آمنة من الزلازل ومبنية على أسس علمية، والعالم السوداني سلمان محمد أحمد سلمان الذي أكد أيضا وقال إن سد النهضة مبني على أسس علمية وليس في منطقة زلزالية وبني على أسس تكنولوجية وتقنية عالية. هناك الآن حملة إعلامية مصرية لتوظيف هذه الكوارث الطبيعية مثل ليبيا والمغرب وسوريا وتركيا في تخويف الشعوب العربية وخلق فزاعة حول انهيار سد النهضة. لكن لماذا يتنبؤون بانهيار سد النهضة وليس السد العالي؟ علما بأن الأخير بني قبل ستين سنة بتكنولوجيا وخبراء فنيين من الاتحاد السوفياتي سابقا وفق معايير وجودة ذلك الوقت. لماذا تهدد الكوارث الطبيعية فقط سد النهضة؟ هناك محاولات لشيطنة مشروع سد النهضة وإثيوبيا”.

أمين زرواطي

ما بعد بريغوجين: هل سيتولى جنرال وضابط المخابرات الروسية زمام أمور فاغنر في أفريقيا؟

في اليوم السابق لوفاة يفغيني بريغوجين، قام الجنرال يونس بك إيفكوروف بزيارة إلى ليبيا. © مكتب خليفة حفتر/ أ ف ب

منذ بضعة أسابيع، تكررت زيارات نائب وزير الدفاع الروسي، يونس بك إيفكوروف، والجنرال في الجيش الروسي، أندريه أفيريانوف، إلى قارة أفريقيا. بات هذان القائدان الروسيان يظهران في الواجهة أكثر فأكثر كمنظمين لشؤون فاغنر في أفريقيا في فترة ما بعد بريغوجين، الرئيس السابق للمنظمة الذي لقي حتفه في نهاية أغسطس/آب.

لقد وصلا إلى العاصمة المالية باماكو يوم السبت 16 سبتمبر/أيلول. كان من المقرر أن يلتقي يونس بك إيفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي، وأندريه أفيريانوف، الجنرال في المخابرات العسكرية الروسية مرهوبة الجانب، بقادة سياسيين من مالي وبوركينا فاسو وحتى من النيجر، وفقا لوسائل الإعلام المحلية ومصادر مختلفة على تطبيق تلغرام.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها هذا الثنائي أفريقيا. في الواقع، يبدو أن الرجلين تقاسما العديد من الزيارات للقارة منذ وفاة يفغيني بريغوجين… بل وحتى قبل ذلك بقليل. كان يونس بك إيفكوروف، الذي يرافقه دائما أندريه أفيريانوف، في ليبيا – إحدى القواعد الأفريقية الرئيسية لمرتزقة فاغنر – في اليوم السابق على تحطم طائرة رئيس المجموعة بريغوجين ومسؤولون آخرون في المجموعة شبه العسكرية، في 23 أغسطس/آب 2023.

إيفكوروف، صانع السلام

هذه الرحلة الجديدة للقاء كبار الشخصيات الأفريقية في مالي ليست مصادفة البتة. فقد كان على الرجلين أن يقابلا ممثلي هذه الدول ويتحدثا معهم حالين محل الراحل يفغيني بريغوجين. وهكذا يلعب القائدان الروسيان بورقة الاستمرارية “من أجل الإشارة إلى محاوريهما أن موسكو لا تزال ملتزمة بدعم الحكومات المحلية” كما يؤكد رايلي مويدر، المتخصص في شؤون أفريقيا في معهد نيو لاينز، وهو مركز أبحاث جيوسياسي أمريكي يبحث في الدور الذي لعبه مرتزقة فاغنر في القارة الأفريقية.

كان نائب وزير الدفاع الروسي قد زار بالفعل مالي وبوركينا فاسو في الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول الجاري لطمأنة السلطات المحلية بأن موسكو “ستفعل كل ما بوسعها لمساعدتها” حسب صحيفة “نيويورك تايمز” في تحقيق حول مستقبل “إمبراطورية فاغنر الأفريقية” نشر في 8 سبتمبر/أيلول.

وهكذا حل كلٌ من يونس بك إيفكوروف وأندريه أفيريانوف كخلفاء لرئيس فاغنر الراحل في القارة في أعين القادة الأفارقة. لا سيما وأنهم، كما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، قد التقوا ببعض المرتزقة الذين ظلوا هناك. حتى إن العديد من وسائل الإعلام قدمت جنرال المخابرات العسكرية الروسية أندريه أفيريانوف على أنه “خليفة بريغوجين” في أفريقيا.

وفي الواقع، فإن السيرة الذاتية للرجلين تعد مناسبة تماما لشغل الوظيفة التي احتلها سابقا رئيس فاغنر الراحل. ويؤكد إيفان إرميشتش، المتخصص في السياسة الخارجية الروسية في المركز الدولي للدفاع والأمن في إستونيا، بأن نائب وزير الدفاع لديه أيضا العديد من الأوسمة والنياشين وهو ما يجعله “يتمتع بسمعة طيبة كخبير استراتيجي عسكري في موسكو”. أي ما يكفي للسماح له ربما بفرض احترامه على مرتزقة فاغنر.

ولكن قبل كل شيء، يتمتع يونس بك إيفكوروف بسمعة راسخة كصانع سلام ومفاوض ورثها منذ وقت الحرب في إنغوشيا. فقد أدار هذه الجمهورية الروسية من عام 2008 إلى عام 2019، في وقت كانت فيه “هذه المنطقة معروفة بأنها أكثر عنفا من جمهورية الشيشان نفسها”، كما يؤكد إيفان إرميشتش الذي عمل على هذا الجزء من روسيا. وعند مغادرة منصبه “ترك إنغوشيا أكثر أمانا، دون استخدام الأساليب القمعية التي اتبعها رمضان قديروف في الشيشان”.

أما بالنسبة للكرملين، فإن إيفكوروف لديه براعة دبلوماسية معينة تناسب تماما الشخص الذي يجب أن يكون “الوجه الجديد للعلاقات بين الكرملين والأنظمة الأفريقية”، كما يؤكد أندرياس هاينمان-غرودر، المتخصص في شؤون روسيا الذي عمل على تحليل المجموعات شبه العسكرية خاصة في جامعة بون الألمانية.

أفيريانوف وفرقة الاغتيال في المخابرات العسكرية الروسية

بالطبع لا تعد هذه، بداهة، نقطة قوة أندريه أفيريانوف. فقد اشتهر هذا الجنرال بقيادة الوحدة رقم 29155 سيئة السمعة التابعة للمخابرات العسكرية، والمتخصصة في التخريب والاغتيالات. وهي الوحدة التي يشتبه بأن رجالها قد حاولوا تسميم العميل المزدوج السابق سيرغي سكريبال في عام 2018، وتفجير مستودع ذخيرة في جمهورية التشيك في عام 2014 ومحاولة تنظيم انقلاب موال لصربيا في جمهورية الجبل الأسود في عام 2016.

بعبارة أخرى، إن أندريه أفيريانوف المسؤول الذي نستدعيه “عندما نريد أن نجعل شخصا ما يختفي”، هكذا يلخص أندرياس هاينمان-غرودر. لكن ما هي فائدته في أفريقيا؟ يعتقد إيفان إرميشتش أن أفيريانوف “يمكن أن يسهم في ضمان شكل معين من الأمن للأنظمة القائمة، سواء من خلال توفير خدمات الحراسة الشخصية، أو أيضا تدريب الأجهزة الأمنية مبادئ عمليات الاغتيال الاستهدافي”.

لكن أندريه أفيريانوف ليس مجرد قاتل بدم بارد. “فطوال حياته المهنية كعميل مخابراتي قبل توليه إدارة الوحدة 29155، قام بعمليات خاصة في أفغانستان والشيشان وحتى شبه جزيرة القرم. وهذا النوع من العملاء يفترض فيه القدرة على اتخاذ المبادرات على أرض الواقع، وتجنيد العناصر المحلية وصنع الحلفاء” حسب جيف هاون، المتخصص في الشؤون الروسية ومستشار معهد نيو لاينز.

وهي مواصفات تجعله المرشح المثالي للتفاوض مع المجموعات العسكرية المحلية والقيام بما كان يقوم به عادة مسؤولو فاغنر عند وصولهم إلى بلد جديد في أفريقيا.

لذلك يبدو يونس بيك إيفكوروف، السياسي الماهر، وأندريه أفيريانوف، عميل المخابرات الخارق، مختلفين بقدر ما هما متكاملان. لكن كلاهما يتمتع بصفة مشتركة تميزهما بوضوح عن يفغيني بريغوجين: “كلاهما جنديان مخلصان ولديهما شخصية أكثر كتمانا من رئيس فاغنر السابق”، كما يلخص جيف هاون.

المزيد من الدعم الرسمي

إن صفة “الولاء تمثل حاليا الأهمية القصوى في نظر فلاديمير بوتين” كما يؤكد إيفان إرميشتش. وهي الصفة التي يجب أن تتوافر في أولئك الذين قد يطمحون إلى تولي الشؤون الأفريقية محل يفغيني بريغوجين الذي، بعد محاولته الفاشلة للتمرد ضد وزارة الدفاع، بات تجسيدا للخيانة في نظر الرئيس الروسي.

لكن هل يكفي ذلك لوضع مفاتيح مجموعة فاغنر في أفريقيا بين يدي هذا الثنائي؟ من المؤكد أنهما سوف يلعبان دورا أساسيا، ولكن ليس بوصفهما القائد الوحيد والربان الأوحد، كما يعتقد عدد من الخبراء الذين حاورتهم فرانس 24. “فنحن في حالة تحول حاليا من نظام عمليات شبه سرية إلى نظام دعم أكثر رسمية بكثير للأنظمة القائمة، وهذان الرجلان [كممثلين للدولة – أسرة التحرير] يجسدان هذا التطور والتغير الإستراتيجي” كما يقول أندرياس هاينمان-غرودر.

لكن هذا لا يعني أن الهياكل التي أنشأتها فاغنر سيتم استيعابها ببساطة في وزارة الدفاع. فرايلي مويدر يؤكد أن “نموذج التنظيم والإدارة اللامركزية للغاية الذي أنشأته فاغنر في أفريقيا لا يزال مفيدا لموسكو”.

فهذه المجموعة من المرتزقة تتمتع بأداء مرن للغاية “مما يسمح لها بتكييف عروض خدماتها مع الاحتياجات المحددة لكل بلد”، يقول هذا الخبير متابعا. فعلى سبيل المثال، الحالة في مالي في ظل حتمية مكافحة الإرهاب لا علاقة لها بالعمليات الجارية في جمهورية أفريقيا الوسطى حيث تسعى فاغنر قبل كل شيء إلى تأمين أنشطة التعدين المربحة للغاية.

ناهيك عن أن فاغنر تدير أيضا عمليات دعائية في العديد من البلدان… إضافة إلى إدارة مصنع جعة ومعمل تقطير فودكا في جمهورية أفريقيا الوسطى. يقول جوزيف سيغل، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن، في مقال نشر على موقع “ذي كونفيرسيشن”: فاغنر مزيج من الأنواع التي تتطلب “مستوى عال من البراعة لا يتمتع به جهاز دولة مركزي مثل البيروقراطية الروسية”.

أخيرا، سيظل من المفيد السماح للمرتزقة بالتصرف بمفردهم، فذلك سيسمح لموسكو بالاستمرار في إنكار أي تورط رسمي في حالة حدوث انتهاكات في بلد ما.

وهكذا، يشارك يونس بك إيفكوروف وأندريه أفيريانوف في المرحلة الأولى من إعادة تنظيم العمليات الروسية في أفريقيا. يلخص أندرياس هاينمان-غرودر بالقول إن “موسكو تريد أن تظهر أن هناك اتجاها سياسيا محددا بوضوح، وأن المرتزقة سيستمرون في الوجود ولكن باستقلالية أقل”.

وإذا كانت موسكو تتحرك ببطء في السيطرة على المجموعة؛ فذلك لأن لفاغنر في أفريقيا مصالح مالية مفهومة جيدا أيضا. فرايلي مويدر يؤكد أن “هناك شبكة كاملة من الأوليغارشية ورجال الأعمال الذين يستفيدون ماليا من أنشطة فاغنر من خلال شبكة من الشركات الوهمية والذين لديهم مصلحة أكيدة في ضمان بقاء النظام على ما هو عليه”. ويجب على موسكو أن تضمن استمرار الجميع في إيجاد المكان المناسب لهم.

 

موقع بريطاني: لماذا تفزع أمريكا والغرب من مساعدة الإمارات لبوتين وتتغاضى عن تأثيرها المدمر بمناطق أخرى؟

قال رئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” في لندن ديفيد هيرست إن الغرب يشعر بالفزع من تأثير الإمارات العربية الخبيث، فقط عندما تساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال إن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد الذي تركت خططه وأمواله وأسلحته خرابا في عدد من الدول لم يشعر حتى الآن بأي ضغوط من حلفائه الغربيين.

لكن الأمر مختلف مع روسيا، فقد قال مسؤولون أمريكيون وبريطانيون إن زيارتهم للإمارات بداية أيلول/سبتمبر كانت “جزءا من جهود واسعة مع عدد من الدول الشريكة” لمناقشة العقوبات والإجراءات الأخرى ومنع وصول قطع الغيار الإلكترونية إلى روسيا. وقال الإماراتيون إن الزيارة كانت فرصة لعرض إطار التحكم بالتصدير الذي يطبقه البلد. ولم يستطع أحد أن يخمن من هذه التصريحات أن صادرات الإمارات لقطع الغيار الإلكترونية إلى روسيا قد زادت سبعة أضعاف لحوالي 283 مليون دولار، حسب بيانات الجمارك الروسية والتي حللتها مؤسسة روسيا الحرة.

وفي 2022، صدرت الدولة الخليجية رقائق إلكترونية بمعدل 15 ضعفا عن العام الذي سبقه، ومعظمها صنع في الولايات المتحدة، وكذا 158 طائرة مسيرة إلى روسيا. كما زاد وجود الأوليغارش الروس في دبي من تضخم سوق العقارات، وتم ركن أكثر من 100 طائرة في مطار آل مكتوم الدولي بدبي، بما فيها طائرة بوينغ دريم لاينرز 787 بقيمة 250 مليونا تعود لمالك نادي تشيلسي لكرة القدم السابق رومان أبراهموفيتش. ومنعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الشركات من تأمين الطائرات هذه.

تصرفات الإمارات تجري ضد مصالح جارتيها المحاذيتين لها وهما السعودية وعمان

ويقول هيرست إن وصول الأثرياء الروس إلى دبي أغرق الأسواق بالأموال. ومنذ آذار/مارس زاد حجم السيولة النقدية المتدفقة للإمارات بمعدل 20% في الشهر، وذلك حسب “كابيتال إيكونوميكس”. ولكن التجارة المتزايدة بين البلدين تمضي بمسارين، فقد اشترت الإمارات في العام الماضي 60 مليون برميل من النفط الروسي وذهبا بقيمة 4 مليارات دولار، وهي زيادة مذهلة عن مبلغ 61 مليون دولار قبل عام. وليس غريبا أن تصف مساعدة وزيرة الخزانة الأمريكية لشؤون التمويل الإرهابي والجرائم المالية اليزابيث روزنبيرغ، الإمارات بأنها بلد “تحت النظر” حيث يتم التحقيق بعلاقاتها مع روسيا.

ويعلق الكاتب أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قلقان من روابط أبو ظبي مع روسيا، وما كان عليهما إلا النظر بسهولة لأجزاء شبكة العنكبوت التي نسجها محمد بن زايد في الشرق والغرب والجنوب، فهناك الكثير ليثير القلق.

فكل التدخلات هذه كانت ضد مصالح الولايات المتحدة الرئيسية، وكلها ألحقت ضررا بالاستقرار الإقليمي، وكلها أضافت لطوابير المهاجرين على شواطئ تونس وليبيا. ففي اليمن تقوم سياسة الإماراتيين على فصل الجنوب عن الشمال والسيطرة على ميناء عدن الإستراتيجي والتحكم الكامل بجزيرة سقطرى. وأدى دعم الإماراتيين للمجلس الانتقالي الجنوبي لسيطرتهم على العديد من الموانئ والجزر التي تقود إلى مضيق باب المندب الإستراتيجي والقرن الأفريقي.

وأضاف الكاتب أن تصرفات الإمارات تجري ضد مصالح جارتيها المحاذيتين لها وهما السعودية وعمان. فقد أعلنت الرياض عن محادثات سلام مع الحوثيين بهدف وقف الحرب. وفي جنوب شرق اليمن، أقام السعوديون محورا عازلا بين الانفصاليين الذين تدعمهم الإمارات وعمان. وتشعر كل من السعودية وعمان بالتهديد من تحركات الإماراتيين.

ويرى الكاتب أن التنافس السعودي- الإماراتي في اليمن هو عن النفط وليس عن البلد ورفاه شعبه، ففي عام 2018 أعلنت السعودية عن خطط لبناء أنابيب لنقل النفط السعودي إلى نيشتون على حدود عمان، مما يعني تجاوز مضيق هرمز، وهو ما سيعرض شبكة النقل الإماراتية للخطر.

وفي السودان، دعمت الإمارات الجنرال محمد حمدان دقلو، حميدتي، في حملته للسيطرة على السلطة في 15 نيسان/إبريل. وبدأ النزاع بعد محاولة دمج قوات الدعم السريع أو الجنجويد سابقا في القوات المسلحة. وشهدت الساعات الأولى من الحرب حشر قائد القوات المسلحة في السودان، عبد الفتاح البرهان في أرضية بمقر إقامته قرب مطار الخرطوم، أثناء المحاولة للسيطرة على السلطة. وقد فشل الانقلاب، مثل كل المحاولات الانقلابية التي دعمتها الإمارات، ولكن قبل أن يشعل حربا أهلية قتلت حتى الآن 4.000 شخص وشردت 4.5 مليون سوداني.

