البرهان: الشعب السوداني لا يُهزم وسينهوض ليقود مسيرته من جديد

في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، أكد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن الشعب السوداني “من المستحيل أن يُهزم”، مشددًا على قدرته على النهوض مجددًا رغم التحديات التي تواجه البلاد.

وقال البرهان في كلمة مصورة بثها إعلام مجلس السيادة إن السودان “تعرض لنكبات وعثرات كثيرة، لكنه سينهض ليقود العالم بروحه وإرادته”، مشيرًا إلى أن الحضارة العريقة والتاريخ الممتد “يشكلان جزءًا أصيلًا من هوية السودانيين ووجدانهم”.

وجاءت كلمة البرهان بمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال السودان، التي أُقيمت هذا العام تحت شعار “وغدًا نعود.. حتمًا نعود”.

وفي وقت سابق من الأسبوع، شدد البرهان خلال لقاء مع شخصيات سودانية وتركية في أنقرة على أن القوات المسلحة “تعتمد على نفسها في حسم التمرد”، مؤكداً أن السودان “ليس ضعيفًا وقادر على التصدي لأي عدوان”. وأوضح أن حكومته تسعى إلى إشراك تركيا والسعودية في الجهود الرامية لإقناع الولايات المتحدة بدعم المبادرة السودانية للسلام.

وكان البرهان قد أعلن في 27 ديسمبر الجاري أن السودان “لن يقبل بأي هدنة أو وقف لإطلاق النار ما دامت قوات الدعم السريع تحتل شبراً واحداً من أراضي البلاد”.

ويخوض السودان منذ أبريل/نيسان 2023 حربًا مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين ونزوح نحو 13 مليون شخص، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

موظفو الأمم المتحدة: لا أثرا يذكر على الحياة في الفاشر

29 ديسمبر كانون الأول – قالت مسؤولة بارزة في الأمم المتحدة  الاثنين إن موظفي الإغاثة الدوليين، الذين دخلوا مدينة الفاشر السودانية لأول مرة منذ سيطرة قوات الدعم السريع شبه العسكرية عليها، وجدوا المدينة مهجورة إلى حد كبير، ولا يوجد بها سوى عدد قليل من الأشخاص يحتمون في المباني أو تحت الأغطية البلاستيكية.

وتشير التقديرات إلى أن ما يربو على 100 ألف شخص فروا من الفاشر، منذ أواخر أكتوبر تشرين الأول، بعد أن فرضت قوات الدعم السريع سيطرتها علها عقب حصار دام 18 شهرا ودفع المدينة في براثن المجاعة.

وأفاد ناجون بوقوع عمليات قتل جماعي بدوافع عرقية واعتقالات على نطاق واسع خلال فترة السيطرة على المدينة والفترة التي تلت ذلك. ولا يزال مصير كثير من الأشخاص مجهولا في الفاشر والمناطق المحيطة بها.

وفي مقابلة مع رويترز اليوم، وصفت دينيس براون، منسقة الأمم المتحدة المقيمة للشؤون الإنسانية في السودان ، الفاشر بأنها “مسرح جريمة”.

وقالت براون فيما يتعلق بالزيارة التي قام بها موظفو الأمم المتحدة إلى الفاشر يوم الجمعة واستمرت عدة ساعات “لم تكن المدينة تعج بالناس. كان هناك عدد قليل جدا ممن (تمكنا) من رؤيتهم”.

واستغرقت المفاوضات حول متطلبات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرور الآمن وحرية التنقل أسابيع، رغم محاولات قوات الدعم السريع تصوير المدينة وكأنها عادت إلى طبيعتها بعد فترة وجيزة من سيطرتها عليها.

* علامات قليلة على الحياة

قالت براون إن من غير الممكن تحديد العدد الدقيق لمن تبقى في الفاشر، وإن الأشخاص الذين رآهم موظفو الأمم المتحدة يعيشون داخل مبان مهجورة أو في مخيمات بدائية من أغطية بلاستيكية بسيطة.

وكان هناك سوق صغير يعمل، لكنه يحتوي على عدد قليل من المنتجات، معظمها خضراوات مزروعة محليا.

وقالت براون “لدينا صور لأشخاص يمكن للمرء أن يرى بوضوح آثار التعب والإجهاد والقلق والفقد على وجوههم”.

وذكر عمال إغاثة آخرون في وقت سابق أن من تبقى في المدينة هم على الأرجح كبار السن أو المرضى أو المصابون ممن ليس بمقدورهم المغادرة.

وأظهرت صور أقمار صناعية التقطت في 16 ديسمبر كانون الأول والتي حللها مختبر ييل للأبحاث الإنسانية علامات على إزالة الجثث، ولكن العلامات على وجود حياة كانت قليلة.

وقالت براون إنه جرى رصد طاقم طبي في المستشفى السعودي، الذي تقول منظمة الصحة العالمية إنه كان موقع مذبحة راح ضحيتها 460 شخصا، لكن لم تكن لديهم أي إمدادات.

وذكرت براون أن القرى المحيطة بالمدينة مقفرة على ما يبدو.

* مخاوف بشأن المصابين والمفقودين

يعد الهجوم على الفاشر أحد أعنف فصول الحرب الدائرة منذ أبريل نيسان 2023 بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني. ومكن هذا الهجوم القوات شبه العسكرية من ترسيخ سيطرتها على منطقة دارفور بغرب السودان، في توسع استمر بشمال غرب البلاد خلال الشهر الجاري.

وقالت براون إن زيارة يوم الجمعة كانت تهدف إلى تقييم ما إذا كان من الممكن الوصول إلى الفاشر بأمان بينما تبحث الأمم المتحدة إدخال الإمدادات الأساسية التي بوسعها إدخالها. وأضافت “لكن بصراحة، ما زلنا نشعر بقلق بالغ بشأن المصابين،والذين لم نتمكن من رؤيتهم، والذين ربما يكونون رهن الاحتجاز”.

وأوضحت أن الزيارات اللاحقة ستركز على جانبي المياه والصرف الصحي.

موجات نزوح واسعة من شمال دارفور وجنوب كردفان والأمم المتحدة تحصي أكثر من عشرة آلاف نازح خلال ثلاثة أيام

أحصت الأمم المتحدة نزوح أكثر من عشرة آلاف شخص في غضون ثلاثة أيام خلال الأسبوع الحالي في ولايات شمال دارفور وجنوب كردفان ، وسط استمرار المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع. ومنذ بداية الحرب نزح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان وخارجه، يعيش جزء كبير منهم في مخيمات مكتظة أو مدن نائية تعاني من نقص الغذاء والدواء والمياه النظيفة.

أفادت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة الأحد بأن أكثر من سبعة آلاف شخص فروا من مدن أم برو وكرنوي في شمال دارفور واللتين سيطرت عليهما قوات الدعم السريع قبل أيام.

وفي جنوب كردفان فرّ أكثر من ثلاثة آلاف شخص من مدينة كادوقلي التي تحاصرها قوات الدعم السريع ويسيطر عليها الجيش بينما يعاني السكان من المجاعة، وفقا للأمم المتحدة.

