“شتاء قاتل”.. مليون ونصف المليون لاجئ في تشاد يواجهون خطر المجاعة وانتشار الأوبئة

سبوتنك –حذر خبيران من أزمة كبرى في تشاد تزامنا مع زيادة أعداد النازحين من البلاد أو اللاجئين السودانيين الفارين من الصراع، الأمر الذي قد يتسبب في مجاعة وانتشار للأوبئة والأمراض الفتاكة.
وتضم تشاد نحو 1.4 مليون نازح داخلياً أو لاجئ بسبب نزاعات في هذا البلد ودول مجاورة، يواجهون ظروفا صعبة وتحديات كبيرة، وفق الأمم المتحدة.
ت
وقال الخبيران لـ”سبوتنيك“، إن موجات اللجوء من السودان وأفريقيا الوسطى، بالإضافة للنازحين في الداخل من مناطق أخرى نتيجة عمليات التنظيمات الإرهابية يهدد بتبعات غير مسبوقة، على مستويات المواد الغذائية والطبية وكافة مناحي الحياة.
وشدد الخبيران على أن “شتاء قاتلا” يواجهه مئات الآلاف في حال تقاعس المنظمات الأممية والمجتمع الدولي عن تقديم الدعم اللازم، في الوقت الذي لن تتمكن فيه تشاد من سد جميع احتياجات اللاجئين في أكثر من منطقة.
وفي وقت سابق، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها بسبب “توقف وشيك” لمساعداتها الغذائية في تشاد جراء نقص التمويل الدولي، والذي حُوِّل إلى “أوكرانيا وغزة”، في خضم تدفق هائل للاجئين الفارين من الحرب في السودان.
وقال برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة في بيان، إنه في الأشهر الستة الماضية، بلغ عدد اللاجئين الفارين إلى تشاد ما يوازي عددهم في السنوات العشرين الماضية منذ بدء الأزمة في دارفور (غرب السودان) في العام 2003.
تحذيرات من مجاعة
من ناحيته، قال الكاتب والمحلل السياسي التشادي، سليمان عبد الكريم، إن نقص الغذاء والماء في مناطق اللاجئين قد يؤدي إلى مجاعة، ما يترتب عليه ترك اللاجئين للمخيمات والدخول إلى المدن بحثا عن الغذاء والماء.
ولفت إلى أن اللجوء لمثل هذه الخطوة يضر بسكان المناطق المتاخمة للمخيمات، مما يؤدي إلى زيادة نسبة عمليات النهب والعنف داخل المخيمات والمناطق المحيطة بها.
وفق المحلل، فإن المخاطر الحالية في المخيمات تتمثل في تفشي الأمراض، مع عدم توفر الأدوية الكافية، وقلة الطواقم الطبية، ما يحتمل معه تفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة.
دور المؤسسات الدولية؟
وأشار إلى أن المؤسسات الدولية لم تقم بدورها بصورة كافية، إذ تقدم خدمات بسيطة، مقارنة بالمعاناة التي يعيشها اللاجئون. وحذر المحلل التشادي من عدم تضافر الجهود الدولية والإقليمية والمحلية في حل هذه الأزمات، ما قد يتسبب في أزمة كبيرة على مستويات عدة.
من ناحيته، قال المحلل السياسي التشادي إسماعيل محمد محمد طاهر، إن النزوح الأخير فاقم الأعداد بصورة كبيرة. وأضاف في حديثه مع “سبوتنيك”، أن نحو 500 ألف من اللاجئين يعانون من مشاكل كبيرة، تتمثل في نقص الغذاء والماء النظيف والسكن الملائم.
يتفق المحلل السياسي حول تقصير المؤسسات الدولية في تقديم الدعم الذي يتناسب مع الأعداد الكبيرة التي وصلت إلى تشاد، وأزمات أخرى ترتبت على زيادة الأعداد، منها ارتفاع أسعار المواد الغذائية والحياتية في المناطق التي يتواجدون فيها، ما أثر على التشاديين في تلك المناطق.
يرى الأكاديمي التشادي أن إمكانية الدولة التشادية لا تمكنها من مواكبة تقديم المعونات والمساعدات اللازمة، خاصة في ظل وجود معسكرات في الجنوب للفارين من أفريقيا الوسطى، فضلا عن النازحين التشاديين من مناطق أخرى بسبب عمليات تنظيم “بوكو حرام” (المحظور في روسيا).
وبدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في وقت سابق، عملية نقل لآلاف اللاجئين السودانيين إلى مخيم يبعد 130 كيلومتراً. تنقل الشاحنات معظم اللاجئين ومواشيهم بينما تأخذ المركبات الصغيرة الأشخاص الأكثر ضعفاً، بما في ذلك المرضى وكبار السن وذوي الإعاقة.

سودانيات يروين كيف تعرضن للاغتصاب على يد مسلحين خلال هجمات عرقية

فتاة سودانية 19 عاما تجلس خارج ملجأ مؤقت في أدري بتشاد يوم الأول من أغسطس آب 2023. تصوير: زهرة بن سمرة – رويترز. © Thomson Reuters

اغتصب مسلحون شابة عمرها 24 عاما في منزلها على بعد خطوات من والدتها.

فتاة أخرى تبلغ من العمر 19 عاما اختطفها أربعة رجال وتناوبوا الاعتداء عليها على مدى ثلاثة أيام. وخطف آخرون ناشطة في مجال حقوق المرأة عمرها 28 عاما من أمام منزلها ثم اغتصبوها خلال احتجازها لساعات في منزل مهجور.

والثلاث من بين 11 شابة من المساليت أجرت رويترز مقابلات معهن وقلن إنهن تعرضن لاعتداءات جنسية في أثناء الحرب في السودان على أيدي أفراد من قوات الدعم السريع. وأضفن أن الاعتداءات وقعت خلال هجمات استمرت لأسابيع في وقت سابق من هذا العام في الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.

وقالت تسع منهن إنهن تعرضن للاغتصاب الجماعي وأكدت النساء الـ11 جميعا أنهن تعرضن للاعتداء تحت تهديد السلاح. فيما أشارت ثلاث أخريات إلى أنهن رأين نساء يتعرضن للاغتصاب.

وكانت رويترز قد أوردت في وقت سابق تفاصيل عن المذبحة التي وقعت في الجنينة في الفترة من أواخر أبريل نيسان إلى منتصف يونيو حزيران عندما استهدفت قوات الدعم السريع وحلفاؤها المساليت، وهي قبيلة من أصل أفريقي داكنة البشرة كانت تشكل غالبية سكان المدينة قبل طرد معظمهم منها.

وصف الناجون كيف ذُبح مدنيون في منازلهم وفي الشوارع وفي وادي النهر حيث اصطادهم القناصة، وقضوا عليهم بأسلحة آلية وقطعوهم بالسيوف وأحرقوا أناسا أحياء في منازلهم

ووصف الناجون كيف ذُبح مدنيون في منازلهم وفي الشوارع وفي وادي النهر حيث اصطادهم القناصة، وقضوا عليهم بأسلحة آلية وقطعوهم بالسيوف وأحرقوا أناسا أحياء في منازلهم.

وفي أوائل نوفمبر تشرين الثاني، شنت قوات الدعم السريع ومقاتلو الميليشيات العربية موجة أخرى من الهجمات العرقية في المدينة، حسبما أفادت رويترز في الآونة الأخيرة.

ومن بين الناجيات من الهجمات السابقة فتاة عمرها 15 عاما، وروت كيف قُتل والداها أمام عينيها ومعاناتها من محنة استمرت لساعات اغتصبها خلالها خمسة من مقاتلي قوات الدعم السريع هي وصديقة لها قبل أن يطلقوا النار على صديقتها ليردوها قتيلة.

ويقدم هذا التقرير تفاصيل من روايات نساء أخريات من المساليت قلن إنهن تعرضن للاغتصاب. وبالنظر إلى التقارير عن الاغتصاب التي استشهدت بها المنظمات الدولية، تشير الاتهامات إلى استهداف قوات الدعم السريع والقوات العربية المتحالفة معها في الجنينة نساء المساليت على وجه الخصوص بالاعتداء الجنسي.

وقالت جميع النساء الاحدى عشرة اللائي أجريت المقابلات معهن من أجل هذا التقرير إن الرجال الذين اعتدوا عليهن كانوا يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع أو العباءات والعمائم التي يرتديها عادة رجال الميليشيات العربية.

وأجريت مقابلات مع النساء – وجميعهن في سن المراهقة أو العشرينات – في مدينة أدري التشادية بالقرب من الحدود السودانية في يوليو تموز وأغسطس آب. وتحدثن جميعهن شريطة عدم الكشف عن هوياتهن خوفا من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاغتصاب أو الخوف من الانتقام.

ولم تتمكن رويترز من التأكد بشكل مستقل من كل تفاصيل رواياتهن. لكن في كثير من الحالات، أكد الأقارب والأصدقاء بعض جوانب قصصهن.

وهناك جوانب مشتركة تتكرر في رواياتهن إذ قالت جميعهن تقريبا إنهن تعرضن للاغتصاب من قبل عدة رجال.

ذكرت ثماني نساء أن المعتدين تحدثوا عن هويتهن العرقية على وجه التحديد وانتمائهن لقبيلة المساليت أو وجهوا السباب للمساليت وغيرهم من غير العرب ذوي البشرة الأكثر سمرة

وذكرت ثماني نساء أن المعتدين تحدثوا عن هويتهن العرقية على وجه التحديد وانتمائهن لقبيلة المساليت أو وجهوا السباب للمساليت وغيرهم من غير العرب ذوي البشرة الأكثر سمرة.

ويعتقد بعضهن أن السبب في استهدافهن هو عملهن في الدفاع عن حقوق سكان دارفور. وقالت ثلاث نساء لرويترز إنهن ناشطات في مجال حقوق الإنسان بينما ذكرت رابعة أنها متزوجة من أحد المدافعين عن النازحين.

وذكرت ناجيات من أحدث الهجمات على المساليت في الجنينة في أوائل نوفمبر تشرين الثاني وقوع حوادث عنف جنسي. وقالت ثلاث نساء إنهن شهدن ارتكاب قوات الدعم السريع أو الميليشيات العربية اعتداءات جنسية.

وقالت امرأة أخرى اسمها حنان إدريس (22 عاما) إنها وأختها نجتا بأعجوبة من الاغتصاب في الثاني من نوفمبر تشرين الثاني. واختلقتا قصصا للإفلات إذ قالت حنان إنها كانت في دورتها الشهرية بينما قالت أختها لرجال الميليشيا إنها مصابة بفيروس الإيدز.

وأضافت حنان “لقد أرادوا اغتصابنا”، ونجحت قصتاهما في إبعاد الرجال لكن المهاجمين انهالوا عليهما بالضرب ونهبوا منزلهما قبل أن يغادروا، حسبما قالت حنان.

ونفى الأمير مسار أصيل، الزعيم القبلي العربي في الجنينة اتهامات الاغتصاب ووصفها بأنها “أكاذيب فارغة”. وأصيل هو زعيم قبيلة الرزيقات، إحدى أكبر القبائل العربية في غرب دارفور والتي ينحدر منها العديد من قادة قوات الدعم السريع.

وقال أصيل في مقابلة عبر الهاتف إن التقاليد القبلية العربية تحرم الاعتداء الجنسي وتمنع العرب من الزواج من المساليت، وبالتالي لا يمكن أن يرتكب أبناء قبيلته جرائم الاغتصاب الجماعي.

وأضاف أصيل “إذا كنت لا أقبل الزواج من امرأة من المساليت، فلماذا أذهب وآخذها بالقوة؟”.

واتهم أصيل المساليت بأنهم هم من بدأوا الصراع مما أجبر العرب على الرد.

ولم ترد قوات الدعم السريع على الأسئلة التفصيلية لهذا التقرير. وقالت إن العنف ضد المدنيين في دارفور سببه نزاعات قبلية وحملت الجيش السوداني مسؤولية تأجيج القتال. وفيما يتعلق بالصراع الأوسع في السودان الذي اندلع في أبريل نيسان، قالت القوات شبه العسكرية إنها ترفض أي انتهاكات ضد المدنيين.

وتأتي تقارير الاعتداء الجنسي وسط الحرب التي اندلعت في أبريل نيسان الماضي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم. وأدت الاشتباكات إلى مقتل أكثر من عشرة آلاف وتشريد ما يزيد عن ستة ملايين، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

كما تسبب ذلك في تصاعد أعمال العنف في دارفور، المنطقة الواقعة غرب السودان حيث تتمتع قوات الدعم السريع بقاعدة قوية. وابتليت المنطقة بصراع دام لعقود كان مدفوعا في كثير من الأحيان بالتنافس على الأراضي والمياه والموارد الشحيحة الأخرى.

أفادت هيومن رايتس ووتش بأن عشرات النساء تعرضن للاغتصاب خلال أحداث العنف في الجنينة في وقت سابق من هذا العام، ويبدو أنه تم استهدافهن بسبب انتمائهن لقبيلة المساليت

وأفادت هيومن رايتس ووتش بأن عشرات النساء تعرضن للاغتصاب خلال أحداث العنف في الجنينة في وقت سابق من هذا العام، ويبدو أنه تم استهدافهن بسبب انتمائهن لقبيلة المساليت.

وقالت الأمم المتحدة في نوفمبر تشرين الثاني إنها تلقت تقارير موثوقة من أنحاء السودان عن أعمال عنف جنسي مرتبطة بالصراع شملت ما لا يقل عن 105 ضحايا. وقالت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في يوليو تموز إنها تحقق في الأعمال العدائية في دارفور، بما في ذلك التقارير عن عمليات القتل والاغتصاب والجرائم ضد الأطفال.

وقالت نويل كوينيفت أستاذة القانون الدولي بجامعة غرب إنكلترا في بريطانيا إن روايات الاغتصاب التي قدمتها النساء اللاتي تحدثت إليهن رويترز يمكن أن تشكل جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي الذي تأسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية ويحظر العنف الجنسي في الصراعات.

وأضافت كوينيفت أنه يبدو أن العنف الجنسي، كما ورد في تقارير رويترز ومنظمات الإغاثة “منتشر على نطاق واسع”. وأردفت أنه بموجب نظام روما الأساسي، فإن العنف الجنسي واسع النطاق أو المنهجي بمثابة جريمة ضد الإنسانية.

* “لم أكن أريد هذا الطفل”

كانت أم شابة تربي طفلتها بمفردها تعيش في منزل والديها في التضامن، وهي منطقة تسكنها أغلبية من المساليت في الجنينة. في الثامن من يونيو حزيران، أي بعد حوالي ستة أسابيع من بدء القوات العربية مهاجمة مناطق المساليت، اقتحم مقاتلو قوات الدعم السريع وعناصر الميليشيات العربية الحي.

واقتحمت قوة منزلهم وأشعلت فيه النيران. وتمكنت هي وطفلتها ووالدتها من الفرار. لكن لم ينج والدها البالغ من العمر 60 عاما إذ علمت لاحقا من أعمامها أن المسلحين أطلقوا النار عليه وأردوه قتيلا بينما كان يركض بحثا عن ملجأ.

وبعد ثلاثة أسابيع في 27 يونيو حزيران، قررت الشابة البالغة من العمر 24 عاما ووالدتها المغامرة بالعودة إلى منزلهما المحترق لجلب ما تبقى من أغراضهما، لكنهما واجهتا في الطريق مجموعة من الرجال الملثمين من الميليشيات العربية وتبعهما اثنان إلى المنزل.

وأخذ المسلحان – وكلاهما كانا يرتديان الملابس التقليدية للقبائل العربية – يستجوبان الشابة وأمها بأسئلة مثل: هل كانتا تخبئان مقاتلين من المساليت وأسلحة؟

وأضافت أن الرجلين أمراهما بعد ذلك بالجلوس على الأرض وقالا إنهما سيقتلاهما وطلبا منهما النطق بالشهادة.

وبدلا من ذلك، أمسك الرجلان بذراع الشابة ودفعاها إلى غرفة وهدداها بالسلاح عندما قاومت.

وقالت إن جدران الغرفة كانت سوداء اللون وتفوح منها رائحة الخشب المحروق. ونزع المسلحان ملابسها ووقفت والدتها عند الباب المفتوح تصرخ وتطلب منها أن تقاوم. ووجه المسلحان أسلحتهما نحو الأم وهددوها بإطلاق النار عليها.

تناوب رجلان على اغتصاب شابة واستمر الاعتداء حتى دخل رجل ثالث إلى المنزل وأوقفهما وأمر الجميع بالخروج من المنزل

ثم تناوب الرجلان على اغتصاب الشابة واستمر الاعتداء حتى دخل رجل ثالث إلى المنزل وأوقفهما وأمر الجميع بالخروج من المنزل. وطارد اثنان من رجال الميليشيات الشابة ووالدتها وقاموا بضربهما وجلدهما.

وكانت الشابة واحدة من ثلاث من المساليت وصفن ما تعرضن له لدى عودتهن إلى منازلهن المتضررة بعد هجمات شنتها القوات العربية. وتحدثت عن ذلك في مقابلة أجرتها خارج خيمتها في المخيم بأدري، وكانت ابنتها تلعب حافية القدمين في مكان قريب.

وقالت إنها أخبرت قريبتها بما حدث لها بعد مدة قصيرة من وقوع الاعتداء. وأجرت رويترز أيضا مقابلة مع قريبتها في أدري. وقدمت رواية مطابقة للقصة وقالت إنها نفسها تعرضت للاغتصاب.

وبعد أيام من الاعتداء، فرت الشابة إلى تشاد مع ابنتها. وقالت إنها بدأت تعاني في يوليو تموز من الصداع والدوار والغثيان. وأسرت إلى قريبتها بمخاوفها من أن تكون حبلى.

وبعد أن أكد الاختبار الحمل، ذهبت إلى المركز الطبي في المخيم وحصلت على دواء استخدمته للإجهاض. وأكدت امرأة تعمل مع الناجيات من حوادث الاغتصاب في المخيم أنها رأت الشابة تتلقى الدواء.

وقالت الشابة “بكيت لثلاثة أيام” بعد أن علمت بالحمل. وأضافت “لم أستطع الأكل أو النوم. لم أكن أريد هذا الطفل”.

* “تركوني في اليوم الرابع”

قالت فتاة عمرها 19 عاما لرويترز إن أول محنة لها مع قوات الدعم السريع والميليشيات العربية وقعت خلال هجوم عرقي قبل سنوات.

في عام 2016، أطلق مقاتلو قوات الدعم السريع والميليشيات النار على والدها، وهو تاجر من الجنينة، وأصابوه في مخيم للنازحين شرق المدينة. وأضافت أنها شاهدت بعد ذلك المقاتلين يقذفونه في فرن خبز ليحترق حتى الموت.

في 15 يونيو حزيران هذا العام، كانت الشابة وإخوتها الخمسة الصغار ووالدتهم من بين الآلاف من سكان المساليت في الجنينة الذين حاولوا الفرار بشكل جماعي إلى قاعدة للجيش السوداني في شمال المدينة وسط هجمات قوات الدعم السريع والميليشيات العربية. لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى هناك بعد تعرضهم لإطلاق نار كثيف.

وقالت الفتاة إنها شاهدت والدتها تسقط قتيلة في الشارع بعد إصابتها بنيران القناصة. وفي ظل الفوضى، انفصلت الفتاة عن إخوتها.

وفي صباح اليوم التالي يوم 16 يونيو حزيران، قالت إنها كانت تفر من المدينة على طول الطريق الرئيسي المؤدي إلى تشاد عندما أمسك بها مسلحون هي وثلاث شابات أخريات.

وأوضحت أن الرجال غطوا وجهها بوشاح وحملوها هي والأخريات إلى سيارة دفع رباعي واقتادوهن إلى كوخ بدائي مصنوع من أغصان الأشجار به حشايا على الأرض.

وأُخذت إلى غرفة بمفردها، وهناك تناوب أربعة مسلحين يرتدون زي قوات الدعم السريع على اغتصابها. وفي اليوم التالي، اغتصبها اثنان مرة أخرى. وفي اليوم الثالث، تعرضت للاغتصاب مجددا على يد أحد الرجال.

وقالت في مقابلة أجريت معها في أدري في خيمة مصنوعة من العصي والقماش والأغطية البلاستيكية “اغتصبوني لثلاثة أيام”.

وأضافت أنه عندما حاولت المقاومة، ضربها الرجال وجلدوها. ورفعت كم عباءتها السوداء لتظهر ندبة داكنة عميقة جراء الضرب على ذراعها.

قالت وهي تنفجر بالبكاء “تركوني في اليوم الرابع”.

وتابعت أن الرجال ألقوها في الشارع وأقنعت امرأة مسنة سائقا عابرا بتوصيل الفتاة إلى أدري.

والفتاة من بين ثلاث نساء أجرت رويترز مقابلات معهن وقلن إنهن تعرضن للاعتداء في أثناء محاولتهن الهروب من الجنينة. وأكدت شقيقتها البالغة من العمر 17 عاما، والتي كانت تجلس بجوارها في الخيمة بمخيم للاجئين، تفاصيل من روايتها قبل الاغتصاب وبعده بما في ذلك تفاصيل وفاة والديهما.

ثلاث نساء أجرت رويترز مقابلات معهن قلن إنهن تعرضن للاعتداء في أثناء محاولتهن الهروب من الجنينة

تمكن جميع الأشقاء الستة من الوصول إلى أدري. ومع وفاة والديها، قالت الفتاة البالغة من العمر 19 عاما إنها باعتبارها الأكبر سنا تتولى هي تربية أشقائها الخمسة والأصغر عمره سبع سنوات.