وفي ليبيا، فشل خليفة حفتر، أمير حرب آخر تدعمه الإمارات بمحاولته للسيطرة على العاصمة طرابلس عام 2019، وتمزق البلد بطريقة دائمة وأضعف كل مركز للسلطة والتجمعات التابعة له، مما ألحق الضرر البالغ بالليبيين. وتسبب إعصار دانيال الأخير، بانهيار سدين في مدينة درنة الخاضعة لسيطرة حفتر، إلا أن عقيلة صالح رئيس مجلس نواب شرق ليبيا وصف الأمر بأنه “قدر”. ودعم حفتر حميدتي متحديا رغبة المصريين الذين دعموه للسيطرة على طرابلس.

ونقل الموقع عن سعد أبو شرادة، عضو المجلس الأعلى للدولة عن الجنوب قوله إن الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر نقل جوا السلاح والإمدادات من مناطقه إلى جمهورية أفريقيا الوسطى حيث نقلت بالشاحنات إلى داخل السودان. وتواصل قوات الدعم السريع تلقيها مساعدات خارجية في حربها ضد الجيش السوداني. ولكن الإنكار تناقضه الأدلة، فاكتشاف قنابل حرارية إماراتية في يد قوات الدعم السريع يعني أن الإمارات ساعدت قوات حميدتي.

اكتشاف قنابل حرارية إماراتية في يد قوات الدعم السريع يعني أن الإمارات ساعدت قوات حميدتي

ويعتقد هيرست أن ما يربط هذه النزاعات بأبو ظبي هو الذهب. فقد بنى حميدتي ثروة هائلة من نهبه غير الشرعي لمناجم الذهب السودانية والذي يشحنه إلى الإمارات التي يودع مع شقيقه عبد الرحيم دقلو أموالهما في بنوكها. ولو قالت وزارة التعدين السودانية إن نسبة 80% من الذهب السوداني تم تصديره بطريقة غير قانونية، فإن معظم هذه التجارة تمت عبر أبو ظبي التي تعتبر المركز الرئيسي للذهب الأفريقي غير المرخص.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية التي تقف على هامش هذه الشبكة في 6 أيلول/سبتمبر عن فرض عقوبات على عبد الرحيم دقلو “لذبحه المدنيين والقتل العرقي واستخدام العنف الجنسي”. ووضعت وزارة الخارجية الأمريكية الجنرال في قوات الدعم السريع، عبد الرحمن جوما على القائمة السوداء لاختطافه وقتله حاكم غرب دار فور خميس أبكر وشقيقه. ولكن يجب على الولايات المتحدة عمل أمر جدي لاحتواء محمد بن زايد، الرجل في مركز الفوضى هذه. وفي الوقت التي تحتفظ فيه الإمارات بشراكة أمنية قديمة مع واشنطن، فقد تحول بلد بعد آخر للخراب بسبب خططه والمال والسلاح، ولدى كل جماعاته الوكيلة تاريخ في انتهاكات حقوق الإنسان.

 وليس صحيحا أن الإمارات تقصر جهودها على مكافحة الإسلام السياسي. فحلفاء الإمارات في أفغانستان هم شبكة حقاني والتي كانت القوة الفعالة لدى طالبان، وأصبح سراج الدين حقاني، نجل مؤسسها وزيرا للداخلية. وهذه سياسة واقعية مجردة، حيث حاولت أن تجد موطئ قدم لها على الباب من خلال منح الرئيس المؤيد للغرب ملجأ من خمس نجوم بعد سيطرة طالبان. وجاء التحرك الإماراتي لتخفيف تأثير قطر على الجانب المعتدل في حركة طالبان والذي شارك بمعاهدة السلام بالدوحة. وهي تمارس نفس ما فعلت مع حميدتي، فمن خلال واجهات تجارية وشبكات تعود للشتات الأفغاني، لدى شبكة حقاني بنية قوية في الإمارات. وكانت النتيجة هي فوز شركة إعمار إماراتية بعطاء لإدارة مطار كابول بعد انهيار المفاوضات مع تركيا وقطر.

ويقول هيرست إن الثمن الإنساني لحروبه ويعدون بعشرات الآلاف في اليمن والسودان ومصر وليبيا ليس في مدار اهتمام محمد بن زايد. وكل ما يهمه هو استعراض القوة، فهو العنكبوت في مركز شبكة واسعة. وقال إن وعد الرئيس الإماراتي بتغيير سياسته الخارجية من التدخلات العسكرية إلى نشر التأثير من خلال التأثير الاقتصادي لم يكن حقيقيا. فقد فتح كل من اليمن والسودان صدعا في العلاقات بين أبو ظبي والرياض. فقد تجنب رئيس الوزراء وولي العهد السعودي والرئيس الإماراتي الحديث مع بعضهما البعض معظم العام الحالي. واتصل محمد بن سلمان في تموز/يوليو مع بن زايد لتعزيته بوفاة أخيه غير الشقيق سعد بن زايد، كما والتقى الرجلان على هامش قمة العشرين في الهند هذا الشهر وإن بشكل عابر، لكن السلام لم يستعد بينهما.

وزار محمد بن سلمان، عمان مباشرة بعد قمة العشرين، حيث أعلن بعدها عن تقدم في المفاوضات بشأن اليمن وزيارة أول وفد حوثي للرياض. وكان لقاء الهند يهدف لمواجهة الثرثرات على منصات التواصل الاجتماعي بشأن الخلاف بين الرجلين، لكن هذا لم يمنع من تواصل الهجمات المرخص بها. فقد قال محمد الزلفة العضو السابق بمجلس الشورى السعودي إن الإمارات تريد لعب دور أكبر من حجمها و”يبدو أن الإمارات ذهبت بعيدا بمشاريعها وأبعد من قدراتها”.

وهاجم المحلل السياسي السعودي الإمارات بدون تسميتها على منصة إكس، أو تويتر سابقا: “هناك (دولة) تريد خدمة مصالحها على حساب سيادة الدولة اليمنية”. ونشر لاحقا أنه حذف التغريدة بطلب من الإماراتيين والسعوديين.

وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد نشرت في تموز/يوليو تقريرا عن الخلاف السعودي- الإماراتي. وفي الوقت الذي تتراجع فيه أمريكا في الخليج، تجري معركة على السلطة ومن يملك اليد العليا فيه. ويعيش بن زايد وهما مزدوجا، فلديه ثروة ضخمة ولم تحاول واشنطن حتى الآن فرض قيود عليه. وعلى العكس، فقد أملى بن زايد الخطاب المتعلق بالإسلام السياسي، وطوال العقد الماضي، من خلال شرائه مراكز البحث بالعاصمة الأمريكية، وتصرف بنفس الطريقة التي تتصرف فيها اللوبيات الإسرائيلية في واشنطن لتشكيل الخطاب.

وكان من المأمول أن يقوم الناس في واشنطن والعواصم الأوروبية بالجمع ما بين الاثنين: رصد عدم الاستقرار وحركة النازحين من السودان وليبيا وتونس ومنطقة الساحل نحو جزيرة لامبدوزا. وفي يوم ما ستنتهي اللعبة وعلى الرئيس الإماراتي أن يبادر بقراءة “أوراق الشاي” قبل فوات الأوان، فكما تذكره جارته الكبيرة، فإن مقاطعته هي صغيرة فعلا.

الأسرار المظلمة لأكبر مصفاة للذهب في سويسرا

تستفيد أكبر مصفاة سويسرية من الذهب المهرب من مناجم توظّف أطفالا في بلدان أفريقية. Pep Bonet – Noor – Keystone

واصلت الشركة العملاقة للمعادن الثمينة، فالكامبي، التي يوجد مقرّها في كانتون تيتشينو، جنوب سويسرا ، استيراد الذهب من شركة كالوتي، ومقرها دبي بعد عام 2019، بحسب ما كشف عنه التلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية. وتقع هذه الشركة في قلب عمليات غسيل الأموال وتجارة الذهب المستورد من مناطق النزاعات.

أجرى المكتب المركزي للرقابة على المعادن الثمينة، في 3 ديسمبر 2020، عملية تفتيش في مصنع فالكامبي، وعثر الموظفون الحكوميون على ذهب من مصدر مشبوه. ويأتي هذا الذهب مباشرة من مصفاة في دبي تسمّى “أم تي أم” (MTM-O Gold Refinery)، وهي تابعة لمجموعة كالوتي.

هذا الاسم غير معروف لعامة الناس، ولكن في عالم المعادن الثمينة، فإن كالوتي ومصنعها أم تي أم مرادفان للـ”ذهب القذر”. وتوجد هذه الشركة في قلب عمليات غسيل أموال المخدرات، وتسويق الذهب القادم من مناطق النزاعات في السودان، وغيرها.

وثيقة سرية

وفقا لرسالة سرية حصلت علة نسخة منها كلّ من الإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية (RTS) والعدد الأسبوعي من صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ” الناطقة بالألمانية، حذّر مسؤولون سويسريون إدارةَ فالكامبي من ممارساتها عالية المخاطر. وجاء في نص الرسالة: “ركزت تحقيقاتنا (…) على سبائك الذهب المشتراة من شركة “تراست وان للخدمات المالية” ( Trust One Financial Services). وتم تسليم سبائك الذهب هذه مباشرة من مصفاة أم تي أم في دبي. ويرتبط اسم هذه الشركة في الإعلام بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب”.

وتفاجأ المسؤولون بتصرفات الشركة السويسرية: حيث “قررت شركة فالكامبي مواصلة علاقاتها التجارية مع شركة أم تي أم، رغم المخاطر الكبيرة للغاية المترتبة على مصدر الذهب المثير للجدل”.

مصنع غير مراقب

تشير الوثيقة السرية أيضًا إلى أن شركة فالكامبي لم تقم بأي عمليات تفتيش أو مراقبة في مصنع دبي. واقتصرت الشركة السويسرية على المعلومات المقدمة من وسيط مالي يسمى “تراست وان” (Trust One).

ورغم هذا الاستنتاج، فإن مسؤولي المكتب المركزي للرقابة على المعادن الثمينة لم يفرضوا أي إجراءات عقابية على فالكامبي. وفي الواقع، لا ينص القانون السويسري على ذلك، حتى في حالة اكتشاف انتهاك لواجب الحيطة.

وقد أوضحت وزارة المالية الفدرالية، التي تشرف على المكتب المركزي للرقابة على المعادن الثمينة، في اتصال معها أن “حقيقة وجود علاقة تجارية حساسة محتملة، موجودة أو كانت موجودة، لا يشكّل دليلاً على ارتكاب جريمة جنائية”.

تجاوز “الخط الأحمر”

يرى أوليفييه ر. مولر، الخبير في مجال صناعة الساعات والمدير التنفيذي السابق في أحد مصافي الذهب، بأن هذه الوثيقة لا تترك مجالًا للشك. حيث يصرّح قائلا: “لقد تجاوزت شركة فالكامبي خطًا أحمر لا تجرؤ المصافي السويسرية الأخرى على تجاوزه. كما أنّ كامل سلسلة التوريد غير واضحة فيما يخص كالوتي. ويُلحق ذلك أضرارا كبيرة بسمعة الشركة، وبسمعة الفاعلين الآخرين في السوق السويسرية”.

المسألة مهمة للغاية، باعتبار أن سوق الذهب السويسرية تعد الأهم على الساحة الدولية. وتشير بعض التقديرات إلى أن ما يقرب من 60 إلى 70% من الذهب العالمي يمر عبر سويسرا. ويمكن تفسير هذا النجاح بخبرة المصافي السويسرية، وغياب ضريبة القيمة المضافة على الذهب، ووجود إطار قانوني متساهل.

اتهامات بممارسة غسيل أموال

تؤكد هذه الوثائق السرية مخاوف المنظمات غير الحكومية. ويعدّ مارك أوميل من المؤسسة السويسرية للتعاون الإنمائي (Swissaid)، شخصية مهمة في هذا المجال. وقد جعلته خبرته شخصا مهاب الجانب ومحل انتقاد في أوساط صناعة المعادن الثمينة في الآن ذاته.

ويشرح أوميل: “تؤكّد الوثيقة المذكورة ما كنا نستنكره منذ سنوات عديدة. ومن خلال الاستعانة بمصادر من شركات قريبة جدًا من كالوتي، تخوض فالكامبي مخاطر كبيرة وتفشل في تلبية متطلبات العناية الواجبة التي تفرضها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). واستوردت كالوتي الذهب من البنك المركزي السوداني، وبعضه يأتي من مناطق النزاع، بحسب خبراء الأمم المتحدة. كما تورطت كالوتي في قضايا غسيل الأموال.”

وقد أوضحت المؤسسة السويسرية للتعاون الإنمائي بالفعل، في تقرير لها صدر عام 2020، بأن فالكامبي اشترت الذهب من دبي. ويضيف مارك أوميل أمام الكاميرا: “قد يتساءل المرء عن أسباب استيراد الذهب الذي تم تنقيته بالفعل بنسبة 99.5% من دبي لصهره مرة أخرى في مصفاة سويسرية. ويكمن أحد الأسباب الرئيسية في أن ذهب دبي ليس معتمدًا من جانب رابطة سوق سبائك الذهب في لندنرابط خارجي. وهذا الاعتماد هو معيار عالمي ضروري لبيع الذهب للبنوك الكبيرة أو الشركات المصنعة للساعات. ويحصل ذهب دبي من خلال المرور عبر مصفاة سويسرية، فجأة على اعتماد هذه الرابطة، وتزيد بالتالي قيمته”.

مصدر الذهب الموثوق

تضمن شهادة رابطة سوق سبائك الذهب في لندن، في الآن ذاته، نقاء سبائك الذهب، ومعرفة المصدر المسؤول عن هذه المادة الثمينة. ومن المفترض ألا يأتي هذا الذهب من مناطق حرب أو شبكات إجرامية. وتتيح علامة هذه الرابطة، بيع ذهبها في كل مكان، والوصول إلى المشترين الأكثر تشددا، ولا سيما البنوك المركزية.

وقد اتصل التلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية، برابطة سوق سبائك الذهب في لندن، المانحة للاعتمادات، والتي ردت بما يفيد أن العلاقة التجارية بين فالكامبي وكالوتي لا تمثل مشكلة. وجاء في الرسالة “نحن نراقب عن كثب الشركات المستفيدة من شهاداتنا والتي لها علاقات تجارية في المناطق المحددة بأنها خطيرة. وفي الوقت الحالي، لا توجد مشكلة في شراء الذهب من دولة الإمارات العربية المتحدة، طالما يتم الحصول عليه من مصادر مسؤولة”.

وترى رابطة سوق سبائك الذهب في لندن، بأن كل شيء على ما يرام رسميًا. وتطلب الرابطة بشكل غير رسمي ومن وراء ستار، من الإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية، إبقاءَها على اطلاع على ما تم الكشف عنه، وعن نتائج تحقيقاتها.

شكوى ضد المؤسسة السويسرية للتعاون الإنمائي

لم ترغب شركة فالكمبي في الإجابة على الأسئلة التي وجّهتها إليها بشكل مشترك الإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية وصحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ”. وقد اعترضت فالكامبي رسميًا على تقرير المؤسسة السويسرية للتعاون الإنمائي، في عام 2020.

وبلغ الأمر حد رفع شركة فالكامبي التي يوجد مقرها في كانتون تيتشينو دعوى قضائية ضد المؤسسة السويسرية للتعاون الإنمائي، وطالبت بسحب التقرير. وتحججت فالكامبي في رسالة لها، بهذا الإجراء المتخذ ضد المؤسسة السويسرية لتبرير رفضها الاستجابة لطلبات المقابلة. حيث جاء في رسالتها “لا ترغب فالكامبي في الحديث بسبب الإجراءات القانونية الجارية حاليا”.

ورد مدير شركة فالكامبي في أكتوبر 2020 على انتقادات المؤسسة السويسرية للتعاون الإنمائي بالقول: “نحن نحترم جميع القواعد المفروضة علينا، بل ونذهب إلى أبعد من ذلك من خلال مطالبة البائعين بالتوقيع على إعلان المطابقة. ونجري جميع أنواع المراقبة اللازمة لمنع دخول الذهب المشكوك في مصدره إلى سلسلة قيمة فالكامبي، ونسعى إلى التحسين باستمرار”.

مسألة واردات الذهب من دبي

كان مايكل ميزاريتش، مدير شركة فالكامبي قد أكّد في حديث لصحيفة “بيرنر تسايتونغ” الصادرة في أكتوبر 2020،  أنه “لم تعد لدينا أي علاقات تجارية مع كالوتي منذ عام 2019”.

يعدّ هذا التصريح غريبًا، بالنظر إلى أن الوثائق السرية التي حصلت عليها الإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية، تظهر أن كالوتي كانت لا تزال تقوم بتسليم الذهب إلى فالكامبي في ذلك الوقت، وإلى غاية شهر ديسمبر 2020. ولا تملك الهيئة معلومات تثبت أن هذه العلاقات التجارية لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وتشير الإحصائيات الفدرالية إلى عدم انخفاض إجمالي واردات الذهب من دبي إلى سويسرا، خلال الأعوام الأخيرة. ووفقا لأرقام الإحصاءات الفدرالية، يصل إلى سويسرا سنويا ما بين 120 و150 طنا من الذهب، أي عدة مليارات من الفرنكات. ويبقى أن نرى ما هو تأثير الكشف عن هذه المعلومات على عملاء فالكامبي، بما في ذلك شركتي أبل ونوكيا، بالإضافة إلى المجموعات السويسرية الكبرى في قطاعي الساعات والمجوهرات.