أما في جنوب كردفان ، فالتهمت النيران 45 مأوى للنازحين بعد اشتعالها في منطقة أبو جبيهة.

وكانت قد أعلنت قوات الدعم السريع الأربعاء السيطرة على مدينتي أبو قمرة وأم برو في شمال دارفور، فيما أفادت مصادر محلية وكالة لأنباء الفرنسية بتقدم مقاتلي الدعم السريع باتجاه مناطق قبيلة الزغاوة على الحدود الشمالية الغربية للسودان وتصاعد الاشتباكات بالمنطقة.

“أسوأ أزمة إنسانية في العالم”

هذا، واشتدت المعارك في مدن كردفان خلال الأشهر الأخيرة منذ إحكام الدعم السريع قبضتها على كامل إقليم دارفور المجاور، بسيطرتها على مدينة الفاشر في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ومنذ بداية الحرب نزح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان وخارجه، يعيش جزء كبير منهم في مخيمات مكتظة أو مدن نائية تعاني من نقص الغذاء والدواء والمياه النظيفة.

وتتواصل الحرب بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائب البرهان سابقا محمد حمدان دقلو منذ نيسان/أبريل 2023 ما تسبب في “أسوأ أزمة إنسانية في العالم” وفق الأمم المتحدة.

فرانس24/ أ ف ب

في إشارة ضمنية الى الإمارات رئيس الوزراء كامل ادريس يؤكد استعداد الحكومة للتواصل مع دول مؤيدة للدعم السريع

بورت سودان: أكد رئيس الحكومة السودانية المرتبطة بالجيش كامل إدريس استعدادها للتواصل مع الدول الداعمة لقوات الدعم السريع، في إشارة ضمنية الى الإمارات، وذلك بعد أيام من طرحه أمام مجلس الأمن الدولي، مبادرة لإنهاء الحرب.
وقال إدريس في مؤتمر صحافي في مدينة بورتسودان عقب عودته من نيويورك “هناك انطباع سائد بأننا نرفض السلام، ولكن هذه الزيارة دليل على أننا دعاة سلام وأن هذه الحرب قد فُرضت علينا فرضا”، في إشارة إلى المعارك التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع اعتبارا من منتصف نيسان/أبريل 2023.
أضاف “حتى الدول الداعمة للدعم السريع سنسعى لتحسين علاقة السودان معها تمهيدا للسلام العادل وإنهاء الحرب بما يرضي أهل السودان قاطبة”.
وفي حين لم يسمّ إدريس دولة بعينها، يكرر المسؤولون السودانيون اتهام الامارات بمساندة قوات الدعم وتزويدها بالسلاح، وهو ما تنفيه أبوظبي.
وأسفرت الحرب في السودان عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين في ما تصفه الأمم المتحدة بـ “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.
وقدم إدريس لمجلس الأمن هذا الأسبوع “مبادرة السودان للسلام” التي تنصّ على انسحاب قوات الدعم السريع “من كافة المناطق التي تحتلها” بالتزامن مع وقف لإطلاق النار “تحت رقابة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية”.
وشدد إدريس على أن ذلك لا يعني نشر “أي قوات أممية” في السودان.
كما أشار إلى أن المبادرة تشمل حوارا للاتفاق على “كيف يُحكم السودان… ومن هذا الاتفاق ننطلق إلى الانتخابات الحرة المباشرة المراقبة دوليا”.
ووصف إدريس اجتماعه في مجلس الأمن بالـ”موفق” معربا عن شكره للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه مسعد بولس والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لجهودهم من أجل إنهاء النزاع.
وكانت جهود السلام التي تقودها “الرباعية الدولية” التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، توقفت بعد اعتبار قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أن الإمارات منحازة لصالح قوات الدعم.
وتجدّدت المساعي الدبلوماسية الشهر الماضي بعد تعهّد ترامب بإنهاء الصراع إثر لقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وأعرب البرهان هذا الشهر عن استعداده للعمل مع ترامب لإنهاء النزاع، إثر محادثات في الرياض مع بن سلمان.
(أ ف ب)

لماذا الآن؟ أردوغان يعد البرهان بمزيد من الدعم

إسطنبول – تعهّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، بتعزيز التعاون بين تركيا والسودان، خلال استقباله في أنقرة قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يخوض منذ أكثر من عامين حرباً مدمّرة ضد قوات الدعم السريع.

وذكرت الرئاسة التركية في بيان أن أردوغان “أشار إلى أن التعاون بين البلدين سيتسع في مجالات متعددة، من التجارة والزراعة إلى الصناعات الدفاعية والتعدين”. ولم تُنشر تفاصيل إضافية عن الاجتماع باستثناء صورتين للزعيمين على درج القصر الجمهوري وفي المكتب الرئاسي.

أردوغان، الذي يقدم دعماً اقتصادياً وعسكرياً للجيش السوداني، أعاد تأكيد إدانته لـ”إحدى أخطر الأزمات الإنسانية في العالم”، مشيراً إلى “ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لا سيما في منطقة الفاشر”. كما أعرب عن أمل بلاده في “الحفاظ على السلام والاستقرار وسلامة أراضي السودان”، مؤكداً استمرار المساعدات الإنسانية التركية للسكان المدنيين.

ووفقاً للبيان الرئاسي، فإن “الهدف هو تحقيق وقف دائم لإطلاق النار وإرساء السلام للشعب السوداني”.

حرب مستمرة ودعم متباين

يشهد السودان دماراً واسعاً منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، وسط تقارير عن انتهاكات جسيمة ومجاعة متزايدة.
ومنذ بداية النزاع، دعمت تركيا الجيش السوداني، خصوصاً عبر تزويده بطائرات مسيّرة، فيما تشير تقارير خبراء إلى تلقي قوات الدعم السريع دعماً من الإمارات، وهو ما تنفيه الأخيرة.

وتأتي زيارة البرهان إلى أنقرة في وقت تضغط فيه واشنطن وشركاء “الرباعية” (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) لوقف إطلاق النار مع اقتراب العام الجديد، في محاولة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
لكن مع غياب مؤشرات على قبول تسوية سياسية شاملة، وتقدم قوات الدعم السريع ميدانياً، يحتاج البرهان إلى دعم خارجي يمنحه قوة تفاوضية أكبر، خصوصاً بعد ضعف الاستجابة الأممية لمبادرة رئيس الوزراء المدني الأخيرة. ويبدو أن البرهان أراد بتلك الزيارة توجيه رسالة بأن الجيش ليس وحيداً، فيما سيعزز الدعم العسكري التركي موقعه في مواجهة قوات الدعم السريع.

تعاون دفاعي و بعد اقتصادي وإقليمي

أردوغان لم يُخفِ شمول التعاون “للصناعات الدفاعية”، ما يعني تفاقم حرب المسيّرات في السودان. وتشير تقديرات إلى أن جزءاً من تقدم الجيش السوداني الأخير يعود إلى استخدام طائرات تركية من طراز “بيرقدار”، وسط جدل متزايد حول أثر هذا النوع من السلاح على الخسائر المدنية وتوازن القوى.