وفروا للنجاة بأرواحهم بلا شيء تقريبا. وقالت الفتاة إن الملابس الوحيدة التي تملكها الآن هي الرداء الأسود الذي كانت ترتديه عندما تعرضت للاغتصاب.

* “شعرت وكأنني أختنق”

في ظهيرة أحد أيام أوائل يونيو حزيران اقتاد سبعة مسلحين، بعضهم يرتدي زي قوات الدعم السريع وآخرون يرتدون عباءات وعمامات، ناشطة حقوقية تبلغ من العمر 28 عاما في شاحنة صغيرة بعدما اعترضوا طريقها وهي تغادر منزلها.

وقالت إن رجلين يرتديان الزي العسكري لقوات الدعم السريع قاما بتقييدها، بينما عصب ثالث عينيها بوشاحها. وقيدوا يديها قبل ضربها والتحرش بها ودفع رأسها إلى أرضية السيارة. وأضافت “شعرت وكأنني أختنق”.

وكان وجهها معروفا في الجنينة إذ كانت تظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد قوات الدعم السريع والميليشيات العربية لمهاجمتها المدنيين في المدينة، حسبما أوضحت. وقالت إن الرجال يعرفون اسمها ولاحظت أن أحدهم كان لديه صورة لها على هاتفه.

وقاموا بضربها وجلدها بالسوط خلال توجههم بالسيارة إلى مكان بعيد. ثم توقفوا واقتادوها إلى منزل مهجور. وقالت إنها تعرضت هناك للاغتصاب على يد عدة رجال بينما كانت محتجزة معصوبة العينين لساعات.

وأضافت أن المنزل كان يعج بصوت ضحكات الرجال وتنتشر فيه رائحة الكحول ودخان السجائر. وسمعت أحد الرجال يتفاخر بأنه قتل تسعة أشخاص، وقال آخر إنه اغتصب فتاة عذراء، فيما تفاخر ثالث باغتصاب عدد من النساء أكثر مما يستطيع حصره.

وتابعت الناشطة أن المعتدين رددوا مرارا كلمات تنم عن عنصرية خلال تلك التجربة المروعة، وتذكرت كيف أنه بعدما احتجزوها، وجه الرجال إهانات عنصرية لقبيلة المساليت وهددوا بقتل الرجال والاعتداء على النساء.

وتذكرت وهي تحكي أن أحد الرجال قال في وقت لاحق إن “النوبة” سينجبون أطفالا منهم، وهي كلمة تستخدم بين القبائل العربية في غرب دارفور للإشارة إلى “العبيد”.

أعادها الرجال إلى منزلها وألقوا بها خارجه على جانب الطريق في وقت متأخر من الليل. وبسبب الصدمة، بقيت هناك حتى الفجر. وقالت لرويترز إن والدها عثر عليها وهو في طريقه لأداء صلاة الفجر.

قالت المرأة طويلة القامة والدموع تتلألأ في عينيها العسليتين وهي تمسح وجهها بثوبها الأحمر السوداني التقليدي “عشت أياما صعبة جدا”.

وتمكنت من الخروج من الجنينة يوم 12 يونيو حزيران بمساعدة سائق عربي. وحدث الاعتداء الجنسي بعد عدة مداهمات على منزلها من قبل قوات الدعم السريع ومقاتلي الميليشيات في حي الشاطئ الذي تسكنه عرقيات مختلفة بشرق الجنينة عقب اندلاع القتال في المدينة في أواخر أبريل نيسان. وأضافت أن العشرات من أفراد عائلتها ماتوا أو فقدوا ومن بينهم عمها الذي قُتل.

تمنع الوصمة المرتبطة بالاغتصاب من طلب العلاج الطبي أو البوح بما حدث للفتاة لأفراد الأسرة وحتى لوالدتها

ومنعتها الوصمة المرتبطة بالاغتصاب من طلب العلاج الطبي أو البوح بما حدث لها لأفراد الأسرة وحتى لوالدتها. وهي واحدة من ثماني نساء على الأقل قلن لرويترز إنهن لم يطلبن المساعدة الطبية بعد تعرضهن للاعتداء الجنسي، ويرجع ذلك في الغالب إلى الخوف من الوصمة الاجتماعية أو صعوبة الحصول على الرعاية.

وقالت “كنت أخاف التحدث إلى أي شخص وأن ينتشر الكلام عما حدث”، مضيفة أنه في السودان “هناك تقاليد اجتماعية تعتبر أي فعل من هذا القبيل مصدرا للعار”.

* “أتذكر الصراخ بشدة”

إنهن شابات طموحات من قبيلة المساليت جميعهن في العشرين من العمر. ووصفت كل واحدة منهن تعرضها للوقوع في براثن المسلحين.

قالت إحدى الطالبات إنها انفصلت عن عائلتها في 15 يونيو حزيران أثناء محاولة جماعية فاشلة للوصول إلى ملاذ آمن في قاعدة الجيش السوداني. فقد أمضت ساعات تتجول في أحياء الجنينة المحترقة. وقالت إن مقاتلي قوات الدعم السريع وأفرادا من ميليشيات عربية انتشروا في الشوارع بحثا عن أفراد من قبيلة المساليت، وهم يهتفون “أنباي”، وهي لفظة تحقيرية تعني العبيد.

وقالت “كانت هناك حرائق هائلة ودخان ودمار في كل مكان”.

ولاذت الطالبة بمبنى شاغر في الضواحي الغربية للمدينة مع نساء أخريات. وقالت إن مقاتلا مسلحا فاتح البشرة يرتدي ملابس عربية تقليدية ويعتمر عمامة بيضاء اعتقلها هناك. وأدخلها غرفة خاوية تحت تهديد السلاح وأطلق النار في الهواء مرات.

وتوسلت إليه ألا يؤذيها. وتتذكر إنها قالت “أنا مثل أختك”. بدأ يتحرش بها ويهددها بالقتل. وقالت الشابة إن المسلح من الميليشيات العربية تجرد من سرواله واغتصبها.

وتتذكر رائحته. وبعد مغادرته بدأت تتقيأ وتملكها بكاء محموم. وقالت لرويترز في أدري وهي تحملق في الفراغ “شعرت أنها نهاية العالم وخسرت كل شيء”.

وأضافت “أواجه صعوبة في النوم… أتذكر أنني كنت أصرخ بشدة. أتذكر الجثث في الشوارع”.

وما أشبه قصتها بما روته طالبة من قبيلة المساليت تدرس الاقتصاد، في العشرين أيضا من عمرها. ففي 28 أبريل نيسان، بعد وقت قصير من بدء القتال في المدينة، اقتحم خمسة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع وآخرون يرتدون ملابس عربية منزل أحد ذويها. وقالت إن حريقا كان قد أتى على المنزل قبل أيام، وكانت هناك لإنقاذ ما استطاعت. وسألها الرجال عن القبيلة التي تنتمي إليها.

وكذبت ولم يصدقوها حين أنكرت أنها من المساليت وقالوا لها إنها “نوبا”، وهي مؤنث لفظة أنباي التحقيرية. وقالت إنهم طرحوها أرضا واغتصبها رجلان يرتديان الزي العربي التقليدي.

وسردت المرأة الثالثة من المساليت رواية مماثلة. وكانت طالبة متفوقة في المدرسة الثانوية وكانت تعتزم دراسة الطب. وقالت إنها وقعت في يد ثلاثة رجال أثناء محاولتها انقاذ بعض المتاع من منزلها صباح يوم الثالث من يونيو حزيران.

وقالت إنهم كانوا يرتدون زي قوات الدعم السريع وإنها تتذكر رؤية الشارة المكتوبة بالعربية المميزة لقوات الدعم السريع. وسألوها عن القبيلة التي تنتمي إليها. وكذبت قائلة إنها من قبيلة أخرى غير المساليت. لكنها قالت إنها حين لم تتمكن من التحدث بلغة القبيلة التي أدعت الانتماء إليها خلصوا إلى أنها من المساليت. وبدأوا في مناقشة الاختيار بين قتلها أو اغتصابها.

وقيدها الرجال من يديها ورجليها بما كانت ترتديه من أوشحة، ثم اغتصبها الثلاثة حتى فقدت وعيها.

وحين استعادت وعيها كانت وحيدة، تنزف ولا تستطيع الحركة. وعاد الرجال. واقترح أحدهم قتلها، لكن آخر طلب إعادتها إلى عائلتها “النواب”، في كلمة تحقيرية أخرى تشير إلى العبيد.

ثم شعرت بألم في كل جسدها. وفي طريقها إلى تشاد في 15 يونيو حزيران، قالت إنها واجهت مجموعة من قوات الدعم السريع والمقاتلين العرب الذين ضربوها وأخذوا ما كان معها من هاتف ونقود وملابس وأحذية. وسارت حافية القدمين إلى مخيم اللاجئين.

وتعيش الآن في خيمة في أدري، وتقول إنها مفلسة وتواجه صعوبات في النوم.

وقالت المرأة النحيلة غائرة الوجنتين “أتمنى الموت وكفى… انتهت حياتي”.

* “الموت رحمة لي”

واختبأت مدافعة عن حقوق المرأة، تبلغ من العمر 25 عاما، بعد اندلاع القتال في الجنينة في أواخر أبريل نيسان. وقالت كغيرها من المحامين والأطباء وأفراد آخرين من المساليت الذين أجرت رويترز مقابلات معهم، إنها تخشى أن تستهدفها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها.

وشنت الناشطة حملة ضد العنف الذي تعرضت له قبيلة المساليت في الجولات السابقة من الصراع وشعرت أن ذلك يعرضها لخطر متزايد. وصدقت مخاوفها.

وعلمت الناشطة من عائلتها أن مقاتلي قوات الدعم السريع هاجموا منزلها في منطقة الثورة التي تسكنها غالبية من المساليت بقذائف صاروخية. وقُتل شقيقها الأصغر وأصيبت شقيقتها بجروح خطيرة وأصيب والدهم.

ووقعت شقيقة أخرى في أيدي المقاتلين الذين قالوا للأسرة إنهم لن يطلقوا سراح الفتاة البالغة من العمر 15 عاما ما لم تسلم ناشطة حقوق الإنسان نفسها.

أخذ مسلحون نشاطة إلى حاوية شحن قذرة. وهناك، تناوب رجلان مسلحان يرتديان زي قوات الدعم السريع على اغتصابها لثلاث ساعات

وحكت أنها، خوفا على سلامة شقيقتها، سلمت نفسها خلال تفتيش قوات الدعم السريع لسوق المدينة. وأخذها المسلحون إلى حاوية شحن قذرة. وهناك، تناوب رجلان مسلحان يرتديان زي قوات الدعم السريع على اغتصابها لثلاث ساعات. وأضافت أن أكثر من عشرة مقاتلين آخرين من قوات الدعم السريع كانوا في مكان قريب إلى جانب ثلاث شاحنات صغيرة محملة بمدافع مضادة للطائرات.

وقالت الناشطة التي كانت ترتدي ثوبا داكنا “صرخت وقلت اقتلني… الموت رحمة لي”. وأضافت أنها ما زالت تعاني من نوبات بكاء لا تستطيع السيطرة عليها.

وقالت جماعات حقوق الإنسان إن الاغتصاب اُستخدم كسلاح حرب على مر السنين في السودان.

وتعمل الناشطة مع منظمة (جذور) غير الحكومية لحقوق الإنسان ولرصد الانتهاكات التي تقدم الدعم للناجيات من العنف الجنسي وتوثق انتهاكات الحقوق من قبل الأطراف المتحاربة في الصراعات المستمرة منذ فترة طويلة في السودان.

وقالت إنها قبل اندلاع الحرب هذا العام، كانت تعمل مع النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب في السنوات القليلة الماضية في الهجمات على مخيمات النازحين في الجنينة وما حولها.

وقالت “ما يحدث الآن يشبه السنوات الماضية، لكن على نطاق أوسع بكثير”.

وقالت مساعدة طبية من المساليت، (27 عاما)، إنها تعرضت لاعتداء جنسي من قوات الدعم السريع والمقاتلين العرب قبل عامين في هجوم على مخيم للنازحين شرق الجنينة. وأشارت إلى ندبة لجرح في إصبعها قالت إن مهاجما كان يحمل سكينا تسبب فيه.

وفي 15 يونيو حزيران من هذا العام، قالت إنها كانت تحتمي في مخيم آخر للنازحين في المدينة مع أهل زوجها حين وصل رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع وأطلقوا النار على عدد من رجال المساليت. وتعرف عليها المقاتلون على أنها زوجة أحد الناشطين المساليت، ووضعوا سكينا على رقبتها وطالبوها بأن تفصح عن مكان زوجها.

وقالت إنها حين نفت علمها بمكانه، أحاط بها أربعة رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع وبدأوا في ضربها. ونزع أحدهم غطاء رأسها ودسه في فمها لكتم صراخها. وركلها آخرون في الصدر والحوض.

وقالت إن ثلاثة رجال تناوبوا على اغتصابها لبضع ساعات. ونزفت بشدة وعانت من ألم شديد في جسدها.

وقالت المساعدة الطبية وهي ترتدي ملابس وأحذية بالية حصلت عليها في أدري “كان لدي إحساس بالخدر التام… عجزت تقريبا عن الحركة. كنت مثل جثة هامدة لا حياة فيها”.

(رويترز)

هل بات سقوط دارفور في أيدي قوات الدعم السريع وشيكا؟

بعد الخرطوم ومدن سودانية أخرى، انتقلت المواجهات الدامية بين قوات الدعم السريع وعناصر من الجيش السوداني إلى إقليم دارفور الواقع بغرب السودان. فبعدما استولت قوات الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقب بـ”حميدتي” على بلدات عدة مثل ديالا والضعين والجنينية، تدور المعارك من أجل السيطرة على مدينة الفاشر، العاصمة الإدارية والسياسية. فهل بات سقوط دارفور وشيكا؟

لاجئون سودانيون فروا من العنف في إقليم دارفور بالسودان يجلسون بجوار مأواهم الموقت بالقرب من الحدود بين السودان وتشاد في كفرو، تشاد 15 مايو 2023. © رويترز/ أرشيف

بينما تتجه أنظار العالم منذ أسابيع نحو منطقة الشرق الأوسط والحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس، انتقلت المعارك بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني من العاصمة الخرطوم ومدن سودانية أخرى إلىإقليم دارفور الذي يعتبر منطقة استراتيجية بسبب احتوائها على مخزون هام من النفط.

نازحون سودانيون فروا من دارفور أثناء عبورهم الحدود بين السودان وتشاد في أدري، تشاد في 4 أغسطس/آب 2023. © رويترز.

الاشتباكات التي وقعت بين قوات الدعم السريع وعناصر من الجيش السوداني تنذر بأزمة إنسانية جديدة في هذا الإقليم الذي عرف نزاعا مسلحا من 2003 لغاية 2016 بين متمردين ضد نظام عمر البشير والجيش السوداني. ما أدى إلى نزوح ولجوء عشرات الآلاف إلى دول ومناطق مجاورة.

ويعود السبب إلى تمددقوات الدعم السريع في الإقليم الواقع غرب السودان وسيطرتها على غالبية المدن والبلدات القريبة من الفاشر، العاصمة السياسية والإدارية للإقليم.

قوات الدعم السريع التي يتزعمها الفريق أول محمد حمدان دقلو المدعو “حميدتي” أصبحت تكثف جهودها للاستيلاء على الفاشر، التي أعلنت بعض الحركات المسلحة المتواجدة فيها مثل حركة “تحرير السودان” بأنها ستدافع عنها رفقة الجيش السوداني.

وسبق لقوات الدعم السريع أن سيطرت في منتصف الشهر الحالي على مدينة الضعين، معقل قبيلة الرزيقات التي ينحدر منها قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” وغالبية قادة قواته ومقاتليه.

“عمليا الدعم السريع استولى على إقليم دارفور”

ومنذ أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استولت نفس الجماعة على مدينة نيالا في الجنوب وزالنجي في الوسط والجنينة في الغرب. ولم يتبق لغاية اليوم سوى مدينة الفاشر لكي يبسط حميدتي سيطرته كاملة على إقليم دارفور.

ويعتقد المحلل السياسي والأستاذ الجامعي السوداني طلحة جبريل، أن الفرصة فاتت لوقف تمدد قوات الدعم السريع، وأن سقوط إقليم دارفور في يد الدعم السريع مسألة وقت فقط.

لاجئة سودانية من إقليم دارفور فرت إلى منذقة كوفرون في تشاد. © رويترز

وقال لفرانس24 “قوات الدعم السريع فرضت سيطرة كاملة على عدة مدن رئيسية وهي نيالا والجنينية وارتكبت مذابح فيها وها هي الآن على وشك السيطرة على العاصمة الفاشر التي حاصرتها من جميع الجوانب”.

وتابع “عمليا الدعم السريع استولى على إقليم دارفور ولم يعد هناك تواجد للجيش السوداني الذي تشتت”، متوقعا نزوحا أكبر لسكان الإقليم وإمكانية تعرض القبائل الأفريقية إلى تطهير عرقي من قبل قوات حميدتي التي تلقت الدعم من قبائل عربية، وفقه.

الاتحاد الأوروبي يندد بـ”الجرائم” المرتكبة في دارفور من قبل الدعم السريع

وأضاف “في حال سقوط دارفور، الحرب ستتحول إلى حرب أهلية شاملة، ذات طابع قبلي وستكون بداية لتفتت السودان مرة أخرى”، محذرا من ارتفاع حدة الأزمة الإنسانية التي يمر بها هذا البلد منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل الماضي.

والأمر الذي قد يزيد الطين بلة، هو إمكانية تدخل الحركات المسلحة غير العربية المتواجدة في دارفور على خط الصراع والمشاركة في العمليات العسكرية دفاعا عن المدنيين من أصول أفريقية.

أبرزها “حركة تحرير السودان” التي قال زعيمها وحاكم دارفور في نفس الوقت مني أركو مناوي في تصريح نقلته وسائل إعلام عربية بإنها “خرجت من الحياد الذي التزمت به وإنها ستدخل في الحرب لدحر قوات الدعم السريع من الإقليم وحماية المدنيين غير العرب”.

وجدير بالذكر أن سقوط دارفور في يد قوات الدعم السريع سيؤجج الأزمة الإنسانية التي يعاني منها السودان منذ أكثر من ستة أشهر.

ريبورتاج © الصورة ملتقطة من شاشة فرانس24

ويقول جيرمي لورانس من مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، “الاعتداءات ضد لاجئين سودانيين من أصول أفريقية في مدينة الجنينة بدأت منذ شهر على الأقل وخلفت العديد من القتلى والجرحى. ما جعل الاتحاد الأوروبي يندد بهذه “الجرائم” التي ترتكبها عناصر من الدعم السريع واصفا إياها “بالتطهير العرقي”.

مفوضية شؤون اللاجئين تحذر من تكرار سيناريو الفظائع التي ارتكبت في 2003

من جهتها، عبرت “قوى الحرية والتغيير” عن قلقها إزاء تصاعد وتيرة المواجهات المسلحة في كافة أرجاء البلاد والجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في هذه الحرب، لا سيما “الجرائم الشنيعة التي وقعت بغرب دارفور إثر اقتحام قوات الدعم السريع للجنينة” وفق البيان الصحفي الذي نشرته من القاهرة.

كما نوهت لما سمته بـ “المؤشرات الواضحة التي تغذي الصراع في دارفور من خلال خطوات ملحوظة ومرصودة لتحويل الحرب إلى مواجهة أهلية شاملة بين المكونات السكانية للإقليم”. فيما طالب جميع “المكونات الاجتماعية بالإقليم بعدم الانسياق لهذا المخطط الذي لن يورث الإقليم إلا مزيدا من الخراب والدمار وإطالة أمد الحرب وزيادة كلفتها”، داعيا في الوقت نفسه إلى “الاستفادة من تجربة الحرب التي عاشها الإقليم منذ العام 2003″.

هذا، وحذرت مفوضية شؤون اللاجئين من تكرار سيناريو المجازر التي وقعت قبل 20 عاما. وكتب فيليبو غراندي، المفوض العام في مفوضية اللاجئين في تقرير نشر في 10 نوفمبر/تشرين الثاني ” قبل عشرين عاما، صدم العالم بالفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت في دارفور. نخشى ظهور ديناميكية مشابهة في هذا الإقليم”. وواصل:” المدنيون يغادرون الإقليم أفواجا. أكثر من 8000 لاجئ جدد وصلوا إلى تشاد المجاور خلال أسبوع فيما تم قتل حوالي 800 شخص من قبل جماعات مسلحة في بلدة “أردماتا” بغرب دارفور”.

نشر قوات متعددة الجنسيات لوقف الاقتتال

من ناحيتها، قالت الأمم المتحدة إن “دارفور تحول إلى جهنم حقيقية لملايين الأطفال، فيما تم قتل أو جرح حوالي 800 آخرين بسبب انتمائهم العرقي”. أما منظمة اليونيسف، فأكدت أن حوالي 4000 مدرسة تم إغلاقها بسبب العنف”. واعتبر المحلل السياسي والأستاذ الجامعي السوداني طلحة جبريل أن عبد الفتاح البرهان هو “المسؤول الأول عن الوضع الذي آل إليه السودان ودارفور على حد سواء”. “فبعدما تعرض الجيش السوداني إلى تصفية ممنهجة من قبل البشير، أقدم البرهان على تنحية كل الكفاءات العسكرية وطلب من حميدتي أن يعزز صفوف الميليشيات ويرفع من حجمها إلى 100 ألف مقاتل.

