مراسل إيطالي من قلب السودان يكشف ما تجاهله الإعلام العالمي

نشر موقع “زيتا لويس” الإيطالي، الخميس، شهادة المراسل الصحفي جياماركو سيكورو، المتخصص في تغطية النزاعات الدولية، الذي زار السودان بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2025 لتوثيق الأزمة الإنسانية الكبرى التي يعيشها السكان بسبب الحرب المستمرة هناك.

وكشف سيكورو أن غياب الصحفيين الأجانب عن الميدان في السودان، إلى جانب عزوف وسائل الإعلام الكبرى عن تغطية أخبار أفريقيا بشكل عام، حال دون اطلاع العالم على حجم المأساة في السودان.

end of list

وأضاف أن الهدف من زيارته لم يكن مجرد رصد الأحداث، بل فهم الأسباب الجذرية للصراع، ليجد نفسه أمام “أكبر مأساة إنسانية مستمرة”.

“مدينة أشباح”

وبحسب الموقع، فقد وثق الصحفي الأوضاع في العاصمة الخرطوم، بما في ذلك أم درمان، قبل الانتقال إلى مخيم الدبة للاجئين في الصحراء.

وعند زيارته وصف الخرطوم بأنها “مدينة أشباح”، بلا مياه أو طعام صالح للأكل ولا كهرباء، مضيفا أن كثيرا من المدنيين بقوا في المدينة لأنهم لا يملكون خيارا آخر.

كما أشار إلى تصاعد أزمة النازحين بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في دارفور، حيث يفر المدنيون يوميا هربا من عمليات القتل.

وقال المراسل الإيطالي: “تأثرت كثيرا بشهادة مدني احتُجز لأشهر وتعرض للتعذيب على يد قوات الدعم السريع بأساليب لا إنسانية، دخل في غيبوبة ثلاث مرات، واعترف لي بأنه في كل مرة يستيقظ يتمنى الموت. ثم هناك النساء، فلا تكاد تجد امرأة لا تروي لك معاناتها من الإيذاء والعنف.. الاغتصاب الجماعي سمة شائعة لدى قوات الدعم السريع”.

الصحفي الإيطالي قال: “أفريقيا لا تثير اهتمام وسائل الإعلام الكبرى، هناك عنصرية غير واعية، ومعايير مزدوجة تبناها العالم الغربي”.

وأضاف الموقع الإيطالي أن تغطية سيكورو ركزت على الجانب الإنساني، واستند إلى شهادات المدنيين الذين عانوا من العنف والاغتصاب الجماعي على يد قوات الدعم السريع، مضيفا أن بعض أفراد المليشيات فتيان نشؤوا في بيئات يسودها العنف.

كما أبرز جهود المنظمات الإنسانية، مثل مستشفى مركز السلام التابع لمنظمة “إيمرجنسي”، الذي استمر في تقديم الخدمات رغم التهديدات والهجمات.

وتحدث الصحفي الإيطالي عن أسباب التجاهل الإعلامي للأزمة، وقال: “أفريقيا لا تثير اهتمام وسائل الإعلام الكبرى، هناك عنصرية غير واعية، ومعايير مزدوجة تبناها العالم الغربي”.

واستشهد بتقرير منظمة “كوسبي” غير الحكومية الذي كشف أن أخبار أفريقيا لم تمثل سوى 1.5% من التغطية الإعلامية الإيطالية للأخبار الأجنبية في 2025.

الجنائية الدولية

يذكر أن المحكمة الجنائية الدولية اتهمت بداية هذا الأسبوع قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مدينة الفاشر غربي السودان خلال حصار قوات الدعم السريع للمدينة وبعد سقوطها.

وفي إحاطة لمجلس الأمن الدولي الاثنين، أفادت نزهات شميم خان نائبة المدعي العام للمحكمة، أن مكتب المدعي العام جمع معلومات وأدلة أظهرت عددا لا يحصى من الجرائم، يُدّعى أن أفرادا من قوات الدعم السريع ارتكبوها ضد السكان المدنيين، منها الاغتصاب والإعدام بإجراءات موجزة، والاحتجاز وإساءة المعاملة وقتل أشخاص من أصول إثنية غير عربية، وانتهاك حرمة الجثامين.

المصدر: الصحافة الإيطالية \ عرض الجزيرة نت

دوقة إدنبرة: العالم يتجاهل ألف يوم من الحرب في السودان

“لا يمكننا محو الفظائع التي وقعت خلال الأيام الألف الماضية، لكن يمكننا أن نُشكّل ما سيأتي بعدها” “دوقة إدنبرة”

سلّطت صوفي، دوقة إدنبرة، الضوء على مأساة الحرب في السودان مع بلوغها ألف يوم، في مقال نادر نشرته صحيفة ذا تلغراف بعنوان “العالم يتجاهل حرب السودان”، وأكدت أن هذا النزاع، الذي اندلع في أبريل/نيسان 2023، تحوّل إلى أخطر أزمة إنسانية في العالم وسط ضعف الاهتمام الدولي.

واستعادت الدوقة زيارتها في أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى مدينة أدرِه التشادية على الحدود مع السودان، حيث التقت لاجئين فرّوا من العنف، ونقلت شهادات صادمة عن فقدان عائلات بأكملها، وعن نساء تعرّضن للاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والماء، في حرب أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص وشرّدت نحو 13.6 مليون، بينهم ملايين لجأوا إلى دول الجوار.

ورغم حجم المأساة، قالت صوفي إن ما منحها الأمل هو “القوة الاستثنائية” التي لمستها لدى النساء اللاجئات، اللواتي يضطلعن بدور أساسي في رعاية الأطفال وإعادة بناء المجتمعات.

ودعت، بصفتها مناصرة لأجندة “المرأة والسلام والأمن” في الأمم المتحدة، إلى تكثيف الجهود الدولية لإنهاء النزاع، مؤكدة أن بلوغ ألف يوم من الحرب يجب أن يشكّل نقطة تحوّل لحماية المدنيين ودعم مسار السلام في السودان، وفيما يلي نص المقال والشهادة التي كتبتها الدوقة صوفي المنتمية للعائلة المالكة البريطانية، وزوجة الأمير إدوارد دوق إدنبرة والشقيق الأصغر للملك تشارلز الثالث.

قبل عام، وأنا أقف على الحدود مع السودان، شاهدتُ سيلا لا يُحصى من الناس يشقّون طريقهم سيراً على الأقدام أو على عربات تجرّها الحمير إلى تشاد المجاورة، بعضهم كان يسافر مع عائلته، فيما كان آخرون بمفردهم، وفي هدوء تلك اللحظة، انتابني ارتعاش وأنا أحاول أن أتخيّل ما اختبره هؤلاء الناس المنهكون والمصدومون نفسياً، وما رأوه، بعدما فرّوا من بلداتهم ومن وحشية الميليشيات المتقاتلة.

لكن هؤلاء كانوا المحظوظين؛ فقد تمكنوا من الوصول إلى قدر من الأمان النسبي في مدينة أدرِه، وهي بلدة حدودية في تشاد، حيث استقبلهم السكان المحليون، بدعم من منظمات محلية ودولية وفّرت لهم الغذاء والماء والمأوى.

لقد ارتفع عدد سكان أدرِه من أربعين ألف نسمة إلى أكثر من مئتي ألف، مع فرار السودانيين من أعمال العنف.

وخلال زيارتي إلى مخيم العبور في “أدرِه”، سمعتُ قصصا عن فقدان عميق وصمود لافت، أطفال صغار قُتلت عائلاتهم بأكملها بطرق لا يمكن وصفها، وأمهات شهدن مقتل أزواجهن وأبنائهن، ونساء تعرّضن للاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والماء.

كانت رواياتهن الشخصية، الصادمة في عمقها، تعكس تجارب عدد لا يُحصى من الآخرين، وكانت أعينهن تروي حكايات فظائع لا ينبغي لأي إنسان أن يراها: “جثث مكدّسة كالجدار، عائلات أُغرقت تحت تهديد السلاح، أطفال شُطروا إلى نصفين، ونساء تعرّضن للاغتصاب والضرب، أما من تمكنوا من الفرار، فيعيشون في خوف دائم من أن يُقتلوا لاحقا”.

ومع دخول العالم عاما جديدا، نواجه محطة قاسية ومروّعة من 1000 يوم من النزاع في السودان، وخلال هذه الفترة، تحولت الأزمة إلى أشد أزمة إنسانية في العالم، إنها لحظة ينبغي أن تدفعنا إلى التوقف والتأمل، ليس فقط بسبب حجم المعاناة، بل لأن هذه الكارثة تطورت وسط قدر ضئيل للغاية من الاهتمام العالمي.

إن المساعدات الطارئة وحدها لا يمكنها معالجة ضخامة هذا الوضع، بل إن الوكالات العاملة هناك بلغت حدّ الإنهاك، فالمجموعات المحلية، والمنظمات الإنسانية، والتجمعات السودانية التي تقودها النساء، تفعل ما في وسعها في مواجهة أعداد هائلة من الأشخاص الذين فقدوا أحبّاءهم ومنازلهم وسبل عيشهم، والذين يحتاجون إلى الدعم الآن وسيحتاجونه لسنوات طويلة مقبلة.

يجب أن تُمنح الفتيات اللواتي انقطع تعليمهن فرصة العودة إلى المدارس، كما يحتاج النساء والرجال والأطفال الذين عانوا من عنف جنسي لا يمكن تصوره إلى الوصول إلى الخدمات الصحية، وإلى أماكن آمنة، وإلى دعم يساعدهم على التعافي واستعادة كرامتهم، فهذه ليست كماليات، بل متطلبات إنسانية أساسية.

ومع ذلك، وحتى في مثل هذه الظروف اليائسة، فإن أكثر ما بقي عالقا في ذهني هو القوة الاستثنائية التي شهدتها، ففي إحدى وحدات الحماية المتنقلة التابعة لمنظمة (بلان إنترناشونال)، التقيتُ بنساء فررن من النزاع يَقمن الآن برعاية أطفال انفصلوا عن عائلاتهم، لقد ذكّرني صمودهن وقيادتهن الهادئة بما شهدته مرارا وتكرارا وهو أن النساء يشكّلن محورا أساسيا ليس فقط للبقاء في الأزمات، بل أيضا لإعادة البناء والسعي نحو سلام دائم، وعندما يتم دعمهن وتمكينهن، تصبح المجتمعات بأكملها أكثر قدرة على التعافي.

وبوصفي نصيرة لأجندة المرأة والسلام والأمن داخل البلاد وخارجها، فقد شهدتُ تفاني وتعاطف المجتمع الدولي، لكننا بحاجة ملحّة إلى المساعدة في إنهاء هذا النزاع المدمّر من أجل إنقاذ الأرواح، والسماح للعائلات السودانية بالعودة لإعادة بناء مستقبلها في أمان.

لا يمكننا تغيير الأيام الألف الماضية، لكن هذه المحطة القاسية تذكّرنا بالفرصة المتاحة أمام المنظمات التي تعمل بلا كلل على الأرض لتشكيل ما سيحدث لاحقاً، فمن خلال الوقوف إلى جانب هؤلاء الأفراد الاستثنائيين، بمن فيهم صانعات السلام والمنظمات التي تقودها النساء، يمكننا المساعدة في ضمان أن تُسمَع أصوات واحتياجات المتضررين من النزاع وأن تحظى بالتقدير، إن شجاعتهم تذكير قوي بأنه حتى في أشد الظروف صعوبة، يمكن للأمل أن يصمد.

إن شعب السودان يستحق تعاطفنا، واهتمامنا، وتضامننا وقبل كل شيء، يستحق أن يعلم أن العالم لم ينسه، وأن السعي إلى السلام لا يزال ممكنا.

مونت كارلو الدولية

صحيفة “لوموند” الفرنسية:التراث السوداني.. كنز مهدَّد بسبب الحرب طال ذاكرة البلاد وهويتها

تحت عنوان: التراث السوداني.. كنز مهدَّد بسبب الحرب، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في تحقيق لها، إن الحرب الدائرة في السودان لا تستهدف البشر وحدهم، بل تطال ذاكرة البلاد وهويتها، عبر تدمير ونهب ممنهج للتراث الثقافي، وفي مقدمته المتحف القومي السوداني في الخرطوم، الذي تحوّل إلى شاهد صامت على ما وصفه مسؤولون سودانيون بمحاولة “محو التاريخ”.

سلّطت الصحيفة الفرنسية الضوء على تمثال ضخم من الغرانيت الأسود، يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار ويزن سبعة أطنان، ظلّ واقفاً في مكانه كـ“حارس عاجز” لمملكة نُهبت آثارها. ونقلت عن جمال محمد زين، الموظف في المتحف منذ أكثر من ثلاثة عقود، قوله إن المشهد الذي رآه، عند عودته إلى المتحف في نهاية شهر مارس الماضي، عقب استعادة الجيش السوداني لوسط الخرطوم، كان مشهداً “كارثياً”، إذ تناثرت القطع الأثرية على الأرض واختلطت ببقايا الحرب.

وأشارت “لوموند” إلى أن المتحف، الذي تم افتتاحه عام 1971 على ضفاف النيل الأزرق، كان يضم نحو مئة ألف قطعة أثرية تغطي تاريخ السودان من عصور ما قبل التاريخ حتى الحقبة الإسلامية، مروراً بالحضارة النوبية والمسيحية، ولا سيما مملكة كوش، بانية أهرامات السودان. غير أن المتحف ظل محتلاً حوالي عامين من قبل قوات الدعم السريع، التي حوّلت سطحه إلى موقع للقناصة بسبب موقعه الاستراتيجي في حي المقرن.

كما لفتت الصحيفة إلى أن جميع أبواب المتحف كُسرت، وأن المخازن التي تضم أندر القطع تعرّضت للنهب الكامل. ونقلت عن جمال محمد زين قوله إن الصناديق فُتحت وقُلبت، وإن بعض الأواني الفخارية وُضعت عمداً وأُطلقت عليها النار كما لو كانت أهدافاً في ميدان تدريب.

كما أكدت “لوموند” أنه تم فقدان حتى الآن أكثر من أربعة آلاف قطعة أثرية، من بينها كامل محتويات “غرفة الذهب” الكوشية التي كانت تضم حُليّاً ومجوهرات نادرة لملوك وملكات النوبة. كما تم نهب مئات التماثيل الجنائزية النبطية، وسرقت مومياوات يعود تاريخها إلى 2500 عام قبل الميلاد، وهي من الأقدم في العالم.

رحاب خضير، المسؤولة عن لجنة تقييم الأضرار:  ما جرى “ليس مجرد سرقة، بل اعتداء على هوية السودان نفسها. وعناصر من الدعم السريع وثّقوا بأنفسهم عمليات النهب عبر مقاطع مصوّرة، ويعكس ذلك شعوراً مطلقاً بالإفلات من العقاب”

ونقلت الصحيفة عن الدكتورة رحاب خضير، المسؤولة عن لجنة تقييم الأضرار، قولها إن ما جرى “ليس مجرد سرقة، بل اعتداء على هوية السودان نفسها”. وأشارت إلى أن عناصر من قوات الدعم السريع وثّقوا بأنفسهم عمليات النهب عبر مقاطع مصوّرة، معتبرة أن ذلك يعكس “شعوراً مطلقاً بالإفلات من العقاب”.