وتتبنى أنقرة في السودان نموذجاً مألوفاً في سياستها الخارجية يقوم على تصدير السلاح كأداة نفوذ، ثم بناء شراكات ممتدة في مجالات التدريب والصيانة وتوريد الذخائر، وهو النمط نفسه الذي اتبعته في ليبيا وسوريا.

إدراج “التعدين” في بيان الرئاسة التركية يعكس تطلع أنقرة إلى فرص استثمار جديدة وتأمين موطئ قدم في السوق السوداني، الغني بالموارد والمرتبط جغرافياً بممرات التجارة في البحر الأحمر.
ويعيد ذلك إلى الأذهان اتفاقيات سابقة بين تركيا والسودان بشأن مواقع ساحلية مثل جزيرة سواكن، والتي جُمّدت لاحقاً بفعل التحولات السياسية، فيما تعيد الحرب الحالية فتح باب التنافس الإقليمي على السيطرة والتأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

تناقض الأولويات الدولية

ورغم تأكيد أنقرة دعمها لجهود السلام، تكشف تحركاتها الميدانية عن مسار موازٍ وأحياناً متعارض مع نهج “الرباعية” الدولية. فبينما تركز واشنطن وشركاؤها على التهدئة الإنسانية كمدخل لعملية سياسية شاملة، تمضي تركيا في تعزيز دعمها العسكري للجيش السوداني.
وفي حين تتقاطع مصالحها جزئياً مع السعودية ومصر في تجنب انهيار الدولة السودانية، فإن التنافس المكتوم بينها وبين الإمارات على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يضفي بعداً إضافياً على المشهد الإقليمي، بينما تبقى فاعلية الضغط الأميركي لوقف الحرب موضع شك في ظل محدودية أدواته وتأثير عقوباته على الطرفين.

المصدر: اليراع \ وكالات

الجامعة العربية تدعو للتفاعل الإيجابي مع مبادرة السلام السودانية وسط تحذيرات أممية من تصعيد النزاع

القاهرة/نيويورك – حذرت الأمم المتحدة من دخول الحرب في السودان مرحلة أكثر فتكًا، مع تصاعد الاشتباكات في كردفان وزيادة الضحايا المدنيين جراء الغارات بالطائرات المسيرة، ومخاطر الانتشار الإقليمي، مع اقتراب النزاع من علامة الألف يوم.

في إحاطة أمام مجلس الأمن الاثنين، وصف مسؤولون أمميون كبار الوضع الأمني والإنساني بأنه “يتدهور بسرعة”، مشيرين إلى هجمات عشوائية، وتوسع سيطرة قوات الدعم السريع (RSF)، ومخاطر متزايدة على المدنيين والعاملين الإنسانيين والقوات السلمية. قال مساعد الأمين العام للشؤون السياسية خالد خياري إن مخاوف اندلاع قتال أشد شراسة مع موسم الجفاف قد تحققت، مضيفًا: “كل يوم يمر يحمل مستويات مذهلة من العنف والدمار، ويواجه المدنيون معاناة هائلة دون نهاية واضحة”.

انطلق النزاع في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وامتد إلى معظم أنحاء البلاد، مما أدى إلى تدمير مدن، ونزوح ملايين، ومجاعة في مناطق دارفور.

الجامعة العربية ترحب بالمبادرة السودانية

من جانب آخر، رحبت الجامعة العربية بخطاب رئيس الوزراء الانتقالي السوداني كامل إدريس أمام مجلس الأمن، وأشادت بالمبادرة الشاملة للسلام، معتبرة إياها “إطارًا بناءًا يعكس فهمًا عميقًا للأزمة ورغبة في وقف النزاع”.

في بيان الثلاثاء، دعا الأمين العام أحمد أبو الغيط إلى “التعامل الإيجابي” مع المبادرة، مشددًا على دعمها لوقف إطلاق النار الشامل، وحماية المدنيين، وتدفق المساعدات، ومعالجة أزمة النازحين، وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR).

كما شدد على أهمية تدابير بناء الثقة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بناءً على العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بالإضافة إلى حوار سوداني سوداني يؤدي إلى إجماع وطني وانتخابات حرة تحت إشراف دولي.

أكد أبو الغيط تنسيق الجامعة مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين، مع التزامها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

رئيس الوزراء كامل إدريس يقدّم لمجلس الأمن مبادرة سلام جديدة تتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار تحت رقابة دولية وإقليمية

دعا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، يوم الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى دعم خطة حكومته لتحقيق السلام في السودان، في ظل الحرب المستمرة منذ نيسان/أبريل 2023 التي أودت بحياة عشرات الآلاف، وتسببت بنزوح نحو 12 مليون شخص، مما جعلها، حسب توصيف الأمم المتحدة، “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

وأكد إدريس في كلمته أمام مجلس الأمن أن السودان قد دفع ثمناً باهظاً جراء النزاع المستمر منذ أكثر من عامين، مشدداً على أن خطته للسلام تمثل خارطة طريق متكاملة لإنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن المبادرة تنص على وقف شامل لإطلاق النار “يخضع لرقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية”، على أن يتزامن ذلك مع انسحاب “الميليشيا المتمردة” من جميع المناطق التي تسيطر عليها ونزع سلاحها الكامل.

وأوضح أن الخطة تتضمن تنفيذ برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج المقاتلين غير المدانين، بهدف تمكينهم من العودة إلى الحياة المدنية والمساهمة في إعادة البناء، مؤكداً أن “لا سلام بدون مساءلة”.

كما دعا إدريس إلى إطلاق حوار وطني سوداني خلال المرحلة الانتقالية للاتفاق على أسس الحكم وإدارة الدولة، على أن تُختتم الفترة الانتقالية بإجراء انتخابات عامة تحت رقابة دولية لضمان النزاهة والشفافية.

ورأى إدريس أن هذه المبادرة تمثل “خياراً مدروساً لاستبدال الفوضى بالنظام، والعنف بالقانون، واليأس بالأمل”، مشيراً إلى أن السودان يتعرض لما وصفه بأنه “عدوان من قبل مليشيا الدعم السريع وداعميها”.

وأعرب رئيس الوزراء عن أمله في أن يحظى المقترح بـ”دعم غير مشروط” من أعضاء مجلس الأمن، معتبراً أن خطته تشكل مكملاً لـ”مبادرة السلام السعودية – الأمريكية – المصرية”.

وأوضح أن مشاركته تأتي في لحظة مفصلية يسعى خلالها لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه السودان، من خلال استعراض الجهود الحكومية المبذولة لتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين في مختلف الولايات.

واندلعت الحرب في السودان في 15 نيسان/أبريل 2023 بين القوات المسلحة بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من 12 مليون شخص. وتصف الأمم المتحدة الوضع بأنه “أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً”.

الموقف الأمريكي وتعثر المفاوضات الدولية

من جانبه، قال جيف بارتوس، نائب المندوب الأمريكي لدى مجلس الأمن، إن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، عرضت عبر وزير الخارجية ماركو روبيو خطةً لوقف القتال تتضمن هدنة إنسانية، داعياً الأطراف السودانية إلى قبولها دون شروط مسبقة.

وشدد بارتوس على أن مسؤولية إنهاء الصراع تقع على عاتق كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، محذراً من أن تزويد أي طرف بالسلاح سيؤدي إلى إطالة أمد النزاع. كما أكد أهمية التزام جميع الأطراف بالقواعد الإنسانية، ولا سيما حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وآمن.

