140 مليون رأس من الماشية تشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني… الحكومة تطلق استراتيجية جديدة لتطوير القطاع الحيواني والسمكي

اليراع- الخرطوم – أعلن وزير الثروة الحيوانية والسمكية، أحمد التجاني المنصوري، عن إطلاق استراتيجية تنفيذية جديدة تمتد لخمس سنوات، تهدف إلى تطوير قطاعي الثروة الحيوانية والسمكية في السودان وتعزيز مساهمتهما في الناتج القومي، باعتبارهما من أهم ركائز الاقتصاد الوطني ومصادر الدخل الحيوي للملايين من السودانيين.

وأوضح الوزير أن الاستراتيجية الجديدة تركّز على تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم والألبان والمنتجات الحيوانية، وخفض أسعارها في الأسواق المحلية، بجانب فتح آفاق أوسع للاستثمارات الإقليمية والدولية في مجالي الإنتاج الحيواني وصيد الأسماك وتصديرهما. وأشار إلى أن السودان يمتلك نحو 140 مليون رأس من الماشية تشمل الأبقار والإبل والأغنام والماعز، ما يجعله من أكبر الدول الإفريقية امتلاكًا للثروة الحيوانية، وأحد اللاعبين المحتملين في تلبية احتياجات الغذاء في المنطقة.

وأضاف المنصوري أن الاستراتيجية تستند إلى برامج علمية وعملية لتحديث إدارة المراعي وتطوير الخدمات البيطرية وتحسين السلالات المحلية، فضلاً عن استخدام التكنولوجيا الحديثة في تتبع الصادرات وضمان مطابقة المنتجات للمعايير الدولية. كما ستشمل الخطة إعادة تأهيل البنية التحتية للمسالخ ومراكز الإنتاج وتوسيع مشاريع الاستزراع السمكي في ولايات البحر الأحمر وسنار والنيل الأزرق لزيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل جديدة.

وأكد الوزير أن الحكومة السودانية تعمل بالتنسيق مع شركائها في القطاعين العام والخاص لتطوير شبكات النقل والتخزين وإنشاء مناطق حرة مخصصة لتصدير اللحوم والجلود والمنتجات الحيوانية، بما يعزز تدفق العملة الصعبة ويُسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وبيّن أن صادرات القطاع الحيواني تشكل اليوم أكثر من 20% من إجمالي الصادرات السودانية، وأن تطويره يمثل خطوة أساسية نحو تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على عائدات الذهب والزراعة المطرية.

ورحّب خبراء الاقتصاد والزراعة بإعلان الاستراتيجية واعتبروها خطوة في الاتجاه الصحيح، مؤكدين أن نجاحها يتوقف على توفير التمويل الكافي وتحسين بيئة الاستثمار وتبسيط الإجراءات الجمركية والرقابية في الموانئ والمعابر الحدودية. فيما حذر آخرون من أن استمرار الصراعات الداخلية ونقص الوقود والأعلاف يشكل تحديًا حقيقيًا أمام تنفيذ الخطط الحكومية.

ويرى خبراء التنمية أن هذه الاستراتيجية تمثل فرصة نادرة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني المنهك بفعل الصراع والتضخم ونقص الموارد. فمع تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي خلال العامين الماضيين، باتت الثروة الحيوانية أبرز مورد يمكن التعويل عليه لتحقيق الانتعاش الاقتصادي. ويعتقد المراقبون أن نجاح الحكومة في جذب الاستثمارات الأجنبية للقطاع وتحسين سبل النقل والتصدير عبر الموانئ والمعابر يمكن أن يسهم في خفض العجز التجاري وتعزيز استقرار الجنيه السوداني.

كما يشير محللون إلى أن تطوير قطاع الثروة الحيوانية لا يحمل بعدًا اقتصاديًا فحسب، بل يمثل ركيزة للاستقرار الاجتماعي في الأرياف، حيث تعتمد ملايين الأسر السودانية على تربية الماشية كمصدر أساسي للدخل والغذاء. لذلك، فإن تنفيذ هذه الاستراتيجية بفاعلية قد يشكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد السوداني نحو التعافي، شريطة أن يترافق مع استقرار سياسي وأمني مستدام.

تبادل الاتهامات بين الجيش السوداني والدعم السريع حول السيطرة على بابنوسة وحقيقة الوضع على الأرض

تجدد الجدل في السودان حول حقيقة الأوضاع الميدانية في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، بعد أن بثّت قوات الدعم السريع مشاهد مصوّرة قالت إنها توثّق وجود مقاتليها داخل مقر قيادة الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش السوداني. هذه المقاطع، التي نُشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت عناصر من الدعم السريع يتجولون داخل ما وصفوه بـ”المعسكر الرئيسي”، مؤكدين سيطرتهم الكاملة على المدينة.

في المقابل، نفت القوات المسلحة السودانية صحة هذه الادعاءات، وأكدت في بيان رسمي أن بابنوسة لا تزال تحت سيطرتها الكاملة، مشيرة إلى أن وحداتها الميدانية صدّت يوم الإثنين هجوماً واسعاً شنّته قوات الدعم السريع على أطراف المدينة. واتهمت القيادة العامة للدفاع الدعم السريع بمواصلة ما وصفته بـ”حملات تضليل إعلامية” تهدف إلى خلق صورة مغايرة للواقع الميداني وتضليل الرأي العام المحلي والدولي.

تصاعد القتال في غرب كردفان

تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد العمليات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع في غرب كردفان، حيث تشهد مدينة بابنوسة منذ أسابيع مواجهات عنيفة للسيطرة على مواقع عسكرية واستراتيجية. ووفق مصادر محلية، تسعى قوات الدعم السريع إلى تعزيز وجودها في المنطقة لفرض واقع ميداني جديد قبل أي محادثات سياسية محتملة.

وذكرت تقارير أن الدعم السريع حشد عشرات الآلاف من المقاتلين مزودين بعتاد عسكري متطور، في محاولة لحسم المعركة لصالحه وبسط نفوذه على الولاية، بما يتيح له التقدم نحو مناطق وسط وشمال السودان لاحقاً. وأفادت مصادر ميدانية بأن الاشتباكات الأخيرة كانت من الأعنف منذ مطلع العام، وترافقت مع استخدام مكثف للطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة.

تصريحات متناقضة واتهامات متبادلة

على المستوى السياسي، أصدر التحالف المؤسس للجناح السياسي لقوات الدعم السريع بياناً قال فيه إن القوات المسلحة ارتكبت “خرقاً جديداً للهدنة الإنسانية” التي دعت إليها دول الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات)، مؤكداً أن هجوم الجيش على مواقع الدعم في بابنوسة يشكّل “انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني”.

وأضاف البيان أن “قوات الدعم السريع التزمت بالهدنة منذ إعلانها”، مشيراً إلى أن “هذا الهجوم هو الثامن من نوعه في غضون أسابيع قليلة، مما يدل على رفض الجيش لأي التزامات قانونية أو إنسانية، واستخدامه الهجمات العسكرية لتعطيل جهود السلام ومنع وصول المساعدات للمدنيين”. وأكد البيان أن قوات الدعم نفذت عملية عسكرية معاكسة أسفرت عن “السيطرة الكاملة على مقر الفرقة 22 مشاة بمدينة بابنوسة”.

أما الجيش السوداني، فقد ردّ في بيان صدر لاحقاً، قائلاً إن ما وصفه بـ”الهدنة المعلنة من طرف قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)” ليست سوى خطوة إعلامية تهدف إلى التغطية على التحركات العسكرية والدعم الخارجي الذي تتلقاه تلك القوات. وجاء في البيان: “تواصل قوات الدعم السريع شنّ الهجمات بالطائرات المسيّرة والمدفعية على مدينة بابنوسة رغم ادعائها الالتزام بهدنة إنسانية، ما يبرهن على عدم مصداقيتها”.

سياق أوسع للأزمة السودانية

ويأتي هذا التوتر في وقت تحاول فيه عدة أطراف إقليمية ودولية الدفع نحو تسوية سياسية تضع حداً للحرب المستمرة منذ أكثر من عام ونصف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي أدت إلى مقتل وإصابة آلاف المدنيين وتشريد الملايين داخل السودان وخارجه.

وكان حميدتي قد أعلن الأسبوع الماضي موافقة قواته على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تشمل وقف الأعمال العدائية وتسهيل وصول الإغاثة الإنسانية، لكن الجيش السوداني اعتبر الإعلان “مناورة سياسية وإعلامية” تهدف إلى كسب التعاطف الدولي وتخفيف الضغوط المتزايدة على قوات الدعم السريع.

ومع استمرار تبادل الاتهامات وتصاعد المعارك في ولايات دارفور وكردفان، يبدو أن فرص التوصل إلى هدنة حقيقية أو اتفاق دائم لوقف إطلاق النار لا تزال بعيدة، وسط انعدام الثقة المتبادل بين الطرفين وتزايد المخاوف الإقليمية من توسع رقعة النزاع إلى مناطق جديدة في البلاد.

مليشيا “الدعم السريع” تسيطر على بابنوسة آخر معاقل الجيش السوداني في غرب كردفان

أعلنت مليشيا “الدعم السريع” يوم الاثنين سيطرتها الكاملة على مدينة بابنوسة، آخر مواقع الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان، في وقت تشهد فيه المنطقة معارك عنيفة أسفرت عن عشرات القتلى وآلاف النازحين.

وذكرت المليشيا في بيان رسمي أن قواتها، بالتعاون مع “قوات التأسيس” المتحالفة معها، نفذت “عملية عسكرية دقيقة” انتهت بالسيطرة على الفرقة 22 مشاة ومدينة بابنوسة بالكامل، مشيرة إلى أنّ العملية هدفت إلى “تحييد التهديدات العسكرية التي استهدفت المدنيين في عدد من المناطق”.

وأوضحت أن الهجوم جاء ردًّا على “عملية مباغتة” شنّها الجيش السوداني ضد مواقع “قوات التأسيس” في بابنوسة، رغم ما وصفته بـ”الالتزام الكامل بالهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار منذ بدايته”.

كانت “الدعم السريع” قد أعلنت قبل أيام هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر من طرف واحد، استجابة لمقترح “الرباعية الدولية” بشأن السودان، وهو المقترح الذي رفضه الجيش.

تقع مدينة بابنوسة، مقر الفرقة 22 مشاة، في قلب ولاية غرب كردفان على بُعد نحو 700 كيلومتر جنوب غرب العاصمة الخرطوم. وتُعد مركزًا اقتصاديًا مهمًا في الإقليم لاحتوائها على مصنع ألبان كبير ومحطة تقاطع رئيسية ضمن شبكة سكك حديد السودان، كما تكتسب أهميتها من موقعها الحدودي مع جنوب السودان وخط السكة الحديدية الذي يربطها بمدينة واو، وتبعد عن نيالا 360 كيلومترًا وعن الفاشر 420 كيلومترًا.

تصاعد القصف في جنوب كردفان

شهدت منطقة كمو يوم السبت الماضي قصفًا مكثفًا أوقع ما لا يقل عن 40 قتيلًا وعددًا من الجرحى. واتهمت “الدعم السريع” والمنظمة الحقوقية “محامو الطوارئ” الجيش بتنفيذ الهجوم.

وفي بيان منفصل، قالت “الدعم السريع” إن الجيش استخدم طائرة مسيّرة في القصف صباح السبت، بينما ذكرت المتحدثة باسم “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال”، المتحالفة مع “الدعم السريع”، أن مدينة كاودا ومناطق مجاورة تعرضت للقصف في 29 نوفمبر عبر الطيران والطائرات المسيّرة.

وأشار بيان صادر عن مجموعة “محامو الطوارئ” إلى أن القصف استهدف مدرسة حكيمة للتمريض العالي في كمو، ما تسبب في سقوط عشرات الضحايا من الطلاب.

وأكد شهود محليون وقوع دمار واسع، إذ أفاد أحد سكان هيبان، كافي كالو، بأنه شاهد النيران تلتهم المدرسة بعد القصف، مضيفًا: “خرجت 40 جنازة من كمو في ذلك اليوم”، بينما قال تيه عيسى إن السكان حفروا أكثر من 40 قبرًا لضحايا الهجوم.

في المقابل، نفى مصدر عسكري في الجيش السوداني استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية، فيما تشير تقديرات منظمة الهجرة الدولية إلى نزوح أكثر من خمسة آلاف شخص من قرى جنوب كردفان الشهر الماضي بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

النظام المدني والهدنة المقترحة

كانت مليشيا “الدعم السريع” قد سيطرت أواخر أكتوبر الماضي على مدينة الفاشر في شمال دارفور، ما منحها السيطرة الكاملة على الإقليم، قبل أن تمتد المعارك إلى ولايات كردفان الغنية بالنفط والأراضي الزراعية.

وتشكل ولاية كردفان منطقة استراتيجية تربط بين دارفور والعاصمة الخرطوم، التي لا تزال تحت سيطرة الجيش منذ بداية العام. وبعد أسابيع من سقوط الفاشر، أعلنت “الدعم السريع” هدنة أحادية الجانب “استجابةً للجهود الدولية، بما في ذلك مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووسطاء الرباعية الدولية”. وقد رفض قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، هذا المقترح وناشد الرئيس الأمريكي العمل من أجل السلام في السودان، واصفًا المقترح بأنه “الأسوأ حتى الآن”.

من جهته، دعا مبعوث الرئيس الأمريكي إلى أفريقيا، مسعد بولس، طرفي النزاع إلى قبول الهدنة دون شروط مسبقة، معتبرًا أنها “خطوة حاسمة نحو حوار مستدام” يمهّد لـ”الانتقال إلى نظام مدني”.

تراجع سيطرة الجيش

وبسيطرة “الدعم السريع” على الفرقة 22 في بابنوسة، بات وجود الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان مقتصرًا على اللواء 91 في منطقة هجليج المنتجة للنفط. كما يحتفظ الجيش بسيطرته على ولاية جنوب كردفان ومدن رئيسية في شمال كردفان، في حين تسيطر قوات “الدعم السريع” على مدن عدة بشمال الولاية مثل بارا والخوي والنهود والدبيبات والحمادي.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انقسم السودان فعليًا إلى مناطق نفوذ، إذ يحتفظ الجيش بالسيطرة على الشمال والشرق، بينما تسيطر مليشيا “الدعم السريع” على الغرب وأجزاء من الجنوب. وأسفر النزاع عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 12 مليون شخص، وفق إحصاءات الأمم المتحدة، التي تصف الوضع في السودان بأنه “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

اليراع – أ ف ب

فرانس 24 تكشف أن الكلور المستورد لتنقية مياه الشرب في السودان استُخدم على نحو مزعوم كسلاح غاز سام

كشفت وثائق حصرية ومقاطع فيديو تمكن فريق تحرير “مراقبون”  فرانس24 من التحقق من صحتها، أنه قد تم استخدام غاز الكلور، الذي عادة ما يُستعمل في معالجة المياه الصالحة للشرب، كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة للنفط شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، وذلك في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024. وتشير كل المعطيات التي قامت هيئة التحرير بفحصها إلى ضلوع الجيش السوداني في هذه العملية.