وأضافت “لوموند” أن محاولات جرت للتواصل مع قيادة قوات الدعم السريع عبر وسطاء، لإيصال رسالة مفادها أن التراث الثقافي خط أحمر لا علاقة له بالصراع العسكري، إلا أن تلك الوعود لم تُترجم إلى أفعال.

واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن ما يحدث يتجاوز التخريب العرضي، إذ ترى شخصيات ثقافية سودانية أن نهب المتاحف يُستخدم كسلاح في الحرب، بهدف طمس الهوية السودانية واستبدالها.

ونقلت “لوموند” عن إخلاص عبد اللطيف، مديرة المتاحف في الهيئة القومية للآثار، قولها إن هناك أدلة على خروج شاحنات محمّلة بقطع أثرية من الخرطوم باتجاه غرب البلاد، وإن محاولات بيع جارية في دول مجاورة مثل مصر وتشاد والإمارات وإثيوبيا وجنوب السودان.

وسلّطت الصحيفة الضوء أيضاً على اتساع دائرة الاستهداف، إذ لم يقتصر النهب على الخرطوم، بل طال متاحف في أم درمان، ومواقع أثرية قرب أهرامات مروي، إضافة إلى تدمير قصور تاريخية في دارفور، في سياق أعمال عنف وصفتها مصادر محلية بأنها ذات طابع إبادي.

وبحسب تقديرات رسمية نقلتها “لوموند”، فإن الخسائر التي لحقت بالمتاحف السودانية تُقدّر بنحو 110 ملايين دولار. وفي المقابل، أشارت إلى أن فرق المتحف القومي، بدعم من اليونسكو، بدأت سباقاً مع الزمن لجرد المفقودات ورقمنة المجموعات، تمهيداً لإطلاق “متحف افتراضي” يهدف إلى حماية التراث ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار.

كما أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن العاملين في المتحف يحتفظون اليوم ببقايا الذخائر والأسلحة التي وُجدت داخله، لا لإخفائها، بل لعرضها مستقبلاً، بوصفها دليلاً مادياً على مرحلة حاول فيها العنف أن يمحو تاريخ أمة بأكملها.

عرض القدس العربي

فورين بوليسي: 2025.. العام الذي بدأ فيه العالم الاعتراف بالإبادة الجماعية في السودان

في عام 2025، ومع دخول الحرب الأهلية في السودان عامها الثالث، بدأ المجتمع الدولي يطلق تحذيرات جدية بشأن جرائم ضد الإنسانية فيما يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أسوأ أزمة إنسانية في العالم. الأرقام صادمة: فقد أسفر الصراع عن مقتل ما يُقدَّر بنحو 150 ألف شخص، وتشريد قرابة 13 مليونًا، وترك أكثر من 21 مليون إنسان يواجهون جوعًا حادًا. وتشير تقارير إلى أن برك الدم والمقابر الجماعية باتت مرئية من الفضاء.

وفي سعيهما للسيطرة على البلاد، وُجِّهت اتهامات بارتكاب فظائع لكلٍّ من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية من قبل جهات إقليمية ودولية. غير أن قوات الدعم السريع، على وجه الخصوص، تواجه اتهامات بالإبادة الجماعية ضد مجتمعات غير عربية، بما في ذلك من الولايات المتحدة. وقد أدى سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور بيد قوات الدعم السريع في أكتوبر إلى استمرار مجازر بحق آلاف المدنيين.

لكن الاعتراف لا يساوي الفعل. فما زال الصراع يُوصَف بأنه “الحرب المنسية”. وكما قال مارتن غريفيثس، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في حديثه إلى رافي أغراوال من مجلة فورين بوليسي في مايو: “الفرق بين السودان وغزة هو أن المجتمع الدولي في حالة لا مبالاة تجاه السودان”. وفي نوفمبر، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”البدء بالعمل على السودان”، غير أن الانخراط الأمريكي لم يُفضِ حتى الآن إلى أي اختراقات ملموسة.

وخلال هذا العام، نشرت مجلة فورين بوليسي مقالات لصحافيين ومحللين وباحثين سعوا إلى فهم طبيعة الصراع، واستكشاف أبعاده الجيوسياسية، ودراسة ما يمكن للعالم فعله من أجل العمل على إنهاء الحرب في السودان.

كيف يمكن وقف الإبادة الجماعية في السودان؟

بعد فترة وجيزة من سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، طرح الخبيران القانونيان معتصم علي، ويوناه دايموند حجة قوية تحدد الخطوات التي ينبغي على المجتمع الدولي، من المحكمة الجنائية الدولية إلى الولايات المتحدة، اتخاذها لوقف عمليات القتل الجماعي في السودان.

وكتب علي ودايموند: “يجب أن تكون جميع الخيارات مطروحة لحماية المدنيين والوفاء بوعد “لن يتكرر ذلك مرة أخرى”“. وأضافا: “يتعيّن على الدول استهداف قيادة قوات الدعم السريع وسلاسل إمدادها وفرض عقوبات عليها، وكذلك على الجهات النافذة في الخارج التي تمكّنها”.

لماذا بات نشطاء الديمقراطية السودانيون يدعمون الجيش الآن؟

مع تحقيق القوات المسلحة السودانية تقدمًا كبيرًا في مطلع العام، تناول ياسر زيدان، المحاضر السابق في الجامعة الوطنية السودانية، تطورًا غير متوقع في الحرب: “حشد نشطاء ديمقراطيين سودانيين شباب كانوا في السابق من أشد منتقدي المؤسسة العسكرية”. ويكتب زيدان أن بعض هؤلاء النشطاء “حملوا السلاح ضد قوات الدعم السريع، معتبرين أن هذه الميليشيا تمثل التهديد الأكبر لسيادة السودان ومستقبله”.

وقد أثار مقال زيدان جدلًا في فورين بوليسي. فبعد أسابيع من نشره، كتب الطبيب السوداني محمد بهاري ردًا قال فيه إن النشطاء الذين انضموا إلى صفوف الجيش فعلوا ذلك بدافع اليأس، وأن الاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية ستدعم الديمقراطية هو “وهم خطير”.

على واشنطن مواجهة أبو ظبي بشأن السودان

تربط الولايات المتحدة بالسودان علاقة متوترة منذ استقلاله عام 1956، اتسمت بقطع العلاقات الدبلوماسية، وفرض عقوبات قاسية، وقيود على المساعدات.

ومع ذلك، تكتب سُهى موسى، الصحافية والمحللة الأمريكية من أصل سوداني، أن “الولايات المتحدة، على الرغم من تاريخها المضطرب مع السودان والمخاوف المشروعة لدى كثير من السودانيين والمراقبين الدوليين من دورها، قد تكون الجهة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط فعّال على [الإمارات العربية المتحدة] لسحب دعمها لقوات الدعم السريع”.

وفي مقال حديث، تبحث موسى كيف يمكن لترامب أن يصبح صانع سلام في السودان، ولماذا قد يصبّ ذلك في مصلحة الولايات المتحدة نفسها.

الحاجة الملحّة إلى ضغط دولي لإنهاء الحرب في السودان

في الشهر الماضي، أجرى جون هالتيوانغر من فورين بوليسي مقابلة مع شارلوت سلينته، الأمينة العامة للمجلس الدنماركي للاجئين، حول حجم الكارثة الإنسانية في السودان، والحاجة إلى ضغط مستدام لإنهاء الحرب، وتأثير ثقافة الإفلات من العقاب على المعايير الإنسانية الدولية.

وقالت سلينته: “لقد دعم المجتمع الدولي السودان بالمساعدات الاقتصادية والإنسانية، لكن ليس بالقدر المطلوب على الإطلاق”. وأضافت: “علينا أن نتذكر أن المساعدات الإنسانية تتعامل فقط مع نتائج الصراع، ولا تعالج أسبابه الجذرية. إن الاكتفاء بإدارة العواقب بدلًا من منعها هو ما جعل هذه الأزمة تتفاقم إلى هذا الحد”.

توثيق جرائم الحرب في السودان يبدأ الآن

ما الذي يمكن للمجتمع الدولي فعله في السودان إلى جانب الضغط على أطراف الصراع؟ في مقال حديث، تتناول جانين دي جوفاني كيف غيّرت التطورات التكنولوجية، ولا سيما الاستخبارات مفتوحة المصدر، أدوات التحقيق في جرائم الحرب.

وتكتب دي جوفاني: “من المؤسف أنه فات الأوان لمنع ما وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل بأنه إبادة جماعية”. لكنها تضيف: “الآن هو وقت الانتقال إلى التوثيق والملاحقة القضائية المحتملة. وقف العنف المستمر أمرٌ ملحّ، وكذلك جمع الأدلة”.

تناول وعرض : “القدس العربي”:

غارديان: هكذا يواجه متطوعون سودانيون الموت لإطعام الملايين

في قلب واحدة من أعنف الحروب المعاصرة، يغامر آلاف السودانيين بحياتهم يوميا لتقديم الغذاء والدواء والدعم النفسي لملايين المدنيين، وفقا لتقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية.

وسلّط مراسل الصحيفة مارك تاونسند، في تقريره، الضوء على “غرف الاستجابة للطوارئ” في السودان، باعتبارها واحدة من أكثر المبادرات الإنسانية جرأة وتأثيرا في سياق الحرب المستمرة منذ 15 أبريل/نيسان 2023، والتي حولت البلاد إلى مسرح لأسوأ أزمة إنسانية في العالم.

end of list

فبين خطوط القتال المتحركة بين الجيش السوداني النظامي وقوات الدعم السريع، وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة، برزت هذه الشبكة الشعبية بوصفها البديل الوحيد القادر على توفير الغذاء والرعاية الطبية والدعم النفسي لملايين السودانيين.

شهادات

وعرض التقرير شهادات مباشرة لمتطوعين، من بينهم أميرة، التي كانت التي كانت تتسلل عبر مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع لتقديم الدعم لنساء وأطفال تعرضوا للاغتصاب، معرِّضة نفسها للاعتقال أو القتل.

وكانت أميرة تعبر خلسة، كل صباح، خط المواجهة المتغير في ولاية شمال كردفان وسط السودان، وتدخل أراضي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، “وهي قوات شبه عسكرية ارتكبت جرائم حرب لا تُحصى، من بينها الإبادة الجماعية”، خلال الحرب الكارثية التي تعصف بالبلاد، على حد تعبير تاونسند.

وكان كل من طرفي الصراع ينظر إليها بعين الريبة. تقول أميرة للصحيفة البريطانية: “كنت أتعرض للاستجواب باستمرار، كل يوم كنت أخضع للتحقيق، وحتى عندما أذهب إلى السوق، كانوا يسألونني من أين حصلت على المال؟”.

وسط هذا المناخ من الخوف وانعدام الثقة، نجح السودان، الذي يواجه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، في إنتاج واحدة من أكثر القصص إلهاما هذا العام، بحسب تعبير غارديان.

بين خطوط القتال المتحركة بين الجيش السوداني النظامي وقوات الدعم السريع، وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة، برزت الشبكة الشعبية بوصفها البديل الوحيد القادر على توفير الغذاء والرعاية الطبية والدعم النفسي لملايين السودانيين

ففي أرجاء البلاد الشاسعة، تشكلت فروع لغرف الاستجابة للطوارئ، من السودانيين العاديين لتقديم الغذاء والرعاية الطبية المنقذة للحياة لملايين المواطنين. وهي الشبكة نفسها التي لم تجرؤ أميرة على إخبار والدتها بأنها جزء منها.

ويوضح المراسل أن العمل الإنساني في السودان بات محفوفا بالمخاطر، لكن رغم ذلك نمت شبكة غرف الاستجابة للطوارئ لتضم نحو 26 ألف متطوع، يعملون في 96 من أصل 118 منطقة سودانية، ويقدمون مساعدات لأكثر من 29 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف سكان البلاد.

وتصف غارديان هذه الشبكة بأنها تتميز بقدرتها على تجاوز الانقسامات العرقية والجهوية، واكتساب ثقة المجتمعات المحلية، مما جعلها عنصرا حاسما في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي في بلد مزقته الحرب.

لكن هذه الفاعلية نفسها جعلت المتطوعين هدفا مباشرا للمتحاربين. فبحسب التقرير، قُتل ما لا يقل عن 145 متطوعا، في حين اعتُقل أو اختفى عدد غير معروف بسبب غياب الاتصالات في مناطق واسعة من البلاد. كما يتعرض المتطوعون للتعذيب والضرب والاتهام بالانحياز السياسي.

مفارقة صارخة

وعلى الصعيد الدولي، يُظهر التقرير مفارقة صارخة، فرغم أن غرف الاستجابة للطوارئ هي الجهة الأكثر فاعلية على الأرض والأقل تكلفة مقارنة بالوكالات الأممية، فإنها تعاني من شح حاد في التمويل.

فهذه الغرف -وفق صحيفة غارديان- لم تتلق سوى أقل من 1% من إجمالي أموال المساعدات الدولية المخصصة للسودان. كما أن تجميد المساعدات الأميركية فاقم الأزمة، مما جعل الغرف تعمل بعجز مالي يصل إلى 77%، الأمر الذي أدى لإغلاق مئات المطابخ الجماعية (تكايا) التي كانت تمنع حدوث مجاعة شاملة.

ويشير تاونسند، في تقريره، إلى زيارة قام بهم ممثلو غرف الاستجابة للطوارئ إلى لندن ولقائهم وزيرة الخارجية البريطانية يمثل اعترافا سياسيا مهما بشجاعتهم، لكن المتطوعين يؤكدون أن حاجتهم الحقيقية تكمن في الحماية والتمويل المباشر لا الإشادات الشفهية.

ويضيف المراسل أن غرف الاستجابة للطوارئ كانت قد رشحت هذا العام لنيل جائزة نوبل للسلام، ولدهشة كثير من العاملين في المجال الإنساني لم تحصل عليها.

رغم أن غرف الاستجابة للطوارئ هي الجهة الأكثر فاعلية على الأرض والأقل تكلفة مقارنة بالوكالات الأممية، فإنها تعاني من شح حاد في التمويل

لكن المتطوعين لم يأبهوا لذلك، حيث قال أحدهم، ويدعى جمال، “نحن نريد فقط أن نساعد”.

تجدر الإشارة إلى أن الفضل في تأسيس تلك الغرف يعود إلى لجان المقاومة التي نشأت خلال الاحتجاجات الشعبية المناهضة لنظام عمر البشير، وكان لها دور محوري في الإطاحة به في أبريل/نيسان 2019.