وأشار بارتوس إلى أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – التي عبّر عنها في تشرين الثاني/نوفمبر  بالتدخل لإنهاء الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قد ولّدت آمالاً بإمكانية تحقيق اختراق سياسي، إلا أن المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع وسطاء آخرين في إطار “التحالف الرباعي” الذي يضم مصر والسعودية والإمارات، انتهت إلى طريق مسدود.

المصدر: اليراع

عودة النهج الأمني القديم في السودان: النظام العسكري يعيد إنتاج ممارسات نظام البشير ضد نشطاء ثورة ديسمبر

تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تصاعداً مقلقاً في انتهاكات أجهزة الأمن التابعة للحكم العسكري، ما أعاد إلى الأذهان ممارسات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي أطيح به إثر ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019. ويأتي هذا التصعيد في أعقاب قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق عبد الفتاح البرهان، بإعادة جهاز الأمن والمخابرات الذي كان قد تم حله بعد سقوط النظام السابق، رغم المعارضة الواسعة من قوى الثورة والشارع السوداني، لما يمثله ذلك من عودة إلى أدوات القمع القديمة.

الممارسات القديمة تعود بوجه جديد

منذ إعادة تفعيل الجهاز، برزت مؤشرات واضحة على عودة الأساليب الأمنية القمعية، حيث تم رصد ملاحقات واعتقالات بحق ناشطين سياسيين وشباب من لجان المقاومة. ومع اندلاع الحرب الدائرة بين الجيش ومليشيا «الدعم السريع»، غضّ كثيرون الطرف عن تجاوزات الأجهزة الأمنية، التي استغلت الأوضاع الاستثنائية لتصعيد حملات البطش والتنكيل بزعم الانتماء للدعم السريع، في حين استهدفت فعلياً الأصوات المدنية الرافضة لاستمرار الحرب.

في موازاة ذلك، شنّت منصات تابعة للنظام السابق والحركة الإسلامية حملة دعائية على وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه مقاصد ثورة ديسمبر، واتهام نشطائها بالعمالة أو الفوضوية. هذه الحملات بدا أنها تمهد سياسياً لتبرير الممارسات القمعية الجارية على الأرض.

ذكرى الثورة تتحول إلى اختبار جديد

صادف يوم الجمعة الماضي الذكرى السابعة لاندلاع ثورة ديسمبر، حيث خرجت مواكب سلمية في عدد من المدن السودانية مطالبة بوقف الحرب وحل مليشيا الدعم السريع وعودة الجيش إلى الثكنات — وهي ذات المطالب التي رفعتها الثورة الأولى. لكن السلطات قابلت تلك التحركات بالقمع والاعتقالات، إذ أعلنت «هيئة محامي الطوارئ» أن الأجهزة الأمنية اعتقلت عدداً من الناشطين في ولايتي القضارف والشمالية، محملة السلطات العسكرية مسؤولية سلامتهم وداعية إلى الإفراج الفوري عنهم.

رغم الواقع القاسي، يصرّ السودانيون على التمسك بروح ثورتهم، كأنها الشعلة الأخيرة التي تنير طريقهم وسط العتمة. ففي وجه الحرب والجوع

وشهدت مدينة أم درمان استخداماً مكثفاً للغاز المسيل للدموع وتوقيف ناشطين مدنيين رددوا شعارات الثورة. وذكرت لجان مقاومة مختلفة أن حملات مداهمة واسعة طالت منازل نشطاء في ولايات أخرى، حيث تم اقتيادهم إلى مواقع احتجاز غير معلومة. وأكدت لجان مقاومة القضارف أن هذه الممارسات التعسفية تستهدف القوى المناهضة للحرب، محمّلة السلطات مسؤولية أي انتهاكات تطال المعتقلين.

الصحافة تحت النار والمواقف الرسمية المثيرة للجدل

لم يسلم الصحفيون كذلك من هذه الحملة، إذ اعتقلت الأجهزة الأمنية في القضارف الصحفي والناشط السياسي عمر أبو عاقلة مساء الخميس، ونقل إلى جهة مجهولة، ما أثار موجة استنكار من القوى المدنية التي اعتبرت أن تكميم الصحافة يعكس عودة نهج التعتيم الأمني المعروف في عهد النظام السابق.

وفي خضم الجدل، فجّرت تصريحات وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، موجة غضب واسعة. إذ وصف شعارات الديمقراطية التي رفعها المتظاهرون بأنها «غير واقعية وغير قانونية»، محذراً من «تحولها إلى أداة تهديد لاستقرار البلاد». ودعا إلى دعم القوات المسلحة وأجهزتها الأمنية، معتبراً انتقادها ضرباً لوحدة الوطن.

أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من النشطاء والسياسيين الذين عدّوا حديث الوزير امتداداً لخطاب النظام البائد، القائم على التخوين وشيطنة المطالب المدنية. وقال ناشطون إن الوزير يعيد إنتاج خطاب «ما قبل الثورة» الذي يربط بين الأمن والاستقرار وبين تقييد الحريات، معتبرين ذلك نكوصاً عن مبادئ ديسمبر الأساسية: الحرية والسلام والعدالة.

ازدياد المخاوف من انتكاسة الحريات

يرى مراقبون أن الحملات الأمنية المتكررة، إلى جانب الخطاب السياسي المؤدلج لبعض رموز السلطة، تمثل مؤشرات خطيرة على مسار انتكاسي يهدد مكاسب ثورة ديسمبر. ويؤكد محللون أن استمرار الاعتقالات العشوائية واستهداف الأصوات الداعية للسلام يكرس أجواء الخوف ويغلق المجال العام، الأمر الذي يعمّق الأزمة السياسية ولا يعالج جذور الصراع.

مطالبات المنظمات الحقوقية بإطلاق سراح المعتقلين وتوفير محاكمات عادلة لا تزال تواجه تجاهلاً من قبل السلطات، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى محاسبة المسؤولين عن تلك الممارسات داخل الأجهزة الأمنية والوزارات ذات الصلة.

روح الثورة تتحدى القمع

ورغم التضييق الأمني وحملات التخوين، يبدو أن جذوة الثورة السودانية لم تخمد بعد. فالمواكب التي خرجت لإحياء ذكراها السابعة، وما حملته من شعارات للحرية والعدالة، بعثت برسالة قوية بأن الوعي الشعبي لا يزال يقاوم محاولات إعادة إنتاج الاستبداد. وبينما يسعى النظام لتبرير قمعه بذريعة الحرب، يصر الشارع على أن السلام العادل لا يتحقق إلا في ظل حكم مدني ديمقراطي يكفل الحقوق والحريات للجميع.

رغم مرارة الحرب والوضع الامني: السودانيون يحيون ذكرى ثورة ديسمبر في الشوارع والذاكرة

رغم القتال الدامي واتساع رقعة الدمار وانهيار الأوضاع المعيشية، خرج عشرات السودانيين، الجمعة، إلى شوارع العاصمة الخرطوم ومدينة بورتسودان شرقي البلاد، لإحياء الذكرى السابعة لـ ثورة 19 ديسمبر التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019.