ترجمة: مصطفى القنفودي

نقلا عن SWI swissinfo.ch 

الانتظار الطويل في بورتسودان للحصول على جواز سفر هربا من الحرب

سودانيون ينتظرون أمام مكتب جوازات السفر في بورتسودان في شرق البلاد في 3 أيلول/سبتمبر 2023

سعيا منهم للفرار من الحرب أو تلقي عناية طبية غير متوفرة في السودان أو مواصلة الدراسة في الخارج بعد تعطلها في البلد بسبب المعارك، ينتظر مئات السودانيين أياما طويلة أحيانا أمام مكتب جوازات السفر الذي أعيد فتحه أخيرا في بورتسودان.

 

بعد قرابة خمسة شهور من التوقف، عاود المكتب العمل فبدأ الرجال والنساء والأطفال يتجمعون أمامه منذ الفجر في المدينة المطلة على البحر الأحمر بشرق السودان الذي لم تمتد اليه حرب أدت منذ اندلاعها في الخامس عشر من نيسان/ابريل إلى سقوط آلاف القتلى ونزوح ولجوء الملايين.

 

يقفون تحت أشعة الشمس الحارقة بانتظار دخول المبنى الرئيسي لادارة الجوازات.

 

وتقول مروة عمر التي هربت من الخرطوم تحت القصف وتسعى الآن للحصول على جوازات سفر لأبنائها الأربعة “نريد السفر الي اي مكان، فهنا ليس لنا أي حق، ليس لدينا ما يكفي للأكل ولا لتعليم أولادنا”.

 

– “لا شيء بدون واسطة”-

 

منذ اندلاع الحرب بين قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو اللذين يتنازعان على السلطة، توقف عملت كل الادارات الحكومية في الخرطوم حيث تدور معارك طاحنة.

 

وفي أواخر آب/أغسطس افتتح الرجل الثاني في السلطات العسكرية مالك عقار وسط ضجة إعلامية كبيرة مصنعا جديد لطباعة جوازات السفر.

 

منذ ذلك الحين، يتهافت العديدون، على غرار مروة عمر، إلى المدينة التي يوجد فيها المطار الدولي الوحيد الذي ما زال يعمل في البلاد والتي اتخذ منها مسؤولو الحكومة والأمم المتحدة مقرا رئيسيا لعملهم.

 

يوضح فراس محمد، الذي جاء لطلب جواز سفر لطفله المولود حديثا، أن موظفي الجوازات يخضعون لضغط شديد بسبب الطلب الكبير الذي لا يستطيعون تلبيته دفعة واحدة.

 

وقال لفرانس برس “بعض الناس ينتظرون هنا منذ الخميس ولم يتمكنوا بعد من تسجيل طلباتهم”، مضيفا “التنظيم سيء للغاية”.

 

وتبدي السيدة عمر اسفها لآنه “بدون واسطة، لا يمكن انجاز أي شيء”.

 

فيداخل المبنى، يخيم حرّ شديد رغم أجهزة التكييف والمراوح التي تعمل بكامل طاقتها محدثة جلبة كبيرة.

 

يقول محمد “أن الأعداد كبيرة جدا لدرجة أننا لا نستطيع التنفس”.

 

من جانبه، يقول شهاب محمد “القاعة ضيقة وليس فيها مقاعد، كبار السن يجلسون على الأرض”.

 

غير أن كلّ ذلك لا يثني طالبي جوازات السفر الساعين بأي ثمن لمغادرة البلاد هربا من القصف الذي يستهدف أحياءها السكنية والرصاص العشوائي وانقطاع الكهرباء والمياه لفترات طويلة.

 

وهم مستعدون لسداد مبلغ 120 الف جنيه سوداني (قرابة 190 يورو) للحصول على جواز السفر، وهو مبلغ يعادل متوسط الراتب في السودان، الدولة التي كانت قبل الحرب من أفقر دول العالم، وتواجه الآن كارثة حقيقة بحسب الأمم المتحدة.

 

– “حل مؤقت”-

 

وحذرت المنظمات الإنسانية بأن أكثر من نصف السودانيين بحاجة إلى مساعدة إنسانية للبقاء على قيد الحياة وبأن ستة ملايين سوداني على حافة المجاعة.

 

وجاءت نور حسن من الخرطوم لإصدار جواز سفر لها ولزوجها ولطفليهما.

 

وصلت حسن صباح الأحد الى بورتسودان وهي تأتي كل يوم الى ادارة الجوازات حيث تنتظر حتى التاسعة والنصف مساء. ولكنها تقول “لم نتمكن من عمل أي شيء لأن الأمور غير منظمة إطلاقا”.

 

وهي تعتزم الرحيل مع أسرتها إلى القاهرة موضحة “لديّ أقارب يعيشون هناك”.

 

ويوسع هؤلاء الأقارب على حد قولها مساعدتهم في الحصول على تاشيرة دخول الى مصر التي لم تكن قبل الحرب تفرض ذلك على النساء والأطفال السودانيين ولكنها تطلب الآن من الجميع الحصول على تأشيرات مسبقة.

 

وتفضل عائلات أخرى كثيرة الذهاب من بورتسودان جوا الى دول الخليج حيث يعمل آلاف السودانيين منذ فترة طويلة وخصوصا الى الإمارات التي تمنح الآن تأشيرات لمدة سنة للاجئين السودانيين.

 

تقول حسن “نغادر لأنه لم يعد ممكنا العيش في الخرطوم” وتضيف “إنه حل مؤقت، سنعود عندما تتحسن الأوضاع”.

اللاجئون السودانيون يعطون دفعة غير متوقعة للسياحة في أسوان

الخرطوم: لجأ آلاف السودانيين إلى مدينة أسوان في مصر وساهموا في إنعاش السياحة في هذه المدينة الفرعونية الجنوبية خارج موسهما الرئيسي، فيما يحاولون نسيان أهوال الحرب في بلادهم.

وصل هاشم علي البالغ 54 عاما، إلى أسوان بعدما قطع آلاف الكيلومترات من الخرطوم التي هرب منها تحت القصف، إلى الحدود المصرية شمالا.

بعدما وجد شقة لتسكن فيها عائلته في هذه المدينة الكبيرة، يأمل الموظف السوداني السابق أن يستفيد أبناؤه الآن من وجودهم فيها.

يقول علي وهو جالس على شرفة فندق، عادة ما يكون مزدحما في الموسم السياحي في الشتاء، إنه جاء “لقضاء يوم جميل مع أسرته”.

ويتابع فيما يلهو أبناؤه وتعلو ضحكاتهم من حوله، أنه حرص على هذه النزهة لعلها تساهم في أن أن تنسى عائلته “الحرب والقنابل والغارات الجوية والقصف”.

ومنذ بدأت الحرب الأخيرة في السودان في 15 نيسان/إبريل، لجأ نحو 310 آلاف سوداني إلى مصر.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، ينتظر الكثيرون بعد قرار مفاجئ من مصر في تموز/يوليو بإعادة العمل بتأشيرات الدخول لكل السودانيين الفارين من الحرب، بعدما كان الأطفال والأشخاص فوق سن الخمسين يعبرون بدون تأشيرة.

نجحت زينب إبراهيم البالغة 30 عاما، في عبور الحدود قبل ثلاثة أشهر.

قبل ذلك، ظلت مع أسرتها محبوسة داخل شقتها في الخرطوم، خوفا من القصف الجوي وقذائف المدفعية ومعارك الشوارع.

وتقول “كنت حاملا، ولم يكن هناك أي مستشفى يمكن أن ألد فيه طفلي”، في السودان حيث بات الملايين محرومين من الرعاية الصحية بعدما قضت الحرب على النظام الصحي السوداني الذي كان هشّا في الأصل.

وبمجرد دخلوهم مصر، يتوجه كثيرون من اللاجئين السودانيين إلى القاهرة، بينما يفضل آخرون مثل هاشم علي وزينب إبراهيم البقاء في أسوان، وهي أول أكبر مدينة مصرية للقادم من السودان، على بعد قرابة 300 كيلومتر من الحدود بين البلدين.

سباحة في النيل

قبل بداية الحرب، كان أربعة ملايين سوداني يقيمون في مصر، وفق الأمم المتحدة.

ويتطلع أغلبية الوافدين الجدد إلى الإقامة بشكل دائم في مصر، بعيدا عن بلدهم الذين يرون أنه لن يتمكن من النهوض مجددا قبل عقود.

في موسم الشتاء، تأتي إلى أسوان أفواج من السياح المصريين والأجانب لاكتشاف الآثار الفرعونية والتنزه على ضفاف النيل والاستمتاع بدرجات الحرارة المعتدلة في تلك الفترة من السنة.

لكن سكان أسوان لم يتوقعوا مثل هذا التدفق للاجئين، ولا الفرص التي جلبها هؤلاء معهم.

وفيما يهرب السياح المصريون من أسوان مع ارتفاع الحرارة في الصيف، عادت المراكب السياحية للعمل مطلع أيلول/سبتمبر.

وبدأت المراكب مجددا تنظيم الرحلات بين الجزر النوبية في النيل، فيما أصوات الموسيقى المبهجة تصدح.

وتستمع العائلات بتناول القهوة النوبية على ضفة النيل، فيما ينصح المرشدون الركاب بالاستحمام في مياه النهر.

تمييز وعنصرية

يقول محمود الأسواني البالغ 19 عاما، وهو يقف على فلوكة يعمل عليها منذ خمس سنوات “منذ الحرب ووصول أشقائنا السودانيين، استأنفنا النشاط وزاد الطلب على الرحلات النيلية”.

وشكل ذلك نبأ سارا في بلد يمر بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، بلغت نسبة التضخم خلالها مستوى قياسيا.

غير أنه لا يتم استقبال كل السودانيين بالطريقة نفسها.

ففي القاهرة، يشكون من التمييز ومن أصحاب الشقق والمنازل الذين يبالغون في الأسعار، ومن العنصرية.

في أسوان، حيث يعيش النوبيون الذين يقيمون منذ آلاف السنين عند الحدود بين البلدين، وجد السودانيون متطوعين يستقبلونهم مع وجبات ساخنة.

ويكرر هاشم علي باستمرار “أن أسوان مدينة جميلة وناسها طيبون”.

لكن بعيدا عن هذه المبادرات الفردية القليلة، يترك اللاجئون لمواجهة مصيرهم بمفردهم.

تمنع السلطات المصرية وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية من إقامة مخيمات لإيواء اللاجئين، مؤكدة في المقابل أنه يُسمح للوافدين بالعمل أو التنقل بحرية.

(أ ف ب)

أطباء السودان.. مهمات إنسانية تحت أزيز الرصاص

يعيش أطباء السودان معاناة مضاعفة بين ويلات الاشتباكات المسلحة ونداء الضمير الذي يحتّم عليهم مواصلة أداء دورهم دون انقطاع لإنقاذ الضحايا والمصابين، في بيئة عمل تفتقد الأمان ووسط ظروف متردية ناتجة عن تدهور النظام الصحي.

– يعمل الأطباء في السودان في ظروف بالغة التعقيد، مع توقف الرواتب الشهرية وانهيار القطاع الصحي بأكمله.
– توقفت نحو 60 مستشفى عن العمل من أصل 88 كانت تعمل في مناطق الاشتباكات.
– 28 مستشفى في السودان تعمل الآن بشكل كامل أو جزئي لكنها مهددة بالإغلاق.
– يعمل المستشفى التركي بالخرطوم بكفاءة عالية رغم ظروف الحرب.
– أطباء السودان يعملون دون تذمر لمقابلة احتياجات المرضى، رغم التحديات التي تواجههم.
– تعانى مستشفيات مدينة الجنينة من ضغط متزايد بسبب تكدس الإصابات الناتجة عن الاشتباكات المسلحة.
–  النظام الصحي في مدينة الجنينة آيل للسقوط في أي وقت بسبب نقص الكوادر الطبية والإمداد الدوائي.

 

في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” منذ أبريل/ نيسان الماضي، يعمل الأطباء في ظروف بالغة التعقيد، مع توقف الرواتب الشهرية، إضافة إلى انهيار القطاع الصحي بأكمله.

لكن رغم هذه التحديات، يستمر الأطباء السودانيون في تأدية واجبهم في رعاية المرضى، ومصابي الاشتباكات المسلحة.

وبحسب نقابة أطباء السودان (غير حكومية)، توقفت نحو 60 مستشفى عن العمل من أصل 88 كانت تعمل في مناطق الاشتباكات.

وبينما أكدت النقابة أن 28 مستشفى تعمل الآن بشكل كامل أو جزئي وبعضها يقدم خدمات إسعافية، إلا أنها حذرت في المقابل من أنها مهددة أيضا بالإغلاق نتيجة نقص الكوادر الطبية والإمدادات الطبية والإمدادات المائية والكهرباء.

ووفقا للنقابة، تعرضت 17 مستشفى للقصف، بينما أخليت 20 مستشفى قسرا، دون تحديد الجهة التي أخلت المستشفى.

ومنذ منتصف أبريل/نيسان الماضي، يخوض الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح أي هدنة في إيقافها، ما خلف 5 آلاف أغلبهم مدنيون وأكثر من 12 ألف جريح، بحسب الإحاطة التي قدمها المبعوث الأممي -المستقيل-، فولكر بيرتس، أمام مجلس الأمن الدولي في 13 سبتمبر/أيلول الجاري.

فيما أكدت الأمم المتحدة في بيانات سابقة أن هناك أكثر من 4 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها.

ويتبادل الجيش بقيادة البرهان، و”الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، اتهامات بالمسؤولية عن بدء القتال وارتكاب انتهاكات خلال الهدنات المتتالية.

**العمل بكفاءة رغم الكارثة

وبرصد الأوضاع في مستشفيات السودان، تحظى مستشفيات جنوب العاصمة الخرطوم، بوضع أفضل مقارنة بنظيراتها في أماكن أخرى بالبلاد، لكنها لا تزال تعمل بإمكانيات أقل، وأبرزها “المستشفى التركي” بضاحية الكلاكلة، ومستشفيات “الفؤاد الخاص” و”بشائر الحكومي” و”الرازي”.

وأفادت مصادر طبية، في تصريحات للأناضول، بأن المستشفى التركي “يعمل بكفاءة عالية رغم ظروف الحرب، ويقدم خدماته للمصابين جراء الاشتباكات المتواصلة”.

وأضافت أن الأطباء “يعملون بهمة عالية، من أجل تقديم أفضل خدمة لمرضى الحالات الباردة (بينها نزلات البرد والنزلات المعوية)، ومصابي الاشتباكات المسلحة”.

وفي أواخر أغسطس/ آب الماضي، أدى تجدد الصراع العنيف بين الجيش السوداني و”الدعم السريع” بمدينة الأبيض، بولاية شمال كردفان (جنوب) إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية.

وكانت نقابة أطباء السودان أكدت أن اندلاع المعارك في الأبيض، أدى إلى سقوط قذيفة بالمستشفى الكويتي للأطفال، والاعتداء على المستشفى وسرقة سيارات المستشفى وخزينة المالية وترويع المرضى والمرافقين، ما أدى الى خروجه عن العمل بسبب تلك المواجهات المسلحة، آنذاك.

ورغم هذه الأوضاع المتردية، قالت مصادر طبية من داخل مستشفى الأبيض، للأناضول، إن “الأطباء يعملون دون تذمر لتلبية احتياجات المرضى، رغم التحديات التي تواجههم والمتمثلة في العمل لساعات طويلة دون رواتب”.

** تكدس الإصابات

وفي السياق، أصبح النظام الصحي في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، يترنح وآيل للسقوط في أي وقت، جراء نقص الكوادر الطبية والإمداد الدوائي، والضغط المتزايد الناتج عن تكدس الإصابات إثر الاشتباكات المسلحة.

وفي 8 يونيو/ حزيران الماضي، ذكرت نقابة أطباء السودان أن الهجمات المسلحة بمدينة الجنينة تأتي في ظل “وضع إنساني وأمني كارثي”.

وقالت النقابة في بيان، آنذاك، إن الخدمات الطبية في المدينة التي يقطنها نحو مليون شخص “انهارت منذ مايو/ أيار الماضي، وإن أسباب الحياة انقطعت” مع عدم توافر الغذاء والدواء والماء والاتصالات.

ومن جهته، قال عامر مصطفى، وهو طبيب بمستشفى الجنينة إن الأخيرة “تعاني نقصا حادا في الكوادر الطبية والأدوية، بسبب تكدس المرضى”.

وأضاف في حديثه للأناضول: “الوضع الصحي داخل المستشفى في تدهور مستمر، جراء الإصابات الناتجة عن الحرب”.

وأوضح أن الأطباء يعملون في ظروف “بالغة التعقيد، ورغم عدم توفر البيئة المناسبة لمواصلة العمل، لكنهم يؤدون واجبهم دون كلل أو ملل”.

وعلى هذا النحو، تعاني مستشفيات مدينة الفولة بولاية غرب كردفان، ومستشفى نيالا بولاية جنوب دارفور، حيث تعيش المستشفيات أوضاعا كارثية، جراء نقص الطواقم الطبية والدواء، فاقمت من الأوضاع الإنسانية.

وفي حديث للأناضول، أكدت هدى مصطفى، وهي كادر طبي بمستشفى نيالا إن النظام الصحي بالمستشفى “على وشك الانهيار جراء نقص الكوادر الطبية وانعدام الأدوية”

(الاناضول)

ليبيا.. عدد قتلى الفيضانات تخطى 6 آلاف

أعلن وكيل وزارة الصحة بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، سعد الدين عبد الوكيل، أن عدد قتلى الفيضانات التي اجتاحت عددا من مدن وبلدات المنطقة الشرقية تجاوز 6 آلاف.