ومع استمرار الزخم الشعبي خلال الفترة الانتقالية للمطالبة بالحكم المدني، ووسط تزايد القمع واستهداف المتظاهرين، ظهرت مبادرات طبية طارئة مؤقتة لعلاج الجرحى، شكلت النواة الأولى لغرف الطوارئ، بمبادرة من شباب وشابات معظمهم من أعضاء لجان المقاومة، بهدف تقديم العون لمجتمعاتهم.

المصدر: غارديان\ عرض الجزيرة نت

الناجون من مجازر الفاشر يروون لنيويورك تايمز مآسي الفرار من الجحيم

حين تسقط المدن، لا تنهار الجدران وحدها، بل تسقط معها كل معاني الإنسانية لتترك وراءها أخدودا من الوجع، ولعل أحدث تجليات هذا المشهد ما يحدث في إقليم دارفور غربي السودان، وتحديدا في مدينة الفاشر حيث تمتد مأساة الحرب الدائرة هناك من أزقتها التي تنزف دما إلى رمال تشاد القاحلة.

وفي تقرير مدعم بالصور في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أجرى المراسل إيفور بريكيت مقابلات مع عشرات اللاجئين خلال أسبوعين من العمل الميداني في مخيمي “تيني” و”كارياري” في شرق تشاد، بالقرب من الحدود مع السودان.

end of list

تقول الصحيفة إن مأساة مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، تجسد فصلا مرعبا من فصول الحرب السودانية التي شردت أكثر من 12 مليون إنسان.

إبادة ممنهجة

فعقب حصار خانق دام 18 شهرا، تحولت المدينة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى مسرح لعمليات إبادة ممنهجة على يد قوات الدعم السريع، بحسب تقرير نيويورك تايمز.

وتشير الصحيفة إلى أن التقارير الواردة من مخيمات اللاجئين في تشاد ترسم صورة لمدينة تحولت إلى سجن كبير، حيث القتل العشوائي، وعمليات الاغتصاب الواسعة، والإعدامات الميدانية الموثقة.

ويظهر مقطع فيديو مروع تأكدت صحيفة نيويورك تايمز من صحته، أحد مقاتلي قوات الدعم السريع وهو يعدم ناجيا من العنف بينما كان يتوسل له.

وتقدر وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة أن 100 ألف شخص فروا من الفاشر منذ انهيارها، مما يترك أكثر من 150 ألف شخص في عداد المفقودين.

التقارير الواردة من مخيمات اللاجئين في تشاد ترسم صورة للفاشر كمدينة تحولت إلى سجن كبير، حيث القتل العشوائي، وعمليات الاغتصاب الواسعة، والإعدامات الميدانية الموثقة

شهادات قاسية

ووفق الصحيفة، فإنه لا أحد يعرف الحصيلة الحقيقية للمجزرة، ولا تزال المدينة مغلقة أمام العالم الخارجي، على الرغم من أن بعض المساعدات بدأت تصل إلى أجزاء أخرى من دارفور.

وفي قلب هذه المأساة، تبرز قصص الناجين كشهادات حية على الجحيم الذي وجدوا أنفسهم يصطلون بناره. ومن بين هؤلاء امرأة تُدعى مناهل إسحق (35 عاما)، ذكرت أن المقاتلين “سيسألونك سؤالا واحدا فقط: هل أنت مع الحكومة أم مع قوات الدعم السريع؟”.

قبل أيام من سقوط الفاشر، أرسلت مناهل ابنها البالغ من العمر 14 عاما للبحث عن بعض الطعام. قالت والدموع تنهمر من عينيها، إن ابنها “لم يستطع التحدث أو قول أي شيء. كانت أحشاؤه خارج جسده وعظامه محطمة”. ثم ولّت وجهها شطر الحدود وهي تحمل في أحشائها جنينا كُتبت له الحياة وسط رصاص القناصة.

روت مناهل قصة هروبها من الفاشر ورحلتها التي استغرقت شهرا إلى مخيم أوري كاسوني. وبينما كانت تجلس خارج المستشفى المتهالك والمغبرّ في المخيم، قالت إن شقيقها قُتل أثناء فرار العائلة، وإنها أصيبت برصاص قناص في ظهرها.

رعب

أما المراهق مصطفى (16 عاما)، فقد قال إنه و4 من أقرانه فكروا في مغادرة الفاشر، بعدما رأى 4 أفراد من عائلة جاره يُعدمون على أيدي مقاتلي قوات الدعم السريع أثناء سيطرتهم على المدينة.

وضع مصطفى وأصدقاؤه خطة للمغادرة تحت جنح الظلام، لكنهم لم يبتعدوا كثيرا قبل أن تقبض عليهم قوات الدعم السريع بالقرب من قرية “قرني”.

قال مصطفى “كنا خائفين. قالوا لنا: اهدؤوا، لن نقتلكم”. تم ربطهم بشجرة وتركوهم هناك لمدة يومين حتى فك قرويون محليون وثاقهم وأمروهم بالركض. نجا 3 ووصلوا إلى المخيم، في مشهد يعيد للأذهان صور التوحش البدائي.

وفي المستشفيات التي تفتقر لأدنى المقومات، كان الجرحى يواجهون الموت مرتين، مرة بالقصف ومرة بنقص الدواء، كما حدث مع حسام الطاهر الذي فر على عربة يجرها حمار قبل يومين فقط من وقوع “مجزرة المستشفى السعودي” التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وراح ضحيتها 400 مريض.

احتجاز وفدية

احتُجِز حسام ووالدته أثناء فرارهما، وطالبهم المقاتلون بـدفع 20 مليون جنيه سوداني (حوالي 5600 دولار) لإطلاق سراحهما، ودفع الأقارب الفدية.

وفي بلدة تيني الحدودية، التقى مراسل نيويورك تايمز بالشاب علي إسحق، الذي فقد ساقه في غارة جوية قتلت عائلته بالكامل العام الماضي. وعندما تأكد سقوط المدينة، قرر هو وصديقه يحيى رزق الهروب ليلا. وبما أن علي لا يستطيع المشي بسرعة، حمله يحيى على ظهره.

قال يحيى “نعم حملته على ظهري لمدة 7 أيام، حيث كنا نتحرك في جنح الظلام مثل الخفافيش، لأنهم إذا عثروا عليك فسوف يُقطعونك إربا”.

اليوم، يقبع هؤلاء الناجون في مخيمات مثل “أوري كاسوني” شرقي تشاد، حيث يتضاعف عددهم يوميا وسط تجاهل دولي وشح في المساعدات.

وطبقا للصحيفة الأميركية، فإن هذا المخيم يضم الآن أكثر من 100 ألف لاجئ، وهو وجهة رئيسية للفارين من الفاشر. ورغم الحياة القاسية في المخيمات، يجد اللاجئون طرقا لجعلها تبدو كأنها وطن.

المصدر: نيويورك تايمز\ عرض الجزيرة نت

غارديان: شركات مسجلة في بريطانيا تجنّد مرتزقة كولومبيين في السودان

كشفت صحيفة غارديان البريطانية، في تحقيق حصري، عن تورط شركات مسجلة بالمملكة المتحدة في تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية.

وربط التحقيق -الذي أعده مارك تاونسند- بين شقة سكنية متواضعة في شمال لندن وشبكة دولية لتجنيد المرتزقة، يديرها أشخاص فرضت عليهم الولايات المتحدة عقوبات بسبب دورهم في تأجيج الحرب الدائرة بالسودان.

end of list

ونبّه التحقيق إلى أن هذه الشقة المكونة من غرفة نوم واحدة في شارع كريتون شمال لندن مرتبطة بشبكة عابرة للحدود من الشركات المتورطة في التجنيد الجماعي للمرتزقة من أجل القتال في السودان، إلى جانب قوات شبه عسكرية متهمة بارتكاب عدد لا يُحصى من جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

نازحون من العنف بمدينة الفاشر (مواقع التواصل)

ووفقا للتحقيق، شارك المرتزقة الكولومبيون بشكل مباشر في الهجوم على مدينة الفاشر بإقليم دارفور أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو الهجوم الذي أعقبه تصعيد دموي قُدّر عدد ضحاياه بالآلاف، إضافة إلى اتهامات بارتكاب اغتصابات جماعية وعمليات قتل ممنهجة للمدنيين شملت النساء والأطفال.

كما لعب هؤلاء المرتزقة -حسب التحقيق- أدوارا متقدمة في تشغيل الطائرات المسيرة وتدريب المقاتلين، بل وتدريب أطفال على القتال، إضافة إلى دورها الحاسم في سقوط الفاشر، وخلال القتال في إقليم كردفان المتاخم لإقليم دارفور.

إجراءات أكثر صرامة

وأوضح التقرير أن الشركة المحورية في القضية التي حملت لاحقا اسم “زيوس غلوبال”، سُجلت في شمال لندن برأسمال محدود، ويظهر في سجلات هيئة تسجيل الشركات البريطانية أن مؤسسيها مواطنون كولومبيون مصنّفون كمقيمين في المملكة المتحدة.

وأشار تحقيق غارديان إلى أن “زيوس غلوبال” أسسها مواطنان كولومبيان في الخمسينيات من العمر، فرضت عليهما وزارة الخزانة الأميركية عقوبات الأسبوع الماضي بتهمة توظيف مرتزقة كولومبيين للقتال لصالح قوات الدعم السريع في السودان.

ولا تزال الشركة نشطة -حسب التقرير- غير أنها غيّرت عنوانها إلى قلب لندن عقب إعلان العقوبات الأميركية مباشرة، مستخدمة عناوين مرتبطة بفنادق فاخرة نفت أي علاقة لها بالشركة، مما أثار تساؤلات حول الرقابة والشفافية.

وأعرب خبراء في شؤون السودان إضافة إلى الأمم المتحدة عن قلق بالغ من قدرة أشخاص خاضعين لعقوبات دولية على تأسيس شركات في بريطانيا واستخدامها كواجهة لأنشطة خطيرة، مؤكدين أن سهولة تسجيل الشركات البريطانية جعلتها تاريخيا أداة تستغل في صفقات أسلحة ودعم عسكري لجهات محظورة حول العالم.

ومن جهتها، قالت الحكومة البريطانية إنها أدخلت مؤخرا إجراءات أكثر صرامة للتحقق من هويات مديري الشركات، وفرضت عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع، مؤكدة دعوتها إلى وقف فوري للفظائع وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية في السودان.

المصدر: غارديان

كاتب إيطالي: أوروبا مولت الدعم السريع لسنوات بأكثر من 432 مليون دولار

كشف مقال نشره موقع “لو ديبلومات” الفرنسي أن الاتحاد الأوروبي، وفي سبيل هوسه بوقف الهجرة غير النظامية، ضخ أكثر من 400 مليون يورو (432 مليون دولار) لقوات الدعم السريع بين عامي 2014 و2021.

وأوضح الكاتب جوزيبي غاليانو أن​ ذلك أسهم ​في بناء آلة قمعية خلّفت أكثر من 25 ألف قتيل وملايين اللاجئين ومجاعة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ منذ مجاعة إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي.

تمويل الجرائم

وتابع أن بروكسل ​لم تُبدِ استعدادا لتحمل مسؤوليتها، وواصلت تمويل جرائم الدعم السريع على مدى عقد تقريبا عبر “الصندوق الائتماني للاتحاد الأوروبي من أجل أفريقيا” وبرامج أخرى، بهدف وقف المهاجرين قبل أن يصلوا إلى البحر المتوسط.

وكانت هذه القوات -التي يقودها اليوم محمد حمدان دقلو “حميدتي”- الشريك المفضل لبروكسل في “ضبط الحدود” في دارفور وكردفان.

مظاهرة للتضامن مع الشعب السوداني أمام البرلمان الأسكتلندي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (غيتي)

وتلقت المليشيات سيارات “البيك آب، تويوتا”، والزي العسكري، وأجهزة اللاسلكي، والتدريب على “إدارة الهجرة”، بل وحتى الأنظمة البيومترية لتحديد هوية المهاجرين.

وهم أنفسهم -يتابع الكاتب- الذين ارتكبوا مجازر بحق القرى ونفّذوا عمليات اغتصاب في دارفور منذ 2004/2003.

إفلات من المسؤولية

وأوضح الكاتب أن التحذيرات توالت بكثرة، ففي 2017، نشرت “إي إن إف”، وهي منظمة أبحاث ومناصرة أميركية، تقريرا بعنوان “ضبط الحدود من الجحيم”، قالت فيه بشكل واضح: “قوات الدعم السريع من بين أكثر الجماعات وحشية على هذا الكوكب؛ وإن منحها أموالا ومعدات أوروبية هو ضرب من الجنون”.

ورددت منظمتا العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” وعشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى التحذير نفسه.

وكانت النتيجة -حسب الكاتب- أن علق الاتحاد الأوروبي بعض المشاريع لبضعة أشهر، ثم استأنفها وكأن شيئا لم يحدث، مكتفيا بالقول في منشوراته إن “قوات الدعم السريع لا تتلقى مباشرة أموالا أوروبية”، وهو تبرير شكلي لا أكثر لتغطية الواقع.

المدنيون السودانيون يدفعون ثمن سياسة الهجرة الأوروبية وفق الكاتب (أسوشيتد بريس)

​وخلص الكاتب إلى أن أوروبا تمول، باسم إدارة الهجرة، القوى التي تدفع السودانيين إلى اللجوء من الأساس، في حين لا يحاسب أحد في الاتحاد الأوروبي، ويدفع السودانيون الثمن دما وجوعا ونزوحا.

المصدر: الصحافة الفرنسية

واشنطن بوست: الفاشر بين الصمت والغياب.. مأساة إنسانية تتكشف في ظل تواطؤ دولي

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالاً للمعلق إيشان ثارور أكد فيه أن العالم يتعرف على أهوال الفاشر ليس من خلال أدلة ملموسة، بل من خلال الصمت والغياب. فلم تتمكن أي وسيلة إعلامية مستقلة من الوصول إلى المدينة السودانية في ولاية شمال دارفور، التي سقطت أواخر تشرين الأول/أكتوبر بعد أكثر من 500 يوم من الحصار المروع. وتظهر صور الأقمار الصناعية أحياء مدمرة، وأراضي ملطخة بالدماء، وآثار مقابر جماعية، فيما اختفى المرضى الذين كانوا في المستشفيات والعيادات المستهدفة، ووصل الأطفال الفارون إلى مخيمات النازحين دون آبائهم أو أحبائهم.

وأضاف المقال أن عمال الإغاثة ومسؤولي الأمم المتحدة رووا قصصاً عن مجازر واغتصابات واسعة ارتكبتها ميليشيات قوات الدعم السريع، إحدى الفصيلين الرئيسيين المتورطين في الحرب الأهلية السودانية. ومنذ اندلاع الصراع في نيسان/أبريل 2023، عززت هذه القوات سيطرتها على دارفور، واستيلاؤها على الفاشر يرسّخ تقسيمًا فعليًا بين شرق السودان وغربه، بينما استعادت القوات المسلحة السودانية العاصمة الخرطوم وسط البلاد.