تأتي هذه التظاهرات في ظل ظروف قاسية يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، وهي المرة الأولى التي يُعيد فيها السودانيون إحياء المناسبة في الميدان منذ بداية النزاع، تأكيداً على استمرار مطالبهم بالحكم المدني والديمقراطية.

جذور الثورة وشعلتها التي لا تنطفئ

يرتبط يوم التاسع عشر من ديسمبر بانطلاق الاحتجاجات الأولى في مدينة عطبرة عام 2018، بعدما أثقلت الزيادات في أسعار الخبز والمعيشة كاهل المواطنين، قبل أن تتوسع رقعتها لتتحول إلى انتفاضة شعبية أطاحت بنظام البشير. ومنذ انقلاب أكتوبر 2021، بات هذا اليوم محطة سنوية يستحضر فيها السودانيون شعاراتهم الخالدة: “حرية، سلام، وعدالة”، ويجدّدون العهد على التمسك بمبادئ الثورة.

على منصات التواصل الاجتماعي، امتلأت الصفحات بصور ومقاطع من مواكب 2019. كتب النشطاء منشورات تحيي “الذاكرة الحية”، وتعبّر عن حنين عميق لأيام الحراك الجماهيري حين اجتمع السودانيون على حلم واحد بالحرية والكرامة.

انتقادات للقوى السياسية وتحديات التمثيل

في مقابل المشهد الشعبي، تتعرض القوى السياسية لانتقادات حادة من الشارع السوداني، إذ يرى كثيرون أن الأحزاب التقليدية فشلت في استثمار مكتسبات الثورة، وانشغلت بخلافاتها الداخلية وتقاسم النفوذ. ويعتبر محتجون أن حالة التشرذم بين القوى المدنية عطلت تحقيق التحوّل السياسي المنشود، وأضعفت فرص الوصول إلى حكومة مدنية تمثّل إرادة الشعب بصدق.

وحذّرت تنسيقية لجان المقاومة في منطقة كرري بأم درمان من “محاولات لاختطاف الحراك الثوري وتوظيفه لأجندات خارجية”، مشيرة في بيانها إلى أن “وعي أبناء ديسمبر تشكّل عبر تجربة مؤلمة، كشفت القوى التي ادّعت تمثيل الثورة ثم حوّلتها إلى مصالح فئوية ضيقة”.

الميدان: مظاهرات وصدامات محدودة

شهدت مناطق مختلفة من العاصمة، أبرزها أم درمان والكلاكلة، إلى جانب بورتسودان، مظاهرات رفع خلالها المحتجون أعلام ثورة ديسمبر ورددوا هتافات تطالب بعودة الجيش إلى الثكنات وحل قوات الدعم السريع.

وأكد كيان “غاضبون”، المنظم لأحد المواكب، في بيانٍ له أن المظاهرة كانت سلمية، غير أن الشرطة فرقتها باستخدام الغاز المسيل للدموع واعتقلت بعض المشاركين قبل أن يُستأنف الموكب بشكل متقطع. وشهدت ولايات أخرى، بينها القضارف، اعتقالات مماثلة بحق المحتجين، بينما دعا ناشطون عبر الإنترنت إلى “حملة رقمية” تذكّر بأن الحرب الراهنة “استهدفت مكتسبات الثورة” وأن “طريق الخلاص لا يكون إلا بعودة الدولة المدنية”.

رمزية لا تنطفئ رغم الحرب

في بورتسودان، العاصمة المؤقتة للبلاد منذ سيطرة الدعم السريع على معظم أجزاء الخرطوم، رفع المتظاهرون لافتات تطالب بإنهاء الحرب ووقف نزيف الدم. كما أكدت بيانات صادرة عن قوى مدنية وسياسية أن “ثورة ديسمبر لا تزال حيّة ومتقدة في وجدان الشعب السوداني، وتمثل المخرج الوطني من الأزمة الراهنة”، مجددة دعوتها إلى وقف فوري للقتال والانخراط في عملية سلمية شاملة تحفظ وحدة السودان.

أما لجان مقاومة الدامر فكتبت في منشور بموقع “فيسبوك”: “في هذا اليوم نستعيد شعلة ديسمبر التي كسرت جدار الخوف، ونؤكد عدم الاعتراف بشرعية من قتل الشعب”.

من الثورة إلى الحرب: الصراع على الدولة وميراث الانتقال

القراءة السياسية للأحداث تُظهر أن مأزق السودان لا يتصل فقط بتنازع السلاح، بل بفشل القوى المدنية والعسكرية على السواء في بناء عقدٍ وطني جامع بعد 2019. فالقوى التي حملت راية الثورة وقادت الشارع لم تنجح في تحويلها إلى مشروعٍ سياسي يُوازن بين الطموح الشعبي ومتطلبات الدولة.

انقسمت قوى الحرية والتغيير بين تيارات، وتحولت الصراعات حول السلطة إلى ساحةٍ مفتوحة استغلها العسكر لتوسيع نفوذهم، إلى أن جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليقضي على ما تبقى من ثقة في إمكانية التحول السلمي. ومنذئذٍ، ظلّ الشارع يرى في الأحزاب المدنية شريكاً في الإخفاق، لا ممثلاً للثورة.

ومع اندلاع الحرب بين البرهان وحميدتي، أصبحت ثورة ديسمبر رهينة صراعٍ على أدوات القوة، لا على معنى الحكم المدني ذاته. فكل طرف ادّعى تمثيل “روح الثورة”، بينما غابت روح الدولة.

واقع الحرب والانقسام الجغرافي

تتزامن هذه التحركات الرمزية مع تصاعد حدة القتال في دارفور وكردفان، حيث يخوض الجيش مواجهات مع قوات الدعم السريع التي تسيطر على معظم أراضي الإقليم الغربي، في حين يفرض الجيش نفوذه على نحو 13 من أصل 18 ولاية في البلاد.

وخلفت الحرب، التي تفجرت على خلفية صراع حول توحيد المؤسسة العسكرية، عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من 13 مليون نازح داخل السودان وخارجه، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة.

وبرغم هذا الواقع القاسي، يصرّ السودانيون على التمسك بروح ثورتهم، كأنها الشعلة الأخيرة التي تنير طريقهم وسط العتمة. ففي وجه الحرب والجوع، لا يزال الهتاف “حرية، سلام، وعدالة” يتردّد، كنداءٍ يذكّر بأن الآمال لم تمت بعد، وأن السودان لا يزال يبحث عن فجرٍ جديد يليق بتضحيات أبنائه.

مصر تحذر من تهديد وحدة السودان: اتفاق على تفعيل الدفاع المشترك مع الخرطوم

القاهرة – شهدت العاصمة المصرية، الخميس، زيارة رسمية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التقى خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث بحث الجانبان مستجدات الأوضاع في السودان وسبل دعم الشعب السوداني، مؤكدين على ضرورة وقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق المدنيين.

دعم مصري ثابت لوحدة السودان

ووفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقباله البرهان على ثوابت الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه واستقراره، مشيراً إلى استعداد بلاده «لبذل كل جهد ممكن» من أجل إنهاء الأزمة الراهنة ومساندة الشعب السوداني في مواجهة الظروف الإنسانية القاسية التي يمر بها.