في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024، تم استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط التي تقع في شمال العاصمة السودانية الخرطوم. وكان الجيش آنذاك يحاول استعادة السيطرة على مصفاة النفط هذه من أيدي قوات الدعم السريع، المليشيا التي تقاتلها في حرب أهلية مستمرة منذ نيسان/أبريل 2023.

وتم إلقاء براميل تحتوي على مادة الكلور من الجو، علما أن الجيش السوداني يُعد الطرف الوحيد في النزاع الذي يستخدم الطائرات العسكرية القادرة على تنفيذ مثل هذه الغارات.

وخلص الاستقصاء الذي أجرته هيئة تحرير “مراقبون” إلى أن شركة هندية اسمها “كيمترايد إنترناشونال كوربورايشن “Chemtrade International Corporation، هي التي قامت بتصدير هذا الغاز إلى السودان. وتؤكد الأخيرة أنه كان من المقرر أن يتم استخدام هذه المادة “بهدف معالجة الماء الصالح للشرب فقط”.

وتبين أن شركة سودانية مرتبطة بالجيش السواداني، شركة الموانئ الهندسية، استوردت مادة غاز الكلور التي تم إلقاؤها على مصفاة الجيلي للنفط بين يومي 5 و 13 أيلول/سبتمبر 2024.

تم إلقاء براميل من غاز الكلور في شهر أيلول/ سبتمبر 2024 بالقرب من مصفاة للنفط في السودان، وفق ما كشفه الجزء الأول من تحقيق أعده فريق تحرير “مراقبون”. يكشف الجزء الثاني من هذا التحقيق، أن هذه البراميل تم توريدها من قبل شركة سودانية مقربة من الجيش وهي “شركة الموانئ الهندسية”، بذريعة استخدامها في إنتاج الماء الصالح للشرب.

ملخص الجزء الأول من التحقيق: في يومي 5 و 13 أيلول/ سبتمبر 2024، تم استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط التي تقع في شمال العاصمة السودانية الخرطوم. وكان الجيش آنذاك يحاول استعادة السيطرة على مصفاة النفط هذه من أيدي قوات الدعم السريع، المليشيا التي تقاتلها في حرب أهلية مستمرة منذ نيسان/أبريل 2023. وتم إلقاء براميل تحتوي على مادة الكلور من الجو، علما أن الجيش السوداني يُعد الطرف الوحيد في النزاع الذي يستخدم الطائرات العسكرية القادرة على تنفيذ مثل هذه الغارات. وخلص الاستقصاء الذي أجريناه إلى أن شركة هندية اسمها “كيمترايد إنترناشونال كوربورايشن “Chemtrade International Corporation، هي التي قامت بتصدير هذا الغاز إلى السودان. وتؤكد الشركة أنه كان من المقرر أن يتم استخدام هذه المادة “بهدف معالجة الماء الصالح للشرب فقط”، وهو استخدام مدني رائج لهذه المادة.

الجزء الثاني من تحقيقنا في سطور:

  • مادة غاز الكلور التي تم إلقاؤها على مصفاة الجيلي للنفط بين يومي 5 و 13 أيلول/سبتمبر 2024، تم توريدها من قبل شركة سودانية يديرها مسؤول عسكري اسمها “شركة الموانئ الهندسية”.
  • تقدم الشركة نفسها على أنها متخصصة في الأشغال العامة. لكنها استوردت معدات عسكرية عدة مرات، كما تربطها علاقات تجارية مع شركة تركية تصنع الذخيرة، وفقًا لبيانات تجارية حصرية قدمتها منظمة “سي فور أي دي إس C4ADS”، الأمريكية غير الحكومية.
  • بحسب الشركة المصدرة الهندية، فإن شركة الموانئ الهندسية كانت زعمت أن براميل الكلور هذه سيتم استخدامها فقط “في عمليات معالجة الماء الصالح للشرب”. ليس هناك ما يؤكد أن هذه البراميل قد تم استيرادها إلى السودان لهذا الغرض.
  • الحصول على الماء الصالح للشرب يعد تحديا صعبا في السودان حيث لا يتمكن أكثر من ثلث السكان من الحصول عليه. ومادة الكلور هي أساسية لإنتاج ماء نظيف صالح للاستخدام البشري. لو تم استخدام البرميلين اللذين استُخدما في الهجمات في محيط مصفاة الجيلي في محطة لتنقية المياه، لكان من الممكن إنتاج ما يكفي من المياه الصالحة للشرب لتلبية الاحتياجات الحيوية لمليون نازح لمدة 6 أشهر.

من الهند إلى ساحة المعركة السودانية، مسار برميل من الكلور استُخدم كسلاح كيميائي

لتتبع أثر براميل الكلور، بدأنا من مقطع فيديو يظهر البرميل الذي سقط في 5 أيلول/سبتمبر 2025 على قاعدة قري العسكرية، على بعد 5 كيلومترات شرق مصفاة الجيلي.

اظهر  مقطع المصور نشر في يوم 5 أيلول سبتمبر 2024 على حساب في تطبيق إنستاغرام ينشر دعاية مساندة لقوات الدعم السريع، برميل كلور سقط في ذلك اليوم على قاعدة قري العسكرية.

وعلى هذا البرميل، نرى رقم التصنيع المنجمي وهو  “GC-1983-1715”.

تسمح عملية إعادة تشكيل رقم التصنيع على برميل عثر عليه في يوم 5 أيلول سبتمبر 2024 في قاعدة قري العسكرية بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط، من قراءة الرقم بشكل كامل، ويتعلق الأمر بـ “GC-1983-1715”. والرقم الأخير هو 5 الذي فسخ جزئه العلوي. © مراقبون

تمكن فريق تحرير مراقبون فرانس24 من الحصول على وثيقة مرتبطة بعملية توريد برميل مادة الكلور الذي يحمل الرقم “GC-1983-1715” إلى السودان. وتم إرسال هذا البرميل من قبل شركة هندية متخصصة في تجارة براميل الغاز المضغوط، وهي “شركة كيمترايد الدولية Chemtrade International Corporation”. وكان البرميل جزءا من شحنة تتضمن 17 برميلا من هذا الصنف، وتم نقلها عبر باخرة انطلقت من بومباي في يوم 14 تموز/يوليو 2024 في اتجاه ميناء بورتسودان.

على هذه الوثيقة التي تمت صياغتها لحظة شحن براميل مادة الكلور على باخرة كانت تنقله نحو وجهته، نرى رقم التصنيع للبرميل “GC-1983-1715” من بين 17 برميلا معدا للتصدير (1). وتم توفير هذه البراميل من قبل شركة “كيمترايد” (2)، وكانت مليئة بمادة “الكلور السائل” (3). انطلقت الاسطوانات من ميناء نهافا شيفا الذي يقع بالقرب من مدينة بومباي في يوم 14 تموز/يوليو 2024 في اتجاه وجهته النهائية وهي ميناء بورت سودان (5). © فرانس ميديا موند

وفقا لتبادل رسائل عبر البريد الإلكتروني بين شركة “كيمترايد” الهندية وشركة الخدمات اللوجستية المكلفة بعملية النقل، تمكن فريق التحرير من الاطلاع عليها، فإن دخول هذه الشحنة التي تضم ذلك البرميل مع 16 برميلا آخر من نفس المادة إلى الأراضي السودانية تم على الأرجح في أوائل شهر آب/أغسطس 2024 عبر ميناء بورتسودان. وهو الميناء البحري التجاري الكبير الوحيد في السودان. وباتت مدينة بورتسودان عاصمة مؤقتة للحكومة التابعة للجيش. وتم على الأرجح استلامها لاحقا من قبل موردها في يوم 17 آب/أغسطس 2024، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من نشر مقاطع الفيديو الأولى التي تظهر إلقاء أحد هذه البراميل على مصفاة الجيلي للنفط في يوم 5 أيلول/سبتمبر 2024.

بفضل معطيات تحصلنا عليها من موقع “مارين ترافيك”، المتخصص في متابعة مواقع السفن وتحليل التحركات البحرية، ومحادثات إلكترونية مع شركات ساهمت في نقل براميل الكلور، تمكنا من إعادة تشكيل مسار هذه البراميل إلى غاية السودان. وتم نقل هذه البراميل في البداية على باخرة أولى تدعى “إر سي أوسيان” من بومباي في يوم 14 تمو/ يوليو 2024. ووصلت هذه الباخرة إلى ميناء جدة في المملكة العربية السعودية في يوم 21 تموز/ يوليو 2024 حيث تم إنزال هذه البراميل. ومن ثم قامت باخرة ثانية تدعى “الأحمد” بنقلها إلى ميناء بورتسودان حيث وصلت إلى هناك في يوم 9 آب/أغسطس 2024. فرانس ميديا موند

شركة الموانئ الهندسية.. مورد سوداني متخصص رسميا في الأشغال العامة.. 

من هي الشركة التي استلمت هذه البراميل؟ هنا أيضا، الوثيقة التي تمكن فريق التحرير من الاطلاع عليها تمنح الإجابة. يتعلق الأمر بشركة سودانية اسمها “شركة الموانئ الهندسية Engineering Port Company“، ومقرها في حي ديم مدينة بمدينة بورتسودان.

في هذه الوثيقة المرتبطة بتوريد براميل كلور من شركة “كيمترايد” الهندية إلى السودان، نعثر على اسم المرسل إليه ( consignee باللغة الإنكليزية). ويتعلق الأمر بشركة مقرها في مدينة بورتسودان، هي “إنجينيرينغ بورت كومباني Engineering Port Company” (شركة الموانئ الهندسية) والتي تسمى أيضا “بورتس إنجينيرينغ كومباني Ports Engineering Company”. © مراقبون

على موقع شركة الموانئ الهندسية، نجد أن الشركة متخصصة في الأشغال العامة. إذ يشير الموقع بالتحديد إلى نشاط الشركة في “المعالجة المتقدمة للمياه” التي تبدو وكأنها إشارة إلى إنتاج الماء الصالح للشرب، بدون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبالفعل، فإن مادة الكلور مستخدمة في معظم الأحيان في إنتاج الماء الصالح للشرب وفق ما أكده ماتيو غيدوتي الباحث في الكيمياء والمتخصص في الأسلحة الكيميائية الذي يوضح قائلا:

غاز الكلور هو مادة منتشرة على نطاق واسع في استخدامات سلمية: يمكن أن نقوم باستخدامه في تعقيم الماء الصالح للشرب ولإنتاج مواد بلاستيكية. هذه الاستخدامات المدنية تفرق الكلور عن أسلحة كيميائية والتي غالبا من يتم تطويرها بهدف القتل.

براميل كلور تم توريدها من أجل إنتاج ماء صالح للشرب؟

هل أن براميل غاز الكلور التي تم العثور عليها بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط تم شراؤها في البداية من قبل شركة الموانئ الهندسية بهدف إنتاج الماء الصالح للشرب؟ دروفش بهونسال مدير التسويق في الشركة الهندية المصدرة للشحنة “كيمترايد” يؤكد أن ذلك هو الصحيح قائلا:

هذه الشركة تورد أسطوانات كلور موجهة حصرا بغاية معالجة الماء الصالح للشرب في شبكة التزود بالمياه في منطقة طويلة (فريق التحرير: تقع هذه المنطقة في ولاية النيل الأبيض في جنوب البلاد). لقد أخبرونا بشكل شفوي بأنهم يعملون بموجب عقد مع  Nile River Water Board (هيئة مياه النيل، فريق التحرير). ولم يكن من المقرر أن يتم استخدام الكلور في أي مجال آخر.

شبكة توزيع المياه في منطقة طويلة هو مشروع لإنتاج الماء الصالح للشرب أطلقته منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في سنة 2020. المشكل الأول يتمثل في أن هذه المنظمة الدولية، على الرغم من إشرافها على هذا المشروع، تؤكد عبر المتحدث الرسمي باسمها بأنها لم تعمل على الإطلاق مع شركة الموانئ الهندسية”. كما أن شبكة طويلة للماء الصالح للشرب لا تستخدم على الأرجح الكلور لتطهير المياه الصالحة للشرب. حيث يقول متحدث باسم منظمة اليونيسف:

لا توجد مضخات لجرعات غاز الكلور (فريق التحرير: معدات ضرورية لتحديد كمية غاز الكلور التي يجب ضخها في كمية محددة من المياه حتى يصبح صالحا للشرب) في محطة طويلة، ومنظمة اليونيسف لم تقدم بشكل مباشر غاز الكلور إلى شبكة توزيع المياه في هذه المدينة. اليونيسف تقدم مسحوق الكلور لهذا الغرض.

كما توضح المنظمة الأممية أيضا بأن “رقم التصنيع الظاهر على (البرميل الذي تم العثور عليه في قاعدة قري العسكرية) لا يتطابق مع رقم أي (برميل) تم شراؤه أو توريده من قبل اليونيسف”.

حاول فريق التحرير الاتصال بـ”هيئة مياه النيل Nile River Water Board”، التي كان من المفترض بأنها تتعاون مع “شركة الموانئ الهندسية Ports Engineering Company” في استيراد براميل الكلور. كما حاولنا التواصل مع مدير هيئة مياه الشرب بولاية النيل الأبيض، وهي الهيئة التي تشرف على مياه الشرب في هذه الولاية، التي توجد فيها محطة توزيع المياه بمنطقة طويلة. وإلى غاية نشر هذا المقال، لم يتم الرد على طلباتنا.

شركة الموانئ الهندسية استوردت 123 برميل كلور آخر… ومصيرهم مجهول

كما قام فريق تحرير مراقبون فرانس24 أيضا بمحاولة التواصل مع شركة الموانئ الهندسية وذلك بالخصوص بهدف معرفة ما إذا كانت على علم بتحويل وجهة غاز الكلور من قبل الجيش السوداني أو أي مجموعة مقاتلة أخرى. ولم يتم مدنا إلى حد الآن برد على استفساراتنا.

وبات الموقع الإلكتروني لشركة الموانئ الهندسية مغلقا خلال تحقيقنا. ولا يعلم فريق تحرير مراقبون فرانس24 ما إذا كان نشاط الشركة مستمرا على الرغم من إغلاق موقعها.

في كل الأحوال، فإن هذين البرميلين من غاز الكلور اللذين تم استخدامهما كأسلحة كيميائية في منطقة الجيلي لا يمثلان سوى جزء صغير من الكلور الذي قامت شركة الموانئ الهندسية بتوريدها. إذ وفق معطيات تجارية قدمتها منظمة “سي 4 إي دي إس”، وهي منظمة غير حكومية أمريكية متخصصة في مكافحة الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، فإن الأمر يتعلق على الأرجح بـ125 أسطوانة من الكلور قامت على الأرجح شركة “كيمترايد” الهندية بتصديرها إلى السودان منذ بداية الحرب الأهلية. وأكدت لنا الشركة الهندية في رسالة عبر البريد الإلكتروني بأن “كل معاملاتها السابقة أو الحالية، تمت فقط عبر شركة الموانئ الهندسية”. زد على ذلك، بأن لا يظهر أي مورد آخر لمادة الكلور وفق سجل المعطيات التجارية السودانية، باستثناء منظمة “أطباء بلا حدود” غير الحكومية وشركة محلية أخرى.

فيما لا يزال الغموض يلف مصير 123 برميل كلور المتبقية، التي يمكن استخدامها كأسلحة كيميائية وأيضا في مجالات حيوية لتوفير حاجيات الشعب السوداني من الماء الصالح للشرب.