وأشار ثارور إلى أن الحرب الأهلية أدت إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث نزح نحو 14 مليون شخص، نصفهم أطفال، وانتشرت المجاعة والأمراض مثل الكوليرا، لا سيما في الفاشر ومحيطها، مع لجوء السكان المحاصرين إلى أكل الأعشاب الضارة وعلف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. كما تمارس قوات الدعم السريع عنفًا ممنهجًا ضد الجماعات العرقية والقبلية غير العربية في دارفور. ويقدر عدد المفقودين بنحو 150,000 شخص، فيما تشير التقديرات إلى أن حوالي 60,000 قُتلوا على يد قوات الدعم السريع وحلفائها خلال الشهر الماضي فقط.

وفي أعقاب سقوط الفاشر، صرح ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر ييل للأبحاث الإنسانية، لشبكة سي إن إن قائلاً: “نشهد وتيرة قتل لا تضاهيها إلا الإبادة الجماعية في رواندا”، مضيفاً أن الكارثة الحالية قد تتجاوز خلال أسبوع عدد ضحايا غزة خلال عامين.

وأكد المقال أن أصداء العنف الإبادي السابق تتكرر اليوم، حيث تعج وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع يظهر فيها مقاتلو قوات الدعم السريع وهم يتباهون بقتل واغتصاب المدنيين. قبل الفاشر، شهدت الجنينة غرب دارفور مجزرة أودت بحياة حوالي 15,000 شخص من شعب المساليت، فيما استهدفت حملة تطهير عرقي شعبية هذه الجماعة.

وأشار ثارور إلى أن الفاشر لها تاريخ طويل في الإبادة الجماعية، ففي نيسان/أبريل 2003 شنت قوات المتمردين غارات على المدينة، ما مهد لحملة قمع وحشية دعمتها الحكومة السودانية آنذاك. وأوضح توم فليتشر، كبير مسؤولي الإغاثة في الأمم المتحدة، أن ما يحدث اليوم في الفاشر يذكّر بأهوال دارفور قبل عشرين عاماً، لكنه يصطدم برد فعل عالمي من نوع مختلف، قائلاً إنه رد فعل استسلام.

وأشار الكاتب إلى أن المدنيين كانوا متوقعين للكوارث، حيث قالت منظمة العفو الدولية عند اندلاع الحرب في 2023: “لا يزال المدنيون في دارفور تحت رحمة قوات الأمن نفسها التي ارتكبت جرائم حرب سابقة”. وأضاف أن الجيش السوداني أيضًا متهم بارتكاب فظائع، لا سيما القصف العشوائي للمناطق المدنية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بما فيها غارات بطائرات مسيرة في كردفان جنوب البلاد.

وذكرت مجموعة الأزمات الدولية أن تصاعد جرأة قوات الدعم السريع وترسيخ الجيش السوداني وجوده أوجد مأزقًا سياسيًا عاجزًا عن حله عسكريًا. بعد أن اشترط الجيش انسحاب قوات الدعم السريع من الفاشر كشرط مسبق للمفاوضات، بدا أقل رغبة في الحوار بعد هذه الهزيمة مباشرة، ما يستلزم دبلوماسية عاجلة من “الرباعية” بقيادة الولايات المتحدة، بمشاركة مصر والسعودية والإمارات.

واختتم المقال بما كتبه جاويد عبد المنعم، الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود: “يتم تمكين الموت والدمار بسبب امتناع العديد من الحكومات عن استخدام نفوذها للضغط على الأطراف المتحاربة لوقف قتل الناس أو منع وصول المساعدات الإنسانية، مكتفية بإصدار بيانات قلق سلبية، بينما تقدم الدعم المالي والسياسي والأسلحة التي تدمر وتشوه وتقتل”.

المصدر: صحيفة “واشنطن بوست” \ عرض القدس العربي

صحيفة القدس العربي: من حضرموت إلى كردفان: المعلن والمخفي!

أطلق «المجلس الانتقالي» اليمني، عملية عسكرية في الساعات الأولى من صباح الخميس الماضي في وادي حضرموت. تمكنت قوات «الدعم الأمني» المهاجمة، المجهزة بعتاد متطور، خلال ساعات، من احتلال مدينة سيئون ومطارها ومقر المنطقة العسكرية الأولى ثم تمددت نحو تريم والقطن ومواقع عسكرية في عمق الصحراء. وصفت مراكز أبحاث وتقارير صحافية ما حصل بأنه «اجتياح سريع متطور لإقليم نفطي استراتيجي».

كشفت قوات «الانتقالي»، قبل فترة قصيرة، تحضّرها للهجوم عبر حشود عسكرية، مما دفع حلف قبائل المحافظة الغنية بالنفط، للإعلان عن تشكيل قوات «حماية حضرموت» وتفويضها بالتحرك «لردع أي قوات قادمة من خارج المحافظة»، واعتبار أن أي تمركز لتلك القوات المهاجمة «احتلالا» يستوجب المقاومة.
أعلنت قوات «الانتقالي» بعدها السيطرة على مواقع تابعة للشركات النفطية في منطقة المسيلة وانتشارها في الحقول النفطية ومحيط المنشآت وطرق الإمداد فيما انسحبت قوات حلف قبائل حضرموت وإعلان اتفاق لخفض التصعيد خلال اجتماع عُقد في مدينة المكلا برعاية سعودية.
تشكّل حضرموت نحو ثلث مساحة اليمن، وتضم حوالي ثمانين بالمئة من احتياطيات النفط في البلاد، وتمثّل المحافظة، التي تمتد من سواحل بحر العرب حتى الحدود اليمنية ـ السعودية، موقعا جيو سياسيا كونه يؤمن نفوذا برّيا وبحريا، وتمثّل حضرموت عمقا استراتيجيا للرياض إضافة إلى كونها منفذا إلى بحر العرب يمكّن المملكة من تنويع طرق تجارتها وتصدير الطاقة.
يحمل التحرّك الأخير التفاصيل المميزة لأسلوب مشابه لما يحصل في دول أخرى، بشكل تتساند فيه العناصر السياسية والعسكرية والأمنية.
أحد العناصر المميزة لهذا الأسلوب، هو بناء ميليشيات من خارج إطار الدولة، وهو ما حصل في ظاهرة خليفة حفتر، التي بدأت عام 2014، وتمكنت من السيطرة على شرق ليبيا ومناطق في جنوبها، كما تسيطر عمليا على مجلس النواب في طبرق، وكان له دور طاغ في تأسيس حكومات موازية في الشرق الليبي؛ وهو ما تمّ تطبيقه أيضا في حالة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان، والذي تخوض قواته، «الدعم السريع»، حربا دموية ضد الجيش السوداني، وقد قام أيضا بإنشاء حكومة موازية في نيالا في شباط/فبراير الماضي.
يبيّن هجوم «الانتقالي»، عنصرا آخر شديد الأهمية في معادلات الصراع الإقليمي والتدخّلات، والذي تكشفه خطط السيطرة على مراكز الموارد الأساسية في البلدان التي تمزقها النزاعات، وهو ما يفسّر كون حضرموت، الغنيّة بالنفط، هدفا رئيسيا في حسابات «الانتقاليّ» وراعيه الإقليمي، وليس مفاجئا أن يتوازى هذا الهجوم، مع هجمات «الدعم السريع» في السودان على ولاية غرب كردفان حيث تقع حقول هجليج وأبو جابرة وبامبو، وولاية جنوب كردفان، وهما ولايتان تضمّان أحواضا نفطية كبرى، وهو ما جرى تطبيقه أيضا في ليبيا حيث كانت عائدات النفط وإدارته في مركز الصراع السياسي والاقتصادي بين حفتر وحكومة طرابلس.
يبيّن تقرير نشرته مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي العنصر الثالث في أجندة التدخّلات، حيث يكون هدف محاربة الأنظمة الجهادية هو المبرر المعلن، فيما يكون الصراع الإقليمي، والهيمنة السياسية والاقتصادية، هي الأهداف الحقيقية، وكان «إنهاء تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» هو الهدف المعلن لإنشاء قوات «النخبة الحضرمية» المنخرطة في الصراع الأخير، في محاولة لإخفاء عنصر الصراع الإقليمي وكذلك إخفاء مسعى التوسع الجغرافي السياسي، والسيطرة على موارد تلك البلاد.

صحيفة “ذا هيل”: مساعي ترامب لإحلال السلام في السودان تُقابل بالتشكيك: “هم لا يرون سببًا للتوقف”

إعلان الرئيس ترامب في وقت سابق من هذا الشهر أنه سيدفع نحو وقف إطلاق النار في السودان لاقى ترحيبًا من قبل المسؤولين والخبراء كونه يسلط الضوء على صراع مدمر يؤدي إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

لكن الخبراء متشائمون من أن يحدث اختراق حقيقي، مشيرين إلى دبلوماسية الإدارة السطحية، وتضارب مصالح ترامب مع داعمي الحرب الدوليين، وعدم رغبة الرئيس الظاهرة في ممارسة ضغط جدي.

قال أريج الحاج، محرر المحتوى العربي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والصحفي السابق في شبكة إذاعة الشرق الأوسط الممولة سابقًا من الولايات المتحدة: “خلال العام الماضي، كنا نطلق على السودان ‘الحرب المنسية’ ونحن كذلك.”

وأضاف: “أعتقد أن اهتمام ترامب أعطى دفعة مفاجئة وقوية، وأنا متفائل جدًا بذلك، لكن في نفس الوقت، لا ينبغي أن ننسى أن السودان، للأسف، لم يكن أبدًا أولوية للإدارات الأمريكية.”

خلال فترته الأولى، أزال ترامب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد ثورة شعبية أطاحت بنظام عمر البشير الديكتاتوري الذي استمر 30 عامًا. لكن الانتقال إلى ديمقراطية يقودها المدنيون انهار في أبريل 2023 مع اندلاع الحرب بين الجيش الوطني، القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية.

بعد عامين من الحرب، يوصف السودان بأنه كابوس من العنف والمرض والجوع. توفي أكثر من 150,000 شخص في الصراع، ونزح حوالي 14 مليون، ومن المتوقع أن يعاني حوالي نصف سكان البلاد البالغ عددهم 50 مليون شخص من الجوع هذا العام.

حددت الولايات المتحدة أن الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، قد ارتكب إبادة جماعية. كما اتهم الرئيس الانتقالي للسودان وقائد القوات المسلحة، الجنرال عبد الفتاح البرهان، بالإشراف على عنف شديد ضد المدنيين. أعلن عن مجاعة في بعض المناطق اعتبارًا من 2024.

أعلن ترامب في 19 نوفمبر، عقب اجتماع مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أنه سيستخدم نفوذه للدفع نحو وقف إطلاق النار بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

لكن الطلب السعودي أشار إلى أن الرياض ترى أن القوات المسلحة، التي تدعمها كالقوة العسكرية الشرعية، تواجه صعوبة في مواجهة قوات الدعم السريع التي تدعمها الإمارات. تنفي أبوظبي تزويد قوات الدعم السريع بالسلاح، على الرغم من أن لجنة الأمم المتحدة قالت إن المزاعم جديرة بالثقة، وذكر اثنان من المشرعين الديمقراطيين الأمريكيين أن المخابرات الأمريكية تشير إلى دعم عسكري إماراتي.

ترامب كـ “حكم” بين دول الخليج

تعتبر السعودية والإمارات السودان موقعًا استراتيجيًا لممارسة النفوذ في البحر الأحمر وإسقاط القوة في إفريقيا. ينتقد المحللون اللاعبين الخارجيين لتفاقم الحرب.

قالت خلود عداير، مديرة شركة Confluence Advisory، التي كانت منظمة سياسة ودعوة مقرها الخرطوم تركز على السلام والأمن: “الكثير من المحادثات التي تحدث الآن بين واشنطن والرياض وواشنطن وأبوظبي ليست عن السودان فعليًا، بل تدور حول هذه القوى المتوسطة التي نمت من حيث قدرتها على إسقاط القوة والنفوذ والتنافس فيما بينها.”

وأضافت: “تزداد هذه المصالح تناقضًا، خاصة في حوض البحر الأحمر، وبذلك في القرن الأفريقي، وهي تعتمد أكثر فأكثر على الرئيس ترامب أو الأمريكيين عمومًا للعمل كحكم بينهم.”

قال وزير الخارجية ماركو روبيو في وقت سابق من هذا الشهر إن الأسلحة يجب أن تُقطع عن قوات الدعم السريع، لكنه لم يتهم الإمارات.

عملت إدارة ترامب من خلال مجموعة تُعرف بـ “مجموعة الرباعية” — التي تضم مصر والسعودية والإمارات — للتوصل إلى إجماع بين داعمي الحرب ثم، نظريًا، فرض ضغط على القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

في بيان مشترك صدر في سبتمبر، دعت مجموعة الرباعية إلى وقف إنساني لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر واتفقوا على مجموعة مبادئ مشتركة حول الحرب، خصوصًا ضرورة وقف الدعم العسكري الخارجي وأن مستقبل السودان من حق الشعب السوداني وليس الفصائل المتحاربة.

لكن الوثيقة لم تضع خارطة طريق لتحقيق هذه القيم، حسب كلام كاميرون هادسون، مدير أفريقيا السابق في مجلس الأمن القومي والذي عمل كرئيس موظفي لمبعوثين خاصين للسودان.

قال: “لا توجد عواقب… لقد طلبنا منكم التوقف، ولكن إذا لم تتوقفوا، فلا توجد عواقب لعدم التوقف، هذا هو الشيء الأول.”

وأضاف: “ثانيًا، لم نمنعهم من الاستمرار في القتال… إذا كنا نحاول حقًا ممارسة الضغط عليهم، لكنا فرضنا حظرًا على الأسلحة.”

ويُنظر إلى ترامب على أنه من غير المحتمل أن يمارس نفوذًا قويًا على السعودية أو الإمارات. وعدت الدولتان باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة كجزء من شعار ترامب “أمريكا أولاً” لفترته الثانية، لكن أعمال عائلته مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بكلا البلدين.

صندوق الاستثمارات العامة السعودي هو مستثمر رئيسي في شركة الاستثمار الخاصة لجارد كوشنر، وكجزء من مشاريع ترامب هناك فندق بقيمة مليار دولار مخطط له في مدينة جدة السعودية. وتصف الإمارات بأنها “مركز” لمشاريع أعمال عائلة ترامب الدولية.

“هم لا يرون سببًا للتوقف”

بدون ضغط جدي من المجتمع الدولي على الطرفين، يقول المحللون إنه لا يوجد حافز أمام البرهان ودقلو على التوصل إلى هدنة.

تم رفض محاولة وقف إطلاق النار التي قادتها الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر من قبل البرهان يوم الاثنين باعتبارها “أسوأ وثيقة حتى الآن”، مع نقدها لضعف القوات المسلحة وحفظ قوات الدعم السريع التي وافقت على الشروط.

قال مسعد بلوس، والد زوجة ترامب ومستشاره الكبير في الشؤون الإفريقية، يوم الثلاثاء إن “أحد الطرفين لم يوافق على الهدنة”.