وبشأن الحلول الكفيلة بإنهاء الحرب في بلاد النيلين، أحصى المحلل حلين فقط: الأول نشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (القبعات الزرق) لكن هذا الخيار سيواجه فيتو من روسيا حسب رأيه. أما الحل الثاني والذي تسوق له الولايات المتحدة، فهو يكمن في نشر قوات عسكرية متعددة الجنسيات، مثل ما حدث في كوسوفو في 1998 مع بناء جيش جديد ومرحلة انتقالية تتبعها انتخابات نزيهة. فهل يتوصل الفرقاء إلى حل ينهي الحرب واللجوء والنزوح؟

حكم قضائي سويسري يحبط الآمال بمزيد من الشفافية في قطاع الذهب

عمال مناجم يغسلون الذهب الخام في جمهورية الكونغو الديمقراطية (2019) Cèdric Gerbehaye / Agence Vu

رفضت المحكمة الفدرالية السويسرية طلبًا تقدّمت به جمعية الشعوب المهددة بسويسرا بغرض الحصول على بيانات تفصيلية عن الذهب الذي تستورده شركات سويسرية.

ويمثّل هذا القرار الذي صدر قبل أسابيع قليلة انتكاسةً لأنصار تعزيز الشفافية في قطاع الذهب، وفوزًا لشركات تكرير الذهب التي تستبسل في الحفاظ على “أسرار المهنة”.

واستندت المحكمة الفدرالية السويسرية، وهي الهيئة القضائية العليا في البلاد، إلى حجة تقول إن المكتب الفدرالي للجمارك وحرس الحدود غير مخوَّليْن بالإفصاح لجمعية الشعوب المهددة (STP)،  المنظمة السويسرية غير الحكومية التي يوجد مقرَّها في برن، عن المعلومات المتعلِّقة بواردات الشركات السويسرية من الذهب. وجاء هذا الحكم مؤيِّدًا لقرار سابق صدر عن المحكمة الإدارية الفدرالية.

وفي بيان لها نُشِر عقب الجلسة العلنية التي عُقدت في لوزان، بررت أعلى محكمة في سويسرا قرارها بأن  “المعلومات المُتنازع عليها تخضع لأحكام السرِّية الضريبية المفروضة بموجب قانون الضريبة على القيمة المضافة (VAT)، وهي بالتالي مُستثناة من الحق في الحصول على المعلومات بموجب قانون الشفافية”.

ويرى كريستوف فيدمر، المدير الإداري لجمعية الشعوب المهددة، أنَّ القرار الذي أيَّدته هيئة القضاة بأربعة أصوات مقابل صوت واحد، كان مخيِّبًا للآمال، ولكنه لم يكن مفاجئًا. وأعرب عن عدم اقتناعه بحجة السرِّية الضريبية، وقال إن المصالح الاقتصادية لقطاع الذهب كانت هي الطاغية، رغم ما يتسبب فيه هذا القطاع من مخاطر  على سمعة سويسرا.

وأوضح فيدمر، في حديث أجرته معه سويس إنفو (SWI Swissinfo.ch): “يصعب على المرء أن يفهم مصوّغات هذا الحكم، فقد احتجُّوا بالسرية الضريبية. مع أننا لم نستوضح قطُّ عن أي مبالغ مالية أو عن قيمة التحويلات، بل عن كميات الذهب وأسماء الشركات التجارية فحسب… نحن نشعر بخيبة أمل كبيرة مع أننا كنا نتوقع ما حدث، لأن القطاع له ثقل اقتصادي كبير جدًّا. ولم ترغب [أي شركات القطاع] في إبداء أي قدرٍ من الشفافية”.

وشدّد فيدمر على أنَّ جمعية الشعوب المهددة ستستمر في ممارسة الضغط المباشر على شركات تكرير الذهب في سويسرا حتَّى تُعلن عن مصدر الذهب الذي تستورده إلى البلاد. وإنهم سيدعمون أيضًا الجهود المبذولة لسنِّ قوانين العناية الواجبة وفرضها على الشركات في سويسرا وتعزيزها، وهي جهود تعرَّضت في عام 2020 لانتكاسة عندما رفض المُقترِعون والمُقترِعات مبادرة الأعمال المسؤولة.

معركة قانونية طال أمدها

بدأت المعركة القانونية في فبراير 2018 عندما تلقَّى المكتب الفدرالي للجمارك وحرس الحدود طلبًا من جمعية الشعوب المهدَّدة للحصول على بيانات بشأن واردات خمس شركات ومصرفان، من الذهب بين عامي 2014 و2017. واقتصرت المعلومات التي طلبتها الجمعية على كميات واردات الذهب، مفصَّلة حسب اسم البلد المصدر، واسم الشركة السويسرية المستورِدة. وكان مكتب الجمارك قد وافق على تقديم هذه البيانات في البداية، ولكنَّ شركات تكرير الذهب في سويسرا تقدّمت إلى المحكمة الإدارية الفدرالية بطعن في هذا القرار مستندة إلى أحكام السرِّية الضريبية، وسرِّية الأعمال التجارية، وقوانين حماية خصوصية الأطراف الثالثة.

وبحلول عام 2022، كانت جمعية الشعوب المهدَّدة قد عدَّلت طلبها، وتراجعت عن طلب البيانات البنكية، وقدَّمت إلى المحكمة الفدرالية طلبًا للاستئناف ضد قرار المحكمة الإدارية الفدرالية. ووفقًا للجمعية، فإن نحو 70 % من الذهب المستخرج من جميع أرجاء العالم يجري تكريره أو بيعه في سويسرا. وتشير تقديرات أخرى إلى أن هذا البلد الجبلي يؤوي عمليات تكرير ثلث الإجمالي العالمي من الذهب الخام، ونصف الذهب المعاد تدويره.

وفي سانت غالن، استنتجت لجنة القضاة التي عيَّنتها المحكمة الإدارية الفدرالية أن البيانات المطلوبة جُمعت لغرض حساب القيمة المضافة، وبالتالي تدخل في نطاق أحكام السرِّية الضريبية. ووفقًا لمستندات المحكمة، اعتبرت لجنة القضاة أن إمكانية استخدام هذه البيانات لأغراض غير حساب القيمة المضافة هو أمر غير ذي صلة أو أهمية في هذه القضية. وكان القرار الذي صدر يوم الأربعاء الماضي عن المحكمة الفدرالية في لوزان متماشيًا مع هذا المنطق.

وعبَّر مارك أومل، رئيس قسم المواد الخام في جمعية الشعوب المهدَّدة، عن أسفه الشديد لهذا القرار، معتبرًا أنه يُظهر مقدار الجهد الذي يتعين بذله لتعزيز الشفافية في سلسلة توريد الذهب إلى المصافي السويسرية. وأضاف: “لقد آن الأوان لكي تتحمَّل المصافي المسؤولية عن إمداداتها من الذهب وعن ظروف استخراجه، ويكون ذلك بالكشف عن أسماء مورديها”.

ويتفق مارك بيث، مؤلف كتاب “غسيل الذهب: أسرار تُلطِّخ تجارة الذهب” مع هذا الرأي، ويرى أنَّ هذا القرار يشكِّل “انتكاسة فعلية في سعي المصافي نحو تحقيق الاستدامة في قطاع الذهب”، مشيرًا إلى أن الشفافية ضرورية للغاية. وتبرز هذه الأهمية بوضوح في تجربة فنزويلا مع ذهب الأمازون، وارتباط الذهب بالنزاعات المسلحة (كما في السودان وروسيا).

مسلسل الفضائح

على مدى السنوات القليلة الماضية، ظلَّت واردات سويسرا من الذهب، من حيث مصدره وطريقة استخراجه، قضيَّة تُثير تساؤلات متزايدة على الساحة الإعلامية وفي علاقة بالرأي العام.

وظلَّ الضرر البيئي المرتبط بتعدين الذهب يشغل حيِّزًا بارزًا في اهتمام وسائل الإعلام وعموم الجمهور على مدى السنوات الأخيرة. وبسبب دور الذهب في تمويل الحرب التي تشنُّها روسيا على أوكرانيا بات هذا الموضوع قضيَّة ساخنة.

وأشارت صحيفة “لوتون (Le Temps) السويسرية الناطقة بالفرنسية إلى تجدُّد الجدل حول قطاع الذهب السويسري، وذكرت أنَّ الشركة السويسرية إم. كي. أس. بامب (MKS Pamp)، التي يوجد مقرها في تيتشينو، تستورد الذهب من منجم نيو ليبرتي في ليبيريا الذي ترتبط عملياته بتلوث نهر يشرب منه السكَّان المحليون بمادتي السيانيد والزرنيخ.

وليست هذه هي الشركة الوحيدة التي لفتت الأنظار. فقد ورد في المقال نفسه أنَّ حركة الصوم « Action de Carême » السويسرية المسيحية انتقدت شركة آرغور هيراوس (Argor-Heraeus)، وهي مصفاة سويسرية أخرى، بسبب استيرادها الذهب من مناجم في كولومبيا تُشغِّل القاصرين في عمليات استخراج هذا المعدن الثمين.

وتصدَّرت شركة فالكامبي (Valcambi)، وهي أكبر مصفاة لتكرير الذهب في سويسرا، العناوين هذا العام أيضًا. فوفقًا لتحقيق أجرته الإذاعة والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية (RTS)، لم تف الشركة بوعود قدَّمتها في السابق، وواصلت بعد عام 2019 استيراد الذهب من شركة كالوتي لتكرير وتجارة المعادن الثمينة. وكانت شركة كالوتي، ومقرُّها في دبي، قد اتُّهِمَت بغسيل الأموال وتجارة الذهب من مناطق تشهد نزاعات.

وتستأثر صناعة الساعات والمجوهرات بنحو 50 % من إجمالي الطلب على الذهب في سويسرا، في حين يُشكِّل الذهب الاستثماري والذهب في خزائن البنوك المركزية نحو 37 %. أمَّا الباقي، فيُستخدم في الأجهزة الطبية ومجموعة واسعة من الإلكترونيات، بما في ذلك الكمبيوترات والهواتف.

الصراع بين الشفافية والمنافسة

جاء القرار الذي صدر يوم الأربعاء الماضي بمثابة نصر لشركات تكرير الذهب في سويسرا. ومع ذلك، تقول الرابطة السويسرية لِمُصَنِّعي وتجار المعادن الثمينة إنَّها تتفق مع جمعية الشعوب المهدَّدة في أهدافها الرامية إلى تعزيز الشفافية خلال جميع حلقات سلسلة القيمة وجعل القطاع أكثر استدامة. وكانت الرابطة قد شطبت فالكامبي من قوائمها بسبب الجدل القائم على الممارسات التي تتبعها في تأمين إمداداتها.

وقبل انعقاد جلسة المحكمة، تحدَّثت سويس إنفو إلى كريستوف وايلدر، رئيس الرابطة والرئيس التنفيذي السابق لشركة آرغور هيراوس، الذي شرح موقف الرابطة بقوله: “ولكنَّ الحقيقة المؤكَّدة هي أننا في الرابطة نرى مصطلح الشفافية من منظور يختلف قليلاً عن منظور الجمعية… إذ يتعيَّن علينا تحقيق هذا النوع من الشفافية بطرق أخرى. علينا أن نضمن الشفافية أمام سلطة تلقى قبول جميع الأطراف المعنية وقادرة على تقييم عمل شركات التكرير والأطراف الأخرى المعنية بوضعنا الحالي”.

وعلى مدى سنوات، ظلَّت الرابطة السويسرية لِمُصَنِّعي وتجار المعادن الثمينة تُنادي بتعزيز دور المكتب المركزي للرقابة على المعادن الثمينة كجهة حكومية تُعنى بتنظيم أعمال القطاع. ويقول وايلدر في هذا الشأن “يتعيَّن على المكتب أن يضطلع بأعمال الرقابة وأن يكون قادرًا على معاقبة الشركات التي لا ترغب في تحسين أوضاعها… ولكي يتسنَّى له القيام بذلك، يحتاج إلى وسائل إضافية من حيث التدريب والأدوات القانونية”.

وأشار وايلدر إلى أن المنافسة في سويسرا شديدة  جدًّا، حالها حال المنافسة على الصعيد العالمي، وإلى أنَّ المعلومات عن العملاء تظلُّ بيانات حسَّاسة للغاية، من وجهة نظر شركات تكرير الذهب، وأنَّ قرار المحكمة الفدرالية المؤِّيد لموقف شركات تكرير الذهب قد ساهم في حماية القدرة التنافسية على الساحة السويسرية. وأكَّد قائلًا: “نحن ليس بإمكاننا أن نُفصح عن بيانات عملائنا لأي جهة، ونعزف عن القيام بذلك”.

ترجمة: ريم حسونة

الشرطة متهمة باستخدام عنف “ممنهج” ضد المهاجرين المشردين في باريس وضواحيها

شارة الشرطة البلدية الفرنسية، المعرض العالمي المخصص للأمن الداخلي والسلامة، في فيلبانت بالقرب من باريس، فرنسا، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2023. © رويترز

يتعرض المهاجرون المشردون في المنطقة الباريسية لعنف الشرطة “بشكل منهجي ويتم التقليل من شأنه بشكل كبير” بحسب تقرير جمعيات، فهم إما يطردون من خيمِهم أو يتعرضون لـ”ضرب مبرح”. فبين عامي 2015 و2023 قامت الجمعيات “بإحصاء وتوثيق 450 شهادة حول عنف الشرطة المرتكب بحق مهاجرين”.

قامت مجموعة من الجمعيات بنشر وثيقة الخميس بلغت فيها عن مخالفات هي الأولى المخصصة لمسألة تعرض المهاجرين المشردين في المنطقة الباريسية لعنف الشرطة “بشكل منهجي ويتم التقليل من شأنه بشكل كبير”.

هذا، وتم نشر هذه الوثيقة بعد ثلاث سنوات من الإخلاء العنيف الذي نفذته الشرطة في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 لمخيم عشوائي للمهاجرين أقيم في ساحة الجمهورية وسط باريس.

وكانت قد أثارت هذه الحادثة استياء كبيرا حتى داخل الحكومة الفرنسية. واعتبر وزير الداخلية جيرالد دارمانان حينها الصور “صادمة”.

ويقول واضعو التقرير “بصرف النظر عن هذا السخط الجماعي يستمر هذا العنف في صمت تام وبأشكال مختلفة: مضايقات وطرد من أماكن السكن وتدمير للممتلكات وعنف لفظي وجسدي”.

ويؤكدون أيضا على “البعد المنهجي” لهذه الأفعال في باريس وضواحيها حيث تضاعفت مخيمات المهاجرين الموقتة في السنوات الأخيرة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بين عامي 2015 و2023 قامت الجمعيات “بإحصاء وتوثيق 450 شهادة حول عنف الشرطة المرتكب بحق مهاجرين”.

هذا، ورفضت دائرة الشرطة الرد على أسئلة وكالة الأنباء الفرنسية.

فرانس24/ أ ف ب

الحصول على تأشيرة دخول فرنسية للمصريين بين درب الآلام وتجارة رابحة بملايين الدولارات

نشر موقع Orient IXX الفرنسي شهادة للصحفي المصري كارم يحيى حول تجربته القاسية للحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا تلبية لدعوة من إحدى النقابات لتقديم مداخلة في مجال تخصصه الصحفي.

جواز سفر مصري © أ ف ب (أرشيف)

يشير كارم يحيى في شهادته على موقع Orient XXI إلى أن المواطن الفرنسي يحصل على تأشيرة الدخول إلى مصر لدى وصوله إلى المطار مقابل مبلغ يعادل 25 دولار، بعد أن يقدم جواز سفره وعنوان لإقامته في مصر، بينما ينبغي على المصري الراغب في الحصول على تأشيرة دخول فرنسية تحضير قائمة من الوثائق (وثيقة بمعلوماته المصرفية، تأمين صحي، حجز مدفوع لبطاقة السفر، والإقامة في فندق، صور فوتوغرافية وبصمات الأصابع)

درب الآلام

ويبدأ درب الآلام، كما يصفه كارم يحيى، بمحاولة تقديم الطلب من أجل موعد على موقع السفارة الفرنسية على الإنترنت، والذي ظل معطلا لأشهر طويلة، وحتى بعد عودته للعمل، يبدو أن تعبئة الاستمارة الإلكترونية عملية شاقة ومعقدة، إذ تتضمن 32 قسما، وكل قسم به عدد من الأسئلة التي تنبغي الإجابة عليها، ليتلقى طالب تأشيرة الدخول – في حال نجاحه في تعبئة الاستمارة – بريدا إلكترونيا من السفارة يحدد له الموعد بعد عدة أشهر، ولكنه ينبغي أن يمر أولا عبر مرحلة أخرى.

إذ لا تستقبل السفارة إلا حاملي جوازات السفر الدبلوماسية أو من يريدون السفر في إطار مهمة رسمية، بينما تمت خصخصة استقبال الطلبات وتحديد المواعيد لحساب شركة TLS Contact والتي يوجد مقرها الرئيسي في باريس، وكافة الخدمات أو المساعدات التي تقدمها هي مدفوعة الأجر.

وفق التحقيق الذي قام به كارم يحيى، فإن TLC Contant بدأت العمل مع السفارات والقنصليات الفرنسية في الصين عام 2007، وأصبحت تتمتع اليوم بـ150 مركز في 90 بلدا، وأقامت فرعها في مصر عام 2010.

تجارة رابحة

ونظرا لصعوبة لقاء المسؤولين في فرع الشركة في القاهرة، تابع الصحفي المصري تحقيقه في أوساط العاملين في مجال السياحة في مصر، حيث اكتشف أن حجم أعمال TLC Contant اليومي يصل إلى 30 ألف يورو، إذ يصل عدد طالبي تأشيرة الدخول الفرنسية في مصر، يوميا، 300 شخص، وينبغي على كل منهم تسديد مبلغ يعادل 37 يورو، ويرتفع هذا المبلغ – في أغلب الحالات – إلى 74 يورو للحصول على موعد مستعجل، ذلك إن الشركة تتمكن من تحصيل مبالغ إضافية من خلال عرض قائمة طويلة من الخدمات، والتي تتضمن الحصول على حجوزات (مزيفة) أو قابلة للإلغاء لبطاقة السفر وغرفة الفندق لاستكمال ملف طلب تأشيرة الدخول إلى فرنسا.

شركات السياحة ومكاتب محامين (متخصصين)

تنبغي الإشارة أيضا إلى شركات سياحية تتولى مساعدة طالب التأشيرة على تعبئة استمارة الطلي الإلكترونية مقابل 33 يورو

ونظرا لأن فرنسا معروفة بأنها أكثر البلدان الأوروبية التي ترفض منح تأشيرة دخول، إذ طلب حوالي 2 مليون شخص في العالم تأشيرة الدخول الفرنسية عام 2022، وبلغت نسبة الرفض 20⁒ من هذه الطلبات، فإن العديد من الصفحات ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي للدعاية لمكاتب محامين، تقول إنهم (متخصصون) تمكنوا من النجاح في الحصول على تأشيرات دخول من السفارة الفرنسية وسفارات أوروبية أخرى مقابل 50 يورو لكل ملف.

تنبغي الإشارة إلى أن السفارة الفرنسية تظل صاحبة القرار الوحيدة في منح تأشيرة الدخول أو رفض الطلب، ولكن TLC Contant تتحكم في تحديد مواعيد المقابلة وطريقة تحضير وتقديم الملف

لقراءة المقال كاملا باللغة الفرنسية:

France – Égypte. Les visas, entre chemin de croix et business lucratif

مراسلون بلا حدود تتهم إسرائيل بتحويل غزة إلى “مقبرة للصحافيين”

اتهمت مراسلون بلا حدود الأربعاء إسرائيل بتحويل غزة إلى “مقبرة للصحافيين” مع مقتل نحو عشرة منهم في ظرف ثلاثة أيام، ما يرفع إلى 48 إجمالي عدد الصحافيين الذين قتلوا في القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. كما حذرت المنظمة من وضع كارثي بسبب تجاهل الدولة العبرية دعوات حماية الصحافيين في حربها ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، محذرة من “استئصال الصحافة في غزة”.

زملاء صحافيين اثنين من قناة الميادين ومقرها لبنان، تقول إنهما قتلا في غارة إسرائيلية. بيروت في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2023. © رويترز

اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود في تقرير نشرته الأربعاء، بأن عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة كانت الأكثر دموية للصحافيين منذ اندلاع الحرب بين حماس وإسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

ففي ظرف ثلاثة أيام في الفترة ما بين 18 إلى 20 نوفمبر/تشرين الثاني، أحصت المنظمة مقتل 10 صحافيين فلسطينيين في غزة، “ثلاثة منهم على الأقل أثناء أداء عملهم”، ما يرفع إلى 48 عدد الصحافيين الذين قضوا “في الغارات الإسرائيلية على غزة”.

“استئصال الصحافة في فلسطين”

في السياق، اتهم جوناثان داغر رئيس مكتب مراسلون بلا حدود في الشرق الأوسط، القوات الإسرائيلية بأنها “قتلت ما يقرب من 50 صحافيا خلال 45 يوما في غزة، منهم 11 صحافيا أثناء قيامهم بواجباتهم. وهي واحدة من أكثر الخسائر دموية في هذا القرن (بالنسبة للصحافة)”.

كما أدان داغر منع الصحافيين الدوليين من دخول غزة. وقال إن المراسلين المتواجدين في القطاع ليس لديهم “ملاذ آمن ولا وسيلة للهروب.. يتم قتلهم الواحد تلو الآخر”.

ودعا نفس المتحدث المجتمع الدولي إلى حماية الصحافيين في غزة، محذرا من “استئصال حقيقي للصحافة في الأراضي الفلسطينية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول”.

وفي بيان سابق، وصف داغر الوضع في غزة بأنه مأساوي بالنسبة للصحافة وقال: “قُتل أكثر من صحافي يوميا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول”.

