بي بي سي – اليراع
أعلنت المملكة المتحدة أنها ستُدخل قريباً قانونًا جديدًا حيز التنفيذ يُجرّم إنشاء الصور الحميمة الرقمية للأشخاص دون موافقتهم، بعد تصاعد المخاوف بشأن أداة الذكاء الاصطناعي «غروك» (Grok) التابعة لإيلون ماسك والمستخدمة ضمن منصة X (تويتر سابقاً).
وقالت وزيرة التكنولوجيا البريطانية ليز كيندال أمام مجلس العموم إن الحكومة ستسعى أيضًا لجعل من غير القانوني للشركات تزويد المستخدمين بالأدوات التي يُصمَّم من خلالها هذا النوع من الصور.
وأضافت كيندال: «الصور التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي لنساء وأطفال في أوضاع غير لائقة ومن دون موافقة أصحابها ليست مجرد صور “غير مؤذية”؛ إنها أسلحة إساءة وانتهاك».
وقالت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إنها تواصلت مع منصة X للتعليق، وكان رد الشركة سابقًا: «أي شخص يستخدم أو يوجّه أداة Grok لإنشاء محتوى غير قانوني سيتحمل النتائج نفسها كما لو أنه رفع ذلك المحتوى مباشرةً».
وجاء هذا الإعلان بعد ساعات من إعلان هيئة الاتصالات البريطانية (Ofcom) بدء تحقيق رسمي حول ما وصفته بـ«تقارير يبعث مضمونها على القلق الشديد»، تتعلق بقيام أداة Grok بتعديل صور لأشخاص بطريقة غير قانونية.
وبحسب القوانين البريطانية، إذا ثبت أن منصة X انتهكت التشريعات المعمول بها، يُمكن لـ Ofcom فرض غرامة تصل إلى 10٪ من إيراداتها العالمية أو 18 مليون جنيه إسترليني، أيهما أكبر. كما تملك الهيئة صلاحية اللجوء إلى القضاء لاستصدار أمر يُجبر مزوّدي خدمات الإنترنت على حجب منصة X داخل المملكة المتحدة كليًا، في حال لم تلتزم المنصة بقواعد الامتثال.
وفي بيانها أمام البرلمان، حثّت كيندال الهيئة على عدم إطالة التحقيق وقالت: «أطلب منها أن تحدد جدولاً زمنياً لإنهائه في أقرب وقت ممكن».
تجريم إنشاء “الصور الزائفة العميقة” لأول مرة
حالياً يُعدّ نشر الصور المركّبة رقمياً (deepfakes) للبالغين أمرًا غير قانوني في بريطانيا، لكن لم يكن إنشاءها أو طلب إنتاجها يُعدّ جريمة بحد ذاته. وقد شُرع هذا التجريم في قانون استخدام البيانات والوصول إليها (Data Use and Access Act) الذي أُقر في يونيو/ حزيران 2025، غير أن تنفيذه لم يبدأ حتى الآن، الأمر الذي أثار انتقادات حقوقية واسعة الأسبوع الماضي ضد الحكومة لتأخرها في تفعيل القانون.
وقالت كيندال أمام النواب: «اليوم أُعلن رسمياً أن هذا التشريع سيدخل حيز التنفيذ هذا الأسبوع». وأكدت أنها ستدرج الجريمة الجديدة ضمن فئة “الجرائم ذات الأولوية” في إطار قانون الأمان على الإنترنت (Online Safety Act).
وأضافت: «المحتوى الذي تم تداوله على منصة X مروّع، ليس فقط لأنه إهانة للمجتمع المتحضر، بل لأنه غير قانوني. وأوضح – وبأقصى درجات الصراحة – أن القانون يحظر مشاركة الصور الحميمة أو التهديد بمشاركتها دون موافقة أصحابها، بما في ذلك الصور لأشخاص بملابسهم الداخلية، ويحمّل المسؤولية للمستخدمين والمنصات معاً».
وأوضحت كيندال أن المسؤولية لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تشمل أيضاً «المنصات التي تستضيف هذا النوع من المواد وتستفيد من تداوله، بما في ذلك منصة X».