يوفر الموسم الجاف في السودان ظروفًا مثالية للقتال، وقد حصل دقلو على موقع استراتيجي كبير مع استيلائه الشهر الماضي على مدينة الفاشر السودانية، حسب عداير.

أدى سقوط الفاشر إلى صدمة المجتمع الدولي، مع وجود بقع من الأرض الملطخة بالدماء الناتجة عن قتل جماعي مرئية من الفضاء، والناجون القليلون يروون قصصًا مرعبة عن مشاهدة عمليات إعدام ومعاناة من العنف الجنسي.

ونُقل أن قوات الدعم السريع تعيد تموضعها من الفاشر متجهة شرقًا، بهدف السيطرة على الخرطوم والتقدم نحو الساحل على البحر الأحمر.

قالت عداير: “هم لا يرون سببًا للتوقف، لأنهم يمتلكون الزخم الآن.”

دبلوماسية سطحية حتى الآن
لم يعين ترامب بعد مبعوثًا خاصًا للسودان كما هو مطلوب فيدراليًا، بينما أدى تدمير الإدارة الأمريكية لوكالة التنمية الدولية، وتقليص موظفي وزارة الخارجية، وإلغاء المكاتب الرئيسية التي تتعامل مع الديمقراطية وحقوق الإنسان واللاجئين إلى فقدان قاعدة مهمة من المعرفة المؤسسية عن المنطقة.

يعكس اعتماد ترامب على بلوس للتعامل مع السودان — حتى لو اعتُبر مبعوثًا حسن النية — ما يراه المحللون جهدًا ناقص الموظفين.

قال هادسون: “لقد شاركت في جهود عندما يشير الرئيس إلى تحول في السياسة يحدث أمران: نكتب سياسة، ولكن عادةً ما يحدث تحرك وظيفي ما.”

وأضاف: “إما تعين شخصًا رفيع المستوى لقيادة السياسة، أو تجمع فريقًا، أو تنشئ مكتبًا، أو تفعل شيئًا بيروقراطيًا تقول فيه: ‘حسنًا، نخصص الموارد البشرية لهذا، ونطور استراتيجية.’ لم يحدث أي من ذلك.”

قالت عداير إن مجموعة الرباعية هي تشكيل معيب لمحاولة تحقيق وقف إطلاق النار ومن غير المرجح أن تدفع نحو حكم مدني.

وأضافت: “هي مجموعة دول كلها — مع استثناء الولايات المتحدة — متورطة عسكريًا وماليًا في السودان ولذلك لديها مصلحة.”

وقالت: “السعوديون والمصريون والإماراتيون لم يريدوا أبدًا حكمًا ديمقراطيًا مدنيًا في السودان. الولايات المتحدة تقول أنها تريد ذلك، فكيف تجمع هذا الأمر؟”

قالت الحاج إن قرار ترامب هذا الأسبوع بتصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية هو إشارة جيدة لممارسة الضغط على بعض الشبكات التي تدعم القوات المسلحة، والتي قد تساعد في دفع الهدنة، ودعت لتشديد فرض حظر الأسلحة الصادر في 2005 على إقليم دارفور وفرض المزيد من العقوبات على الدائرة الداخلية لدقلو.

لكنها حذرت من أن الطريق طويل وشاق.

قالت: “لحل مشكلة السودان، نحتاج إلى إعادة بنائه من الصفر… يجب إعادة بناء الشعب، والثقة بين السودانيين أنفسهم.”

 

المصدر: صحيفة “ذا هيل”

فورين بوليسي: آن أوان توثيق جرائم حرب السودان

دعت الصحفية جانين دي جيوفاني، الرئيسة التنفيذية لـ”مشروع ركونينغ” وزميلة أولى في كلية جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل، إلى المسارعة بتوثيق المجازر الجارية في السودان، وعدم تكرار الأخطاء التي رافقت مجازر سابقة وقعت -على سبيل المثال- في كل من البوسنة ورواندا.

وأضافت، في مقالها بمجلة فورين بوليسي الأميركية، أنها شهدت كصحفية متخصصة في تغطية الحروب في التسعينيات، فشل العالم في منع وقوع الإبادتين الجماعيتين، ومعاناة العالم لاحقا في محاسبة الجناة.

end of list

وأوضحت أن أكثر من 150 ألف شخص قتلوا في الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023، وباتت الأدلة مرئية من الفضاء.

مأساة الفاشر

وذكرت أن مدينة الفاشر سقطت في أكتوبر/تشرين الأول، بيد قوات الدعم السريع بعد حصار وحشي دام 18 شهرا، كانت خلاله أزمة الغذاء والكهرباء والمياه قد وصلت مستويات حرجة. وبعد السقوط، صدرت تقارير عن إعدامات جماعية واغتصاب وتعمد عرقلة المساعدات، إضافة إلى مشاهدات لمقابر جماعية.

وزادت أن سقوط الفاشر شكّل لحظة مفصلية، وشددت على أنه آن أوان الانتقال إلى التوثيق ثم محاسبة الجناة، مبرزة أن إيقاف العنف الجاري أمر ملح لكن جمع الأدلة لا يقل إلحاحا.

ونقلت حديث جيهان هنري، الخبيرة في شؤون السودان والتي تقود عمل مشروع ركونينغ في دارفور، عن سيل الأدلة المتدفق من الإقليم عبر الهواتف ووسائل التواصل.

وقالت جيهان: “شاهدنا مقاتلي الدعم السريع يصورون أنفسهم وهم يقتلون مدنيين ويتفاخرون بذلك، وقد تحققت منظمات حقوقية من هذه الصور وقاطعتها مع بيانات الأقمار الصناعية، بل وحددت بعض القادة الفرديين. لم يعد هناك شك في الانتهاكات”.

شددت دي جيوفاني على أنه آن أوان الانتقال إلى التوثيق ثم إلى محاسبة الجناة في السودان، مبرزة أن إيقاف العنف الجاري أمر ملح لكن جمع الأدلة لا يقل إلحاحا

رواندا والبوسنة

وشددت الكاتبة دي جيوفاني أن التحدي الآن هو دمج الأدلة الرقمية في آليات العدالة الرسمية، موضحة أن على المحاكم أن تتكيف مع أشكال التحقق الجديدة وأن تعمل بانسجام أكبر مع المجتمع المدني. وعلى الدول أن تكون مستعدة للتحرك استنادا إلى المعلومات المتاحة لديها، والالتزام بالقبض على الجناة.

وتحدثت، في مقالها بمجلة فورين بوليسي، أن العالم كله تابع مقتل أكثر من 800 ألف شخص خلال 100 يوم في رواندا عام 1994.

ثم لاحقا، وقعت مجزرة مروعة في سربرنيتسا بالبوسنة عام 1995، قُتل فيها أكثر من 8 آلاف مسلم في البلدة التي أعلنتها الأمم المتحدة “منطقة آمنة”.

وأضافت أن كلتا الجريمتين الفظيعتين حدثتا أمام أعين المجتمع الدولي، وكشفتا عن مدى عجزه عن جمع الأدلة وحفظها في قضايا الجرائم ضد الإنسانية.

أدلة تحقق

في ذلك الوقت -تتابع جانين دي جيوفاني- اعتمدت التحقيقات على شهادات الناجين وملاحظات الصحفيين، ثم العمل البطيء والمروّع لنبش المقابر الجماعية.

وعندما بدأت “المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة” تحقيقاتها في مذبحة سربرنيتسا عام 1996، كان الصرب قد نبشوا الجثث وأعادوا دفنها لإخفاء الأدلة. لكن شيئا جديدا خرج من البوسنة: صور الأقمار الصناعية، وفقا للصحفية.

وبحسب الكاتبة، وبعد أكثر من 30 عاما، تغيّرت أدوات التحقيق في جرائم الحرب جذريا بفضل الطفرة التقنية، وبدأت المحكمة الجنائية الدولية استخدام صور الأقمار الصناعية بشكل منهجي في تحقيقها بدارفور.

فقد ظهر جيل جديد من المحققين الرقميين، وكذلك أطلقت صحف كبرى -مثل نيويورك تايمز– فرق تحقيق خاصة تعتمد على متخصصين.

وبالتالي باتت التحقيقات تخلق سجلا عاما للجرائم لا يمكن محوه أو إنكاره، فلدى الجميع هواتف، وتعمل منظمات مثل “آي ويتنس” مع المواطنين في مناطق الحرب لتوثيق الفظائع لحظة وقوعها، فارضة تبعات أخلاقية وسياسية.

المصدر: فورين بوليسي+ ممتابعة وعرض الجزيرة نت

الغارديان ..نسرين مالك: الحرب الوجودية في السودان بين الحرس القديم وميليشيا مدججة بالأسلحة يدفع ثمنها الباهظ المدنيون

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لنسرين مالك عن الأزمة السودانية، قالت فيه إن صراعا مريرا على السلطة السياسية والاقتصادية قسم السودان وبثمن إنساني باهظ ولم يعد هناك مجال لتجاهله.

وأكدت الكاتبة السودانية أن السؤال عن السودان يلاحقها في كل مكان تذهب إليه، وهذا نابع في جزء منه لقلقها على عائلتها ومسقط رأسها. وفي جزء منه الرغبة الصادقة في فهم كيف تحول الصراع هناك إلى حرب محتدمة لا يمكن مقاومتها أو وقفها.

وعند السؤال عن رأيها في الحرب فالجواب هو نفسه، الشعور الدائم بالذهول  حيث تقول “ما زلت لا أُصدق أنها وقعت، وبعد ثلاث سنوات من الصراع، لا يزال هناك شعور بالذهول من تفكك السودان بهذه السرعة. ربما هذا ما يشعر به دائما من غرقت بلدانهم فجأة في الحرب. وبالنسبة للغرباء، تبقى الحرب قصة، عنوانا رئيسيا، حدثا سياسيا، وربما، لا سيما في أفريقيا، ليست حدثا بعيدا أو غير متوقع. لكنها ليست قدرا طبيعيا لأحد، وكل يوم يكون صعبا ومربكا كسابقه”.

 وتضيف مالك إن للسودان تاريخين في الحرب، تاريخ طويل وقصير.

فالتاريخ الطويل يشير إلى أن السلطة الاقتصادية والسياسية ظلت في يد حفنة قليلة. وتم تهميش مناطق مثل دارفور وتجاهلها. وعانت المنطقة من تنافس على المصادر والنزاع القائم على خطوط إثنية بين العرب والجماعات الأفريقية، وارتكبت إبادات ضد الجماعات غير العربية في العشرية الأولى للقرن الحالي، ونفذتها جماعات عربية عرفت بالجنجويد التي دعمتها وباركتها الحكومة المركزية وكانت النتيجة أنه حتى مع بقاء السودان ككل على حاله، فقد استمرت الصراعات المحلية محتدمة لعقود، مما أدى إلى نمو وتمكين الجماعات المسلحة. ويعد إرث هذا التاريخ الأبرز هو قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا انبثقت رسميا من جماعات مسلحة، وهي الآن في حالة حرب مع القوات المسلحة السودانية.

أما التاريخ القصير للسودان، فهو الثورة الشعبية السودانية في عام 2019، والتي أنهت حكم عمر حسن البشير الذي استمر 30عاما. وقد كانت أبرز مطالب الثورة إزاحة ديكتاتور، وإقصاء الجيش (الذي نشأ البشير بين صفوفه عندما قاد انقلابًا عام 1989) عن السلطة نهائيا.

وفي أعقاب الثورة، اتضح أن قوات الدعم السريع، التي تعاونت مع البشير وحكومته لقمع التمرد في دارفور، قد حشدت نفوذا  كبيرا. ومع رحيل البشير، دخلت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية فيما كان يفترض أن يكون اتفاقا مؤقتا لتقاسم السلطة مع المدنيين لتمهيد الطريق للحكم المدني. ولم يدم هذا الاتفاق طويلا، فقد انقلبت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على المدنيين، ثم على بعضها البعض. واتضح أن السودان لا يتسع إلا لفصيل مسلح واحد.

وترفض الكاتبة وصف الحرب في السودان بأنها “حرب أهلية”، لأن هذه الحرب تخلو من أي طابع مدني. فلم يحمل المدنيون السلاح ضد بعضهم البعض، وكانت حياتهم وسبل عيشهم ثمنا لصراع السلطة بين الطرفين. كما يشار إلى الحرب بأنها “الحرب المنسية”، إلا أن هذا الوصف يغفل حقيقة أن مدة الصراع وشدته والتغطية الإعلامية له لا تترك مجالا للشك في أنها ليست سوى حرب لا تحظى بالاهتمام المتناسب. فلم تنس الحرب؛ بل تم تجاهلها والتسامح معها أحيانا.

 ولا تزال خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية للسودان تعاني من نقص مزمن في التمويل. كما وقلصت إدارة ترامب المساعدات الإنسانية، مما أثر سلبا على السودان بشكل خاص، وقلصت جهودها في التعامل مع أفريقيا. في الوقت نفسه، تتواصل جهود المساءلة والتغطية الإعلامية الشجاعة، وكذلك الحملات الدؤوبة لرفع الوعي وجمع التبرعات من جانب السودانيين في الداخل والخارج. وربما سمعت أن الصراع في السودان هو “حرب بالوكالة” مما يوحي بأن القوى الخارجية تقف على بنفس المستوى خلف جميع الأطراف.

صحيح أن عدة جهات فاعلة  انخرطت في هذه الحرب، لكن التأثير الخارجي الرئيسي في هذه الحرب هو للإمارات العربية المتحدة، التي ضخت الأموال والأسلحة في أيدي قوات الدعم السريع، بينما نفت أي تورط لها. بالنسبة للإمارات، فإن ترسيخ نفوذها في السودان، البلد ذي الموقع الاستراتيجي والغني بالذهب والأرض الخصبة، من شأنه أن يعزز نفوذها السياسي والاقتصادي بشكل كبير.

 هذا النزاع الوجودي خلف عنفا ومعاناة تحطم القلوب

ولا تزال الإحصائيات حول ملايين النازحين ومئات الآلاف الذين يقدر أنهم قتلوا، والعنف الجنسي، والكارثة الإنسانية والجوع، عاجزة عن وصف المآسي الفردية أو تداعياتها

 

ومن الأفضل وصف هذه الحرب بأنها معركة وجودية بين الحرس القديم، الجيش السوداني والأحزاب والمصالح المرتبطة به التي يمثلها، وميليشيا جديدة حشدت نفوذا ودعما هائلين خارج إطار الدولة الرسمي، وتسعى الآن إلى المطالبة بهما.

وقد خلف هذا النزاع الوجودي عنفا ومعاناة تحطم القلوب، ومن الصعب معرفة من أين نبدأ في وصفها. فلا تزال الإحصائيات حول ملايين النازحين ومئات الآلاف الذين يقدر أنهم قتلوا، والعنف الجنسي، والكارثة الإنسانية والجوع، عاجزة عن وصف المآسي الفردية أو تداعياتها.