وقال عبد الوكيل للأناضول، الأربعاء، إن حصيلة الوفيات حتى صباح اليوم تخطت 6 آلاف والمفقودين بالآلاف (لم يذكر عددا محددا).

وأضاف أن “حصيلة الوفيات تعتبر أولية وهذه إحصائية لكل المناطق المتضررة جراء الفيضانات ومدينة درنة سجلت العدد الأكبر” مرجحا ارتفاع الحصيلة في الساعات القادمة.

 

وأوضح عبد الوكيل، أن المستشفيات الحكومية في المناطق المتضررة شبه معطلة ونعمل الآن على تشغيل 10 مستشفيات موزعة على عدة مدن ومناطق لكي يتم توفير الأطقم الطبية لها وكذلك سيتم توزيع 20 مركزا لتوفير الرعاية الصحية.

وأشار إلى “تكليف المركز الوطني لمكافحة الأمراض لتقييم الوضع الوبائي داخل مدينة درنة لأن هناك حيوانات نفقت جراء الفيضانات، فضلا عن وجود جثث دخلت مرحلة التحلل”.

والأحد، اجتاح الإعصار المتوسطي “دانيال” عدة مناطق شرقي ليبيا، أبرزها مدن بنغازي والبيضاء والمرج بالإضافة إلى سوسة ودرنة، وتسبب بسقوط آلاف القتلى والجرحى، وسط حالة من التضامن العربي والدولي مع ضحايا الإعصار.

( الأناضول)

الحرب تعيد السودانيين إلى “ساعي البريد”

مع تدهور شبكة الاتصالات في دارفور غربي البلاد، أضحت الرسائل المكتوبة والمنقولة بواسطة السفريات الداخلية إحدى وسائل نقل الأخبار بين الأهل وذويهم، في منطقة ما زالت تشهد اشتباكات مسلحة..

بهرام عبد المنعم/ الأناضول

لم يكن يخطر ببال السوداني عز الدين دهب أن يهجر عادة “التراسل الفوري” ويعود يوما ما لكتابة رسالة بخط اليد لتصل إلى أحد معارفه في إقليم دارفور غربي البلاد، لكن تدهور شبكة الاتصالات في المنطقة جراء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع أجبرته على ذلك.

مع الحرب المستمرة بعدة مدن سودانية منذ أبريل/ نيسان الماضي، وتوقف خدمة الاتصالات والإنترنت، أصبحت رسائل اليد الوسيلة الوحيدة للتواصل في دارفور، حيث ظل ينقلها سائقو الحافلات المتنقلة بين مدن الإقليم، لاعبين دور “ساعي البريد” الذي كان يوفر الخدمة في السنوات السابقة.

اضطر دهب، إلى كتابة رسالة بخط اليد لتصل إلى شخص بمدينة الضِّعَين عاصمة ولاية شرق دارفور، ليقوم هو الآخر بإيصالها إلى مدينة بُرام بولاية جنوب دارفور، بعد تعطل خدمة الاتصالات والإنترنت في تلك الولايات.

اشتدت حاجة المواطنين في تلك المناطق إلى الطريقة التقليدية القديمة في التواصل، للاطمئنان على أسرهم ومعارفهم، حيث باتت رحلات النزوح بين المدن واللجوء إلى تشاد الجارة الغربية لدارفور، أمرا مستمرا مع تزايد الاشتباكات في المنطقة وفقدان شبكة الاتصالات.

ومنذ منتصف أبريل يخوض الجيش و”الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وأكثر من 5 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة.

** أوضاع استثنائية

في حديثه للأناضول، قال دهب: “العودة إلى كتابة الرسائل المكتوبة أمر طبيعي في ظل أجواء الحرب التي تعيشها البلاد”.

وأوضح أن “آلة القتل التي حصدت آلاف الأرواح خصوصا في دارفور قتلت عنصر الدهشة في نفوس الناس، لذلك العودة إلى عهد الخطابات والرسائل المكتوبة بخط اليد أصبح أمرا طبيعيا”.

وأضاف: “مع العلم أن شبكات الاتصالات هي في الأصل رديئة في تلك المناطق، وهناك أجزاء واسعة من إقليم دارفور خارج الشبكة ومنها يعمل بإمكانيات ضعيفة وتعاني أحيانا من مشاكل وقود ومشاكل إدارية”.

وفي أغسطس/ آب الماضي، أعلنت الأمم المتحدة مقتل 60 شخصا وإصابة 250 آخرين، ونزوح حوالي 50 ألفا جراء الاشتباكات بين الجيش و”الدعم السريع” في مدينة نيالا غربي البلاد.

وحسب المنظمة الدولية، قتل عشرات المدنيين، ولم تعد شبكات الكهرباء والمياه تعمل جيدا “ما يعد كارثة في مدينة كان ربع سكانها يعتمدون أصلاً قبل الحرب على المساعدات الإنسانية”.

** صعوبة بالغة

ومع تواصل الاشتباكات المسلحة، صارت الحياة والتواصل أكثر صعوبة في إقليم دارفور الذي يقطنه نحو ربع سكان السودان البالغ عددهم 48 مليونا، ما يزيد من رقعة المعاناة جراء الظروف القاسية التي تفرضها الحرب.

وعادة ما يصل المواطنون إلى مكاتب السفر بين المدن الكبيرة لإيصال الرسائل المكتوبة بخط اليد لتصل إلى وجهتها حسب الظروف الأمنية في الطرق التي تربط المنطقة.

آمنة موسى (36 عاما) التي تقطن مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور، اضطرت هي بدورها إلى كتابة الرسائل على الورق لتفقد أحوال ذويها في مدينة نيالا.

وقالت موسى في حديثها للأناضول: “انقطاع الاتصالات والإنترنت أجبرني لكتابة رسالة بخط اليد للأهل في نيالا بعد الاشتباكات العنيفة بين الجيش والدعم السريع.”

عاشت نيالا “ظروفا قاسية” وفق موسى، بسبب “القصف العشوائي وانهيار المنازل، وهروب المواطنين من منازلهم”، موضحة: “عشنا رعبا لا يصدق بسبب انقطاع الاتصالات لمعرفة أحوال أهلنا في المدينة”.

وتابعت: “أرسلت الرسالة المكتوبة خلال الأيام الماضية، وأنتظر الرد المكتوب للاطمئنان على الأهل هناك، ماذا نفعل؟ لم نجد وسيلة أخرى”.

آدم عبد الله، وهو صاحب مكتب حافلات سفرية، قال: “مع استمرار الاشتباكات المسلحة، لجأ الناس إلى الرسائل المكتوبة بخط اليد لمعرفة أحوال ذويهم وتفقد أحوال الأسر والأصحاب في المناطق التي نزحوا إليها”.

وأوضح عبد الله للأناضول: “نقوم بإيصال الرسائل إلى وجهتها ونتلقى الردود المكتوبة لإرجاعها مرة أخرى مقابل أجر مادي”.

أسرى الحرب في السودان يتعرضون للتعذيب لدى طرفي النزاع

ود مدني (السودان): بدت مهمّة عثمان حسن سهلة، إذ لم يكن عليه غير قيادة شاحنته من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة جنوب العاصمة السودانية… إلى أن وصل إلى نقطة تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع.

كان سائق الشاحنة البالغ 54 عاما، يفكّر في المصروفات التي يتعين عليه سدادها في رحلته، قبل أن يتغيّر كل شيء لدى بلوغه نقطة التفتيش.

روى حسن لوكالة فرانس برس “لقد صادروا شاحنتي واقتادوني إلى منزل في كافوري” بشمال العاصمة السودانية.

وتابع “في فناء المنزل وجدت سجناء أخرين وأفرادا من الدعم السريع أجلسونا على الأرض وبدأوا ضربنا بالسياط مع إطلاق اتهامات بأننا من استخبارات الجيش” الذي يخوض معارك مع قوات الدعم منذ منتصف نيسان/ أبريل.

وأضاف “لم يتوقف الضرب إلا بعد دخول شخص يبدو أنه ضابط وأمرهم بوقف الضرب… ثم نقلونا إلى الطابق الأرضي في المنزل وبدأ التحقيق”.

يؤكد عثمان أنه أمضى ثلاثة أيام في المنزل تلاها أسبوعان في محطة توليد الكهرباء في منطقة بحري بشمال الخرطوم.

نشأت مراكز الاعتقال هذه أثناء الحرب التي أوقعت آلاف القتلى وجعلت الملايين بين نازحين ولاجئين. وأحصت مجموعة “محامو الطوارئ” وجود العشرات من هذه المراكز في العاصمة: 44 منها لقوات الدعم السريع وثمانية للجيش.

وتلقت هذه المجموعة من المحامين، وهي من أعمدة النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في السودان، شهادات 64 شخصا على مدى شهرين.

“جرائم حرب”

ويتهم المحامون الطرفين بارتكاب “جرائم حرب” و”جرائم ضد الانسانية”، بما يشمل القتل، والاختطاف، والاحتجاز غير المشروع، والاخفاء القسري، والتعذيب واغتصاب الرجال والنساء.

وتنفي قوات الدعم السريع وكذلك الجيش أي إساءة في معاملة السجناء.

بعد أسبوعين من الاحتجاز، أطلق سراح عثمان حسن. وقال “خرجت لكنهم لم يعيدوا إليّ شاحنتي”، من دون أن يكون في مقدوره تفسير سبب الإفراج عنه.

غير أن محمد صلاح الدين يعرف لماذا تم إطلاق سراحه: دفعت أسرته فدية قدرها 1700 دولار لقوات الدعم السريع.

تم توقيف صلاح الدين عند أحد حواجز قوات الدعم في الخرطوم. كان هذا الموظف البالغ 35 عاما، قد خرج بدون بطاقة هوية لشراء أدوية لوالدته المريضة. وتم تهديده “بالقتل” وتوجيه اتهامات له بأنه “جاسوس” و”إسلامي” من أنصار نظام عمر البشير الذي تقول قوات الدعم أنه يختبئ خلف الجيش.

وروى لفرانس برس أنه بقي “جالسا حتى المساء ثم تم نقله إلى المدينة الرياضية” في جنوب الخرطوم حيث تعرّض للضرب والاتهامات على مدى شهر مع مدنيين آخرين.

وقال سجناء تم إطلاق سراحهم لمجموعة “محامو الطوارئ” إنهم تعرضوا لـ”التهديد بالاغتصاب” و”الاغتصاب أكثر من مرة”، كما قالوا إن محتجزا “قتل لأنه كان يقاوم”.

ويجري ذلك تحت القصف ودوي المدافع.

عصب العينين

أكد صلاح الدين أنه أصيب “برصاصة طائشة في الساق” وينتظر حاليا إجراء جراحة في ود مدني، المدينة الواقعة على مسافة 200 كلم جنوب الخرطوم.

وبقيت هذه المدينة في منأى عن المعارك، ولجأت إليها أسرته مثل العديدين من سكان العاصمة.

من جانبها، نزحت أسرة مجدي حسين (25 عاما) إلى شمال السودان هربا من الحرب. كان هذا السوداني الشاب تطوع بالبقاء لحراسة منزل العائلة في الخرطوم حيث تحتل قوات الدعم السريع المنازل التي فر سكانها.

وروى لفرانس برس “في الخامس عشر من تموز/ يوليو دقّ الباب، فتحت ووجدت ستة من أفراد الدعم السريع يستقلون سيارة نصف نقل عليها مدفع مضاد للطائرات”.

ضربوه ووضعوه معصوب العينين في عربتهم واقتادوه إلى سرداب مظلم ومكتظ.

الاثنين، أعلن الجيش أنه اتصل “باللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسليم 30 قاصرا محتجزين منذ بداية الحرب” كانوا مجندين مع قوات الدعم السريع، مشيرا إلى أن “مجموعة أخرى من 200 فرد” من قوات الدعم سيتم تسليمهم قريبا.

وتعلن اللجنة الدولية بانتظام تبادل أسرى من مقاتلي طرفي النزاع.

وقال “محامو الطوارئ” إن قائمة المحتجزين تضم مدنيين ومقاتلين، من بينهم نساء وقصّر. وأضافوا أنهم “يتعرضون للاستجواب تحت التعذيب ولسوء معاملة مثل التعليق من القدمين أو التعذيب بالكهرباء والحرق بالسجائر”.

ويرغم بعض السجناء كذلك على “الأشغال الشاقة أو على حفر مقابر جماعية”.

وقال المستشفى الميداني في الضواحي الشرقية للخرطوم إن الأطباء المتطوعين “لم يشربوا ولم يأكلوا وحتى لم يتم استجوابهم” منذ اختطافهم عند أحد حواجز قوات الدعم الأسبوع الماضي.

وأكد في بيان أنه “تم الاستيلاء على كل ما كان معهم وبعضهم فقد الوعي”.

أطلق سراح مجدي حسين بعدما أمضى عشرة أيام محبوسا. وأوضح “اقتادوني إلى شارع الستين (في الخرطوم) وطلبوا مني أن أنزل” من دون محاكمة أو تفسير.

(أ ف ب)

حقائق-ردود الفعل الدولية على زلزال المغرب

(رويترز) – فيما يلي عروض تقديم المساعدة وردود الفعل الأخرى من الحكومات الأجنبية على الزلزال القوي الذي ضرب المغرب في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة مما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص وتدمير مبان في أسوأ زلزال تشهده البلاد منذ عقود.

* عروض الدول لتقديم المساعدات

الجزائر

قالت الجزائر، التي قطعت علاقاتها مع المغرب قبل عامين، إنها ستفتح مجالها الجوي أمام الرحلات الإنسانية والطبية إلى المغرب.

وأعلنت الرئاسة الجزائرية في بيان أنها مستعدة لتقديم المساعدات الإنسانية وعرض كل إمكانياتها المادية والبشرية تضامنا مع الشعب المغربي، في حال طلب المغرب ذلك.

تركيا

قالت وزارة الخارجية التركية إن أنقرة مستعدة لتقديم كل أنواع الدعم “لتضميد الجراح الناجمة عن الزلزال الذي ضرب المغرب”.

وقالت إدارة الكوارث والطوارئ (آفاد) إن 265 عامل إغاثة من الهيئة والهلال الأحمر التركي ومنظمات غير حكومية أخرى على استعداد للسفر إلى منطقة الزلزال في حالة طلب المغرب المساعدة الدولية. وأضافت أن تركيا مستعدة لإرسال ألف خيمة إلى المناطق المتضررة.

ألمانيا

قال المستشار الألماني أولاف شولتس، الذي كان يتحدث في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، إن الزلزال “أثر على الكثير من الناس هنا وأثار قلقهم. نحن جميعا بصدد تنظيم الدعم. كما قامت ألمانيا بالفعل بتعبئة وكالة الإغاثة الفنية التابعة لها وسنبذل أفضل ما في وسعنا لمساعدة أولئك الذين يمكن مساعدتهم”.

الولايات المتحدة

قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن في بيان “أعبر عن حزني الشديد للخسائر في الأرواح والدمار الناجم عن زلزال الأمس في المغرب وأقدم التعازي القلبية لأسر المتضررين. الولايات المتحدة مستعدة لتقديم أي مساعدة ضرورية بينما يتعامل المغرب مع هذه المأساة”.

فرنسا

قالت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان “فرنسا… مستعدة لتقديم مساعدتها على الفور لإنقاذ ومساعدة السكان المتضررين من هذه المأساة”.

وذكرت فاليري بيكريس رئيسة المنطقة التي تضم باريس على منصة إكس أنها تعرض تقديم مساعدات بقيمة 500 ألف يورو (535 ألف دولار) للمغرب.

وقال بنوا بايان رئيس بلدية مرسيليا إنه سيتم إرسال رجال إطفاء لمساعدة فرق الإنقاذ في المغرب، مضيفا أن مراكش هي “المدينة الشقيقة” لمرسيليا.

وتعهدت ثلاث مناطق أخرى بشكل مشترك بتقديم مساعدات إنسانية للمغرب بقيمة مليون يورو.

وقالت مجموعة أورنج للاتصالات في بيان إنها ستوفر لعملائها اعتبارا من الساعة الثامنة مساء (1800 بتوقيت جرينتش) يوم السبت إمكانية إجراء مكالمات مجانية وإرسال رسائل نصية قصيرة مجانا إلى المغرب حتى 16 سبتمبر أيلول. كما أعلنت وحداتها في بلجيكا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا توفير اتصالات مجانية مع المغرب لمدة أسبوع.

إسبانيا

قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس خلال اجتماع مجموعة العشرين في نيودلهي إن “وحدة الطوارئ العسكرية الإسبانية وسفارتنا وقنصلياتنا تحت تصرف المغرب”.

وقال أنطونيو نوجاليس، رئيس منظمة رجال إطفاء بلا حدود الإسبانية، لتلفزيون آر.تي.في.إي “نحن على تواصل مع السلطات المغربية ومستعدون للذهاب والمساعدة”. وشاركت المنظمة في المساعدة في العثور على ناجين خلال الزلزال الذي ضرب تركيا في فبراير شباط.

إسرائيل

قال وزير الخارجية إيلي كوهين إن “إسرائيل تمد يدها إلى المغرب في هذا الوقت العصيب الذي يمر به”، بحسب منشور الوزارة على منصة إكس.

وقالت خدمة نجمة داود الحمراء الطبية إن رئيسها اتصل برئيس الهلال الأحمر المغربي لعرض المساعدة.