كما اتهمت المنظمة في بيان سابق الإثنين، إسرائيل بالعمل تدريجيا على خنق الفاعلين الإعلامين في قطاع غزة منذ قرابة أسبوعين، من خلال “قتل الصحافيين أو إصابتهم أو بتدمير مبان إعلامية أو قطع شبكة الإنترنت أو تهديد قناة الجزيرة الدولية بالرقابة”.

كما دانت المنظمة في بيان نشرته في 10 نوفمبر/تشرين الثاني “تزايد أصوات التهديد والدعوة إلى قتل الصحافيين (في غزة) في أوساط السياسيين الإسرائيليين، وذلك في أعقاب نشر تقرير يشكك في نزاهة بعض الفاعلين الإعلاميين” الفلسطينيين.

من فلسطين، إلى لبنان، وإسرائيل

ونشرت مراسلون بلا حدود الأربعاء لائحة بأسماء بعض الصحافيين الذين قتلوا مؤخرا في المنطقة، منهم:

  • بلال جاد الله (49 عاما) وهو رئيس مجلس إدارة بيت الصحافة، والذي لقي حتفه في غارة إسرائيلية خلال محاولته مغادرة قطاع غزة صباح 19 نوفمبر/تشرين الثاني.

  • حسونة سليم (28 عاما) وساري منصور (32 عاما) وقد قتلا في 18 نوفمبر/تشرين الثاني. وكان الأول يعمل كمدير لوكالة الأنباء الفلسطينية على الإنترنت “قدس نيوز”، أما الثاني فهو مصور صحافي مستقل. وقد لقيا مصرعهما إثر هجوم إسرائيلي على مخيم البريج للاجئين وسط غزة حيث كانا يعيشان. وحسب معلومات مراسلون بلا حدود، فقد تلقى حسونة سليم تهديدا بالقتل يوما فقط قبل مقتله “لأسباب تتعلق بنشاطه الصحافي”.
  • في لبنان، قُتلت فرح عمر مراسلة قناة الميادين وزميلها المصور الصحافي ربيع المعمري في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، إثر قصف إسرائيلي على بلدة طير حرفا بجنوب لبنان، أثناء تغطيتهما لتبادل القصف في المنطقة الحدودية.

لكن لم تكن هذه أول مرة يقتل ويجرح صحافيون لبنانيون منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. ففي 13 من نفس الشهر، قُتل مصوّر رويترز عصام عبد الله وأصيب آخرون من وكالة الأنباء الفرنسية وقناة الجزيرة ورويترز خلال تغطيتهم قصفا إسرائيليا على جنوب لبنان.

وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني، أصيب مصور الجزيرة بجروح إثر قصف إسرائيلي خلال جولة لصحافيين في بلدة حدودية.

  • في إسرائيل، قُتل روعي عيدان (43 عاما) والذي يعمل مصورا صحافيا لحساب موقع Ynet الإسرائيلي. ووفق مراسلون بلا حدود، فقد تم في البداية الإبلاغ عن اختفائه، قبل أن يتم الإعلان عن وفاته بعد اكتشاف جثته والتعرف عليها في 20 أكتوبر/تشرين الأول. وكان عيدان قبل اختفائه يقوم “بتوثيق انتهاكات حماس بعد الغارة القاتلة على كيبوتس كفر عزة، في جنوب غرب البلاد”.

من جهة أخرى، أحصت لجنة حماية الصحافيين حتى تاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني، مقتل ما لا يقل عن 53 صحافيا وعاملا في مجال الإعلام منذ بدء الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وقالت المنظمة غير الحكومية ومقرها نيويورك، إن “ثاني أكثر الأيام دموية بالنسبة لوفيات الصحافيين كان يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث قُتل خمسة صحافيين، وكان اليوم الأكثر دموية في الحرب هو يومها الأول أي 7 أكتوبر/تشرين الأول حيث قُتل 6 صحافيين”.

.

وأشارت اللجنة إلى أن بين 53 صحافيا وإعلاميا الذين قتلوا في النزاع الحالي، 46 فلسطينيا، 4 إسرائيليين، و3 لبنانيين. وقالت إنه “تم الإبلاغ عن إصابة 11 صحافيا. اختفاء 3 صحافيين. واعتقال 18 صحافيا”. ناهيك عن “التهديدات والاعتداءات والهجمات الإلكترونية عليهم وعلى أفراد عائلاتهم”.

ونشرت اللجنة قائمة كاملة بأسماء كافة الصحافيين الذين قتلوا أو جرحوا أو اختفوا حتى 21 نوفمبر/تشرين الثاني، وفق ترتيب كرونولوجي يوضح أيضا حيثيات كل حادثة وهي في الغالب غارات إسرائيلية.

كما أوضحت اللجنة هوية الصحافيين الإسرائيليين الأربعة الذين قتلوا، وهم كل من روعي عيدان الذي أشارت إليه مراسلون بلا حدود، الصحافية شاي ريجيف (25 عاما) محررة في صحيفة معاريف، يليت أرنين (22 عاما) صحافي في الإذاعة الإسرائيلية، وكذا يانيف زوهار مصور صحيفة إسرائيل هايوم، وقد قتلوا جميعا حسب لجنة حماية الصحافيين خلال هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

خروج مراسلة فرانس24 في غزة من الأنقاض

قالت مراسلة قناة فرانس24 في غزة مها أبو الكاس في مداخلة يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول، أن منزل عائلتها في القطاع قد تعرض إلى قصف إسرائيلي في التاسع من نفس الشهر، كاد يودي بحياتها هي وأفراد أسرتها.

وظهرت المراسلة وعلى رأسها ضمادة بعد معالجة جراحها في المستشفى. وقالت: “بمجرد خروجنا من المنزل حتى نتجه إلى مكان آمن تم استهداف المبنى الذي أسكن فيه وأيضا المبنى المجاور له بدون أي تحذير. خرجنا من تحت الأنقاض بصعوبة شديدة جدا، توجهنا إلى المستشفى أنا وزوجي وابنتي وأمي وأخي جميعنا كنا مصابين. الأثر النفسي كبير جدا بعد الخسارة التي ألمت بنا”.

“أكثر من 1000 صحافي نزحوا من منازلهم في غزة”

تعقيبا على الوضع المأساوي للصحافيين في المنطقة منذ بدء الحرب بين حماس وإسرائيل، قال ناصر أبو بكر نقيب الصحافيين الفلسطينيين في مداخلة سابقة لبرنامج منتدى الصحافة على فرانس24 إن “أكثر من 1000 صحافي وعائلاتهم في قطاع غزة نزحوا من منازلهم، الغالبية الساحقة منهم لم يعد لديهم مكان آمن. منهم من نزح إلى جنوب قطاع غزة أو مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث اللاجئين (أونروا)، منهم أيضا من يتواجد في ساحات المستشفيات أو ينام تحت الشجر أو تحت السماء، هم بالمئات”.

وأضاف أبو بكر: “نعجز عن نقل المساعدات ومنها ملابس الوقاية الخاصة بالصحافيين إلى قطاع غزة بسبب الإجراءات الإسرائيلية. نقابة الصحافيين المصريين جمعت أكثر من 43 درعا وخوذة لإدخالها للصحافيين في غزة”.

شكوى بشأن “جرائم حرب” ضد الصحافيين في غزة

من جانبه، قال الصحافي خالد الخالد في مداخلة على نفس البرنامج إنه يجب “تشكيل ضغط دولي على إسرائيل لوقف استهداف الصحافيين والحرب. نسمع كل يوم إدانات سواء من مراسلون بلا حدود أو منظمات حماية الصحافيين أو الاتحاد الدولي للصحافيين. منظمة مراسلون بلا حدود رفعت ثلاث شكاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق دولي، لكن حتى الآن لا توجد نتائج ملموسة. هناك استهداف ممنهج للصحافيين وإرادة بأن لا تظهر حقيقة هذه الحرب أمام الإعلام”.

وكانت مراسلون بلا حدود قد أعلنت في 31 أكتوبر/تشرين الأول عن إيداعها شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية حيال “جرائم الحرب” المرتكبة ضد الصحافيين الفلسطينيين في غزة وضد صحافي إسرائيلي، تعد الثالثة من نوعها منذ 2018، داعية إلى تحقيق دولي.

“سابقة في تاريخ الحروب في السنوات الأخيرة”

قال حسين الوائلي وهو صحافي معتمد لدى الاتحاد الأوروبي في مداخلة سابقة لفرانس24، إن سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في صفوف الصحافيين خلال تغطيتهم للحرب بين حماس وإسرائيل، هو سابقة في تاريخ الصراعات خلال السنوات الأخيرة. ولفت إلى حادثة مشابهة أدت إلى مقتل نحو 13 صحافيا من وكالة رويترز في غارة أمريكية على بغداد، اعتذر عنها الجيش الأمريكي لاحقا.

بدوره، قال نبيل شوفان صحافي في إذاعة مونت كارلو لبرنامج منتدى الصحافة، في تعليقه على مقتل عشرات الصحافيين في غزة وأيضا جنوب لبنان وإسرائيل، إن “هذه أرقام غير مسبوقة وهذا يثبت أن الحرب الحالية هي من أخطر الحروب التي تطال أرواح الصحافيين بهذا العدد. خلال بضعة أسابيع لدينا عدد ضحايا هو أكبر من مجموع كل الصحافيين الذين سقطوا منذ 21 عاما خلال تغطية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وهذا يدلل على أن هناك عنفا غير مقنن. هناك اتهامات لإسرائيل بأنها تتعمد استهداف الصحافيين ومكاتبهم وأدواتهم”.

للتنويه، فقد ارتفع عدد ضحايا العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلى 14 ألفا و128 قتيلا منهم 5840 طفلا، وفق السلطات الصحية التابعة لحكومة حماس. وتسبب هجوم الحركة “طوفان الأقصى” بمقتل 1200 شخص في إسرائيل، بحسب تل أبيب.

صحيفة الخليج: “تقطيع أوصال السودان”

من الواضح أن المتحاربين في السودان فقدوا أي حس بالمسؤولية والوطنية، أو الالتزام بأدنى معايير الانضباط والقيم التي من المفترض أن تحكم سلوكهم، وباتوا في حلٍّ من الالتزام بالمحافظة على الوطن بما يمثله من شعب وأرض وجغرافيا وتاريخ ومؤسسات وبنى تحتية.

على مدة نحو ثمانية شهور من المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لم يعد في السودان من مكان إلا وطاله التدمير، ولم يعد هناك حرمة للبشر الذين تشردوا بالملايين، ولا التزام بأدنى المعايير الأخلاقية في المحافظة على المستشفيات والمراكز الصحية وأملاك الناس التي تعرضت للنهب، ولم تسلم حتى المؤسسات الإنسانية الدولية من هذا الفعل الشنيع، كما انتُهكت الحرمات بأبشع الصور، مثل عمليات الاغتصاب، وارتكاب جرائم حرب على أساس عرقي وجهوي

في بيان لمنظمتي اليونيسيف والصحة العالمية تحذير من خطر وقوع أعداد كبيرة من الوفيات بين الأطفال بسبب تزايد الاضطرابات في النظام الصحي، واصفاً ذلك بأنه «غير مقبول»، وأشار البيان إلى أن المرافق الصحية محتلة أو منهوبة أو مدمرة، وأن 70% من المستشفيات في المناطق المتضررة من النزاع باتت خارج الخدمة. وحذرتا من انتشار الأمراض بسبب موسم الأمطار جراء سوء التغذية والمأوى والمياه النظيفة وفقدان الخدمات الأساسية. وتحدث البيان عن وجود أكثر من 7.1 مليون نازح داخلياً، وتشرد 4.5 مليون منهم منذ اندلاع القتال، ليسجل السودان بذلك أكبر عدد من النازحين داخلياً في العالم.

ولكي تكتمل معالم الجريمة الكبرى، فإن المتحاربين تعمدوا مؤخراً تقطيع أوصال السودان من خلال تدمير الجسور التي تربط العاصمة ببعضها، أو تربط العاصمة ببقية المناطق. فبعد تدمير جسر شمبات على نهر النيل والذي ظل يربط منذ عام 1966 بين مدينتي الخرطوم بحري وأم درمان، فقد تم تدمير جسر جبل الأولياء الواقع على نهر النيل الأبيض، على بعد 44 كيلومتراً جنوبي العاصمة، وهو الجسر الذي يربط ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة جبل الأولياء في أنها تضم قاعدة «النجومي» التي تعد واحدة من أهم أربع قواعد جوية في السودان، كما أن السيطرة على المنطقة تعني التحكم بشكل كبير في جزء مهم من المداخل الجنوبية للعاصمة.

واللافت أن كلاً من «الدعم السريع» والجيش تبادلا مسؤولية تدمير الجسرين، في محاولة منهما للتبرؤ من ارتكاب مثل هذه الجريمة التي تضاف إلى آلاف الجرائم التي ارتكبت حتى الآن.

إن تقطيع التواصل بين مدينتي الخرطوم بحري وأم درمان، وبين بقية المناطق السودانية، لا يعني فقط تدمير الجسور، وإنما أيضاً تدمير الروابط والعلاقات بين أبناء الوطن الواحد، والقضاء على وشائج القربى والدم التي تربط بين السودانيين عبر التاريخ، وهذه جريمة كبرى بحق الوطن.

لقد ذهبت أطراف الصراع بعيداً في حربهم العبثية التي لم تعد تعني إلا المزيد من القتل والدم والدمار والتشريد.

Provided by SyndiGate Media Inc. (Syndigate.info

).

تقدم قوات الدعم السريع يمنحها زخما في حرب دائرة منذ سبعة أشهر

القاهرة (رويترز) – أدت مكاسب تمكنت قوات الدعم السريع من تحقيقها في غرب وجنوب السودان إلى كسر جمود على الأرض استمر لأشهر في حربها مع الجيش مما عزز طموح القوات شبه العسكرية ومنحها قوة موقف في محادثات تعقد في جدة.

وأثارت هيمنة قوات الدعم السريع على منطقة دارفور التي انطلقت منها نقطة قوتها والتقدم الذي حققته في مناطق أخرى تمتد شرقا صوب العاصمة الخرطوم تكهنات باحتمال تعرض السودان لانقسام آخر بعد 12 عاما على انفصال جنوب السودان.

لكن محللين ودبلوماسيين يقولون إن من غير الواضح كيف ستتمكن قوات الدعم السريع من حكم منطقة منشقة. وتسعى القوات بدلا من ذلك إلى زيادة قدرتها على الوصول لموارد بما يشمل الذهب الذي استخدمته من قبل لمساعدتها في بناء امبراطورية مالية ولتأمين دورها في أي تسوية سياسية بعد قتال دائر منذ سبعة أشهر الآن.

وقال سليمان بالدو من برنامج تتبع الشفافية والسياسة السودانية إن الحكم “يعني أن تتسلم مسؤوليات الغذاء والصحة والأمن… ما يريدون هو أن يكونوا طرفا في الاتفاق المقبل”.

وتقول قوات الدعم السريع، التي نشأت من قلب ميليشيا الجنجويد التي ساعدت الجيش على سحق تمرد في دارفور بعد عام 2003، إنها تتقدم وتخوض اشتباكات في الفاشر المكتظة بالسكان عاصمة ولاية شمال دارفور وكذلك حول قواعد للجيش في الخرطوم. وتعهدت بالوصول إلى بورتسودان على الساحل الشرقي للبلاد التي اتخذها موظفون حكوميون وبعثات دولية مقرا.

وفي الرابع من نوفمبر تشرين الثاني قال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي في كلمة مسجلة إن المدن الخاضعة لسيطرة قواته لا علاقة لهم بالحكومة وإن على سكان المدينة أن يختاروا.

وقال السياسي البارز ياسر عمران لرويترز إن ليس هناك خطر فوري من انقسام السودان لكن لا يمكن استبعاده.

وأضاف “هناك حاجة لضغط شعبي، حشد كبير ضد هذا السيناريو”.

وقال عبد الرحيم دقلو شقيق حميدتي ونائب قائد قوات الدعم السريع يوم الثلاثاء إن الحديث عن انقسام البلاد ناتج عن شائعات يروجها خصوم.

* تفوق عسكري

اندلعت الحرب بسبب خطة لدمج قوات الدعم السريع مع الجيش بعد أربع سنوات من عمل الطرفين معا للإطاحة بعمر البشير خلال انتفاضة شعبية.

وتمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة سريعا على مساحات من الخرطوم وطرق إمداد إلى الغرب قبل أن تجبر الجيش تدريجيا على التقهقر عن أجزاء من منطقتي دارفور وكردفان الشاسعتين وجنوبي العاصمة.

ومنذ أواخر أكتوبر تشرين الأول، سيطرت قوات الدعم السريع على مقرات الجيش في نيالا وزالنجي والجنينة أي ثلاث من أصل خمس عواصم لولايات منطقة دارفور.

وبينما اعتمدت قوات الدعم السريع في البداية على أسلحة خفيفة ومدفعية محدودة، قال شهود في الجنينة ونيالا والخرطوم إنها استخدمت مؤخرا مزيدا من الطائرات المسيرة والمدفعية الأطول مدى.

وقال مصدران عسكريان إن الطائرات الحربية للجيش، وهي أهم ما يميزه على قوات الدعم السريع، تحتاج إلى إصلاحات وإن الجنود سئموا الهزائم المتكررة وتضاؤل ​​الإمدادات وتأخر الرواتب. كما وصفا الانسحابات في دارفور بأنها تكتيكية وتهدف إلى إعادة تركيز الجهود على العاصمة.

ولم يرد الجيش على طلب للتعليق.

ودخلت القوات شبه العسكرية هذا الشهر لفترة وجيزة قلب قاعدة سلاح المدرعات في جنوب الخرطوم، وهي واحدة من أكبر قواعد الجيش، وسيطرت على قاعدة أخرى في منطقة جبل الأولياء على الرغم من أن الجيش قاوم.

وتبادل الجانبان الاتهامات بالمسؤولية عن الانفجارات التي وقعت في الخرطوم الأسبوع الماضي، والتي دمرت جسر شمبات وقطعت طريق إمداد رئيسيا لقوات الدعم السريع، وأشعلت النيران في مخازن وقود كانت القوة تستخدمها في مصفاة الجيلي.

وقالت خلود خير من مؤسسة كونفلوينس أدفايزري للأبحاث “قوات الدعم السريع تريد السيطرة على ما يكفي من الأراضي لإعلان النصر من جانب واحد، بما يشمل دارفور بالطبع والخرطوم بالتأكيد ولكن الأهم هو بورتسودان”.

* أزمة إنسانية

يقول محللون إن ما لاقاه الجيش من نصب دفعه على ما يبدو للعودة إلى محادثات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة والسعودية في جدة والتي تم تعليقها في يونيو حزيران واستؤنفت الشهر الماضي. ويقولون إن قوات الدعم السريع تسعى للحصول على الشرعية في المحادثات بعد الغضب الشعبي من جرائم نهب واغتصاب واعتقالات أُلقي باللوم فيها على قواتها.

وردا على طلب للتعليق أشارت قوات الدعم السريع إلى بيانات ألقت فيها باللوم على أعدائها ومحاربين قدامى من عهد البشير في إثارة الخصومات القبلية في دارفور وقالت إنها ستحاسب المسؤولين عن الانتهاكات.

وقال مندوبان سودانيان إن محادثات جدة تأجلت مرة أخرى مع عدم وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي بعد أن طالبت قوات الدعم السريع بإقامة نقاط تفتيش ومواقع لإضفاء الطابع الرسمي على دورها في الخرطوم مقابل مغادرة المناطق المدنية.

ويقول مراقبون إن الجيش لا يزال يتعرض لضغوط من أنصار للبشير وميليشيات إسلامية اعتمد عليها للحصول على دعم عسكري واستخباراتي، وذلك للتخلي عن المحادثات.

وأدى تقدم قوات الدعم السريع إلى تفاقم أزمة إنسانية تقول تقديرات للأمم المتحدة إنها تسببت في مقتل أكثر من تسعة آلاف وتشريد أكثر من ستة ملايين من أصل 49 مليون نسمة في السودان.

ويتحدث المدنيون الذين يعيشون بالقرب من قواعد الجيش في الخرطوم عن وقوع اشتباكات متواصلة.

وفي الجنينة بغرب دارفور يقول مراقبو حقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 1300 شخص قتلوا هذا الشهر مع تقدم قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها. وقالت قوات الدعم السريع إنها أمرت بإجراء تحقيق.

وقال جوناس هورنر، وهو محلل مستقل معني بشؤون السودان، إن مثل هذا العنف ذي الأهداف العرقية من المرجح أن يستمر، حيث يُسمح للقبائل العربية التي قاتلت إلى جانب قوات الدعم السريع بتصفية الحسابات.

لاعبو كرة قدم وقعوا تحت تأثير الأطباء السحرة

الدولي العاجي السابق جيل يابي يابو في مباراة ضمن تصفيات دوري أبطال أوروبا عام 2012 © سفين اوفي إيكورنيسفاغ / NTB SCANPIX/ا ف ب

باريس (أ ف ب) – “كان الأمر بمثابة الدوامة”، يقول لاعب كرة القدم العاجي الدولي السابق جيل يابي يابو، بعد تعرّضه للاحتيال وخسارته مئتي ألف يورو على يد أحد الأطباء السحرة.

تحدّت ابن الحادية والأربعين عن سنتين قضاهما تحت سحر المعالج التقليدي أو المرابط “تصبح كالعبد ويمكن أن تصبح الأمور في غاية الضرر”.