وتقول الكاتبة إن قصة عائلتها تجسد فقدان الوطن والأحباء. فقد استولت قوات الدعم السريع على منزل العائلة في الخرطوم ونهبته، ثم تركته مدمرا وحفرت فيه حفرا عميقة في الأرض والجدران لاستخراج حتى الأنابيب والأسلاك. وهناك ملايين المسنين المعوزين المنتشرين في أنحاء السودان والمنطقة، الذين يعيشون أيامهم الأخيرة في منفى مؤلم.

 وهناك أيضا المذبحة المنهجية التي ترتكبها قوات الدعم السريع بحق السكان الأفارقة في دارفور، مما تعيد فتح جراح الإبادة الجماعية السابقة. وسقطت الفاشر، أكبر معاقل القوات المسلحة السودانية في دارفور، الشهر الماضي في أيدي قوات الدعم السريع بعد عام ونصف من الحصار الوحشي، ولا تزال التقارير تتوالى عن عمليات إعدام فورية أغرقت الأرض بالدماء.

ومع استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر، عززت سيطرتها على غرب البلاد، تاركة السودان منقسما إلى قسمين، مع سيطرة القوات المسلحة السودانية على الباقي. ويبدو أن أيا من الطرفين لا يملك القدرة على سحق الآخر بشكل حاسم، وقليل من القوى الغربية لديها الرغبة في التدخل بشكل حاسم للضغط على رعاة مثل الإمارات العربية المتحدة، أو لممارسة نفوذ على أي من الطرفين المتحاربين.

وتقول مالك إن واحدة من السمات النفسية الغريبة للحرب في السودان هي أن المستقبل ليس واضحا و تكتب “لا يزال جزء مني يؤمن بعودة غير واقعية للجني إلى قمقمه، عودة للجميع حيث يمكننا لملمة شتات البلاد وتحقيق المصالحة فيها. لكنني أعلم، وأرفض أن أعلم، أن هذا ليس سيناريو محتملا. في هذه الأثناء، يبقى الأمل الوحيد ألا يستمر هذا إلى الأبد، وأن كلما ازداد وعي العالم بالسودان، أصبحت حربه أكثر إلحاحا من مجرد عنوان حزين، بل أصبحت مسألة ملحة يمكن تجاهلها”.

 عرض صحيفة القدس العربي

واشنطن بوست: غضب دولي وفي الكونغرس من دعم الإمارات قوات الدعم السريع في السودان

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته توبي راجي قالت فيه إن الإمارات العربية المتحدة تواجه غضبا متزايدا بسبب دعمها لميليشيا شبه عسكرية في السودان. وقالت إن منظمات حقوق الإنسان وأعضاء في الحكومة الأمريكية وخبراء في المنطقة باتوا يحملون وبشكل متزايد الإمارات مسؤولية تغذية العنف في السودان. وقد تزايد الغضب بعد الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دار فور في الشهر الماضي، حيث قام أفرادها بذبح عائلات وأطباء وأعداد من المدنيين الآخرين.

وقد اعتبرت جماعات المناصرة لحقوق الإنسان وأعضاء في الكونغرس الأمريكي وخبراء بالمنطقة ما فعلته جماعة الدعم السريع في الفاشر بأنه إبادة جماعية. وحملوا الإمارات مسؤولية تغذية العنف في الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.

تنفي الإمارات دعمها لقوات الدعم السريع، رغم وجود أدلة تثبت أن الدولة الخليجية زودت هذه الجماعة شبه العسكرية بالذخائر والطائرات المسيرة وغيرها من أشكال الدعم العسكري

وتنفي الإمارات دعمها لقوات الدعم السريع، رغم وجود أدلة تثبت أن الدولة الخليجية زودت هذه الجماعة شبه العسكرية بالذخائر والطائرات المسيرة وغيرها من أشكال الدعم العسكري. وكانت الحرب قد اندلعت في نيسان/أبريل 2023 بسبب صراع على السلطة بين قائد القوات السودانية المسلحة، الجنرال عبد الفتاح البرهان والجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، قائد الدعم السريع. وقد خرجت الحرب عن السيطرة ودمرت مناطق ومدن السودان وقتل فيها أكثر 140.000 شخص وشردت 12 مليونا في داخل السودان وإلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان. ويحصل الجيش السوداني على دعم خارجي من روسيا وتركيا وإيران.

وفي كانون الثاني/يناير فرضت إدارة جو بايدن عقوبات على حميدتي والبرهان متهمة الطرفين بارتكاب جرائم حرب. وردت وزارة الخارجية الإماراتية على مزاعم دعمها للدعم السريع في بيان لـ “واشنطن بوست” في 5 تشرين الثاني/نوفمبر أدانت فيه “الانتهاكات الإنسانية المروعة والجرائم الرهيبة المرتكبة ضد المدنيين” في جميع أنحاء السودان. وأضافت الوزارة أن “استهداف المدنيين والمناطق السكنية والمرافق الحيوية في جميع المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة يشكل تصعيدا خطيرا وانتهاكا صارخا للقانون الإنساني الدولي وجميع المبادئ الإنسانية والأخلاقية”.

 وتقول الصحيفة إن تورط الإمارات في الحرب الأهلية السودانية نابع من مصالحها في البحر الأحمر، الذي يمر عبره حوالي 12% من حركة الشحن العالمية، وفقا لخبراء. ويعد هذا الممر الملاحي حيويا للتجارة في الموانئ الإماراتية. كما أن للدولة الغنية بالنفط مصالح في قطاعي الذهب والزراعة في السودان، كجزء من جهد أوسع لتنويع اقتصادها.

وفي الوقت الذي فرضت فيه الولايات المتحدة عقوبات على شخصيات بارزة في قوات الدعم السريع والقوات السودانية المسلحة، حثت منظمة “هيومان رايتس ووتش” مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على فرض عقوبات إضافية على قيادة قوات الدعم السريع لانتهاكها حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على دارفور عام 2004. كما حثت المنظمة المجتمع الدولي على “التحدث علنا وإدانة” الإمارات العربية المتحدة لدعمها المستمر “لهذه القوة التي تواصل ارتكاب الفظائع”.

وقالت لاتيتا بادر، مديرة قسم القرن الأفريقي في “هيومان رايتس ووتش”: “لم نشهد أي إدانة أو فضح علني للإمارات العربية المتحدة، وهو ما هو مطلوب الآن”. وأضافت: “حتى الآن، لم يفرض أي ثمن سياسي على الإمارات العربية المتحدة لدعمها المستمر. إنها دولة تهتم بصورتها اهتماما بالغا، ومن الضروري أن ينتقدها شركاؤها في جميع أنحاء العالم على هذا الدعم المستمر لقوات الدعم السريع”.

وفي يوم الأربعاء، وجه كبير الدبلوماسيين في إدارة ترامب أشد انتقاداته لداعمي قوات الدعم السريع حتى الآن. وعندما سئل وزير الخارجية ماركو روبيو عن تقييمه لدور الإمارات العربية المتحدة في الصراع، قال إن الإدارة تعرف “الأطراف المتورطة… ولهذا السبب هم جزء من الرباعية”، في إشارة إلى مجموعة الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة والتي تضم أيضا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر. وقال روبيو للصحافيين عقب الاجتماع الوزاري لمجموعة السبع في كندا: “يجب القيام بشيء ما لقطع الأسلحة والدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع مع استمرار تقدمها”. وأضاف روبيو أن قوات الدعم السريع “لا تمتلك قدرات تصنيع” و”أحدهم يمنحهم المال والآخر يمنحهم السلاح، ويمر عبر دولة ما. ونحن نعرف من هم، وسنتحدث معهم بشأن ذلك ونجعلهم يدركون أن هذا سينعكس سلبا عليهم وعلى العالم إن لم نتمكن من إيقافه”.

وفي الكونغرس، دعا السناتور الديمقراطي عن ميرلاند كريس فان هولين والنائبة الديمقراطية عن ميشيغان رشيدة طليب والديمقراطي عن نيويورك غريغوري دبليو ميكس إلى حظر جميع مبيعات الأسلحة إلى الإمارات العربية المتحدة.

وانتقدت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكيين من الحزبين دور الدولة الخليجية في الحرب، قائلين إن الإمارات “أججت الصراع واستفادت منه، وشرعنت الوحوش التي تدمر السودان”.

استخدمت قوات الدعم السريع طائرات مسيرة وذخائر وأسلحة أخرى مقدمة من الإمارات العربية المتحدة لتنفيذ حملتها في دارفور

وعند سؤاله عن تقارير دعم الإمارات لقوات الدعم السريع خلال قمة أمنية في البحرين الأسبوع الماضي، لم يقر أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، بهذا الادعاء، مكتفيا بالقول إن المجتمع الدولي ارتكب “خطأً فادحا” بفشله في وقف الانقلاب العسكري في السودان عام 2021. وقال قرقاش: “كان ينبغي علينا جميعا أن نتخذ موقفا حازما. لم نسمه انقلابا”.

وقد استخدمت قوات الدعم السريع طائرات مسيرة وذخائر وأسلحة أخرى مقدمة من الإمارات العربية المتحدة لتنفيذ حملتها “الإرهابية” في دارفور، وفقا لما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست” سابقا. في عام 2024، سمح مسؤولون عسكريون سودانيون في مدينة أم درمان لصحافيي “واشنطن بوست” بمعاينة طائرة مسيرة، قالوا إنهم استولوا عليها من مقاتلي قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى ذخائر مخصصة لها. ونشر المسؤولون صورا للصناديق التي استولوا عليها، بما في ذلك صندوق يحمل ملصقا يشير إلى أن الذخائر صنعت في صربيا وأُرسلت إلى القيادة اللوجستية المشتركة للقوات المسلحة الإماراتية.

علاوة على ذلك، قام مرصد الصراع في السودان، وهو مجموعة ممولة من وزارة الخارجية الأمريكية تتبعت الرحلات الجوية الإماراتية، بتتبع 32 رحلة جوية بين حزيران/يونيو 2023 وأيار/مايو 2024 وخلص “بشكل شبه مؤكد” إلى أنها كانت عمليات نقل أسلحة من الإمارات العربية المتحدة إلى قوات الدعم السريع، وفقا لتقييم تمت مشاركته مع “واشنطن بوست” في عام 2024.

دخلت الحرب الأهلية السودانية مرحلة جديدة في أواخر تشرين الأول/أكتوبر عندما استولى مقاتلو الدعم السريع على الفاشر بعد حصار المدينة، آخر معقل للقوات المسلحة السودانية في المنطقة – لأكثر من عام. فر حوالي 600,000 شخص من المدينة والمناطق المحيطة بها خلال تلك الفترة.

وقالت الأمم المتحدة إن 260,000 شخص قد تركوا في الفاشر عندما اقتحمت قوات الدعم السريع المدينة. منذ ذلك الحين، لم يتمكن من الفرار سوى أقل من 90,000 شخص، حسبما ذكرت المنظمة الدولية للهجرة يوم الأربعاء. وقد أدى انقطاع التيار الكهربائي في جميع أنحاء المدينة إلى صعوبة معرفة المزيد عن مصير من بقوا في الفاشر.

وقالت بادر، من “هيومان رايتس ووتش”: “لقد حذر ناشطون محليون ومنظمات حقوق إنسان، مثلنا ومنظمات أخرى كثيرة، منذ شهور مما قد يحدث إذا سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة”. وأضافت: “في هذه الأثناء، لا يزال آلاف وآلاف وآلاف الأشخاص في عداد المفقودين”.

كما أعرب مسؤولون في الأمم المتحدة عن مخاوفهم بشأن العنف في السودان.

وفي حديثه في قطر الأسبوع الماضي، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن على المجتمع الدولي ضمان “منع دخول المزيد من الأسلحة إلى السودان”، محذرا من أن الصراع في الدولة المحاصرة الواقعة في شرق إفريقيا “يخرج عن نطاق السيطرة”.

قال لي فونغ، ممثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في السودان، يوم السبت: “قتل المئات، بينهم نساء وأطفال وجرحى، كانوا يبحثون عن الأمان في المستشفيات والمدارس. وقتلت عائلات بأكملها أثناء فرارها، واختفى آخرون ببساطة”. وأضاف: “ما نشهده ليس فوضى، بل اعتداء ممنهجا على حياة الإنسان وكرامته”.

وحثّ أكثر من اثني عشر وزير خارجية ومسؤولا رفيع المستوى من جميع أنحاء العالم كلا الجانبين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقالوا في بيان مشترك: “إن عملية سياسية واسعة وشاملة مملوكة للسودانيين فقط هي القادرة على حل تحديات السودان”.

عرض القدس العربي

صحافة عالمية: أطفال دارفور يعبرون الصحراء هرباً من المجازر الجماعية

تناولت صحف عالمية معاناة أطفال دارفور الفارين من المجازر،  

حيث كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن إقليم دارفور في السودان أصبح أرضاً تعج بالمآسي الإنسانية.

end of list

وأشار التقرير إلى وصول نحو 200 طفل غير مصحوبين بذويهم إلى منطقة طويلة بعد فرارهم من الفاشر إثر تنفيذ عناصر قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي وخطف عقب سيطرتهم على المدينة.

ووثق التقرير أن هؤلاء الأطفال عبروا الصحراء في حالة ضعف شديد بسبب الجوع والذعر، وأوضح أن بعضهم شهد مقتل والديه، بينما ضاع آخرون وسط الفوضى، كما عُثر على عدد كبير منهم متشبثين بجثث ذويهم، ونقلهم غرباء إلى مخيم النازحين بحسب منظمات إنسانية تعمل في المنطقة.

وفي سياق متصل، حذر مقال افتتاحي لمجلة “ناشونال إنترست” من أن السودان يقترب من سيناريو خطير قد يحوله إلى “أفغانستان أفريقيا” إذا استمرت “الحرب الأهلية” مؤكدا أن انهيار السودان سيؤثر بشدة على دول الجوار والشرق الأوسط، وقد يخلف فراغاً تستغله الجماعات المتطرفة.

ودعت المجلة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، ثم بدء مفاوضات لتشكيل حكومة تمثل أطرافاً عدة في الخرطوم، ورأت أن اللحظة قد تكون مناسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستخدام نفوذه لدعم حل دبلوماسي يجنب السودان مزيداً من الفوضى والانهيار الكامل.

وعلى صعيد الأزمة الإنسانية في غزة، كشفت ناتالي بيكلي نائبة المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) -في مقابلة مع صحيفة غارديان- أن إسرائيل تنتهك القانون الدولي بتقييدها دخول المساعدات إلى القطاع المحاصر.

وأوضحت بيكلي أن الأونروا لديها ما يكفي من الغذاء والخيام وغيرها من الضروريات لملء ما يعادل 6 آلاف شاحنة.

وأكدت المسؤولة الأممية أنه مع اقتراب الشتاء واستمرار المجاعة بين السكان، من الضروري السماح بدخول كل هذه المساعدات إلى غزة دون تأخير، وطالبت العالم بأسره بتكثيف الضغط على الحكومة الإسرائيلية لضمان تدفق المساعدات دون قيود.