وأضافت في بيان “يستعد ممثلو نجمة داود الحمراء للمغادرة خلال الساعات القليلة المقبلة. وسيتعاونون مع وفدين من وزارة الصحة وجيش الدفاع الإسرائيلي”.

تونس

قالت الرئاسة التونسية إن الرئيس قيس سعيد “أذن بالتنسيق مع السلطات المغربية لتوجيه مساعدات عاجلة وإرسال فرق من الحماية المدنية لدعم جهود المملكة المغربية في البحث والإنقاذ، كما أذن بتيسير توجه وفد عن الهلال الأحمر التونسي للمساهمة في عمليات الإغاثة والإحاطة بالمصابين”.

الكويت

قالت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن أمير البلاد نواف الأحمد الجابر الصباح وجه الحكومة بتجهيز كافة المستلزمات الإغاثية اللازمة للمغرب.

رومانيا

قال رئيس الوزراء مارتشيل تشيولاكو إن “السلطات الرومانية على اتصال وثيق بالسلطات المغربية ومستعدة لتقديم المساعدة”.

تايوان

قالت إدارة الإطفاء التايوانية إنها وضعت فريقا يضم 120 من رجال الإنقاذ على أهبة الاستعداد للذهاب إلى المغرب ويمكنهم التحرك فور تلقيهم تعليمات من وزارة الخارجية التايوانية.

* بعض الاقتباسات الأخرى من القادة الأجانب

– رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال افتتاح قمة مجموعة العشرين في نيودلهي:

“نتمنى أن يتعافى جميع المصابين قريبا. إن المجتمع الدولي بأسره يقف إلى جانب المغرب في هذا الوقت العصيب ونحن على استعداد لتقديم كل المساعدة الممكنة لهم”.

– الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في رسالة إلى ملك المغرب محمد السادس:

“نرجو نقل كلمات التعاطف والدعم لأسر وأصدقاء الضحايا، وكذلك التمنيات بالشفاء العاجل لجميع الذين عانوا من هذه الكارثة الطبيعية”.

– كريستالينا جورجيفا المديرة العامة لصندوق النقد الدولي:

“قلبي مع الضحايا وعائلاتهم وهم يواجهون هذه المأساة، ومع الذين هم على الخطوط الأمامية لجهود الإنقاذ”.

متحدث باسم الصندوق عند سؤاله عن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي المقرر أن تبدأ في مراكش في التاسع من أكتوبر تشرين الأول:

“تركيزنا الوحيد في هذا الوقت هو على الشعب المغربي والسلطات التي تتعامل مع هذه المأساة.”

– الرئيس التركي طيب أردوغان:

“نقف إلى جانب أشقائنا المغاربة بكل ما لدينا من وسائل في هذا اليوم العصيب”.

– وزارة الخارجية الجزائرية:

قالت إن البلاد تتقدم بخالص تعازيها للشعب المغربي في ضحايا الزلزال، وأضافت أنها تتابع ببالغ الحزن آثار الزلزال العنيف الذي ضرب عدة مناطق في المملكة المغربية.

– وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك:

“تصل إلينا صور مروعة من المغرب. ونشعر بالحزن مع الشعب المغربي على ضحايا الزلزال المروع. قلوبنا معهم ومع جميع الذين يبحثون عمن هم تحت الأنقاض في هذه الساعات ويقاتلون من أجل حياة الكثير من المصابين”.

– الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون:

“شعرنا جميعا بالصدمة بعد الزلزال المروع الذي ضرب المغرب. وفرنسا على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة في مجال الإسعافات الأولية”.

– الملك الإسباني فيليبي السادس في رسالة إلى ملك المغرب:

“لقد شعرت بصدمة شديدة عندما تلقيت أنباء الزلزال العنيف… الذي تسبب في عدد كبير جدا من الضحايا… وأود أن أبلغكم باسم الشعب الإسباني تعاطفنا العميق في مواجهة التداعيات الوخيمة للكارثة وتعازينا الحارة”.

– وزارة الخارجية الإماراتية:

عبرت في بيان عن خالص تعازيها لحكومة وشعب المغرب ولأسر ضحايا هذه المأساة كما تقدمت بتمنياتها بالشفاء العاجل لجميع المصابين.

* مساعدة الرعايا الأجانب

فرنسا

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إن سفارتها في المغرب والوزارة في باريس فتحتا مراكز أزمات “للاستجابة لطلبات الحصول على معلومات أو مساعدة من مواطنينا”.

ألمانيا

قال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية إن السفارة الألمانية لدى الرباط خصصت رقما للطوارئ للألمان المتضررين من الزلزال وإنها على اتصال وثيق بالسلطات المحلية، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

إسرائيل

قالت وزارة الخارجية إنها تحدد أماكن مواطنيها الموجودين حاليا بالمغرب و”تتواصل معهم وتطمئن عليهم”.

(الدولار = 0.9347 يورو)

قرار حل “الدعم السريع” وتأثيره على الحرب (تقرير)

– فتح قرار حل قوات الدعم السريع الطريق أمام التكهنات وما هو قادم من صراع بين الأطراف السودانية
– خبراء رأوا أن قرار حل “الدعم السريع” لن يؤثر بشكل فعلي على مسار الحرب الدائرة
– خبراء آخرون اعتبروا القرار مجرد خطوة في إطار التعبئة العامة ولا يلبي تطلعات الشارع
– “الدعم السريع” واجهت منذ تأسيسها انتقادات وتم تصنيفها بأنها امتداد لـ”مليشيا الجنجويد” سيئة السمعة

تحولت المعركة في السودان بين الجيش وقوات “الدعم السريع” بعيدا عن ميدان القتال المحتدم، إلى ميدان آخر يقوم على مدى شرعية مهام “الدعم السريع” في السودان.

واحتدم الصراع حول “شرعية وقانونية” الدعم السريع ضمن المؤسسات العسكرية في السودان منذ 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، عندما أصدر رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، مرسومين دستوريين بحل قوات الدعم السريع، وإلغاء قانونها.

وأدت تلك الخطوة إلى فتح الطريق أمام التكهنات، وما هو قادم من صراع بين الأطراف السودانية، وفق المراقبين.

خبراء رأوا أن قرار حل “الدعم السريع” لن يؤثر فعليا على مسار الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي، واعتبروه مجرد “خطوة في إطار التعبئة العامة”.

فيما اعتبر خبراء تحدثوا للأناضول أن “الحرب وحدها” هي التي تفرض قوانينها في مسار الحرب الدائرة.

وبموجب القرار، أصبحت “الدعم السريع” التي ظلت خلال السنوات الأخيرة ذراع الحكومة وجيشها في محاربة التمرد في دارفور، دون وجود قانوني لها داخل السودان.

وفي يناير/ كانون الثاني 2017، أجاز البرلمان السوداني مشروع قانون “قوات الدعم السريع”، وهو جعلها تابعة للجيش السوداني، بعد أن كانت تتبع جهاز الأمن والمخابرات.

وفي 30 يوليو/ تموز 2019 أصدر رئيس المجلس العسكري آنذاك، عبد الفتاح البرهان، مرسوما دستوريا عدل بموجبه قانون قوات الدعم السريع، وجعلها “شبه مستقلة وتتبع لقائدها محمد حمدان دقلو”، بعد إلغاء المادة المتعلقة بإخضاعها لأحكام قانون القوات المسلحة السودانية.

وكان القانون ينص قبل التعديل، على أن “قوات الدعم السريع تتبع القوات المسلحة، وتأتمر بأمر القائد الأعلى”.

وتشكلت “الدعم السريع” قبل نحو 10 سنوات، في سياق معقد بالتزامن مع حرب دارفور (غرب) لمحاربة المتمردين في الإقليم، ثم لحماية الحدود لاحقا وحفظ النظام في البلاد.

بيد أن تواجدها بالمدن السودانية واجه انتقادات واسعة محليا، وتم تصنيفها بأنها امتداد لـ “مليشيا الجنجويد” سيئة السمعة، وتعتمد في مكونها على العنصر العربي في دارفور.

لكن الحكومة، آنذاك، ظلت تنفى عن القوات “صفة القبلية”، وأكد المسؤولون الحكوميون مرارا على أنها “قوة قومية”.

ولا توجد تقديرات رسمية بعدد قوات الدعم السريع، إلا أنها تتجاوز عشرات الآلاف وتنتشر في معظم مدن السودان، وعلى حدود البلاد غربا وشرقا.

ويعيش إقليم دارفور منذ عام 2003، نزاعا مسلحا بين الجيش السوداني ومتمردين، ما خلف نحو 300 ألف قتيل وشرد نحو 2.5 مليون شخص، بحسب إحصائيات أممية.

قرار بعيد عن قوانين الحرب

الكاتب والمحلل السياسي عبد الله رزق، رأى أن المرسوم الذي صدر بحل قوات الدعم السريع وإلغاء القوانين المؤسسة لها “لن يكون له أثر في الواقع”.

وقال للأناضول: “القرار لا يخرج من سياق أنه خطوة في إطار التعبئة العامة، واستفادة من الأجواء التي أفرزها قرار الإدارة الامريكية بفرض عقوبات على عبدالرحيم دقلو، شقيق حميدتي، القائد الثاني للدعم السريع”.

وأضاف: “لا أتصور أن هذا الإجراء سيوفر للحرب الدائرة منذ قرابة خمسة أشهر، شرعية كانت تفتقدها”.

واعتبر أن الحرب هي التي “تفرض قوانينها”، مؤكدا “عدم وجود أي جهة تنفيذية يمكنها أن تضع المرسوم موضع التنفيذ، أو تفعل أكثر مما تقوم به القوات المسلحة الآن”.

وشدد على أن المطلوب حاليا هو “إخراج قوات الدعم السريع من المناطق السكنية وتمكين المواطنين من العودة الآمنة الى بيوتهم، وإغاثة المتضررين والوقف الفوري لإطلاق النار، واستئناف التفاوض من أجل التوصل لاتفاق نهائي لوقف العدائيات وإنهاء الحرب”.

من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أمير بابكر، أن تأثير قرار حل قوات الدعم السريع “لن يكون كبيرا”.

وأوضح: “الحرب بعد اندلاعها هي التي تضع شروطها وقوانينها التي تحركها وتغذيها، ما لم يتدارك الطرفان الموقف ويعودان لصوت العقل والجلوس على طاولة الحوار”.

وذكر بابكر أن قرار البرهان بحل الدعم السريع “ناقص ولا يلبي تطلعات الشارع الذي ظل متمسكا بشعار العسكر للثكنات والجنجويد (المليشيا) تنحل (في إشارة للدعم السريع)”.

وفي السياق، شدد بابكر على ضرورة صدور قرار بعودة العسكر للثكنات، قائلا إنها “الخطوة التي كانت ستضع أوزار الحرب، وستحل تلقائيا قوات الدعم السريع، وحينها تتفرغ القوات المسلحة لمهامها، وتؤسس لبناء الدولة المدنية الديمقراطية”.

نفوذ يقابله انتقادات

ورغم الانتقادات التي لاحقت “الدعم السريع” منذ تأسيسها في 2013، إلا أن الثقة التي حظيت بها من الرئيس المعزول عمر البشير (1989-2019)، منحتها مزيدا من القوة والنفوذ والدعم، لتكون أحد أذرع النظام القوية.

وحافظت على ذلك الزخم من الاهتمام بعد سقوط البشير في 11 أبريل/ نيسان 2019، حيث شاركت في المجلس العسكري الذي استلم الحكم برئاسة عبد الفتاح البرهان.

واستمر الحال على هذا المنوال، مع تولي قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” منصب نائب رئيس مجلس السيادة في أغسطس/آب 2019 بعد التوصل إلى وثيقة سياسية بين العسكر وقوى الحرية والتغيير (سياسية تشكلت من تجمعات مدنية ومهنية)، إلى أن أقاله البرهان، بعد شهر من القتال بين الجيش والدعم السريع بالعاصمة الخرطوم.

وظلت “الدعم السريع” محل اتهام بارتكاب انتهاكات في دارفور وفي تظاهرات سبتمبر 2013، التي راح ضحيتها عشرات القتلى بالخرطوم، وكذلك في حادثة فض اعتصام القيادة بالخرطوم في يونيو/حزيران 2019، وهو ما تنفيه قياداتها.

ومنذ منتصف أبريل، يخوض الجيش وقوات “الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وأكثر من 5 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة.

ويتبادل الجيش بقيادة البرهان، و”الدعم السريع” بقيادة “حميدتي”، اتهامات بالمسؤولية عن بدء القتال وارتكاب انتهاكات خلال الهدنات المتتالية.

)الأناضول(

“سبوتنيك”: هل هناك علاقة بين قرار حل قوات الدعم السريع والعقوبات الأمريكية وجولات البرهان خارج السودان؟

تسارعت الأحداث المتعلقة بالحرب في السودان، خلال الساعات الماضية، ما بين عقوبات أمريكية وقرار البرهان بحل قوات الدعم السريع، بعد ما يقارب 5 أشهر من بداية الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع، وهو ما يعني أنه في الأيام المقبلة قد يتعقد المشهد بصورة كبيرة من الناحية السياسية والعسكرية، ما يشير إلى تلاشي آمال وقف قريب للحرب في السودان.
فلماذا تأخر قرار قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بحل قوات الدعم السريع، ومدى ارتباطة بالعقوبات الأمريكية والجولات الخارجية للبرهان؟
بداية، يقول الحقوقي السوداني، عامر حسبو، إن “قرار رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، رسميا حل ميليشيات الدعم السريع وإلغاء قانون اعتمادها في عام 2017، لا يعدو أن يكون قرارا سياسيا لا يؤثر في مجريات الأحداث و الحرب القائمة، منذ منتصف نيسان/ أبريل الماضي”.
قرار سياسي
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”، أن “قوات الدعم السريع أنشئت باعتراف رسمي من حكومة البشير السابقة عام 2013، وكانت تقاتل في صف القوات المسلحة آنذاك خاصة في دارفور و جبال النوبة، و أجاز البرلمان قانون عام 2017، إذ انتقلت تبعيتها بموجبه إلى القوات المسلحة تحت مسمى قانون الدعم السريع (قوات عسكرية قومية التكوين وتتقيد بالمبادئ العامة للقوات السودانية)، وساهمت هذه القوات، في وقت سابق، في تأمين الحدود من التهريب والاتجار بالبشر، فضلا عن أن قائد قوات الدعم السريع هو نائب رئيس مجلس السيادة بحكم الدستور”.
وأشار حسبو إلى أن

الوضع القانوني لقوات الدعم السريع بحسب الدستور والقانون، هو الذي حدّد نظرة المجتمع الدولي والإقليمي للصراع الحالي بين الدعم السريع والجيش، وأنه صراع بين فصيلين داخل القوات المسلحة، أي هو صراع داخلي.

وأوضح الحقوقي السوداني: “بناءً على المعطيات السابقة، يمكن القول إن القرار الذي أصدره رئيس مجلس السيادة بحل الدعم السريع قرار كيدي سياسي، لن يؤثر في مجريات الأحداث، ولن يغيّر من هزيمة الدعم السريع، بل سوف يدفع قائد الدعم السريع، حميدتي، إلى أن يخطو بخطوة مماثلة في التصعيد، بسحب اعترافه من الجيش السوداني وتنفيذ رؤية الدعم السريع بالحل السياسي، الذي طرحه وقدمه الأسبوع الماضي، وإن لم يلب ذلك الطرح من قبل الأطراف العسكرية أو السياسية فالمعادلة القادمة سوف تكون التفتيت والتخريب والانفصالات بحجم الوطن السودان”.
العقوبات الأمريكية
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي السوداني، عثمان ميرغني، إن “قرار حل قوات الدعم السريع من جانب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان مرتبط بالقرار الأمريكي الصادر بعقوبات ضد قائد ثاني قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو (حميدتي)، لأن العقوبات سوف تشمل قوات الدعم السريع باعتبارها واحدة من الجهات المرتبطة بهم، وقصد القرار الذي أصدره البرهان بحل قوات الدعم السريع إلى قطع الصلة بين القرار الأمريكي وكثير من الأصول التي يملكها الدعم السريع مباشرة داخل السودان وخارج السودان”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”:

هناك بعض الدول خارج السودان سجلت الأصول والممتلكات والأموال باسم قوات الدعم السريع، فهي محاولة لقطع الصلة القانونية بين القرار الأمريكي وبين هذه الأصول، في محاولة لتقليل انعكاسات القرار على الأموال التي يمكن أن تكون تحت قبضة أو تحت يد الحكومة السودانية.

