بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي

بعد مرور ألف يوم من الحرب المستمرة ، يعيش الملايين من المدنيين مأساة يومية بين النزوح والجوع وانقطاع الخدمات الأساسية. السودان اليوم هو صورة حية لمعاناة البشر في ظل حرب لم تترك أي زاوية من حياتهم دون أثر.

بعد أكثر من ألف يوم من الصراع، يعيش السودان  أزمة إنسانية كبيرة . فالنساء والفتيات يتعرضن للعنف، وأكثر من 21 مليون شخص يواجهون خطر الجوع، بينما نزح أكثر من 15 مليون سوداني داخليًا وخارجيًا، ليجد قرابة ثلث السكان أنفسهم بلا مأوى أو مصدر للعيش.

 فخلال ثلاث سنوات من العنف المتواصل، أعاقت صعوبة الوصول إلى المحتاجين ونقص التمويل تقديم المساعدات، ما جعل السودان من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 33.7 مليون شخص إلى  مساعدات إنسانية هذا العام.

كما أن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام أفادت بأن العام الجاري شهد عمليات قتل تعسفي وغير قانوني واسعة النطاق. وتتحمل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فضلاً عن الميليشيات المتحالفة معهما، مسؤولية انتهاكات جسيمة شملت عمليات قتل ممنهجة بحق المدنيين.

ورغم عودة بعض النازحين إلى الخرطوم، لا يزال المدنيون يواجهون أخطارًا جسيمة، من بينها الأسلحة غير المنفجرة، في وقت يستمر فيه القتال في غرب كردفان. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن  الحصار المفروض على مدينتي كادوقلي والدلنج أدى إلى انقطاع الاتصال بهما، ما حدّ بشكل كبير من الوصول إلى الغذاء، والرعاية الصحية، والمزارع، والأسواق.

معاناة المدنيين

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه برنامج ” السودان الآن “، الذي تبثه DW عربية، أن الأوضاع لا تزال صعبة، مع استمرار المخاطر الأمنية وغياب الخدمات الأساسية في مناطق النزاع.

وقالت حباب، التي نزحت منذ بداية الحرب” قبل ألف يوم، إن الناس ما زالت تعاني ويلات النزوح وفقدان المأوى، مشيرة إلى الخسائر الكبيرة في الممتلكات والأوراق الثبوتية، إضافة إلى تدهور التعليم والصحة. وأضافت أن الحرب رسخت الانقسامات في النسيج الاجتماعي ونشرت خطاب الكراهية على نطاق واسع، ما زاد من معاناتهم وهم يعيشون في الشتات حول العالم.”

وقال فارس، شاب سوداني نازح في بورتسودان، إن الصراع مستمر منذ ألف يوم، وما زالت معاناة المدنيين قائمة في أجزاء من بلاده. وأضاف أن النزوح والتهجير ونهب الممتلكات مستمران، رغم وجود بعض المناطق الآمنة، مشيرًا إلى استمرار حالات القتل والاغتصاب في مناطق النزاع.

ويرى عماد، شاب آخر، أن ألف يوم من الحرب فاقت كل توقعاته. وقال إنه لأول مرة يفترق عن أهله كل هذه المدة، معبرًا عن أمله في العودة إلى بلاده واللقاء بأصدقائه وعائلته قريبًا.

السودان عانى منذ الاستقلال من حروب وتمردات مسلحة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق صورة من: Mohammed Jamal/REUTERS

المدنيون في خطر

وفي تقرير صدر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، أشارت البعثة إلى أن أطراف النزاع تستهدف المدنيين عمدًا في مختلف أنحاء البلاد، وترتكب فظائع قد ترقى إلى  جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة.

وبالإضافة إلى ذلك، حذّر مسؤولون أمميون من تفاقم الأزمة الإنسانية، مشيرين إلى أن المكملات الغذائية المنقذة للحياة للأطفال الصغار والحوامل والمرضعات أصبحت نادرة في الخرطوم بسبب نقص الموارد. ورغم ذلك، يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم مساعداته لنحو أربعة ملايين شخص شهريًا، مع خطة لرفع العدد إلى سبعة ملايين، خاصة في مناطق المجاعة والمناطق عالية الخطورة، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية عبر المساعدات النقدية لتنشيط الأسواق.

وفي المقابل، أعرب مكتب أوتشا عن قلقه من تصاعد العنف في  إقليم كردفان ، خصوصًا بعد غارات جوية استهدفت مناطق سكنية في مدينة الأبيض، ما أسفر عن إصابة مدنيين وأعاق وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تهديد الطرق الرعوية الحيوية.

كما أشار المكتب إلى استمرار تدهور الأوضاع في مناطق أخرى، حيث استقبلت الولاية الشمالية نحو 6000 نازح جديد من شمال دارفور، معظمهم من كبار السن والجرحى وذوي الأمراض المزمنة، وهم بحاجة ماسة إلى الرعاية الصحية ومياه الشرب الآمنة وخدمات الحماية. ولا تزال الكوليرا تمثل تهديدًا في ولاية الخرطوم، رغم تراجع عدد الحالات والوفيات، وسط مخاوف من أن يخفي نقص الإبلاغ الحجم الحقيقي لتفشي المرض.

صمت العالم

وفي إقليم دارفور، وتحديدًا في منطقة جبل مرة، يواجه النازحون أوضاعًا إنسانية شديدة القسوة، مع تزايد أعداد الفارين من العنف وتحول كثير منهم إلى مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى الغذاء والمياه والخدمات الصحية، خاصة في مناطق مثل طويلة وجبل مرة.

وفي هذا السياق، أكد مدير المركز الإعلامي لحقوق الإنسان وحرية الإعلام، أمية يوسف، لبرنامج السودان الآن” أن السودان يعاني من تراجع واضح في الاهتمام الدولي، في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات عالمية أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا.”

ويرى يوسف أنه بعد مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان ، يمكن وصف هذا الصراع بأنه الأخطر تدميرًا في تاريخ الدولة السودانية الحديثة. فالسودان عانى منذ الاستقلال من حروب وتمردات مسلحة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق، إلا أن الحرب الحالية تجاوزت كل ما سبقها من حيث اتساع رقعتها ومدى تأثيرها.

وأضاف يوسف أن الكلفة الإنسانية هائلة، حيث أسفرت الحرب عن نحو 200 ألف قتيل وعشرين ألف أسير ومعتقل في سجون قوات الدعم السريع، في ظروف وصفت بأنها بالغة السوء وتفتقر إلى أدنى معايير حقوق الإنسان. كما أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات، ما أثر بشكل مباشر على الخدمات الأساسية، في ظل استمرار استهداف هذه البنية من قبل قوات الدعم السريع.

ويحذر المراقبون من أن سيطرة  قوات الدعم السريع على مناطق جديدة في غرب السودان تزيد التوترات السياسية والأمنية، وقد تؤجج النزاعات المحلية وتولد مطالب بالحكم الذاتي، ما يجعل الحل السياسي الفوري والدعم الدولي أمورًا حاسمة لحماية وحدة السودان واستقراره.

السودان ما زال يعيش حربًا قاسية وسط صمت العالم، والمدنيون يدفعون الثمن الأكبر كل يوم، في انتظار تدخل عاجل يوقف الفظائع ويعيد الأمل للشعب الذي أنهكته المعاناة.

المصدر : دوتشه فيلا الالمانية

الحياة تعود ببطء إلى الخرطوم

الخرطوم (أ ف ب) – بالقرب من شاطئ نهر النيل، تكسو غابة من الأعشاب لم تُقَلّم منذ سنوات باحة وزارة المالية الملاصقة للقصر الجمهوري في العاصمة السودانية التي تعود إليها الحياة شيئا فشيئا وتستعدّ الأجهزة الحكومية للعودة اليها بعد ثلاث سنوات من الحرب.

في المكان أيضا سيارات مهجورة وزجاج متناثر وأثاث محطّم… فيما ينبّه أحد رجال الأمن الى أن “الأرض لم تُنظّف بعد من الألغام”.

وتصنّف دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام هذا المجمع الحكومي ذا الطراز المعماري الكلاسيكي كـ”منطقة حمراء” كثيفة الألغام.

في الحادي عشر من الشهر الجاري، أعلن رئيس الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني كامل إدريس عودة حكومته إلى الخرطوم من بورتسودان على البحر الأحمر التي انتقلت إليها إثر اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023.

وبينما الحرب تتواصل في مدن كردفان ودارفور في جنوب السودان وغربه، أُعيد في الخرطوم فتح الطرق الرئيسية بينما تتنتشر رافعات البناء في أرجاء المدينة.

في آذار/مارس الماضي، استعاد الجيش السيطرة على كل العاصمة، طاردا قوات الدعم السريع التي كانت سيطرت عليها في بداية الحرب، باتجاه الغرب. ومنذ ذلك الحين، يتفقّد المسؤولون مواقع إعادة الإعمار يوميا، متعهدين بعودة سريعة إلى الحياة الطبيعية.

مبنى مدمر في الخرطوم في 17 كانون الثاني/يناير 2026 © ابراهيم حميد / ا ف ب/AFP

في الأشهر الأخيرة، رُمّم العديد من المقار الحكومية بما في ذلك مقر رئاسة الوزراء، ولكن ما زالت الكثير من المباني الحكومية مهجورا تكسو واجهاتَه آثار الرصاص.

على الجهة الأخرى من القصر الجمهوري، لم يتبقَ من البنك المركزي سوى هيكل متفحم بنوافذ محطمة، غير أن محافِظة البنك، آمنة ميرغني حسن أعلنت الثلاثاء عودته للعمل من داخل ولاية الخرطوم، معتبرة أن ذلك دليل على دخول البلاد مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

حركة بطيئة

بالقرب من المجمع الحكومي تجلس بائعة الشاي حليمة إسحق البالغة 52 عاما عند مفترق طرق يحيط بها الدمار.

فرّت حليمة جنوبا مع اندلاع الحرب في الخرطوم وعادت إليها قبل أسبوعين. وتقول لوكالة فرانس برس إن “العمل ليس على ما يُرام والسوق لم يعد لسابق عهده. هناك حركة ولكن بطيئة”.

تكسب هذه الأم لخمسة أطفال، ما بين أربعة آلاف جنيه سوداني وخمسة آلاف يوميا، أي نحو دولارين أميركيين، ما يمثّل نحو ثلث دخلها قبل الحرب.

خلال الحرب، فرّ أربعة ملايين شخص من الخرطوم، أي نحو نصف عدد السكان، وعاد منهم مليون شخص بعد سيطرة الجيش على المدينة العام الماضي.

وتقدّر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية بما لا يقل عن 350 مليون دولار أميركي.

ويقول عبد الله أحمد، بائع النوافذ في سوق مواد البناء، “نبيع القليل جدا”.

وأوضح لوكالة فرانس برس أن “الناس لا يملكون المال والشركات الكبرى لم ترجع بعد”.

وأعيد تأهيل وبناء مطار الخرطوم الدولي، لكنه لا يزال مغلقا بعد غارة جوية نفّذتها قوات الدعم السريع بطائرة مسيّرة في أيلول/سبتمبر الماضي، قبل أسابيع قليلة من الموعد المعلن لإعادة افتتاحه.

بالقرب من المجمع الحكومي، يزيل عمّال أنقاضا من أحد المصارف المدمَرة.

ويقول مدير الموقع لوكالة فرانس برس “يجب الانتهاء من كل شيء في غضون أربعة أشهر”.

ويأمل فندق “غراند اوتيل” الذي استضاف الملكة إليزابيث الثانية في الماضي، في استئناف استقبال النزلاء بحلول منتصف شباط/فبراير.

ورغم صمود ردهة الفندق المزينة بالثريات، يبدو جزء كبير من الجانب الخلفي للمبنى مدمّرا. وهو مبنى ذو طراز كلاسيكي شهد أعمال تجديد أثناء طفرة النفط السودانية في نهاية العقد الأول من الألفية الثانية.

باعة فاكهة وخضار في الخرطوم في 17 كانون الثاني/يناير 2026 © ابراهيم حميد / ا ف ب/AFP

وخسر السودان نصف عائداته النفطية خلال الحرب بالإضافة إلى خسارة نحو ثلث إنتاجه من النفط بانفصال الجنوب عام 2011.

ويقف برج “شركة النيل للبترول” الذي افتُتح حين كانت الخرطوم تطمح لأن تكون “دبي إفريقيا”، فارغا ومتفحّما، شاهدا على أحلام السودان المحطّمة.

شوارع مظلمة

في أم درمان على الضفة المقابلة من النيل، تعود الحياة إلى طبيعتها بوتيرة أسرع.

ويمكن رؤية الازدحام المروري في شوارعها الرئيسية التي أصبحت تنافس شارع الحرية التجاري الرئيسي في الخرطوم الذي لم يعد للعمل فيه سوى عدد قليل من متاجره المنهوبة.

ويقول عثمان نادر، وهو بائع أجهزة منزلية، “كثير من أصحاب المتاجر لن يعودوا”، مضيفا “يطالب المورّدون بتعويضات عن البضائع التي دُمّرت خلال القتال”.

ويرى سكان العاصمة السودانية أن عودة المياه والكهرباء هي المسألة الأكثر إلحاحا.

مبنى المسرح الوطني في الخرطوم في 18 كانون الثاني/يناير 2026 © ابراهيم حميد / ا ف ب/AFP

وتقول تغريد عوض سعيد، الطبيبة المتدربة البالغة 26 عاما، “في السابق، كنت أستطيع الخروج مع أصدقائي في المساء (..). الآن الشوارع مظلمة ومهجورة في الليل”، معربة عن أملها بأن تستعيد حياتها كما كانت.

ومعظم من عادوا إلى الخرطوم رجال تركوا عائلاتهم في مدن أخرى.

بالقرب من النيل، يعمل متطوعون على ترميم المسرح الوطني الذي شهد في الماضي عروضا لفنانين كبار مثل أم كلثوم.

ويأمل المدير السابق عبد الرفيع حسن بخيت الذي شارك في فعالية لترميم المبنى أن يعود “كما كان.. بل وأفضل”.

على بُعد كيلومترات قليلة، يزيل عمّال أشجارا متساقطة على المدرجات الحمراء والصفراء لملعب المريخ الملقب بـ”القلعة الحمراء”، وهو معقل أحد أقدم أندية كرة القدم في إفريقيا.

ولا تزال السيارات المحترقة مصطفة على جانبي الطريق خارج الملعب الذي شهد آخر مبارياته قبل اندلاع الحرب بأسبوع واحد، فيما ينافس نادي المريخ مذاك في الدوري الرواندي.

قضية اغتيال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا تعود إلى المحاكم البلجيكية بعد 65 عامًا

يمثل الدبلوماسي البلجيكي السابق إتيان دافينيون أمام القضاء في بروكسل، دافعًا عن نفسه بشأن دوره المزعوم في اغتيال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا عام 1961 — وهي قضية تُعدّ محطة بارزة في مواجهة بلجيكا لماضيها الاستعماري.

الماضي يلاحق اليوم إتيان دافينيون، البالغ من العمر 93 عامًا، وهو دبلوماسي بلجيكي سابق متهم بارتكاب جرائم حرب.

ففي 20 يناير، استمعت دائرة المجلس بالمحكمة الجنائية في بروكسل إلى دفاعه القانوني عن نفسه، في محاولة لتجنّب محاكمته بتهمة دوره المزعوم في اغتيال السياسي الكونغولي باتريس لومومبا عام 1961.

وكان الزعيم الكونغولي قد ناضل في سبيل تحرير بلاده من الحكم الاستعماري البلجيكي، ولا يزال رمزًا لمقاومة الظلم ولفضح مظاهر العنف والإذلال التي صاحبت سيطرة بلجيكا على الكونغو. وقد تعرّض للتعذيب والإعدام رميًا بالرصاص ثم تم التمثيل بجثته وإذابتها في حوض من الحمض.

يُعد دافينيون المتهمَ الوحيد في الجريمة الذي لا يزال على قيد الحياة. وكان أحد عشرة مسؤولين بلجيكيين وردت أسماؤهم في شكوى قدّمتها عائلة باتريس لومومبا عام 2011، ما دفع السلطات القضائية البلجيكية إلى فتح تحقيق في اغتيال أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وبعد أكثر من عقد من التحقيقات المتقطعة، طلب الادعاء البلجيكي في يونيو 2025 إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية في بروكسل، متهمًا دافينيون بالتورط في جرائم حرب ارتُكبت في الكونغو.

هل يمكن محاكمة قضية اغتيال عمرها 65 عامًا؟

إن الجرائم الدولية، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم ولا تُغطّى بأي عفو. ولهذا، يمكن إعادة فتح تحقيقات في قضايا مثل اغتيال لومومبا حتى بعد مرور عقود.

وقال وولفغانغ كالك، الأمين العام للمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، إن اغتيال لومومبا “يُعدّ من أكثر الاغتيالات السياسية المدمّرة في القرن الماضي”.

وأضاف كالك في حديثه إلى DW: “هذا النوع من العنف لا يرتكبه الأفراد فقط، بل هو نتاج لجهاز متكامل من السلطة، حيث يؤدي كلّ عنصر فيه دوره. وأنا أتفهّم من يقول إن إتيان دافينيون كان شابًا حينها، لكنه كان وقتها دبلوماسيًا بارزًا ومن ضمن نخب الدولة البلجيكية”.

وقد أدى اغتيال لومومبا إلى دخول الكونغو في عقود من الديكتاتورية تحت حكم موبوتو سيسيسيكو، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري وحكم البلاد حتى عام 1997.

إحياء إرث لومومبا

يتابع أفراد من الجالية الكونغولية في بلجيكا القضية عن كثب، مطالبين بالعدالة. فقد اجتمع أعضاء «ائتلاف الذاكرة الاستعمارية ومناهضة التمييز» في بروكسل في 17 يناير 2026 لإحياء الذكرى الخامسة والستين لاغتيال لومومبا.

وقالت ستيفاني نغالو، منظمة الفعالية: “يُعدّ باتريس لومومبا نموذجًا سياسيًا للنصر من خلال المقاومة ضد الإمبريالية والقوة الاستعمارية”.

وعلى الرغم من أن الدولة البلجيكية اعترفت بمسؤوليتها الأخلاقية عن مقتل لومومبا عام 2001 وقدّمت اعتذارًا رسميًا لعائلته في عام 2022، قالت نغالو إن بلجيكا “لم تفعل ما يكفي لإصلاح الأضرار الناجمة عن ماضيها الاستعماري”.

وأضافت الناشطة: “كلما أتيحت لبلجيكا فرصة لإدانة الاستعمار والانتهاكات المصاحبة له، فشلت في ذلك، بل ساهمت أحيانًا في الحفاظ على الوضع القائم”.

جرائم حرب تاريخية قيد المراجعة

كان دافينيون يعمل متدربًا في وزارة الخارجية البلجيكية وقت وقوع جريمة الاغتيال. وتشمل الاتهامات الموجهة إليه احتجاز لومومبا ونقله بطريقة غير قانونية، وحرمانه من محاكمة عادلة، وتعريضه لمعاملة مهينة ولا إنسانية.

وقبل الشكوى الجنائية التي قدّمتها عائلة لومومبا عام 2011، شكّل مجلس النواب البلجيكي لجنة تحقيق برلمانية عام 1999. وفي تقريرها الصادر بعد عامين، ذكرت اللجنة أن دافينيون “كُلّف بإقناع الرئيس الكونغولي آنذاك جوزيف كاسا فوبو بإقالة لومومبا من منصبه كرئيس للوزراء وتزويده بالحجج القانونية اللازمة لذلك.”

وقالت ستيفاني نغالو إن إحالة دافينيون إلى المحاكمة “ستبعث رسالة واضحة إلى الشعب الكونغولي مفادها أنه لا يمكن اغتيال رئيس وزراء دولة ذات سيادة على أرضه دون عواقب.”

ومن المتوقع أن يقرر قضاة دائرة المجلس بالمحكمة الجنائية في بروكسل خلال الأسابيع المقبلة ما إذا كانوا سيمضون قدمًا في محاكمة دافينيون. وأعلنت السلطات البلجيكية أن الجلسة المقبلة محددة في 17 مارس 2026.

كما ذكر وولفغانغ كالك أن عائلة لومومبا تدرس تقديم دعوى مدنية ضد الحكومة البلجيكية في حال وفاة دافينيون أو عدم مثوله للمحاكمة.

المصدر: دويتشه فيله (DW)+ اليراع

جريمة القرن في فنلندا: 33 ألف مريض تحت تهديد الابتزاز المالي في ساحة الإنترنت المظلم

بمجرد أن رأت الشابة، ميري تولي أوير، عنوان الرسالة في مجلد الرسائل غير المرغوب فيها، أدركت أنها ليست رسالة بريد إلكتروني عادية. فقد احتوى العنوان على اسمها بالكامل ورقم الضمان الاجتماعي الخاص بها، وهو رمز فريد يستخدمه الفنلنديون للوصول إلى الخدمات العامة والمصرفية.

كانت الرسالة مليئة بتفاصيل عن أوير، لا ينبغي لأحد آخر معرفتها.

كان المرسل على علم بأنها تتلقى علاجاً نفسياً، من خلال شركة تُدعى “فاستامو”. وادعى أنه اخترق قاعدة بيانات المرضى عملاء الشركة، وأنه يريد من أوير دفع 200 يورو بعملة البيتكوين خلال 24 ساعة، وإلا سيرتفع المبلغ المطلوب إلى 500 يورو خلال 48 ساعة.

وكتب: “إذا لم تدفعي، سيتم نشر معلوماتك للجميع، بما في ذلك اسمك وعنوانك ورقم هاتفك ورقم الضمان الاجتماعي، وسجلاتك المَرَضية التفصيلية التي تحتوي على نصوص محادثاتك مع معالجي فاستامو”.

تقول أوير، البالغة من العمر 30 عاماً: “حينها بدأ الخوف يتملكني. أخذت إجازة مرضية من العمل، وانعزلت في المنزل. لم أكن أرغب في الخروج. لم أكن أرغب أن يراني أحد”.

كانت أوير واحدة من 33 ألف مريض من عملاء شركة فاستامو تعرضوا للابتزاز، في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2020، على يد مخترق مجهول الهوية.

كانوا قد شاركوا أفكارهم الأكثر حميمية مع معالجيهم، بما في ذلك تفاصيل عن محاولات انتحار، وعلاقات غرامية، وإساءات جنسية للأطفال.

في فنلندا، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 5.6 مليون نسمة، يبدو أن الجميع يعرف شخصاً سُرقت سجلاته العلاجية. تحوّلت القضية إلى فضيحة وطنية، وأكبر جريمة في تاريخ فنلندا، ما دفع رئيسة الوزراء آنذاك، سانا مارين، إلى عقد اجتماع طارئ للوزراء لمناقشة سبل الرد.

لكن الوقت كان قد فات لإيقاف المخترق.

قبل إرسال الرسائل الإلكترونية إلى مرضى فاستامو، نشر المخترق قاعدة البيانات الكاملة للسجلات المسروقة من الشركة على الإنترنت المظلم، وقرأها أو حمّلها عدد غير معروف من الأشخاص. ومنذ ذلك الحين، لا تزال هذه الرسائل متداولة.

أخبرت أوير معالجها النفسي بأمور لم تكن ترغب أن يعرفها حتى أقرب أفراد عائلتها، عن إدمانها للكحول، وعلاقتها السرية برجل يكبرها سناً بكثير.