“نقص الحصول على المواد الكيميائية اللازمة لمعالجة المياه تساهم في وقوع انتشار أوبئة”

الحصول على ماء صالح للشرب هو تحد حساس جدا في السودان، حيث لا يتمكن ما يقرب من 17,3 مليون شخص من الحصول عليه بسبب تدمير محطات التعقيم وانقطاع الكهرباء ونزوح السكان بسبب الحرب.

هذا النقص الصارخ في الماء الصالح للشرب يؤدي إلى انتشار الأوبئة ولا سيما الكوليرا. وقد تضررت ولاية النيل الأبيض، حيث توجد محطة توزيع المياه في طويلة، بشدة منذ بداية العام. فقد أصيب 2700 شخص، بينهم 500 طفل، بهذا المرض بين يناير وفبراير 2025، وفقا لليونيسف

كان السبب الأول من تفشي هذا الوباء هو تدمير محطات الطاقة الكهربائية من قبل قوات الدعم السريع. من جانبها أوضحت متحدثة باسم اليونيسف أن ”نقص توفر المواد الكيميائية اللازمة لمعالجة المياه يساهم أيضاً في انتشار الأوبئة“.

من جهته، يؤكد مصدر مطلع على إنتاج المياه في السودان وطلب عدم الكشف عن هويته قائلا:

من الصعب جدا الحصول (على مادة الكلور) بسبب ضعف الميزانيات الحكومية ولكن أيضا لأن الأمر يتطلب توريد هذه المواد الكيميائية الخاصة جدا من خارج البلاد.

ويوضح نفس المصدر أيضا بأن برميلا يحتوي على طن من مادة الكلور على غرار ذلك الذي تم إلقاؤه بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط في يوم 5 و 13 أيلول سبتمبر 2024، كان سيسمح بتوفير ما يقرب من 240 مليون لتر من الماء الصالح للشرب. وهو ما كان سيكفي لتوفير ماء لمدة ثلاثة أشهر ويغطي حاجيات حيوية لنحو مليون نازح عادوا إلى العاصمة الخرطوم منذ أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على المدينة في يوم 26 آذار/ مارس 2025.

شركة الموانئ الهندسية، شركة مرتبطة بمجموعة خاضعة لعقوبات دولية

وفي ظل عدم توفر أي أدلة في تحقيقنا تسمح بالتأكد من أن هذه البراميل من مادة الكلور التي قامت شركة الموانئ الهندسية، بتوريدها كانت بالفعل موجهة لإنتاج الماء الصالح للشرب، حاول فريق التحرير رصد مزيد من المعلومات حول أنشطتها المختلفة.

من خلال زيارة موقعها الرسمي (فريق التحرير: الذي بات مغلقا اليوم إلا أن أرشيفه موجود في منصة لحفظ المواقع) نعلم بأن شركة الموانئ الهندسية، تنشط في “القطاع المنجمي” و”المعاملات في الموانئ” ولكن أيضا في أنشطة “التصدير والتوريد”. تم تأسيس هذه الشركة في “سنة 1998 بمساهمة من هيئة الموانئ البحرية، وهي هيئة تابعة لوزارة النقل السوداني مكلفة بالتصرف في موانئ البلاد ومن بينها ميناء بورت سودان.

في سنة 2014، دائما وفق الموقع الرسمي لهذه الشركة، فإن شركة الموانئ الهندسية دخلت أيضا في شراكة مع “مجموعة جياد الصناعية” وهي مجموعة شركات عامة سودانية عدد منها فرضت ضدها عقوبات في عدة مرات من قبل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأيضا الاتحاد الأوروبي وذلك بسبب علاقتها مع القوات المسلحة السودانية التي تهدد “السلم والاستقرار في السودان” وفق فرنسا.

وبالتالي، فإن شركة الموانئ الهندسية مرتبطة بعدة شركات عامة سودانية، ولا سيما بمجموعة خاضعة لعقوبات دولية، مقربة من الجيش السوداني.

علاوة على ذلك، فإن المدير العام لهذه الشركة هو أنس يونس، وهو عقيد في الجيش السوداني، كما أكد ذلك العديد من المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك التصريحات الرسمية. وأظهرت صور على شبكات التواصل الاجتماعي هذا الشخص وهو يرتدي الزي العسكري، أو خلال عدة اجتماعات مع مسؤولين سودانيين.

في هذه الصورة التي نُشرت على فيسبوك في 8 نوفمبر 2023، يمكن رؤية العقيد أنس يونس (الثاني من اليسار) وهو يرتدي الزي العسكري خلال اجتماع مع المدير العام لهيئة الموانئ البحرية. © فيسبوك

تسمح معطيات تجارية سودانية وتركية وهندية وإندونيسية جمعتها منظمة “سي فور إي دي إس” الأمريكية غير الحكومية المتخصصة في مكافحة الأنشطة الاقتصادية غير الشرعية بالذهاب أبعد من ذلك: إذ يكشف تحليل هذه البيانات أن شركة الموانئ الهندسية يبدو أنها معتادة على القيام بعمليات توريد ذات طابع عسكري.

وفق مقتطفات من سجل التوريد في السودان أرسلتها منظمة “سي فور إي دي إس” لفريق التحرير، فإن شركة الموانئ الهندسية قامت بجلب منتجات باستخدام باخرة في أوائل سنة 2024، منتجات مصنع ذخائر تركي “شركة كارميتال Karmetal”. وتعرف تركيا بأنها تزود الجيش السوداني بالأسلحة في حربه ضد قوات الدعم السريع.

هل كانت هذه الشحنات التي وصلت عبر باخرة تحتوي على معدات عسكرية؟ في اتصال فريق التحرير، أكدت شركة كارميتال بأن الأمر يتعلق بـ”نوابض“ و”صناديق معدنية فارغة“ لا تحتوي على ”أي معدات عسكرية أو متفجرات أو ذخيرة أو صمامات تفجير أو مكونات مماثلة“.

كما تؤكد الشركة أيضا بأنها لم تقم ببيع مباشر لهذه المنتجات للسودان بل قامت ببيعها إلى زبون “في إحدى دول الخليج العربي” الذي قام بدوره بنقلها إلى هذا البلد الذي يشهد حرب أهلية. وتمكن فريق تحرير “مراقبون” من التأكد من هذه النقطة من خلال التواصل مع الشركة المعنية بهذا الأمر وهي “بوند تكنولوجي إف زد إي Bond Technologies FZE”.  كما تؤكد هذه الشركة أيضا بأنها قامت ببيع “نوابض وصناديق معدنية فارغة للسودان موجهة للاستخدام التجاري ولا علاقة لها أبدا بالمجال العسكري”.

إلا أن هذه المعطيات التي تم التوصل إليها في إطار هذا التحقيق تثير تساؤلات حول أقوال شركة “بوند تكنولوجي إف زد إي ” وشركة “كارميتال” التركية. في البلاد لأن قائمة المواد التي تقوم شركة كارميتال بتصنيعها والمتاحة عبر موقعها الإلكتروني الرسمي لا تضم أي مواد تستخدم فقط في المجال المدني. ويمكن أن نعثر في الموقع على المواد التي قامت شركة الموانئ الهندسية على الأرجح باستقدامها إلى السودان وهي “عبوات حديدية فارغة” وفق وصف شركة كارميتال في رسالتها عبر البريد الإلكتروني. توصف هذه العبوات بأنها موجهة لتخزين الذخائر.

وفق موقعها الإلكتروني الرسمي، فإن شركة كارميتال التركية تقوم بالفعل ببيع صناديق معدنية مثل تلك التي باعتها الشركة لزبون قام بعد ذلك بتصديرها إلى السودان: وهي موصوفة بأنها “صناديق ذخيرة“. © Karmetal

أما في ما يتعلق بـ”النوابض” فإنه يمكن، وفق منظمة “سي فور إي دي إس” غير الحكومية الأمريكية، أن تكون في الحقيقة شرائط مخصصة لوضع ذخائر في أسلحة أوتوماتيكية.

على الموقع الإلكتروني لشركة “كارميتال” التركية، نعثر أيضا على منتوج يمكن أن تُستخدم فيه “النوابض” التي تم تصديرها إلى السودان، دائما وفق منظمة “سي فور إي دي إس” الأمريكية غير الحكومية ـ ويتعلق الأمر على الأرجح بشرائط معدنية مخصصة لحمل الذخيرة، ما يسمح لأسلحة أوتوماتيكية بإطلاق رشاش من الأعيرة النارية. © Karmetal

ويقول محلل لدى منظمة “سي 4 إي دي إس” معلقا في هذا الصدد:

في المعطيات التجارية، فإن هذه السلع (النوابض، فريق التحرير)، مرتبطة بشفرة تشير إلى نوع المنتج: 731582. من الجدير الإشارة إلى أنه كل عمليات التصدير التي تقوم بها شركة كارميتال المرتبطة بهذه الشفرة في السجلات التركية تضمنت وصفًا للبضائع يشير إلى أنها شرائط مخصصة لحمل الذخيرة. وذلك باستثناء الشحنة الموجهة إلى (السودان)، التي يقول الوصف المتعلق بها بأن الأمر يتعلق بـ” نوابض”. وعلى الرغم من أنه من المحتمل أن تكون هذه الشحنة قد احتوت على شيء آخر بخلاف النوابض الموجهة لاستقبال ذخائر، فإن هذه المعلومات تلقي بظلال من الشك على ادعاءاتهم.

.من جهتها، تنفي شركة “كارميتال” بشكل قاطع بأن السلع التي اشترتها شركة “بوند تكنولوجي إف زد إي”، والتي تم نقلها فيما بعد إلى السودان، كانت تحتوي على نوابض مخصصة للذخائر أو أي عتاد عسكري آخر. على الرغم من ذلك، فإنه يعد أمرا قانونيا أن تقوم شركة تركية ببيع عتاد عسكري للسودان إذا ما لم يتم استخدامه في إقليم دارفور: فهذه المنطقة التي تقع في غرب البلاد هي الوحيدة التي تخضع لحظر دولي لبيع الأسلحة بموجب قرار من الأمم المتحدة.

هل تم نقل 125 برميلاً من الكلور إلى السودان من قبل شركة الموانئ الهندسية في إطار أنشطتها كمستورد للمعدات العسكرية، لاستخدامها كأسلحة كيميائية؟ أم أنها كانت مخصصة لمشروع تنقية مياه الشرب، كما تؤكد الشركة الهندية التي قامت بتصديرها؟ في غياب رد من شركة الموانئ الهندسية والجيش السوداني، من المستحيل معرفة ذلك. ستقوم هيئة تحرير “مراقبون” بتحديث هذا المقال إذا وردت إليها معلومات إضافية.

مليشيا الدعم السريع نفذت حملة ممنهجة لتدمير وتفكيك نظام الرعاية الصحية بلغت ذروتها بمذبحة مستشفى الفاشر

(رويترز) – عندما كان مسلحو قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان يقتربون من المواقع التي تسيطر عليها القوت الحكومية في مدينة الفاشر المحاصرة في أكتوبر تشرين الأول، انخرط طاقم طبي بأقل عدد ممكن في آخر مستشفى عامل في المدينة في علاج الجرحى الذين تدفقوا على غرفة طوارئ متنقلة.

وانهالت القذائف على المنطقة المحيطة بالمستشفى السعودي، مما أسفر عن إصابة مدنيين ومقاتلين. وقالت إحدى الممرضات، لطخت دماء المصابين ملابس التمريض التي ترتديها، إن الأمر بدا وكأنه “يوم القيامة”. وعمل الطاقم الطبي على تضميد الجروح وتجبير الأطراف المكسورة باستخدام قماش الناموسيات بعد نفاد الشاش والضمادات.

وقالت الممرضة “اضطررنا للقفز من فوق الجثث للوصول إلى المرضى. لم نتمكن من دفنهم بسبب تحليق الطائرات المسيرة فوقنا”.

وذكر شاهد أنه في اليوم التالي، 26 أكتوبر تشرين الأول، استمر القصف ودخل مسلحو قوات الدعم السريع إلى المستشفى.

وفي 27 أكتوبر تشرين الأول، اقتاد مسلحو قوات الدعم السريع عبد الله يوسف، وهو تاجر اختطفوه في الطريق. وقال يوسف لرويترز إنه رأى جثثا متناثرة في أنحاء مجمع المستشفى بينها جثث أطفال ونساء وشيوخ ومرضى لم يتمكنوا من الفرار بسبب حالاتهم المرضية، وأضاف أنه رأي مسلحي قوات الدعم السريع يأخذون أشخاصا من المستشفى ويحتجزون بعضهم لطلب الفدية ويقتلون آخرين.

وقال يوسف “أخذوا الشبان وقتلوهم في الطريق”.

وذكرت منظمة الصحة العالمية أن قصف المستشفى السعودي أسفر عن مقتل ممرضة وإصابة ثلاثة أفراد آخرين من أطقم الرعاية الصحية في 26 أكتوبر تشرين الأول. وأشارت إلى أنه في هجوم منفصل وقع في 28 أكتوبر تشرين الأول، قُتل أكثر من 460 شخصا من المرضى ومرافقيهم بالرصاص هناك. ولم تتمكن رويترز من التحقق من التاريخ أو عدد القتلى.

وتكشف صور ملتقطة بالأقمار الصناعية في 28 أكتوبر تشرين الأول علامات على عمليات قتل جماعي في المستشفى السعودي. ووفقا لتحليل من مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل، تُظهر الصور مجموعات من أجسام بحجم جسد الإنسان. وذكر الباحثون في المختبر أن صورا التقطت في وقت لاحق أظهرت ما يبدو أنه جثث تُحرق، وهو ما يخالف طريقة الدفن الإسلامية، مع أجسام بيضاء مستطيلة الشكل “متفحمة بشكل واضح مع انبعاث دخان أسود اللون”.

وضربت هجمات أكتوبر تشرين الأول على المستشفى السعودي مثالا صارخا على ما اعتبره الأطباء حملة ممنهجة من جانب قوات الدعم السريع لتفكيك نظام الرعاية الصحية في مدينة الفاشر المحاصرة، كجزء من محاولات أوسع نطاقا لطرد المدنيين والاستيلاء على عاصمة ولاية شمال دارفور بالسودان.

ولم ترد قوات الدعم السريع على طلبات للتعليق.

وذكرت قوات الدعم السريع في بيان في أكتوبر تشرين الأول قبل الاستيلاء على الفاشر أن أعداءها استخدموا مستشفيات المدينة كثكنات عسكرية ولشن هجمات. ونفى مسعفون في الفاشر هذا الاتهام، قائلين إن هذه المرافق تُستخدم للأغراض الطبية فقط لعلاج المدنيين والجنود الجرحى.

وبموجب القانون الإنساني الدولي يتمتع المقاتلون الذين يعانون من العجز بسبب المرض أو الإصابة بالحماية من الهجمات، وكذلك المستشفيات التي تعالج المقاتلين.

وتزايدت التقارير الواردة عن استخدام العنف ضد مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها خلال الحروب في العصر الحديث. ووفقا لبرنامج (إنسيكيوريتي إنسايت) الذي يجمع بيانات لمجموعة من المنظمات الدولية غير الحكومية تُسمى (تحالف حماية الصحة أثناء النزاع)، تم رصد ما لا يقل عن 12944 واقعة عنف وعرقلة لأعمال الرعاية الصحية مرتبطة بالنزاعات في أنحاء العالم في الفترة من أوائل عام 2021 حتى أواخر أكتوبر تشرين الأول 2025.