كما كشفت عن نية الحكومة توسيع مشروع قانون الجريمة والشرطة (Crime and Policing Bill) ليشمل تجريم تطبيقات ما يُعرف بـ«التعرية الرقمية (nudification apps)» التي تتيح إنشاء صور مزيفة لأشخاص عراة دون موافقتهم.
وقالت: «هذه الجريمة المستحدثة ستُجرّم الشركات التي تُنتج أو تُزوّد المستخدمين بأدوات لإنشاء الصور الحميمة غير التوافقية، لمعالجة المشكلة من جذورها».
وأضافت: «بالإضافة إلى هذه الخطوات، نتوقع من شركات التكنولوجيا تنفيذ توصيات هيئة Ofcom لجعل المنصات أكثر أماناً للنساء والفتيات دون تأخير. وإن لم تفعل، فأنا على استعداد لاتخاذ إجراءات إضافية».
موقف قانوني ودعم سياسي واسع
قال الخبير القانوني جيمي هوروورث إن تصريحات كيندال تشير إلى أن الحكومة «باتت تأخذ هذه القضية على محمل بالغ من الجدية». لكنه أضاف أن التحدي يتمثل في «قدرة جهاز الشرطة المثقل بالأعباء على التحقيق في هذه القضايا ومحاسبة مرتكبيها»، مشدداً على أن «كل طرف في السلسلة – من صانعي المحتوى إلى المنصات – يجب أن يُحمّل المسؤولية».
وفي أعقاب تصريحات كيندال، قال رئيس الوزراء السير كير ستارمر لأعضاء حزب العمال في البرلمان:
«إذا كانت منصة X عاجزة عن السيطرة على أداة Grok، فنحن من سيفعل ذلك – وسنفعل بسرعة، لأن من يربح من وراء الأذى والإساءة يفقد حق التنظيم الذاتي».
تداعيات التحقيق والقانون الجديد على “غروك”
اطلعت BBC على عدة أمثلة من الصور الرقمية المعدلة التي نُشرت عبر منصة X، تُظهر نساءً عاريات أو في أوضاع جنسية دون موافقتهن. وقالت إحدى النساء إن أكثر من 100 صورة تم إنشاؤها عنها بهذه الطريقة.
وسيركّز تحقيق Ofcom على ما إذا كانت المنصة قد تأخّرت في إزالة المحتوى غير القانوني عند علمها به، وما إذا اتخذت «الإجراءات المناسبة» لمنع المستخدمين في المملكة المتحدة من الوصول إليه.
ويأتي التحقيق بعد ردود فعل عالمية غاضبة بشأن خاصية Grok التي تسمح بإنشاء الصور، والتي دفعت ماليزيا وإندونيسيا إلى حجب الأداة مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وقال متحدث باسم Ofcom إن التحقيق سيكون «ذا أولوية قصوى»، من دون تحديد إطار زمني لإنهائه.
وفي تفاعل على منشور سابق تساءل عن سبب حصر التحقيق في Grok دون غيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي، قال إيلون ماسك إن حكومة المملكة المتحدة «تبحث عن أي ذريعة للرقابة».
لكن ليز كيندال رفضت هذا الاتهام قائلة:
«هذا الأمر لا يتعلق بتقييد حرية التعبير كما يدّعي البعض، بل يتعلق بمكافحة العنف ضد النساء والفتيات».
ورحبت جوليا لوبيز، وزيرة الظل لشؤون التكنولوجيا عن حزب المحافظين، بفتح التحقيق من قبل Ofcom، وأكدت دعم حزبها للجهود الحكومية الرامية إلى حظر أدوات إنشاء الصور العارية الزائفة.
لكنها انتقدت كيندال على تصريحاتها في الأسبوع الماضي عندما قالت إنها ستدعم الهيئة في حال قررت حجب منصة X في بريطانيا بسبب انتهاكها القوانين، واعتبرت أن «حجب موقع إلكتروني يُستخدم أيضاً لأغراض إيجابية، مثل كشف الفساد وإحداث التغيير الديمقراطي وتبادل الأفكار، يمثل خطوة في غاية الخطورة».