والآن، تحققت أسوأ مخاوفها.

لكن بدلاً من أن يدمرها الاختراق، جعلها تدرك أنها أكثر صلابة مما كانت تتخيل.

عانت أوير من الاكتئاب طوال معظم حياتها

شقة أوير، الواقعة في ضواحي مدينة هلسنكي، تبدو مبهجة. تمتلئ رفوفها بتذكارات الدمية باربي، ويتوسط غرفة معيشتها عمود للرقص (أداة للرقص والألعاب البهلوانية). لكن لا تنخدعوا بالمظاهر، كما تقول أوير. فقد عانت من الاكتئاب والقلق طوال معظم حياتها.

تقول أوير: “أنا اجتماعية وواثقة من نفسي، وأحب الوجود بين الناس، لكنني أشعر أحياناً أنهم جميعاً يرونني غبية وقبيحة، وأن حياتي سلسلة متواصلة من الأخطاء”.

طلبت أوير المساعدة لأول مرة عام 2015. أخبرت معالجها في فاستامو عن مشاكلها النفسية، وإدمانها للكحول، وعلاقتها التي أقامتها في سن الثامنة عشرة مع رجل أكبر منها سناً أخفته عن عائلتها. تقول إنها كانت تثق بمعالجها ثقة تامة، وبمساعدته حققت تقدماً ملحوظاً. لم تكن تعلم شيئاً عما كتبه في ملاحظاته عن محادثاتهما.

عندما تلقت رسالة الفدية عبر البريد الإلكتروني، كانت أخبار اختراق فاستامو قد انتشرت بالفعل. قبل ثلاثة أيام، بدأ المبتز بنشر ملاحظات علاجية على الإنترنت المظلم على دفعات من 100 رسالة يومياً، على أمل الضغط على الشركة لدفع الفدية الأكبر بكثير – ما يعادل حوالي 400 ألف جنيه إسترليني بعملة البيتكوين – التي كان يطلبها منهم لأسابيع.

تقول أوير إنها شعرت بدافع قوي لتصفح تلك الملاحظات.

وتضيف: “لم يسبق لي استخدام الإنترنت المظلم من قبل. لكنني فكرت في نفسي، عليّ فقط أن أتأكد مما إذا كانت سجلاتي موجودة هناك”.

عندما اكتشفت أن سجلاتها غير موجودة، أغلقت الملف ولم تقرأ سجلات أي شخص آخر، كما تقول. لكنها رأت كيف كان آخرون على الإنترنت المظلم يسخرون من معاناة المرضى. وتضيف: “طفل في العاشرة من عمره ذهب إلى العلاج النفسي، ووجد الناس الأمر مضحكاً”.

وبعد بضعة أيام، عندما اتضح أن سجلات جميع مرضى فاستامو قد نُشرت، بدأت صحة أوير النفسية بالتدهور.

ونظراً لعدم معرفتها بمن المسؤول، أو من قد يكون قرأ أفكارها الأكثر خصوصية، أصبحت تخشى ركوب المواصلات العامة، أو مغادرة المنزل، أو حتى أن تفتح الباب لساعي البريد. كانت تشك في إمكانية العثور على المخترق.

كانت أوير واحدة من بين 21 ألف مريض سابق في مركز فاستامو، سجلوا أنفسهم كمدعين في القضية

لقد خشي المحققون الفنلنديون من عدم العثور على المشتبه به، نظراً لحجم البيانات الهائل الذي كان عليهم فحصه.

يقول ماركو ليبونين، المحقق الذي قاد التحقيق في الشرطة الفنلندية: “لم أكن أتخيل حجم هذه القضية. إنها ليست قضية عادية”.

ولكن بعد عامين من التحقيق، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، كشفوا عن هوية المشتبه به: يوليوس كيفيماكي، وهو مجرم إلكتروني معروف.

في فبراير/شباط 2023، أُلقي القبض على كيفيماكي في فرنسا ونُقل إلى فنلندا لمواجهة التهم الموجهة إليه.

لا تتسع قاعة أي محكمة لـ 21 ألف مريض سابق في مركز فاستامو، سجلوا أنفسهم كمدعين في القضية الجنائية، لذا عُرضت جلسات المحاكمة في أماكن عامة، بما في ذلك دور السينما، لإتاحة الفرصة لهم لمتابعة المحاكمة.

عزمت أوير على رؤية كيفيماكي يُحاكم، فحضرت أحد العروض، ودهشت من مظهره العادي.

تقول لي: “يبدو كأي شاب فنلندي عادي. شعرتُ أنه كان من الممكن أن يكون أي شخص”.

عندما أُدين وحُكم عليه بالسجن ست سنوات وسبعة أشهر، شعرت، كما تقول، بأن ذلك بمثابة تأكيد لصحة موقفها.

وتضيف: “مهما كانت العقوبة، فلن تُعوّض الضحايا عن كل شيء. لقد رأت المحكمة معاناة الضحايا، وكنتُ ممتنةً لذلك”.

ولا يزال كيفيماكي ينكر مسؤوليته عن عملية الاختراق.

Europol
حُكم على الشاب كيفيماكي بالسجن لأكثر من ست سنوات، لاختراقه أنظمة شركة فاستامو

في الأشهر التي تلت علمها بالاختراق، طلبت أوير نسخة ورقية من سجلاتها من شركة فاستامو.

تقبع ملاحظات علاجها النفسي مكدسة على الطاولة بيننا، بينما تروي لي ما حدث.

على الرغم من تسريب سجلاتهم منذ أكثر من خمس سنوات، لا يزال مرضى فاستامو يتعرضون للاستغلال. حتى إن أحد الأشخاص أنشأ محرك بحث، يُمكّن المستخدمين من العثور على السجلات في الإنترنت المظلم، بمجرد كتابة اسم الشخص.

وافقت أوير على مشاركة بعض سجلات علاجها المسربة معي.

تقول وهي تقرأ بعض الملاحظات الأولى التي كتبها معالجها عن جلساتهما: “المريضة غاضبة، مندفعة، وساخطة في أغلب الأحيان. تروي ماضيها بطريقة متقطعة. هناك بعض الصعوبات في التعامل معها نابعة من طبيعتها الحساسة، وهو أمر شائع في سنها”.

تقول أوير إنها شعرت بحزن شديد عندما قرأتها لأول مرة، “لقد آلمني وصفه لي. شعرتُ بالأسف على الوضع النفسي الذي كنت عليه حينذاك”.

تقول إنّ اختراق البيانات قد أدى إلى تآكل ثقة المرضى، “هناك الكثير من عملاء فاستامو الذين خضعوا للعلاج لسنوات، لكنهم الآن لن يحجزوا جلسة علاجية أخرى أبداً”.

أخبرتني المحامية، التي تمثل ضحايا فاستامو في دعوى مدنية ضد المخترق، أنها تعرف حالتين على الأقل انتحر فيهما أشخاص بعد أن علموا بسرقة سجلاتهم العلاجية.

قررت أوير مواجهة مخاوفها مباشرةً. نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عن الاختراق، مُعلنةً للجميع أنها كانت إحدى الضحايا.

تقول: “كان من الأسهل عليّ معرفة أن كل من يعرفني يعلم بالأمر”. تحدثت إلى عائلتها عما احتوت عليه سجلاتها المسربة، بما في ذلك العلاقة السرية التي لم تُخبرهم بها من قبل، “كان الناس داعمين للغاية”.

وأخيراً، قررت استعادة زمام الأمور في قصتها من خلال نشر كتاب عن تجاربها. عنوان الكتاب، بترجمة تقريبية، هو “الجميع يعرفون”.

تقول: “لقد صغتُها في قالب سردي. على الأقل أستطيع أن أروي وجهة نظري في القصة – تلك التي لا تظهر في سجلات المرضى”.

تقبّلت أوير حقيقة أن أسرارها ستظل مكشوفة، وأضافت: “من أجل سلامتي النفسية، من الأفضل ألا أفكر في الأمر”.

في الطريق من من الفاشر إلى مدينة الدبة.. نازحة سودانية تروي فظائع اغتصابها وآخريات من قبل مليشيات الدعم

كل ما أرادته مريم هو الهرب من قذائف الحرب القاتلة بالنزوح من منطقة سوق أبو قرون في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان إلى مخيم الدبة بالولاية الشمالية (شمال).

لكن طريق النزوح بدأ ببتر ساق، وشهد جرائم إذلال وتعذيب واغتصاب أمام أعين أطفال، ارتكبتها قوات “الدعم السريع”، التي تقاتل الجيش منذ أبريل/ نيسان 2023.

تروي مريم (اسم مستعار) تفاصيل نزوحها المرير قائلة: “غادرت المدينة (الفاشر) برفقة أخي، الذي أُصيب بقذيفة في سوق أبو قرون، ما أدى إلى بتر إحدى ساقيه”.

وتضيف: “غادرنا بعد أن ساءت حالته في المستشفى، بسبب انعدام الأكل والعلاج لفترة من الزمن”.

“وصلنا أولا إلى (قرية) حلة شيخ (في محيط الفاشر) بصعوبة، فقد كنا نسير على أقدامنا وأخي برجل واحدة، ومعانا أطفالي وزوجة أخي وأطفاله”، كما تتابع.

وتواصل مريم: “لم نجد أي سيارة تقلنا إلى قرية قرنة (بمحيط الفاشر)، وبعد 3 ساعات من المشي، التقينا بأحد الأشخاص ومعه حمار”.

وتكمل: “طلبنا منه المساعدة لينقل أخي على حماره، وافق أن يوصلنا إلى حدود قرنة فقط، لأن قوات الدعم السريع تمنعهم من نقل (أي) أحد”.

استجواب ومعاناة

“لما اقتربنا من ارتكاز “الدعم السريع” بعد مسير 6 ساعات، أنزلنا أخي عن الحمار وسرنا بأقدامنا لمسافة حتى مدخل قرنة، وقد وصلناها منهكين ونفد منا الماء”، بحسب مريم.

قليلا تصمت مريم لتتنهد ثم تواصل الحكي: “في قرنة تم استجوابنا من قبل عناصر الدعم السريع، وركزوا مع أخي كانوا يقولون له: إنك عسكري بالجيش”.

وتضيف: “تدخلت وأخبرتهم أننا مواطنون، وأنا أيضا مصابة كأخي برائش قذيفة وكشفت عن موضع إصابتي، وحينها كانت حالة أخي قد تدهورت وحدث له هبوط، فقاموا بإسعافه وأعطوه محاليل وريدية”.

“بعد أن استقرت حالته، أركبونا في جرارات ومعنا آخرون. لم نكن نعلم إلى أين نحن ذاهبون، وبعد مدة توقفت الجرارات ونزل بعض الركاب، عندها علمت أن هذه هي منطقة كُرْمة (بمحيط الفاشر)”، وفقا لمريم.

الجميع عراة

“حينها سألت إلى أين نحن متجهون؟ فقالوا إلى مدينة كبكابية بشمال دارفور، وسارت الجرارات لمسافة”، كما تقول مريم.

وتستدرك: “بعدها توقفت الجرارات، بعد أن اعترضت طريقها 7 سيارات عسكرية لقوات الدعم السريع، وتم إنزال جميع الركاب”.

وتوضح: “أوقفونا في صف واحد رجالا ونساء، وأمرونا بخلع ملابسنا ومَن يرفض يتعرض للضرب بعقب البنادق، ويُجبر على خلع ملابسه”.

بحزن وخجل تضيف: “هكذا أصبحنا جميعا عراة، وأمروا الرجال بأن لا يطأطئوا رؤوسهم وأن تظل مرفوعة إلى الأمام”، في إشارة إلى إجبارهم على النظر إلى بقية العراة.

وتضيف: “بدأوا ضرب أخي المصاب ضربا عنيفا، لم أستحمل ذلك ركضت نحوه، وبدأت أحمي أخي وأتلقى بعض الضربات بدلا عنه، اعتدوا عليه حتى في رجله المبتورة، فنزف الجرح”.

بكل أسى في صوتها تزيد: “كل هذا حدث أمام الأطفال وهم يرون أهلهم عرايا”.

قتل واغتصاب

“أمر العساكر 4 بنات (فتيات) كانت صحتهن جيدة من ركاب الجرار بالخروج من الصف، وأن يركبن إحدى سياراتهم وأن يتغطين بثوب واحد (الثوب السوداني الزي القومي للنساء)”، كما تروي مريم.

وتستدرك: “إحدى الفتيات الأربع، كانت برفقة أمها وأخيها، الذي بدأ يتحدث مع العساكر، فأطلقوا عليه 6 رصاصات ومات في الحال”.

وتتابع: “لم تتحمل أمه المنظر وأخذت تصيح وهي تبكي (ولدي.. بناتي)، قاموا بضربها بقعر السلاح على رأسها، فسقطت وهي تنزف”.

تبكي مريم وهي تضيف: “توجه أحدهم نحوي وأمسك بيدي وأخذ يشدني بعيدا من الناس لمسافة”.

وتكمل: “ذهب بي خلف شجرة، حاول الاعتداء عليَّ، قاومته فركلني وسقطت على الأرض، خُلعت يدي وحصل لي دوار في الرأس، وبعدها اعتدى عليَّ (اغتصبني)”.

“عندما أفقت وجدت إحدى النساء التي كانت معانا في الجرار يتناوب عليها 2 من العسكر، وطفلها ذو الـ13 عاما يحاول أن يمنعهم، لكنهم ضربوه فسقط أرضا، وأكملوا فعلتهم”، كما تتابع مريم.

وتضيف: “من مكاني رأيت سيارات عسكرية أخرى وصلت إلينا، وبدأت تسأل المجموعة التي أوقفتنا واعتدت علينا: ماذا تريدون من هؤلاء الناس؟ وأمرتهم بأن يتركونا نذهب”.

وتزيد: “بالفعل تركونا نركب الجرار مرة أخرى، لكن دون الـ4 بنات، فقد أخذوهن معهم”.

تزييف للحقيقة

“وصلنا مدينة كبكابية (بشمال دارفور تبعد نحو 150 كلم من الفاشر)، وبدأنا نبحث عن سيارة تقلنا، ومنحني سائق الجرار بعض المال حتى أصل المستشفى، مساعدةً منه لي ولأخي المصاب”، كما تقول مريم.

وتضيف: “عندما وصلنا المستشفى طلبوا منا أن نفتح بلاغا، فذهبنا لفتح بلاغ”.

لكن “عندما قلنا لهم إن قوات الدعم السريع اعتدت علينا، انفعل الشخص المسؤول وغضب وقال: ما عندنا أحد من الدعم سريع يعتدي على مواطن، نحن شغالين لأجل المواطن”، كما تزيد.

وتتابع: “طلب منا أن نغير أقوالنا بأن عناصر الجيش والحركات المسلحة اعتدوا علينا، وبالفعل قلت ذلك”.

“تقرر إجراء عملية (جراحية) لأخي، وأنا في المستشفى بدأت أكح وسقطت مغشية، وتم الكشف عليَّ وعملت صورة أشعة وظهر لدي نزيف ومياه في أحد جانبي بطني”، بحسب مريم.

وتزيد: “تقرر إجراء عملية، لكني قلت للدكتور: لا أستطيع أن أعمل عملية، فأنا مرافقة لأخي ومعي أطفال، فإذا أجريت العملية مَن سيقف معهم؟”.

وتكمل: “منحني الدكتور مسكنات وعلاجات استخدمها حتى اليوم وإلى وقت إجراء العملية لاحقا”.

وتضيف: “بقينا في المستشفى 12 يوما، وبعدها غادرنا كبكابية إلى أم بادر بولاية شمال كردفان (جنوب)، بعد أن منحني أحد حراس المستشفى أموالا لنسافر وساعدني كثيرا”.

و”من هناك وصلنا إلى المخيم في الدبة في رحلة استمرت 5 أيام”، كما تختم مريم سرد رحلة نزوح لن تغادر ذاكرتها أبدا.

وعادة ما تنفي قوات “الدعم السريع” ارتكابها جرائم بحق المدنيين، وتعتبر ما يحدث حالات فردية.

أدلة على اغتصاب

وثمة توثيق واسع محلي ودولي لجرائم اغتصاب ارتكبتها قوات “الدعم السريع”.

ففي 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قالت شبكة أطباء السودان (أهلية) إنها وثقت تعرض 19 سودانية للاغتصاب أثناء نزوحهن من الفاشر إلى مدينة الدبة.

وسبق أن أفادت، في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بأنها وثقت 32 حالة اغتصاب لفتيات بالفاشر نزحن إلى مخيم طويلة بشمال دارفور، منذ اجتياح “الدعم السريع” المنطقة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

وفي 11 نوفمبر الماضي، نددت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في بيان، بـ”جرائم قوات الدعم السريع”، مشددة على أنها تستخدم الاغتصاب “عمدا وبشكل ممنهج”.

وأعلنت المحكمة الجنائية الدولية في 3 نوفمبر الماضي أنها تجمع أدلة على أعمال قتل جماعي واغتصاب، بعد أن فرضت قوات “الدعم السريع” سيطرتها على مدينة الفاشر.

وفي 26 أكتوبر الماضي، استولت قوات “الدعم السريع” على الفاشر، وارتكبت مجازر في حق مدنيين، بحسب ما أفادت منظمات محلية ودولية، وسط تحذيرات من تكريس تقسيم جغرافي للسودان.

ووسط هذه الفظائع، أقر قائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي” في 29 أكتوبر الماضي بحدوث ما سماها مجرد “تجاوزات” من قواته في الفاشر، مدعيا تشكيل لجان تحقيق.

وتحتل قوات الدعم السريع كل مراكز ولايات دارفور الخمس غربا من أصل 18 ولاية بعموم البلاد، بينما يسيطر الجيش على أغلب مناطق الولايات الـ13 المتبقية بالجنوب والشمال والشرق والوسط، وبينها العاصمة الخرطوم.

ويشكل إقليم دارفور نحو خمس مساحة السودان التي تتجاوز مليونا و800 ألف كيلومتر مربع، غير أن معظم السودانيين البالغ عددهم 50 مليونا يسكنون في مناطق سيطرة الجيش.

وتحارب قوات “الدعم السريع” الجيش بسبب خلاف بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، ما تسبب في مجاعة ضمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، ومقتل عشرات آلاف السودانيين ونزوح نحو 13 مليونا.

(الأناضول)

العهدة الثانية لدونالد ترامب: هل الترامبية شكل من أشكال الفاشية؟

منذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة في يناير/كانون الثاني من عام 2025، أصبح البعض يعبّر عن قلقه إزاء تحول فاشي محتمل في إدارته. وبالعودة إلى التاريخ الأمريكي نستحضر كيف سبق لأفكار اليمين المتطرف أن انتشرت في الولايات المتحدة، خصوصا في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. حاولنا من خلال مقابلات مع مؤرخين معرفة ما إذا كانت هذه المقارنة منطقية ومشروعة اليوم.

فرانس برس :: ستيفاني ترويار، الاقتباس: عماد بنسعيّد

الصورة المعروضة أدناه جابت العالم… ويظهر فيها رئيس شرطة الحدود الأمريكية، غريغوري بوفينو، في 15 من يناير/كانون الثاني وهو يسير في شوارع مينيابوليس مرتديا حذاء عسكريا ومعطفا يذكّر بشكل غريب بالأزياء العسكرية التي ظهرت في ثلاثينيات القرن الماضي، مع تسريحة شعر قصيرة على الجانبين.

القائد غريغوري بوفينو (وسط الصورة)، من إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، محاطا بزملائه من العملاء الفيدراليين خلال احتجاج نظمته إدارة الهجرة والجمارك أمام مبنى الأسقف هنري ويبل الفيدرالي في مينيابوليس، مينيسوتا، في 15 يناير/كانون الثاني 2026. © أ ف ب

في هذه المدينة التي لا تزال تعيش على وقع غضب عارم بعد مقتل رينيه نيكول غود، وهي ناشطة سلمية قُتلت برصاص عنصر من شرطة الهجرة الفدرالية “ICE”، لم يمر هذا الموكب دون أن يذكّر البعض بالنازيين.

هذا المشهد ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الأحداث التي هزت الولايات المتحدة خلال عام منذ عودة دونالد ترامب إلى الحكم: مطاردات للمهاجرين في الشوارع، اختطاف الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، تهديدات بضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، إذلال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، مساندة مطلقة تقريبا لإيلون ماسك. ولم يعد بعض المثقفين يترددون في وصف إدارة الرئيس الأمريكي بأنها “إدارة فاشية”.

“تحول فاشي واضح”

ماتيو بارنيل، متخصص في الحركة الفاشية، وهي حركة يمينية متطرفة نشأت في إيطاليا عام 1919 تقوم على ديكتاتورية الحزب الواحد وعلى مشروع شمولي تام. ماتيو بارنيل يتعامل بحذر مع هذا المصطلح. ويقول هذا الأستاذ في جامعة بايلور في تكساس والذي لم يكن يرغب في استخدام كلمة الفاشية خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب “للفاشية معنى وتاريخ، وغالبا ما يؤدي استخدامها إلى إرباك النقاش”.

محتجون في مسيرة ضد استخدام الرئيس دونالد ترامب لقوات إنفاذ القانون الفيدرالية وقوات الحرس الوطني في واشنطن العاصمة، وذلك خلال تجمع حاشد على طول شارع 14 شمال غرب المدينة في 30 أغسطس/آب 2025. © أسوشيتد برس/ أرشيف

اليوم لم يعد مترددا كما كان الحال من قبل: “نلاحظ تحولا فاشيا واضحا خلال ولاية ترامب الثانية، إذ أصبح أكثر عنصرية وأكثر عنفا وذلك بشكل علني. وحشية العناصر الفدرالية في الشوارع الأمريكية واضحة المعالم، فضلا عن سياسة ترامب الخارجية العدوانية، وهو ما يعيد إنتاج أشكال من القمع والعدوان التي ميزت أشهر الفاشيين الأوروبيين مثل هتلر وموسوليني”. ويضيف: “الفاشية الأمريكية عام 2026 تُعرّف قبل كل شيء باعتبارها حركة عنصرية وقومية وطائفية تهدف إلى تدمير الديمقراطية. ترامب يصف خصومه السياسيين بانتظام بأنهم “شيوعيون” أو “خونة” أو “حشرات”. وأنصاره يكررون هذه الخطابات باستمرار.

صلبان معقوفة، قمصان غامقة اللون و”هايل هتلر” في الولايات المتحدة

وهي ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها مثل هذه الأفكار على الأراضي الأمريكية. فبعد أزمة 1929 وخلال فترة الكساد الكبير، ظهرت عدة منظمات فاشية في الولايات المتحدة. وكما يوضح ماتيو بارنيل “كان ظهور هذه الجماعات بمثابة رد فعل على الفوضى الاقتصادية في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي. ملايين الأمريكيين البيض وجدوا أنفسهم مفلسين وكانوا يبحثون عن مذنب مثالي. وقدمت لهم هذه الجماعات حلا سياسيا لمشاكلهم: الفاشية”.

ويتابع “كان الفاشيون الأمريكيون يعرفون أنفسهم صراحة على أنهم ’اشتراكيون قوميون‘، (التسمية التي تعتمدها أحزاب اليمين المتطرف تاريخيا لنفسها)، وكانوا يرفعون الصلبان المعقوفة ويرتدون القمصان غامقة اللون”.

كان لدى هذه المنظمات رؤية قومية واحدة، ودعت إلى تفوق الرجل الأبيض المسيحي، واعتبرت اللجوء إلى العنف ضرورة لتحقيق أهدافها. وكان من أشهرها “الرابطة الألمانية -الأمريكية” التي تأسست عام 1936.