مرّ لاعب الوسط السابق الذي يشرف حالياً على فريق سويسري من الدرجة الثانية “بأوقات عصيبة” على الصعيد الرياضي، خلال حمله ألوان نادي نانت الفرنسي بعمر الثالثة والعشرين، فنصحه عمّه برؤية معالج في باريس.

قال يابي يابو لوكالة فرانس برس “لم أكن منجذباً للسحر.. لكن نشأتي في ساحل العاج جعلت الذهاب إلى مرابط أمراً طبيعياً ولا يُعتبر سيئاً طالما لا تسعى لالحاق الأذية بأي شخص”.

قال له المعالج ان عائلته “ملعونة” وتمنعه من تحقيق “النجاح والسعادة، فوصف له ذبائح لصدّ اللعنات”.

التضحية بديك، ماعز أو خروف بدأت بـ500 يورو وبلغت “أرقاماً خيالية” بحسب قوله.

يضيف يابي يابو، الراغب بالتحدث لرفع مستوى الوعي عند الرياضيين الشباب، ان الأمور أصبحت مظلمة بعد ذلك “شيء يشبه السحر الأسود”.

تابع “جعلني المرابط اعتقد أن الأرواح التي يعمل لديها تحبّني وتريدني أن أصبح غنياً.. كان هذا هو الطعم”.

“التضحية بابنه”

كلّفت التضحيات اللازمة لجني تلك الثروات 40 ألف، 50 ألف، ثم 60 ألف يورو”.

جرعات يستخدمها المعالجون © جويل ساغيه / ا ف ب

عندما كان لاعب كرة القدم يُرهق مالياً، يقول له الطبيب الساحر “إذا لم يكن لديه المزيد من المال عليه التضحية بابنه. تحليت بالقوّة للقول +توقف+ ولم أعد أزوره بعدها”.

قال انه خُدع خلال سنتين من خلال دفع مئتي ألف يورو (213 ألف دولار) ولم يحصد مقابل ذلك “أي شيء إيجابي”.

شرح “عرف كيف يضعني في دوامة وفقدت القدرة على التفكير بصفاء…”.

قال اللاعب ان إيمانه المسيحي منحه القوّة لوضع حدّ لسيطرة المرابط عليه.

هدّد بعض الأطباء السحرة “بالثأر.. خشية من الانفصال عنهم”.

اضطر جويل تيبو، وهو قسّ أنجيلي للعديد من الرياضيين في فرنسا، أن يتعامل مع “النتائج الكارثية” للاعبي كرة القدم وكرة السلة الذين وقعوا في ظروف مماثلة.

قال “أعرف ان أندية تسمح للاعبيها بالذهاب إلى السنغال بعد اصابتهم، لان الأطباء لا يستطيعون معالجتهم. يعودون ويلعبون مع التمائم وأحزمة واقية”.

قال له أولئك الذين زاروا معالجين في فرنسا انه “عندما تسوء الأمور كان يُطلب منهم القيام بتضحيات إضافية، دفع مزيد من المال لهم ثم يدخلون في دوامة”.

أضاف “أرى الضرر.. لاعبون مكتئبون راودتهم أفكار انتحارية”.

أصبح بمثابة اله

لاعب عاجي آخر هو سيسّيه باراتيه روى لفرانس برس كيف اختبر الجحيم عينه.

عندما بدأ بتمثيل فريق كبير في أبيدجان بعمر السادسة عشرة، قيل له أن المعالجين يساعدونه على تأدية أفضل ويحمونه من “الحسد”.

منشورات يستخدمها الأطباء السحرة في باريس للترويج لأعمالهم © جويل ساغيه / ا ف ب

أقرّ باراتيه البالغ راهناً 55 عاماً “وقعت في الفخ”، مضيفاً انه بدأ “بالاستحمام بجرعات” وصفها له طبيب ساحر، قدّم القرابين وارتدى حزاماً جلدياً واقياً مخيّط عليه آيات من القرآن.

تابع “بمجرّد أن تعرّضت للاصابة ولم تكن الأمور على ما يرام، كنت أزوره. أصبح بمثابة اله بالنسبة لي. تصبح معتمداً عليه وقد استغلّ ذلك”.

لجأ إلى السحرة مجدداً عندما انتقل للعب في أوروبا “كنت دوماً مصاباً. قال لي المرابط ان سبب ذلك يعود لعدم استحمامي بالجرعات في الوقت المناسب أو بسبب الجو البارد…”.

في غرف الملابس، لاحظ أن زملاءه من السنغال أو الكاميرون يضعون “وقاية” و”عطور” أو أحزمة تحت قمصانهم.

قضية بوغبا

يقول تيبو ان قضية ابتزاز لاعب الوسط الفرنسي بول بوغبا العام الماضي سلّطت الضوء على خطورة المشكلة “مع المزيد والمزيد من المال في عالم كرة القدم”.

القس جويل تيبو عمل مع العديد من الرياضيين في فرنسا © جويل ساغيه / ا ف ب

تقدّم بوغبا بشكوى لدى النيابة العامة، قائلاً انه كان هدفاً لمؤامرة ابتزاز بقيمة 13 مليون يورو.

قال بطل العالم مع منتخب بلاده في مونديال روسيا 2018 للمحققين أن مبتزيه، ومن بينهم شقيقه الأكبر ماتياس وأحد أصدقاء طفولته، أرادوا تشويه سمعته، من خلال الزعم انه طلب من أحد المرابطين بالقاء تعويذة على زميله في المنتخب نجم باريس سان جرمان المهاجم كيليان مبابي، وهو أمر نفاه.

يصرّ تيبو “أخبرني لاعبون انه عندما كانوا يخضعون لفحوص المنشطات، لم يكن بمقدور الاطباء حقنهم بإبرة حتى استدعاء المرابطين الخاصين بهم”.

قال عدّة مرابطين انهم يشعرون بـ”الوصم” بسبب العناوين التي أثارتها قضية بوغبا.

روى السيد فاكولي، وهو معالج غيني المولد يعمل خارج باريس، لفرانس برس “أضرّ هذا الجدل بمهنتنا… هذا حقاً الجانب المظلم”.

تابع انه يجب حقاً التمييز بين الأطباء السحرة “الذين يلقون التعويذات” والمعالجين “الذين يساعدون”.

لكن ما دام هناك لاعبون يبحثون عن “طرق مختصرة للنجاح، لن يتوقف للأسف” تأثير الأطباء السحرة، بحسب يابي يابو.

 

تتبُّع الذهب من منبعه– هل تحققه التكنولوجيا أم سيظل مطلبًا بعيد المنال؟

تعقُّب التبر من أعماق غابات الأمازون وقمم جبال الأنديز إلى الإبريز في المجوهرات والساعات وسبائك الذهب في سويسرا هو مطلب نبيل، إلّا أنَّ الثابت حتى الآن هو أنَّه حلم بعيد المنال.

في سويسرا، ترضخ معامل صقل الذهب والبنوك ومصانع المجوهرات والساعات لضغوط سببها مطالبات بإثبات أن مصدر الذهب الذي تتعامل معه لا يسبب أضرارًا بيئية أو انتهاكات لحقوق الإنسان. Horizon International Images / Alamy Stock Photo

تسعى مختبرات البحوث العملية والشركات التجارية سعيًا حثيثًا في البحث عن تكنولوجيات قادرة على تتبُّع رحلة الذهب إلى مكان استخراجه، لتضمن أنَّ ما تتحلى به من خواتم وقلائد ذهبية مصدره منجم مرخَّص يحترم قواعد العمالة في أفريقيا أو البرازيل، وليس حوض ينبعث منه بخار الزئبق السام أو وكر في الأمازون تمارس فيه العصابات الإجرامية أنشطتها.

وفي مؤتمر حول تتبُّع الذهب أٌقيم في جامعة لوزان في شهر مايو الماضي، تحدَّث لنيكلاس ليندي، الأستاذ في الجيوفيزياء البيئية، قائلًا: “تتحمل سويسرا مسؤولية خاصة فيما يتعلق بسلسلة توريد الذهب الموثوقة والعادلة”.

وأشار ليندي في حديثه إلى الطبيعة الخاصة التي تميز الذهب عن معظم السلع الأخرى المتداولة في سويسرا، فخلافًا للأسهم والأوراق المالية يدخل الذهب البلاد بشكله المادي. وتستأثر سويسرا بحصة كبيرة من الإجمالي العالمي لعمليات تكرير الذهب وصقله، إذ ينتهي المطاف بحوالي ثلث الذهب الخام ونصف الذهب المعاد تدويره داخل حدود البلاد.

ونظرًا لمكانتها كواحدة من أهم المراكز العالمية لتكرير الذهب وتداول السلع، تُعد سويسرا بيئة خصبة للشركات المتخصصة في تقنيات التتبُّع.

حلول متعدِّدة

في الوقت الراهن، تمكنت مجموعة من الشركات الفاعلة من ابتكار طرق لتتبع المعادن الثمينة بالتكنولوجيات الرقمية سلسلة الكتل “البلوك تشين” والتقنيات المادية كالأختام الأمنية. وفي حين قد تركِّز الشركات التكنولوجية على الترويج لمزايا هذه الطريقة أو تلك، إلَّا أن معامل التكرير يُمكنها استخدام الطريقتين معًا.

وعندما يتعلَّق الأمر بالذهب، فإنَّ الهدف الأسمى هو التتبُّع من المنجم إلى السبيكة المكررة، بغض النظر عن مبتدأ سلسلة التوريد، سواءً عملية صناعية بسيطة أو منجم صناعي كبير. ومع أن حلول البلوكتشين تحظى برواج كبير لكنها غير قادرة بعد على تتبُّع كامل سلسلة توريد الذهب. وكانت شركة سيكبا (Sicpa)، وهي شركة طويلة الباع في مجال أجهزة التتبُّع مقرها لوزان، قد أطلقت هذا العام جهاز (BullionProtect)  – وهو ختم أمان يُطبع على السبائك بعد عملية التكرير.

وفي العام الماضي، تعاونت جمعية سوق السبائك في لندن مع المجلس العالمي للذهب في إطلاق برنامج تجريبي مشترك- برنامج سلامة صفائح الذهب– لتتبع رحلة الذهب رقميًّا من المنجم إلى الخزنة. وكانت شركة اكسيدراس (aXedras)، شركة سويسرية متخصصة في تقنية سجل الحسابات الموزع ومقرُّها في مدينة تسوغ لتداول المنتجات الأساسية، واحدة من شركتين استعان بهما البرنامج لتطوير تكنولوجيا تتبُّع رقمية تستخدم سجلًا مدعومًا بتقنية البلوكتشين. واعتمد المجلس العالمي للذهب أيضًا تكنولوجيا تحديد البصمات التي ابتكرتها الب فيجن (AlpVision) ، وهي شركة سويسرية متخصصة في تكنولوجيا مكافحة التزييف الرقمي. وتستخدم تكنولوجيا الب فيجن تطبيقًا على الهواتف الذكية يُتيح للمستخدمين إجراء مسح ضوئي لسطح المنتج للتحقق من أصالته.

وفي هذه الأثناء، كانت مصانع التكرير تدأب على اختبار وتطوير التقنيات الخاصة بها داخليًّا. فقد طوَّرت إم كي إس بامب (MKS Pamp) ، وهي شركة لتكرير المعادن الثمينة مقرها في سويسرا، تكنولوجيا تتبُّع خاصة بها تقوم على تقنية سلسلة الكتل، وأطلقت عليها اسم (Provenance) “أصالة”، وتستخدمها منذ عام 2022 لتتبع المعادن الثمينة وإثبات دعواها بأنها تتحرَّى المسؤولية في اختيار مصادر المعادن الثمينة.

وتستخدم الشركة السويسرية أرجو هيريوس(Argor-Heraeus) تقنية طوَّرتها شركة سويسرية أخرى هي هيليكسا (Haelixa) تقوم على وسم الذهب الذي تستورده بعلامة تُرش عليه لحظة خروجه من المناجم في أمريكا الجنوبية. وتثبت نجاعة هذا الحل في سلاسل الإمداد التي تخضع لرقابة صارمة، لكن النقاد يشيرُون إلى أن العلامة تختفي عند إعادة صهر الذهب.

وفي ظلِّ هذه المنافسة المحمومة على مركز الريادة في مجال تتبُّع سلسلة التوريد وتوثيقها، يحتدُّ الجدل حول إمكانية تحقيق ذلك.

باربرا بيك- الخبيرة في تتبُّع مصدر الذهب

عالمة الجيولوجيا باربرا بيك هي صاحبة فكرة تنظيم المؤتمر الذي عُقد في جامعة لوزان واستمر ليومين لمناقشة هذا الموضوع- حيث جذبت طيفًا كاملًا من شركات التتبُّع وشركات تكرير الذهب السويسرية، بالإضافة إلى ممثلين عن الأجهزة الأمنية في سويسرا والبرازيل. وحضر المؤتمر أيضًا ممثلين وممثلات عن شركات تداول الذهب والجهات التنظيمية والأوساط الأكاديمية، بالإضافة إلى منظمات غير حكومية تُعنى بتأثير عمليات التعدين ومعالجة الذهب على البيئة وحقوق الإنسان.

وتكنُّ باربرا، التي حَبَتها الطبيعة بملَكَة التواصل، شغفًا لتدفق المعادن عبر الزمان والمكان. وكانت رحلتها قد بدأت بالحصول على درجة الدكتوراه في علم الآثار، الذي يوظِّف أساليب علمية لحل الألغاز الأثرية، ثمَّ تعمقت في مواضيع مثل إنتاج الفضة في منطقة فاليه السويسرية في العصور القديمة.

 باربرا بيك تقف على خزان يُستخدم لمحلول السيانيد من الذهب في منجم سوترامي في جنوب بيرو. Courtesy of Barbara Beck

وفي إطار عملها في جامعة لوزان، طوَّرت باربرا، بالتعاون مع الشركة السويسرية ميتالور Metalor، نهجًا علميًّا للتحقق من مصدر الأشابة الفضية، وهي صفائح مصنوعة من المعادن الثمينة ومنها الفضة والذهب تُرسل إلى معامل التكرير لأغراض التنقية. وهذا النهج الذي أُطلق في مايو 2022 هو جواز السفر الجيوكيميائي، الذي بات اليوم يُستخدم بشكل روتيني لاختبار الأشابة التي تصل إلى معمل ميتالور في ماران إبنيه في كانتون نوشاتيل في غرب سويسرا. ويقوم على تحديد التركيبة الكيميائية للذهب لتحقق من مصدره.

وقد أبدت شركات أخرى اهتمامًا بطريقة عمل باربرا التي بنتها بالاستفادة من عمليات قائمة تستخدمها شركات التكرير عند إجراء الاختبارات الكيميائية الروتينية لتقدير محتوى الذهب في صفائح الأشابة.

وتشرح باربرا فتقول: “تدفع شركات التكرير مقابل الذهب وتدفع للموردين، ولذلك تريد هذه الشركات أن تعرف محتوى الصفائح من الذهب. فمن الضروري معرفة ما إذا كانت الصفيحة تحتوي على 50 % أو 90 % من الذهب”.

وتفحص شركات التكرير صفائح الأشابة بحثًا عن معادن أخرى تثير اهتمامهم، مثل الفضة والنحاس، وبحثًا أيضًا عن المعادن التي لا تثير اهتمامهم، مثل السيلينيوم أو الزرنيخ، التي تنبذها الشركات لأنها سامة أو تتطلب عمليات فصل وتكرير أكثر تعقيدًا.

ولأن طريقة باربرا تستند إلى تحاليل تُجرى بشكل منهجي على الأشابة عند وصولها إلى معمل التكرير، فإنها لا تنطوي على تكلفة إضافية، وتقول باربرا: “ما يمكنني فعله باستخدام البرنامج الذي طوَّرتُه هو البتُّ مباشرة فيما إذا كانت صفائح الأشابة متسقة في تكوينها مع صفائح أخرى من نفس المورد. فإن لم تتوافق، عندها تبدأ عمليات التحقق”.

وتعكس صفائح الأشابة التركيبة الكيميائية للمنجم المصدر [ومن هنا انبثقت فكرة جواز السفر الجيوكيميائي]، وتتيح هذه الطريقة لباربرا التمييز بين صفائح الأشابة حسب مصدرها بإجراء تحليل كيميائي. وتتيح هذه الطريقة أيضًا بتحليل التغيرات على تركيبة الأشابة مع مرور الوقت. وتشير باربرا إلى أن “صفائح الأشابة التي اُستخرجت من منجم قبل سنتين تختلف بصمتها عن الصفائح التي تُستخرج اليوم، إذ يمكنك أن تلحظ تطورًا على التركيبة الكيميائية مع مرور الوقت”.

 أشخاص يبحثون عن الذهب على ضفاف نهر داغوا في زاراغوزا، كولومبيا (2009). Keystone / Christian Escobar Mora

البداية من المنجم

أمَّا شركة جيوبلوك GeoBlock لإدارة البيانات والمتخصصة في تحليلات العمليات الأولية من إنتاج الذهب، ومقرها في زيورخ، فقد انبرت على تم تطوير حل يركز على أصعب جزء في سلسلة الإمداد. وكان أحد مؤسسي الشركة ورائد الأعمال برونو ريجلي قد عمل في قطاع الذهب منذ عام 2009، وركَّز في بداياته على عمليات استخراج الذهب في كولومبيا. وفي عام 2019، بدأ البحث عن حل يُتيح التتبُّع بدءًا من المنجم مستفيدًا من الاختبارات التي أجراها في منجم الذهب الذي يملكه في كولومبيا وفي مناجم أخرى تملكها شبكة معارفه.

ويقول ريجلي: “بدأنا بالذهب لأننا نعتقد أن هناك مطالب من البنوك وشركات تكرير المعادن بأن تعرف حقًّا المصدر”.

 رجل يستخدم جهاز قياس الطيف لقياس تركيز الذهب في كولومبيا. Courtesy of Bruno Regli

ويسترسل في الشرح قائلًا إن مناجم الذهب كانت تستخدم جهاز قياس الطيف لقراءة نسب النحاس والفضة والذهب. واليوم تتوفر أجهزة قياس الطيف من الجيل الجديد بسعر 50 ألف فرنك سويسري وتسمح بإجراء تحليلات أكثر تفصيلاً. وتجمع تكنولوجية جيوبلوك بين تحليل العناصر المعدنية وإجراء الحسابات الإحصائية للتحقق من أن الذهب مستخرج من منطقة جغرافية محددة.

ويضيف موضحًا: “الخصائص الجيولوجية تختلف من مكان لآخر في جميع أنحاء العالم. ونحن نحلل جميع العناصر الممكن تحليلها، غالباً حوالي 40 عنصراً. وتدلني خوارزمية التعلم الآلي إلى أهم العناصر التي يجب اختبارها وإلى العناصر يمكن تتبعها عبر سلسلة التوريد بأكملها: من مرحلة الاستخراج حتى الأشابة أو حتى وصولها إلى معمل التكرير”. ويتيح له هذا التحليل التحقق من مصدر المعدن.

وعند السؤال عن مدى دقة هذه التكنولوجيا، أجاب ريجلي قائلًا: “إنَّ الاختبارات التي أجريناها في كولومبيا، كشفت بالفعل عن فروقات بين عروق [الذهب] التي تفصل بين مواقعها مسافة 500 إلى 800 متر”.

وفي نهاية المطاف، يمكن اختزال مصدر المعدن إلى منطقة جغرافية دقيقة إلى درجة ما. ويقول ريجلي: “يمكننا أن نخبر شركة التكرير أن هذه المادة تأتي من هذه المنطقة. ولكن، من الواضح أننا لا نستطيع أن نحدد إذا كانت قادمة من الجانب الأيسر أو الجانب الأيمن للنهر. وفي المقابل، إذا كانت الخصائص الجيولوجية مختلفة تمامًا، يمكن رؤية الفرق بالعين المجردة. وفي الواقع وباستخدام الوسائل البصرية الملائمة، يكون واضحًا ما إذا كان المادة مزيفة أم لا دون اختبار إحصائي”.

ولكن عددا قليلا من الكيلومترات- أو حتى عدد قليل من المترات في بعض الأحيان– قد تكون الحدِّ الفارق بين منجم قانوني ومنجم غير قانوني. وهذا الفارق هو إحدى أكبر المشاكل في سلسلة توريد الذهب في البرازيل، واحدة من أهم الدول المصدِّرة للذهب في أمريكا الجنوبية.

مشكلة بحجم الأمازون

وفقًا لمرصد التعقيد الاقتصادي، كانت سويسرا في عام 2021 أكبر مشترٍ للذهب البرازيلي (بقيمة 1.26 مليار دولار)، بفارق قليل عن كندا.

ولكن التعدين في منطقة الأمازون يؤثر سلبًا على الأرض والسكان الأصليين. وتشهد البيئة تلوثًا بسبب استخدام الزئبق لاستخراج المعدن الثمين في عملية الملغمة، وتؤدي إزالة الغابات إلى تدمير الموائل الطبيعية، وتتفشى الجريمة المنظمة عبر سلسلة التوريد.

وتمتد غابات الأمازون الشاسعة عبر تسعة بلدان، وتشكل ثلثي الغابات الاستوائية في العالم، التي لها دور حيوي في صحة الكوكب. وقال راول يونغمان، رئيس جمعية التعدين البرازيلية ووزير سابق، في المؤتمر في لوزان: “أنشطة التنقيب عن الذهب غير الشرعية تقتل وتهدد الشعوب الأصلية، وتهدد غاباتنا وبالتالي تهدد مستقبلنا”.

وفي عام 2022، تعهدت شركات تكرير الذهب السويسرية بعدم استخراج الذهب من الأمازون، ولكن هذا عهد يصعب الوفاء به. فقد عرقلت مساحة الغابات الممطرة الهائلة جهود العناية الواجبة، واعتُمِد مبدأ “حسن النية” في عملية التوريد- حيث تُقبل تصريحات بائعي الذهب عن مكان استخراج الذهب على مبدأ الثقة المطلقة ودون التحقق من صحتها.