وأوضح البيان أن المباحثات تناولت تطورات المشهد الميداني والإنساني في السودان، حيث شدد الطرفان على ضرورة وقف العمليات التي تستهدف المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها أمام العدالة، في وقت تتواصل فيه الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدة ولايات من البلاد منذ أبريل/نيسان 2023.

من جانبه، عبّر البرهان عن تقديره العميق لمساندة مصر المستمرة للسودان في مواجهة تحدياته الداخلية، مؤكداً أن الموقف المصري يعكس «عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين الشعبين الشقيقين». كما أثنى على الجهود المصرية الساعية إلى إنهاء النزاع، ودعم المساعي الرامية لتحقيق الاستقرار ووحدة الأراضي السودانية.

وقال وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية عثمان خالد، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السودانية، إن البرهان أجرى مباحثات ثنائية شاملة مع الرئيس السيسي، استعرضا خلالها «العلاقات الأزلية بين البلدين والسبل الكفيلة بتعزيزها وترقيتها»، مشيراً إلى أن الرئيسين وجّها أجهزة الدولة في البلدين إلى تعميق التنسيق في مجالات الأمن والمياه والتجارة والاقتصاد بما يخدم مصالح الشعبين.

تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك

وأضاف خالد أن الجانبين اتفقا على تفعيل آليات العمل المشترك، بما فيها اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين مصر والسودان عام 1976، وذلك في ضوء التحديات الأمنية الإقليمية الراهنة. وتعد هذه الاتفاقية إحدى ركائز التعاون العسكري بين البلدين، إلى جانب اتفاقيات أخرى جرى توقيعها خلال السنوات الماضية، آخرها في مارس/آذار 2021.

وأشار المسؤول السوداني إلى أن الجانبين جددا عزمهما على العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وذلك لتخفيف وطأة الأزمة الإنسانية في السودان وتأمين وصول المساعدات وفتح الممرات الآمنة.

القاهرة تحذر من تجاوز “الخطوط الحمراء”

وفي بيان منفصل، أعلنت الرئاسة المصرية أن هناك “خطوطاً حمراء” لا يمكن تجاوزها بشأن التطورات الجارية في السودان، مؤكدة أن المساس بوحدة الأراضي السودانية يشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، نظراً للترابط الوثيق بين أمن البلدين واستقرارهما.

وأوضحت الرئاسة أن القاهرة تتابع بقلق بالغ ما تشهده مناطق سودانية، خصوصاً مدينة الفاشر في إقليم دارفور، من تصاعد للعنف وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد المدنيين. وحذرت من محاولات تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية تهدد وحدة مؤسسات الدولة السودانية، مشددة على أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة مؤسساته يمثل خطاً أحمر بالنسبة لمصر.

كما أكدت أن القاهرة تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك مع السودان من أجل صون أمن البلدين وحماية استقرارهما، في حال تعرض أي طرف لتهديد مباشر.

الأوضاع الميدانية والإنسانية

وتأتي هذه التطورات بينما تتسع رقعة القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدد من المناطق، لا سيما في ولايات إقليم دارفور وكردفان الكبرى. وتشير التقديرات الأممية إلى أن النزاع المستمر منذ أكثر من عام ونصف العام خلّف عشرات آلاف القتلى، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً وخارجياً نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.

وبحسب تقارير ميدانية، تسيطر قوات الدعم السريع على معظم ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من شمال الإقليم، بينما يحتفظ الجيش السوداني بسيطرته على معظم ولايات البلاد الأخرى بما فيها العاصمة الخرطوم.

وتُعد زيارة البرهان إلى القاهرة هي الأولى منذ أشهر، وتأتي في سياق مساعٍ دبلوماسية مكثفة تسعى لإحياء المسار السياسي في السودان وإيقاف الحرب الدائرة فيه. كما تعكس الزيارة رغبة متبادلة في تعزيز التنسيق الأمني والسياسي بين القاهرة والخرطوم لمواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة وحماية المصالح المشتركة في وادي النيل.

ويؤكد مراقبون أن التحركات الدبلوماسية المصرية تجاه السودان تحمل بعداً استراتيجياً واضحاً، إذ تسعى القاهرة إلى منع تفكك الدولة السودانية أو تحولها إلى بؤرة صراع إقليمي تمتد تأثيراته إلى حدودها الجنوبية، ما يجعل من الملف السوداني أولوية قصوى ضمن سياسة الأمن القومي المصري.

تصعيد خطير باستخدام الطائرات المسيّرة يفاقم الكارثة الإنسانية

شهد السودان تصعيداً مقلقاً في وتيرة استخدام الطائرات المسيرة من قبل قوات الدعم السريع، وسط اتهامات بتكثيف الهجمات ضد أهداف مدنية وبنى تحتية حيوية، في سابقة تعكس تحول النزاع إلى “حرب مسيّرات” تزيد من معاناة الملايين.

هجوم جديد يقطع الكهرباء عن شمال وشرق السودان

تعرضت صباح اليوم الخميس محطة كهرباء تحويلية رئيسية في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل لهجوم بطائرات مسيرة، اتُهمت به قوات الدعم السريع، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من ولايات نهر النيل والبحر الأحمر شمال وشرق البلاد، وفقاً لمصادر رسمية وشهود عيان.

وأوضح شهود أن الهجوم أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الدفاع المدني وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير محولات رئيسية أوقفت إمدادات الطاقة في عدد من المناطق. كما استهدفت الطائرات المسيرة أحياءً سكنية ومطار عطبرة، ما تسبب بانفجارات عنيفة في المدينة بينما حاولت الدفاعات الأرضية التصدي للهجوم.

وتشير التحقيقات الأولية إلى أن الطائرات قد انطلقت من مناطق تخضع لسيطرة الدعم السريع في إقليم كردفان، وخاصة من مدينة بارا التي تشهد توتراً عسكرياً متزايداً منذ أكثر من شهرين.

استهداف المدنيين وموجات نزوح جديدة

وفي جنوب كردفان، تواصلت هجمات مماثلة ضد المدنيين. فقد ذكرت مصادر محلية أن طائرات مسيرة، يُعتقد أنها تابعة لقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية شمال، استهدفت قافلة نازحين كانت في طريقها من مدينة كادقلي نحو مناطق أكثر أماناً، ما أدى إلى مقتل ثماني نساء.

وأكدت تقارير ميدانية من منظمة الهجرة الدولية أن نحو 460 شخصاً فرّوا من كادقلي في الأيام الأخيرة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد الهجمات، مشيرة إلى أن هؤلاء النازحين يتوزعون الآن في مناطق من شمال كردفان والنيل الأبيض والخرطوم، في ظل نقص حاد في الغذاء والمساعدات الطبية.

السكان المحليون أعربوا عن قلق عميق من استمرار استهداف المدنيين، حيث أصبحت الخيارات ضئيلة أمام العائلات العالقة داخل مناطق النزاع، لا سيما مع غياب ممرات إنسانية آمنة وارتفاع مخاطر الانتهاكات على طرق النزوح.