لوفيغارو: هذه أسباب غياب مأساة السودان عن الاهتمام الدولي والإعلامي

قالت صحيفة لوفيغارو إن المجازر التي تضرب السودان لا تحظى بتغطية إعلامية ولا بإدانات تتناسب مع حجم الكارثة، خلافا للحرب على غزة التي تثير موجات من التظاهر وردود الأفعال والانقسامات العميقة داخل المجتمعات الغربية.

وتساءلت الصحيفة الفرنسية في تقرير بقلم جان دوريو: لماذا هذه المجازر التي تتزايد فظاعتها مع كل شهادة تنقلها المنظمات غير الحكومية، ومع سيل الصور المروعة التي غزت وسائل التواصل الاجتماعي منذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، لا تولد سوى استنكار خافت، بل صمتا لامباليا؟

end of list

واستغربت الكاتبة أن حربا دامية خلفت أكثر من 150 ألف قتيل و12 مليون نازح تظل شبه غائبة عن الرأي العام الدولي والإعلام، في وقت تحصل فيه الحربان في أوكرانيا وغزة على تغطية واسعة وتفاعلات سياسية وشعبية قوية.

وفي سعيها لتفسير هذا الغياب، ذكرت الكاتبة أن حرب السودان الحالية بدأت بعد اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهما جنرالان كانا حليفين قبل أن يتحولا إلى خصمين يتنازعان السيطرة على البلاد وثرواتها.

صراع على المال والسلطة

ويرى محللون أن السبب في خفوت هذه الحرب السودانية إعلاميا ودوليا يعود إلى غياب البعد الأيديولوجي أو الاستعماري فيها، بحيث لا يمكن تصنيفها ضمن خطاب “المقاومة ضد الاستعمار” الذي يثير عادة حماسة الشارع العالمي، والذي يفسر الدعم الواسع لفلسطين باعتبارها “ضحية دولة استعمارية” هي إسرائيل.

أما الصراع في السودان فليس أيديولوجيا -كما يوضح الباحث مارك لافيرني- بل هو صراع على المال والسلطة والموارد، كما أنه ليس مواجهة بين ظالم ومظلوم بالمعنى الرمزي الذي يجذب التعاطف الجماهيري.

وأشارت الكاتبة إلى أن الطابع الأيديولوجي هو ما يجعل مأساة غزة حاضرة بقوة في النقاش العالمي، ويرى المحامي والكاتب غيوم غولنادل أن الاهتمام الإعلامي بغزة مرده إلى “افتتان خاص بكل ما هو يهودي”، أما السودان ففيه “مسلمون يقتلون مسلمين آخرين”، ومن ثم لا تثير المأساة الاهتمام نفسه، لأن “الموت لا يصبح مهما إلا حين يحدث صدى عاطفيا جماعيا ضمن قالب محدد”.

وفي هذا السياق، نبهت الكاتبة إلى أن مفهوم “الإبادة الجماعية” الذي يستدعى اليوم في الحديث عن غزة يغيب تماما عن النقاش حول دارفور، رغم أن الوقائع الميدانية -بحسب تقارير الأمم المتحدة وجامعة ييل- تشير إلى مدنيين يقتلون على جنبات الطرق، ورجال يحرقون أحياء، وأطفال يتجولون بلا أهل على أطراف مخيمات اللاجئين، ونساء مسكونة بالصدمات صامتات على الاغتصاب.

البرهان (يمين) يصافح حميدتي عندما كان الجنرالان حليفين (الجزيرة)

غياب الرهان الاستراتيجي؟

ترى الكاتبة أنه ومن الناحية الجيوسياسية، فلا يمثل السودان رهانا إستراتيجيا كبيرا للدول الغربية -كما تقول الصحيفة- خصوصا بعد تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا وتحول الاهتمام الأوروبي نحو الحدود الشرقية حيث تدور الحرب الأوكرانية.

وخلصت الكاتبة إلى أن الحسابات الجيوسياسية تلعب دورا مهما، منبهة إلى أن الحرب في أوكرانيا تمسّ أوروبا مباشرة، لأن ذلك البلد جار للاتحاد الأوروبي ومرشح للانضمام إليه وإلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أما السودان فبعيد جغرافيا وإستراتيجيا عن المصالح الأوروبية.

وبهذا، يجد السودان نفسه خارج دائرة الضوء، غارقا في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة، وسط صمت دولي وإعلامي يكاد يكون تاما.

المصدر: لوفيغارو\ عرض الجزيرة

نيويورك تايمز: السودان في سقوط حر.. والصمت الدولي سيقود لانهياره

تحذّر مقالة منشورة في نيويورك تايمز من أن استمرار الصمت الدولي سيقود إلى سقوط السودان وانهيار القرن الإفريقي، مؤكدة أن الحياد أمام الإبادة خيانة للضمير الإنساني.

ويشهد السودان انهيارًا إنسانيًا غير مسبوق مع تصاعد مجازر قوات الدعم السريع في دارفور وبلوغ عدد القتلى مئات الآلاف، وسط صمت دولي وتواطؤ إماراتي يمول ويسلّح الميليشيا وفق تقارير استخباراتية.

وجاء في المقالة أنه بينما كان آلاف المدنيين يفرّون من حمّام الدم في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، قرر الصحافي السوداني معمّر إبراهيم البقاء لتوثيق الجرائم. اختطفته ميليشيات قوات الدعم السريع، ولا يزال مصيره مجهولًا.

أما محمد المكّي، أستاذ الهندسة المعروف بخدمته لمجتمعه، فأرسل عائلته إلى برّ الأمان وبقي ليعتني بجده المسن. وعندما حاول الهروب من المدينة، أُلقي القبض عليه في بلدة قريبة، ثم أُعدم.

هاتان القصتان ليستا سوى غيضٍ من فيض مئات الحكايات لأشخاص خاطروا بحياتهم لإنقاذ غيرهم، في وقتٍ يعيش فيه السودان أفظع مراحل الحرب منذ اندلاعها قبل عامين ونصف بين الجيش النظامي وميليشيا الدعم السريع.

تقدّر بعض التقارير أن عدد القتلى تجاوز 400 ألف شخص — قُصفوا أو أُعدموا أو ماتوا جوعًا. والآن دخلت المأساة فصلها الأكثر ظلامًا في الفاشر

تقدّر بعض التقارير أن عدد القتلى تجاوز 400 ألف شخص — قُصفوا أو أُعدموا أو ماتوا جوعًا. والآن دخلت المأساة فصلها الأكثر ظلامًا في الفاشر، التي قال عنها منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فلتشر إنها “انحدرت إلى جحيمٍ أكثر سوادًا”.

مجازر لا توصف

منذ سيطرة ميليشيا الدعم السريع على الفاشر الأسبوع الماضي، ارتُكبت سلسلة من الفظائع الجماعية:

قتل مئات المرضى والأطباء في آخر مستشفى عامل في المدينة.

إحراق المدنيين وهم أحياء.

إجبار الرجال على حفر قبورهم قبل دفنهم أحياء.

اقتحام المنازل وقتل من فيها، بمن فيهم ذوو الإعاقة الذين لم يتمكنوا من الفرار.

الجرائم موثّقة بشهادات ناجين ومنظمات إغاثة وصور أقمار صناعية، بل وبمقاطع مصوّرة نشرها القتلة أنفسهم.

مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل استخدم صور الأقمار الصناعية والبيانات الميدانية لتأكيد أن القتل والاغتصاب يتم على نطاق لا يمكن للعقل تصوّره.

الميليشيا تستهدف، كما منذ بداية الحرب، المجموعات الإفريقية الأصلية مثل قبيلة المساليت.

وبحسب هيومن رايتس ووتش، قتل عناصر الدعم السريع ما بين 10 إلى 15 ألف مدني في مدينة الجنينة بغرب دارفور عام 2023 وحده.

المموّل الرئيسي: الإمارات

بحسب الصحيفة، هذه الإبادة كان يمكن إيقافها لو مورِس الضغط على الجهة التي تملك مفتاحها المالي والعسكري: الإمارات العربية المتحدة.

فوفقًا لتقارير منظمات حقوقية وصحافيين ومصادر استخباراتية أمريكية، تعدّ الإمارات المموّل والمجهّز الرئيس لآلة الحرب التابعة للدعم السريع — رغم نفيها المتكرر لذلك.

تشير التحقيقات إلى أن أبوظبي تمد الميليشيا بالسلاح والطائرات المسيّرة والوقود عبر شبكات لوجستية تمتد من تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان إلى أوغندا، وتدير بذلك اقتصاد حربٍ إقليميًا يوفّر للدعم السريع سبل البقاء.

الهدف، كما يوضح الخبراء، هو السيطرة على الذهب السوداني وساحل البحر الأحمر، ومنع قيام نظام ديمقراطي في الخرطوم قد يعيد السودان إلى محورٍ مدنيٍّ غير موالٍ للأنظمة السلطوية في المنطقة.

واشنطن… صمت وتواطؤ

ورغم هذه الأدلة، لم تتخذ إدارة ترامب أي خطوات جدّية للجم الإمارات. لم تُعيّن مبعوثًا خاصًا للسودان، ولم تضغط عبر نفوذها الأمني، رغم أن واشنطن تبيع لأبوظبي مليارات الدولارات من الأسلحة وتمنحها وضع “الشريك الدفاعي الرئيسي”.

حتى الآن، لم تُحدث محادثات السلام الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) أي تغييرٍ ملموس على الأرض، فيما المجازر مستمرة.

لكن لدى الولايات المتحدة أدوات ضغطٍ فعّالة: يمكنها تجميد مبيعات الأسلحة إلى الإمارات حتى توقف دعمها للميليشيا. كما يمكنها توسيع العقوبات على شبكات الذهب والتمويل التي يستخدمها الدعم السريع، وتطبيق العقوبات القائمة بصرامة.

مشروعات قوانين بهذا الشأن قُدّمت بالفعل في الكونغرس — ويجب تمريرها بسرعة.

الشركات العالمية متورطة بالصمت

النفوذ لا يقتصر على الحكومات. فالإمارات، في سعيها إلى تلميع صورتها، تعتمد على تحالفاتها مع كبرى الشركات والمؤسسات الثقافية والرياضية الغربية، من أبرزها: رابطة كرة السلة الأمريكية (NBA)، التي تنظم كأس الإمارات في أبوظبي، وشركة ديزني، التي تستعد لافتتاح مدينة ترفيهية ضخمة في العاصمة الإماراتية.

هؤلاء الشركاء يستطيعون الضغط — بل عليهم واجبٌ أخلاقي بذلك.

فإذا أعلنت الـ NBA مثلًا أن كأس هذا العام سيكون الأخير ما لم تتوقف الإمارات عن دعم الميليشيا، فإن صدى القرار سيتجاوز الملاعب ليصل إلى قصور الحكم في الخليج.

انهيار إنساني وجيوسياسي وشيك

اليوم، مئات الآلاف من المدنيين محاصرون أو نازحون حول الفاشر، بينهم 650 ألفًا في بلدة طويلة جنوب غربي المدينة.

في حال نجح الدعم السريع في ترسيخ سيطرته، سيكون العالم قد سمح رسميًا لميليشيا إبادة جماعية بأن تنتصر دون عقاب

وفي حال نجح الدعم السريع في ترسيخ سيطرته، سيكون العالم قد سمح رسميًا لميليشيا إبادة جماعية بأن تنتصر دون عقاب.

سقوط السودان لن يكون مأساة محلية فقط؛ بل سيعني انهيار القرن الإفريقي بأكمله، وتدفّق موجات لجوء ضخمة نحو الساحل وأوروبا، وتشجيع الميليشيات المسلحة في المنطقة على تكرار النموذج.

بين الصمت والضمير

قال الناجي من الهولوكوست إيلي فيزل: “الحياد يساعد الجلاد، لا الضحية. الصمت يشجع المعذِّب، لا المعذَّب”. إن كسر هذا الصمت بات مسؤولية مشتركة — من الرؤساء إلى الشركات إلى المشاهير.

قد تكون كلفة اتخاذ موقفٍ اقتصاديةً وسياسيةً، لكن كلفة الاستمرار في الصمت تُقاس بالأرواح: بـ“معمّر” آخر، و“محمد” آخر، وبمستقبل وطنٍ يُمحى أمام أعين العالم.

وتختتم المقالة: الوقوف الحازم مع الشعب السوداني ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقّى من إنسانيّة هذا القرن.

عرض صحيفة: “القدس العربي

فورين بوليسي: الدور الإماراتي في السودان: تمويل وسلاح وغطاء سياسي

ما كان لهذه الإبادة أن تقع بهذا الشكل لولا الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، وفق مجلة فورين بوليسي.

فالإمارات، بحسب تقارير المخابرات الأمريكية، زادت رحلات الشحن إلى دارفور قبل اقتحام الفاشر، ناقلة طائرات بدون طيار، وذخائر، ومدافع، ومركباتٍ عسكرية لقوات الدعم السريه. كما استخدمت نفوذها السياسي في المحافل الدولية لتخفيف الضغط على الميليشيا.

فقد عرقلت أبو ظبي، وفق دبلوماسيين، صدور بيان من “الرباعية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات) كان يدعو إلى رفع الحصار عن الفاشر.

وتنفي الإمارات تورطها في السودان، وتؤكد دعمها لوقف فوري لإطلاق النار، لكن الوقائع على الأرض تُكذب هذا الادعاء.

الولايات المتحدة نفسها أقرت بأن شركات مقرها الإمارات تموّل الميليشيا عبر تجارة الذهب السوداني، فيما تُظهر التحقيقات أن أكثر من 90% من صادرات الذهب السوداني -بقيمة تتجاوز 13 مليار دولار سنويًا- تمر عبر دبي.

مجلس الأمن.. شريك في العجز

أما مجلس الأمن الدولي، المؤسسة الموكلة بحفظ السلام، فقد اكتفى ببيانات جوفاء وقرارات بلا أثر. الأعضاء الدائمون: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، وروسيا، جميعهم يملكون شراكات دفاعية وتجارية وثيقة مع الإمارات. الأسلحة المستخدمة في دارفور، من الطائرات المسيّرة إلى القنابل والمدافع، تحمل بصمات مصانعهم. هكذا يتواطأ النظام  الدولي، ليس بصمته فحسب، بل بتقنياته وسلاحه.

العدالة تبدأ الآن، لا بعد الكارثة

سيُحاكَم قادة الدعم السريع لاحقًا كما حوكم مجرمو البوسنة ورواندا، لكن ذلك لن يُنقذ الأرواح اليوم. يجب على الدبلوماسيين الدفع نحو آلية دولية عاجلة لحماية المدنيين، حتى لو تطلب الأمر تجاوز عجز مجلس الأمن عبر تحالفٍ من الدول المستعدة للتحرك.