في 18 يوليو/تموز 1937، سار ما يقرب من ألف رجل يرتدون الزي العسكري، وشارات الصليب المعقوف على أذرعهم، ويلوحون بالرايات النازية، أمام منصة استعراض رسمية في نيوجيرزي، الولايات المتحدة الأمريكية. © أسوشيتد برس/ أرشيف

وتقول عالمة الاجتماع أرلين شتاين من جامعة روتغرز في نيوجيرزي: “كان يقودهذه الرابطة فريتس كون، وهو مهاجر ألماني في الأربعين من عمره أعلن نفسه “الفوهرر الأمريكي”. وكانت للرابطة فروع محلية، ومتاجر، ومخيمات صيفية، وحانات، وصحف. وكانت تندد بفكرة “انصهار الأجناس” باعتبارها اختراعا يهوديا، وتعهدت بجعل الولايات المتحدة “بلدا مسيحيا للبيض”.

وقد بلغ عدد أعضائها نحو 100 ألف في المناطق التي تركزت فيها الهجرة الألمانية، خصوصا في وسط غرب وشمال شرق الولايات المتحدة. ونظموا تجمعا عام 1939 في قاعة ماديسون سكوير غاردن في نيويورك حيث تجمع نحو 20 ألف أمريكي كانوا يهتفون “هايل هتلر” ويؤدون التحية النازية.

“فاشية على الطريقة الأمريكية”

يشير المؤرخ الفرنسي أوليفييه بورتان، المتخصص في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر، إلى أن التأثير الانتخابي لهذه الحركات كان “محدودا”، لكنه يؤكد أن “تأثيرها الثقافي والسياسي لا يستهان به”. ويقول: لقد ساهمت في تطبيع بعض الأفكار المعادية للسامية والمعادية للأجانب في الفضاء العام. ويمكن الحديث هنا عن “فاشية على الطريقة الأمريكية”.

بعض حليقي الرؤوس الأمريكيين يؤدون التحية النازية في ختام مؤتمر صحافي عُقد في مجمع كنيسة “الأمم الآرية” العنصرية البيضاء في هايدن ليك، أيداهو، في 21 أبريل/نيسان 1989. © أسوشيتد برس/ أرشيف

بعد الحرب العالمية الثانية، جرى تهميش هذه التنظيمات الفاشية، لكن “أفكارها تواصلت من خلال شبكات تروج لتفوق العرق الأبيض، والحركات المعادية للشيوعية المتطرفة، وبعض نظريات المؤامرة”، كما يوضح أوليفييه بورتان.

ويوافقه ماتيو بارنيل الرأي قائلا: “على الرغم من اختفاء هذه الجماعات، فإن أفكارها استمرت. فقد ظهرت مئات، بل آلاف، المنظمات النازية الجديدة والفاشية في النصف الثاني من القرن العشرين”.

ويرى هذا الأستاذ تشابها واضحا بين أفكار الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي ونظريات إدارة ترامب اليوم. ويقارن مثلا بين تصريح مستشار ترامب للأمن الداخلي، ستيفن ميلر الذي قال إن “ثقافة شيوعية وثقافة الـ’ووك‘ ثقافتان سرطانيتان تنخران اليوم التعليم العالي”. وهو ما يطابق طرحا للرابطة الألمانية-الأمريكية عام 1939، حين زعمت أن التعليم الأمريكي مخترق من “يهود ماركسيين”.

“وطن واحد. شعب واحد. تراث واحد”، منشور لوزارة العمل الأمريكية على تطبيق إكس. © وزارة العمل الأمريكية على تطبيق إكس

في الآونة الأخيرة، أعرب هذا المؤرخ  الأمريكي عن قلقه من الرسائل التي نشرتها إدارة ترامب على حساباتها في منصة “إكس”، مثل رسالة وزارة العمل: “وطن واحد، شعب واحد، إرث واحد”، وهو ما يشير مباشرة إلى الشعار النازي “شعب واحد، إمبراطورية واحدة، قائد واحد”.

أو كذلك رسالة وزارة الأمن الداخلي: “سنستعيد وطننا”، المستوحاة، بحسب ماتيو بارنيل، من أغنية” قومية بيضاء” كثيرا ما يرددها ناشطون فاشيون في الولايات المتحدة.

ضرورة العودة إلى التاريخ الأمريكي

يرى ماتيو بارنيل من أنه من الضروري تتبع تاريخ الفاشية في الولايات المتحدة: “يمكن للحركات الفاشية أن تتخفى تحت مظاهر جديدة أو وطنية. وفي غياب تحليل تاريخي، يمكن للفاشية أن تنصهر بسهولة أكبر داخل المؤسسات التقليدية، كما يحدث تحديدا في ظل إدارة ترامب”.

ويشاركه أوليفييه بورتان الرأي نفسه: “التذكير بذلك أمر أساسي، لأن هذه الحركات تذكّر بأن الولايات المتحدة ليست محصنة ضد السلطوية. تظهر سنوات الثلاثينيات كيف يمكن لخطابات الكراهية، حين تُقدَّم على أنها وطنية أو دفاعية، أن تزدهر في أوقات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

تُظهر صورة التُقطت في 12 أغسطس/آب 2017 أحد أنصار تفوق العرق الأبيض وهو يلوح بعلم نازي عند مدخل حديقة التحرير في شارلوتسفيل، وهي مدينة أصبحت رمزا لعودة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب. أسوشيتد برس

لكن عالمة الاجتماع أرلين شتاين ترى أن الأمريكيين يعانون من فقدان ذاكرة حقيقي في هذا الشأن. ففي دراسة بعنوان “لم نكن أبدا نازيين” نشرت حديثا في مجلة Memory Studies، أجرت مقابلات مع أشخاص يتذكرون وجود الرابطة خلال طفولتهم. ولاحظت أن هذه الحركات لم تؤخذ على محمل الجد وتمت السخرية منها لعقود.

وتقول “يعاني معظم الأمريكيين من مشكلة في فهم حركات اليمين المتطرف. فهم يعتقدون أن الوسط المعتدل ينتصر دائما، وأن المتطرفين اليمينيين نادرا ما يشكلون تهديدا فعليا. ونحن اليوم أكثر يقظة تجاه تهديد حركات اليسار المتطرف. تاريخ اليمين المتطرف في الولايات المتحدة لا يُدرَّس في المدارس، أو إذا دُرّس فبشكل هامشي”.

“يجب تصديق الفاشيين”

وعلى الرغم من الوضع الحالي و”الضرر الذي لحق بالنظام الديمقراطي الأمريكي”، تحافظ أرلين شتاين على تفاؤلها: “لا تزال لدينا القدرة على عزل ترامب وشركائه عبر صناديق الاقتراع، حتى لو استخدموا التضليل والهجمات على النظام الانتخابي للتلاعب بعملية الانتخابات الحرة والنزيهة”. انتخابات التجديد النصفي هذا العام ستكون اختبارا حقيقيا وحاسما لمعرفة ما إذا كان هذا النظام لا يزال قادرا على أداء مهمته وعكس إرادة الأغلبية”.

غير أن ماتيو بارنيل في المقابل أكثر تشاؤما بكثير. خصوصا من خلال استناده إلى الماضي، ويرى أن مستقبل الولايات المتحدة قاتم بشكل كبير. ويقول: “الفاشيون لا يتخلون عن السلطة عن طيب خاطر. دونالد ترامب ألمح مرارا إلى احتمال الترشح لولاية ثالثة أو حتى إلغاء الانتخابات. يجب تصديق الفاشيين عندما يقولون مثل هذه الأشياء. دراساتي حول ألمانيا النازية تشير إلى أن ترامب سيبحث عن أي ذريعة لتأجيل انتخابات 2028 إلى أجل غير مسمى، وعلى الأمريكيين أن يستعدوا للنزول إلى الشوارع إذا حدث ذلك.

كيف أدت سياسات إدارة ترامب إلى تراجع الحقوق والحريات في الولايات المتحدة؟

بعد عام على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية، تتسارع وتيرة التراجع عن المكتسبات في مجال حقوق الإنسان والحريات الفردية داخل الولايات المتحدة. من الحق في التظاهر، مرورا بحقوق مجتمع الميم (LGBTQ+)، وصولا إلى حرية الصحافة: قراءة في حصيلة مرحلة أولى وُسمت بتشدد غير مسبوق.

منذ عودته إلى السلطة في 20 يناير/كانون الثاني 2025، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل كبير نهج تعامل الدولة الفيدرالية مع حركات الاحتجاج. وشكلت التعبئة التي شهدتها الجامعات عام 2024 ضد الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة حقل تجارب لهذا النهج الجديد. ففي بعض الحالات، جرى توقيف طلاب أجانب وتفعيل مساطر الترحيل ضدهم بسبب مشاركتهم في المظاهرات.

الحق في التظاهر… تشدد أمني متصاعد

في مارس/آذار 2025، خلف اعتقال محمود خليل، أحد أبرز وجوه الحراك المؤيد للفلسطينيين في جامعة كولومبيا، والحاصل على بطاقة الإقامة الدائمة (غرين كارد)، صدمة على المستوى الوطني. اتهمته إدارة ترامب بأنه “داعم لحماس”. فتم احتجازه لعدة أشهر ولا يزال إلى اليوم يواجه إجراء يقضي بترحيله.

وفي الشهر نفسه، أوقفت أيضا رميساء أوزتورك، وهي طالبة تركية تحمل تأشيرة دراسية، من قبل عناصر أمنية بملابس مدنية تابعين لشرطة الهجرة (ICE) أثناء وجودها في الشارع. وكانت أوزتورك قد انتقدت، في مقال نشرته بصحيفة طلابية، طريقة تعامل جامعة تافتس في ولاية ماساتشوستس مع حركة الاحتجاج.

تزامنا مع ذلك، أمر الرئيس بنشر قوات من مشاة البحرية (المارينز) والحرس الوطني في شوارع لوس أنجلس، عقب مظاهرات اندلعت احتجاجا على توقيف أشخاص يُشتبه في تواجدهم بشكل غير قانوني على الأراضي الأمريكية من قبل شرطة الهجرة. ولاحقا، تم اعتماد إجراءات مماثلة في عدة مدن أخرى، بذريعة مكافحة الجريمة و”حماية” العناصر الفيدرالية.

أما أحدث الإشارات المقلقة، فكانت في 15 يناير/كانون الثاني، حين هدد الرئيس مجددا بتفعيل “قانون التمرد” (Insurrection Act)، وهو تشريع استثنائي يتيح نشر قوات فدرالية أو الحرس الوطني لقمع الاضطرابات المدنية. تأتي هذه التصريحات في وقت تعيش مدينة مينيابوليس احتجاجات أعقبت مقتل رينيه غود، برصاص أحد عناصر شرطة الهجرة خلال عملية ميدانية.

حقوق الأجانب… الوعيد بالترحيل الجماعي يتحول إلى إجراءات واقعية

مع عودته إلى السلطة، سارع دونالد ترامب إلى ترجمة وعوده الانتخابية المتعلقة بالهجرة إلى سياسة ميدانية واسعة النطاق. وخلال عام واحد فقط، بلغت عمليات الاحتجاز والترحيل مستويات غير مسبوقة. إذ ارتفع عدد المحتجزين لدى شرطة الهجرة بنحو 75% خلال عام 2025، ليصل إلى 66 ألف شخص مطلع ديسمبر/كانون الأول، مقارنة بـ40 ألفا في بداية العام، وفق تقرير صادر عن المجلس الأمريكي للهجرة.

وفي الوقت نفسه، تسارعت وتيرة الترحيل. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نُفذت أكثر من 14 عملية ترحيل مباشرة مقابل كل شخص أُفرج عنه في انتظار جلسة قضائية، مقارنة بـ1,6 فقط في ديسمبر/كانون الأول 2024. وتؤكد وزارة الأمن الداخلي ترحيل أكثر من 600 ألف شخص منذ عودة ترامب، فيما غادر نحو 2,5 مليون آخرين البلاد طوعا.

ميدانيا، تجسدت هذه السياسة في مداهمات واسعة النطاق، لا سيما بمنطقة لوس أنجلس، حيث نفذ عناصر من شرطة الهجرة عمليات في مواقف متاجر كبرى ومحطات غسل سيارات ومؤسسات تشغّل عمالا من أصول أمريكية لاتينية، وفق تقارير لمنظمات حقوقية. وغالبا ما نُفذت هذه العمليات من قبل عناصر ملثمة. ما أثار موجة استياء واسعة ودعاوى قضائية من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان.

وامتدت هذه المقاربة المتشددة إلى سياسة اللجوء، إذ قلصت الإدارة بشكل حاد عدد المستفيدين من برنامج استقبال اللاجئين، محددة سقفه عند 7,500 شخص للسنة المالية 2026، مقارنة بـ125 ألفا في العام السابق. كما منحت أولوية استثنائية للبيض من جنوب أفريقيا، في سياق تصريحات رئاسية غير مدعومة بأدلة حول “إبادة جماعية” مزعومة يتعرض لها “الأفريكانر”، أحفاد المستوطنين الأوروبيين الأوائل الذين استقروا في المنطقة.

وفي أحدث قراراتها، أعلنت الإدارة في 14 يناير/كانون الثاني تعليق إجراءات منح تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة، بذريعة مكافحة إساءة استخدام نظام الهجرة الأمريكي.

الحقوق الإنجابية… تفكيك تدريجي دون حظر صريح

لم يُقدِم دونالد ترامب على فرض حظر شامل على الإجهاض، كما كان يخشى المدافعون عن هذا الحق. غير أن إدارته عملت تدريجيا على إفراغ الضمانات القائمة من مضمونها، من خلال اعتماد استراتيجية أقل صخبا لكنها لا تقل فاعلية.

ويتمثل أحد أبرز أوجه هذا التراجع في التخلي عن الحماية الفيدرالية المرتبطة بقانون إيمتالا (قانون العلاج الطبي الطارئ والعمل – Emergency Medical Treatment and Labor Act)، الذي كان يضمن الوصول إلى الرعاية الصحية الطارئة.

ففي عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن، كان هذا القانون يشمل الحق في الإجهاض عندما تكون حياة الأم في خطر، حتى في الولايات التي تحظر الإجهاض. أما اليوم، فلم تعد الدولة الفيدرالية تفرض عقوبات على المستشفيات أو الأطباء الذين يرفضون التدخل، حتى في حالات الإجهاض التلقائي أو المضاعفات الصحية الخطيرة.

وفي هذا المناخ المطبوع بعدم اليقين، تتكاثر القضايا القضائية. ففي مارس/آذار 2025، أُوقفت سيلينا ماريا تشاندلر-سكوت في ولاية جورجيا ووجّهت إليها تهمتا “إخفاء وفاة” و”التخلي عن جثة” عقب تعرضها لإجهاض تلقائي، قبل أن يُفرج عنها في نهاية المطاف.

وبالتوازي، تقلص الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية بفعل اقتطاعات مالية واسعة. فبين يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، أُغلق نحو 50 مركزا تابعا لمنظمة “بلاند بارنتهود” (المعادلة لتنظيم الأسرة)، من بينها قرابة عشرين مركزا بعد إقرار قانون الميزانية المعروف باسم «One Big Beautiful Bill»، الذي ألغى عشرات ملايين الدولارات من الدعم الفيدرالي.

وتحت ضغط مسؤولين منتخبين محافظين وجماعات مناهضة للإجهاض، أعلن وزير الصحة روبرت كينيدي الابن عن إعادة تقييم حبوب الإجهاض “ميفيبريستون”، المستخدمة في غالبية عمليات الإجهاض في البلاد.

ولا تستبعد إدارة ترامب تقييد وصف هذه الحبوب عبر خدمات الطب الإلكتروني عن بُعد، وهو خيار بات لا محيد عنه للنساء المقيمات في ولايات يُحظر فيها الإجهاض.

حقوق مجتمع الميم… تراجع متسارع وممنهج

تعد حقوق مجتمع الميم LGBTQ+ (المثليين) من بين الأكثر تضررا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فمنذ يوم تنصيبه، وقع الرئيس مرسوما ينص على أن الإدارة الفيدرالية لن تعترف إلا بـ”جنسين اثنين”، محددين عند الولادة، وهو ما يعني عمليا حظر استخدام مفهوم “الهوية الجندرية” في السياسات والاستمارات والنماذج الفيدرالية.

إعادة التعريف الإدارية هذه، نتج عنها عدة تداعيات بعد بضعة أشهر. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، سمحت المحكمة العليا للإدارة بإلغاء جوازات السفر التي تتضمن خانة النوع “X” أو نوعا مختلفا عن الجنس المعيّن عند الولادة للأشخاص المتحولين جنسيا وغير الثنائيين.

هذا التشدد امتد ليشمل المجال العسكري أيضا. ففي يوليو/تموز، أُعيد العمل بحظر خدمة الأشخاص المشخَّصين باضطراب الهوية الجندرية في الجيش. ووفق الأرقام الرسمية، يطال هذا القرار نحو 4,200 عسكري، في حين تشير تقديرات أخرى إلى رقم أقرب إلى 10,000.

كما بات الحصول على الدعم الفيدرالي مشروطا بإقصاء الرياضيين المتحوّلين جنسيا من المنافسات النسائية.

وتبدو التداعيات أشد وطأة على الفئات الأصغر سنا. ففي عدد من الولايات، بما فيها ولايات صنّف تقدمية، أنهت مستشفيات برامج الرعاية المخصصة للقاصرين المتحولين جنسيا، خشية فقدان التمويل الفيدرالي. كما أدت الاقتطاعات المالية التي أُقرت بموجب قانون «One Big Beautiful Bill» إلى إلغاء التمويلات المخصصة لبرامج الوقاية من الانتحار لدى الشباب من مجتمع LGBTQ+، في سياق تدهور موثق على مستوى صحتهم النفسية.

حرية الصحافة… تضييق مستمر

دخلت الإدارة الأمريكية الحالية في مواجهة مفتوحة مع الصحافيين ووسائل الإعلام. فمنذ عودة ترامب إلى السلطة، يواجه الصحافيون وهيئات التحرير تصاعدا ملحوظا في الضغوط، شمل دعاوى قضائية مكلفة، وقيودا مشددة على الوصول إلى المعلومات، وتهديدات بفرض عقوبات، إلى جانب هجمات لفظية متكررة.

وقد استهدف البيت الأبيض وكالة “أسوشيتد برس”، إذ مُنع صحافيوها من حضور بعض الفعاليات، ومن دخول مناطق معينة، بل وحتى من مرافقة الرئيس على متن الطائرة الرئاسية “إير فورس وان”، بسبب استمرار الوكالة في استخدام تسمية “خليج المكسيك” بدل “خليج أمريكا”، التزاما بالمصطلح المعتمد دوليا، وخلافا للمرسوم الذي وقعه دونالد ترامب عند تنصيبه. وعلى الرغم من أن قاضيا فدراليا أبطل هذا الإجراء في أبريل/نيسان 2025، فإن قرار ترامب كشف بجلاء نزعة رئاسية إلى التحكم في كيفية تقديم المعلومات إلى الرأي العام.

وفي البنتاغون، شهد شهر سبتمبر/أيلول محاولة جديدة لتشديد الخناق، حين فرضت وزارة الدفاع على الصحافيين المعتمدين شرط الحصول على إذن صريح قبل نشر بعض المعلومات، تحت طائلة سحب بطاقاتهم الصحافية. وأمام هذه الشروط غير المسبوقة، فضلت غالبية وسائل الإعلام، من “نيويورك تايمز” إلى “فوكس نيوز”، مرورا بوكالة الأنباء الفرنسية، التخلي عن اعتمادها ومغادرة مكاتبها داخل الوزارة.

ومنذ الخريف، ازداد تضييق الخناق على وصول الصحافة إلى البيت الأبيض ووزارة الخارجية، عبر فرض تصاريح يومية إلزامية، وتحديد مناطق محظورة على الصحافيين، وتنفيذ عمليات إقصاء انتقائية. وبعد نشر صحيفة “وول ستريت جورنال” في سبتمبر/أيلول مقالا تناول العلاقات السابقة بين دونالد ترامب وجيفري إبستين، المتهم بارتكاب اعتداءات جنسية، حُرمت الصحيفة من الوصول إلى الطائرة الرئاسية، كما ورفعت ضدها دعوى تشهير تطالب بتعويض قدره 10 ملايين دولار.

أما أحدث هذه الوقائع، فتتمثل في قيام مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، في 16 يناير/كانون الثاني، بتنفيذ مداهمة نادرة لمنزل صحافية بجريدة “واشنطن بوست”، هانا ناتانسون، في إطار تحقيق يتعلق بتسريبات مرتبطة بالأمن القومي، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن حماية مصادر الصحافيين في الولايات المتحدة.

كيف توظف أمريكا الرياضة لتلميع صورتها؟

كشفت وثائق داخلية لوزارة الخارجية الأميركية عن اعتماد واشنطن ما يعرف بـ”الدبلوماسية الرياضية” كأداة سياسية ودبلوماسية، في إطار التحضيرات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم. في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية تحديا يتمثل في التوفيق بين تشدد سياسات الهجرة التي يفرضها الرئيس دونالد ترامب ورغبتها في تنظيم بطولة ناجحة عالميا.

الرياضة لتعزيز صورة أمريكا

وبحسب تقرير لموقع بوليتيكو، أعدت وزارة الخارجية “دليل الدبلوماسية الرياضية”، وهو وثيقة داخلية من تسع صفحات، توجه الدبلوماسيين الأميركيين إلى كيفية استثمار الأحداث الرياضية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم والألعاب الأولمبية، لتعزيز صورة الولايات المتحدة وجذب الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى دعم أولويات سياسية واجتماعية للإدارة الحالية.

تسهيلات تأشيرات.. وتشديد أمني

وتعمل السفارات والقنصليات الأميركية حول العالم على تعزيز طواقمها لتسريع معالجة تأشيرات المشجعين، مع تطوير نظام خاص مرتبط بكأس العالم يعرف باسم FIFA Pass، يمنح أولوية في المواعيد لحاملي التذاكر.

وفي المقابل، تطلب وزارة الخارجية من دول مشاركة تزويدها بقوائم مشجعي الشغب المعروفين، بهدف منعهم من دخول الأراضي الأميركية.

وقال دبلوماسي أميركي سابق إن وزارة الخارجية “تمشي على حبل مشدود” بين تقديم صورة منفتحة ومرحبة للعالم، وبين الالتزام بتوجهات إدارة تتبنى خطابا متشددا تجاه الهجرة.

دول خاضعة للحظر واستثناءات محدودة

وتأتي هذه التحضيرات في ظل أوامر تنفيذية أصدرها ترامب تقضي بتقييد سفر مواطني أكثر من ثلاثين دولة، من بينها دول تأهلت إلى كأس العالم. وتشمل هذه القيود إيران وهايتي، مع استثناءات محدودة للغاية، فيما تخضع دول أخرى مثل السنغال وساحل العاج لإجراءات أخف.

ورغم منح استثناءات عامة للاعبين وأفراد الطواقم المشاركة في كأس العالم والألعاب الأولمبية، إلا أن هذه الاستثناءات لا تلغي التدقيق الأمني الكامل، إذ يمكن رفض أي طلب تأشيرة لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو الارتباط بجماعات مصنفة إرهابية.