وبلغ عدد الوقائع المسجلة ذروته عند 3891 واقعة في عام 2024، ارتفاعا من 3217 واقعة في 2023، و2315 واقعة في 2022 و1602 واقعة في 2021.

وجاءت النزاعات في غزة وميانمار والسودان وأوكرانيا في مقدمة الصراعات وراء هذه الوقائع. وتستند إحصاءات (إنسيكيوريتي إنسايت) إلى التقارير الإخبارية وتقارير المنظمات غير الربحية وغيرها من المعلومات المتاحة علنا. ولا يملك البرنامج تفاصيل كاملة عن كل واقعة، وتختلف دقة التقارير من بلد إلى آخر.

وتكشف البيانات ومقابلات أجريت مع أكثر من 12 شخصا من الأطباء وأفراد فرق الإغاثة والسكان عن تدمير وتفكيك مستمرين لقدرات الرعاية الصحية في الفاشر، وهو ما بدأ في ربيع عام 2024 وتزايد مع استيلاء قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر تشرين الأول.

ووفقا لبيانات (إنسيكيوريتي إنسايت) فإنه منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل نيسان 2023، تعرضت مرافق الرعاية الصحية في شمال دارفور للهجوم أو الأضرار أو عرقلة العمل بها ما لا يقل عن 130 مرة. وتُشير البيانات إلى أن قوات الدعم السريع مسؤولة عن 71 بالمئة على الأقل من هذه الوقائع بينما تتحمل القوات المسلحة السودانية مسؤولية ثلاثة بالمئة فقط منها. وشملت معظم الحالات المتبقية جهات مجهولة أو قتالا بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية.

وبحسب البيانات، قُتل ما لا يقل عن 40 من العاملين في قطاع الصحة.

وردا على أسئلة من رويترز، نفى مسؤول كبير في الجيش السوداني التقارير التي تحدثت عن مهاجمة الجيش لمنشآت طبية. وقال المصدر “الجيش هو من كان يدافع عن المواطنين في الفاشر قبل ان يدخلها الدعم السريع وهذا واجب الجيش في اي مكان في السودان”.

وتزايدت كثافة الهجمات على منشآت الرعاية الصحية بعد أن حاصرت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر في أبريل نيسان 2024. وتباينت هذه الهجمات بداية من نهب الإمدادات ومنع وصولها إلى المستشفيات حتى إطلاق النار داخل المستشفيات والقصف بالمدفعية والطائرات المسيرة الذي أجبر المرافق على الإغلاق.

وفقدت المدينة المستشفيات واحدا تلو الآخر. وفي 11 مايو أيار 2024، وقعت غارة جوية نفذتها القوات المسلحة السودانية على بُعد حوالي 50 مترا من مستشفى بابكر نهار للأطفال، مما أدى إلى انهيار سقف وحدة العناية المركزة ومقتل طفلين وأحد مقدمي الرعاية، وفقا للبيانات وتقرير صادر عن منظمة أطباء بلا حدود غير الربحية التي وفرت إمدادات وكوادر طبية هناك. وتم إغلاق المستشفى.

وقال الجراح عز الدين أسو لرويترز إنه كان يجري عملية جراحية في مستشفى الجنوب في يونيو حزيران 2024 عندما اخترقت مدفعية قوات الدعم السريع غرفة العمليات. وأضاف أن جنود قوات الدعم السريع داهموا المستشفى في اليوم التالي واعتدوا عليه بالضرب. وأُغلق المستشفى نهائيا، مما اضطر فريقه إلى الانتقال إلى المستشفى السعودي.

وذكر سكان لرويترز أن تقدم قوات الدعم السريع دفع سكان المدينة إلى الانتقال من منشأة طبية مدمرة إلى أخرى.

وقال أسو “إذا تعرض المستشفى للقصف، فماذا سيفعل المدنيون إذا أصيبوا؟… من يستطع المغادرة، يغادر”.

وذكر ثلاثة أطباء لرويترز أن المستشفى السعودي تعرض لهجوم مكثف بعد أن أصبح آخر مستشفى قائم منذ أكثر من عام. وتصاعدت وتيرة الهجمات من قصف مدفعي إلى هجمات بطائرات مسيرة، وفي الأشهر القليلة الماضية أصبح القصف شبه يومي.

وأفاد سبعة مسعفين وثلاثة مصادر أخرى لرويترز بأن طائرات مسيرة طاردت العاملين في القطاع الصحي. واضطر الأطباء إلى الاختباء، فأجروا عمليات جراحية في الخنادق والمنازل.

ولجأ الطاقم الطبي إلى علاج الناس ضمن شبكة مؤقتة تتضمن فرز الحالات في مبنى، وإجراء العمليات في آخر، وإرسال المرضى للتعافي في ثالث.

ودُمرت سيارات الإسعاف، فنقل الناس الجرحى بعربات يدوية أو عربات تجرها الحمير لتلاحقهم الطائرات المسيرة وتقصف العيادات فور وصولهم.

وقال الطبيب أسو “يحضرون المصابين، ثم تقتلهم طائرة مسيرة عند الباب”.

وتحظر قوانين الحرب الدولية استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية، وتوفر حماية قانونية مشددة للمستشفيات والوحدات الطبية.

وقال توم دانينباوم، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة ستانفورد، إن الهجمات على مرافق الرعاية الصحية في الفاشر، نظرا لطبيعتها المتكررة، هي انتهاكات واضحة.

وأضاف “من الواضح أن هذا يتطلب تحقيقات في جرائم حرب”.

وقالت إسراء مختار إن مقاتلي قوات الدعم السريع أشاروا إلى نقص الرعاية الصحية الكافية خلال هجوم أبريل نيسان الذي أجبر مئات الألوف من المدنيين على الفرار من معسكر زمزم للنازحين الذي كانت تعيش فيه في ولاية شمال دارفور.

وكانت إسراء ونساء أخريات يتزودن بالمياه من مضخة قرب المركز الصحي الرئيسي في المخيم الذي تديره منظمة (ريليف إنترناشونال) للإغاثة. ووصلت مركبات قوات الدعم السريع ونزل منها المقاتلون.

وتذكرت أن أحد المقاتلين سألهم “لماذا ما زلتم هنا؟ ماذا ستفعلون إذا تعرضتم للإصابة؟”. وبعد أن أجاب أحدهم بأن المركز الصحي لا يزال يعمل، توجه المقاتلون نحوه. وبعد دقائق، سمعت إسراء إطلاق نار وصراخا.

وذكرت ممرضة تعمل في المركز أن جنودا من قوات الدعم السريع وصلوا إلى هناك في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا من ذلك اليوم.

وقالت الممرضة إن الجنود أجبروا خمسة رجال من العاملين في المركز على الاستلقاء على ظهورهم، ووجهوا أسلحتهم نحوهم وأطلقوا النار عليهم.

وعندما حاول الطبيب محمود بابكر مغادرة الخندق الذي كان يختبئ فيه هو والممرضة، أطلق جنود قوات الدعم السريع النار عليه، فوقع فوق الممرضة ثم انتقل المقاتلون إلى خندق آخر حيث كان يختبئ ثلاثة آخرون من زملائها الرجال. وسمعت الممرضة طلقات نارية، لكنها عندما نظرت كان الثلاثة قد قُتلوا.

وقالت الممرضة “كانوا بمنزلة إخوتي، كل هؤلاء الرجال الذين لاقوا حتفهم”. وقُتل تسعة من الطاقم الطبي، منهم بابكر.

وقالت الممرضة إن مقاتلي قوات الدعم السريع نهبوا الغرف، وسرقوا الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والأدوية والبسكويت العلاجي للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية والحليب.

ووصف أحد المقاتلين الممرضة وزميلتها بأنهم “فلنقايات” بعد قتل زملائها، والفلنقايات مصطلح مهين تستخدمه قوات الدعم السريع لوصف المتعاونين مع القوات المسلحة السودانية.

وقالت الممرضة “ظننا أننا سنموت أيضا”، لكن أحد المقاتلين طلب منها ومن زميلتها المغادرة. وخرجت ويداها مرفوعتان وثوبها ملطخ بالدماء.

وأكد زملاء سابقون للممرضة وشاهدان آخران روايتها عن الاعتداء.

ومن بين القتلى في المركز الصحي الذي تديره منظمة ريليف إنترناشونال، مهند نجل مبارك فريد، وابن أخيه وابنه بالتبني محمد. وكان كلاهما يعمل سائقا لدى المنظمة.

وقال فريد، الذي زود المنظمة بالمركبات، إنه علم بوقوع المذبحة في ذلك المساء.

وأضاف أنه رأى في مكان الواقعة أن مهند مصاب بجرح قطعي في ساقه يظهر العظم منه. وأصيب أحد القتلى بطلق ناري في الفم، في حين تحطمت جمجمة الدكتور بابكر. ودفن فريد وثلاثة رجال آخرين القتلى في قبر واحد والقذائف تتساقط.

وقال فريد “هؤلاء الأطباء لا علاقة لهم بالحرب، ولا علاقة لأبنائي بها. لم يحملوا سلاحا قط في حياتهم”.

الجيش السوداني يعلن استعداده للتفاوض بشروط.. والبرهان يدعو ترامب للتدخل لإنهاء الحرب

أعرب عضو مجلس السيادة ومساعد قائد الجيش السوداني ياسر العطا، الأربعاء، عن استعداد الجيش للتفاوض مع قوات الدعم السريع، بشرط “عدم التنازل عن انسحابها إلى معسكرات خارج المدن”.

جاء ذلك خلال كلمة للعطا في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، بمناسبة تخريج دفعة من متطوعي “المقاومة الشعبية” الذين يقاتلون إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، بحسب مراسل وكالة الأناضول.

وقال العطا: “خلال أيام سينتقل مركز الدولة العسكري إلى هنا (الأبيض)، وستكون المدينة خلية نحل ننطلق منها لتحرير أرض الوطن”.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ظل الجيش يدير عملياته من العاصمة الخرطوم ومن بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة في شمال شرق البلاد.

وأضاف العطا أن “الجيش أعد العدة للعمليات المقبلة لتحرير جميع الأراضي السودانية”، متعهداً بـ”استرداد ولايات كردفان ودارفور قريباً” من قوات الدعم السريع.

وتسيطر قوات الدعم السريع حالياً على خمس ولايات في إقليم دارفور غربي البلاد، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، بينما يحتفظ الجيش بالسيطرة على معظم ولايات السودان الـ13 الأخرى، بما فيها العاصمة الخرطوم.

وأكد العطا أن الجيش “مستعد للتفاوض وفق شروط واضحة”، موضحاً أن من بين تلك الشروط “انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق والمدن، وتجميعها في معسكرات بشرق وجنوب دارفور وتسليم أسلحتها للجيش”. كما دعا إلى “إخراج المرتزقة الذين يقاتلون في صفوفها، وتقديم من ارتكب جرائم للعدالة”، ملوحاً بـ”التسريح أو الدمج” لمن تبقى.

وقال العطا: “هذا هو السلام الذي نعرفه”، مشدداً على أن “قيادة الدعم السريع لا مكان لها في السودان وستُقدَّم للمحاكمة”.

البرهان يدعو ترامب للتدخل

وفي تطور متصل، دعا قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، في مقال رأي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى “العمل من أجل إحلال السلام في السودان”.

وكتب البرهان أن “الشعب السوداني يتطلع إلى واشنطن لاتخاذ الخطوة التالية والعمل معنا ومع الدول الساعية إلى السلام لإنهاء هذه الحرب”، مضيفاً أن “السودانيين يرون في الرئيس ترامب قائداً صريحاً وحازماً، قادراً على مواجهة الأطراف الخارجية التي تُطيل معاناتهم”.

وأشاد البرهان بتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال قمة مجموعة السبع، معتبراً أنها “لحظة فارقة” لأنها “سمّت الحرب باسمها وحمّلت قوات الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن العنف والانتهاكات”.

ورأى أن حديث روبيو عن “دور الأطراف الخارجية في تغذية الصراع كان واضحاً ونادراً في الخطاب الدولي”، الذي غالباً ما يصوّر الحرب السودانية على أنها “صراع بين جنرالين”.

شراكة في مكافحة الإرهاب واتفاقات إبراهيم

وأعرب البرهان عن ترحيبه بتصريحات ترامب الإيجابية بعد لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مشيراً إلى استعداد السودان “للتعاون مع واشنطن والرياض لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة”، مؤكداً أن الخرطوم “تسعى لتكون شريكاً قوياً للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي”.

وحذّر من أن استمرار الحرب “لا يهدد السودان وحده، بل يمتد خطره إلى البحر الأحمر والساحل الإفريقي ومصالح الولايات المتحدة”، مشيراً إلى أن بلاده تتطلع إلى “استعادة دورها كقوة إقليمية إيجابية”.

ولفت إلى أن انضمام السودان إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” عام 2021 كان “خطوة تاريخية تعكس إيمانه بالسلام والتعاون طريقاً نحو استقرار الشرق الأوسط والقرن الإفريقي”.

تحركات دبلوماسية وخطة الرباعية

في سبتمبر/أيلول 2025، اقترحت “الرباعية الدولية” – التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات – خطة تتضمن هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار وعملية انتقالية جامعة خلال تسعة أشهر تقود إلى حكومة مدنية مستقلة.

ورغم اتهام قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين وتوسيع سيطرتها في دارفور وكردفان، أعلن قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) موافقته على هدنة أحادية الجانب لمدة ثلاثة أشهر.

لكن البرهان رفض خطة الرباعية، معتبراً أنها “تلغي وجود الجيش الرسمي وتبقي المليشيا المتمردة في مواقعها”. ومع ذلك، أكدت الحكومة السودانية ترحيبها بالتفاوض وفق خريطة طريق قدمتها الخرطوم للأمم المتحدة، تشترط انسحاب “قوات الدعم السريع” من المدن والمنشآت المدنية لتمكين عودة النازحين إلى مناطقهم.

مجلس الأمن والدفاع يعلن تكليف جهات مختصة للرد على مقترح مستشار ترامب

وجه مجلس الأمن والدفاع السوداني الشكر لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب على اهتمامهما بالشأن السوداني ورغبتهما في تحقيق سلام يحفظ وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وذلك في بيان رسمي صدر مساء الثلاثاء عقب اجتماع برئاسة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. وأعلن المجلس في بيانه تكليف الجهات المختصة بالرد على الورقة المقدمة من مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس بشأن وقف الحرب في السودان.

وأكد المجلس تمسكه بالرؤية التي قدمتها الحكومة السودانية سابقًا للأمم المتحدة والجهات ذات العلاقة، مشددًا على التزام الدولة بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وفتح الطرق، وتأمين العاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول الدعم للمحتاجين، إضافة إلى استمرار فتح المعابر الحدودية والمطارات في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية نتيجة استمرار القتال الدامي في البلاد.