وتابع ميرغني: “قوات الدعم السريع لديها إمبراطورية اقتصادية هائلة تتكون من عقارات وأصول من الذهب وغيرها، علاوة على الشركات داخل وخارج السودان، هذه الأصول بعضها مكتوب باسم قوات الدعم السريع، وخاصة الموجودة في السودان كلها تقريبا مكتوبة باسم قوات الدعم السريع، والقرار الأمريكي الموجّه ضد، عبد الرحيم دقلو، يشمل هذه الأصول باعتبار أنها تتبع للدعم السريع، لكن إذا انتفت الصلة بين هذه الأصول والدعم السريع يصبح القرار الأمريكي لا يشمل هذه الأصول، خاصة الموجودة في داخل السودان”.
الامبراطورية الاقتصادية
وأشار المحلل السياسي إلى أن “قرار البرهان قد يكون محاولة فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الامبراطورية المالية التي تتبع للدعم السريع لتعود للدولة، لأن مجرد إلغاء الصفة الاعتبارية للدعم السريع تصبح هذه الممتلكات خاضعة للحكومة السودانية وليس الدعم السريع، باعتبار أن الدعم السريع كان واحدا من واجهات الحكومة”.
وحول ما إذا كان القرار الأمريكي يستهدف دعم الحكومة السودانية، يقول ميرغني: “القرار الأمريكي لا يدعم الحكومة هو ليس موجها للحكومة هو موجه ضد قوات الدعم السريع، لكن الحكومة رأت أنه يمكن استغلال تلك الحالة واتخاذ بعض الخطوات حتى تستطيع منع شمول هذه الممتلكات والأصول بالقرار الأمريكي وأن تضع يدها عليها، لأنها أصول وممتلكات لجهة كانت جزءا من الحكومة السودانية، وكأنما هي محاولة للاستحواذ على هذه الممتلكات حتى لا تخضع للقرار الأمريكي لصالح الحكومة السودانية. يعني القرار لم يصدر لصالح الحكومة السودانية”.
وتعليقا على ما استند إليه البرهان في قرار الحل، يرى المحلل السياسي أن “البرهان استند على أن مجلس السيادة الآن يعد الجهة التشريعية في البلاد أي بمثابة البرلمان ويمكنه إصدار تشريعات ذات صفة قانونية وفقا للوثيقة الدستورية، لكن في الحقيقة مجلس السيادة الحالي قد انقلب على تلك الوثيقة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وعلى الحكومة المدنية التي تم تشكيلها بناء على تلك الوثيقة، لذا فإن كل ما يصدر عن المجلس بعد ذلك لا يستند إلى قانون”.
تأثير قرار الحل
ولفت ميرغني إلى أن “قرار حل الدعم السريع ليس له تأثير، لكن التأثير الحقيقي والكبير جدا يأتي من القرار الأمريكي بفرض العقوبات على عبد الرحيم دقلو، حيث أن القرار الأمريكي أطلق رصاصة الرحمة على قوات الدعم السريع بصورة مباشرة وغير مباشرة، الصورة المباشرة أنه شلّ تماما القدرات المالية والاقتصادية التي كانت عن طريقها تستطيع قوات الدعم السريع استيراد الأسلحة والبشر أو الجنود من غرب أفريقيا ودفع رواتب ومصروفات يومية ضخمة جدا، فالآن هناك مشكلة حقيقية لأن القرار الأمريكي لن يشمل ممتلكات عبد الرحيم دقلو فقط، لأن المؤسسات والبنوك سوف تضع محاذير على التعامل مع كل من له شبهة التواصل مع الدعم السريع، وهذا استنتاج من تجربتنا السابقة في فترة الحصار الأمريكي”.
تهيئة الأجواء
بدوره، يقول المحلل السياسي السوداني، وليد علي، إن “البرهان تأخر منذ بداية الحرب في اتخاذ عدد من القرارات بما فيها قرار حل قوات الدعم السريع والذي جاء متأخرا جدا، لكن على ما يبدو أن البرهان كان يحاول تهيئة الأجواء الإقليمية والدولية لتقبل القرار، فخلال الفترة الأولى أو بدايات الحرب كان من الواضح أن الدعم السريع يحوز على بعض التأييد والشرعية من بعض دول الإقليم وكان البعض يتعامل معه على أنه ند للجيش السوداني وله نفس شرعية الجيش، ولا يخفى علينا الدور الأفريقي السلبي للتعامل مع الأزمة”.
وأضاف في حديثه لـ”سبوتنيك”: “يبدو أن الأحداث السياسية تسارعت بعد زيارة البرهان لمصر، والذي انعكس على السياسة الخارجية للسودان، نظرا لما تتمتع به القاهرة من ثقل إقليمي ودولي ساعد في شرح الأوضاع للعالم، وأعتقد أن أي قرار يصدر من البرهان في الوقت الراهن له ارتباط بتلك الزيارة”.
تغيير المواقف
وأشار أبو زيد إلى أن

تصريح وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بشأن الانتهاكات التي ارتكبها الدعم السريع والعقوبات التي فرضت بالاسم على نائب قائد القوات عبد الرحيم دقلو، تدل على أن هناك تغيرا كبيرا في الموقف الأمريكي وشرحا للوضع الراهن، وهذا الأمر قد جاء من دولة ذات ثقل سياسي كبير، وهذا الأمر يصب في مصلحة الدولة السودانية.

وأوضح أن “قرار حل الدعم السريع لن يكون له تأثير على الأوضاع العسكرية على المدى القريب، لا يزال الدعم السريع يمتلك العديد من مفاتيح اللعبة بيده، من بينها العلاقات مع بعض الدول الإقليمية التي ترتبط معه بمصالح، لذا أعتقد أن الحرب لن تضع أوزارها خلال فترة قصيرة، لكن سوف تقل مقدرة الدعم السريع بمرور الوقت ولن يكون قادرا على الدخول إلى الولايات التي يجهز حاليا للوصول إليها ومن بينها ولاية الجزيرة التي تعد ثاني ولاية مهمة في البلاد”.
ووصفت قوات الدعم السريع،  الخميس، قرار وزارة الخزانة الأمريكية، بفرض عقوبات بحق الفريق عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، بـ”المؤسف والصادم والمجحف”.
وقالت قوات الدعم السريع، في بيان لها، إن “هذا القرار سياسي محض، تم اتخاذه دون تحقيق دقيق وشفاف حول الطرف المتسبب في اندلاع الحرب، وما صاحبها من انتهاكات ارتكبت من أطراف مختلفة”.
وأضاف البيان أن “هذا قرار انتقائي لن يساعد في تحقيق هدف من الأهداف الجوهرية التي ينبغي التركيز عليها، وهو التوصل إلى حل سياسي شامل وإجراء عملية عدالة انتقالية شاملة تؤدي إلى إنصاف الضحايا وصناعة وبناء السلام المستدام”، مؤكدًا أن “القرار جانبه الصواب في توصيف ما حدث في غرب دارفور، وفي تحديد الأطراف التي شاركت فيه، وهو صراع قبلي قديم ومتجدد”.
وأكدت الدعم السريع أن “القرار الأمريكي تجاهل بانتقائية بائنة الانتهاكات الفظيعة، التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وكتائب النظام البائد الإرهابية على نطاق واسع، بالقصف الجوي والمدفعي واعتقال المدنيين المناهضين للحرب في مختلف أنحاء السودان، وتجويع وتعذيب المعتقلين، وخرق حظر الطيران في دارفور، بالقصف الجوي المستمر على السكان المدنيين في نيالا”، على حد وصفها.
ووصف البيان “اتهام قائد قوات الدعم السريع في ولاية غرب دارفور، اللواء عبد الرحمن جمعة، بالمسؤولية عن قتل والي الولاية وشقيقه، بـ”الخطوة المعيبة”، التي لم تتبع الأسس المعلومة في التحقيق”.
وأكد البيان أن “الاتهام تجاهل دعوة قوات الدعم السريع الصريحة والمعلنة بإجراء تحقيق دولي مستقل بشأن الأحداث، التي وقعت في عاصمة ولاية غرب دارفور ومقتل خميس عبد الله أبكر، والي الولاية”.
وختمت قوات الدعم السريع بيانها بـ”التأكيد مجددا على أنها ثابتة على موقفها المعلن منذ بداية الحرب، وهو ضرورة إيقافها (الحرب) بمخاطبة أسبابها الجذرية وإجراء عمليات شاملة لتحقيق العدالة في سياق الحل الشامل”، بحسب البيان.
وتتواصل، منذ أكثر من 4 أشهر، اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في مناطق متفرقة من السودان، تتمركز معظمها في العاصمة الخرطوم، والتي أسفرت عن المئات من القتلى وإصابة المدنيين.
ولعبت أطراف عربية وأفريقية ودولية دور الوسيط لوقف إطلاق النار في السودان، لكنها فشلت في التوصل إلى وقف القتال بشكل دائم.

الحرب تنعش تجارة الأسلحة في شرق السودان

البطانة (السودان) (أ ف ب) – يشهد شرق السودان حركة ناشطة في الاتجار بالسلاح، خصوصا في المنطقة الحدودية مع إريتريا وإثيوبيا في ظل حرب متواصلة في البلاد منذ أربعة أشهر، إلى حدّ لم يعد في إمكان التجّار تلبية الطلب.

وبدأت المعارك في 15 نيسان/أبريل بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وأسفرت حتى الآن عن مقتل نحو خمسة آلاف شخص ونزوح 4,6 ملايين سواء داخل البلاد أو خارجها. وفي البلد الذي يبلغ عدد سكانه 48 مليون نسمة وعانى لعقود من نزاعات مسلحة وحروب أهلية، كان السلاح منتشرا أصلا، ويسجّل في ظل العنف الجاري، مزيد من الطلب على السلاح، وارتفاع هائل في الأسعار.

في سوق تجاري صغير قرب المثلث الحدودي بين البلدان الثلاث في شرق السودان، قال مهرّب الأسلحة ود الضو الذي اختار اسما مستعارا لوكالة فرانس برس، “زاد الطلب على السلاح حتى صرنا لا نستطيع تلبيته”.

وتابع المهرب البالغ من العمر 63 عاما ضاحكا “ماذا تريد؟ كلاش (البندقية الآلية أو الكلاشينكوف) أم قناصا أم مسدسا”، في إشارة إلى أنواع الأسلحة المتاحة لديه.

وتؤكد السلطات الموالية للجيش باستمرار ضبط شحنات من الأسلحة تصفها بـ”المتطورة”.

في العاشر من آب/أغسطس، تبادلت قوة من الجيش في ولاية كسلا في شرق البلاد إطلاق النار مع مهربين كانوا يستقلّون شاحنتين محمّلتين بالأسلحة، وفق ما نقلت وكالة أنباء السودان (سونا) التي أضافت أن الشحنتين كانتا في طريقهما إلى الخرطوم لصالح قوات الدعم السريع.

“الإقبال الآن أكبر”

وكشف مسؤول أمني لوكالة فرانس برس طلب عدم ذكر اسمه أن السلطات صادرت أيضا خلال أشهر الحرب الماضية شحنيتن من السلاح، “واحدة جنوب ميناء سواكن على البحر الأحمر، وأخرى قرب كسلا”، لافتا إلى عدد من “عمليات (المصادرة) الصغيرة” الأخرى.

ويوضح ود الضو لفرانس برس أن السبب وراء ضبط هذه الشحنات يعود الى أنه “في السابق، كانت الشحنات تصلنا كل ثلاثة أشهر.. الآن تصلنا شحنة كل 15 يوما تقريبا”.

حتى قبل اندلاع الحرب، كانت كمية الأسلحة المتواجدة في البلاد تثير قلق الحكومة.

في نهاية العام الماضي، أعدّت لجنة جمع السلاح، وهي جهة حكومية تشكّلت العام 2017، تقريرا أفاد بأن هناك “خمسة ملايين قطعة سلاح في أيدي المواطنين، غير الأسلحة لدى الحركات المتمردة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق”.

ويؤكد صالح (اسم مستعار) البالغ من العمر 35 عاما والذي يعمل في تهريب الأسلحة أن “الإقبال على تجارة السلاح اليوم أكبر”، لافتا إلى ظهور وجوه جديدة في المجال، “أشخاص لم يعملوا بها من قبل”.

– أسلحة روسية وأميركية وإسرائيلية –

وتداول مستخدمو منصّات التواصل الاجتماعي مؤخرا صورة لمئات من رجال قبيلة في شرق السودان يحملون أسلحة رشاشة وبنادق آلية ويعلنون ولاءهم للجيش في الحرب الجارية.

ويقول صالح لفرانس برس إن اهتمامات الزبائن في الوقت الحالي اختلفت عن السابق. “كان الطلب على المسدسات سابقا، أما الآن يرغب الناس في بنادق القنص والرشاشات”، مشيرا إلى أن أنواع بنادق القنص المتاحة “إما أميركية أو إسرائيلية، وهناك القليل إيراني”.

وعن أسعار الأسلحة، يقول صالح إن الرشاش الآلي الروسي “الكلاشنكوف” بلغ سعره ما يعادل 2000 دولار تقريبا، مقارنة بحوالى ألف دولار قبل الحرب.

وبلغ سعر بندقية القنص الأميركية ما يعادل 8300 دولار، فيما بلغ ثمن مثيلتها الإسرائيلية حوالى عشرة آلاف دولار وهي من بين “الأعلى طلبا”، بحسب صالح الذي يشير الى أن بضاعته “تأتي من البحر الأحمر”، من دون المزيد من التفاصيل.

ويقول المسؤول الأمني “يستخدم مهرّبو السلاح والمخدرات مرافئ في مناطق نائية من جنوب البحر الأحمر، جغرافيتها وعرة”، مضيفا “من أشهر المناطق: منطقة خليج سالم جنوب مدينة طوكر وقرب حدود السودان مع إريتريا”.

ويتابع أن حركة تجارة الأسلحة في هذه المنطقة لا تقتصر على السودان فقط بل “ينشط فيها مهرّبون من اليمن، وبعض المهربين من الصومال.. وهم جزء من مجموعات مرتبطة بشبكات عالمية لتهريب الأسلحة”.

– سهل البطانة –

ويوضح المسؤول الأمني أن “مثلث الحدود بين الدول الثلاثة يعتبر تاريخيا مركزا لتجارة السلاح غير الشرعية بسبب نشاط المجموعات المسلحة الإثيوبية الإريترية ضد حكوماتها”.

ويشير بالتحديد إلى منطقة “البطانة”، وهي منطقة سهلية منبسطة تمتد من شرق السودان وحتى العاصمة وتمر بها ولايات كسلا والقضارف والجزيرة ونهر النيل، و”تمثل ممرا لتهريب السلاح”.

ويتابع “البطانة منطقة قليلة السكان والتواجد الأمني فيها ضعيف، كما أن طرقها غير ممهدة وتحتاج إلى خبير لمعرفتها”.

ويقول ود الضو من جهته “يشتري ناس البطانة السلاح لأنهم يعملون بالرعي والزراعة، وبعد حرب الخرطوم، بات كل واحد منهم يريده لحماية نفسه”.

وفيما يتهم الجيش قوات الدعم السريع بأنه المشتري الأول لشحنات الأسلحة المضبوطة، نفت قوات الدعم السريع ذلك. وقال ضابط فيها لوكالة فرانس برس “نحن قوة نظامية لديها قانَون، ومصدر تسليحها معروف ولا نتعامل مع المهربين، بل نعمل على ضبطهم”.

ويقول صالح ردّا على سؤال عن الجهات الشارية، “نحن نسلّم البضائع لأشخاص في البطانة ولا نسأل عن وجهتها”.

مستقبل الطلاب في مهب المعركة

الخرطوم: تواجه العملية التعليمية في السودان، تعقيدات بالغة في ظل استمرار الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ منتصف إبريل/نيسان الماضي.
وتواترت أنباء عن نية الحكومة تعطيل العام الدراسي 2023 – 2024، في ظل عدم صرف رواتب المعلمين وتحول المدارس في الولايات إلى دور إيواء للنازحين الفارين من نيران الحرب في العاصمة الخرطوم.

أضرار جسمية
وذكرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في بيان لها الإثنين، أنه “منذ تفجر الاشتباكات (بين الجيش وقوات الدعم السريع) طال التخريب كل مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي بولاية الخرطوم وعددا من الولايات الأخرى”.
وأضافت “تأثرت هذه المؤسسات كليا أو جزئيا وعددها (104) من مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة والمراكز البحثية والصندوق القومي لرعاية الطلاب”.
كما “تضررت”، وفق البيان “رئاسة الوزارة باشتعال النار في عدد من طوابقها، واحتراق عدد كبير من المكاتب”.
وأضافت الوزارة: “تضررت أيضا جامعات كثيرة بكلياتها المتنوعة في البنى التحتية من المعامل والورش والمكتبات والقاعات والمكاتب الإدارية حرقا ونهبا وتكسيرا”.
وأردفت: “تضررت في ولاية الخرطوم جميع الجامعات الحكومية بكلياتها، بجانب أكثر من عشر جامعات خاصة، وجامعتين أهليتين وعشرين كلية جامعية”.
وأشار البيان، إلى “استهداف ممنهج لممتلكات ومساكن أعضاء هيئة التدريس والعاملين في مناطق كثيرة من العاصمة وبعض الولايات”.

عام دراسي فاشل
وقال المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين (مستقلة تشكلت عام 2015 لحماية حقوق المعلمين) سامي الباقر، إن وزارة التربية والتعليم “ينبغي أن تعلن موقفا واضحا بشأن العملية التعليمية والعام الدراسي الجديد 2023 – 2024”.
وأضاف أن اللجنة “رأت أن الحرب أثرت بشكل مباشر على العام الدراسي السابق ويمكن وصفه بالفاشل بدرجة كبيرة، خاصة وأن عدد أيامه لم تتجاوز 90 يوما، وأقل مدة متفق عليها عالميا هي 180 يوما.
وأردف الباقر: “لم تُجرَ امتحانات شهادة الثانوية العامة السودانية للعام الماضي حتى الآن، ويستحيل إجراؤها في ظل الواقع الحالي، باعتبارها امتحانات تجرى في كل السودان”.
وتابع: “الآن أكثر من 10 ولايات في السودان متأثرة بالحرب بطريقة أو بأخرى، بالتالي يستحيل إجراء امتحانات الشهادة السودانية في هذا الظرف”.
وأشار الباقر إلى أن “بعض الكتب المدرسية غير متوفرة لكثير من المراحل الدراسية نتيجة توقف المطابع بسبب الحرب الدائرة في البلاد”.
وزاد: “إلى الآن في 11 ولاية ضمن 18 ولاية لم يتم صرف رواتب 5 أشهر للمعلمين، وهذا واقع مزرٍ جدا”.
وتابع الباقر: إضافة إلى ذلك، فإن الكثير من المعلمين “اضطروا إلى النزوح من مناطق الحرب والنزاع”.
وأعرب عن اعتقاده بأنه “من المستحيل تدشين العام الدراسي المقبل في ظل الحرب، وإذا تم فتح العام الدراسي ستواجهه مشكلات كفيلة بانهياره منذ البداية”.