دور متقدم لوزارة الخارجية

كما يمنح “دليل الدبلوماسية الرياضية” وزارة الخارجية دورا أوسع في مواجهة نفوذ دول مثل الصين وروسيا داخل الهيئات الرياضية الدولية، إضافة إلى استخدام الفعاليات الرياضية للترويج لما تصفه الإدارة بـ: “القيم الأميركية”.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكد في تصريحات سابقة أن وزارته تعمل على تقليص فترات انتظار التأشيرات الخاصة بالبطولة، محذرا في الوقت نفسه من أن “تذكرة المباراة لا تعد تأشيرة دخول”.

ويحافظ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على موقفه التقليدي بعدم مطالبة الدول المضيفة بتعديل سياساتها المتعلقة بالهجرة، مؤكدة أنها لا تعتزم الدخول في مواجهة مع واشنطن بشأن القيود المفروضة على التأشيرات

مخيم العَفَّاضْ بالسودان.. صورة لآلام النازحين من الفاشر

الأناضول تقرير عادل عبد الرحيم 

– المخيم يضم أكثر من 22 ألف نازح هربوا من مجازر دارفور وكردفان
– مسؤولة أممية: مخيم العفاض بلغ طاقته الاستيعابية القصوى
– فخر الدين محمد رجب: لم أجد أطفالي ولا أعلم إن كانوا أحياء أم أمواتًا
– النازحة إشراقة التوم: زوجي قُتل أمامي

على أطراف مدينة الدبة شمالي السودان، يجد آلاف النازحين من إقليمي دارفور وكردفان مأوى مؤقتا لهم في مخيم العَفَّاضْ، بعيدا عن ويلات القصف والمجازر التي تركوها خلفهم، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم.

يحمل النازحون في خيام – لا تقيهم برد الشتاء – قصص فقد وألم ونجاة، ويواجهون ظروفا معيشية قاسية مع اكتظاظ المخيم الذي يضم أكثر من 22 ألف شخص، يكافحون لتأمين الاحتياجات الأساسية، خاصة الغذاء والتعليم للأطفال.

آلاف الرجال والنساء والأطفال حملوا ما تبقى من أعمارهم، وقطعوا مسافات طويلة، بحثا عن أمان فقدوه في ولايات دارفور وكردفان، التي تمزقها حرب تحصد الأرواح وتشرد الآلاف.

وجوه أنهكها الجوع والتعب من رحلة الهروب الطويلة، ارتسمت على ملامحها مأساة وقصص الفقد والألم وكذلك النجاة.

** الدبة

وفي الدبّة بالولاية الشمالية التي تبعد 350 كيلومترا عن العاصمة الخرطوم، أقيم مخيم العَفَّاضْ للنازحين العام الماضي لاستيعاب 180 شخصا نزحوا جراء الحرب المستعرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ومع تصاعد القتال وامتداد رقعته، تحول المخيم إلى مركز رئيسي للنازحين خصوصا عقب اجتياح قوات الدعم السريع مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب) في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، حيث فر الآلاف إلى الدبة على بعد 1200 كيلومتر من الفاشر.

** انتهاكات الدعم السريع

وفي أكتوبر الماضي استولت “الدعم السريع” على الفاشر، وارتكبت مجازر في حق مدنيين، بحسب ما أفادت منظمات محلية ودولية، وسط تحذيرات من تكريس تقسيم جغرافي للسودان.

وأمام الفظائع المرتكبة، أقر قائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو (حميدتي) بحدوث ما أسماها مجرد “تجاوزات” من قواته في الفاشر، مدعيا تشكيل لجان تحقيق.

وفي 7 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وثقت شبكة أطباء السودان، تعرض 19 امرأة للاغتصاب “على يد أفراد ينتمون لقوات الدعم السريع” أثناء نزوحهن من الفاشر إلى الدبة.

وفي 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نددت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بـ”جرائم قوات الدعم السريع”، مؤكدة أن الاغتصاب “يستخدم عمدا وبشكل منهجي”.

** أعداد متزايدة بالعَفَّاضْ

وحسب تصريحات سابقة لمنسقة الشئون الإنسانية للأمم المتحدة ديتس براون، فإن العَفَّاضْ بلغ طاقته القصوى باستضافة 3 آلاف أسرة، فيما تقول السلطات السودانية إن المخيم يستضيف أكثر من طاقته الاستيعابية بأكثر من ألف أسرة.

ويعيش في المخيم أكثر من 4 آلاف أسرة، تضم نحو 22 ألف شخص، يحاولون البقاء على قيد الحياة في ظروف تُلبّى فيها الاحتياجات الأساسية بصعوبة بالغة.

وقدم معظم النازحين من الفاشر، إلا أن بالمخيم مدنيين آخرين من إقليمي كردفان ودارفور، حيث ما تزال الاشتباكات مستمرة، وقد اضطر هؤلاء إلى ترك منازلهم وذكرياتهم وأحبّتهم خلفهم.

ورغم توفير الاحتياجات الأساسية بالحد الأدنى، لا تزال العديد من المتطلبات الحيوية، وعلى رأسها التعليم للأطفال، تنتظر الدعم والتأمين.

** جانب من المأساة

فخر الدين محمد رجب، يقول لمراسل الأناضول إن قوات الدعم السريع كانت تقصف الفاشر بالمدافع باستمرار، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من السكان.

ويضيف رجب بحسرة: “بسبب القصف فقدنا كثيرا من الأسر (..) كنت أسكن في حي الإنقاذ بمدينة الفاشر وتعرضنا للقصف، والحمد لله استطعنا أن نصل إلى الأمان”.

ويتابع: “رأيت هناك مشاهد يصعب وصفها، كانت أمورا مؤلمة جدا، رأيت أطفال وأمهات ودماء”، صمت لبرهة، ثم قال: “لكن الحمد لله”.

ويردف قائلا: “كانوا (عناصر الدعم السريع) يأخذون أي شيئ ثمين وكذلك الهواتف ولا يتركون شيئا”.

يقول الرجل بنبرة لا يفارقها الحزن: “لم أجد أيًّا من أطفالي. لا أعلم إن كانوا أحياء أم أمواتًا”.

** “لم أجد أيًّا من أطفالي”

أما فاطمة أحمد موسى، فتقول: “أنا من حي الصفاء في الفاشر. لم أجد أيًّا من أطفالي. لدي ستة أبناء وبنتان مفقودون”.

وتوضح: “لا أعلم إن قُتلوا أم ما زالوا على قيد الحياة، خرجت مع أحد أبنائي وأطفاله الثلاثة، وبفضل أهل الخير تمكّنا من الوصول”.

وتضيف موسى: “أشعر بالإعياء، وأدعو الله أن يجمعني بأولادي سالمين”، معربة عن شكرها للمحسنين الذين يوفّرون الطعام للنازحين في المخيم.

** “زوجي قُتل أمامي”

مأساة أخرى عاشتها إشراقة التوم، التي كانت تسكن حيّ القُبّة في الفاشر، والتي تروي كيف قُتل زوجها أمامها.

تقول: “خرجنا تحت الرصاص، وعندما زاد القصف توجهنا إلى حي الدرجة الأولى، ثم إلى منطقة كُرمة ومنها إلى منطقة قرنة (شمال دارفور)، ثم إلى حمرة الشيخ (شمال كردفان)، التي وصلناها على متن جرار”.

وتضيف: “قُتل زوجي عندما سقطت عليه قذيفه أثناء تواجدنا في حي الدرجة الأولى بالفاشر، مات أمامنا”.

وتؤكد التوم سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في الفاشر، جراء قصف الأحياء بكثافة، ما أجبرهم على الفرار.

وتضيف: “في ذلك الوقت كنا أحيانا لا نأكل، أما الآن فهنا (في العَفَّاضْ) يتم تقديم أشياء بسيطة، والوضع الحالي أفضل من السابق”.

ومنذ أبريل/نيسان 2023 تحارب قوات الدعم السريع الجيش السوداني بسبب خلاف بشأن دمج الأولى بالمؤسسة العسكرية، ما تسبب بمجاعة ضمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، فضلا عن مقتل عشرات آلاف السودانيين ونزوح 13 مليون شخص.

وتسيطر “الدعم السريع” كل مراكز ولايات إقليم دارفور الخمس غربا، من أصل 18 ولاية بعموم البلاد، بينما يسيطر الجيش على أغلب مناطق الولايات الـ13 المتبقية بالجنوب والشمال والشرق والوسط، وبينها العاصمة الخرطوم.

ويشكل إقليم دارفور نحو خمس مساحة السودان البالغة أكثر من مليون و800 ألف كيلومتر مربع، غير أن معظم السودانيين البالغ عددهم 50 مليونا يسكنون في مناطق سيطرة الجيش.

كيف وصلت أسلحة ألمانية لقوات الدعم السريع؟

تتحدث تقارير إعلامية عن ظهور أسلحة ألمانية الصنع في السودان. فأي نوع من الأسلحة تلك التي تستعمل في حرب أهلية ضارية؟ وكيف وصلت إلى هناك

تشن ميليشيا قوات الدعم السريع حربا ضارية في السودان، وترصد بعض التقارير وجود أسلحة أوروبية لديها. تقرير حول الموضوع نشره موقع تاغس شاو، تحدث عن أدلة مصورة حللها موقع “ريبورت ماينز” الألماني، توضح أن الميليشيا تمتلك أسلحة من ألمانيا.

ويذكر موقع تاغس شو الألماني، أن “ريبورت ماينز” حلل مقاطع فيديو وصور، يُعتقد أنها التُقطت في السودان، وتعود إلى المراحل الأولى من الحرب. تُظهر إحدى الصور رجلا يرتدي زي قوات الدعم السريع وهو يحمل بندقية. وقد تمكنت صحيفة “ريبورت ماينز” من تحديد هويته، وقد كان موجودا في العاصمة السودانية الخرطوم وقت التقاط الصورة.

 تكتسب الصورة أهميةً كبيرةً، إذ يشير التعليق إلى أن السلاح المستخدم هو بندقية G36C من إنتاج شركة “هيكلر آند كوخ” الألمانية. كما تعرّف خبراء الأسلحة على البندقية خلال محادثاتهم مع “ريبورت ماينز”، وكذلك في مقطعي فيديو آخرين يُزعم أنهما يُظهران نوعًا آخر من بندقية G36 في السودان.

كيف وصلت أسلحة ألمانية لأيدي مقاتلين في السودان؟

ردّت “هيكلر آند كوخ” على استفسار من “ريبورت ماينز”، وجاء الجواب كما ذكره موقع تاغس شاو، أن “الأسلحة المصورة في الصور تبدو وكأنها أنواع مختلفة عن بندقية G36. ومع ذلك، لا تُتيح الصور إمكانية للوصول إلى أي استنتاجات موثوقة، أي لا يمكننا تقييم ما إذا كانت الأسلحة المصورة قد وصلت إلى مثل هذا الصراع دون معرفة رقمها التسلسلي، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف حدث ذلك؟”.

بالنسبة لخبير الأسلحة مايك لويس: “من الواضح أن القوات في السودان تتلقى إمدادات مُستمرة من المعدات، جوًا وبرًا”.ولويس الذي أجرى سابقًا أبحاثا عن السودان لصالح الأمم المتحدة، يعتبر أن “كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمركبات العسكرية وغيرها دخلت السودان”. وتتحدث تقارير كثيرة عن وجود أسلحة أوروبية أخرى في السودان، منها قذائف هاون من بلغاريا.

مزاعم ضد الإمارات العربية المتحدة

ماكس موتشلر باحث في شؤون النزاعات في المركز الدولي لدراسات النزاعات في بون (BICC) يرى أنه من الملحوظ عموما في العديد من الحروب الأهلية في القارة الأفريقية “أن الأسلحة تنتقل من منطقة نزاع إلى أخرى”. وينطبق هذا أيضا على السودان، سواء بالنسبة للقوات الحكومية أو ميليشيات الدعم السريع المتمردة. علاوة على ذلك، تم تصدير قاذفات قنابل G36 إلى عدة دول خارج أوروبا.

ظهرت أسلحة أوروبية بشكل متكرر في السودان خلال الحرب الأهلية، وقد تمكنت قناة فرانس 24 التلفزيونية الفرنسية من تتبع مصدر قذائف الهاون التي عُثر عليها في الصحراء السودانية باستخدام مذكرة تسليم، والتي حصل عليها موقع “ريبورت ماينز” أيضا. ووفقًا للمذكرة، تم تسليم القذائف من بلغاريا إلى شركة في الإمارات العربية المتحدة، ولا يزال من غير الواضح كيف وصلت إلى السودان.

تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع لسنوات، لكنها نفت ذلك في بيان لموقع “ريبورت ماينز”. تقرير موقع “تاغس شاو” يرى أن هناك مؤشرات على وجود نظام أسلحة منشأه الإمارات، وانتهى به المطاف في السودان، ومنها ناقلة الجنود المدرعة التي تصنعها شركة “نمر أوتوموتيف”.

وتُظهر لقطات من السنوات الست الماضية، والتي حللها موقع “ريبورت ماينز”، المدرعة على الطرق السودانية. ووفقًا لمراقبين، تلعب هذه المدرعات دورا مهمًا في الحرب الأهلية، وخاصة بالنسبة لقوات الدعم السريع.

مسار يؤدي إلى ألمانيا

عُثر على تكنولوجيا أوروبية على متن المركبات التي وُجدت في السودان وداخلها: نظام دفاع من فرنسا ومحرك مُصنّع خصيصًا في إنجلترا. قادت التحقيقات التي أجراها موقع “ريبورت ماينز” إلى شركة ألمانية تُدعى “ويباستو”، وهي شركة مُصنّعة لتقنيات التدفئة وتكييف الهواء، وقد سبق لها تقديم حلول للتحكم في مشاكل المناخ.

ورفضت “ويباستو” التعليق على أسئلة مُحددة، لكنها أوضحت سياستها العامة في التصدير: “نُبرم عقود التوريد بشرط الالتزام الصارم بحظر الأسلحة المعمول به من قِبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدولة المُصدّرة المعنية”. ولم تُجب شركة “نيمر أوتوموتيف” على أسئلة “ريبورت ماينز”.

ودعا أديس أحمدوفيتش، المتحدث باسم السياسة الخارجية في الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، الحكومة الألمانية إلى اتباع نهج مختلف تجاه صادرات الأسلحة، قائلاً: “إذا اتضح أن جهات أجنبية تستخدم أسلحة ألمانية، فيجب إعادة النظر في هذا الأمر”.

وذكرت الوزارة الاتحادية للشؤون الاقتصادية والطاقة، رداً على استفسار من “ريبورت ماينز”، أنها “لم تتوصل إلى نتائج مستقلة تتعلق بالسؤال المطروح”. وأوضحت الوزارة أنها لم تتحقق من أماكن وجود الأسلحة المُسلّمة إلى الإمارات العربية المتحدة إلا مرة واحدة منذ عام 2017، دون العثور على أي مشاكل.

المصدر: DW

مصر والإمارات بين التعاون الاستراتيجي والتباين الجيوسياسي: قراءة في خضم تحولات الخليج

في وقت تشهد فيه العلاقات بين السعودية والإمارات تقلبات واضحة على خلفية ملفات اليمن والسودان والساحل الأفريقي، تتكشف أمام المراقبين مساحة من التباين الاستراتيجي بين مصر والإمارات، رغم استمرار التحالف الرسمي والتعاون الاقتصادي بينهما. هذه التباينات تتجلى بشكل واضح في ملفات السودان وليبيا وسد النهضة والتقارب الإماراتي الإسرائيلي، ومؤخرا أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ككل.

السودان: محور حساس لتباينات القاهرة وأبو ظبي

منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اتخذت القاهرة موقفا داعما للجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، معتبرة أنه الضامن لاستقرار الدولة وحماية مصالح مصر المائية والأمنية.

في المقابل، وجهت اتهامات لدولة الإمارات العربية المتحدة بأنها حاولت استخدام نفوذها لدى قوات الدعم السريع، لتوجيه المشهد السياسي بما يخدم مصالح أبو ظبي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

الحاجة إلى وساطات متعددة الأطراف ظهرت مع تدخل السعودية والولايات المتحدة ضمن ما يعرف بـ”الآلية الرباعية”، التي دعمتها مصر. لكن مع استمرار أبو ظبي في دعم الأطراف التي تجدها القاهرة “خطرا على أمنها القومي”، يعكس حساسية الملف السوداني وتأثيره المباشر على التوازن الإقليمي وعلى العلاقة الاستراتيجية المفترضة بين مصر والإمارات.

سد النهضة: أزمة مائية واستراتيجية

يعتبر سد النهضة الإثيوبي أحد أكثر الملفات إثارة للتباين بين مصر والإمارات. القاهرة تعتبر السد تهديدا وجوديا كونه يمس حصتها من مياه النيل، التي تقدر بنحو55.5  مليار متر مكعب، وقلقها يتركز على تأثيرات السد على حصص المياه خلال سنوات الجفاف.

في الإطار، يبدو أن مصر أخذت على الإمارات موقفها في الأزمة، الذي تبنت فيه “موقفا وسطيا” بالدعوة للتفاوض حول الملف، دون التعبير عن دعم صريح لموقف مصر من القضية، مثل الموقف السعودي، في مواجهة أديس أبابا. هذا التباين في الأسلوب والنهج يعكس مسافة في التنسيق الاستراتيجي، بالرغم من استمرار الحوار الدبلوماسي بين الطرفين.

ليبيا: تقاطع المصالح وتباين السياسات

في ليبيا، تحتل القاهرة وأبو ظبي مواقف متقاربة جزئيا، خصوصا في دعم جهود استقرار طرابلس وحماية الأمن الحدودي لمصر. إلا أن الاختلاف يظهر في الطرق والأدوات، مصر تركز على التنسيق مع الجيش الوطني الليبي (حفتر) والسلطات المدنية (طرابلس) لضمان استقرار حدودها الغربية، بينما سعت الإمارات إلى لعب دور أوسع في بنية السلطة، بما يشمل دعم أطر سياسية ومجتمعية مختلفة لتعزيز نفوذها المحلي.

هذا التباين لم يتجاوز الخطاب الرسمي لكنه يخلق مساحات توتر في بعض القرارات العملية، خصوصًا في إدارة الموارد والتأثير العسكري في المنطقة الغربية من ليبيا.

التقارب الإماراتي الإسرائيلي تحت مجهر القاهرة

من القضايا المثيرة للانتباه التقارب الإماراتي مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقيات التطبيع في 2020، والذي توسع ليشمل مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة.

القاهرة، رغم استمرار التنسيق مع أبو ظبي، تراقب عن كثب هذه التطورات، خصوصا حين يمكن أن تؤثر على ملفات حساسة مثل الأمن البحري أو استقرار البحر الأحمر، أو في أي مفاوضات إقليمية قد تتعلق بسيناريوهات أمنية مشتركة.

تأثير الخلاف السعودي الإماراتي

لا يمكن فهم المشهد المصري الإماراتي بمعزل عن “الخلافات” السعودية الإماراتية في اليمن والسودان.

السعودية، التي ترتبط مع مصر بعلاقات تقليدية واستراتيجية في العديد من المجالات الإقليمية، وجدت نفسها أمام سياسات إماراتية مستقلة، خاصة في ملفات تتعلق بالتحالفات المحلية والنفوذ على الأرض.

هذا التوتر بين الرياض وأبو ظبي يغذي بدوره قراءات حول وجود فجوة بين القاهرة وأبو ظبي، حتى وإن ظلت العلاقات على المستوى الرسمي بعيدة عن الانهيار.

ما الذي يمكن استنتاجه؟

مما سبق، تستمر العلاقات الرسمية بين مصر والإمارات مستقرة وثابتة خاصة على مستوى الاستثمارات والمشروعات المشتركة، مثل الطاقة والبنية التحتية.

إلا أن التباين الاستراتيجي في ملفات السودان وليبيا وسد النهضة، والتقارب الإماراتي الإسرائيلي والخلاف السعودي الإماراتي، كلها عوامل أساسية ستزيد من تعقيد المشهد، وستنعكس بالضرورة على العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي، وفقا لمراقبين.

لكن حتى اللحظة، يبدو أن لعبة التوازن التي أتقنتها القاهرة على مدى عقود من الزمن ما زالت هي الحاكمة، وهي القائمة أساسا على حماية أمن مصر القومي ومصالحها الجيوسياسية، بأقل قدر ممكن من المواجهة أو التصعيد.

فضيحة “آرش دو زوي”.. الثغرة الإنسانية التي فتحت أبواب الاتجار بالأطفال باسم الإغاثة

الخرطوم – نجامينا – باريس | إعداد: حاتم المدني

بعد مرور ثمانية عشر عاماً على واحدة من أفظع الوقائع في تاريخ العمل الإنساني بأفريقيا، ما تزال فضيحة “آرش دو زوي” (L’Arche de Zoé)، التي بدأت في صحارى تشاد وامتدت إلى قاعات القضاء الفرنسي، تمثل درساً قاسياً في هشاشة الرقابة الدولية على أنشطة الإغاثة في مناطق النزاع، وحكاية لم تكتمل فصولها بعد بالنسبة لعشرات الأطفال الذين خُطفوا باسم الرحمة.

في عام 2007، مثل اليوم كانت دارفور تتصدّر عناوين الأخبار بوصفها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، ومع تزايد صور النزوح والجوع، وجد عشرات النشطاء الأوروبيين في المأساة بوابةً نحو “التدخل الإنساني المنقذ”، إلا أن واحدة من تلك المبادرات تحوّلت إلى عملية اتجار بالبشر عابرة للحدود تحت غطاء الإغاثة، قادتها منظمة فرنسية غير حكومية تُعرّف نفسها بأنها “منقذة للأطفال”.

من نوايا الإغاثة إلى خديعة إنسانية

تأسست جمعية “آرش دو زوي” مطلع 2004 في باريس على يد رجل الإطفاء الفرنسي إيريك بروتو، الذي اكتسب شهرة أثناء عمليات الإغاثة بعد كارثة تسونامي في آسيا. قدّمت الجمعية نفسها كمنظمة غير ربحية تعمل لحماية الأيتام من مناطق النزاعات والكوارث الطبيعية.
لكن التحول المريب بدأ عندما أعلنت في صيف 2007 عبر موقعها الإلكتروني عن “خطة إنقاذ لأطفال دارفور”، مع حملة تبرعات واسعة في فرنسا وبلجيكا تحت شعار “أنقذوا أطفال دارفور قبل فوات الأوان”، زاعمة نيتها نقل حوالي 10 آلاف طفل إلى أسر فرنسية وأوروبية “كفيلة برعايتهم وتربيتهم”.

في الظاهر، حمل المشروع نوايا نبيلة. لكن الوثائق والتحقيقات اللاحقة كشفت أن الجمعية لم تحصل على ترخيص من السلطات السودانية أو التشادية، وأنها اعتمدت على وسطاء محليين لجمع الأطفال من مخيمات اللاجئين على الحدود. أحد هؤلاء الوسطاء أقرّ لاحقاً أمام المحكمة بأنه سلّم نحو ستين طفلاً “مقابل مبالغ محددة”، بناءً على وعود زائفة بأنهم سينتقلون إلى مدارس أوروبية آمنة.