من جهة أخرى، أعلن البرهان قبل يومين رفضه الصريح لمبادرة الرباعية الدولية، معتبرًا أن مشاركة الإمارات في هذه الآلية تجعلها غير مقبولة للسودان، في ظل ما وصفه بتورط إماراتي في دعم “المتمردين” ضد الدولة السودانية. وخلال اجتماعه مع كبار ضباط القوات المسلحة، أكد البرهان أن الإمارات لا يمكن أن تكون وسيطًا في الأزمة، مشيرًا إلى أن الرواية التي يرددها مسعد بولس بشأن وجود سيطرة لتنظيم الإخوان داخل الجيش هي “رواية يطلقها الإمارات” ووصفها بأنها غير صحيحة.

وشدد البرهان على أن القوات المسلحة عازمة على استعادة كل الأراضي في كردفان ودارفور، مضيفًا إن الحديث عن سيطرة الإخوان داخل الجيش مجرد “فزاعة” تستخدم مع الأميركيين والسعوديين والمصريين. وأوضح أن المؤسسة العسكرية قادرة على إصلاح بنيتها بنفسها، مشيرًا إلى أن “مليشيا آل دقلو الإرهابية” ارتكبت جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي بحق السودانيين، وأن هناك دعمًا من دول وجماعات سياسية لهذه القوات، وهو أمر مرفوض بالنسبة للجيش السوداني.

وأكد البرهان أن القوات المسلحة ليست دعاة حرب ولا ترفض السلام، لكنها لن تقبل أي تهديد أو إملاءات من الخارج. وأكد أن الشعب السوداني وجيشه ليسا ضعيفين، وأن الثقة في الضباط والجنود هي مصدر قوة المؤسسة العسكرية، مضيفًا أن الجيش مصمم على خوض المعركة بشرف وعزة ودون تدخل خارجي، واصفًا إياها بـ “معركة الكرامة” التي يخوضها كل السودانيين باعتبارها معركة بقاء للشعب.

كما أشاد البرهان بجهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لمعالجة الأزمة السودانية وتحقيق السلام، مؤكدًا أن حديثه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوضح الصورة الحقيقية لما يحدث في البلاد. وأشار إلى أن السودان مستهدف، مما يستدعي جمع الكلمة وتوحيد الصفوف لمواجهة هذا الاستهداف. واعتبر أن الحلول المطروحة حاليا تمثل دعوة صريحة لتقسيم السودان، متسائلًا كيف يمكن وقف إطلاق النار بينما قوات الدعم السريع تسيطر على المدن والمناطق، مشددًا على ضرورة تجميع عناصر هذه القوات وتسليم أسلحتها مع وجود ضمانات.

وفي تغريدة مقتضبة عبر منصة “إكس”، شكر البرهان ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي على اهتمامهما بالسودان. من جهته، صرح ترمب: “سنبدأ العمل بشأن السودان بعدما طلب مني ذلك الأمير محمد بن سلمان، الذي سيكون له دور قوي في إنهاء النزاع هناك”.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، تفاقمت المعاناة الإنسانية بشكل كبير، حيث أدى القتال إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص، في ظل استمرار النزاع الذي يهدد وحدة البلاد واستقرارها.

مستشار ترامب: تصريحاته البرهان “مبنية على حقائق مغلوطة” وقدمنا خطة لإنهاء الحرب رفضها الطرفان

قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، إن تصريحات القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بحقه “مبنية على حقائق مغلوطة”، مؤكداً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعتبر إنهاء الحرب في السودان أولوية، وأن واشنطن قدمت خطة قوية لوقف الحرب رفضها الطرفان.

وأوضح بولس، في إفادة إعلامية بأبوظبي إلى جانب المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش، أنه اطّلع على إعلان قوات الدعم السريع وقف الأعمال القتالية من جانب واحد، معرباً عن أمله في صمود هذه الخطوة والتزام الجانبين بها، ومشدداً في الوقت نفسه على إدانة الولايات المتحدة للانتهاكات التي ارتكبها كل من الجيش والدعم السريع وضرورة محاسبة المسؤولين عنها.

وأشار بولس إلى أن واشنطن طرحت خلال الأسابيع الماضية سلسلة مقترحات، بينها هدنة إنسانية، وأنها تتطلع إلى قبول الطرفين للنص الشامل المقدم من الإدارة الأمريكية، مضيفاً أن الولايات المتحدة، في حال مضت في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، ستدقق في نشاطات فروعها في المنطقة. في المقابل، جدد البرهان، في خطاب أمام قادة الجيش، رفضه لـ”أنصاف الحلول”، واعتبر أن مقترحات الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) تعني عملياً إلغاء الجيش والأجهزة الأمنية والإبقاء على قوات الدعم السريع، وهو ما وصفه بأنه غير مقبول، منتقداً دور الإمارات في الوساطة ومتهماً إياها بدعم قوات الدعم السريع، ومبدياً تحفظه على دور بولس وما يراه محاولة لفرض حلول لا تراعي شواغل الدولة السودانية.

وأكد البرهان أن الحكومة طرحت خريطة طريق بديلة تقوم على انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي سيطرت عليها بعد منبر جدة، وتجميعها في مواقع متفق عليها تمهيداً لعودة النازحين وبدء عملية سياسية داخلية. من جهته، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن الأسبوع الماضي عزمه التدخل لوقف الصراع الذي اندلع في أبريل/نيسان 2023 وأدى إلى انتشار الجوع وأعمال قتل ذات طابع عرقي ونزوح واسع. ويواصل الجيش السوداني الاعتراض على مشاركة الإمارات في مفاوضات السلام، مؤكداً أنه لن يقبل بأي هدنة قبل انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المدنية، ومتهماً أبوظبي بتسليح تلك القوات، وهو ما تنفيه الإمارات.

من جانبه، أعلن قائد مليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” موافقة قواته على هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، قائلاً إنها استجابة للمساعي الدولية وفي مقدمتها مبادرة ترامب، ومتعهداً بوقف الأعمال العسكرية خلال مدة الهدنة، وتسهيل العمل الإنساني، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وحماية العاملين في المجال الإنساني ومقار ومخازن المنظمات الدولية. كما أعلن قبول إنشاء آلية ميدانية لمراقبة الهدنة تشرف عليها دول الرباعية إلى جانب الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، مع التعهّد بمحاسبة أي عناصر يثبت تورطها في انتهاكات ضد المدنيين، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل مدخلاً لوقف العدائيات والانخراط في حل سياسي شامل يستثني الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم السابق وواجهاتهما.

وقد رحّبت قوى سياسية ومدنية سودانية بإعلان الهدنة من طرف واحد، واعتبر حزب الأمة القومي الخطوة إيجابية ومدخلاً ضرورياً لتخفيف معاناة المدنيين وتهيئة الظروف لمسار سياسي شامل، داعياً قيادة الجيش إلى التعاطي الإيجابي معها وإعلان وقف لإطلاق النار يمكّن من فتح ممرات آمنة وحركة المدنيين. كما حذّر الحزب من أن استمرار الحرب يهدد وحدة البلاد في ظل التدهور الاقتصادي وانهيار الخدمات، ودعا القوى السياسية والمدنية إلى توحيد الصف ومحاربة خطابات الكراهية ودعم جهود السلام. وفي السياق نفسه، وصف خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود” ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، إعلان حميدتي بأنه موقف مسؤول يستحق الترحيب، معرباً عن أمله في أن تتجاوب القوات المسلحة بخطوة مماثلة لإنهاء الحرب، ومؤكداً أن الحلول السلمية تبقى الطريق الأقصر والأكثر أماناً لمعالجة أزمات السودان.

بالتوازي، وجّهت “المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات” و”هيئة محامي دارفور” مذكرة مشتركة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تطلب تفعيل منبر جدة ودعوة طرفي الحرب والقوى السياسية السودانية إلى مفاوضات جديدة. وتضمنت المذكرة، التي جاءت في ضوء سلسلة محادثات استضافتها جدة منذ مايو/أيار 2023 برعاية سعودية أمريكية، جملة مقترحات عملية، من بينها إلزام طرفي النزاع بوقف الأعمال القتالية أثناء التفاوض، وفتح الممرات الإنسانية، والسماح بوصول المساعدات للمحتاجين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، مع الإشارة إلى وجود آلاف المحتجزين عقب سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر. كما شددت المذكرة على أهمية وضع معايير واضحة لمشاركة القوى السياسية في التفاوض بما يمنع ادعاء أي طرف تمثيل الشعب السوداني بمفرده، ويضمن حضور قوى ذات قاعدة جماهيرية حقيقية وتأثير ملموس.

ودعت المذكرة إلى تشكيل لجنة مستقلة لرقابة وقف إطلاق النار ومنع الأعمال العدائية، مع وضع جداول زمنية واضحة للتفاوض وترتيبات وقف النار، وتفعيل قرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك القرار 2724/2024 المتعلق بفك الحصار عن مدينة الفاشر وحماية المدنيين. وأوضح رئيس المجموعة، الصادق علي حسن، أن الهدف من هذه الخطوة هو تحويل تصريحات الرئيس ترامب بشأن السودان إلى خطوات عملية تفضي إلى وقف الحرب عبر مسار تفاوضي منظم ومدعوم إقليمياً ودولياً، مع التأكيد على أولوية حماية المدنيين ووقف الانتهاكات، وعلى أن أي تسوية سياسية مستدامة تتطلب التزامات واضحة من جميع الأطراف بإنهاء العنف واحترام حقوق الإنسان.

ترامب يوقع أمرا تنفيذيا لدراسة تصنيف فروع لجماعة الإخوان منظمات إرهابية

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإثنين أمرا تنفيذيا وجه فيه إدارته بدراسة ما إذا كان ينبغي تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين مثل تلك الموجودة في لبنان ومصر والأردن منظمات إرهابية أجنبية وإرهابيين عالميين مُصنفين بشكل خاص.

وأضاف البيت الأبيض في بيان “الرئيس ترامب يواجه الشبكة العابرة للحدود لجماعة الإخوان المسلمين ، والتي تغذي الإرهاب وحملات زعزعة الاستقرار المناهضة للمصالح الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”.

وجاء في الأمر التنفيذي الموجه لوزيري الخارجية ماركو روبيو والخزانة سكوت بيسنت “يطلق هذا الأمر عملية يتم بموجبها اعتبار بعض من فروع جماعة الإخوان المسلمين أو أقسامها الفرعية منظمات إرهابية أجنبية”، مع الإشارة خصوصا إلى فروع الإخوان المسلمين في لبنان و مصر و الأردن.
ويشير الأمر التنفيذي إلى أن تلك الفروع “ترتكب أو تسهّل أو تدعم العنف وحملات زعزعة الاستقرار التي تضر بمناطقها، ومواطني الولايات المتحدة ، ومصالح الولايات المتحدة”.

ولطالما دعا الجمهوريون وأصوات يمينية إلى تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية. وبذل ترامب جهودا مماثلة خلال فترة ولايته الأولى. وبعد أشهر من بدء ولايته الثانية، قال روبيو إن إدارة ترامب تعمل على
تصنيف الحركة منظمة إرهابية.

وفرض حاكم ولاية تكساس جريج أبوت، وهو جمهوري أيضا، الأسبوع الماضي التصنيف ذاته على جماعة الإخوان المسلمين على مستوى الولاية.

دول عدة حظرت جماعة “الإخوان المسلمين”

يذكر أن جماعة “الإخوان المسلمين” تأسست في مصر قبل نحو قرن، ولها فروع في أنحاء مختلفة من العالم.

والجماعة منذ زمن هي الحركة المعارضة الأبرز في مصر، رغم حملات قمع تعرّضت لها مدى عقود. وتصنّف مصر الجماعة “منظمة إرهابية”، وقد استبعدت من المشهد السياسي في العام 2013، بعدما تمت الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي وتولى عبد الفتاح السيسي الرئاسة.

والجماعة محظورة في بلدان عدة بينها السعودية وأخيرا الأردن.

وفي نيسان/أبريل، أعلن الأردن حظر كل نشاطات “الإخوان المسلمين” في المملكة وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها، متهما الجماعة باقتناء سلاح ومحاولة تصنيع متفجرات وصواريخ والتخطيط لزعزعة أمن الدولة.

وفي أيار/مايو، أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحكومة بوضع مقترحات للتعامل مع تأثير “الإخوان المسلمين” وانتشار “الإسلام السياسي” في فرنسا، على خلفية تقارير تحذّر من أن الجماعة تشكّل “تهديدا للتماسك الوطني” في فرنسا.

DW (رويترز، أ ف ب، د ب أ)

تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً: قرار ترامب الذي سيربك الإسلام السياسي في السودان والعالم العربي

اليراع– يُنظر إلى طلب الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية بوصفه تطوراً نوعياً في مقاربة واشنطن لقضايا الإسلام السياسي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على التوازنات الإقليمية، ولا سيما في دول مثل السودان التي شكّل فيها نفوذ الجماعة عاملاً حاسماً في مسار الدولة والصراع فيها. يستند هذا التوجّه إلى اعتبارات أمنية وسياسية متشابكة، تتجاوز البعد القانوني البحت إلى إعادة صياغة موازين القوى بين التيارات الإسلامية والأنظمة الحاكمة والقوى المدنية على حد سواء.​​

خلفية القرار الأمريكي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّه يستعد لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، مؤكداً أنّ الخطوة ستتم “بأقوى العبارات” وأنّ الوثائق النهائية للتصنيف قيد الإعداد في الدوائر المختصة. يأتي هذا الإعلان في سياق نقاش ممتد داخل المؤسسات الأمريكية منذ ولايته الأولى، حيث سبق أن طُرحت المبادرة عام 2019 دون أن تستكمل إجراءاتها القانونية آنذاك. يعكس القرار، بصيغته الجديدة، اتجاهاً أكثر تشدداً مدفوعاً بضغوط من تيارات محافظة في الكونغرس تعتبر الجماعة مصدر تهديد متصاعداً لاستقرار الشرق الأوسط والأمن القومي الأمريكي.​​

الأبعاد القانونية والسياسية للتصنيف

يعني إدراج الإخوان في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من الناحية العملية فرض قيود صارمة على التمويل والنشاط، من بينها تجريم تقديم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعة أو الكيانات المرتبطة بها، وتوسيع صلاحيات الملاحقة القضائية للأفراد والمؤسسات المتعاملة معها. كما يترتب على التصنيف حظر دخول كوادر الجماعة إلى الولايات المتحدة وتجميد الأصول المحتملة الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية، فضلاً عن تأثيره غير المباشر في تعامل المصارف الدولية والمؤسسات المالية مع أي واجهات يُشتبه في ارتباطها بها. سياسياً، يوجّه القرار رسالة واضحة لحلفاء واشنطن بأنّ الانخراط مع الجماعة لم يعد خياراً محايداً، بل مساراً قد يعرّض حكومات أو فاعلين غير حكوميين لمخاطر قانونية وعقوبات ثانوية.​

الإخوان المسلمون في السودان: مسار تاريخي مثقل بالأزمات

تعود جذور حضور جماعة الإخوان المسلمين في السودان إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث تمكّنت تدريجياً من التغلغل في الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، مستفيدة من ضعف البنى الحزبية التقليدية وتداخل الخطاب الديني مع المجال العام. لعب تحالفها مع نظام الرئيس جعفر النميري بعد “المصالحة الوطنية” عام 1978 دوراً محورياً في تمكينها اقتصادياً وسياسياً، وصولاً إلى الدفع باتجاه تبنّي قوانين الشريعة الإسلامية عام 1983، وهي خطوة أسهمت في إعادة إشعال الحرب بين الشمال والجنوب حتى توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005.