 فوفقًا لدراسة أجرتها منظمة الاستدامة (Instituto Escolhas)، ومقرها مدينة ساو باولو البرازيلية، ثبت بالأدلة أنَّ البرازيل، في الفترة بين عامي 2015 و2020، باعت 229 طنًا من الذهب المستخرج بطريقة غير مشروعة. ووفقًا للمصدر نفسه، يُحتمل أن يكون معظم الذهب الذي باعته البرازيل في عام 2021 (52.8 أطنان أو 54 % من الإنتاج الوطني) استخرج بطرق غير مشروعة. وكانت عمليات إزالة الغابات قد استفحلت في عهد الرئيس السابق جايير بولسونارو.

وأدى تغيير الحكومة في البرازيل هذا العام إلى فرض ضوابط صارمة على تجارة الذهب والتشديد في جدول أعمال البلاد على الأولويات المتعلقة بالبيئة والسكان الأصليين. وأُخذت في شهر أبريل تدابير مؤقتة أنهت عمليات البيع على مبدأ حسن النية وطُلب إصدار فواتير إلكترونية لشراء الذهب وبيعه ونقله داخل البلاد.

 طيار يعمل في منجم غير قانوني يلتقط صورة تُظهر الذهب المستخرج من أراضي قبيلة اليانومامي في ألتو أليغري في ولاية رورايما بالبرازيل، في 7 فبراير 2023. وكان زعماء اليانومامي قد طلبوا من الناس عدم شراء أي مجوهرات مصنوعة من الذهب، بغض النظر عن مصدره، لأن الطلب على المعدن الثمين يرفع أسعار الذهب ويدفع المنقبين عن الذهب إلى أراضيهم. Keystone

ولكنَّ تاجر الذهب البرازيلي أندري سانتوس، الذي يُصدِّر 250 إلى 300 كيلوغرام من الذهب شهريًّا إلى سويسرا، لديه مرَّ بتجارب تجعله يشكُّ في فعالية الحلول المادية لتتبع الذهب، ويقول: “أعتقد أن الفكرة (تحديد هوية الذهب) جميلة على المستوى المحلي. فلا يمكنك الحصول على الذهب من مكان مثل كويابا ويكون له خصائص الذهب المنتج في فنزويلا. ولكن بالنسبة لي، هذا لا يضمن بالضرورة المصدر الفعلي للذهب”.

وكويابا هي عاصمة ولاية ماتو غروسو البرازيلية، وهي جزء من منطقة الأمازون حيث يتواجد مكتب سانتوس. ويذكر أنه إحدى المرَّات، دفعته نتائج تحليل هوية الذهب إلى استنتاج أنَّ أحد مورديه يهرب الذهب من منطقة أخرى، ولكنه كان استنتاجًا غير صحيح. فقد كان التركيبة المعتادة للذهب في منجم هذه الشركة تتراوح بين 92 %- 97 % من الذهب والقليل من الملوثات. ذات مرَّة، اختلفت خصائص الذهب: 85 % من الذهب و 5 % من الرصاص و 3 % من الحديد وبعض الفضة.

ولذلك، أخذ سانتوس، وهو أحد الموردين الذين يمدُّون شركة إم كي إس بامب بالذهب، فريقًا إلى الموقع للتحقيق في الأمر. ويقول: “لقد أمضيت اليوم بأكمله في الموقع، وشاهدت الذهب أثناء استخراجه. ببساطة، كنت مخطئاً. لماذا؟ لأنها الطبيعة. ليست دقيقة… الذهب ليس معادلة رياضية”.

ويقول إن تحقيق الامتثال والطمأنينة يتطلب العديد من الموارد والخطوات. ويضم فريق الامتثال في شركته 40 موظفًا من أصل 85 موظفًا، ويستخدم برنامجًا للكشف عن المخالفات. ويومض الضوء الأحمر عندما يحدث فجأة أن يبيع منجمًا 15 كيلوغرامًا من وهو ينتج في العادة خمسة كيلوغرامات في الشهر. فترسل شركة مستقلة إلى مواقع التعدين جيولوجيين مجهزين بكاميرات GoPro، للتحقيق في الأمر، تمامًا كضباط الشرطة.

ويقول: “جميع مناجمنا تخضع للمراقبة المستمرة. ما أريده داخل شركتي هو تتبُّع بنسبة 100 %…. فأي حلول لتحديد الهوية وأي حلول للتتبع قادرة على أن تضمن لي [أن الذهب] لم يأت من تلك المنطقة [غير المشروعة]؟ فهي ليست صحيحة إلى هذا الحد. إنها ليست دقيقة تمامًا. “

محتويات خارجية

إمكانية التتبُّع والشفافية

في سويسرا، تؤكد شركات تكرير الذهب على ضرورة التفريق بين الشفافية وإمكانية التتبُّع. وترى أنها، حتى لو تمكنت من تتبُّع سلسلة الإمداد بالكامل، فإنها لن تكون بالضرورة شفافة في كل شيء، وتجادل بأن الكشف عن مصادرها قد يعرض تنافسيتها للخطر.

وفي مؤتمر لوزان، قدم الرئيس التنفيذي لإحدى شركات التكرير في سويسرا اقتراحًا بأن تتواصل شركات التكرير مع الجمهور بشأن الأنظمة والتقنيات المستخدمة، ولكن دون إلزامها بمشاركة البيانات الفعلية. وقال خلال مناقشات جماعية مركَّزة: “لا يتعيَّن أن نكشف عن مصادرنا، ولكن علينا أن نتواصل بشأن الأنظمة التي نستخدمها لضمان نظافة مصادرنا”.

أمَّا العاملون في إنفاذ القانون فيتبنون وجهة نظر مختلفة، ويرون أن حلول التتبُّع ضرورية لدعم عملهم. وتحدَّثت سيلفي بيرتران، المدعية العامة لمدينة جنيف وهي مركز رئيسي لتجار الذهب السويسريين، فقالت: “ما هو مهم بالنسبة إلينا هو التحقق من أن البيانات مؤكدة وتعكس الواقع بدقة”.

وأضافت بيرتران أنه من المهم أيضًا أن يحصل مسؤولو إنفاذ القانون على الأدوات التي تمكِّنهم من قراءة البيانات ومعالجتها، ثم استخدامها لمواجهة شركائهم وأولئك المشتبه بتورطهم بأنشطة غير قانونية. ففي نهاية المطاف، يجب أن تتمكن المحكمة من فهم البيانات عند عرض القضية أمامها.

وصرَّح توماس برودمان- رئيس المكتب المركزي لضبط المعادن الثمينة المسؤول عن إنفاذ القوانين المتعلقة بالذهب في سويسرا- أن التتبُّع هو أمر ضروري بالنسبة إلى المشرعين إذ يمكِّنهم من الربط بين كافة التفاصيل اللازمة.

وتحدَّث في مؤتمر لوزان عن إمكانية إضفاء الطابع المؤسسي على التتبُّع: “علينا أن نتمكَّن من الربط بين الذهب القادم من تلك المنطقة في الأمازون وشركة تكرير محددة. فإن لم ينُقل الذهب من البرازيل مباشرة إلى سويسرا، ولكن مرَّ عبر عدة دول ثمَّ صُهر معًا، فعندها، يصبح صعب جدًا، بل شبه مستحيل [أي الربط بين الذهب من الأمازون وشركة تكرير]. هذا هو الواقع اليوم”.

ترجمة: ريم حسونةswissinfo.ch

مخاطر الذكاء الاصطناعي… بين الحقيقة والخيال

سان فرانسيسكو (أ ف ب) – يخشى البشر أن يصل تطوّر الذكاء الاصطناعي ذات يوم إلى درجة ينقلب فيها على مخترعيه ويدمّر البشرية.

صورة ملتقطة لشاشة كمبيوتر قرب مدينة تورينو الإيطالية أثناء استخدام برنامج الذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي” في 31 آذار/مارس 2023 © ماركو برتوريلو / ا ف ب/ارشيف

“حوار طرشان” بين العرب والغرب بشأن القضية الفلسطينية

القاهرة (أ ف ب) – كان يفترض بـ”قمة السلام” التي عقدت السبت في مصر أن تكون خطوةً نحو إيجاد حلّ للحرب بين إسرائيل وحركة حماس، الا أن نتائجها كشفت بشكل أساسي “خطوط الصدع” القائمة بين العرب والغرب حول القضية الفلسطينية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مفتتحا قمة القاهرة للسلام في 21 تشرين الاول/اكتوبر 2023 كما بدا عبر شاشة عملاقة © خالد دسوقي / اف ب

وكما جرت العادة في اجتماعات مماثلة حيث تقاس كلّ كلمة بعناية، كان ينبغي أن يصدر بيان ختامي عن القمة التي دعا إليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وعلى رغم تشاطر المجتمعين الدعوة الى إدخال المساعدات إلى قطاع غزة المحاصر من قبل إسرائيل، لم يتمكن ممثلو الدول العربية والغربية من الاتفاق حول نصّ مشترك.

وقال مسؤول من دولة عربية كان مشاركاً في القمة لوكالة فرانس برس إن الخلاف تمحور حول “إدانة إسرائيل التي ترفضها الدول الغربية، وتصرّ كذلك (في المقابل) على إدانة حماس”.

وشنت حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر هجوما على إسرائيل هو الأعنف في تاريخ الدولة العبرية التي ردّت بقصف مركز متواصل على قطاع غزة وحشد عشرات الآلاف من جنودها على حدوده استعدادا لعملية برية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة الأحد أن حصيلة القتلى وصلت إلى 4651 شخصا، بينهم 1873 طفلاً. وقتل أكثر من 1400 شخص في الجانب الإسرائيلي معظمهم مدنيون قضوا في اليوم الأول لهجوم حماس، حسب السلطات الإسرائيلية.

وأوضح المسؤول العربي الذي فضّل عدم كشف هويته أن “الدول العربية (ترفض الإدانات الغربية) لأن ذلك يضعها في حرج أمام شعوبها”.

مشهد دولي “عاجز”

وفي حين أبرمت دول عربية اتفاقات تطبيع مع إسرائيل في العام 2020 برعاية الولايات المتحدة، إلا أن التحركات التي شهدتها بلدان عدة في المنطقة في الأيام الأخيرة، تؤشر الى مزاج شعبي معارض لتلك الخطوة.

وردّد عشرات الآلاف في المغرب، إحدى الدول التي أبرمت “اتفاقات أبراهام” مع إسرائيل، عبارة “لا للتطبيع”. وفي البحرين، ردّد المحتجون خلال تظاهرة الجمعة عبارة “الموت لاسرائيل”.

وخلال قمّة مصر التي عقدت في اليوم التالي “منعت خلافات بارزة بين المشاركين، اعتماد بيان ختامي”، كما قال دبلوماسي أوروبي لفرانس برس.

وطالب الغربيون وفق دبلوماسيين عرب، كذلك بـ”الدعوة لإطلاق سراح الرهائن”، وهم نحو 200 شخص تحتجزهم حماس.

وفي وقت تجري دول عدة على رأسها قطر مفاوضات مع حماس لإطلاق سراح هؤلاء، فإنّ إدانة مكتوبة مع دول دعمت “حقّ اسرائيل في الدفاع عن النفس”، ستتسبب بإحراج الدول المفاوِضة، وفق مراقبين.

ورفضت الدول العربية أن تدرج تلك النقاط في البيان الختامي.

وانتهت القمّة ببيان مصري وافقت عليه الدول العربية، بحسب ما أفاد دبلوماسيون عرب فرانس برس.

وجاء في البيان إن “المشهد الدولي عبر العقود الماضية (…) اكتفى بطرح حلول موقتة ومُسكنات لا ترقى لأدنى تطلعات شعب عانى من الاحتلال الاجنبي”.

يشكّل ذلك لبّ المشكلة. ويرى كريم بيطار الخبير في شؤون الشرق الأوسط أن القمّة “انعكاس مثالي لمدى عمق خطوط الصدع بين الغرب والعالم العربي، وأبعد من ذلك، مع جنوب الكرة الأرضية، ما يعطي انطباعاً بأنّ الأمور تتجه في بعض الأحيان لما يشبه حوار طرشان”.

ويشدد على أن “استمرارية القضية الفلسطينية” لا تزال أمرا واقعا.

وحضرت هذه القضية في خطاب العديد من القادة العرب خلال الأيام الماضية، تزامنا مع نزول عشرات الآلاف الى الشوارع لإبداء دعمهم للفلسطينيين.

“نزاع ثانوي”

ومنذ بداية الحرب، ندّد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي تدعم حكومته أحزاب موالية لإيران، بـ”إبادة” يقوم بها “الاحتلال الصهيوني” ضدّ الشعب الفلسطيني.

ويشرح كريم بيطار “حاول كثر تجاهل هذه القضية على مدى عقدين” والتأكيد أن هذا الصراع “+بات نزاعاً ثانوياً، محدود الأهمية، ويمكننا طمر المسألة الاسرائيلية-الفلسطينية عبر اتفاق اقتصادي ضخم بين الخليج واسرائيل+”.

ويتابع “اتضح أن كل ذلك كان وهماً”.

وكانت مصر المضيفة لـ”قمة السلام” أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع اسرائيل في العام 1979. وحذّر الرئيس المصري مؤخراً من “أن يتلاشى بين أيدينا السلام الذي حققناه”.

ورفع نبرة التحذير كذلك العاهل الأردني عبدالله الثاني الذي أبرم والده حسين سلاماً مع اسرائيل عام 1994، وتأوي بلاده مليوني لاجئ فلسطيني.

وقال من القاهرة باللغة الانكليزية “العالم العربي يسمع ذلك جيداً: حياة الفلسطينيين تساوي أقلّ من حياة الاسرائيليين”.

مع هذه القمة، عادت القضية الفلسطينية الى صدارة الأجندات الدبلوماسية العالمية.

وقالت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا إنه ينبغي الآن “العمل على إعادة وضع القضية الفلسطينية في صلب الاهتمامات”.

وتحدّثت عن “موعد بعد ستة أشهر” من أجل “قمة” جديدة “للسلام”.

بورتسودان “عاصمة بديلة” بعد تحول الخرطوم الى ثكنة عسكرية

بورتسودان (السودان) – تتجه أنظار السودانيين إلى مدينة بورتسودان في شرق البلاد التي باتت بمثابة “عاصمة بديلة” للخرطوم بعدما تحولت الأخيرة الى ما يشبه ثكنة عسكرية جراء استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ ستة اشهر.

وفي الخرطوم، حاضرة البلاد منذ أكثر من مئتي عام، نزح أغلب السكان البالغ عددهم نحو خمسة ملايين نسمة، ودمرت أحياء بالكامل وتعطلت الخدمات الأساسية والمركزية منذ اندلاع المعارك في 15 أبريل الماضي بين الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وبحسب منظمة “أكليد” المتخصصة في جمع بيانات النزاعات وأحداثها، فإنه بحلول أكتوبر تم تسجيل “سقوط أكثر من 9000 قتيل” في البلاد منذ بدء الحرب، في حصيلة يرجّح أن تكون أقلّ بكثير من عدد الضحايا الفعلي للنزاع. كما اضطر نحو خمسة ملايين شخص إلى ترك منازلهم والنزوح داخل السودان أو اللجوء إلى دول الجوار.

ومع الوقت، باتت أنظار السودانيين تتجه إلى مدينة بورتسودان الساحلية في شرق البلاد، خصوصا بعد أن انتقل إليها قادة الجيش وعلى رأسهم البرهان، وحيث المطار الوحيد العامل في ظل تعطل المرافق في العاصمة الخرطوم.

وغادر البرهان الخرطوم في أغسطس بعدما ظل في مقر القيادة العامة للجيش خلال الأشهر الأربعة الأولى من الحرب في ظل انتشار قوات الدعم السريع في أنحاء العاصمة. وقال مهندس التخطيط السوداني طارق أحمد لوكالة فرانس برس “تحدث البعض عن عاصمة بديلة حتى قبل اندلاع الحرب بسبب بعض العيوب في الحالية”. وأضاف “وأتت الحرب لتظهر مدى احتكار الخرطوم كل شيء، لذلك تعطلت البنوك والشركات ودورة العمل الحكومي”.

وقالت المحللة الاقتصادية أميمة خالد أن “أمد الحرب يطول.. ولا بد من البحث عن مكان تدار منه شؤون المواطنين .. الحياة لا تتوقف”. وأشارت خالد إلى مدينة بورتسودان باعتبارها “المركز التجاري الثاني بعد الخرطوم بحكم موقعها وطبيعتها لذلك يمكن أن تكون عاصمة اقتصادية”.

وعزت اختيار المدينة المطلة على البحر الأحمر لسببين “الأول أنها بعيدة جغرافيا عن مناطق الحرب، والثاني أنها تشكل نافذة للتواصل مع العالم عبر مطارها أو الميناء البحري”. وبعد انتقال قادة الجيش إليها، أصبحت بورتسودان، التي تبعد ألف كيلومتر تقريبا شرق الخرطوم، مستقرا لوزراء حكومة البرهان وكذلك البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية.

وبنيت المدينة الساحلية في عام 1905 إبان الاستعمار البريطاني كميناء بديل لميناء سواكن التاريخي الذي يبعد 60 كيلومترا غرب بورتسودان. وقالت هند صالح من سكان المدينة لفرانس برس إن بورتسودان “يمكن أن تكون العاصمة لولا مشكلتان: نقص مياه الشرب وضعف خدمة الكهرباء”.

وتعتمد بورتسودان على الأمطار التي يتم تخزينها في منطقة تبعد نحو 10 كيلومترات شمال المدينة، ولكنها لا تكفي حاجة السكان من الماء. ويطالب هؤلاء منذ عقود بإيصال خط مياه إليهم من نهر النيل والذي تبعد أقرب نقطة له عن المدينة حوالي 500 كيلومتر.

وفي ما يتعلق بالكهرباء، تتغذى المدينة من سفينة تركية تربض قبالة سواحلها تستأجرها الحكومة السودانية. ولكن نظرا لعدم انتظام التغذية بالتيار الكهربائي يكثر استخدام المولدات للمنازل والشركات.

وقد يكون بعد المسافة بين بورتسودان وبقية أنحاء البلاد عائقا أمام اختيارها لتحل محل الخرطوم، إذ تبعد عن الحدود الغربية 3000 كيلومتر، وعن الحدود الجنوبية حوالى 2500 كيلومتر في بلد يفتقر لشبكة مواصلات سواء برية أو بواسطة السكك الحديد، فضلا عن الطرق المتهالكة.

ولهذا السبب برز اسم ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة والتي تبعد 186 كيلومتر جنوب الخرطوم، وخصوصا مع نزوح العدد الأكبر من سكان العاصمة إليها هربا من الحرب.

وقال والي ولاية الجزيرة إسماعيل عوض الله “استقبلنا نحو ثلاثة ملايين شخص، يقيم 1.5 مليون منهم في مراكز إيواء أعدتها الحكومة”. وباتت ود مدني التي يغلب عليها الطابع الزراعي تشكو اختناقات مرورية منذ بدء نزوح سكان العاصمة إليها.

وقال أحمد إن “ود مدني صغيرة جدا وكل الخدمات تتركز في وسطها.. وتعاني ضعفا في البنية التحتية للطرق”. ورغم ذلك، لاحظ فتحي خالد الذي يملك متجرا أن “أغلب التجار نقلوا نشاطهم إلى المدينة”. لكن أحمد يعتقد أن الوضع الراهن لود مدني “لا يمكّنها من الاستمرار في استيعاب النشاط التجاري”، مشيرا إلى تهالك البنية التحتية. وأضاف “لا بد من إعادة تخطيط مراكز جديدة حولها وخصوصا أن جغرافيتها تسمح بذلك، بحيث تتوسع شرقا”

خبيرة في الأمم المتحدة تدعو لحظر 20 أداة حديثة للتعذيب

الامم المتحدة (الولايات المتحدة) (أ ف ب) – دعت خبيرة لدى الأمم المتحدة في منع التعذيب إلى فرض حظر على 20 “أداة تعذيب حديثة” تستخدمها أجهزة إنفاذ القانون في أنحاء العالم، بعضها شبيه بما اتبعه “جلادو العصور الوسطى”.

خوليو باتشيكو ييبيس (الثاني من اليسار) وزوجته روزا ماريا غارسيا ألكون (الثانية من اليمين) يحملان لافتة لصور ضحايا تعذيب آخرين خلال دكتاتورية فرانكو خارج قاعة المحكمة في مدريد في 15 أيلول/سبتمبر 2023 © بيار فيليب ماركو / اف ب/ارشيف

وقالت أليس إدواردز، المقررة الخاصة المعنية بالتعذيب، أثناء عرض تقريرها أمام لجنة تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس “إن العناصر المدرجة في قائمة المحظورات التي أعددتها هي من أدوات التعذيب المستخدمة في العصر الحديث. إنها أيضًا رهيبة مثل أدوات الشد والمشابك التي استخدمها جلادو العصور الوسطى”.

وقالت خلال مؤتمر صحافي إن هذه الأدوات العشرين “وحشية وغير إنسانية أو مهينة بطبيعتها (لأنها) مصممة بهدف وحيد هو التسبب في الألم”.

تتضمن القائمة أدوات قديمة جدًا مثل الهراوات المسننة والشباك المشدودة وأصفاد الإبهام أو الدروع المسننة والسياط والهراوات الخشبية أو عصي الخيزران أو حتى السلاسل التي تربط السجناء ببعضهم بعضا.