الأمم المتحدة تحذر من حرب المسيرات وتدهور إنساني واسع

وفي بيان صدر من جنيف، أبدى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قلقاً بالغاً إزاء تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في النزاع، مشيراً إلى أن الهجمات الأخيرة أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني منذ مطلع ديسمبر في مناطق متفرقة من كردفان.

تورك كشف أن إحدى الغارات استهدفت روضة أطفال ومستشفى في بلدة كالوقي، أسفرت عن مقتل 89 شخصاً بينهم 43 طفلاً وثمان نساء، في مشهد وصفه بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني”.

كما دان المفوض السامي مقتل ستة من عناصر حفظ السلام الأمميين في هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة الأمم المتحدة في كادقلي الأسبوع الماضي، معتبراً أن هذا النوع من الاستهداف قد يرقى إلى جريمة حرب.

وكرّر تورك دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة، مطالباً الدول ذات النفوذ بالضغط على الأطراف السودانية لوقف دوامة العنف المتصاعد.

تحول مقلق في مسار الحرب

يرى محللون أن استخدام الطائرات المسيرة بكثافة من قبل الدعم السريع يمثل تحولاً نوعياً في مسار الحرب السودانية، ويجعل المدنيين في مرمى نيران لا تميّز بين أهداف عسكرية ومدنية. كما حذر خبراء من أن هذا النمط من الهجمات قد يُعزّز حالة الفوضى وانهيار الخدمات الحيوية، في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث.

البرهان في الرياض: دبلوماسية سعودية لإعادة صياغة المشهد السوداني

تكتسب زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية أهمية استثنائية من حيث توقيتها وحساسيتها، إذ تأتي في لحظة حرجة تمرّ بها بلاده بعد تصاعد القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتنامي المخاوف من انزلاق السودان إلى التفكك.

فبحسب وكالة الأنباء السعودية “واس”، عقد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لقاءً مع البرهان في قصر اليمامة بالعاصمة الرياض، استعرضا خلاله الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في السودان، وبحثا سبل دعم المساعي الإنسانية ووقف القتال المتصاعد.

الزيارة التي بدأت أول أمس دون تحديد مدتها، تتزامن مع أخطر مرحلة يشهدها الصراع منذ اندلاعه في أبريل 2023، إذ باتت الحرب تنذر بتمزيق السودان وتداعيات تمتد إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يقلق المملكة ودول الجوار على حد سواء.

ويأتي هذا التحرك ضمن جهود سعودية متجددة يقودها ولي العهد، الذي سبق أن دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي إلى التدخل لوقف النزاع السوداني. وأشار ترامب لاحقاً إلى أنه لم يكن يعتزم التورط في الملف، قبل أن يقتنع بأهميته الإقليمية بعد توضيحات ابن سلمان، معلناً نيته استخدام نفوذ الرئاسة الأميركية للدفع نحو تسوية سريعة. وتوّج ذلك بإعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تولي ترامب نفسه متابعة الملف مباشرة، مما زاد الآمال بحدوث اختراق قريب.

وفي موازاة ذلك، جددت الرياض تأكيدها دعم وقف فوري للحرب وحماية المدنيين، مستندة إلى ما تم الاتفاق عليه سابقاً في “إعلان جدة” الموقع في مايو 2023. كما استضافت المملكة أكثر من جولة تفاوضية بين طرفي النزاع في إطار “حوار جدة”، غير أن أيًّا منها لم يحقق اختراقاً ملموساً حتى الآن.

الاجتماع في الرياض حضره عدد من كبار المسؤولين السعوديين، من بينهم وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، والمستشار الأمني مساعد العيبان، في دلالة على أن الملف السوداني يحتل أولوية كبرى ضمن الاستراتيجية الإقليمية للمملكة.

وتأتي هذه التحركات في وقت تشير فيه تقارير الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص ونزوح أكثر من 12 مليوناً جرّاء القتال، ووصفت المنظمة الوضع بأنه “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

البرهان من جانبه، أعرب في وقت سابق عن تقديره لدور ولي العهد السعودي وجهوده الدبلوماسية، مؤكداً استعداده للتجاوب مع أي مبادرة تفضي إلى إنهاء الحرب “بالطريقة التي تريح كل السودانيين”. وبينما تبقى المعارك على الأرض مستعرة في دارفور وكردفان والخرطوم، يترقب السودانيون ثمار هذه الجهود أملاً في استعادة بلادهم طريق السلام والاستقرار.

هجوم كادوقلي يعمّق مأساة السودان: مقتل ستة من حفظة السلام في تصعيد خطير يعيد ملف الحرب إلى الواجهة الدولية

بورتسودان – 13 ديسمبر 2025 (تحليل خاص)
تصاعدت حدة الحرب السودانية مجددًا نهاية هذا الأسبوع بعد مقتل ستة من جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة في هجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة لبعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) بمدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان.
الحادث، الذي يعدّ الأول من نوعه ضد منشأة أممية منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قبل نحو عشرين شهرًا، فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مستقبل مهام حفظ السلام في السودان وحدود الصراع المتسع بين طرفي الحرب.

ضربة موجعة للأمم المتحدة و”اختبار عالمي” لحماية قواتها

أكدت بعثة يونيسفا أن الهجوم أسفر عن مقتل ستة جنود وإصابة ستة آخرين، جميعهم من بنغلادش، القوة الأكثر مشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية.

ورغم أن المنظمة الأممية حرصت في بياناتها الأولية على عدم توجيه اتهامات مباشرة، فإن لهجة الأمين العام أنطونيو غوتيريش كانت لافتة، إذ وصف الهجوم بأنه “مروع” ودعا مجددًا إلى “وقف فوري للأعمال العدائية”.
غير أن الهجوم يتجاوز بعده الميداني ليشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل بعثات الأمم المتحدة في مناطق النزاع الإفريقية، لا سيما أن استخدام الطائرات المسيّرة – الذي كان سمة مميزة للحرب السودانية الأخيرة – بات ينقل النزاع إلى مستويات تكنولوجية غير مسبوقة في القارة.

صراع الروايات: الجيش يتهم والدعم السريع ينفي

في الخرطوم، تبادلت الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجوم.
الجيش السوداني تحدث عن “عمل إرهابي منظم” نفذته طائرة مسيّرة تابعة للدعم السريع، بينما وصفت الحكومة الهجوم بأنه “خرق جسيم للقانون الدولي الإنساني”، ودعت إلى تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة الجناة.

لكن بيان الدعم السريع، الذي نُشر على قنواتها الرسمية، نفى الاتهامات ووصفها بأنها “محاولة لتلفيق رواية جديدة بعد إخفاقات الجيش الميدانية”.
وفي ظل غياب أدلة ميدانية مستقلة أو تحقيق دولي فوري، تظل الحقيقة غارقة بين الحرب الإعلامية المتبادلة التي تتحكم بها الأطراف المتحاربة لتأطير السرد وفق أجنداتها السياسية.