عقب سقوط نظام النميري، عادت الجماعة إلى الواجهة تحت مظلة “الجبهة الإسلامية” للمشاركة في المرحلة الديمقراطية التي أعقبت انتفاضة 1985، قبل أن تدعم انقلاب عمر البشير العسكري عام 1989، ما أتاح لها الإمساك بمفاصل السلطة لمدة ثلاثة عقود. شهدت تلك الحقبة توسعاً في نفوذ الأجهزة الأمنية، واندلاع حروب أهلية في أكثر من إقليم، واتساع رقعة الفساد، إلى جانب استخدام خطاب ديني لتبرير الإقصاء والانتهاكات بحق معارضي النظام ومكوّنات اجتماعية ودينية متعدّدة.

ما بعد البشير: عودة النفوذ عبر الدولة العميقة

مع الإطاحة بنظام عمر البشير في ثورة شعبية واسعة عام 2019، برزت مطالب صريحة في الشارع السوداني وفي أوساط القوى المدنية تدعو إلى حظر الجماعة ومساءلة رموزها عن الانتهاكات التي وقعت خلال فترة حكمها. ورغم اتخاذ إجراءات شكلية ضد بعض واجهاتها التنظيمية، فإنّ الشبكات المرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، ظلّت فاعلة ومؤثرة. تتهم قوى سياسية وديمقراطية سودانية الجماعة بلعب دور محوري في دعم انقلاب قائد الجيش على السلطة الانتقالية المدنية، وبتوظيف نفوذها داخل المؤسسة العسكرية لتعطيل مسار التحول الديمقراطي.

تذهب قراءات عديدة إلى أنّ استمرار الحرب في السودان يرتبط جزئياً برهانات من قِبل دوائر مرتبطة بالإخوان على أن بيئة الفوضى تتيح لها استعادة نفوذها أو على الأقل منع تشكّل نظام مدني ديمقراطي يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة. وفي مواجهة مبادرات سلام، وطنية ودولية، دعت إلى تحييد الجماعة عن أي تسوية مقبلة، لوحظ تمسّكها بخطاب يرفض الإقصاء من المجال السياسي، مع مؤشرات على استعداد بعض أجنحتها للجوء إلى العمل المسلح أو استثمار تحالفات مع جماعات عابرة للحدود إذا جرى إغلاق الأبواب أمام عودتها المباشرة إلى السلطة.

تأثير التصنيف الأمريكي على المشهد السوداني

يُرجَّح أن يؤثر أي تصنيف أمريكي رسمي للجماعة كمنظمة إرهابية على بيئة عملها في السودان، سواء على مستوى التمويل الخارجي أو حركة الكوادر والواجهات المدنية المرتبطة بها. قد يدفع ذلك السلطات أو الفاعلين الإقليميين إلى تشديد الرقابة على شبكاتها المالية والخيرية، خصوصاً في ظل حساسية السودان تجاه الضغوط الغربية بعد تجربة العقوبات الطويلة السابقة. كما يمكن أن يُستخدم القرار كأداة تفاوض دولية للضغط على الأطراف السودانية التي يُشتبه في تحالفها مع الجماعة أو تغطيتها لنشاطها السياسي.

في المقابل، يحمل هذا المسار مخاطر موازية؛ إذ إنّ تضييق الهامش السياسي أمام الجماعة من دون توفير مسارات دمج قانونية وشفافة للفاعلين الإسلاميين غير المتورطين في العنف قد يدفع بعض الأجنحة نحو مزيد من الراديكالية. بالنسبة للسودان، الذي يقف على حافة انهيار شامل لمؤسسات الدولة، فإنّ أي انتقال لتنظيمات ذات مرجعية أيديولوجية من العمل العلني إلى العمل السري المسلح سيعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ويُطيل أمد الحرب.

السياق الإقليمي والدولي الأوسع

تأتي الخطوة الأمريكية في وقت أدرجت فيه دول عربية وإقليمية عدّة جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب لديها، بينما اتجهت دول أخرى إلى تقييد أنشطتها القانونية والعلنية مع الإبقاء على هامش محدود للحركة في المجال العام. في المقابل، تستضيف دول أوروبية وآسيوية شخصيات وقيادات مؤثرة من الجماعة، بعضها يمارس نشاطاً إعلامياً وسياسياً كثيفاً، ما يخلق تباينات واضحة بين المقاربات الغربية والعربية لملفّ الإخوان.​

من شأن تصنيف واشنطن للجماعة أن يعمّق الاستقطاب حولها؛ فدول ترى في القرار فرصة لمحاصرة نفوذها داخلياً وخارجياً، وأخرى تخشى من أن يؤدّي ذلك إلى دفع فروع محلية أكثر براغماتية نحو التماهي مع تيارات عنيفة. كما يثير القرار نقاشاً أوسع في مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار الغربية حول حدود التمييز بين الحركات الإسلامية التي تشارك في العملية السياسية وتلك التي تنخرط في العنف، وحول جدوى المعالجات الأمنية الصِرفة في مواجهة تحديات مركّبة يتداخل فيها الاجتماعي والديني والسياسي.

يبدو التوجّه الأمريكي لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية أشبه بإعادة رسم لخريطة العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي بعد عقود من سياسات مترددة ومتباينة. بالنسبة للسودان، يحمل القرار بعدين متعارضين: إمكانية دعم قوى الانتقال الديمقراطي التي تطالب بتحجيم نفوذ الجماعة، وفي الوقت نفسه خطر دفعها أو دفع بعض أجنحتها إلى مواقع أكثر تطرفاً في واقع هشّ أصلاً. نجاح أو فشل هذا المسار سيتوقف على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على موازنة مقتضيات المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، مع ضرورة بناء عملية سياسية شاملة لا تترك فراغاً تملؤه جماعات متطرفة أكثر عنفاً وتنظيماً.

البرهان يتعهد بالقضاء “نهائياً” على قوات الدعم السريع وسط تصاعد الكارثة الإنسانية

الخرطوم – في أحدث تصريحاته منذ إعلان التعبئة العامة، جدّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان تأكيده أن هدف الجيش هو “القضاء نهائياً” على قوات الدعم السريع، في إشارة واضحة إلى رفضه أي مساعٍ للتهدئة أو التفاوض قبل نزع سلاح تلك القوات التي يخوض ضدها صراعاً دامياً منذ أكثر من عام ونصف.

جاء ذلك خلال خطاب ألقاه البرهان، الجمعة، أثناء زيارته إلى مدينة القطينة بولاية النيل الأبيض جنوبي العاصمة الخرطوم، حيث أكد تصميم القوات المسلحة على “استئصال المليشيا المتمردة تماماً، وتطهير كل شبر من أرض الوطن”، وفق بيان صادر عن مجلس السيادة الانتقالي.

وتأتي تصريحات البرهان بعد أيام من دعوته إلى التعبئة العامة في صفوف الجيش وحثه جميع القادرين على حمل السلاح للانضمام إلى القتال، مؤكداً رفضه لأي هدنة أو مفاوضات سلام ما لم “تلقي قوات الدعم السريع أسلحتها بالكامل”. هذا الموقف يعكس تمسك القيادة العسكرية بخيار الحسم الميداني في ظل غياب أي مؤشرات على تقدم الجهود الدبلوماسية.

جولات ميدانية وتصعيد عسكري

شهدت الأسابيع الأخيرة تحركات مكثفة للبرهان في مناطق متفرقة من البلاد للاطلاع على تطورات المعارك، حيث زار مناطق في مدينة أم درمان غربي الخرطوم، إلى جانب تفقده قرى بولاية الجزيرة وسط البلاد، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السودانية الرسمية. هذه الزيارات تُعد محاولة لرفع معنويات الجنود وتأكيد السيطرة الحكومية على المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.

في المقابل، تواصل قوات الدعم السريع إحكام قبضتها على أجزاء واسعة من إقليم دارفور غرب البلاد، وسيطرتها الكاملة على ولاياته الخمس باستثناء بعض المناطق الشمالية من ولاية شمال دارفور، بينما يحتفظ الجيش بسيطرته على معظم الولايات الثلاث عشرة الأخرى في الشمال والشرق والوسط، بما فيها أجزاء كبيرة من العاصمة.

أزمة إنسانية خانقة

على الصعيد الإنساني، تتفاقم الأوضاع في مختلف أنحاء السودان مع استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وفي سياق متصل، كشفت شبكة أطباء السودان أن 23 طفلاً على الأقل لقوا حتفهم خلال الثلاثين يوماً الماضية في مدينتي الدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان، نتيجة سوء التغذية الحاد ونقص الإمدادات الأساسية بسبب الحصار المفروض على المنطقة. وأشارت الشبكة إلى أن الوضع “يفتك بالأطفال ويهدد حياة آلاف المدنيين”، داعية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى التحرك العاجل لفتح ممرات آمنة وإيصال المساعدات دون تأخير.

وأكدت الشبكة أن استمرار الحصار يمثل “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وحقوق الأطفال في البقاء والحماية”، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من احتمال وقوع “كارثة إنسانية واسعة النطاق” إذا استمر القتال على المنوال الحالي.

ويرى مراقبون أن موقف البرهان الأخير يعكس توجهاً نحو تصعيد الصراع عسكرياً بعد فشل مساعي الوساطة الإقليمية والدولية، بما في ذلك المبادرات التي رعتها واشنطن والرياض عبر محادثات جدة. ومع تزايد حدة المواجهات واتساع رقعة النزوح، تزداد المخاوف من دخول السودان في مرحلة جديدة من التفكك السياسي والإنساني يصعب تداركها مستقبلاً.

البرهان يبدي استعداده للتعاون مع الولايات المتحدة والسعودية لتحقيق السلام بعد تعهد ترامب بإنهاء “الفظائع” في السودان

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب  الأربعاء إنه سيعمل على إنهاء “الفظائع المروعة” في السودان بعدما طلب منه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المساعدة في وقف الحرب.

منذ اندلاعها في نيسان/أبريل 2023، خلّفت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عشرات آلاف القتلى وتسبّبت بنزوح نحو 12 مليون شخص.

وأوضح ترامب خلال مشاركته في منتدى أميركي-سعودي للأعمال أن “سمو الأمير يريد مني القيام بشيء حاسم يتعلق بالسودان”.

وأضاف “لم يكن السودان ضمن الملفات التي أنوي الانخراط فيها، وكنت أعتقد أن الوضع هناك تعمه الفوضى وخارج عن السيطرة”.

وتابع الرئيس الأميركي “لكنني أرى مدى أهميته بالنسبة إليكم ولعدد كبير من أصدقائكم في القاعة. سنبدأ العمل على ملف السودان”.

وكتب الجمهوري البالغ 79 عاما على موقعه للتواصل الاجتماعي تروث سوشل إنه سيستخدم “نفوذ الرئاسة لوقف الحرب على الفور”.

وتابع “تقع فظائع مروعة في السودان. لقد أصبح المكان الذي يشهد أخطر أعمال العنف على وجه الأرض، ويشهد أيضا أكبر أزمة إنسانية على الإطلاق”.

وفي وقت لاحق الأربعاء، أكد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان استعداده للتعاون مع الولايات المتحدة والسعودية لتحقيق السلام.

وقال مجلس السيادة الذي يترأسه البرهان في بيان إن الحكومة السودانية “تؤكد استعدادها للانخراط الجاد معهم من أجل تحقيق السلام”، مرحبا بالجهود السعودية والأميركية “من أجل إيقاف نزيف الدم السوداني”.

وكتب البرهان عبر منصة إكس في تدوينة مقتضبة عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية: “شكرا سمو الأمير محمد بن سلمان، شكرا الـرئيس دونالد ترامب”.”..

كانت واشنطن قد حضّت طرفي النزاع في السودان على إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار، في وقت صرّح مبعوث الرئيس الأميركي إلى إفريقيا مسعد بولس لوكالة فرانس برس السبت أن الحرب في السودان تُعدّ “أكبر أزمة إنسانية في العالم”.

لكن ترامب نفسه نادرا ما تطرّق إلى النزاع، مركّزا بدلا من ذلك على غزة وأوكرانيا في مسعاه للفوز بجائزة نوبل للسلام.

ووصف ترامب السودان بأنه “حضارة وثقافة عظيمة، لكنها للأسف تدهورت” ويمكن إصلاحها بمساعدة القوى الإقليمية الغنية.

وأضاف “سنعمل مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وشركاء آخرين في الشرق الأوسط لإنهاء هذه الفظائع، وفي الوقت نفسه تحقيق الاستقرار في السودان”.

تدعم السعودية الحكومة السودانية الموالية للجيش. ويتهم الأخير الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي.

ويعكس تعهد ترامب البدء بالعمل على ملف السودان علاقته الوثيقة مع ولي العهد السعودي الذي استقبله بحفاوة في البيت الأبيض الثلاثاء ودافع عنه في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، قائلا إن ولي العهد “لم يكن يعلم شيئا”.

نزوح دامٍ من دارفور: نساء يفقدن أحلام الأمومة على الطرق الوعرة… والأمم المتحدة تحذر من “مسرح جريمة”

منذ فجر اليوم الذي تساقطت فيه القذائف على أطراف الفاشر، تبدأ حكايات النزوح من شرق دارفور؛ نساء يحملن أطفالاً وأحلامهن المعلقة على ما تبقى من الحياة. بين حر الشمس ولهيب الطرق الموحشة، تتحرك الأقدام المثقلة بالتعب والأجنة، وبين خطوة وأخرى تسقط حياة جديدة قبل أن تولد.

“لم أكن أظن أنني قد أنجب طفلي في أرض غريبة، بلا غطاء ولا دفء”، تهمس إحدى الأمهات الجدد في معسكر طويلة، وهي تحتضن صغيرها الذي أبصر النور وسط خيام النازحين، وتضيف: “كان الطريق أطول من عمر أمومتي ذاته.”

وثقت شبكة أطباء السودان وصول أكثر من 100 امرأة حامل إلى معسكر طويلة وحده، فيما سجل مخيم الدبّة 143 حالة مماثلة. الإجهاض صار مألوفاً في ممرات المخيمات المزدحمة بالدموع والعجز، فالنساء أنهكهن السير مسافات طويلة تحت قسوة الظروف والحرمان من الرعاية.

لم تكن تلك الحالات مجرد أرقام، بل قصص لأمهات فقدن فلذات أكباد لم تدركهم الحياة، ولم تسعفهن خدمات إغاثية شحيحة تحاول أن تقاوم الموت بأيديها العارية.

رغم الجهود الكبيرة لمنظمات صحية في الميدان، إلا أن طوابير الأمل تطول والنقص في الموارد يزداد حدة. فرق الإغاثة الطبية تحول المخيمات إلى غرف طوارئ مفتوحة على وجع جديد كل ساعة، والمسعفون يناشدون: “أنقذوا الأمهات قبل أن تبتلع الرحلة المزيد من الأرواح”.