وقالت إن بعض هذه الأدوات “يذكِّر بالصور المؤلمة والمهينة المرتبطة بالعبودية والاستعباد”.

وتشمل قائمة الخبيرة المفوضة من قبل الأمم المتحدة لكنها لا تتحدث باسمها الأقنعة وعصابات الرأس واللثام المحكم بالإضافة إلى أجهزة الصدمات الكهربائية، ولكن أيضًا معدات أكثر تطوراً، مثل أسلحة الموجات المليمترية.

وأوضحت أن هذه الأدوات التي تعمل بالطاقة الكهربائية “تهدف إلى تسخين الطبقة العليا من الجلد عند استهداف حشد من الناس، بحيث يتفرق الناس بسبب الألم الذي لا يطاق من دون معرفة مصدره”.

وأضافت وفق أبحاثها أن 335 شركة في 54 دولة في مختلف مناطق العالم تقوم بتصنيع أدوات التعذيب هذه أو تروج لها.

وإلى جانب الحظر الفوري، يدعو التقرير الدول إلى إجراء جرد للمعدات التي تستخدمها أجهزة إنفاذ القانون لديها وتدمير هذه الأدوات إذا كانت جزءًا منها.

كما دعت المقررة إلى صياغة معاهدة دولية تحظر الاتجار بهذه الأدوات المنتشرة في أنحاء العالم، آملة في صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لبدء المفاوضات في هذا الاتجاه.

وبشكل عام، لاحظت أيضًا “زيادة كبيرة في اتهامات التعذيب” خلال العام الماضي، ولا سيما “التعذيب المرتبط بالحرب”.

وأشارت بأصابع الاتهام إلى روسيا التي تواجه قواتها المسلحة “اتهامات موثوقة” في أوكرانيا. وقالت “زيارتي الأخيرة لأوكرانيا أكدت الأسوأ، وهذا النمط يشير إلى أن التعذيب هو سياسة دولة في روسيا”.

وأضافت “سُجلت للأسف أيضًا حالات تعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية في النزاعات في هايتي ومالي وبورما والسودان واليمن”، معربة عن قلقها بشأن انتشار “التعذيب الجنسي”.

المخابرات التركية نقلت سرا أموالا إلى عمر البشير خلال حكمه – تحقيق

 

شبكة رصد البحوث في بلدان الشمال الأوروبي (Nordic Monitor) -عبد الله بوزكورت/ستوكهولم- ترجمة اليراع- نقلت وكالة الاستخبارات التركية سرا مبلغا نقديا لم يكشف عنه على متن طائرات مستأجرة بشكل خاص إلى السودان لتقديم الدعم المالي للرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي اتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب في دارفور.

أشرف على العملية السرية كمال إسكينتان ، الذي كان مسؤولا عن قسم العمليات الخاصة داخل الوكالة.

ولعب إسكينتان، وهو جندي سابق، دورا بارزا في جهود تركيا السرية لدعم الجماعات الجهادية المسلحة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يتماشى مع الأهداف السياسية لحكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وكان قد سلم شخصيا حقائب مليئة بالنقود إلى الرئيس السوداني في مناسبات متعددة.

وجاء هذا الكشف من آدم يافوز أرسلان، وهو صحفي استقصائي تركي مقيم في الولايات المتحدة. وكشف أرسلان أنه أجرى مقابلة مع مصدر داخلي مطلع كان على معرفة شخصية بإسكينتان ولديه معرفة وثيقة بالعملية السرية. وقال أرسلان لموقع نورديك مونيتور إن هذه العملية تمت خلال عامي 2013 و 2014.

ليس سرا أن الرئيس أردوغان أقام علاقات وثيقة مع البشير ودافع باستمرار عن سجل الرئيس السوداني، على الرغم من الادعاءات الخطيرة والموثوقة بانتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع.

واستضاف أردوغان البشير في تركيا في عدة مناسبات، حتى عندما واجه الزعيم السوداني انتقادات دولية بسبب عمليات القتل الجماعي وعندما كان تحت لائحة اتهام من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في دارفور.

ومع ذلك، لم يتم الكشف علنا عن التحويل السري للأموال لدعم نظام البشير علنا من قبل. يلقي هذا الكشف الضوء على مدى استعداد أردوغان للذهاب من أجل مساعدة حليفه الإسلامي في إفريقيا ودعم الأنظمة المارقة التي أصبحت منبوذة دوليا بسبب انتهاكاتها الفظيعة لحقوق الإنسان.

الصحفي التركي آدم يافوز أرسلان

في مارس 2006، خلال زيارة رسمية إلى السودان، زار أردوغان دارفور للتعبير عن دعمه للبشير. وخلال هذه الزيارة، أدلى ببيان: “لا أعتقد أنه كان هناك استيعاب أو إبادة جماعية في دارفور”، مدافعا فعليا عن نظام البشير.

ويتناقض هذا الموقف تناقضا صارخا مع التقارير الموثوقة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وثقتها الأمم المتحدة ومختلف المنظمات غير الحكومية. في ذلك الوقت، حيث وصفت الولايات المتحدة رسميا قتل مئات الآلاف في دارفور بأنه إبادة جماعية.

وفي كانون الثاني/يناير 2008، رد البشير بالمثل على رحلة أردوغان إلى السودان من خلال القيام بزيارة دولة إلى تركيا. وقد حدث ذلك بدعوة من أردوغان، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء في ذلك الوقت. وخلال زيارته، استمر البشير في إنكار تهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، على الرغم من المزاعم والانتقادات الدولية المحيطة بتصرفات نظامه في دارفور.

وإثر اتهامه في 14 يوليو/تموز 2008 من قبل المحكمة الجنائية الدولية بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور، أعلن البشير عن نيته حضور قمة للزعماء الأفارقة في تركيا في أغسطس/آب من العام نفسه. وكان هذا القرار أول رحلة له إلى الخارج منذ أن تحركت المحكمة الجنائية الدولية لتوجيه الاتهام إليه بتهمة الإبادة الجماعية. واعتبر قراره بحضور القمة عملا جريئا من أعمال التحدي في مواجهة اتهام المحكمة الجنائية الدولية له.

تركيا، التي لم تصدق على المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، أوضحت صراحة أنها لن تتخذ أي إجراء ضد الرئيس السوداني أثناء زيارته. علاوة على ذلك، أكدت تركيا أنه حتى لو صدرت مذكرة توقيف خلال زيارة البشير، فإنها ليست ملزمة باحتجاز رئيس الدولة السوداني لأنها ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية، التي تتخذ من لاهاي مقرا لها.

 

كمال اسكستان، عميل المخابرات التركية الذي نسق مع الجماعات الجهادية في سوريا وليبيا.

في الواقع، عمل الوضع لصالح البشير. وخلال قمة أفريقيا في اسطنبول، استخدم المنصة كفرصة لنفي التهم الموجهة إليه من قبل المدعين العامين، الذين زعموا أن الميليشيات المدعومة من حكومته كانت مسؤولة عن مقتل ما يقرب من 300 ألف أفريقي منذ عام 2003. وادعى الرئيس السوداني أن عدد القتلى مبالغ فيه وأكد بجرأة في مؤتمر صحفي أن “الإبادة الجماعية، كما تدعي المحكمة الجنائية الدولية، غير موجودة”. كما طعن في دقة الأرقام، وطرح السؤال التالي: “إذا كانت [هذه الأرقام] دقيقة، فيجب أن تكون هناك مقابر جماعية. أين تلك القبور؟”كما أعرب البشير عن اعتقاده بوجود دعم كبير له من تركيا، قائلا: “الحكومة التركية حكومة محترمة. لدينا علاقات تاريخية عميقة. ليس لدينا أي مخاوف بشأن علاقتنا مع تركيا. ونعتزم تعزيز تعاوننا في الأيام المقبلة”.

في نوفمبر 2009، في أعقاب إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في مارس/آذار، والتي طلبها المدعي العام بناء على لائحة الاتهام المقدمة قبل عام، خطط الرئيس السوداني لحضور قمة اقتصادية خلال الدورة 25 للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة التعاون الإسلامي (الكومسيك) في تركيا. وقبل زيارة البشير المتوقعة، دافع أردوغان عنه مرة أخرى خلال مقابلة تلفزيونية. وكرر أردوغان موقفه، مشيرا إلى أنه لا يعتقد أنه كان هناك استيعاب أو إبادة جماعية في دارفور.

وكانت تركيا مستعدة لاستضافة البشير للمرة الثالثة، لكن الرئيس السوداني ألغى زيارته في اللحظة الأخيرة. وأشار إلى القضايا الداخلية التي تتطلب اهتمامه كسبب للإلغاء. حيث كانت هناك مزاعم بأن أنقرة نقلت رسالة خاصة إلى الخرطوم تشير إلى أن زيارة البشير قد تخلق مشاكل بسبب ردود الفعل الدولية المتزايدة على الزيارة المحتملة. ومع ذلك، نفى المسؤولون الأتراك والسودانيون هذا الادعاء.

الرئيس عبد الله غول (وسط) والرئيس السوداني عمر البشير (يمين) يستعرضان حرس الشرف العسكري في قصر تشانكايا في أنقرة في يناير/كانون الثاني 2008.

في الواقع، حتى الإطاحة بالبشير من السلطة من خلال انقلاب عسكري في أبريل 2019، كان أردوغان يدعمه باستمرار. في حين توسعت شبكة تركيا في السودان خلال حكم البشير، إلا أنها واجهت انتكاسات بعد الإطاحة به. ومع ذلك ، فإنه لا يزال يدعمه إلى حد ما. ففي خلال فترة ولاية حكومة أردوغان، وجدت بعض الشخصيات الإسلامية والجهادية السودانية ملاذا آمنا في تركيا، مما ساهم في المخاوف والمناقشات المستمرة حول موقف تركيا من هذه القضايا.

بعد أن استثمر قدرا كبيرا من رأس المال السياسي في البشير، كان الرئيس التركي بلا شك محبطا عندما شهد الإطاحة بحليفه. خلال خطاب ألقاه في مؤتمر حزب العدالة والتنمية الحاكم في 26 أبريل 2019 ، أعرب أردوغان عن رأي مفاده أن السودان جزء مهم من إفريقيا وأعرب عن مخاوفه بشأن التدخلات الدولية في البلاد. وعلى الرغم من هذه الإحباطات، تعهد بمواصلة دعم “إخوانه” في السودان، مما يشير إلى التزامه المستمر بالحفاظ على العلاقات والنفوذ في المنطقة.

وسارع شركاء أردوغان إلى اتهام مصر والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بلعب دور في الإطاحة بحاكم السودان لفترة طويلة. وزعموا أن هؤلاء اللاعبين الإقليميين والعالميين كان لهم يد في تغيير النظام. كان أردوغان وحلفاؤه الإسلاميون يدعمون جماعة الإخوان المسلمين ومختلف الفصائل الإسلامية الأخرى في الخارج. وقد أبرموا العديد من الاتفاقيات الثنائية مع حكومة البشير، بهدف إقامة تحالفات يمكن أن تواجه المنافسين الإقليميين مثل مصر ودول الخليج. عكست هذه الإجراءات استراتيجيتهم الأوسع المتمثلة في التحالف مع الحركات والحكومات الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 زار الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس التركي رجب طيب أردوغان جزيرة سواكن في السودان معا في 25 ديسمبر 2017.

ظلت قضية جزيرة سواكن في السودان، التي منحت تركيا حق استخدامها خلال زيارة أردوغان في ديسمبر 2017، نقطة خلاف مهمة. وفي حين لم يتم الإعلان عن التفاصيل المحددة للاتفاق، كانت هناك تقارير من أنصار أردوغان تشير إلى إمكانية بناء قاعدة عسكرية في الجزيرة. أثارت هذه الفكرة مخاوف واعتراضات، خاصة من مصر ودول الخليج، التي شككت في نوايا تركيا في المنطقة.

بدأت بالفعل وكالة التعاون والتنسيق التركية (TİKA) أعمال ترميم المباني في ميناء جزيرة سواكن ، وكانت هناك خطط قيد التنفيذ لتحديث مرافق الميناء. حتى أن أردوغان زار سواكن شخصيا لتفقد هذه المنشآت.

سلط الوضع المحيط بجزيرة سواكن الضوء على الديناميات الجيوسياسية المعقدة في المنطقة وجهود تركيا لتوسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر، الأمر الذي قوبل بشكوك ومعارضة من بعض الجهات الفاعلة الإقليمية.

كما تم استغلال الشبكة التي تطورت بين تركيا والسودان من قبل الجماعات الإرهابية لعملياتها. وفقا لمحققي الأمم المتحدة ، فإن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) الإرهابي في السودان كان يوجه العمليات عبر تركيا.

في تقرير قدم إلى مجلس الأمن الدولي في يوليو ، كشف المحققون أن شخصا يدعى أبو بكر العراقي ، وهو مواطن عراقي يتمتع بخبرة كبيرة داخل داعش ، كان يشرف على خلايا داعش في السودان ويمول عملياتها من خلال وسائل غير مشروعة في تركيا. وهذا يثير القلق إزاء احتمال إساءة استخدام هذه الشبكات لتيسير الأنشطة الإرهابية ويؤكد الحاجة إلى بذل جهود دولية لمكافحة الإرهاب وتمويله.

وأشار التقرير إلى معلومات استخباراتية من دولة عضو في الأمم المتحدة تشير إلى أن العراقي أنشأ شركات متعددة بهويات مزورة في كل من السودان وتركيا. ويقال إنه يدير العديد من الصرافات ووكالة سفر / سياحة في تركيا بينما يحتفظ أيضا باستثمارات كبيرة داخل السودان.

وتضم شبكة داعش في السودان ما يقرب من 100 إلى 200 مقاتل متمرس يعملون في المقام الأول كميسرين للعمليات والمعاملات اللوجستية، كما هو موضح في تقرير الأمم المتحدة.

نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية في موقع

شبكة رصد البحوث في بلدان الشمال الأوروبي (Nordic Monitor)

تجده هنا

 

 

ماذا وراء تعثر مفاوضات الجيش السوداني و”الدعم السريع”؟

عثمان فضل الله للأناضول

يتطلع السودانيون إلى توقف القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع بعد أن طال أمد الحرب التي تقترب من إكمال شهرها السادس في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

وتعكس آمال وقف الحرب حقيقة معاناة الناس جراء الاقتتال الذي أسقط آلاف القتلى والجرحى، ودفع الملايين إلى النزوح من منازلهم باتجاه ولايات أكثر أمنا، أو اللجوء لدى الدول المجاورة.

كما أسهمت الحرب في تدهور الأوضاع الاقتصادية، وشح المواد الاستهلاكية الأساسية، إلى جانب تردي القطاع الصحي وانتشار الأوبئة والأمراض.

ومنذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي، يخوض الجيش وقوات “الدعم السريع” حربا خلَّفت أكثر من 5 آلاف قتيل، وما يزيد على 5 ملايين نازح ولاجئ، وفقا للأمم المتحدة.

وتوقُف الحرب لدى الكثيرين مرتبط بالحوار والتفاوض، باعتبار أن أيا من طرفي القتال لم يتمكن من حسم المعركة لمصلحته.

كما لا يبدو أن أحدهما قادر على تحقيق نصر كاسح يضمن به نهاية الحرب في وقت قريب، بحسب مراقبين.

ويبرز منبر جدة التفاوضي برعاية السعودية والولايات المتحدة، خيار التفاوض الأرجح، لأن الجيش و”الدعم السريع” جلسا خلاله في جولات تفاوض سابقة لم يصاحبها التوفيق.

ورغم توقف منبر جدة التفاوضي، رسميا، فإن الدول الراعية له لم توقف اتصالاتها مع طرفي القتال، ما يعني أن الباب ما زال مفتوحا لعودة التفاوض.

وترعى السعودية والولايات المتحدة منذ 6 مايو/ أيار الماضي، محادثات بين الجيش و”الدعم السريع”، أسفرت في 11 من الشهر ذاته عن أول اتفاق بين الجانبين للالتزام بحماية المدنيين.

كما تم بعدها إعلان أكثر من هدنة، وقعت خلالها خروقات وتبادل للاتهامات بين المتصارعين، ما دفع الرياض وواشنطن إلى تعليق المفاوضات.

وفي 24 سبتمبر/ أيلول الماضي، أعرب رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، عن استعداد مشروط للتفاوض مع قائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

وقال البرهان، إنه سيجلس مع حميدتي، ما دام أنه ملتزم بحماية المدنيين. وهو ما تعهد به الجانبان خلال محادثات جدة في مايو الماضي.

وقبله في 14 سبتمبر، قال قائد قوات الدعم السريع، في تسجيل مصور، “نرغب في أن تنتهي الحرب وفق حل سياسي سلمي”.

وشدد حميدتي، على أن الأولية يجب أن تكون لإيقاف الحرب وتوحيد البلاد.

وسبق أن أعلن الطرفان مرارا استعدادهما لاستئناف المفاوضات، لكن هذا لم يحدث ولم تخف وتيرة المعارك على الأرض.

ـ تيار يرفض التفاوض

يرى المحلل السياسي عثمان فضل الله، أن “هناك عدة عوامل تمنع الوصول إلى طاولة المفاوضات”.

وأوضح “فضل الله”، للأناضول، “العامل المشترك بين كل هذه العوامل هو منتسبو النظام السابق (نظام عمر البشير) المتغلغلون في أجهزة الدولة والقادرون من ناحية أخرى على تمويل وإعداد الحملات الإعلامية الضخمة فهم رافضون للتفاوض”.

وتابع: “العامل ذو التأثير الأكبر، الذي يعرقل الذهاب إلى التفاوض هو الشحن العاطفي الكبير الذي حدث للمواطنين تجاه الدعم السريع باستغلال الانتهاكات الواسعة التي ارتكبت خلال الحرب”.

فضل الله، أشار إلى أن “من بين العوامل أيضا وجود تيار كبير داخل الجيش يتخذ موقفا حادا تجاه قوات الدعم السريع من مطلقات وطنية محضة، ويرى منذ زمن طويل أن وجودها يمثل خطرا يتهدد البلاد”.

وأضاف: “التيار الرافض للتفاوض داخل الجيش كبير ويهدد بانقسامه حال ذهب البرهان في اتجاه التفاوض”.

ولفت إلى أن “هناك تحولات في خطاب الدعم السريع تجاه الحرب، إذ دخلها في البداية لأسباب شخصية تتعلق بتراكمات مواقف بين قائدي الدعم السريع والجيش، تحت غطاء خطاب العودة للحكم المدني واستعادة المسار الديمقراطي”.

واستدرك فضل الله: “لكن سرعان ما تحول خطاب الدعم السريع ليتبنى قضية التهميش، ثم ينحسر ويصبح خطابا عنصريا يميل لأصل قوات الدعم السريع في دارفور (غرب)، وهذا جعل الأخيرة غير متحمسة للتفاوض وتناور به فقط”.

ـ وكلاء لفاعلين مستترين

يرى المحلل السياسي يوسف حمد، أن الطرفين لا يتنفسان من رئتيهما، بمعنى أنهما وكلاء لفاعلين مستترين في الشأن السياسي السوداني، فهؤلاء من يحدد الذهاب للتفاوض من عدمه.

وفي حديثه للأناضول، أضاف حمد، “ومع هذا الاستتار فإنه يمكن الإشارة بوضوح لهذه الأطراف، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي”.

وأردف: “في الواقع فإن حكم السودان بالنسبة للمتصارعين يعني السيطرة على موارد اقتصادية، ومن هنا يأتي العنف المحروس بالمطامع”.

ويشير حمد، إلى أنه ربما ساعد غموض أجندة التفاوض على تلكؤ الطرفين.

وتابع “وربما لا أحد من الخصمين، حصل على ضمانات كافية يضمن بها مصيره ومستقبله لما بعد التفاوض”.

ما طبيعة الدعم التركي للبرهان وهل يتجه الصراع نحو تكرار السيناريو الليبي؟

بين تزويد أنقرة للجيش السوداني بالمسيّرات ودعمها العسكري لقائده أو حتى اللجوء إلى التدخل المباشر لحسم الحرب الدائرة هناك، تتوالى التساؤلات والتكهنات التي أعقبت خصوصا زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لتركيا. فهل سيتكرر السيناريو الليبي في السودان وما حقيقة وجود طلبيات وإبرام صفقة بين قيادات عسكرية من البلدين حول طائرات بيرقدار؟

طائرة بدون طيار تركية من طراز بيرقدار TB2. تركيا في 16 ديسمبر/كانون الأول 2019. © أ ف ب/ أرشيف

تضاربت الأنباء مؤخرا حول نوايا تركيا تقديم دعم عسكري للجيش السوداني أو حتى التدخل مباشرة في البلد الغارق في الحرب منذ 15 أبريل/نيسان بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع ما يطرحه ذلك من هواجس من تكرار للسيناريو الليبي.

يأتي هذا تعقيبا على نتائج الزيارة “الناجحة” التي أجراها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة في 13 سبتمبر/أيلول مصحوبا بوزير الخارجية المكلف ومدير الاستخبارات، ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان.

فبعد أن أفاد موقع عربي بوست بأن “مصادر سودانية كشفت بأن البرهان سيبحث مع تركيا تزويد الجيش السوداني بمسيرات تركية”، وقالت إن “الجيش السوداني يريد أن يستفيد من فعالية الطائرات المسيرة التركية”، نقل موقع قناة الجزيرة القطرية بدوره بأن تركيا استجابت “لجميع مطالب البرهان.. بتزويد الجيش السوداني بطائرات مسيرة تمكنه من فرض سيطرته، وإحراز تقدم قد يُفضي إلى إنهاء المعارك”، في إشارة إلى زيارة البرهان الأخيرة إلى تركيا.