ثكنات عسكرية
وأوضح الباقر أن “المدارس في ولايات الخرطوم أصبحت ثكنات عسكرية أو مستهدفة بالقصف، ولدينا نماذج كثيرة من المدارس”.
وأضاف: “في المناطق الآمنة، والتي أصبحت ملاذا آمنا للفارين من مناطق الحرب مثل ولايات الجزيرة (وسط) نهر النيل، والشمالية (شمال)، وكسلا (شرق)، والنيل الأبيض (جنوب)، وسنار (جنوب شرق)، أصبحت دور إيواء للنازحين”.
وتابع الباقر: “كذلك هناك ولايات متأثرة بالحرب مثل ولايات وسط وغرب وشمال وجنوب دارفور وشمال كردفان”، لافتا إلى أن المدارس فيها إما متضررة أو أنها أصبحت دور إيواء”.

نزوح ولجوء
من جهتها قالت عضو لجنة المعلمين السودانيين قمرية عمر، إن العملية التعلمية “كل محاورها متأثرة تماما بالحرب”.
وأشارت إلى أن الطلاب “تأثروا بشكل مباشر بسبب النزوح واللجوء، وعدم الاستقرار”.
وأضافت عمر أن “المعلمين أيضا يعانون جراء عدم صرف الرواتب لمدة شهور، بالإضافة إلى محن الكثير منهم، فأوضاعهم أصبحت صعبة جدا”.
وتابعت: “المدارس تأثرت وأصبحت ثكنات ومناطق عسكرية تدار منها العمليات الحربية، بالإضافة إلى تعرضها للنهب من قبل القوات المتحاربة وعصابات السرقة”.

تعقيدات بالغة
من جهته يرى مصعب عبد الله وهو معلم بمرحلة الأساس بالسودان، أن العام الدراسي الجديد “يواجه تعقيدات بالغة، خاصة وأن وزارة المالية أخفقت في صرف رواتب المعلمين في 11 ولاية من ضمن 18 ولاية”.
وأوضح عبد الله في حديثه أن المدارس في الولايات “أصبحت مراكز إيواء للنازحين الفارين من الحرب في الخرطوم”.
بدوره يقول يوسف الهادي وهو أب لعدد من التلاميذ، إن “مستقبل الطلاب السودانيين أصبح في خطر بالغ جراء الحرب التي ستؤدي إلى تدمير العملية التعليمية في السودان”.
وأضاف الهادي في حديثه: “ليس لدينا خيار لتعليم أبنائنا في الوضع الراهن، وكل الظروف غير مواتية لإيجاد بدائل لتعليم الأبناء”.

ومنذ منتصف إبريل/نيسان الماضي يخوض الجيش وقوات “الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وأكثر من 4 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة.
ويتبادل الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، و”الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، اتهامات بالمسؤولية عن بدء القتال وارتكاب انتهاكات خلال الهدنات المتتالية.

(الأناضول)

أول ظهور للبرهان منذ أبريل.. هل بدأت نهاية حرب السودان؟

الخرطوم / عادل عبد الرحيم – بهرام عبد المنعم / الأناضول

– رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش ظهر الخميس خارج مقر قيادة الجيش للمرة الأولى منذ 130 يوما وبدأ جولة تفقدية في الخرطوم وولايات أخرى
– قيادي بتحالف قوى الحرية والتغيير: خروج البرهان يعطي فرصة كبيرة لمواصلة التفاوض الجاد في منبر جدة لتحقيق وقف إطلاق النار طويل الأمد
– كاتب ومحلل سياسي: خروج البرهان من مقر قيادة الجيش تطور إيجابي لصالح التواصل مع المجتمع الدولي وإنهاء الحرب وأتوقع تشكيل حكومة تصريف أعمال
– كاتب: يبدو بخروج البرهان ترتيبات سعودية، وفي حال وصل المملكة ستكون البداية لختام الحرب وربما بخطوات تعيد ترتيب المشهد لصالح القوى المدنية

 

أقدم رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان على خطوة غير مسبوقة منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع منتصف أبريل/ نيسان.

للمرة الأولى يظهر البرهان خارج مقر قيادة الجيش وسط العاصمة الخرطوم بعد ما يزيد عن 4 أشهر من القتال، إذ تفقد قواته في مدينة أم درمان غرب الخرطوم، الخميس.

وأثار هذا الظهور جدلا واسعا بشأن توقيته وهدفه، خاصة وأن قوات الدعم السريع ظلت تردد منذ بدء الحرب أن “البرهان محاصر في بدروم (قبو) داخل مقر قيادة الجيش”.

وبعد ساعات من ظهوره في أم درمان، توجه البرهان إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل (شمال) التي تبعد عن الخرطوم 310 كيلو مترات، وتفقد مقر سلاح المدفعية، وزار مصابي القتال من الجيش في مستشفى الجيش والشرطة.

وبعدها، توجه إلى مدينة الدامر عاصمة ولاية نهر النيل، حيث تفقد نازحي الحرب الفارين من الخرطوم.

وتباينت الآراء حول الظهور المفاجئ للبرهان، الذي يخوض معارك شرسة ضد نائبه المعزول محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقواته في الخرطوم ومدن أخرى عديدة.

واعتبر مراقبون أن خطوات البرهان محسوبة بغرض إجراء تحركات سياسية تدعم موقفه التفاوضي، بينما رأى آخرون أن خروجه يدل على قرب انتهاء القتال، وثقته بقدرة الجيش على حسم المعركة قريبا.

وأعلن متحدث الجيش العميد نبيل عبد الله، الجمعة، أن البرهان يواصل جولاته التفقدية لبعض المناطق العسكرية داخل منطقة العاصمة المركزية وخارجها، من دون تفاصيل.

وظهور البرهان هو الأول له منذ 130 يوميا خارج مقر قيادة الجيش، إذ يرجع آخر ظهور له إلى 18 يوليو/ تموز، حين ظهر حاملا سلاحا رشاشا ومسدسا وقنبلة يدوية ويترأس اجتماعا عسكريا في مركز القيادة.

ومنذ منتصف أبريل، يخوض الجيش و”الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها؛ ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وما يزيد عن 4 ملايين نازح ولاجئ داخل وخارج إحدى أفقر دول العالم، بحسب الأمم المتحدة.

فرصة كبيرة

القيادي بتحالف قوى الحرية والتغيير بابكر فيصل قال إن “خروج قائد الجيش من مبنى القيادة العامة، وقد دخلت الحرب اللعينة شهرها الخامس وما يزال حصد الأرواح وتدمير الممتلكات وإنتهاك حقوق الإنسان، هو سيد المشهد”.

وأضاف، في تدوينة على فيسبوك: “يعطي هذا الخروج فرصة كبيرة لمواصلة التفاوض الجاد في منبر جدة (بالسعودية) لتحقيق وقف إطلاق النار طويل الأمد”.

فيصل تابع أنه على البرهان أن “يضع نصب عينيه تحقيق ذلك الهدف وألا تُزيغ بصره الأصوات الداعية لمواصلة نزيف الوطن وإنسانه باستمرار الحرب”.

فيما قالت الحركة الشعبية لتحرير السودان- التيار الثوري الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان (أحد مكونات الحرية والتغيير)، عبر بيان السبت: “يجب ألا نغرق في التخمينات والدعاية والدعاية المضادة”.

وتابعت الحركة: “علينا طرح السؤال الهام: هل سيستخدم خروجه (البرهان) لدفع البلاد نحو وقف الحرب والسلام أم سيستخدم لدعم أجندة الفلول (أنصار نظام الرئيس السابق عمر البشير 1989-2019) والمضي نحو توسيع دائرة الحرب جغرافيا وإطالة أمدها”.

وأردفت: “نقترح على قائد الجيش إجراء مشاورات واسعة مع كل القوى الوطنية والديمقراطية، والعمل على توحيد منبر للتفاوض مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لحل قضية الحرب وتحويل الكارثة إلى منفعة بمشاركة فعلية من قوى التغيير”.

وفي 6 مايو بدأت السعودية والولايات المتحدة برعاية محادثات بين الجيش و”الدعم السريع”، أسفرت عن اتفاق في جدة بين الجانبين لحماية المدنيين، بالإضافة إلى أكثر من هدنة جرى خرقها وتبادل الطرفان اتهامات، ما دفع الرياض وواشنطن إلى تعليق المفاوضات.

تطور إيجابي

يرى الكاتب والمحلل السياسي الطاهر سآتي، في حديث للأناضول، أن خروج البرهان من القيادة العامة “تطور إيجابي لصالح إنهاء الحرب وإحلال السلام”.

وأضاف: “المعارك الأخيرة في الخرطوم قصمت ظهر المليشيا المتمردة (الدعم السريع)، وتسببت بخسائر كبيرة لها، ومكنت الجيش من فرض سيطرته.. كل هذا يأتي في إطار إنهاء التمرد وإحلال السلام”.

واعتبر أن “خروج البرهان لا يعني التخلي عن العمل العسكري ومواصلة الحرب حتى القضاء على التمرد، لكنه سيكون مشرفا على العملية العسكرية وإدارة الدولة وأجهزتها التنفيذية، خاصة وأن أجهزة الدولة خلال أشهر الحرب كانت ضعيفة”.

وتوقع أن “يتم تشكيل حكومة تصريف أعمال، خاصة أن المواطن في المناطق الآمنة يحتاج إلى تحسين الوضع الاقتصادي وتشكيل رؤية لما بعد الحرب”.

كما أن “خروج البرهان يعني تواصله مع المجتمع الدولي من خلال الشرعية للمساهمة في تحقيق السلام وتعمير ما دمرته الحرب، وكذلك إتاحة الفرصة للقوى السياسية لابتدار مبادرات سياسية جادة لتحقيق السلام وتشكيل مرحلة سياسية جديدة”، بحسب سآتي.

ترتيبات خارجية

أما الكاتب والمحلل السياسي أمير بابكر عبد الله فقال إن “خروج البرهان جاء في مرحلة حاسمة من مراحل الحرب المستمرة، وتبدو فيه بوضوح جدا ترتيبات خارجية ماضية في حل الأزمة، خاصة وأنه تزامن مع ضغوط دولية وإقليمية شديدة لوقف إطلاق النار”.

عبد الله تابع للأناضول أنه “في ظل الحصار الذي كان مفروضا على تحركات البرهان، كان القرار سيظل رهينا لأجندات الداعمين للحرب، بينما خروج البرهان سيعيد ترتيب المشهد بشكل مغاير لدعاة استمرار الحرب”.

واعتبر أن “من أبرز تداعيات خروج البرهان قد تكون هي زيارته المرتقبة إلى السعودية، اللاعب الرئيس في مسألة حل الأزمة السودانية عبر منبر جدة، بالتضامن مع واشنطن”.

و”واضح أن السعودية لها يد في ترتيبات خروج البرهان للوصول إلى نهايات لاتفاق مكتمل الأركان أصلا، فالسعودية ستواصل جهودها في ترسيخ مكانتها الإقليمية عبر تحقيق اتفاق سلام بين الأطراف السودانية”، كما أضاف عبد الله.

وزاد بقوله: “لذلك يمثل خروج البرهان، وفي حال وصوله إلى السعودية، البداية لختام الحرب، وربما بخطوات تعيد ترتيب المشهد السوداني لصالح القوى المدنية وخروج العسكر من المشهد السياسي كليا”.

و”هذا الخروج يشير إلى أن الفرصة جاءت الآن للبرهان لكي يعمل على إحلال السلام والحفاظ على المؤسسة العسكرية ووحدة السودان، بعد أن أهدر العديد من الفرص منذ انتصار ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018 (أطاحت لاحقا بالبشير)”، كما ختم عبد الله.

عدد النساء اللاتي يهاجرن من القرن الأفريقي إلى الخليج تضاعف خلال عامين

شهد الطريق الشرقي للهجرة من القرن الأفريقي إلى دول الخليج زيادة كبيرة في عدد النساء المهاجرات، إذ تجاوز عددهن 100 ألف امرأة في 2022.
وكان أغلب الذين يسلكون الطريق الشرقي للهجرة إلى الخليج من الرجال، كما تشير إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة، لكن في العامين الماضيين ارتفع عدد النساء المهاجرات عبر هذا الطريق من 53 ألفا إلى أكثر من 106 آلاف امرأة، حسب الوكالة الروسية  (سبوتنيك) النسخة الإنجليزية.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإن النساء الأفريقيات اللاتي يسلكن هذا الطريق عبر اليمن يواجهن صعوبات كثيرة تشمل التحرش وسوء المعاملة والزواج القسري أو حتى الاتجار بالبشر.
وتقول المنظمة الدولية للهجرة إنها لا تستطيع تقديم المساعدة لجميع المحتاجين، الذين يتعرضون لمثل هذه الظروف بسبب افتقارها للتمويل الكافي، الذي يمكنها من مواجهة مخاطر استغلال هؤلاء النساء اللاتي يسلكن الطريق الشرقي للهجرة.
وتشير المنظمة إلى أن حتى النساء اللاتي تمكن من الوصول إلى اليمن أو السعودية، فإنهن يواجهن أوضاعا صعبة هناك.
كما لفتت إلى وجود أكثر من 40 ألف مهاجر يواجهون ظروفا محفوفة بالمخاطر في اليمن، مشيرة إلى أنهم لا يزالون معرضين للخطر.
وتطالب المنظمة الدولية للهجرة بتوفير اعتمادات مالية في 2023 تتجاوز 58 مليون دولار يمكن استخدامها في مساعدة المهاجرين الذين يسلكون الطريق الشرقي من القرن الأفريقي للوصول إلى الدول الخليجية.

صاندي تايمز: فاغنر انتهت.. لكننا نعيش في عصر جيوش المرتزقة

من عملية التمرد التي قادها بريغوجين في روسيا

علق الأستاذ الزائر في الدراسات الدفاعية بكينغز كوليج في لندن على مقتل زعيم مجموعة فاغنر للمرتزقة، يفغيني بريغوجين، قائلا إن زعيم المرتزقة ذهب لكننا نعيش في عصر جيوش المرتزقة.

فعندما قام بريغوجين وديمتري أوتكين بإنشاء المجموعة واختارا لها اسم الموسيقار الألماني من القرن التاسع عشر فاغنر، لم يكونا يتوقعان نهايتهما في طائرة خاصة تهوي نحو الأرض، وتكون مثل أعماله الأوبرالية المشحونة.

لكن مجموعة فاغنر ليست الاسم الذي سيعيش بعدهما، بل ويمثل نموذجا من نشاطات المرتزقة التي أصبحت جذابة لمن يعتقدون أنهم يستطيعون الاستفادة من الفوضى وعدم الاستقرار الدولي.

وفاغنر هي العلامة التجارية الأكثر شهرة حيث أصبحت خصخصة الجيوش ونقل مهام الأمن القومي للمقاولين أمرا عاديا.

ومهنة الارتزاق من الحروب قديمة جدا، ومذكورة في العهد القديم. وظل اليونانيون المحبون للحرب وعلى مدى عدة قرون من أكثر المرتزقة انشغالا في العالم القديم. وعندما قاد الكسندر العظيم جنوده ضد الفرس في سنة 334 قبل الميلاد، شارك مع الفرس 1.000 مرتزق يوناني. وكان بابوات القرون الوسطى حريصين على المرتزقة، وخدمت الفرقة السويسرية كجماعة مرتزقة شرسة قبل أن تتولى مهمة حراسة البابا.

وعلى مدى التاريخ كانت غالبية القوى المقاتلة هي أيد مستأجرة. وتغير كل هذا مع ظهور الدولة الحديثة، حيث همش المرتزقة كأداة في الحروب القومية وحرموا من الدور الذي يجعلهم مهمين استراتيجيا. وظل الأمر على حاله حتى قبل 20 عاما، وعندما انتهت الحرب الباردة، بدأت القوى الغربية بخصخصة جيوشها والاستعانة بمصادر خارجية (المقاولون الأمنيون) لخدمة الأمن، ومعها بدأت صورة المرتزقة الدولية بالظهور من جديد.

وبات استئجار المرتزقة أرخص وأكثر فاعلية، علاوة على التعامل مع خدمات الدعم المعقدة التي تحتاجها العمليات العسكرية. ونتيجة لذلك ظهر نظام جديدة من المرتزقة، أثار مخاوف الحكومة. وبدأ بالمتعهدين الأمنيين، أو الشركات التي تقدم خدمات الأسلحة في محاور الحرب، وتقدم الطعام وتدير النقل والخدمات المساعدة والتدريب المحلي.

 وفي الحرب العالمية الثانية، كانت نسبة المتعهدين في محاور الحرب الأمريكية لا تتجاوز 10%. ولكنها أصبحت في ذروة غزو العراق عام 2003 50% و70% في أفغانستان من عام 2008.

ويتحول هؤلاء بسهولة إلى قوات مدنية. وفي العراق وأفغانستان كانت نسبة 15% من القوات الأمريكية هي مرتزقة مسلحة، وكلفت بالحراسة والأعمال الأمنية المتعلقة بعملها، وهي مهام كان على القوات الأمريكية القيام بها. وتكبد المتعهدون الأمنيون في ذروة حرب أفغانستان والعراق خسائر أكثر من الجنود الأمريكيين، لكن الخسارة هي مشكلة للشركة وليس للحكومة.