في جولة وصفتها النساء بـ”الاستماع إلى صدى الرعب”، زار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر المخيمات، واستمع إلى روايات صادمة عن هجمات واغتصابات وجرائم ارتكبت بحق النساء، مؤكدًا أن دارفور أصبحت “مسرح جريمة” لم يشهد له مثيل.

فليتشر أعلن عن موافقة قوية من السلطات السودانية وقوات الدعم السريع للسماح بمرور آمن للمساعدات، مؤكدًا أن الأمم المتحدة ستضاعف وجودها الميداني وستضمن حياد المساعدات، قائلًا: “السودان لا يحتاج مزيدًا من البنادق، بل ملجأ ودواء وحماية للناجين.”

مع كل هذا الجهد، تظل الأمهات والفتيات في قلب دائرة الخطر في ظل انحسار الغذاء والدواء واستمرار توافد الموجوعين على المخيمات؛ أطفال يشكلون واحدًا من كل خمسة قتلى في الفاشر وحدها، وأحاديث عن فرص أخيرة في حال تدافعت الضمائر الدولية إلى صناديق النجدة قبل أن يحل الصمت مكان الصراخ.

بين الأمل والمحاسبة… نداءات لا تموت

مع تصاعد الانتهاكات بعد سقوط الفاشر في قبضة الدعم السريع أواخر أكتوبر 2025 وبعد حصار دام 18 شهرًا، غدت دارفور شاهدة على واحدة من أكبر موجات النزوح والمآسي في إفريقية القرن. فقدت النساء طعم الولادة في أمان، وصارت الأمومة عنوان المقاومة للصبر والدموع والانتظار.

ووسط مناشدات مستمرة لمحاسبة الجناة ومنع تدفق الأسلحة وضمان العدالة والحماية للمدنيين، يتردد صوت واحد في كل خيمة وشارع وذاكرة: “لا حاجة لمزيد من الرصاص… نحتاج إلى حضن آمن، ونافذة تطل على حياة من جديد”

الجيش السوداني يخوض معارك شرسة بكردفان وينسحب من ام سيالة

تواصلت المعارك المحتدمة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في شمال كردفان، التي اسفرت في وقت سابق عن سيطرة الجيش على مدينة أم سيالة والاقتراب من دخول بارا حسب مصادر في الجيش. في الجهة الغربية من الإقليم تتواصل المعارك في مناطق استراتيجية يسعى من خلالها الجيش إلى قطع طرق الإمداد.
لكن مصدر عسكري أكد لقناة الجزيرة انسحاب الجيش السوداني والقوات المساندة له امس الاثنين من بلدة أم سيالة، وذلك بعد ساعات من استعادتها من قوات الدعم السريع، في وقت تحتدم فيه المعارك بعدة مناطق في الإقليم.

وقال مصدر في قوات درع السودان المساندة للجيش للجزيرة إن قواتهم انسحبت من أم سيالة “كإجراء تكتيكي”.

وأضاف المصادر أن قائد قوة درع السودان أصيب بشكل طفيف خلال المعارك في محلية أم سيالة.

من جهتها، أعلنت قوات الدعم السريع -في بيان عبر تطبيق تليغرام- أنها سيطرت على بلدة أم سيالة بشمال كردفان بعد “معركة حاسمة” شهدت تكبيد الجيش والقوات المساندة له ما وصفها بخسائر كبيرة بالأرواح والمعدات.

وكان الجيش السوداني أكد في وقت سابق اليوم استعادة السيطرة على هذه البلدة بعد معارك مع الدعم السريع.

وقال مراسل الجزيرة إن أهمية هذه المحلية الإستراتيجية قد تكون الكبرى في شمال كردفان، متجاوزة أهمية “أم دم حاج حمد” وكازقيل، اللتين استعادهما الجيش قبل أيام، باعتبار أنها تقع على خطوط الإمداد القادمة لقوات الدعم السريع شمال كردفان.

وبعد سيطرتها مؤخرا على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، حشدت قوات الدعم السريع قوات كبيرة في محاولة للسيطرة على مدن كبيرة في إقليم كردفان.

معارك عنيفة

وقال مصدر عسكري في الجيش السوداني للجزيرة اليوم إن قوات الجيش تخوض معارك عنيفة مع الدعم السريع في عدد من المدن بولاية شمال كردفان.

وأضاف المصدر أن إعلان السيطرة على مدينة “بارا”، إحدى أبرز مدن شمال كردفان، بات وشيكا.

وقد بث قادة ميدانيون في الجيش مقاطع تظهر استيلاءهم على عربات وعتاد عسكري عقب اشتباكات مع قوات الدعم السريع في مدينة بابنوسة إحدى كبرى مدن ولاية غرب كردفان.

وكان الجيش السوداني قال إنه تصدى لهجوم من الدعم السريع على قيادة الفرقة 22 في بابنوسة.

من جهتها، قالت الدعم السريع إنها باتت تُحكم الحصار على الفرقة 22 وتقترب من إعلان تحرير المدينة.

وتُعتبر مدينة بابنوسة ذات أهمية كبيرة باعتبارها آخر المواقع التي يسيطر عليها الجيش في غرب كردفان، فضلا عن قربها من حقول إنتاج النفط ومعامل تكرير نفط جنوبي السودان.

ويسيطر الجيش على ولاية جنوب كردفان ومدن كبرى في شمال كردفان مثل الأُبَيّض وأخرى في غرب الإقليم مثل بابنوسة، في حين تسيطر قوات الدعم السريع على مدن في شمال كردفان مثل بارا والنهود في الغرب، والدبيبات في الجنوب.

وفي تطورات ميدانية أخرى بالمنطقة، قال مصدر في الجيش السوداني للجزيرة إن مسيّرتين للدعم السريع استهدفتا مستشفى ومواقع مدنية في بلدة “الهلبة” غربي ولاية النيل الأبيض (جنوب الخرطوم وشرق كردفان)، مما أدى لإصابات بين المدنيين.

وأدت المعارك في الفاشر وكردفان إلى نزوح عشرات الآلاف نحو مناطق أكثر أمنا، ويواجه النازحون ظروفا صعبة.

وقالت منظمة الهجرة الدولية إن نحو 90 ألف شخص نزحوا من شمال دارفور خلال أسبوعين فقط ولم يحصلوا على طعام أو ماء أو رعاية طبية.

ومنذ منتصف أبريل/نيسان 2023، يشهد السودان صراعا عسكريا بين الجيش والدعم السريع أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص.

مسؤول أممي: مأساة نازحي طويلة تتفاقم وشبكة أطباء السودان توثق 32 حالة اغتصاب في الفاشر خلال أسبوع

الخرطوم: تحدث وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر، الأحد، عن معاناة “لا توصف” للنازحين في منطقة طويلة القادمين من مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور غربي السودان.

وأفاد فليتشر في تدوينه عبر حسابه بمنصة شركة “إكس” الأمريكية بأن “معاناة لا توصف في طويلة، وأكثر من نصف الناجين الفارين هم من الأطفال”.

وفي 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، استولت “الدعم السريع” على الفاشر، وارتكبت مجازر بحق مدنيين بحسب منظمات محلية ودولية، وسط تحذيرات من تكريس تقسيم جغرافي للبلاد، فيما أقر قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”، في 29 من ذات الشهر، بحدوث “تجاوزات” من قواته في الفاشر، مدعيا تشكيل لجان تحقيق.

وأوضح فليتشر أن إحدى المصابات التي التقى بهن “دخلت المخيم بعد نجاتها من الهجوم، وهي تحمل طفل صديقتها الجائع”.

وقال إن النازحين “يسألون العالم إذا ما كانت المساعدة قادمة؟!”.

من جانبه، أفاد مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية “أوتشا”، في تدوينة بمنصة فيسبوك، أن فليتشر زار منطقة طويلة، وتحدث مع النساء النازحات “اللواتي هربن من الفاشر قبل بضعة أسابيع فقط”.

وأوضح أن النازحين السودانيين “يحملون قصصًا مرعبة عن العنف الوحشي”.

وأشار إلى أن “العالم لم يحمهم”، مناشدا: “يجب أن نفعل أفضل”.

والأربعاء، بدأ المسؤول الأممي زيارة إلى إقليم دارفور شملت مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، ثم زار الخميس مدينة زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور، بحسب الأمم المتحدة.

وكان فليتشر وصل مدينة بورتسودان شرقي السودان، الثلاثاء، حيث التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.

وقبل أيام، أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن إجمالي عدد النازحين من الفاشر والقرى المحيطة بها، تخطى 99 ألفا منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

32 حالة اغتصاب لفتيات من الفاشر

من جهة اخرى أعلنت شبكة أطباء السودان، أمس الأحد، توثيق 32 حالة اغتصاب خلال أسبوع لفتيات من الفاشر وصلن إلى منطقة طويلة، وذلك بعد اجتياح قوات «الدعم السريع» للمدينة.
وأوضحت أن بعض حوادث الاعتداء وقع داخل الفاشر عقب دخول قوات «الدعم» بينما تعرّضت أخريات للاعتداء أثناء محاولتهن الفرار نحو طويلة.
وأدانت الشبكة ما وصفتها بـ«حالات الاغتصاب المتكررة» ضد النساء والفتيات في الفاشر والمناطق التي يفررن إليها، متهمة قوات الدعم السريع بالمسؤولية عنها.
واعتبرت أن هذه الجرائم تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مشيرة إلى أن ما يجري يعكس «مستوى واسعاً من الانتهاكات والانفلات» في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، في ظل غياب الحماية وانعدام آليات المساءلة.

بعد اجتياح «الدعم السريع» للمدينة

وحملت الشبكة قوات «الدعم» المسؤولية الكاملة عن هذه الوقائع، مطالبة بإجراء تحقيق دولي «عاجل ومستقل» وتوفير حماية فورية للناجيات والشهود.
كما دعت إلى السماح للمنظمات الطبية والإنسانية بالوصول الكامل إلى الضحايا لتقديم الرعاية الصحية والدعم النفسي والقانوني دون قيود أو تهديد.
وتواجه قوات «الدعم» اتهامات بارتكاب انتهاكات جنسية وفظائع واسعة في المدن التي اجتاحتها قواتها منذ اندلاع الحرب السودانية منتصف أبريل/ نيسان 2023.
وبعد حصار استمر 18 شهرا، اجتاحت قوات «الدعم السريع» مدينة الفاشر، في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ويقدر عدد الضحايا المدنيين بـ« 2000» قتيل، بينما لا يزال الآلاف محتجزين داخل المدينة.
والجمعة اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قرارا أدان انتهاكات «الدعم» في الفاشر، ودعا إلى إجراء تحقيق عاجل في الفظائع المرتكبة وتوثيق الأدلة وحفظها من أجل المساءلة المستقبلية، مع ضمان وصول إنساني فوري وغير مشروط وإدانة الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني.

وتتفاقم المعاناة الإنسانية بالسودان جراء استمرار حرب دامية بين الجيش و”الدعم السريع” منذ أبريل/ نيسان 2023، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص.

وبالإضافة إلى الفاشر غرب السودان، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، منذ أيام، اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني و”الدعم السريع” أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.

ومن أصل 18 ولاية بعموم البلاد، تسيطر “قوات الدعم السريع” حالياً على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس غربا، عدا بعض الأجزاء الشمالية من ولاية شمال دارفور التي لا تزال في قبضة الجيش، الذي يسيطر على معظم مناطق الولايات الـ13 المتبقية في الجنوب والشمال والشرق والوسط، بينها العاصمة الخرطوم.

(الأناضول)+ القدس العربي +اليراع

مصر وواشنطن تدفعان لهدنة إنسانية شاملة في السودان

وصف مبعوث الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس الوضع الإنساني في السودان بأنه أكبر كارثة إنسانية في العالم حاليا، مشيرا بشكل خاص إلى الأوضاع في مدينة الفاشر خلال الأسابيع الأخيرة.

واعتبر أن هذا الوضع غير مقبول على الإطلاق ويجب إنهاؤه بشكل سريع، في إشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأخيرة.

وأوضح المسؤول الأميركي أن واشنطن تقدمت بمبادرة لهدنة إنسانية مدتها 3 أشهر في السودان، بدعم من شركاء الرباعية المتمثلين في السعودية والإمارات ومصر.

وأوضح أن المبادرة تهدف للوصول إلى تطبيق خارطة الطريق التفصيلية التي وضعتها الرباعية في 12 سبتمبر/أيلول الماضي للوصول إلى سلام دائم في السودان.

وأكد بولس -في مقابلة مع الجزيرة- أن دولا مثل قطر وتركيا وغيرها تلعب دورا أساسيا ومحوريا في الملف السوداني.

وشدد على ضرورة التعاون مع جميع الشركاء والحلفاء لتحقيق الهدنة الإنسانية أولا، ثم الانتقال إلى تطبيق خارطة الطريق الشاملة التي وضعتها الرباعية لإنهاء الصراع.

من جهته دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي، إلى إرساء هدنة إنسانية بالسودان في الوقت الذي تحتدم فيه المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على عدة جبهات.

وقالت الخارجية المصرية، في بيان، إن عبد العاطي شدد في اتصاله مع مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، امس السبت، على أهمية تنفيذ بيان الآلية الرباعية بشأن السودان بجميع بنوده، بما في ذلك “تحقيق هدنة إنسانية شاملة تمهيدا لإطلاق عملية سياسية مستدامة تضمن وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية”.

وقد زار وزير الخارجية المصري مدينة بورتسودان يوم الثلاثاء الماضي حيث أجرى مباحثات بشأن التطورات الأخيرة وأكد دعم بلاده وحدة السودان واستقراره.

وكانت الآلية الرباعية التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة قد دعت في 12 سبتمبر/أيلول الماضي إلى هدنة إنسانية أولية في السودان لمدة 3 أشهر للسماح بدخول المساعدات الإنسانية العاجلة إلى جميع مناطق البلاد.

وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على الانضمام إلى الهدنة الإنسانية، لكن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان جدد، أمس الجمعة، رفضه أي هدنة أو سلام مع تلك القوات ما لم تلق سلاحها.

وتحتدم المعارك حاليا في إقليم كردفان بعدما سيطرت قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي على مدينة الفاشر بإقليم دارفور، وارتكبت مجازر بحق المدنيين، وفقا لما وثقته مؤسسات محلية ودولية.

وتتعمق المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، والتي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص.

اليراع \ وكالات

البرهان يجدد رفضه أي هدنة أو سلام مع “الدعم السريع” قبل القاء السلاح

جدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان عبد الفتاح البرهان، الجمعة، رفضة أي “هدنة أو سلام” مع قوات الدعم السريع ما لم تتخل الأخيرة عن سلاحها.

جاء ذلك في كلمة للبرهان أمام حشد من المواطنين خلال زيارته لقرية السريحة بولاية الجزيرة وسط البلاد، بحسب وكالة الأنباء السودانية.

وقال البرهان: “أي أحد يأتي ليتوسط بيننا (الجيش والدعم السريع) نقول له: إذا لم يضع المتمردون السلاح أرضا ويجلسوا على الأرض، فلا كلام ولا سلام، ولن نقبل بهم في السودان، لا هم ولا من يقف معهم”.

وأردف: “سنمضي في هذا الطريق، إما أن نقضي عليهم أو نظل نقاتلهم حتى نسلم أرواحنا، لكن ليس لدينا هدنة معهم أو كلام أو سلام”.