لحظة الانكشاف: الطائرة التي أوقفت المشروع

في 25 أكتوبر 2007، أوقفت السلطات التشادية في مدينة أبيشي شرقي البلاد طائرة بوينغ كانت تستعد للإقلاع تقلّ 103 أطفال.
كان أعضاء المنظمة يحملون أوراقاً صادرة باسم برنامج إغاثي مزعوم، ويستعدون لنقل الأطفال إلى فرنسا عبر إسبانيا. إلا أن شكوك مسؤولين محليين وإفادات بعض السكان كشفت سريعاً أن معظم الأطفال ينحدرون من عائلات تشادية فقيرة وليست لهم أي علاقة بدارفور.

بعد ساعات من التحقيق، بدأت تتكشف الحقيقة: الأطفال لم يكونوا أيتاماً، وأُعدّت لهم وثائق هوية مزورة، بينما دفعت بعض الأسر الفرنسية ما بين 1700 إلى 9000 دولار لـ”كفالة” أحد هؤلاء الأطفال المزعومين كأيتام حرب.
وانفجر الغضب في نجامينا، وتحركت الشرطة لتوقيف ستة من أعضاء الجمعية، من بينهم بروتو وشريكته إيميل بريشارد، إضافة إلى عدد من المتعاونين الإسبان والبلجيك.

أزمة دبلوماسية بين باريس ونجامينا

الفضيحة لم تقتصر على الجانب الإنساني. فقد تطورت سريعاً إلى أزمة فرنسية – تشادية من العيار الثقيل.
في حين أصرت حكومة تشاد على محاكمة المتهمين وفق القانون المحلي بتهمة محاولة اختطاف ونقل قسري لأطفال عبر الحدود، تدخل الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي مباشرة، وقام بزيارة عاجلة إلى نجامينا، عاد بعدها إلى باريس مصطحباً عدداً من المتهمين الأجانب من غير الفرنسيين.

لكن القضاء التشادي أصدر أحكاماً قاسية بالسجن ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة ضد ستة فرنسيين، وتعويضات بلغت 25 مليون دولار لأسر الأطفال. ورغم أن ساركوزي ضغط لاحقاً لتسليمهم إلى فرنسا، حيث خفف القضاء الفرنسي العقوبة إلى السجن مع وقف التنفيذ، إلا أن الشق المعنوي للفضيحة بقي حاضراً، وأُغلقت منظمة “آرش دو زوي” نهائياً بعد أن أصبحت عنواناً للفشل الأخلاقي في العمل الإنساني.

موقف الأمم المتحدة: “لا رحمة خارج القانون

أدان صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) العملية بشدة، ووصفت المسؤولة الأممية آنذاك آن فينمان الحادث بأنه “خارج عن كل الأعراف والقوانين الدولية”، مضيفة:

“من غير المقبول أن يُنتزع الأطفال من أوطانهم دون استيفاء الإجراءات القانونية. ما حدث يهدد جوهر الثقة في العمل الإنساني بأفريقيا.”

كما أشارت تقارير صادرة لاحقاً عن الأمم المتحدة إلى أن معظم الأطفال الذين جرى تهريبهم كانوا يعيشون مع أحد والديهم على الأقل، مما يعني أن المنظمة استغلت فوضى الحرب لتبرير عملية نقل قسري مغلف بشعارات التعاطف.

الأطفال الذين لم يُعرف مصيرهم بعد

بعد مرور ثمانية عشر عاماً، لا يزال الغموض يلفّ مصير بعض الأطفال الذين لم يُستردوا أو حتى يُعرف مكان وجودهم.
تؤكد منظمات حقوقية في تشاد أن عدداً من الضحايا اختفوا من السجلات الرسمية، وأن العائلات لم تتلقَّ أي تعويض مادي.
يقول موسى إسحق، أحد آباء الأطفال الذين أُخذوا آنذاك:

“قالوا إنهم سينقلون ابني إلى مدرسة في فرنسا، لكنني لم أره منذ ذلك اليوم. كأن الأرض ابتلعته. يريدوننا أن ننسى، لكننا لن ننسى.”

الجانب الفرنسي التزم الصمت بعد العفو الرئاسي، بينما فضل بعض المشاركين السابقين في الجمعية تغيير أسمائهم أو العمل في مؤسسات أخرى. ومع غياب اعتراف رسمي بالمسؤولية، ظلت العدالة بالنسبة للأسر التشادية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

دروس لم تُستخلص… وتهديدات مستمرة

التحقيقات التي أجرتها لاحقاً لجان أوروبية ومنظمات رقابية خلصت إلى نتائج مقلقة:

  • ضعف آليات الإشراف على المنظمات غير الحكومية الفرنسية العاملة خارج الحدود.

  • تواطؤ غير مباشر من بعض الجهات الحكومية التي سهلت التنقل والدعم اللوجستي.

  • غياب المعايير الأخلاقية الواضحة عند إدارة حملات التبني والإغاثة في مناطق النزاعات.

ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان عام 2023 وتجدد موجات النزوح نحو تشاد، عادت المخاوف من تكرار مثل هذه العمليات تحت غطاءات “العمل الخيري”. فقد رصدت منظمات دولية حالات احتيال جديدة تتعلق بكفالة الأطفال واللاجئين في مناطق النزاع، ما أعاد إلى الأذهان فصول قضية “آرش دو زوي” كتحذير من أن التاريخ قد يعيد نفسه إن لم تُفرض رقابة صارمة وشفافية كاملة على أنشطة المنظمات الأجنبية.

بين دارفور ونجامينا وباريس… جرح لم يندمل

فضيحة “آرش دو زوي” لم تكن مجرد حادث موسمي في سجلّ الجمعيات. إنها نقطة سوداء في تاريخ العمل الإنساني الغربي، تكشف كيف يمكن للخير المعلن أن يُستخدم ستاراً للجريمة المنظمة.
وحتى اليوم، تبقى في الذاكرة صور الأطفال الواقفين في مطار أبيشي، والدموع في عيون الأمهات التشاديات اللواتي ودّعن أبناءهن إلى المجهول، وأملٌ لا يزال معلقاً على تحقيق عدالة ربما لن تأتي.

“أنقذوا الأطفال”، كان شعار الحملة قبل 18 عاماً… لكن أحداً لم يسأل: من سينقذهم من المنقذين أنفسهم؟

المصدر: اليراع

السودان 2025: من سلة غذاء العالم إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم

تحول ما بدأ كصراع على السلطة في السودان إلى كارثة شاملة طالت البشر ولم يسلم منها الحجر، حيث نزح أكثر من 14 مليون شخص للعام الثالث على التوالي، وانهارت أنظمة الصحة والتعليم، وأضحى الأمن الغذائي كارثة حاقت بسكان بلد كان يوصف قديما بأنه “سلة غذاء العالم العربي”.

وضاقت الأرض بما رحبت على ملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم وسبل عيشهم في حرب لم تبقِ ولم تذر.

ووفقا لتقرير أعده للجزيرة يوسف خطاب فإن انعدام الأمن الغذائي أثر على أكثر من 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف السكان، في تطور كارثي غير مسبوق.

وارتفعت نسبة الفقر من 21% في عام 2022 إلى 71% حاليا، في ظل تدهور الخدمات العامة وتراجع دخل الأسر وفقدان معظم السكان لسبل كسب العيش ومصادر الدخل.

وأصبح نحو 30 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية، أي ما يمثل 64% من السكان وفق تقديرات الأمم المتحدة.

ويترافق هذا مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع حاد في القوة الشرائية للجنيه السوداني، ما يجعل الحياة اليومية صراعا من أجل البقاء لملايين الأسر.

كما أدى الركود الاقتصادي  إلى ارتفاع البطالة لمستويات غير مسبوقة، مع تسريح عشرات الآلاف من العاملين في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات.

وتوقفت آلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عن العمل، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي في أغسطس/آب الماضي، سجل السودان أعلى معدل بطالة في العالم بنسبة تجاوزت 60% من القوى العاملة.

وأظهرت بيانات منظمة الهجرة الدولية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن 86% من الأسر تعاني صعوبات في شراء احتياجاتها بسبب انخفاض الدخل وارتفاع التضخم واضطراب الأسواق المحلية.

ورجحت تقارير اقتصادية أن ينكمش حجم اقتصاد السودان بنسبة تصل إلى 42%، وأن يتراجع من 56 مليارا و300 مليون دولار أميركي في عام 2022 قبل الحرب، إلى 32 مليارا و400 مليون دولار بنهاية العام الجاري، ما يعني أن السودان سينتج أقل من 60% مما كان ينتجه قبل الحرب.

معاناة إنسانية

وعلى صعيد المعاناة الإنسانية، نقل مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد من مدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان صورا مروّعة من داخل مخيمات النزوح.

وشهد العام الماضي تدفقات هائلة للنازحين على عدة مخيمات تحولت إلى بؤر من البؤس والمرض، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 8 ملايين من السودانيين من ديارهم بسبب الحرب.

ومن جهة أخرى، أكد مجلس الطفولة في السودان تعثر المسار التعليمي لنحو 12 مليون طفل بسبب الحرب.

وفي إطار الاحتياجات الإنسانية العاجلة، أشار عاملون في الإغاثة إلى الحاجة الماسة لتدخلات عاجلة تلبي احتياجات الوافدين، خاصة الإيواء والكساء في فترة الشتاء القاسية.

ويحتاج النازحون إلى وسائل التدفئة والبطانيات والسترات والغذاء والعلاج، لكن ما تقدمه المنظمات الإنسانية لا يكفي احتياجات تبدو متزايدة رغم جهود رسمية وأهلية لتخفيف وطأة المعاناة المستمرة.

وشهد السودان حربا اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إثر خلافات حول دمج الأخيرة في القوات المسلحة، وبدأ القتال في العاصمة الخرطوم وامتد إلى أنحاء مختلفة في البلاد.

المصدر: الجزيرة

مراسلو الجزيرة نت:السودان يودع عاما من المواجهات العسكرية ويستقبل آخر بأمل انتهاء الحرب

الخرطوم- يودع السودان عاما بقيت فيه الحرب مستمرة في البلاد، وزادت معاناة الشعب حزنا وألما وتشردا وشظفا في العيش، بعد انتقال المواجهات العسكرية من عاصمة البلاد ووسطها إلى غربها، ليبقى التفاؤل حذرا بأن يحمل العام الجديد أملا في بلوغ الأمن والسلام رغم قتامة المشهد العسكري والسياسي.

وشهد العام 2025 تحولات جوهرية في خريطة السيطرة الميدانية، حيث انتقل النزاع من الاشتباكات وتبادل السيطرة إلى مرحلة الترسيخ الإقليمي، مما أدى إلى واقع إداري وجغرافي جديد.

وخلقت التفاعلات العسكرية كتلتين في شرق البلاد وغربها، حيث بات الجيش السوداني مسيطرا على ولايات الشمال والوسط والشرق والعاصمة، بينما تنتشر قوات الدعم السريع في إقليم دارفور وأجزاء من ولايات كردفان الثلاث.

ومع اقتراب الحرب من نهاية عامها الثالث، تصاعدت الاتهامات بالتدخل الخارجي المباشر في حرب السودان، مما دفع قوى دولية وإقليمية ومراكز بحث إلى توصيف ما يجري بأنه حرب بالوكالة، حيث دخلت البلاد أسلحة متطورة وأعداد كبيرة من المرتزقة الأجانب، وبات الصراع يهدد الاستقرار الإقليمي وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وساحله.

من الدفاع للهجوم

استطاع الجيش خلال 6 أشهر -منذ تحوله من حال الدفاع إلى الهجوم- أن يحدث تحولا عسكريا لافتا بإعادة السيطرة على ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة في وسط البلاد في يناير/كانون الثاني 2025، بعد أكثر من عام على دخول قوات الدعم السريع للمدينة.

وبعدما كانت قوات الدعم السريع تنتشر في أكثر من ثلثي مساحة ولاية الخرطوم، وتسيطر على مواقع عسكرية وسيادية أبرزها القصر الرئاسي، وأخرى حكومية مثل مجلس الوزراء وأغلب مقار الوزارات، تمكن الجيش من طردها منها خلال 3 أشهر، حتى خرج منها آخر مسلح في مايو/أيار 2025.

وخلال الفترة ما بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار الماضيين خرج الجيش منتصرا من معارك العاصمة وولايتي الجزيرة وسنار، مستفيدا من تراجع قوات الدعم السريع وتدهور الروح المعنوية لمقاتليها.

كما تمكن من إحراز تقدم سريع، واستعاد سيطرته على مناطق مهمة، منها مدينتا أم روابة والرهد، وفتح الطريق القومي بين الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان وولاية النيل الأبيض في وسط البلاد، حتى وصل إلى مدن كازقيل والحمادي والدبيبات في ولاية جنوب كردفان وهو في طريقه لفك الحصار عن الدلنج ثاني أكبر مدن الولاية.

ومع الزخم الذي صاحب العمليات في إقليم كردفان، توجّهت العمليات بكاملها إلى أم صميمة والخوي والنهود في ولاية غرب كردفان والجنوب من مدينة الأبيض، وباتت التوقعات تشير إلى اقتراب الزحف نحو دارفور لإنهاء حصار الفاشر من قبل قوات الدعم السريع.

البرهان حط بطائرته داخل مطار الخرطوم وأعلن من القصر الجمهوري “تحرير الخرطوم” (مواقع التواصل)

غير أن عمليات الجيش شهدت جمودا في كردفان استمر نحو 3 أشهر، حسب الخبير العسكري أبو بكر عبد الرحيم، الذي أرجع ذلك إلى احتمالات أبرزها:

  • خطأ في تقديرات غرفة القيادة والسيطرة بإعداد قوات جديدة، وتجميع القوات التي شاركت في معارك العاصمة وولايتي الجزيرة وسنار.
  • نقص في الأسلحة والمعدات والعسكرية والمركبات القتالية، والقيام بعمليات تكتيكية انتظارا لوصول الإمداد العسكري.
  • الركون إلى مساع خارجية بطرح وساطات لوقف الحرب، مما أدى إلى تباطؤ العملية العسكرية والتراخي في التعبئة بعد تحرير الخرطوم.

ويرى الخبير العسكري عبد الرحيم في حديثه للجزيرة نت أن الجيش كان بإمكانه التوغل في عمق غرب كردفان وجنوبها والوصول إلى الفاشر إذا استغل انهيار قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة ثم هروبها من الخرطوم، لكنه سمح لها بالتقاط أنفاسها وترتيب أمورها والحصول على أسلحة متطورة، مما مكنها من تحقيق اختراقات مؤثرة في دارفور وكردفان.

مجزرة مسجد الفاشر حيث استهدفت طائرة مسيّرة مصلين خلال صلاة الفجر (مواقع التواصل)

مكاسب وخسائر

كان الحدث العسكري الأبرز في الربع الأخير من العام هو استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد حصار استمر نحو عامين، مما أدى الى إحكام سيطرتها على الإقليم عدا 3 محليات في شماله لا يزال الجيش والقوة المشتركة مسيطرين عليها، إضافة لمواقع أخرى توجد بها قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور.

لكن ما حققته قيادة الدعم السريع من مكاسب عسكرية في الفاشر دفعت ثمنه سياسيا وأخلاقيا، بإدانات دولية واسعة واتهامات بتصفية عرقية إثر ارتكاب قواتها مجزرة راح ضحيتها أكثر من ألفي مواطن خلال يومين، وارتفع العدد إلى 15 ألفا حسب تقديرات حكومة الإقليم.

وحفزت السيطرة على الفاشر قوات الدعم السريع على التقدم والسيطرة على مدينة بابنوسة في ولاية غرب كردفان في أوائل ديسمبر/كانون الأول الجاري، قبل انسحاب الجيش من منطقة هجليج النفطية، الأمر الذي أدى إلى خروج الولاية من قبضة القوات العسكرية السودانية وتحولها إلى أول ولاية في إقليم كردفان تخضع لسيطرة كاملة للدعم السريع.

هذا التطور أعاد رسم ميزان القوى في كردفان، وفتح الباب أمام تصعيد عسكري في الإقليم الحيوي الذي يربط العاصمة وولايات وسط البلاد مع دارفور، حيث بدأت قوات الدعم السريع بنقل تعزيزات كبيرة إلى الجنوب، الذي يشهد بالفعل عمليات قصف وهجمات مشتركة مع الحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، لاستهداف مدينتي الدلنح وكادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان المحاصرتين.

ولا تزال قوات الدعم السريع تنتشر في بارا وأم قرفة وجبرة الشيخ وأم سيالا شرق ولاية شمال كردفان، وتسعى لإعادة حصار مدينة الأبيض التي صارت مركز قيادة متقدم للجيش، وتستهدف أيضا قطع الطريق القومي الذي يربط المدينة مع ميناء بورتسودان لخنقها على طريقة الفاشر.

ويبدو أن الجيش يعد لعملية شتوية لقلب الطاولة، حيث أعلن عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة ياسر العطا، أنهم يعدون أكبر قوة عسكرية لتحرير إقليمي كردفان ودارفور، مؤكدا امتلاك الجيش أسلحة نوعية قادرة على إحداث تحول في مسار المعارك.

وأوضح العطا في خطاب بثه في 16 ديسمبر/ كانون الأول الجاري أن “تدمير العدو أصبح بيدنا”، مشيرا إلى أن البلاد ستشهد أحداثا كبيرة خلال الأيام المقبلة، وأن الشعب السوداني مدعو للاستعداد للاحتفالات القادمة، في إشارة إلى ما وصفه بالانتصارات المرتقبة على أرض المعركة.

عام المسيرات

أظهرت العمليات العسكرية خلال الشهور الماضية استخدام قوات الدعم السريع طائرات مسيرة متطورة على نطاق واسع، مما حقق لها تفوقا نوعيا، كما حصلت على منظومات تشويش ودفاع جوي حيدت طيران الجيش المقاتل في سماء دارفور، وأسقطت طائرات شحن عسكرية فوق الفاشر وبابنوسة.

وأوضح الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد حاتم كريم الفلاحي لقناة الجزيرة أنه خلال العام الأول للحرب 2023 نفّذ الجيش السوداني 280 ضربة بالمسيّرات على مواقع الدعم السريع، مقابل 10 ضربات فقط نفّذتها الدعم السريع.

لكنّ الوضع تبدّل بين عامي 2024 و2025، حيث تمكّنت الدعم السريع -بفعل المساعدات التي حصلت عليها- من تنفيذ ضربات على أماكن بعيدة وصلت حتى سواحل البحر الأحمر، مما يؤكد أن قدراتها وإمكاناتها العسكرية اختلفت وتطورت خلال هذه الفترة.

ووفقا للفلاحي، فإن الصور الفضائية التي أظهرت أنواعا مختلفة من المسيّرات المصنوعة في الصين، تجعل احتمال حصول الدعم السريع عليها بواسطة دول تتعامل مع الصين في مجالات التسليح واردا جدا، رغم أن صفقات التسليح بين الدول تحمل شروطا واضحة تحدد كيفية استخدام هذه الأسلحة.

ولفت إلى تقارير تؤكد حصول قوات الدعم السريع على مسيّرات معدّلة من صربيا، إضافة إلى الدعم الذي كان تتلقاه من مجموعة فاغنر الروسية منذ العام 2023 حتى منتصف 2024.

كما كشفت منصة القدرات العسكرية السودانية القريبة من الجيش أن الدعم السريع استخدمت في هجومها الأخير على الفاشر، طائرات مسيرة تم توجيهها بتقنية الألياف البصرية عبر “كيبل فايبر” دقيق يستطيع أن يمتد من الأرض حتى الهدف لأقصى مسافة تصل حتى 20 كيلومترا، لتدمير الدفاعات المتقدمة للقوات الصامدة بدلا من طرق التوجيه التقليدية.

وأكدت المنصة انتقال عناصر وخبرات قتالية غير نظامية من الساحة الأوكرانية إلى داخل السودان، وهو ما يعرف بانتقال الخبرة القتالية، وهي انتقال التكتيكات وأساليب القتال والخبرات التشغيلية للمنظومات من ساحة حرب نشطة الى أخرى عبر أفراد ومجموعات شاركت بالفعل في القتال في أوكرانيا.

وترى المنصة العسكرية المتخصصة أن النقل السريع للتكنولوجيا أدى إلى:

  • تسريع قدرات قوات الدعم السريع دون المرور بالمراحل التطويرية البطيئة التي تخضع لها الجيوش النظامية.
  • اختلال ميزان المعركة في بعض الجبهات نتيجة انتقال خبرات “ميدان ساخن” إلى بيئة جديدة أخف حدة.
  • تحويل السودان إلى ساحة اختبار لتقنيات قتالية وشبكات مقاتلين عابرة للحدود، وهو سلوك يهدد الأمن الإقليمي والدولي.
  • توسع قدرة المليشيا على تنفيذ ضربات دقيقة وعمليات نوعية، كانت تتطلب سابقا تدريبا ووقتا وإمكانات صناعية غير متوفرة محليا.

وفي المقابل حصل الجيش السوداني أيضا على طائرات مسيرة جديدة خلال العام، مكنته من استهداف خطوط إمداد قوات الدعم السريع في منطقة المثلث التي تربط السودان بليبيا ومصر، مما دفعها إلى تحويل خطوط إمدادها إلى تشاد.

كما أوقعت مسيرات الجيش خسائر بقوات الدعم السريع، خاصة وسط القادة الميدانيين في دارفور وكردفان، مستهدفة طائرات شحن في مطار نيالا ومستودعات أسلحة وأنظمة دفاع جوي وتشويش، ومعسكرات لتدريب المقاتلين الجدد.

عضو مجلس السيادة ياسر العطا أكد امتلاك الجيش أسلحة نوعية قادرة على إحداث تحول في مسار المعارك (وكالة السودان للأنباء)

سيناريوهات محتملة

يقول الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر إن الطرفين استنزفا قدرتهما على تحقيق حسم عسكري شامل، وتوقع أن يبدأ الجيش حملة عسكرية خلال أسابيع في كردفان لتحسين موقفه التفاوضي، تزامنا مع الحراك الدولي والإقليمي لوقف الحرب.

ويقول الخبير الأمني للجزيرة نت إن المؤشرات تتجه إلى استخدام أكثر للمسيرات لخلق تفوق جوي، مع منع تقدم الجيوش في مختلف المحاور، مما يعني شل حركة الطرف الآخر.

وحسب الخبير فإن مطلع العام الجديد سيشهد تغييرا في طبيعة الحرب، سواء من الاستنزاف وضرب خطوط الإمداد، أو من التمدد على الأرض في المدن وتأمين نفوذ سياسي وجغرافي.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (يمين) طلب من الرئيس الأميركي ترامب التدخل بشكل قوي جدا لحلّ قضية السودان (واس)

انتعاش سياسي

وعلى الصعيد السياسي انتعشت الجهود السياسية لوقف الحرب بعد جمود أكثر من عام، منذ تعليق مفاوضات جدة في نهاية العام 2023.

وفي 12 سبتمبر/أيلول الماضي، طرحت المجموعة الرباعية -التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات- خطة تدعو إلى هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقالية جامعة وشفافة خلال 9 أشهر، تحقق تطلعات الشعب السوداني نحو حكومة مدنية مستقلة.

وفي السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلنت قوات الدعم السريع في السودان موافقتها على الهدنة، في حين ردت الحكومة السودانية برؤيتها التي سلمتها إلى الأمم المتحدة في فبراير/شباط الماضي، وحملت مطالبها للسلام.

وبطلب من وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تحدّث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قضية السودان أمام منتدى الاستثمار الأميركي السعودي، الذي استضافته واشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، حيث قال ترامب إن الأمير طلب منه أن يتدخّل لحلّ قضية السودان بشكل قوي جدا.