وكانت مواقع أخرى قد أثارت أيضا مسألة تزود الجيش السوداني بطائرات بيرقدار المسيرة التركية، وقالت إن “الجيش السوداني قد تسلم دفعة أولى من طائرات بيرقدار التركية.. لم تدخل الخدمة العسكرية ولم تظهر في المعارك”.

فهل فعلا زودت تركيا الجيش السوداني بهذه الطائرات المسيرة؟ وهل يمهد هذا لتدخل عسكري تركي مباشر على غرار ما حدث في ليبيا؟ وما هو موقف تركيا من الحرب الدائرة في السودان؟ أسئلة يجيبنا عنها كل من د. مهند حافظ أوغلو الباحث في العلاقات الدولية، ورضوان أوغلو الكاتب والمحلل السياسي، علي أسمر الصحافي والمحلل السياسي المختص بالشؤون التركية، و حسب النبي محمود القيادي في حركة “جيش تحرير السودان”.

صفقة سودانية تركية حول المسيرات؟

أوضح د. مهند حافظ أوغلو بأن زيارة البرهان إلى تركيا كشفت عن كون الأخيرة تدعمه على أساس أنه يمثل الشرعية في مواجهة قوات الدعم السريع. وكشف محدثنا عن وجود “طلبات سودانية للحصول على المسيرات التركية” لترجيح كفة المعارك لصالحه. على الرغم من ذلك يرى حافظ أوغلو بأن أنقرة تريد العمل في مسار سياسي أكثر منه عسكري، “ضمن حدود التوافق الدولي على استقرار السودان”. ليضيف أن احتمال أن يتحول الموقف التركي إلى دعم عسكري بأسلحة نوعية مثل المسيرات وغيرها غير مرجح “لأن الرؤية في الملف السوداني دوليا لم تتبلور بعد”.

لكن هل فعلا سعى الجيش السوداني إلى الحصول على الطائرات المسيرة التركية؟ يقول رضوان أوغلو إنه ومنذ بداية الحرب في السودان “كانت هناك لقاءات بين ضباط من الجيش السوداني وبعض القيادات العسكرية في تركيا حول قضية المسيرات، أعتقد أنه قد تم حينها التوصل إلى صفقة حول هذا الموضوع بين الطرفين”. كما أوضح نفس المتحدث بأن “العلاقات بين المؤسسة العسكرية السودانية وتركيا هي قديمة وكانت قائمة من قبل”.

“طائرات مسيرة صينية وإيرانية في السودان”

ميدانيا، لطالما أفادت عدة تقارير وشهود عيان عن رصد هجمات تشنها طائرات مسيرة سواء على مواقع وأهداف تابعة للجيش السوداني، أو تلك التابعة لقوات الدعم السريع، لكن لم تتضح الجهة التي تقف وراء تسليم طرفي النزاع مثل هذا النوع من الأسلحة. في هذا السياق، أوضح علي أسمر بأن الجيش السوداني “يمتلك طائرات بدون طيار يقال إنها صينية أو إيرانية، لكن يجب عدم الخلط بينها وبين المسيرات التركية”. ولا يستبعد أسمر أن يكون الجيش السوداني قد سعى فعلا لشراء بعض المسيرات من تركيا لدورها الفعال حسبه في صراعات أخرى مثل “ناغروني قره باغ وليبيا والصراع الروسي الأوكراني”.

وبالنسبة إلى الأنباء المتداولة عن احتمال تدخل تركيا عسكريا بشكل مباشر في السودان على غرار السيناريو الليبي، قال أسمر إن “الوضع في السودان ضبابي داخليا ودوليا. لم نر بعد موقفا إقليميا ودوليا واضحا أو موحدا تجاه هذه الأزمة. لهذا، فأغلب الدول تكتفي حاليا بمراقبة الأزمة عن بعد من دون التدخل المباشر. ينطبق هذا الكلام على تركيا أيضا”.

كما قال نفس المصدر إن “الاقتصاد والسياسة مرتبطان بشكل كبير في تركيا وبأن أي توتر سياسي ستتبعه آثار سلبية على الاقتصاد”. لهذا فهو يستبعد أن تكون تركيا تنوي أن تنفذ تدخلا عسكريا في السودان، ويرى أنها لا تريد أن تدعم أي طرف دون التنسيق مع الأطراف الخارجية مثل السعودية ومصر، ما يفسر حسبه أيضا “لهذا لم نسمع إلى الآن أخبارا رسمية مؤكدة حول تسليم قوات الجيش السوداني طائرات مسيرة من طراز بيرقدار”.

“تركيا لا تريد الانخراط عسكريا في السودان بل السلام”

في نفس الشأن، رجح محمود علوش بدوره أن أنقرة لا تنوي التدخل في السودان بشكل مباشر ردا على التقارير التي ألمحت إلى ذلك، وقال إن هذا “السيناريو مستبعد”. وأكد محدثنا أيضا أن تركيا ليست لديها أية “رغبة في الانخراط العسكري في الصراع السوداني لصالح أي طرف، كما أن مصالحها وتأثيرها في الصراع محدودين مقارنة بالفاعلين الإقليميين الآخرين على عكس ما كان عليه الوضع في ليبيا قبل أربع سنوات”.

وحلل علوش موقف تركيا بالإشارة إلى كون الظروف الإقليمية التي كانت قد دفعت أنقرة إلى الانخراط في الأزمة الليبية وصراعات أخرى في المنطقة، لم تعد اليوم قائمة، مشيرا في هذا الشأن إلى أن تركيا اليوم باتت “أكثر ميلا للدبلوماسية في سياساتها مع المنطقة العربية عموما”. كذلك، يرى نفس المصدر بأن الأتراك يريدون اليوم تصفية المشاكل مع القوى الفاعلة في المنطقة، معتبرا بأن “أولوية تركيا هي إحلال السلام في السودان”.

“تكلفة طائرات بيرقدار باهظة للجيش السوداني”

هذا، وقد أثار حسب النبي مسألة أخرى تتعلق بتكلفة الطائرات المسيرة التركية وطبيعة المسيرات التي يمكن أن تكون فعلا قد دخلت ساحة المعارك الدائرة في السودان. وهو يوضح في هذا الصدد بأن تركيا لم تسلم طائرات مسيرة من طراز بيرقدار للجيش السوداني، لكنه لم يستبعد أن تكون أنقرة قد زودت الجيش السوداني بطائرات مسيرة انتحارية أو طائرات استطلاع. مضيفا بأن هناك سببا آخر يحول دون حصول البرهان على تلك الطائرات وهو تكلفتها الباهظة.

وبالنسبة إلى مسألة التدخل العسكري المباشر لتركيا في السودان، يرى حسب النبي بأن هذه المسألة تتطلب التوصل إلى تفاهمات مسبقة بين تركيا ودول عربية أبرزها السعودية، الإمارات، ومصر، وهذا “لأن لديها تأثيرا كبير في المنطقة”. وقال نفس المصدر إن تركيا تسعى إلى تحسين علاقاتها مع دول المنطقة وأيضا مع السودان الذي شهد تحولا كبيرا بعد أحداث الثورة والربيع العربي على حد قوله، مؤكدا بأن تركيا تريد “طي صفحة الخلافات التي أثارها دعمها لحركة الإخوان”.

ميدانيا، قتل العديد من الأشخاص وجرح آخرون الخميس في الخرطوم إثر سقوط قذائف أطلقتها قوات الدعم السريع على مواقع للجيش في محطة للحافلات، وفق ما قال شهود لوكالة الأنباء الفرنسية، أكدوا أن “القذائف دمرت ثلاث حافلات محملة بالركاب” في محطة تقع بشمال أم درمان، شمال غرب العاصمة السودانية.

ومنذ اندلاع المعارك التي تركزت في مثلث العاصمة السودانية (الخرطوم وأم درمان وبحري)، وإقليم دارفور غرب البلاد، قُتل نحو 7500 شخص بينهم 435 طفلا على الأقل وفق بيانات رسمية، في حصيلة يرجح أن تكون أقل بكثير من عدد الضحايا الفعلي للنزاع.

مسؤول برنامج أطباء بلا حدود في تشاد: “وضع اللاجئين السودانيين سيئ.. وهو مرشح للتدهور”

شدد كليمون بيس، مسؤول البرنامج الإنساني الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود في شرق تشاد لفائدة اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، على أن الوضع الصحي لهؤلاء سيتدهور في حال لم يكثف المجتمع الدولي من مساعداته الطبية والإنسانية. وقال لفرانس24 إن “أزمة اللاجئين السودانيين تلقي أيضا بظلالها على سكان تشاد لأنهم أيضا بحاجة إلى المساعدة الدولية”.

كليمون بيس مدير مشروع أطباء بلا حدود الإنساني في شرق تشاد. 24 أيلول/سبتمبر 2023. © أطباء بلا حدود

أرغم الاقتتال بين قوات الجيش السوداني بزعامة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع التي يترأسها الجنرال محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي منذ شهر أبريل/نيسان الماضي أكثر من مليون سوداني إلى الهروب إلى الدول المجاورة مثل تشاد وأوغندا ومصر.

فقد أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين عن نزوح أكثر من 3,5 مليون سوداني إلى مناطق متفرقة من البلاد، وفي مقدمتها مدينة بورت سودان التي يتحكم فيها الجيش. فيما حذر المبعوث الأممي إلى السودان مارتين غريفيث في شهر أغسطس/آب الماضي “من وقوع كارثة إنسانية في كل المنطقة في حال طال أمد الأزمة”.

من ناحيتها، عبرت منظمة أطباء بلا حدود التي تقدم الدعم الإنساني لللاجئين السودانيين المتواجدين على أراضي تشاد عن مخاوفها من تدهور حالتهم الصحية والإنسانية. في هذه المقابلة، يشرح مسؤول برنامج أطباء بلا حدود في شرق تشاد، كليمون بيس، المشاكل التي تحدق بهؤلاء اللاجئين في حال لم تتدخل الأسرة الدولية لحلها بشكل عاجل.

فرانس24: لا يزال السودانيون يفرون من بلادهم باتجاه الدول المجاورة، لا سيما تشاد. ما هو الوضع الإنساني في هذا البلد؟

الوضع الإنساني للاجئين السودانيين المقيميين في شرق تشاد المحاذي لبلادهم كارثي. الاستجابة الدولية سواء فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية أو الطبية ضعيفة للغاية مقارنة بالاحتياجات الكبيرة والمتزايدة. لقد سجلنا مئات الآلاف من اللاجئين الذين عبروا الحدود منذ بداية الأزمة في السودان. الغالبية العظمى تعيش في ملاجئ مؤقتة وغير مزودة بجميع الحاجيات، ويشكون من صعوبة الحصول على المساعدات الأولية. فالدعم الطبي والإنساني المقدم لهؤلاء اللاجئين منذ ثلاثة أشهر غير كاف حتى لكي يبقون على قيد الحياة.

مركز لمعالجة اللاجئين السودانيين الذين يعانون من سوء التغذية في مركز أطباء بلا حدود في مدينة مادري بتشاد. 23 أغسطس/أب 2023. © أطباء بلا حدود

تراجع الاهتمام بوضع هؤلاء اللاجئين بعد الزلزال المدمر في المغرب والفيضانات المأساوية في شرق ليبيا. هل تخشون أن تتدهور أوضاعهم الإنسانية؟

في الحقيقة أزمة اللاجئين السودانيين الذين وصلوا إلى تشاد في شهر يونيو/تموز الماضي لم تحظ بالاهتمام اللازم من الأسرة الدولية حتى قبل وقوع زلزال في المغرب والفيضانات في ليبيا. فيما بات من الواضح أن دون تنسيق محكم للجهود بين جميع وكالات الإغاثة على المستوى الدولي، فالوضع الذي هو حاليا سيئ، سيتدهور أكثر.

ماهي احتياجات اللاجئين السودانيين في تشاد؟

نحن نتحدث عن الاحتياجات الأساسية، مثل بناء الملاجئ لحمايتهم من مطر الشتاء وحرارة الصيف التي تميز هذه المنطقة. وهم يعانون من نقص في المياه الصالحة، ما يجعلنا لا نوزع سوى 4 ليترات يوميا لكل شخص. ويعاني أيضا اللاجئون من نقص في الغذاء ومن قلة المرافق الطبية ومواد النظافة التي تساعد على التقليص من مخاطر انتشار الأوبئة، لا سيما في أوساط هذه التجمعات الكبيرة للاجئين. القائمة مفتوحة وهناك احتجاجات كثيرة أخرى تمس شتى المجالات.

منظر عام لمخيم “المدرسة” الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مدينة مادري بتشاد الذي يتحتضن لاجئين من السودان. 23 أغسطس/آب 2023. © أطباء بلا حدود

هل تخشون ظهور توترات وأعمال عنف بين سكان تشاد الأصليين واللاجئين السودانيين؟

سكان تشاد عودونا على إظهار اهتمام كبير إزاء اللاجئين القادمين من البلدان المجاورة. لكن في نفس الوقت قدوم عدد كبير من السودانيين يضعف ويهدد النظام الصحي والغذائي في هذا البلد الفقير ويضع حياة السكان الأصليين على المحك. كما يقلص من حجم المساحات الزراعية بسبب تواجد اللاجئين فيها.

ماهي أنواع المساعدات التي تقدمها أطباء بلا حدود للاجئين السودانيين في تشاد؟

تنفذ أطباء بلا حدود برامج إنسانية وطبية عديدة. فإضافة الى المساعدات المباشرة التي تقدمها للاجئين السودانيين في تشاد، فهي تدعم أيضا المرافق الصحية والاجتماعية المتواجدة في هذه المنطقة.

الهدف من ذلك هو استمرار تقديم المساعدات الإنسانة والطبية للجميع ومنع انقطاعها. ففي مدينة مادري مثلا والتي تقع في شرق تشاد، تدعم منظمة أطباء بلا حدود البرامج الطبية الموجهة للأطفال والبرامج الغذائية في المستشفى. كما تدعم أيضا قسم الجراحة والعيادات الطبية الخارجية في مستشفى آخر بالمنطقة.

مخيم مادري لإستقبال اللاجئين السودانيين في تشاد. 23 أغسطس/أب 2023. © أطباء بلا حدود

من جهة أخرى، فتحت منظمة أطباء بلا حدود في مكان مجاور لمدينة مادري عيادتين لتقديم الرعاية الصحية الأولية لحوالي 130.000 لاجئ. فيما تقوم بتوزيع حوالي 450 متر مكعب من المياه وبناء ما يقارب 300 مرحاض. أما في مخيمي أورانج (50 ألف لاجئ) ومتشيك (35 ألفا) فمنظمة أطباء بلا حدود تستعد لفتح عيادتين في مجال العناية المركزة ومعالجة الأطفال المرضى. كما تقوم أيضا بدعم سكان تشاد عبر برامجها الإنسانية. لكن على الرغم من كل هذه المساعدات، إلا أنها لا تكفي حاجيات جميع المتضررين. فبات من الضروري جدا رفع حجمها في الأيام المقبلة.

انصبت جهود الأمم المتحدة على مساعدة المغرب وليبيا بسبب الكوارث التي لحقت بهما. هل تخشون أن يكون ذلك على حساب أزمة السودان؟

لا أعرف بالتحديد قيمة المساعدات المالية التي خصصتها الأسرة الدولية، لكن من الظاهر أنها غير كافية لتلبية جميع الاحتياجات الطبية والإنسانية للاجئين السودانيين الذين يعيشون في شرق تشاد، عدا عن اللاجئين المتواجدين في الدول المجاورة والذين هم في أمس حاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. هناك أيضا حوالي 4 ملايين سوداني يتطلعون إلى الحصول على نفس المساعدات لأن الجميع تأثر بالأزمة التي اندلعت في شهر أبريل/نيسان الماضي.

طاهر هاني

الانتظار الطويل لآلاف النازحين السودانيين على حدود مصر

وادي حلفا (السودان): في فناء رملي لمدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء للنازحين في شمال السودان، يلعب طفلان بِكرة. من حولهما، ينتظر عشرات الأشخاص المنهكين الفارين من الحرب منذ أشهر تأشيرة دخول إلى مصر.

لا يوجد شيء آخر يمكن أن يفعله النازحون في مدينة وادي حلفا التي تبعد 20 كيلومترا عن الحدود المصرية.

ينتظر في المدينة قرابة 25 ألف نازح، بحسب ناشطين، على أمل السماح لهم بدخول مصر والهرب من الحرب التي اندلعت في 15 نيسان/إبريل بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو.

من بين مليون سوداني لجؤوا إلى الدول المجاورة، تمكن 310 آلاف من دخول مصر، لكن الآلاف لا يزالون ينتظرون على الحدود.

ويقول عارف الزبير، وهو مهندس معماري فرّ إلى وادي حلفا في الشهر الأول من الحرب: “فقدتُ جواز سفري، وما زلت في انتظار الحصول على جواز جديد منذ منتصف أيار/مايو”.

وينام الرجل البالغ من العمر 36 عاما على مرتبة رفيعة وضعت على الأرض في غرفة كانت سابقا فصلا دراسيا.

ويضيف: “أرسلت أسرتي إلى القاهرة عندما كان لا يزال الأمر سهلا”. ففي بداية الحرب، كانت الحاجة إلى تأشيرة لدخول مصر منحصرة في الرجال الذين تقلّ أعمارهم عن 50 عاما، بينما كان في إمكان النساء والأطفال العبور من دون تأشيرة.

ولكن السلطات المصرية شدّدت الشروط بعد ذلك للحدّ من تدفّق اللاجئين.

ويقول عدي محمد، وهو منسّق في مجموعة من المجموعات التي تطوّعت لتنظيم حياة النازحين في وادي حلفا: “وفقا لأحدث الإحصاءات، يقيم 8150 نازحا في 53 مركز إيواء في المدينة”.

ويضيف: “كما أن أكثر من 15 ألفا يقيمون لدى عائلات من سكان المدينة أو يستأجرون شققا”.

“بالغ الصعوبة”

وتقول منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن القواعد الصارمة التي وضعتها مصر لمنح التأشيرات والبطء في تسليمها تشكّل “انتهاكا للمعايير الدولية، إذ تُفرض فترة انتظار غير معقولة ما يعرّض للخطر طالبي اللجوء”.

ويؤكد عدي محمد أنه “إضافة لمشكلتهم الرئيسية، وهي الحصول على تأشيرة أو تجديد جواز السفر”، يعاني النازحون في وادي حلفا من “نقص الغذاء والأدوية والرعاية الصحية وأماكن السكن”.

تأخر وصول السلع الأساسية إلى المدينة.

في آب/أغسطس، قالت وكالة الأمم المتحدة للاجئين إن طوابير طويلة من مئات الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية ومنتجات الصحة العامة تنتظر على الحدود المصرية، حيث تواجه مشكلات إدارية تؤخر عبورها إلى الجانب السوداني حيث يقيم النازحون.

عندما غادرت العائلات السودانية الخرطوم تحت القصف، لم يكن معها إلا الأموال السائلة التي كانت تحتفظ بها في منازلها. وقد نفدت بسرعة.

الآن، باتت العائلات في وادي حلفا تعتمد على التكافل في ما بينها وعلى المساعدات الإنسانية القليلة التي تصل إليها.

ورغم وجودهم على بعد ألف كيلومتر من الخرطوم، إلا أن الحرب الدائرة هناك تشغل الجميع.

وتتابع سهام صالح، وهي صحافية في الخامسة والأربعين، الأوضاع من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على هاتفها المحمول.

وتؤكد أن “مغادرة الخرطوم كان قرارا بالغ الصعوبة لنا خصوصا كصحافيين، ولكن الأوضاع كانت خطيرة للغاية”.

استهداف

ويتبادل الجنرالان المتحاربان الاتهامات باستهداف صحافيين ووسائل إعلام. واضطر الكثير من الصحافيين إلى الفرار، ومن بقي منهم يعملون في السر.

ومثل سهام صالح، نزح أكثر من أربعة ملايين سوداني إلى المناطق التي لم تصل إليها المعارك، غير أنهم يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة.

وأدّت الحرب إلى تدهور البنى التحتية وإقفال 80% من مستشفيات البلاد ودفعت ملايين الأشخاص “إلى حافة المجاعة”، وفق الأمم المتحدة.

وأوقعت الحرب منذ اندلاعها 7500 قتيل على الأقل، وفق تقدير منظمة غير حكومية معنية بإحصاء ضحايا الحروب.

وتقول صالح “يخاطر الناس بحياتهم، ويمكن أن يتم استهدافهم أو اعتقالهم في أي لحظة، لهذا نقرّر الرحيل على أمل أن نجد مكانا ربما يكون آمنا”.

يقول حذيفة يوسف الذي يبلغ من العمر 26 عاما، إنه كان ينوي السفر إلى خارج السودان لدراسة الماجستير، ولكنه اضطر بسبب الحرب إلى النزوح مع أسرته للولاية الشمالية. يعمل حذيفة الآن في موسم حصاد البلح في إحدى المزارع لتلبية حاجاته مقابل أجر زهيد. ويقول عدد من المزارعين إنهم يتخوفون من انخفاض أسعار البلح في الولاية الشمالية بسبب الحرب الدائرة في عدد من ولايات السودان، ويقولون إن أكبر أسواق للبلح تقع في مدينة أمدرمان، إحدى مدن العاصمة الخرطوم، ويوزع منها إلى باقي الولايات، خاصة دارفور وشرق السودان. وشكا المزارعون من عدم اهتمام الدولة بمصنع تعليب التمور بمدينة كريمة. وتنتج الولاية الشمالية 90% من إجمالي التمور في السودان.

(أ ف ب)