وأشار البرهان، إلى أن “كل السودانيين اكتووا بهذه الحرب، وليس هناك أحد ليس في نفسه شيء، والحرب تركت آثارا مدمرة علينا كلنا”.

واستطرد: “لكن عزاءنا نحن في هذا الوطن أن لُحمتنا الوطنية وشأننا الوطني مرتبط مع بعض وكلنا متحدين مع بعض”.

وأضاف البرهان: “ومنذ بداية هذا الحرب، كُلنا مصممون ألا تنتهي هذه الحرب إلا بنهاية هؤلاء المتمردين”.

وقبل أيام، قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية مسعد بولس، في بيان: “تحثّ الولايات المتحدة أطراف الصراع في السودان على الموافقة الفورية وتنفيذ الهدنة الإنسانية المقترحة”.

ولم يوضح بولس تفاصيل الهدنة التي تحدث عنها وآلية تنفيذها، غير أن قوات الدعم السريع، أعلنت قبل أسبوع، موافقتها على “الانضمام إلى هدنة إنسانية” اقترحتها دول “اللجنة الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.

وقال البرهان: “السودانيون تأذوا من هؤلاء المتمردين، قتلوهم وعذبوهم ونهبوهم ونكلوا بهم، ولن ينالوا منا إلا ما يذيقهم العذاب”، في إشارة إلى استمرار القتال ضد “الدعم السريع”.

وأوضح أنه زار هذه المنطقة ليؤكد للمواطنين أن “حق الشهداء لن يضيع”، مضيفا: “دماء كل من قُتل في السودان في رقابنا”.

وتابع: “عهدنا أننا ليس لدينا كلام مع المتمردين”.

وقال البرهان: “نطمئن أهلنا أن هؤلاء القتلة والمجرمين ليس لديهم مكان معنا في السودان، وحديثنا هو إذا كنت تريد السلام وتريد أن يذهب السودانيون معك في سلام، فاجمع هؤلاء المرتزقة في مكان واحد واجمع سلاحهم، بغير ذلك لن يتحدث أحد معهم”.

وأكد أن المعركة ضد قوات الدعم السريع، “لن تنتهي إذا لم يشارك الجميع فيها”.

وأردف: “لذلك يجب على كل شخص قادر على حمل السلاح أن يشارك في هذه المعركة، فهي لن تنتهي بتفاوض أو هدنة بل بالقضاء على التمرد”.

من جانبه، قال مستشار قائد الدعم السريع الباشا طبيق، في تدوينة عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية، ‏إن “إعلان البرهان للتعبئة العامة ورفضه الصريح لأي مفاوضات، يمثّل ردا مباشر على تصريحات وزير الخارجية الامريكي، ورسالة واضحة للمجتمع الدولي ولكل من يظن أن البرهان قد يستجيب للمبادرات الدولية الهادفة إلى إنهاء الحرب في السودان”، وفق تعبيره.

وأضاف طبيق: “أما شرطه (البرهان) بتسليم قوات الدعم السريع لسلاحها قبل أي تفاوض، فلا يتعدى أن يكون أحلام يقظة وأمانٍ بعيدة عن الواقع”، على حد قوله.

وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قال بولس، إن اللجنة الرباعية بحثت في واشنطن التوصل إلى “هدنة إنسانية عاجلة ووقف دائم لإطلاق النار” بالسودان، وشكلت لجنة مشتركة للتنسيق بشأن الأولويات العاجلة.

وحينها، أوضح بولس في إفادة رسمية، أن الأعضاء المجتمعين (بالرباعية) أكدوا التزامهم بالبيان الوزاري الصادر في 12 سبتمبر/ أيلول الماضي، والذي دعت خلاله “الرباعية” إلى هدنة إنسانية لـ3 أشهر، لتمكين دخول المساعدات الإنسانية العاجلة إلى جميع مناطق السودان تمهيدا لوقف دائم لإطلاق النار.

يلي ذلك إطلاق عملية انتقالية شاملة وشفافة تُستكمل خلال 9 أشهر، بما يلبي تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مدنية مستقلة تحظى بقاعدة واسعة من الشرعية والمساءلة.

وبالإضافة إلى الفاشر، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، منذ أيام، اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني و”الدعم السريع” أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.

ومن أصل 18 ولاية بعموم البلاد، تسيطر “قوات الدعم السريع” حاليا على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس غربا، عدا بعض الأجزاء الشمالية من ولاية شمال دارفور التي لا تزال في قبضة الجيش، الذي يسيطر على معظم مناطق الولايات الـ13 المتبقية في الجنوب والشمال والشرق والوسط، بينها العاصمة الخرطوم.

(الاناضول)

واشنطن تُصعّد: وزير الخارجية الأميركي يدعو لوقف تسليح الدعم السريع ويهدد بخطوات صارمة

اليراع- وجه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أمس الأربعاء، دعوة عاجلة إلى المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات حاسمة تهدف إلى وقف تدفق الأسلحة إلى قوات الدعم السريع في السودان، محمّلاً الميليشيا شبه العسكرية مسؤولية تصاعد إراقة الدماء وتفاقم الكارثة الإنسانية في البلاد.​​

جاءت تصريحات روبيو في أعقاب الاجتماع الوزاري لمجموعة السبع في كندا، حيث أكد خلال لقاء مع الصحفيين أن الإدارة الأميركية تدرك تماماً هوية الأطراف الإقليمية والدولية التي تقدم الدعم العسكري والمادي لقوات الدعم السريع، مشيراً إلى ضرورة وقف التسليح عبر الدول التي تسمح بمرور الأسلحة، وليس فقط تلك التي تقدمها مباشرة.​

وشدد روبيو على أنه بالرغم من إعلان الدعم السريع موافقتها على الهدنة الإنسانية التي اقترحتها الرباعية الدولية، إلا أن الواقع يُظهر استمرار الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين وتبريرها بأنها تصرفات عناصر منفلتة، مضيفاً أن ما يجري من أعمال القتل والعنف يمثل مأساة حقيقية وتهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية، مشيراً إلى تقارير المنظمات الإنسانية التي ترصد مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية والمعاناة بين الفارين من مناطق الصراع، وخشية أن العديد منهم قد لقوا حتفهم أو باتوا عاجزين عن الحركة بسبب المرض والإرهاق.​​

وكشف وزير الخارجية الأميركي عن استمرار جهود واشنطن مع الرباعية الدولية، بهدف إنهاء الأزمة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تتعامل مع هذا الملف بأقصى درجات الجدية وتسعى لجمع كافة الدول المعنية على طاولة واحدة لوقف التصعيد، لا سيما في ظل تخوفات من تحول السودان إلى بؤرة لنشاط الجماعات الإرهابية والجهادية مع استمرار فظائع القتل والاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء والأطفال والمدنيين الأبرياء، وهو ما وصفه بأنه يجب أن يتوقف فوراً.​

وعند سؤاله حول إمكانية تصنيف قوات الدعم السريع كمجموعة إرهابية قال روبيو: “إذا كان ذلك سيساعد في إنهاء ما يجري، فسنؤيده. ولم أطلع بعد على المقترح الرسمي، لكن هدفنا الأساسي هو إنهاء هذه المأساة”. وأضاف أن قوات الدعم السريع تظن أنها تحقق مكاسب عسكرية وهذا يدفعها لمواصلة الحرب، رغم ارتكابها انتهاكات مرعبة بحق المدنيين.​

وأكد روبيو أن بلاده ستفعل كل ما في وسعها لوقف الأزمة، وأنها شجعت الدول الشريكة على الانضمام للجهود الدولية، مع ضرورة تجنب استخدام إطار الرباعية الدولية كغطاء لتمرير الدعم أو تأخير الحل، بل يتطلب الأمر نتائج عملية وعاجلة للحد من تدهور الأوضاع الإنسانية.

وفيما يتعلق بدور أطراف أخرى مثل روسيا أو مجموعة فاغنر أو إيران، أوضح روبيو أن هناك العديد من الجهات المنخرطة في النزاع، مشيراً بشكل خاص إلى إيران ودورها في دعم طرفي النزاع بالأموال والأسلحة، لافتاً إلى أن قوات الدعم السريع تفتقر لقدرات التصنيع وتعتمد بشكل أساسي على الدعم الخارجي، وأن الإدارة الأميركية ستتواصل مع تلك الدول لوقف هذا الدعم حتى لا يتضرر موقفها وسمعتها دولياً.​

يبقى المشهد في السودان متوتراً في ظل تصاعد المطالب الدولية بوقف الحرب وإدانة انتهاكات الدعم السريع، وسط دعوات أوروبية وغربية متزايدة لدعم جهود الإغاثة والعمل الإنساني وتقديم المسؤولين عن الجرائم للمحاسبة الدولية

البرهان يؤكد التزام السودان بالتعاون مع الأمم المتحدة في المجال الإنساني بعد لقاء مسؤول أممي رفيع

أكد رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان حرص بلاده على مواصلة التعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، خصوصاً في المجال الإنساني، وذلك عقب مباحثات أجراها الثلاثاء في مدينة بورتسودان مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر.

وأشاد فليتشر في تصريحات عقب اللقاء بالمباحثات التي وصفها بأنها “بنّاءة”، وتهدف إلى ضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع مناطق السودان المتضررة من الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين. وقال في مقطع فيديو وزعه مجلس السيادة الانتقالي: “نرحب بالمباحثات البنّاءة مع الرئيس البرهان، والهادفة إلى ضمان قدرتنا على مواصلة العمل في كل مكان في السودان لإيصال المساعدات بطريقة حيادية ومستقلة وغير منحازة لكل من هم في أمسّ الحاجة إلى الدعم الدولي”.

وأوضح المكتب الإعلامي لمجلس السيادة أن اللقاء تطرق إلى الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. كما عقد فليتشر اجتماعاً منفصلاً مع وزيري الخارجية السوداني محيي الدين سالم والمصري بدر عبد العاطي، لمناقشة مقترحات حول سبل التهدئة ووقف إطلاق النار.

وفي منشور له عبر منصة “إكس”، أعلن فليتشر وصوله إلى السودان، مشدداً على أنه يسعى “لوقف الفظائع ودعم جهود السلام والتمسك بميثاق الأمم المتحدة، والضغط من أجل تمكين طواقمنا من الحصول على التمويل اللازم وحرية الحركة لإنقاذ الأرواح على جانبي خطوط القتال”.

من جانبه، قال وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية خالد إن زيارة فليتشر تمثل “أعلى مستوى لزيارة مسؤول أممي إلى السودان في الآونة الأخيرة”، مؤكداً أهميتها في دعم الجهود الإنسانية والدبلوماسية في البلاد.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، خاصة في إقليم دارفور وغرب السودان. وتشير التقارير إلى أن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 أودت بحياة عشرات الآلاف وتسببت في نزوح نحو 13 مليون شخص، ما جعل الوضع الإنساني في السودان من الأسوأ عالمياً.

وفي وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، وارتكبت انتهاكات ضد المدنيين، بحسب تقارير محلية ودولية، الأمر الذي أثار مخاوف من تقسيم جغرافي فعلي للبلاد. من جهته، أقر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بوقوع “تجاوزات” في المدينة، معلناً تشكيل لجان تحقيق.

وتسيطر قوات الدعم السريع حالياً على ولايات دارفور الخمس، فيما يحتفظ الجيش بزمام السيطرة على 13 ولاية من أصل 18، تشمل مناطق واسعة في الشمال والشرق والوسط والجنوب، إضافة إلى العاصمة الخرطوم.

وحذرت المنظمة الدولية للهجرة، في بيان الثلاثاء، من أن العمليات الإنسانية في السودان قد تتوقف بالكامل ما لم يتوفر تمويل عاجل وضمانات للوصول الآمن إلى المحتاجين. وأكدت أن استمرار الحرب يفاقم من حجم الكارثة ويهدد حياة ملايين المدنيين في بلد تبلغ مساحته أكثر من مليون وثمانمئة ألف كيلومتر مربع ويقطنه نحو 50 مليون نسمة.

قال ان مكتبه تلقى “أدلة على ارتكاب عمليات قتل جماعي” … مفوض أممي: الفاشر تشهد فظائع مروعة والأطفال يموتون من الجوع

حذر مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك من جرائم قتل جماعي وعنف جنسي في مدينة الفاشر ، داعيا المجتمع الدولي للتحرك فورا لمنع تكرار المأساة في شمال كردفان وسط مؤشرات مقلقة.

حث مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، الاثنين، المجتمع الدولي على اتخاذ خطوات عاجلة لوقف ما وصفه بـ”الفظائع المروعة” في مدينة الفاشر ، محذرا من التراخي حتى يصنف الوضع “إبادة جماعية”.

وبعد حصار وقصف وتجويع استمر 18 شهرا، أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على الفاشر في 26 تشرين الأول/أكتوبر، منهية وجود الجيش في آخر معقل له بإقليم دارفور، غرب السودان.

ومنذ ذلك التاريخ، تواترت شهادات تفيد بوقوع عمليات قتل جماعي، وعنف عرقي، وعمليات خطف، واعتداءات جنسية واسعة النطاق.

وشدد تورك على أن “جرائم فظيعة ترتكب في هذه اللحظة”، وبين أن الحصار نفسه شكل “جريمة مروعة”.

وأوضح أن سكان المدينة عاشوا في ظروف قاسية بلا غذاء يذكر، وبإمدادات محدودة جدا من المياه، لدرجة أن بعضهم لجأ لتناول علف الحيوانات أو قشور الفول السوداني للبقاء على قيد الحياة.

ولدى حديثه عن إعلان المجاعة في بعض المناطق، لفت إلى أن “الوضع بلغ مرحلة ميؤوسا منها… حيث يفقد الأطفال حياتهم بسبب الجوع”.

ومنذ إحكام قوات الدعم السريع السيطرة على الفاشر، كشف تورك أن مكتبه تلقى “أدلة على ارتكاب عمليات قتل جماعي”، مؤكدا أن المدنيين الذين يحاولون الفرار من المدينة يتعرضون لإطلاق النار.

كما أشار إلى تقارير خطيرة حول حالات اغتصاب فردي وجماعي، بجانب أعمال عنف جنسي وقتل أشخاص يشتبه في تعاونهم مع الجيش.

وفي إجابته عن سؤال بشأن احتمال وقوع إبادة جماعية، شدد تورك على أن توصيف ذلك يعود إلى المختصين، مضيفا: “لكن لا ينبغي الانتظار لحين صدور حكم قضائي، علينا التدخل فورا”.

وأضاف أنه “لا مبرر للتأخر حتى تحدد المحكمة ما إذا كانت الأحداث إبادة جماعية”.

ورجح أن تتكرر مشاهد العنف التي شهدتها الفاشر في منطقة كردفان الغنية بالنفط، إذا لم تتخذ إجراءات وقائية جدية.

وأعرب عن أمله في أن يتحرك المجتمع الدولي، منتقدا تجاهل التحذيرات المتكررة التي أطلقتها الأمم المتحدة على مدار العام الماضي.

واختتم بالتأكيد على ضرورة ضمان “عدم تكرار الكارثة في شمال كردفان”، لافتا إلى أن “المؤشرات الحالية تثير قلقا شديدا”.

فرانس24/ أ ف ب