وزار رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الرياض ثم القاهرة في منتصف ديسمبر/كانون الأول الجاري، وناقش مع ولي العهد السعودي مقترحات جديدة لإنهاء الحرب في البلاد، كما بحث مع الرئيس عبد الفتاح السيسي فرص تسوية الأزمة.

ويرجح مراقبون أن تشهد الشهور الأولى من العام الجديد تطورات إيجابية نحو توقف البنادق، وإقرار هدنة تفتح الباب لإنهاء الحرب وإنجاز ترتيبات أمنية وعسكرية وسياسية تعبر بالبلاد إلى مرحلة جديدة.

حكومة الأمل

ظل منصب رئيس الوزراء في البلاد خاليا منذ استقالة رئيس الحكومة عبد الله حمدوك في بداية عام 2022، وخلال هذه الفترة تقاسم أعضاء مجلس السيادة العسكريون والمدنيون الإشراف على الوزارات، التي كلّف غالبية وكلائها بتسيير مهام الوزراء، بينما ظل 5 وزراء يمثلون الحركات المسلحة في مواقعهم.

وسبق اختيار منصب رئيس الوزراء مصادقة المجلس التشريعي المؤقت -المكون من مجلسي السيادة والوزراء- على تعديلات على الوثيقة الدستورية أقرت في فبراير/شباط الماضي، سمحت لرئيس مجلس السيادة المؤقت عبد الفتاح البرهان تسمية رئيس وزراء مع امتلاك سلطة عزله.

وفي 31 مايو/أيار الماضي، أدى كامل إدريس اليمين الدستورية رئيسا جديدا لمجلس الوزراء أمام البرهان، الذي أصدر في 19 من الشهر ذاته مرسوما بتعيينه.

وبعد شهور على تسلم إدريس مهامه، تصاعدت في المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي انتقادات لأداء الحكومة الجديدة التي أطلق عليها إدريس “حكومة الأمل”، في تطور يعكس الفجوة بين تطلعات المواطنين ودور الحكومة بتحسين أوضاعهم التي تأثرت بالحرب المستمرة في بلادهم.

الوضع الإنساني

بحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة، يواجه ما لا يقل عن 21.2 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما نزح 9.5 ملايين داخليا، وفرّ ما يزيد عن 4 ملايين و35 ألف شخص إلى خارج البلاد، في حين حُرم نحو 10 ملايين طفل من التعليم، بعد تدمير المدارس أو احتلالها أو تحولها إلى مناطق غير آمنة.

بينما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير حديث عن انخفاض عدد النازحين داخليا في السودان بنسبة 19%، مقارنة بأعلى مستوى سبق تسجيله، ومشيرة إلى أن الانخفاض شمل 12 ولاية من أصل 18.

كما ارتفع عدد العائدين بنسبة 16% مقارنة بشهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث سجلت المنظمة عودة نحو 2,4 مليون شخصا من النزوح الداخلي، وهو ما يمثل 21% من أعلى عدد مسجل للنازحين داخليا في السودان.

المصدر: الجزيرة

رويترز تكشف دور حليف الامارات حفتر في فتح خط إمدادات عسكرية للدعم السريع عبر الكفرة الليبية

القاهرة/نيروبي 22 ديسمبر كانون الأول (رويترز) – قال أكثر من 12 مسؤولا عسكريا ومخابراتيا ودبلوماسيا إن مهبطا للطائرات في منطقة نائية بجنوب شرق ليبيا غيّر شكل الحرب في السودان من خلال توفير طوق نجاة لقوات الدعم السريع.

وتخوض مليشيات الدعم السريع قتالا ضد الجيش السوداني منذ أبريل نيسان 2023 بعد خلاف حول كيفية دمج قواتهما. وأسفر الصراع منذ ذلك الحين عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين وتفشي المجاعة في جميع أنحاء البلاد.

ونشأت الدعم السريع من ميليشيا “الجنجويد” التي حشدتها الحكومة السودانية قبل 20 عاما لإخضاع ولاية غرب دارفور.

وقال المسؤولون إن الإمدادات العسكرية التي أرسلت عبر مهبط الطائرات في الكفرة، الذي يبعد نحو 300 كيلومتر من الحدود السودانية، أسهمت في تعزيز قدرات قوات الدعم السريع بعد استعادة الجيش السوداني للعاصمة الخرطوم في مارس آذار. ولعب خط الإمداد هذا دورا محوريا في فرض الدعم السريع لسيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر تشرين الأول، مما مكنها من زيادة نفوذها في دارفور وأفسح المجال أمام سلسلة من الانتصارات في جنوب السودان.

ويسيطر قائد عسكري ليبي متحالف مع الإمارات، التي يتهمها خبراء من الأمم المتحدة والكونجرس الأمريكي بدعم قوات الدعم السريع، على منطقة الكفرة الصحراوية الشاسعة. وتنفي الإمارات دعم أي من طرفي النزاع في السودان.

ويخضع المطار، الذي لم يكن مستخدما إلى حد كبير قبل هذا العام، لعملية تجديد واسعة النطاق، واستقبل عشرات من رحلات الشحن منذ الربيع، بالتزامن مع تواجد كبير لقوات الدعم السريع في جنوبه، وذلك بحسب ما يظهر في تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع الرحلات ومنصات التواصل الاجتماعي.

وقال مسؤول في الأمم المتحدة مطلع على عمليات قوات الدعم السريع، والذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن استخدام الجماعة للكفرة “غير قواعد اللعبة بأكملها” من خلال توفير قناة للإمدادات والمقاتلين لتعزيز الحصار الذي دام 18 شهرا على مدينة الفاشر.

وقال جاستن لينش، المدير الإداري لشركة “كونفليكت إنسايتس جروب” لتحليل البيانات، إنه رصد ما لا يقل عن 105 عمليات هبوط لطائرات شحن في مطار الكفرة بين أول أبريل نيسان وأول نوفمبر تشرين الثاني، وذلك من خلال ربط صور الأقمار الصناعية ببيانات تتبع الرحلات الجوية. ولم يتسن لرويترز التحقق من هذا الرقم بشكل مستقل.

وأضاف “نمط وموقع و(نوع) الطائرات” والرحلات الجوية إلى الكفرة “ترتبط بدعم الإمارات لقوات الدعم السريع. أصبحت الكفرة وجنوب ليبيا مركزا لوجستيا هاما للجماعة شبه العسكرية”.

وللإمارات مصالح اقتصادية في السودان، حيث كانت تخطط لضح استثمارات بمليارات الدولارات في ميناء مطل على البحر الأحمر وأراض زراعية سودانية قبيل اندلاع الحرب الأهلية. كما تربطها علاقات بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، الذي أرسل آلاف الجنود للقتال إلى جانب الإمارات في اليمن.

ولم ترد الإمارات على طلبات للتعليق. كما لم ترد قوات الدعم السريع، التي تنفي تلقيها أي دعم من الإمارات، على أسئلة رويترز.

ودأب الجيش السوداني على اتهام الدعم السريع بالحصول على إمدادات عسكرية عبر ليبيا. وفي سبتمبر أيلول، قدم شكوى إلى الأمم المتحدة قال فيها إن مرتزقة كولومبيين سافروا عبر الكفرة لدعم الجماعة شبه العسكرية.

ويسيطر الجيش الوطني الليبي، بقيادة خليفة حفتر، على شرق ليبيا وجنوبها حيث يقع المطار. ونفى مرارا دعم قوات الدعم السريع، أو الانحياز لأي طرف في الصراع السوداني.

ولم يتسن لرويترز التواصل مع قيادة الجيش الوطني الليبي للحصول على تعليق. وقال مسؤول عسكري في الجيش الوطني الليبي في الكفرة، طلب عدم الكشف عن هويته، إن رحلات الشحن الجوي إلى الكفرة نقلت مدنيين وجنودا ورجال شرطة من مطارات أخرى في شرق ليبيا وإليها. ونفى وجود مقاتلين من قوات الدعم السريع في المنطقة.

وقال المسؤول “ليس لنا أي علاقة بالنزاعات في الدول المجاورة”.

وللوقوف على حجم عملية الكفرة، تواصلت رويترز مع 18 مسؤولا دبلوماسيا وعسكريا ومخابراتيا ومع غيرهم من المسؤولين من الدول الغربية والأفريقية و14 خبيرا في الشؤون الإقليمية والعسكرية.

وفي أكتوبر تشرين الأول، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الإمارات كثفت إمدادات الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر ليبيا والصومال. ونقدم لأول مرة تفاصيل دور المطار في هذا القضية.

* التحول المحوري في ليبيا

تشهد ليبيا انقساما مستمرا منذ سنوات بين فصيلين متنافسين، كلاهما متهم بتهريب الأسلحة والمخدرات والمهاجرين. ووفقا لتقرير صادر في الأول من ديسمبر كانون الأول عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، فإن وحدات محلية تابعة للجيش الوطني الليبي، الذي سيطر على شرق ليبيا بدعم من الإمارات قبل نحو عشرة أعوام، تربطها علاقات تهريب قوية مع عناصر من قوات الدعم السريع.

وبحسب تقرير من خبير بالأمم المتحدة، فإن بعض مقاتلي الجيش الوطني الليبي ساعدوا، بعد اندلاع الحرب في السودان بفترة وجيزة، في نقل شحنات عسكرية إلى الحدود، بعد وصولها إلى الكفرة جوا من بنغازي. لكن تقدم الجيش سرعان ما عطل مسار النقل، وعاد المطار إلى حالة الإهمال.

وقال مسؤولون وخبراء إن اهتمام قوات الدعم السريع بالكفرة تجدد بعد أن أدى الضغط السياسي في العام الماضي إلى تعقيد مهمة استخدام خط إمداد عبر مهبط طائرات ناء في شرق تشاد، وهو أقرب بكثير إلى خطوط المواجهة في دارفور.

وبحلول شهر يناير كانون الثاني، أظهرت صور خدمة كوبرنيكوس الفضائية بناء مخيم على بعد نحو 80 كيلومترا إلى الجنوب من الكفرة. وذكر مركز مرونة المعلومات (سي.آي.آر)، وهو منظمة غير ربحية مقرها بريطانيا، في تقرير صدر في يوليو تموز، أنه رصد وتتبع مركبات ومقاتلين من قوات الدعم السريع في المخيم إلى دارفور.

وجاء أيضا في تقرير المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود أن انسحاب قوات الدعم السريع من الخرطوم نقل مركز ثقل الحرب إلى دارفور، مما جعل إعادة فتح خطوط الإمداد من ليبيا أمرا حتميا.

وذكرت لوثيقة دبلوماسية غربية أرسلت إلى دول غربية أخرى في سبتمبر أيلول واطلعت عليها رويترز أنه بعد أن تمكنت قوات الدعم السريع من استعادة مناطق حدودية رئيسية في يونيو حزيران، أصبح “الممر الليبي” “نقطة محورية رئيسية” لعمليات الإمداد لها.

* دور الكفرة يتزايد

بحلول مايو أيار، كان مطار الكفرة قد خضع بالفعل لتجديد شامل. وبدأت شركتان محليتان للطيران تسيير رحلات مع بنغازي في يونيو حزيران.

وتزايد عدد طائرات الشحن الكبيرة على المدرج. ولم تكن أي منها ظاهرة في صور خدمة كوبرنيكوس للعام الماضي، وكانت تظهر كل ثلاثة إلى خمسة أيام تقريبا.

لكن في شهر أبريل نيسان، ظهرت واحدة على الأقل في ست من أصل سبع صور.

وارتفعت أعداد هذه الطائرات طيلة فصل الصيف، وخلال الأسابيع التي سبقت سقوط الفاشر، وكان من الممكن رؤية ما يصل إلى خمسة منها في آن واحد.

وتظهر بيانات تتبع الرحلات الجوية من موقع فلايت رادار24 أن بعض رحلات الشحن على الأقل إلى الكفرة تم تشغيلها بواسطة شركات طيران سبق اتهامها بالضلوع في تهريب الأسلحة من الإمارات.

وجرى تشغيل طائرة إليوشن-76، والتي حلقت إلى الكفرة من دبي في الخامس من يونيو حزيران، بواسطة شركة سابسان للطيران المحدودة التابعة لقرغيزستان.

وذكر تقرير لخبراء الأمم المتحدة صدر في مايو أيار 2022 بشأن ليبيا أن شركة الطيران قامت بتسيير رحلات جوية “للإمداد المباشر وغير المباشر بالمعدات العسكرية وغيرها من المساعدات” كجزء من جسر جوي إلى حفتر في مطلع العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين.

وحلقت الطائرة ذاتها إلى الكفرة في 12 يوليو تموز قادمة من بوصاصو في منطقة بونتلاند بالصومال، حيث دربت الإمارات قوات الأمن المحلية وقدمت التمويل لها. وتنفي الإمارات استخدام المطار لتقديم الدعم لقوات الدعم السريع.

وأظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية ومنشورات على منصات التواصل الاجتماعي هبوط طائرتين من طراز إليوشن تابعتين لشركة فلاي سكاي إيرلاينز، وهي شركة طيران قرغيزية أخرى متهمة في تقرير الأمم المتحدة بتهريب الأسلحة من الإمارات إلى حفتر، في الكفرة.

وبحسب تحليل سابق لرويترز، قامت الطائرتان بما لا يقل عن ست رحلات جوية لكل منهما من الإمارات إلى أم جرس، وهو مهبط طائرات يقع شرق تشاد. وأشار خبراء الأمم المتحدة في تقرير صدر في يناير كانون الثاني 2024 إلى اتهامات “ذات مصداقية” بأن الإمارات كانت تزود قوات الدعم السريع بالأسلحة عبر هذا المدرج، وهو ما نفته الإمارت.

ولم ترد فلاي سكاي على طلبات للتعليق. وقال موظف في شركة سابسان للطيران في اتصال هاتفي إن الشركة سيتم إغلاقها. وأحال الاستفسارات إلى مالكها في الإمارات، وهي شركة بو شامس. ولم ترد بو شامس على المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني التي تطلب التعليق.

اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان 3 مراحل و8 بنود

الاناضول

– في 15 يوليو 1976 وقعت القاهرة والخرطوم اتفاقية الدفاع المشترك التي تتضمن 8 بنود
– في أبريل 1989 أعلن رئيس وزراء السودان حينها إلغاء الاتفاقية بحسب تقارير صحفية سودانية دون بيان مصري رسمي
– السيسي والبرهان دعوا خلال لقائهما بالقاهرة الخميس إلى تفعيل الاتفاقية 

أعاد الحديث المصري السوداني عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، التذكير بالمراحل التي مرت بها الاتفاقية، لا سيما أنها تتزامن مع تصعيد “قوات الدعم السريع” ضد الجيش السوداني.

والخميس، قال وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية عثمان خالد، في بيان، إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة بالسودان عبد الفتاح البرهان، دعوا خلال لقائهما في القاهرة، إلى تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك في ظل التحديات الماثلة.

ووفق رصد الأناضول لمعلومات تاريخية وبيانات وتصريحات وتقارير صحفية بالبلدين، مرت الاتفاقية التي تبلغ مدتها 25 عاما قابلة للتجديد 5 سنوات بـ3 محطات رئيسية، بدءا بتوقيعها أول مرة عام 1976، ثم إعلان سوداني منفرد بإلغائها في 1989 وسط خلافات سياسية داخلية، وصولا لبحث آليات تفعيلها.

وفي 15 يوليو/ تموز 1976، وقعت مصر والسودان الاتفاقية التي جاء فيها، أن الخرطوم والقاهرة “إزاء التحديات التي تواجهها الأمة العربية، وتعميقا للتعاون الذي تهدف إليه معاهدة الدفاع المشترك، اتفقتا على عقد اتفاقية الدفاع المشترك لتحقيق هذه الغايات”.

** 8 بنود

وتتضمن الاتفاقية 8 بنود، هي:

أولا: “تعتبر الدولتان المتعاقدتان كل اعتداء مسلح يقع على أي منهما أو على قواتهما المسلحة اعتداءً عليهما، ولذلك فإنهما تلتزمان بأن تبادر كل منهما إلى معونة الدولة الأخرى التي وقع عليها الاعتداء، وأن تتخذ الدولتان معا وعلى الفور جميع التدابير، ويستخدم كل منهما ما لديه من وسائل، بما في ذلك استخدام القوات المسلحة لردع العدوان وردّه”.

ثانيا: “تتبادل الدولتان المعلومات، وتتشاوران في حال حصول عدوان مفاجئ أو قيام حالة مفاجئة يُخشى خطورتها، وتبادر الدولتان على الفور إلى توحيد خططهما وحركتهما”.

ثالثا: “ضمانا لفاعلية هذه الاتفاقية، ينسق الطرفان خطط وأساليب تطوير قواتهما المسلحة، بما يكفل استيعاب أحدث الأسلحة المتقدمة”.

رابعا: “قررت الدولتان المتعاقدتان إنشاء الأجهزة الكفيلة بتنفيذ هذه الاتفاقية ومنها: مجلس الدفاع المشترك، وهيئة الأركان المشتركة”.

خامسا: “يتكون مجلس الدفاع من وزراء الخارجية والحربية (الدفاع)، وهو المرجع الأعلى لهيئة الأركان المشتركة، ويختص بوضع الأسس والمبادئ العامة لسياسة تعاون البلدين في كافة المجالات، لمنع وردع الاعتداء عليهما”.

كما “يضع مجلس الدفاع التوصيات اللازمة لتوجيه وتنسيق نشاط الدولتين لخدمة المجهود الحربي المشترك، والتصديق على قرارات هيئة الأركان المشتركة”.

و”يجتمع المجلس دوريا كل ستة أشهر مرة في القاهرة وأخرى في الخرطوم بالتناوب، أو كلما دعت الظروف، حسب تقدير أي من الدولتين”.

سادسا: “تتألف هيئة الأركان المشتركة من رئيس أركان القوات المسلحة في البلدين، ومن عدد متساوٍ من ضباط الأركان في كل منهما حسب ما يقرره مجلس الدفاع”.

و”تختص هيئة الأركان بإعداد الخطط والدراسات الكفيلة برفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة في البلدين، وتطويرها في مجالي التسليح والتدريب، وعرض ما يلزم عرضه من هذه الخطط والدراسات على مجلس الدفاع للتصديق عليها”.

كما “تجتمع الهيئة دوريا كل ثلاثة أشهر، أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك بطلب من أحد رئيسي أركان الدولتين”.

سابعا: “مدة الاتفاقية 25 سنة، وتتجدد تلقائياً لمدة خمس سنوات ما لم تخطر إحدى الدولتين المتعاقدتين الدولة الأخرى برغبتها في الانسحاب منها قبل سنة من تاريخ انتهاء المدة”.

ثامنا: “يصدق على هذه الاتفاقية وفق الأوضاع الدستورية في كلا الدولتين المتعاقدتين، ويتم تبادل وثائق التصديق بوزارة خارجية السودان، وتعتبر نافذة ابتداءً من تاريخ تبادل وثائق التصديق، وإثباتاً لما تقدم تم التوقيع على هذه الاتفاقية وختمها بخاتمي الدولتين”.

** دعم مسار الاتفاقية

من 7 إلى 10 سبتمبر/ أيلول 1976: عقد مجلس الدفاع المشترك المنصوص عليه بالاتفاقية اجتماعاً بالقاهرة.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1976: عقدت هيئة الأركان المشتركة المنصوص عليها بالاتفاقية اجتماعها الأول في الخرطوم، ووقعت خلاله اتفاقية لدعم التعاون العسكري بين البلدين.

وبين 23 و25 أبريل/ نيسان 1977، عقدت الهيئة اجتماعها الثاني في القاهرة.

وفي 12 أكتوبر/ تشرين الأول 1982، تم إعلان ميثاق التكامل العسكري بين مصر والسودان، ويتضمن تأكيد أهمية تنفيذ استراتيجية دفاعية وأمنية واحدة، غير أن رئيس السودان حينها جعفر النميري قال بعد 15 يوما، إن الإعلان هدفه إدماج مسارح العمليات في البلدين من الشمال إلى الجنوب، دون تأكيد مصري.

** قرار سوداني منفرد

حديث النميري أثار مخاوف من التدخل المصري في الشأن الداخلي الذي كان تحت وطأة الصراعات، حيث بدأت أصوات سودانية تطالب بإلغاء هذا الاتفاقية.

وفي 21 فبراير/ شباط 1987، وقع رئيس وزراء السودان حينها الصادق المهدي مع نظيره المصري عاطف صدقي، “ميثاق الإخاء”، دون أن ينص صراحة على إلغاء الاتفاقية أو يقترب منها.

وفي 2 أبريل 1989، أعلن الصادق المهدي إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، باعتبارها وقعت في عهد النميري، بحسب تقارير صحفية سودانية، دون بيان مصري رسمي.

** عودة الزخم

لكن السنوات التي تلت أزمة سد النهضة الإثيوبي الذي بدأ تدشينه في 2011، شهدت عودة غير مباشرة لنصوص اتفاقية الدفاع المشترك، بزيادة الاجتماعات والاتفاقيات العسكرية في مخاطر مشتركة جراء السد.

ففي نوفمبر 2011، اتفق الجانبان السوداني والمصري على تشكيل قوات مشتركة وإقامة دوريات على الحدود، مهمتها مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة وضبط الحدود، وحسم مظاهر الانفلات وفرض الأمن والاستقرار، وذلك خلال مباحثات عسكرية بين البلدين بالعاصمة الخرطوم.

وفي مارس/ آذار 2021، وقع جيشا البلدين اتفاقية عسكرية تهدف إلى “تحقيق الأمن القومي السوداني والمصري”.

وشملت بنودا تتعلق بتعهد الطرفين بالتعاون لمواجهة التهديدات التي تمس الأمن القومي للبلدين، والتزام مصر بتلبية احتياجات الجيش السوداني في مجالات التدريب والخبرات الفنية، والتنسيق المشترك لحماية الحدود الممتدة بين البلدين، في عودة لروح اتفاقية الدفاع المشترك.

وبقي الغموض يلف مصير اتفاقية الدفاع المشترك حتى أمس الخميس، حينما أُعلن رسميا عن بحث آليات تفعيلها.

الإعلان تزامن أيضا مع الكشف عن “خطوط حمراء” لمصر في السودان، طالبت بـ”عدم المساس بها أو تجاوزها”، وفق بيان وكيل وزارة الخارجية.

وأكدت القاهرة أن “الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني من أهم هذه الخطوط الحمراء، بما في ذلك عدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان”.

كما شددت على أن “الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها خط أحمر آخر لمصر”.

وردا على ما أثير بشأن إلغاء الاتفاقية، قال رئيس هيئة الاستعلامات المصرية، ضياء رشوان الخميس، إن اتفاق الدفاع المشترك بين مصر والسودان قائم، ويشمل مواجهة أي أخطار أو تهديدات تمس أمن البلدين.

يأتي ذلك بينما تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” منذ أسابيع، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.

وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بسبب خلاف بين الجيش و”الدعم السريع” بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، وهو ما خلف مقتل عشرات آلاف السودانيين ونزوح 13 مليون شخص.