والأهم: يجب نزع الشرعية الدولية التي تتغذى عليها الميليشيا ورعاتها.فـ“حميدتي” لا يزال يرسل إشارات إلى الخارج بأنه سيجري “تحقيقًا” في المجزرة، في محاولة يائسة لغسل السمعة والإفلات من العقاب.

ينبغي أن تُترجم هذه الحاجة إلى الشرعية إلى أداة ضغط فعّالة: أولا، إصدار مذكرات توقيف دولية بحق القادة المتورطين في الإبادة. ثانيا، تفعيل المذكرات الحمراء عبر الإنتربول. وثالثا، الضغط لفرض عقوبات مالية على الإمارات إن لم توقف دعمها العسكري.

لقد أثبتت مجموعة السبع أنها قادرة على فرض حظرٍ على الذهب الروسي خلال أربعة أشهر فقط من غزو أوكرانيا.
فلماذا يعجز العالم عن فرض إجراءات مماثلة الآن لوقف إبادةٍ تُبثّ على الهواء؟

من الكلام إلى الفعل

الطريق واضح، بحسب المجلة، ويبدأ باستهداف التمويل الإماراتي لقوات الدعم السريع، ثم تجميد أصول كبار القادة ورجال الأعمال المرتبطين بهم، وبعدها وقف تجارة الذهب غير المشروعة التي تموّل الميليشيا، وأخيرا، ربط الاستثمارات الإماراتية في الغرب بقطع العلاقات مع الجناة في السودان.

الولايات المتحدة اعترضت بالفعل اتصالات بين “حميدتي” وقيادات إماراتية رفيعة، من بينهم الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، المسؤول عن صندوق ثروة سيادي ضخم بقيمة 330 مليار دولار.

وتقول المجلة إنه ينبغي استهداف تلك الأصول، من البنوك المركزية إلى شركات النفط وصناديق الثروة واليخوت الفارهة ونادي مانشستر سيتي، حتى تتوقف آلة القتل.

وتعتبر المجلة أن الإبادة في دارفور لن تتوقف بالبيانات ولا بالمناشدات. بل ستتوقف فقط عندما تُقطع الموارد التي تغذيها، وعندما تُفقد الميليشيا رعاتها ومموليها وغطاءها السياسي. وكل ساعةٍ تمرّ بصمتٍ دولي، تعني مزيدًا من الجثث ومزيدًا من الخزي الإنساني.

عرض صحيفة القدس العربي

لوموند: الدول الغربية تتحمل مسؤولية جماعية عن مأساة السودان

قالت صحيفة لوموند إنه بعد سقوط الفاشر، التي استولت عليها في 26 أكتوبر عناصر قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو، الملقب بحميدتي، تستمر أعمال القتل في عاصمة شمال دارفور. ويُقدَّر عدد ضحايا هذا الحصاد الدموي من المدنيين بعدة آلاف.

اجتمع مجلس الأمن الدولي بشكل طارئ بشأن السودان، وعبّر يوم 30 أكتوبر عن قلقه العميق إزاء التصعيد في البلاد، مؤكداً امتلاكه معلومات موثوقة عن عمليات إعدام جماعية. من جهته، دان الاتحادُ الأوروبي “وحشية” قوات الدعم السريع، ووعد باستخدام جميع أدواته الدبلوماسية، بما في ذلك الإجراءات التقييدية من أجل إيجاد مخرج سلمي للوضع.

غير أن العديد من الأصوات السودانية، من مدافعين عن حقوق الإنسان، ومحامين، وصحافيين، وخبراء، انتقدت ضعف تعبئة المجتمع الدولي. “فالدول الغربية تُكثِر من الإدانات لكنها لا تفعل شيئاً”، كما تقول المحللة السودانية خلود خير، مؤسسة مركز “Confluence Advisory”.

ويضيف دبلوماسي غربي، فضّل عدم كشف اسمه، القول: “مأساة الفاشر لم تكن مفاجِئة، فقد كنا نعلم منذ وقت طويل أن هذا قد يحدث. واكتفت الدول الغربية بتصريحات بلا أثر، وهي تتحمل مسؤولية جماعية… لقد أظهرت لامبالاة مذنِبة”.

بعد حصار دام 18 شهراً، أدّى إلى تجويع نحو 200 ألف مدني محاصرين داخل مدينة كانت تضم أكثر من مليون ونصف المليون إنسان قبل الحرب، وبعد مئات الغارات القاتلة التي نفذتها قوات الدعم السريع، كانت كارثة الفاشر متوقعة. لكن، هل كان يمكن تفاديها؟ قبل أيام من هجوم الميليشيات على آخر معقل للجيش في دارفور، جرت محادثات غير مباشرة في واشنطن لمحاولة إيجاد مخرج للأزمة.

مجازر ذات طابع عرقي

وقد تمت تحت رعاية الرباعية، المكوّنة من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، دعوة وفود من القوات المسلحة السودانية ومن قوات الدعم السريع سراً إلى واشنطن بهدف توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار يقود إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر. وبعد بدايات واعدة، انهارت العملية يوم السبت 25 أكتوبر بعد أن قوّضت الإمارات المفاوضات، وفق عدة مصادر متطابقة.

ويقول أغلب المراقبين إنه من المستحيل أن أبوظبي لم تكن على علم بالهجوم الذي أعدّه حلفاؤها على الأرض. وفي أعقاب مجازر الفاشر، أصبحت مشاركتها في الحرب بالسودان تحت الضوء، إلى جانب تواطؤ شركائها الأوروبيين الصامت.

وتتابع خلود خير: “الدول الغربية انخدعت من قبل قوات الدعم السريع، وبالتالي الإمارات، بالسماح للميليشيات باستخدام المحادثات الدبلوماسية كغطاء سياسي بينما ترتكب الفظائع”. ففي أثناء محادثات جدّة في صيف عام 2023، كانت القوات نفسها ترتكب تطهيراً عرقياً في الجنينة. وبالتوازي مع قمة حول السودان في لندن حضرها ممثلون عن قوات الدعم السريع، ارتكبت ميليشياتهم مجازر ذات طابع عرقي في مخيم زمزم بشمال دارفور.

وتضيف الباحثة السودانية: “تقول الدول الغربية إنها لا تعرف ماذا تفعل لوقف الأزمة، لكن الحقيقة أن مصالحها المتشابكة مع الإمارات -في ملفات أخرى لا سيما أوكرانيا وغزة- تمنعها من التحرك”.

وعلى الرغم من النفي القاطع من أبوظبي لضلوعها العسكري إلى جانب قوات الدعم السريع، فإن عدداً كبيراً من التقارير والتحقيقات الإعلامية تثبت عكس ذلك. فمنذ بداية الحرب، استخدمت الإمارات نفوذها وأموالها لدعم الجنرال حميدتي، حليفها منذ زمن، والمورّد الرئيسي للذهب المهرّب إلى دبي وللمرتزقة في حرب اليمن، وفق صحيفة لوموند دائما.

الاتحاد الأوروبي يغضّ الطرف

مضت الصحيفة الفرنسية موضّحة أن أبوظبي نظمت جسراً جوياً سلّم لحميدتي أسلحة متطورة، بينها طائرات مسيّرة صينية وتقنيات تسليحية خفيفة وثقيلة ومركبات ومدفعية وذخائر وأنظمة دفاع جوي متقدمة، وحتى مئات المرتزقة الكولومبيين الذين نُشروا في معركة الفاشر؛ وذلك من خلال شبكة لوجستية معقدة تشمل دولا مجاورة مثل تشاد وليبيا وجنوب السودان، إضافة إلى أوغندا وميناء بوساسو في الصومال.

ويسود إحراج واضح بين شركاء الإمارات الغربيين رغم أن أسلحة أوروبية وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر هذا الحليف الخليجي، في خرق لحظر السلاح الأوروبي على السودان. فقد استُخدمت معدات فرنسية (وفق منظمة العفو الدولية)، وبريطانية (وفق صحيفة ذي غارديان)، وكندية ( وفق ذي غلوب آند ميل)، وبلغارية (فرانس 24) في الحرب، وهي عمليات نقل تنتهك الحظر الذي يمنع بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الأسلحة والمواد ذات الصلة للسودان، تُشير صحيفة لوموند.

كما تغاضى الاتحاد الأوروبي نفسه عن شحنات أسلحة إماراتية لصالح قوات الدعم السريع. ووفق تحقيق لصحيفة “إل فوليو” الإيطالية، فقد نبّهت الاستخبارات الأمريكية في شهر يوليو مهمةَ “إيريني” البحرية الأوروبية بأن سفينة قادمة من ميناء إماراتي إلى بنغازي -الخاضعة لسيطرة حفتر– تحمل ذخائر ومئات الشاحنات المتجهة إلى السودان. ورغم التفتيش، سُمح للسفينة بمتابعة طريقها.

ويقول كاميرون هادسون، المسؤول السابق في CIA والباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن: “وفق المعلومات المفتوحة، تضاعف حجم الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع منذ استعادة الجيش الخرطوم في أبريل 2025. الإمارات مستعدة لفعل كل شيء لتمكين قوات الدعم السريع من الانتصار ميدانياً، ولو على حساب السماح بالفظائع التي نراها اليوم في الفاشر”.

“ بدون دعم الإمارات… لانتهت الحرب”

ورغم أن القوات المسلحة السودانية ليست بريئة من ارتكاب جرائم حرب، وتحظى أيضاً بدعم حلفاء إقليميين ودوليين -مثل مصر وقطر وتركيا وروسيا وإيران والسعودية وإريتريا وغيرهم- فإن تدفّق الأسلحة المتطورة من الإمارات مكّن قوات حميدتي من استعادة زمام المبادرة. ويخلص هادسون إلى القول: “بدون الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، لكانت هذه الحرب انتهت منذ زمن”.

ويُرجّح الآن أن تكون مدينة الأبيض في شمال كردفان، المحاصرة منذ عامين، الهدف المقبل لهجوم الميليشيات. وقد ارتكبت قوات الدعم السريع هناك أيضاً -في نهاية أكتوبر- انتهاكات بحق المدنيين، خصوصاً في منطقة بارا حيث قتلت ما لا يقل عن 47 شخصاً بينهم خمسة موظفين من الصليب الأحمر كانوا يحملون شارات واضحة، بحسب اتحاد الأطباء السوداني الذي أكد كذلك إعدام 38 مدنياً في منطقة أم دم حاج أحمد بشمال كردفان بحجة صلتهم بالجيش.

عرض صحيفة القدس العربي

غارديان: مجزرة الفاشر السودانية نموذج مألوف من العنف المتوقع

كانت مجزرة الفاشر، التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، متوقعة منذ وقت طويل. فالأحداث التي شهدتها المدينة بعد سقوطها في أيدي هذه القوات تتبع نمطا مألوفا سبق أن ظهر في السودان ودول أفريقية أخرى مثل رواندا وليبيريا، حيث تُرتكب مجازر منظمة، مستهدفة مجموعات عرقية معينة، مع توثيق الجناة للعنف الذي يمارسونه بأنفسهم.

ذكر ذلك تقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية كتبه كارلوس موريثي وراشيل سافدج، لفتا فيه الانتباه إلى أنه وفي عام 2023، قُتل نحو 15 ألف مدني في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، معظمهم من جماعة المساليت غير العربية، عندما سيطرت قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها على المدينة.

end of list

وأشار الكاتبان إلى أن المقاتلين جابوا البيوت في الجنينة بيتا بيتا، وأحرقوا المنازل ومخيمات النازحين بالكامل. وفي أبريل/نيسان 2025، قتلت قوات الدعم السريع أكثر من 1500 مدني في غضون 72 ساعة داخل مخيم زمزم للنازحين، جنوب مدينة الفاشر. وقد أدى ذلك إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين، في حين بقي كثيرون في عداد المفقودين.

نازحون من مخيم زمزم انتقل كثيرون منهم إلى الفاشر في أبريل/نيسان الماضي 2025 (رويترز)

تحذيرات سابقة

وأورد التقرير أن المنظمات الإنسانية والمراقبين الدوليين حذروا من حمام دم وشيك قبل 18 شهرا، مشيرا إلى أن التحليلات لم تكن تركز على إن كانت المجزرة ستحدث أم لا، بل متى تحدث.

ومع ذلك، يقول الكاتبان، لم يتخذ المجتمع الدولي أي إجراءات رادعة، وبقيت التحذيرات مجرد بيانات شكلية بلا تنفيذ فعلي، سواء عبر عقوبات أم ضغط سياسي حقيقي.

وأشار التقرير إلى أن الحرب الأهلية في السودان، التي اندلعت من الصراع على السلطة بين الجيش النظامي بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع المتمردة على الجيش بقيادة محمد حمدان دقلو الشهير بـ حميدتي، أدت إلى نزوح 13 مليون شخص بحلول الذكرى الثانية للصراع، نصفهم بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة، لتتحول الأزمة إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم حالياً.

يقول الخبراء إن الحل لإيقاف الدعم السريع يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً على الدول الداعمة لها، ويظل المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، عاجزا عن التحرك عدا الإدانات الشكلية.

وكذلك الجيش

وأضاف أنه من اللافت أن الجيش السوداني نفسه، وإن كان بحجم أقل، كرر سلوك قوات الدعم السريع بعدم حماية المدنيين وتركهم عرضة للقتل.

فقد انسحب الجيش من قبْل من مدن مثل الفاشر والجنينة، تاركاً السكان لمصيرهم، وهو ما أدى إلى تسهيل عمليات القتل الجماعي والنهب والاختطاف التي نفذها الدعم السريع.

وأكد الكاتبان أن قوات الدعم السريع وثقت مقاطع الفيديو كأداة للحرب النفسية، في حين استخدم الخبراء والمحللون صور الأقمار الصناعية واللقطات الأرشيفية لتأكيد وقوع عمليات قتل جماعي في مستشفيات وأحياء سكنية ومخيمات للنازحين، في ظل انقطاع شبه كامل للاتصالات، ما جعل تقدير عدد الضحايا أمراً صعباً، مع وجود نحو 260 ألف شخص داخل الفاشر عند سقوطها تحت سيطرة الدعم السريع، وأكثر من 35 ألف نازح من المناطق المجاورة.

لا بد من ضغط دولي حقيقي

ونسب الكاتبان إلى الخبراء أيضا قولهم، إن الحل لإيقاف الدعم السريع يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً على الدول الداعمة لها، التي تزود الجماعة بالأسلحة والدعم اللوجيستي، في وقت يظل المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، عاجزا عن التحرك عدا الإدانات الشكلية.

واختتم كوريثي وراشيل تقريرهما “إن ما جرى في الفاشر اليوم يعكس تكرار دورة العنف المألوفة في السودان، مع تقاعس واضح للمجتمع الدولي، وتكرار الجيش نفسه لسلوك قوات الدعم السريع، ما يجعل المدنيين أكثر عرضة للقتل ويؤكد أن هذه المجازر كانت متوقعة بشكل كامل”.

المصدر: غارديان \ عرض الجزيرة