وخلقت التدخلات العسكرية الغربية في هذه السنوات اندفاعا للحصول على الذهب من قبل الشركات العسكرية الخاصة. وقد أنشئت وسط منظور غامض، فمعظم الشركات العسكرية الخاصة لا تدير جيوشا، مع أن معظم المرتزقة يزعمون أنهم جزء من الشركات العسكرية الخاصة. وأن تكون مرتزقا ليس مخالفا للقانون طالما لم تخرقه، لكنك مستبعد من الحماية تحت معاهدة جنيف لمعاملة أسرى الحرب.

وعليه قدمت شركة كيلوغ براون أند روتس أو جي فور أس، خدمات دعم قوية ولهذا كانت الجيوش قادرة على تحسين معدل الإمدادات للجنود. ويقف على آخر الخط، سايمون مان، المتخرج من مدرسة إيتون ومؤسس “ساندلاين انترناشونال” وسجن ثم عفي عنها بعدما حاول أن ينظم انقلابا ضد رئيس غينيا الاستوائية عام 2004. ولكن شركات التعهدات الأمنية حاولت تنويع مصادر نشاطاتها، حيث حاولت الحصول على المال من عدة طرق تتراوح بين الشرعية وغير الشرعية. وكان هذا هو الوضع الذي ناسب مجموعة فاغنر، الولد الجديد الذي خرج من العمارة القريبة، عام 2014. ولم يكونوا سوى عدة آلاف من المرتزقة الذين قاتلوا سابقا في الشيشان وأفغانستان، “جيش ظل” للكرملين لحرف مسار الحرب في شبه جزيرة القرم ودونباس، عندما شنت روسيا أول حروبها هناك.

ونفى الرئيس فلاديمير بوتين أي علاقة بهم، وتحدث مازحا أنهم ربما ذهبوا إلى المدن الصناعية في دونباس، ولا علاقة له بهم، مع أنه منحهم لاحقا ميداليات في الكرملين.

وبنهاية عام 2017، كان عدد المرتزقة حوالي 7.000 ينشطون في محاور حرب من ليبيا إلى سوريا، حيث خدمت مصالح روسيا هناك، ولكنها توسعت لتصبح مجموعة تجارية في دول الصحراء الأفريقية. وقدمت منتجات تقليدية لما تقدمه الجيوش العسكرية الخاصة. إلا أن التخصص الأبرز كان هو تقديم حراسات خاصة للقادة والديكتاتوريين مقابل المال والمعادن وحقوق التنقيب. وكانت عروض فاغنر بسيطة، فهي مستعدة للقيام بأي عمل قذر لعميلها، بدون طرح أسئلة، مقابل الحصول على حصة جيدة من المصادر الوطنية التي يقوم العميل بنهبها أصلا، لو كان في السلطة أو يخطط لنهبها حالة وصوله إلى الحكم.

وخربت حرب بوتين في أوكرانيا العام الماضي هذا النموذج، فقد تحولت فاغنر إلى نموذج يشبه المرتزقة الذين قاتلوا مع الفرس في العالم القديم وحرس البابوات في القرون الوسطى. وتوسعت قوة فاغنر واستوعبت 40.000 من المحكومين الجنائيين، ومر من صفوفها حوالي 100.000 مقاتل منذ العام الماضي. واعترف بريغوجين بـ 78.000 مقاتل ومات منهم 62.000 مقاتل. ولم يكن هذا مفاجئا، حيث استطاع تجنيد المحكومين جنائيا بطريقة تذكر بفيلم “الدزينة القذرة” وكان يقول للسجناء “يمكنكم مغادرة هذا السجن اليوم” و”سنرسلكم لخطوط القتال، لو تراجعتم سنقتلكم ولو عصيتم الأوامر ستقتلون وإن نجيتم من الحرب مدة ستة أشهر فسنعفو عنكم وتذهبون إلى بيوتكم”.

وكانت فاغنر تدفع لمقاتليها في الوقت المحدد وبالعملة الصعبة، وسمحت لهم بمهاجمة السكان المحليين في أفريقيا، ولا يعني هذا أن المقاتلين لم يأخذوا من الماس أو الذهب عندما سنحت لهم الفرصة.

ويعلق كلارك أن نشاطات المرتزقة تعكس حالة السياسة في عصر ما. وتعكس في عصرنا تراجعا في المبادئ التقليدية للقانون الدولي والزيادة المتسارعة في “البلطجة الدولية/ العصابات الدولية” داخل الدول وبينها.

 فالغرب مشتت ولا يستطيع عمل أي شيء حيالها، أما الصين وروسيا اللتان لا تحتاجان إليها فترى فائدة في الفوضى الدولية. فالرئيسان بوتين وشي جينبنغ ليسا مخطئين عندما يقولان إن التكيف الجيوسياسي قادم، لكنه قد لا يكون في الاتجاه الذي يريدانه. ومع دوران العجلة الجيوسياسية، فتجارة المرتزقة الماهرة تعثر على عدة طرق لكي تعيد إحياء نفسها.

 وتقدم روسيا، كدولة عصابات مجالها العام للمرتزقة. فقد أنشأ جينادي تيمشنكو مجموعة “ريدأوت” المشابهة لفاغنر والتي قد تحاول استيعاب نشاطاتها. ويترأس وزير الدفاع سيرغي شويغو مجموعة “باتريوت” بمصالح تجارية في دونباس. وتدير غازبروم جيشا عسكريا خاصا هو “تورتش أند تورينت” وهي فرع لمجموعتها الأمنية التي أرسلت لأوكرانيا.

وهناك حوالي 25 مجموعة عسكرية روسية تعمل في الحرب الحالية. بعضها مقرب من موسكو والآخر من وزارة الدفاع. وهي تتعاون وتتنافس وتواجه بعضها البعض في أحيان أخرى، تندمج وتسرق المقاتلين من بعضها البعض وتتطلع لفرص تجارية وعقود أو غنائم حرب. وتعمل في الخارج، ومثل فاغنر، كانت ناجحة في استغلال الفرص والفوضى السياسية في منطقة الساحل. وفي ظل بريغوجين أنشأت فاغنر لنفسها مواقع مهمة في الدول الغنية بالمعادن الثمينة مثل جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي وشاركت في حربي ليبيا والسودان مباشرة وبشكل غير مباشر في إثيوبيا. قدمت النصح لقادة انقلاب بوركينا فاسو وشاركت في مدغشقر وموزامبيق. ولديها مكاتب في 20 دولة أفريقية.

حملت فاغنر العلم الروسي كمساعد لعملياتها، مع أنها عملية مترامية الأطراف وأكثر من كونها مغامرة تجارية، إلا أن شعار الجمجمة كان مهما في ماركتها. وقبل موته ظهر بريغوجين بفيديو من أفريقيا زعم فيه أنه يقود حملة جديدة للقضاء على العالم القديم. وقد حصل هذا من قبل، ففي القرن الثامن عشر، أدارت شركة الهند الشرقية جيشا كبيرا خاصا ومجموعة تجارية ضخمة في الهند وشكلت مستقبل شبه القارة الهندية. وفي النهاية لم يعد لدى الأوليغارش الذين يديرونها من شارع ليندهال بلندن قدرة على التسامح وتدخلت الحكومة وأممت عملياتها واستولت على جوهرة التاج البريطاني.

وربما كان لدى بوتين شيء مشابه لفاغنر في أفريقيا، إلا أن العالم بات متشرذما أكثر مما كان في الأيام الماضية ولهذا حظا سعيدا للرئيس.

(القدس العربي)

موقع بريطاني: ماذا يعني مقتل زعيم فاغنر لحميدتي وحفتر؟

زعيم “فاغنر” يفغيني بريغوجين في آخر ظهور له من إفريقيا (أ ف ب)

اكد موقع “ميدل إيست آي” في تقرير لمراسله ألكس ماكدونالد، أن الوفاة المفاجئة والمريبة لزعيم مجموعة فاغنر ومنتقد بوتين، يفغيني بريغوجين، في حادث تحطم طائرة الأربعاء الماضي، أثارت تساؤلات عن مصير مقاتليه وشبكاته في روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لكن التقرير لفت إلى أن الأسئلة الأكثر إلحاحا تتعلق بمحمد حمدان دقلو، زعيم قوات التدخل السريع شبه العسكرية السودانية المعروف باسم حميدتي، أو أمير الحرب في شرق ليبيا خليفة حفتر، وكلاهما من المقربين البارزين لمجموعة المرتزقة الروسية.

ويشير التقرير إلى أنه في ليبيا، قدم مقاتلو مجموعة فاغنر الدعم لحفتر، حيث دعموه في هجومه الفاشل على طرابلس في 2019-2020 ويتواجدون حاليًا في مواقع رئيسية مثل المنشآت النفطية.

وفي السودان المجاور، عمل عملاء فاغنر جنبًا إلى جنب مع قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي، التي تخوض حاليًا صراعًا مسلحًا مع القوات المسلحة السودانية.

في ليبيا، قدم مقاتلو مجموعة فاغنر الدعم لحفتر، حيث دعموه في هجومه الفاشل على طرابلس

وأعاد “ميدل إيست آي” التذكير بتقرير سابق نشره عن المذابح التي نفذها مقاتلو فاغنر حول مناجم الذهب في جمهورية أفريقيا الوسطى، في حين اتهمت الولايات المتحدة المجموعة بسرقة ذهب بقيمة مليارات الدولارات من السودان، ولفت إلى أنه يُزعم أن معظم هذا الذهب يشق طريقه إلى الإمارات العربية المتحدة وروسيا.

ونقل التقرير عن أشوك سوين، رئيس قسم أبحاث السلام والصراع في جامعة أوبسالا في السويد، قوله إن وفاة بريغوجين سيكون لها “تأثير عميق” على أنشطة مجموعة فاغنر، فضلاً عن روابط روسيا في شمال إفريقيا.

وأضاف أن “الحرب الأهلية المستمرة بين الجيش السوداني والجماعة شبه العسكرية أدت إلى تفاقم التعقيدات المحيطة بعمليات مجموعة فاغنر بشكل كبير. ولم يمثل بريغوجين المجموعة خارجيا فحسب، بل لعب أيضا دورا محوريا كمفاوض وحل للمشاكل”.

وزاد “علينا الآن أن ننتظر تعيين خليفة بريغوجين، الذي سيقود مجموعة فاغنر. ويبقى أن نرى إلى أي مدى سيحظى هذا الزعيم الجديد بدعم بوتين”.

فاغنر وحميدتي وقوات الدعم السريع

ويشير التقرير إلى أن مجموعة فاغنر ظهرت لأول مرة في السودان خلال حكم الدكتاتور عمر البشير، وشاركت بشكل كبير في حماية الموارد المعدنية المهمة، مثل مناجم الذهب.

واتُّهم عناصرها لاحقًا بمساعدة حكومة البشير في محاولة قمع المظاهرات المؤيدة للديمقراطية في عام 2019، على الرغم من إجبار البشير في النهاية على التنحي عن السلطة.

ومنذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/ نيسان 2023، ظهرت تقارير عديدة تشير إلى أن فاغنر كانت تلقي بثقلها خلف حليفها الراسخ، قوات الدعم السريع، على الرغم من أن الأخيرة نفت مرارًا وتكرارًا تورط المجموعة.

ونقل التقرير عن كاميرون هدسون، الدبلوماسي الأمريكي السابق ومحلل وكالة المخابرات المركزية قوله: “أعتقد أن الخاسر الأكبر إلى جانب بريغوجين هو حميدتي في السودان”.

محلل وكالة المخابرات المركزية: “أعتقد أن الخاسر الأكبر إلى جانب بريغوجين هو حميدتي”

وبحسب ما ورد تزود فاغنر قوات الدعم السريع بصواريخ أرض جو، مما مكنها من مواجهة القوة الجوية للقوات المسلحة السودانية، بالإضافة إلى العديد من الأسلحة الأخرى.

وقال هدسون إن اعتماد قوات الدعم السريع على خطوط الإمداد الأجنبية لمواصلة الصراع في السودان – الذي شهد مقتل أكثر من 5000 شخص وتشريد الملايين – يعني أن الخسارة المفاجئة لحليف رئيسي قد تكون كارثية.

وتساءل “هل سنرى قوات الدعم السريع عدوانية كما كانت في الأسابيع القليلة الماضية؟ هل سنراهم حتى يحاولون الاحتفاظ بمواقعهم في الخرطوم؟ وهل لديهم خوف دائم من إغلاق خطوط إمداداتهم”.

فاغنر في ليبيا ومع حفتر

أما في ليبيا، فيؤكد التقرير أن عمليات “فاغنر” كانت أكثر علنية، حيث لعب مقاتلو فاغنر دورًا رئيسيًا في هجوم حفتر على طرابلس، وأعطوه في البداية زخمًا جديدًا قبل أن ينقلب المد في النهاية ضده. وساعدت تحصيناتهم الدفاعية في وسط ليبيا في درء احتمال شن هجوم مضاد عندما انهار الهجوم، ويُعتقد أن مقاتلي فاغنر لا يزالون في ليبيا بالمئات، إلى جانب السوريين الذين يوظفونهم.

وذكر التقرير أنه قبل يوم واحد فقط من وفاة بريغوجين، زار مسؤولون عسكريون روس، بمن فيهم نائب وزير الدفاع، حفتر في ليبيا، فيما قالوا إنها أول زيارة رسمية لوفد عسكري إلى البلاد.

وقالت علياء الإبراهيمي، وهي زميلة غير مقيمة في المجلس الأطلسي، إن الأساس لمستقبل ما بعد بريغوجين قد يكون قد تم وضعه بالفعل من قبل الكرملين.

وأكدت لـ”ميدل إيست آي”: “لسوء الحظ، بعيدًا عن “الكاريزما” التي يتمتع بها الرجل نفسه، هناك بنية كاملة لا تزال قائمة وفاعلة، ومن غير المرجح أن نشهد تأثيرًا كبيرًا على أنشطة مجموعة فاغنر في ليبيا والسودان”. “بالإضافة إلى ذلك، كان أمام الكرملين أسابيع لتمهيد الطريق لإقالة بريغوجين ومن الواضح أنه شعر بالثقة في هذه الفترة”.

مع صعود الحكومات التي يقودها الانقلابيون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، سيظل هناك الكثير من “العملاء” لروسيا

وأضافت أنه مع صعود الحكومات التي يقودها الانقلابيون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، سيظل هناك الكثير من “العملاء” لروسيا، حتى بدون فاغنر كوسيط.

وزادت “لم تستدع هذه الأنظمة العسكرية مجموعة فاغنر لأنها أعجبت بالذراع القوي لبريغوجين. لقد كانت لديهم مشاكل، وكان لدى فاغنر حلول. كل ما في الأمر هو أن الدولة الروسية قد تم الآن تقديمها كمقدم الخدمة”.

وأشار “ميدل إيست آي” إلى أنه طلب من قوات الدعم السريع التعليق على وفاة زعيم فاغنر، لكنه لم يتلق أي رد حتى وقت نشر التقرير.

مستقبل غير مؤكد

ويشدد التقرير على أنه منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000، أدرك العديد من الروس البارزين أن تجاوز بوتين ينطوي على مخاطر عالية للغاية.

وبينما لم يكن هناك تأكيد حول سبب الحادث الذي أودى بحياة بريغوجين، سارع الكثيرون – بما في ذلك الرئيس الأمريكي جو بايدن – إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الرئيس الروسي.

لكن بالنسبة لبوتين أيضًا، فإن وفاة قيادة مجموعة فاغنر والضرر النهائي المحتمل الذي يمكن أن تسببه مجموعة المرتزقة، سيكون لها عواقب.

فلسنوات عديدة، كانت المجموعة المصدر الرئيسي للقوة الغاشمة والنفوذ الروسي في أفريقيا، فضلاً عن كونها وسيطًا حاسمًا للقادة العسكريين. ومن دون هذا الوكيل، سيتعين على روسيا أن تقوم بدور أكثر مباشرة.

لم تستدع الأنظمة العسكرية في أفريقيا مجموعة فاغنر لأنها أعجبت بالذراع القوي لبريغوجين. لقد كانت لديهم مشاكل، وكان لدى فاغنر حلول

وأشار هدسون إلى أنه، بصرف النظر عن زيارة يوم الثلاثاء إلى ليبيا، كانت روسيا تتواصل مع القادة الأفارقة منذ أن قاد بريغوجين تمردًا عابرًا في يونيو/ حزيران الماضي، في محاولة لطمأنتهم على استمرار الدعم الروسي.

وقال إن السؤال الآن هو ما الذي سيقرر بوتين فعله بأصول فاغنر، بما في ذلك أعمالها المربحة في تهريب الذهب.

وتساءل “هل يسمح لفاغنر بمواصلة القيادة الجديدة أم أنه يحاول استيعاب فاغنر وجميع أصولها في هذه البلدان وتشغيلها كشركات تابعة للجيش الروسي؟”.

وأضاف هدسون أنه لا تزال هناك قيمة في وجود شركة عسكرية غير رسمية تعمل في القارة، وتمول نفسها ذاتيًا من خلال علاقات العملاء، مضيفًا أن “تلك الأموال تشق طريقها مرة أخرى إلى روسيا تفيد الاقتصاد”، الذي يتعرض حاليًا لضربات شديدة من الغرب عبر العقوبات.

وختم بالقول “أعتقد أن بوتين سيحاول إخضاع كيانات فاغنر لسيطرة مباشرة وموثوقة بشكل أكبر تحت القيادة الروسية – لكنه في الوقت نفسه سيجد أنه من المفيد أن يكون هناك إنكار معقول لذلك”.

عرض (القدس العربي)