تفاعل واسع مع “الخطوط الحمراء” لمصر بالسودان

إسطنبول/ الأناضول

-“الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته وعدم إقامة كيانات موازية” خطوط حمراء حددتها الرئاسة المصرية
-النائب مصطفى بكري: الإعلان يعني أن مصر لن تتخلى عن السودان ولن تفرط بأمنه القومي
-الكاتب خالد محمود: الإعلان قوي اللهجة ورسالة تهديد
-الأكاديمي حسان علي: البيان تكشير عن أنياب مصر ويضع السودان في موقعه الحقيقي
ـ الكاتب أحمد الدريني: أعنف بيان رسمي مصري منذ عقود

أثار إعلان الرئاسة المصرية، الخميس، “خطوطا حمراء” بشأن التطورات في السودان تفاعلا في البلاد، خاصة وأن تلك التحذيرات تطرح لأول مرة منذ بدء الحرب بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” قبل أكثر من عامين.

ورأى أكاديميون وإعلاميون مصريون أن إعلان القاهرة عن تلك الخطوط الحمراء “قوي اللهجة” وبمثابة “تكشير عن الأنياب”، وتلويح بالعمل العسكري إلى جانب الجيش السوداني.

وتزامن الإعلان مع زيارة رئيس مجلس السيادة بالسودان عبد الفتاح البرهان، إلى القاهرة، بدأها الخميس، وتستمر يوما واحدا، التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وسط احتدام القتال في بلاده المتاخمة للحدود المصرية من الجنوب.

** الخطوط الحمراء

وفي وقت سابق الخميس، أعلنت الرئاسة المصرية، في بيان “خطوطا حمراء لا يمكن السماح بتجاوزها أو التهاون بشأنها، باعتبار ذلك يمس الأمن القومي المصري”.

الرئاسة أكدت أيضا حق مصر الكامل في اتخاذ “كافة التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي، والالتزام باتفاقية الدفاع المشترك مع السودان (الموقعة منذ 1976)، لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها”.

وأكدت أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني “من أهم هذه الخطوط الحمراء” بما في ذلك عدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان.

كما جددت الرئاسة المصرية “رفضها القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه”.

وشددت على أن “الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بهذه المؤسسات خط أحمر آخر لمصر”.

** تحذير مصري

من جانبه، تفاعل النائب مصطفى بكري، مع تحذيرات القاهرة، وقال في تدوينة عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية: “مصر تشدد على أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها، خط أحمر آخر لمصر، وهذا موقف واضح ومحدد وجاد”.

وشدد بكري، على أن تحذير بلاده من عدم تجاوز الخطوط الحمراء يعني أنها “لن تسمح لأي قوى غير شرعية بالمساس بالمؤسسات السودانية، وفي مقدمتها المساس بمؤسسة الجيش، وأن أمن السودان هو امتداد للأمن القومي المصري”.

كما لفت إلى أن بلاده “لن تتخلى عن السودان، ولن تفرط في أمنه القومي”، مؤكدا أن “هذا ما أبلغه الرئيس السيسي للفريق البرهان خلال لقائه به”.

**موقف غير مسبوق

بدوره، قال الإعلامي أحمد موسى، في تدوينة عبر المنصة ذاتها، إن هذه الخطوط بالنسبة للوضع في السوداني تعلن للمرة الأولى.

وأضاف موسى، أن “البيان الذى صدر عن مصر يحدد المسار القادم للأزمة السودانية، وللمرة الأولى تضع مصر 3 خطوط حمراء في السودان لن تتهاون فيها، ولن تسمح بتجاوزها لأنها تمس الأمن القومي المصري والمرتبط بشكل وثيق بأمن السودان”.

واعتبر “هذه الرسائل تشير بوضوح إلى التصدي لمحاولات إشعال الموقف داخل السودان، فمصر تريد وقف الحرب، وتدعم كافة الجهود التي تبذل لحقن دماء الشعب السوداني الشقيق، لكنها لن تسمح أبدا بتفتيت السودان أو إقامة كيانات موازية، لأن هذا يمس الأمن القومي المصري”.

**لهجة قوية

الكاتب خالد محمود، كان له موقف مشابه، وقال عبر ذات المنصة، إن بيان الرئاسة “قوي اللهجة”، مشيرا إلى أن بلاده “رسمت خطوطا حمراء لا تهاون فيها، وترتبط مباشرة بأمنها القومي المرتبط بالسودان، وعلى رأسها الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، مع رفض قاطع لانفصال أي جزء أو إنشاء كيانات موازية”.

وأضاف: “أعتقد أن هذه رسالة تهديد، وليست تحذيرا شديد اللهجة فقط من مصر، وهي موجهة ضد أي محاولات لتقسيم السودان أو تقويض مؤسساته، مع تلميح مباشر لإمكانية التدخل العسكري إذا لزم الأمر، في دعم واضح للبرهان والجيش السوداني، وسط التوترات المستمرة مع ميليشيات الدعم السريع”.

وأشار إلى أن “هذا تطور لافت للانتباه في طريقة التعامل المصرية على أعلى مستوى، وفيه رفع مستوى اللهجة، وكأن مصر تقول بوضوح أن مخططات تقسيم السودان لن تمر، وأن أصحابها سيدفعون الثمن”.

** تكشير أنياب

أما الأكاديمي حسان علي، فاعتبر البيان الرئاسي “تكشير عن أنياب مصر”.

وأوضح علي، في منشور عبر منصة “فيسبوك” الأمريكية، أن الخطوط الحمراء “تضع السودان في موضعها الحقيقي المؤثر من الأمن القومي المصري”.

وعلى النحو ذاته، رأى الكاتب أحمد الدريني، أن “البيان الرسمي بعد لقاء السيسي والبرهان، شديد العنف في لهجته، ويتحدث علانية عن أن أي تغيير في جغرافية السودان سيعني تدخل مصر بصورة عسكرية صريحة، وفقا لاتفاق الدفاع المشترك بين البلدين”.

وأضاف الدريني، عبر فيسبوك: “أعتقد أن هذا أعنف بيان رسمي مصري منذ عقود، وعنفه يتوجه ضد أطراف ووكلاء وفاعلين مختلفين”.

**مرحلة الإنذار

ومتحدثا عن “تغيير قواعد الاشتباك”، قال المحلل السياسي محمد وزان، عبر المنصة ذاتها، إن بلاده انتقلت من “مرحلة المناشدة لمرحلة الإنذار”.

بينما قال المؤثر لؤي الخطيب، عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية: “اليوم السودان وغدا لبنان، والسياسة واحدة: تعزيز الأمن والاستقرار وتغليب الحلول السياسية”.

وأضاف الخطيب، أن “بيان الرئاسة اليوم عن السودان تضمن خطا أحمر واضحا يحذر من تقسيم السودان أو المساس بأمنه”.

وشدد على أن بلاده “لا تُخرب، ولا تُفسد ولا تستغل الظروف لتحقيق مصالح هدّامة من أبواب خلفية، وفي النهاية تربح”.

** تصاعد الوضع بالسودان

وفي 12 سبتمبر/ أيلول الماضي، دعت “الرباعية” التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، إلى هدنة إنسانية أولية مدتها 3 أشهر في السودان، لتمكين دخول المساعدات الإنسانية العاجلة إلى جميع المناطق تمهيدا لوقف دائم لإطلاق النار.

وتشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” منذ أسابيع، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.

ومن أصل 18 ولاية في البلاد، تسيطر قوات “الدعم السريع” على ولايات دارفور الخمس غربا، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، الذي يفرض نفوذه على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.

وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة منذ أبريل/ نيسان 2023 بسبب خلاف بين الجيش و”الدعم السريع” بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، وهو ما خلف مقتل عشرات آلاف السودانيين ونزوح 13 مليون شخص.

نقل رفات من دفنوا خلال الحرب في المنازل إلى مقابر رسمية يجدّد حزن العائلات السودانية

الخرطوم – خلال فترة الحرب في ولاية الخرطوم، اضطرت إيمان عبد العظيم إلى دفن شقيقها في فناء المنزل بمدينة بحري بمساعدة جيرانها، بعد أن أصبح الوصول إلى المقابر مستحيلا بسبب المعارك، وتقول للجزيرة نت إن حزنهم تجدد وعاشوا ألم الفقد مرة ثانية، بعد نقل رفاته إلى مقبرة عامة.

ومثل إيمان، عاشت مئات الأسر في الخرطوم مشهد دفن جثامين ذويها مرتين، الأولى كانت تحت أزيز الرصاص وفي ساحات المنازل والمدارس والمساجد وحتى الميادين العامة، حينما كان الخروج إلى المقابر الرسمية ضربا من المستحيل أثناء المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالعاصمة.

أما الثانية فتجري اليوم وسط ترتيبات رسمية وحملة حكومية تهدف إلى نقل الرفات إلى مقابر مخصصة، لتبدأ معها مرحلة جديدة من الألم.

عمال سودانيون ينبشون قبورا لاستخراج جثث مدفونة داخل مدرسة لنقلها إلى مقابر عامة للدفن (الفرنسية)

حملة منظمة

وأعلنت ولاية الخرطوم مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، بدء حملة منظّمة لحصر ونقل الرفات من مواقع الدفن الاضطراري إلى مقابر مجهزة، وشُكّلت لجانا ولائية (نسبة للولايات) ومحلية تضم ممثلين من الطب العدلي والدفاع المدني والهلال الأحمر السوداني، إضافة إلى لجان التسيير والخدمات بالأحياء.

وقال المدير التنفيذي لمحلية بحري عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن، للجزيرة نت، إن هذه الحملة تهدف إلى تخفيف العبء النفسي على الأسر وتنظيم المشهد الصحي والإنساني في الخرطوم.

ووفق عبد الرحمن، تشرف على هذه الحملة “اللجنة العليا لجمع رفات المتوفين أثناء معركة الكرامة”، وتستهدف نقلها من الميادين والأحياء السكنية.

وتعتمد عملية النقل على 4 مراحل:

  • حصر مواقع الدفن الاضطراري داخل الأحياء.
  • إبلاغ العائلات وإشراك ممثلين عنهم في كل خطوة من النبش وحتى الدفن.
  • نبش الرفات تحت إشراف مختصين من الطب العدلي.
  • إعادة الدفن في مقابر مخصصة مع توثيق كامل للبيانات.

من جهته، أوضح مدير هيئة الطب العدلي بولاية الخرطوم هشام زين العابدين -في حديث للجزيرة نت- أن عمليات نقل رفات الضحايا بدأت منذ سيطرة الجيش السوداني على الولاية، حيث قامت فرق ميدانية بدفن جثامين لمواطنين ومقاتلين في مقابر رسمية.

وأكد أن الربع الأول من العام 2026 سيشهد خلو الخرطوم بمحلياتها السبع من أي قبر مدفون خارج المقابر المخصصة، وأشار إلى تحديات تواجه عمل الفرق الميدانية المعنية بعمليات النبش والدفن، منها نقص الأكياس المخصصة للجثامين، “مما قد يؤثر على سير العمل بالصورة المطلوبة”.

الحملة يشارك فيها الطب العدلي والدفاع المدني والهلال الأحمر السوداني ولجان التسيير والخدمات بالأحياء (الفرنسية)

تخريب

وحسب زين العابدبن، قامت قوات الدعم السريع بتخريب وحدات الحمض النووي (دي إن إيه) المخصصة لحفظ عينات أعداد من الجثامين المدفونة، وهو ما صعّب مهمة التعرّف على الكثير من الضحايا، وأوضح أنهم لجؤوا لحلول بديلة من خلال ترقيم الجثامين وتوثيق مراحل الدفن، ومن ثم دفنها في مقابر جُهزت خصيصا لمجهولي الهوية.

ودعا مدير هيئة الطب العدلي الجهات الفاعلة والمنظمات والمواطنين إلى مساعدتهم في تجهيز القبور، وأكد أن العمل الذي ينتظرهم كبير ويحتاج لتضافر الجهود بين الحكومة والمواطنين.

من جانبها، قالت نائبة رئيس لجنة التسيير والخدمات بحي شمبات بمدينة بحري شيرين الطيب نور الدائم، للجزيرة نت، إن اللجنة قامت بعمليات حصر للقبور الموجودة داخل المنازل والمساجد والميادين في عدد من الأحياء، كخطوة أولية قبل وصول الفرق الطبية وبدء عمليات النبش ونقل الجثامين.

وأضافت أن الحملة انطلقت في عدد من المناطق بمدينة بحري يوم الاثنين الماضي بمشاركة الجهات الحكومية والمنظمات.

أدوار المشاركين في الحملة تشمل تحديد مواقع القبور الاضطرارية وتجميع البيانات (الفرنسية)

أدوار

وحول دورهم فيها، أفادت نور الدائم بأنهم يقومون بإبلاغ ذوي الضحايا للحضور ومتابعة الإجراءات الرسمية مع الفرق القانونية والطبية حتى تتم عملية النقل والدفن. وفي حالة عدم حضور أحد من أقارب المتوفين يتم إيقاف عملية النبش وفقا لتوجيهات عمل “اللجنة العليا لجمع رفات المتوفين”.

وتشمل أدوارهم في حملة نقل الرفات:

  • الحصر الميداني، وتحديد مواقع القبور الاضطرارية، وتجميع البيانات، والتواصل المباشر مع الأسر.
  • التنظيم الميداني ودعم الفرق في عمليات النبش والدفن.
  • التنسيق بين الفرق الميدانية وأهالي المتوفين وضمان حضور الأسرة أو ممثل عنها.

وطالبت نائبة رئيس لجنة التسيير والخدمات بحي شمبات المواطنين بالتبليغ عن أماكن وجود القبور الاضطرارية حتى تتمكن الفرق الميدانية من الوصول إليها.

وأشارت إلى أن البلاد تحتاج إلى مزيد من الجهود لاستكمال عمليات البناء وإعادة الإعمار، وأن ما يقومون به هو “عمل يمهّد لتهيئة بيئة سليمة لعودة المواطنين”.

وعلى الرغم من صعوبة أن يعيش الناس وداعا ثانيا لأحبائهم، فإن عمليات النبش ونقل رفات المتوفين تمثل في جوهرها خطوة من خطوات التعافي وإعادة ترتيب ما خلفته الحرب في ولاية الخرطوم.

 

المصدر: الجزيرة

هل يعرقل تحالف البرهان مع الإسلاميين فرص إنهاء الحرب في السودان؟

تتنوع العراقيل أمام جهود إنهاء حرب السودان المستمرة منذ نيسان/ أبريل 2023، مع تمسك قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتحالفه مع الإسلاميين، وسط تحذيرات أممية وضغوط دولية لوقف القتال واحتواء نفوذ الجماعات المتطرفة.

تواجه المساعي الرامية لوضع حد للحرب المشتعلة في السودان، العديد من العراقيل ومن أبرزها بحسب محللين، العلاقة المعقدة التي تربط قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالإسلاميين الذين يمدون قواته بالمقاتلين ويؤثرون على استراتيجية المعارك.

وتتواصل تحذيرات الأمم المتحدة ودبلوماسيين ومحللين من استحالة إنهاء الحرب ما لم توقف القوى الخارجية تدخلاتها في الصراع المستمر منذ نيسان/ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ويؤكد محللون أن تحالف البرهان مع الإسلاميين يمثل ركيزة أساسية لبقاء نحو ثلثي أراضي البلاد تحت سيطرته.

وتصر المحللة السودانية خلود خير في حديثها لوكالة الأنباء الفرنسية على أن “الإسلاميين مستاؤون للغاية من احتمال وقف إطلاق النار، فهم يريدون استمرار الحرب أطول مدة ممكنة”.

وتوضح خير أن إطالة أمد الصراع تصب في مصلحة الإسلاميين، إذ تضعف القوى المؤيدة للديمقراطية التي أطاحت حكم البشير الإسلامي عام 2019، في مشهد يزداد عسكرة بمرور الوقت.

رفض مقترحات الهدنة

وأبدى البرهان رفضه القاطع لمقترح هدنة قدمته اللجنة الرباعية الدولية بشأن السودان، موضحا أن أي اتفاق “يبقي على ميليشيا الدعم السريع” من دون تفكيك لن يلقى قبولا لدى الجيش.

وشهدت السنوات الماضية علاقة تحالف بين البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، أطاحت بالمدنيين من السلطة التي بدأت تتشكل بعد إزاحة البشير، قبل أن تتحول شراكتهما إلى صراع معلن على الحكم.

وتشير تقارير إلى أن أحد أسباب الخلاف هو إصرار البرهان على دمج قوات دقلو ـ المعروف باسم حميدتي ـ في الجيش النظامي.

الإسلاميون في المشهد السوداني

يمثل الإسلاميون في السودان مظلة لأحزاب وقادة وشبكات محسوبية نشأت في عهد الرئيس السابق عمر البشير.

وخلال العقود الماضية، ترقى البرهان ودقلو في صفوف النظام الأمني المتشعب الذي أسسه البشير، والمكون من أجهزة أمنية نظامية وجماعات مسلحة، لكن البرهان تحديدا صعد من خلال دوائر إسلامية في العاصمة لا تخفي ازدراءها لحميدتي وجماعته التي برزت خلال قمع تمرد دارفور في عهد البشير.

وبعد الإطاحة بالبشير عام 2019، تراجعت شبكات الإسلاميين التي احتضنت أسامة بن لادن في تسعينيات القرن الماضي، لكنها عادت للظهور مع اندلاع الحرب الأخيرة، إذ خرج مقربون من البشير من السجون فيما اعتبر عملية فرار، وسارع هؤلاء إلى تجنيد مقاتلين لصالح الجيش واستعادة نفوذهم السياسي.

في المقابل، يقدم دقلو الحرب باعتبارها معركة ضد “الإسلاميين المتطرفين” وبقايا نظام البشير، فيما يرى المستشار السابق للبيت الأبيض لشؤون السودان كاميرون هدسون أن قائد الدعم السريع “تبنى هذه الرواية” من الإمارات التي تنفي الاتهامات بدعمه سياسيا وعسكريا.

شيئا فشيئا

ونفى البرهان الأسبوع الماضي بشكل قاطع وجود أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في الحكومة، مؤكدا في خطاب مصور: “لا نعرف من هم، نسمع عنهم فقط في الوسائط الإعلامية”.

لكن دبلوماسيا رفيعا كشف أن البرهان أبرم في آب/ أغسطس اتفاقا سريا مع المبعوث الأمريكي مسعد بولس للتخلي “شيئا فشيئا” عن حلفائه الإسلاميين.

وبحسب الدبلوماسي الذي فضل عدم كشف هويته، يواجه البرهان موقفا معقدا “فإذا تخلى عنهم، فسيتخلون عنه، وسيخسر بالتأكيد”.

وأعقب الاجتماع السري في سويسرا قرارات بهدوء لإقالة عدد من الضباط المرتبطين بالإسلاميين، لكن هذه الخطوات توقفت، وهو ما أثار استياء الوسطاء الذين يعتبرون جماعة الإخوان المسلمين تهديدا للاستقرار.

وفي أيلول/ سبتمبر ، شددت دول اللجنة الرباعية- الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر ـ على أن “مستقبل السودان لا يمكن أن تحدده جماعات متطرفة عنيفة تابعة للإخوان المسلمين أو مرتبطة بهم”، وهي جماعات صنفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا كـ”منظمات إرهابية”.

وفي الشهر نفسه، فرضت واشنطن عقوبات على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم وكتيبة البراء بن مالك الإسلامية، في محاولة “للحد من تأثير الإسلاميين المتشددين في السودان وكبح أنشطة إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار”.

وتفيد تقارير تعود لعام 2024 بأن إيران زودت الجيش السوداني بطائرات مسيرة لعبت دورا محوريا ـ إلى جانب كتيبة البراء بن مالك ـ في العملية العسكرية التي انتهت بسيطرة الجيش على الخرطوم بعد عامين من سيطرة قوات الدعم السريع عليها.

لا خيار أمام البرهان

وتتزايد الضغوط على البرهان من داخل معسكره وفي ساحات القتال.

ويقول هدسون إن البرهان “يكافح للحفاظ على الوحدة داخل نظام صمم لمواجهة نفسه حتى لا تهدد الصراعات الداخلية سلطة البشير”.

وعلى الأرض، تتعرض قواته للاستنزاف بعد فقدان آخر معاقلها في دارفور، وسط محاولات متواصلة لوقف تقدم الدعم السريع نحو الخرطوم عبر كردفان.

كما تدفع مصر والسعودية، الجارتان الشمالية والشرقية للسودان، باتجاه تسوية سياسية باعتبار أن الحرب تمثل تهديدا لأمنهما القومي.

وتختتم خلود خير بقولها: “لم يترك أمام البرهان خيار آخر، حتى يتمكن من التخلي عن خيار الإسلاميين”.

فرانس24/ أ ف ب

فرانس 24 تكشف أن الكلور المستورد لتنقية مياه الشرب في السودان استُخدم على نحو مزعوم كسلاح غاز سام

كشفت وثائق حصرية ومقاطع فيديو تمكن فريق تحرير “مراقبون”  فرانس24 من التحقق من صحتها، أنه قد تم استخدام غاز الكلور، الذي عادة ما يُستعمل في معالجة المياه الصالحة للشرب، كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة للنفط شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، وذلك في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024. وتشير كل المعطيات التي قامت هيئة التحرير بفحصها إلى ضلوع الجيش السوداني في هذه العملية.

في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024، تم استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط التي تقع في شمال العاصمة السودانية الخرطوم. وكان الجيش آنذاك يحاول استعادة السيطرة على مصفاة النفط هذه من أيدي قوات الدعم السريع، المليشيا التي تقاتلها في حرب أهلية مستمرة منذ نيسان/أبريل 2023.

وتم إلقاء براميل تحتوي على مادة الكلور من الجو، علما أن الجيش السوداني يُعد الطرف الوحيد في النزاع الذي يستخدم الطائرات العسكرية القادرة على تنفيذ مثل هذه الغارات.

وخلص الاستقصاء الذي أجرته هيئة تحرير “مراقبون” إلى أن شركة هندية اسمها “كيمترايد إنترناشونال كوربورايشن “Chemtrade International Corporation، هي التي قامت بتصدير هذا الغاز إلى السودان. وتؤكد الأخيرة أنه كان من المقرر أن يتم استخدام هذه المادة “بهدف معالجة الماء الصالح للشرب فقط”.

وتبين أن شركة سودانية مرتبطة بالجيش السواداني، شركة الموانئ الهندسية، استوردت مادة غاز الكلور التي تم إلقاؤها على مصفاة الجيلي للنفط بين يومي 5 و 13 أيلول/سبتمبر 2024.

تم إلقاء براميل من غاز الكلور في شهر أيلول/ سبتمبر 2024 بالقرب من مصفاة للنفط في السودان، وفق ما كشفه الجزء الأول من تحقيق أعده فريق تحرير “مراقبون”. يكشف الجزء الثاني من هذا التحقيق، أن هذه البراميل تم توريدها من قبل شركة سودانية مقربة من الجيش وهي “شركة الموانئ الهندسية”، بذريعة استخدامها في إنتاج الماء الصالح للشرب.

ملخص الجزء الأول من التحقيق: في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024، تم استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط التي تقع في شمال العاصمة السودانية الخرطوم. وكان الجيش آنذاك يحاول استعادة السيطرة على مصفاة النفط هذه من أيدي قوات الدعم السريع، المليشيا التي تقاتلها في حرب أهلية مستمرة منذ نيسان/أبريل 2023. وتم إلقاء براميل تحتوي على مادة الكلور من الجو، علما أن الجيش السوداني يُعد الطرف الوحيد في النزاع الذي يستخدم الطائرات العسكرية القادرة على تنفيذ مثل هذه الغارات. وخلص الاستقصاء الذي أجريناه إلى أن شركة هندية اسمها “كيمترايد إنترناشونال كوربورايشن “Chemtrade International Corporation، هي التي قامت بتصدير هذا الغاز إلى السودان. وتؤكد الشركة أنه كان من المقرر أن يتم استخدام هذه المادة “بهدف معالجة الماء الصالح للشرب فقط”، وهو استخدام مدني رائج لهذه المادة.

الجزء الثاني من تحقيقنا في سطور:

  • مادة غاز الكلور التي تم إلقاؤها على مصفاة الجيلي للنفط بين يومي 5 و 13 أيلول/سبتمبر 2024، تم توريدها من قبل شركة سودانية يديرها مسؤول عسكري اسمها “شركة الموانئ الهندسية”.
  • تقدم الشركة نفسها على أنها متخصصة في الأشغال العامة. لكنها استوردت معدات عسكرية عدة مرات، كما تربطها علاقات تجارية مع شركة تركية تصنع الذخيرة، وفقًا لبيانات تجارية حصرية قدمتها منظمة “سي فور أي دي إس C4ADS”، الأمريكية غير الحكومية.
  • بحسب الشركة المصدرة الهندية، فإن شركة الموانئ الهندسية كانت زعمت أن براميل الكلور هذه سيتم استخدامها فقط “في عمليات معالجة الماء الصالح للشرب”. ليس هناك ما يؤكد أن هذه البراميل قد تم استيرادها إلى السودان لهذا الغرض.
  • الحصول على الماء الصالح للشرب يعد تحديا صعبا في السودان حيث لا يتمكن أكثر من ثلث السكان من الحصول عليه. ومادة الكلور هي أساسية لإنتاج ماء نظيف صالح للاستخدام البشري. لو تم استخدام البرميلين اللذين استُخدما في الهجمات في محيط مصفاة الجيلي في محطة لتنقية المياه، لكان من الممكن إنتاج ما يكفي من المياه الصالحة للشرب لتلبية الاحتياجات الحيوية لمليون نازح لمدة 6 أشهر.

من الهند إلى ساحة المعركة السودانية، مسار برميل من الكلور استُخدم كسلاح كيميائي

لتتبع أثر براميل الكلور، بدأنا من مقطع فيديو يظهر البرميل الذي سقط في 5 أيلول/سبتمبر 2025 على قاعدة قري العسكرية، على بعد 5 كيلومترات شرق مصفاة الجيلي.

اظهر  مقطع المصور نشر في يوم 5 أيلول سبتمبر 2024 على حساب في تطبيق إنستاغرام ينشر دعاية مساندة لقوات الدعم السريع، برميل كلور سقط في ذلك اليوم على قاعدة قري العسكرية.

وعلى هذا البرميل، نرى رقم التصنيع المنجمي وهو  “GC-1983-1715”.

تسمح عملية إعادة تشكيل رقم التصنيع على برميل عثر عليه في يوم 5 أيلول سبتمبر 2024 في قاعدة قري العسكرية بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط، من قراءة الرقم بشكل كامل، ويتعلق الأمر بـ “GC-1983-1715”. والرقم الأخير هو 5 الذي فسخ جزئه العلوي. © مراقبون

تمكن فريق تحرير مراقبون فرانس24 من الحصول على وثيقة مرتبطة بعملية توريد برميل مادة الكلور الذي يحمل الرقم “GC-1983-1715” إلى السودان. وتم إرسال هذا البرميل من قبل شركة هندية متخصصة في تجارة براميل الغاز المضغوط، وهي “شركة كيمترايد الدولية Chemtrade International Corporation”. وكان البرميل جزءا من شحنة تتضمن 17 برميلا من هذا الصنف، وتم نقلها عبر باخرة انطلقت من بومباي في يوم 14 تموز/يوليو 2024 في اتجاه ميناء بورتسودان.

على هذه الوثيقة التي تمت صياغتها لحظة شحن براميل مادة الكلور على باخرة كانت تنقله نحو وجهته، نرى رقم التصنيع للبرميل “GC-1983-1715” من بين 17 برميلا معدا للتصدير (1). وتم توفير هذه البراميل من قبل شركة “كيمترايد” (2)، وكانت مليئة بمادة “الكلور السائل” (3). انطلقت الاسطوانات من ميناء نهافا شيفا الذي يقع بالقرب من مدينة بومباي في يوم 14 تموز/يوليو 2024 في اتجاه وجهته النهائية وهي ميناء بورت سودان (5). © فرانس ميديا موند

وفقا لتبادل رسائل عبر البريد الإلكتروني بين شركة “كيمترايد” الهندية وشركة الخدمات اللوجستية المكلفة بعملية النقل، تمكن فريق التحرير من الاطلاع عليها، فإن دخول هذه الشحنة التي تضم ذلك البرميل مع 16 برميلا آخر من نفس المادة إلى الأراضي السودانية تم على الأرجح في أوائل شهر آب/أغسطس 2024 عبر ميناء بورتسودان. وهو الميناء البحري التجاري الكبير الوحيد في السودان. وباتت مدينة بورتسودان عاصمة مؤقتة للحكومة التابعة للجيش. وتم على الأرجح استلامها لاحقا من قبل موردها في يوم 17 آب/أغسطس 2024، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من نشر مقاطع الفيديو الأولى التي تظهر إلقاء أحد هذه البراميل على مصفاة الجيلي للنفط في يوم 5 أيلول/سبتمبر 2024.

بفضل معطيات تحصلنا عليها من موقع “مارين ترافيك”، المتخصص في متابعة مواقع السفن وتحليل التحركات البحرية، ومحادثات إلكترونية مع شركات ساهمت في نقل براميل الكلور، تمكنا من إعادة تشكيل مسار هذه البراميل إلى غاية السودان. وتم نقل هذه البراميل في البداية على باخرة أولى تدعى “إر سي أوسيان” من بومباي في يوم 14 تمو/ يوليو 2024. ووصلت هذه الباخرة إلى ميناء جدة في المملكة العربية السعودية في يوم 21 تموز/ يوليو 2024 حيث تم إنزال هذه البراميل. ومن ثم قامت باخرة ثانية تدعى “الأحمد” بنقلها إلى ميناء بورتسودان حيث وصلت إلى هناك في يوم 9 آب/أغسطس 2024. فرانس ميديا موند

شركة الموانئ الهندسية.. مورد سوداني متخصص رسميا في الأشغال العامة.. 

من هي الشركة التي استلمت هذه البراميل؟ هنا أيضا، الوثيقة التي تمكن فريق التحرير من الاطلاع عليها تمنح الإجابة. يتعلق الأمر بشركة سودانية اسمها “شركة الموانئ الهندسية Engineering Port Company“، ومقرها في حي ديم مدينة بمدينة بورتسودان.

في هذه الوثيقة المرتبطة بتوريد براميل كلور من شركة “كيمترايد” الهندية إلى السودان، نعثر على اسم المرسل إليه ( consignee باللغة الإنكليزية). ويتعلق الأمر بشركة مقرها في مدينة بورتسودان، هي “إنجينيرينغ بورت كومباني Engineering Port Company” (شركة الموانئ الهندسية) والتي تسمى أيضا “بورتس إنجينيرينغ كومباني Ports Engineering Company”. © مراقبون

على موقع شركة الموانئ الهندسية، نجد أن الشركة متخصصة في الأشغال العامة. إذ يشير الموقع بالتحديد إلى نشاط الشركة في “المعالجة المتقدمة للمياه” التي تبدو وكأنها إشارة إلى إنتاج الماء الصالح للشرب، بدون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبالفعل، فإن مادة الكلور مستخدمة في معظم الأحيان في إنتاج الماء الصالح للشرب وفق ما أكده ماتيو غيدوتي الباحث في الكيمياء والمتخصص في الأسلحة الكيميائية الذي يوضح قائلا:

غاز الكلور هو مادة منتشرة على نطاق واسع في استخدامات سلمية: يمكن أن نقوم باستخدامه في تعقيم الماء الصالح للشرب ولإنتاج مواد بلاستيكية. هذه الاستخدامات المدنية تفرق الكلور عن أسلحة كيميائية والتي غالبا من يتم تطويرها بهدف القتل.

براميل كلور تم توريدها من أجل إنتاج ماء صالح للشرب؟

هل أن براميل غاز الكلور التي تم العثور عليها بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط تم شراؤها في البداية من قبل شركة الموانئ الهندسية بهدف إنتاج الماء الصالح للشرب؟ دروفش بهونسال مدير التسويق في الشركة الهندية المصدرة للشحنة “كيمترايد” يؤكد أن ذلك هو الصحيح قائلا:

هذه الشركة تورد أسطوانات كلور موجهة حصرا بغاية معالجة الماء الصالح للشرب في شبكة التزود بالمياه في منطقة طويلة (فريق التحرير: تقع هذه المنطقة في ولاية النيل الأبيض في جنوب البلاد). لقد أخبرونا بشكل شفوي بأنهم يعملون بموجب عقد مع  Nile River Water Board (هيئة مياه النيل، فريق التحرير). ولم يكن من المقرر أن يتم استخدام الكلور في أي مجال آخر.

شبكة توزيع المياه في منطقة طويلة هو مشروع لإنتاج الماء الصالح للشرب أطلقته منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في سنة 2020. المشكل الأول يتمثل في أن هذه المنظمة الدولية، على الرغم من إشرافها على هذا المشروع، تؤكد عبر المتحدث الرسمي باسمها بأنها لم تعمل على الإطلاق مع شركة الموانئ الهندسية”. كما أن شبكة طويلة للماء الصالح للشرب لا تستخدم على الأرجح الكلور لتطهير المياه الصالحة للشرب. حيث يقول متحدث باسم منظمة اليونيسف:

لا توجد مضخات لجرعات غاز الكلور (فريق التحرير: معدات ضرورية لتحديد كمية غاز الكلور التي يجب ضخها في كمية محددة من المياه حتى يصبح صالحا للشرب) في محطة طويلة، ومنظمة اليونيسف لم تقدم بشكل مباشر غاز الكلور إلى شبكة توزيع المياه في هذه المدينة. اليونيسف تقدم مسحوق الكلور لهذا الغرض.

كما توضح المنظمة الأممية أيضا بأن “رقم التصنيع الظاهر على (البرميل الذي تم العثور عليه في قاعدة قري العسكرية) لا يتطابق مع رقم أي (برميل) تم شراؤه أو توريده من قبل اليونيسف”.

حاول فريق التحرير الاتصال بـ”هيئة مياه النيل Nile River Water Board”، التي كان من المفترض بأنها تتعاون مع “شركة الموانئ الهندسية Ports Engineering Company” في استيراد براميل الكلور. كما حاولنا التواصل مع مدير هيئة مياه الشرب بولاية النيل الأبيض، وهي الهيئة التي تشرف على مياه الشرب في هذه الولاية، التي توجد فيها محطة توزيع المياه بمنطقة طويلة. وإلى غاية نشر هذا المقال، لم يتم الرد على طلباتنا.

شركة الموانئ الهندسية استوردت 123 برميل كلور آخر… ومصيرهم مجهول

كما قام فريق تحرير مراقبون فرانس24 أيضا بمحاولة التواصل مع شركة الموانئ الهندسية وذلك بالخصوص بهدف معرفة ما إذا كانت على علم بتحويل وجهة غاز الكلور من قبل الجيش السوداني أو أي مجموعة مقاتلة أخرى. ولم يتم مدنا إلى حد الآن برد على استفساراتنا.

وبات الموقع الإلكتروني لشركة الموانئ الهندسية مغلقا خلال تحقيقنا. ولا يعلم فريق تحرير مراقبون فرانس24 ما إذا كان نشاط الشركة مستمرا على الرغم من إغلاق موقعها.

في كل الأحوال، فإن هذين البرميلين من غاز الكلور اللذين تم استخدامهما كأسلحة كيميائية في منطقة الجيلي لا يمثلان سوى جزء صغير من الكلور الذي قامت شركة الموانئ الهندسية بتوريدها. إذ وفق معطيات تجارية قدمتها منظمة “سي 4 إي دي إس”، وهي منظمة غير حكومية أمريكية متخصصة في مكافحة الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، فإن الأمر يتعلق على الأرجح بـ125 أسطوانة من الكلور قامت على الأرجح شركة “كيمترايد” الهندية بتصديرها إلى السودان منذ بداية الحرب الأهلية. وأكدت لنا الشركة الهندية في رسالة عبر البريد الإلكتروني بأن “كل معاملاتها السابقة أو الحالية، تمت فقط عبر شركة الموانئ الهندسية”. زد على ذلك، بأن لا يظهر أي مورد آخر لمادة الكلور وفق سجل المعطيات التجارية السودانية، باستثناء منظمة “أطباء بلا حدود” غير الحكومية وشركة محلية أخرى.

فيما لا يزال الغموض يلف مصير 123 برميل كلور المتبقية، التي يمكن استخدامها كأسلحة كيميائية وأيضا في مجالات حيوية لتوفير حاجيات الشعب السوداني من الماء الصالح للشرب.

“نقص الحصول على المواد الكيميائية اللازمة لمعالجة المياه تساهم في وقوع انتشار أوبئة”

الحصول على ماء صالح للشرب هو تحد حساس جدا في السودان، حيث لا يتمكن ما يقرب من 17,3 مليون شخص من الحصول عليه بسبب تدمير محطات التعقيم وانقطاع الكهرباء ونزوح السكان بسبب الحرب.

هذا النقص الصارخ في الماء الصالح للشرب يؤدي إلى انتشار الأوبئة ولا سيما الكوليرا. وقد تضررت ولاية النيل الأبيض، حيث توجد محطة توزيع المياه في طويلة، بشدة منذ بداية العام. فقد أصيب 2700 شخص، بينهم 500 طفل، بهذا المرض بين يناير وفبراير 2025، وفقا لليونيسف

كان السبب الأول من تفشي هذا الوباء هو تدمير محطات الطاقة الكهربائية من قبل قوات الدعم السريع. من جانبها أوضحت متحدثة باسم اليونيسف أن ”نقص توفر المواد الكيميائية اللازمة لمعالجة المياه يساهم أيضاً في انتشار الأوبئة“.

من جهته، يؤكد مصدر مطلع على إنتاج المياه في السودان وطلب عدم الكشف عن هويته قائلا:

من الصعب جدا الحصول (على مادة الكلور) بسبب ضعف الميزانيات الحكومية ولكن أيضا لأن الأمر يتطلب توريد هذه المواد الكيميائية الخاصة جدا من خارج البلاد.

ويوضح نفس المصدر أيضا بأن برميلا يحتوي على طن من مادة الكلور على غرار ذلك الذي تم إلقاؤه بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط في يوم 5 و 13 أيلول سبتمبر 2024، كان سيسمح بتوفير ما يقرب من 240 مليون لتر من الماء الصالح للشرب. وهو ما كان سيكفي لتوفير ماء لمدة ثلاثة أشهر ويغطي حاجيات حيوية لنحو مليون نازح عادوا إلى العاصمة الخرطوم منذ أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على المدينة في يوم 26 آذار/ مارس 2025.

شركة الموانئ الهندسية، شركة مرتبطة بمجموعة خاضعة لعقوبات دولية

وفي ظل عدم توفر أي أدلة في تحقيقنا تسمح بالتأكد من أن هذه البراميل من مادة الكلور التي قامت شركة الموانئ الهندسية، بتوريدها كانت بالفعل موجهة لإنتاج الماء الصالح للشرب، حاول فريق التحرير رصد مزيد من المعلومات حول أنشطتها المختلفة.

من خلال زيارة موقعها الرسمي (فريق التحرير: الذي بات مغلقا اليوم إلا أن أرشيفه موجود في منصة لحفظ المواقع) نعلم بأن شركة الموانئ الهندسية، تنشط في “القطاع المنجمي” و”المعاملات في الموانئ” ولكن أيضا في أنشطة “التصدير والتوريد”. تم تأسيس هذه الشركة في “سنة 1998 بمساهمة من هيئة الموانئ البحرية، وهي هيئة تابعة لوزارة النقل السوداني مكلفة بالتصرف في موانئ البلاد ومن بينها ميناء بورت سودان.

في سنة 2014، دائما وفق الموقع الرسمي لهذه الشركة، فإن شركة الموانئ الهندسية دخلت أيضا في شراكة مع “مجموعة جياد الصناعية” وهي مجموعة شركات عامة سودانية عدد منها فرضت ضدها عقوبات في عدة مرات من قبل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأيضا الاتحاد الأوروبي وذلك بسبب علاقتها مع القوات المسلحة السودانية التي تهدد “السلم والاستقرار في السودان” وفق فرنسا.

وبالتالي، فإن شركة الموانئ الهندسية مرتبطة بعدة شركات عامة سودانية، ولا سيما بمجموعة خاضعة لعقوبات دولية، مقربة من الجيش السوداني.

علاوة على ذلك، فإن المدير العام لهذه الشركة هو أنس يونس، وهو عقيد في الجيش السوداني، كما أكد ذلك العديد من المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك التصريحات الرسمية. وأظهرت صور على شبكات التواصل الاجتماعي هذا الشخص وهو يرتدي الزي العسكري، أو خلال عدة اجتماعات مع مسؤولين سودانيين.

في هذه الصورة التي نُشرت على فيسبوك في 8 نوفمبر 2023، يمكن رؤية العقيد أنس يونس (الثاني من اليسار) وهو يرتدي الزي العسكري خلال اجتماع مع المدير العام لهيئة الموانئ البحرية. © فيسبوك

تسمح معطيات تجارية سودانية وتركية وهندية وإندونيسية جمعتها منظمة “سي فور إي دي إس” الأمريكية غير الحكومية المتخصصة في مكافحة الأنشطة الاقتصادية غير الشرعية بالذهاب أبعد من ذلك: إذ يكشف تحليل هذه البيانات أن شركة الموانئ الهندسية يبدو أنها معتادة على القيام بعمليات توريد ذات طابع عسكري.

وفق مقتطفات من سجل التوريد في السودان أرسلتها منظمة “سي فور إي دي إس” لفريق التحرير، فإن شركة الموانئ الهندسية قامت بجلب منتجات باستخدام باخرة في أوائل سنة 2024، منتجات مصنع ذخائر تركي “شركة كارميتال Karmetal”. وتعرف تركيا بأنها تزود الجيش السوداني بالأسلحة في حربه ضد قوات الدعم السريع.

هل كانت هذه الشحنات التي وصلت عبر باخرة تحتوي على معدات عسكرية؟ في اتصال فريق التحرير، أكدت شركة كارميتال بأن الأمر يتعلق بـ”نوابض“ و”صناديق معدنية فارغة“ لا تحتوي على ”أي معدات عسكرية أو متفجرات أو ذخيرة أو صمامات تفجير أو مكونات مماثلة“.

كما تؤكد الشركة أيضا بأنها لم تقم ببيع مباشر لهذه المنتجات للسودان بل قامت ببيعها إلى زبون “في إحدى دول الخليج العربي” الذي قام بدوره بنقلها إلى هذا البلد الذي يشهد حرب أهلية. وتمكن فريق تحرير “مراقبون” من التأكد من هذه النقطة من خلال التواصل مع الشركة المعنية بهذا الأمر وهي “بوند تكنولوجي إف زد إي Bond Technologies FZE”.  كما تؤكد هذه الشركة أيضا بأنها قامت ببيع “نوابض وصناديق معدنية فارغة للسودان موجهة للاستخدام التجاري ولا علاقة لها أبدا بالمجال العسكري”.

إلا أن هذه المعطيات التي تم التوصل إليها في إطار هذا التحقيق تثير تساؤلات حول أقوال شركة “بوند تكنولوجي إف زد إي ” وشركة “كارميتال” التركية. في البلاد لأن قائمة المواد التي تقوم شركة كارميتال بتصنيعها والمتاحة عبر موقعها الإلكتروني الرسمي لا تضم أي مواد تستخدم فقط في المجال المدني. ويمكن أن نعثر في الموقع على المواد التي قامت شركة الموانئ الهندسية على الأرجح باستقدامها إلى السودان وهي “عبوات حديدية فارغة” وفق وصف شركة كارميتال في رسالتها عبر البريد الإلكتروني. توصف هذه العبوات بأنها موجهة لتخزين الذخائر.

وفق موقعها الإلكتروني الرسمي، فإن شركة كارميتال التركية تقوم بالفعل ببيع صناديق معدنية مثل تلك التي باعتها الشركة لزبون قام بعد ذلك بتصديرها إلى السودان: وهي موصوفة بأنها “صناديق ذخيرة“. © Karmetal

أما في ما يتعلق بـ”النوابض” فإنه يمكن، وفق منظمة “سي فور إي دي إس” غير الحكومية الأمريكية، أن تكون في الحقيقة شرائط مخصصة لوضع ذخائر في أسلحة أوتوماتيكية.

على الموقع الإلكتروني لشركة “كارميتال” التركية، نعثر أيضا على منتوج يمكن أن تُستخدم فيه “النوابض” التي تم تصديرها إلى السودان، دائما وفق منظمة “سي فور إي دي إس” الأمريكية غير الحكومية ـ ويتعلق الأمر على الأرجح بشرائط معدنية مخصصة لحمل الذخيرة، ما يسمح لأسلحة أوتوماتيكية بإطلاق رشاش من الأعيرة النارية. © Karmetal

ويقول محلل لدى منظمة “سي 4 إي دي إس” معلقا في هذا الصدد:

في المعطيات التجارية، فإن هذه السلع (النوابض، فريق التحرير)، مرتبطة بشفرة تشير إلى نوع المنتج: 731582. من الجدير الإشارة إلى أنه كل عمليات التصدير التي تقوم بها شركة كارميتال المرتبطة بهذه الشفرة في السجلات التركية تضمنت وصفًا للبضائع يشير إلى أنها شرائط مخصصة لحمل الذخيرة. وذلك باستثناء الشحنة الموجهة إلى (السودان)، التي يقول الوصف المتعلق بها بأن الأمر يتعلق بـ” نوابض”. وعلى الرغم من أنه من المحتمل أن تكون هذه الشحنة قد احتوت على شيء آخر بخلاف النوابض الموجهة لاستقبال ذخائر، فإن هذه المعلومات تلقي بظلال من الشك على ادعاءاتهم.

.من جهتها، تنفي شركة “كارميتال” بشكل قاطع بأن السلع التي اشترتها شركة “بوند تكنولوجي إف زد إي”، والتي تم نقلها فيما بعد إلى السودان، كانت تحتوي على نوابض مخصصة للذخائر أو أي عتاد عسكري آخر. على الرغم من ذلك، فإنه يعد أمرا قانونيا أن تقوم شركة تركية ببيع عتاد عسكري للسودان إذا ما لم يتم استخدامه في إقليم دارفور: فهذه المنطقة التي تقع في غرب البلاد هي الوحيدة التي تخضع لحظر دولي لبيع الأسلحة بموجب قرار من الأمم المتحدة.

هل تم نقل 125 برميلاً من الكلور إلى السودان من قبل شركة الموانئ الهندسية في إطار أنشطتها كمستورد للمعدات العسكرية، لاستخدامها كأسلحة كيميائية؟ أم أنها كانت مخصصة لمشروع تنقية مياه الشرب، كما تؤكد الشركة الهندية التي قامت بتصديرها؟ في غياب رد من شركة الموانئ الهندسية والجيش السوداني، من المستحيل معرفة ذلك. ستقوم هيئة تحرير “مراقبون” بتحديث هذا المقال إذا وردت إليها معلومات إضافية.