كادوقلي: مدينة تحت الحصار والمجاعة

مدينة كادوقلي ليست مجرد موقع عسكري؛ إنها رمزٌ لمعاناة الجنوب السوداني منذ اندلاع الحرب. فخلال العام والنصف الأخير، فرضت قوات الدعم السريع ومجموعات متحالفة معها حصارًا خانقًا على المدينة، مما أدى إلى توقف الإمدادات واندلاع مجاعة أكدت الأمم المتحدة رسمياً وقوعها في نوفمبر الماضي.

خرطة توضح منطقة كادوقلي

الهجوم على قاعدة يونيسفا يأتي إذًا في سياق أوسع من الدمار المنهجي للبنى المدنية والإنسانية، حيث تُستهدف المستشفيات والمدارس كما حدث قبل أسبوع في مدينة كلوقي عندما أدى قصف جوي إلى مقتل 114 شخصًا، بينهم 63 طفلًا، طبقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية.

البُعد الاستراتيجي: دعم سريع يتمدد والجيش يتراجع

من الناحية العسكرية، يمثل إقليم كردفان بولاياته الثلاث (جنوب، شمال، وغرب) نقطة استراتيجية فاصلة في المشهد السوداني.
فالإقليم الغني بالنفط يشكل رابطًا لوجستيًا بين دارفور غربًا – المعقل التقليدي للدعم السريع – والمناطق الوسطى والشمالية التي لا يزال الجيش يحتفظ فيها بسلطان نسبي.

محللون يرون أن استهداف كادوقلي وتكثيف العمليات فيها هو جزء من خطة الدعم السريع لتطويق الجيش من الجنوب الشرقي بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في دارفور خلال أكتوبر الماضي.
ووفق مراقبين عسكريين، فإن استمرار انتشار الطائرات المسيّرة واستخدامها في ضرب أهداف عسكرية وإنسانية على حد سواء ينذر بمرحلة جديدة قد تُحول الحرب إلى نزاع طويل الأمد متعدد الجبهات.

عجز دولي وفوضى إنسانية

الحرب، التي اندلعت في أبريل 2023 بسبب خلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، ما تزال بعيدة عن التسوية السياسية رغم وساطات إفريقية وعربية ودولية متكررة.
تسببت المعارك حتى الآن في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 13 مليون شخص، بحسب الأمم المتحدة، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعاصرة التي تهدد الاستقرار في شرق ووسط إفريقيا.

وفي ظل إنهاء معظم البعثات الدبلوماسية الدولية لوجودها داخل السودان، تتراجع فرص التوصل إلى هدنة حقيقية، بينما يتحول البلد تدريجيًا إلى ساحة صراع إقليمي بالوكالة تتداخل فيها مصالح قوى خارجية من الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

واشنطن والرياض… وغياب الحل

ورغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي عن “تحرك لإنهاء الحرب” بعد لقائه في واشنطن بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فإن الدلائل على أي تحرك فعلي تبقى معدومة.
المشهد الميداني المتشظي، وانقسام الولاءات داخل المؤسسة العسكرية، وتضارب المصالح الإقليمية، تجعل من الحرب السودانية نموذجًا صارخًا لفشل النظام الدولي في احتواء النزاعات المعقدة داخل الدول المنهارة.

تداعيات محتملة وأفق غامض

هجوم كادوقلي الأخير لا يمثل مجرد حادث عابر في حرب منسية، بل هو جرس إنذار حقيقي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي حول مدى هشاشة منظومات السلام والأمن الدولي في مواجهة الحروب الجديدة التي تمزج بين الكلاسيكي والتقني.
ومع استمرار الحصار والجوع والدمار، يبدو أن السودان يتجه نحو مرحلة انهيار شامل لمؤسساته المدنية والإنسانية، فيما تظل سماء كادوقلي شاهدًا على حرب لا تُبقي ولا تذر.

شهادات من مذابح الفاشر: “الدعم السريع” تقتل حسب القبيلة.. وتبتز العائلات لدفع فدية المختطفين لديها

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته كاثرين هورليد وحمزة هارون قالا فيه إن قوات الدعم السريع نفذت عمليات اختطاف جماعية بعد سيطرتها على مدينة الفاشر غرب البلاد، حيث احتجزت آلاف المدنيين مطالبةً بفدية باهظة وأعدمت من لم يستطع الدفع، وفقا لشهادات ناجين ومنظمات حقوقية وأقارب المختطفين.

 وقد حاصرت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر لمدة عام ونصف بدءا من عام 2024، ومارست القتل والاختطاف بشكل روتيني بحق من حاولوا الفرار. وعندما انسحب الجيش السوداني من آخر مواقعه فيها، أواخر تشرين الأول/أكتوبر وسقطت المدينة في يد الدعم السريع، قام مقاتلوها باختطاف المدنيين بشكل جماعي، بمن فيهم النساء والأطفال. وأفاد ناجون بأن الأسرى تعرضوا للتعذيب والتجويع، ثم أُجبروا على الاتصال بعائلاتهم طالبين منها المساعدة.

وقد تحدثت صحيفة “واشنطن بوست” إلى تسعة من ضحايا الاختطاف وأفراد من عائلاتهم ونشطاء في هذا الشأن. ورغم تعذر التحقق المستقل من الروايات الفردية، إلا أن تفاصيل أساليب الهجوم ومواقع المختطفين ومعاملتهم غالباً ما تتطابق مع تقارير شهود العيان ومنظمات حقوق الإنسان.

صعوبة الاتصالات في الفاشر تجعل من تقييم حجم الانتهاكات المرتكبة هناك أمرا صعبا، لكن الشهادات التي تسربت ترسم صورة مروعة لعائلات تسحق عمدا تحت وطأة المركبات المدرعة ومعتقلين أُعدموا أمام الكاميرات

كما أن صعوبة الاتصالات في الفاشر تجعل من تقييم حجم الانتهاكات المرتكبة هناك أمرا صعبا، لكن الشهادات التي تسربت ترسم صورة مروعة لعائلات تسحق عمدا تحت وطأة المركبات المدرعة ومعتقلين أُعدموا أمام الكاميرات وأطفال يتامى تركوا يهيمون على وجوههم وحيدين في الصحراء.

وقد أعلنت الأمم المتحدة أن السودان هو أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث قتل عشرات الآلاف ونزح 12 مليون شخص على مدار ثلاث سنوات من الحرب الأهلية.

وكشفت روايات الفظائع في الفاشر، إحدى أكبر مدن دارفور، الانقسامات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما دولتان خليجيتان ثريتان حليفتان للولايات المتحدة، لكن مصالحهما في السودان متضاربة.

وتعتبر السعودية داعما للجيش، بينما تتهم الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم عسكري ومالي لقوات الدعم السريع. وقد نفى القادة الإماراتيون هذه الادعاءات، إلا أن الأسلحة المباعة للإمارات ظهرت مرارا في مخازن قوات الدعم السريع، وبدأ قادة الكونغرس من الحزبين في واشنطن بانتقاد الإمارات صراحةً.

 ولم تسفر جولات العقوبات الأمريكية المتكررة على كلٍ من قوات الدعم السريع والجيش السوداني، الذي ارتكب أيضًا انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، إلا عن القليل لوقف عمليات القتل.

وفي الشهر الماضي، وخلال زيارة للبيت الأبيض، ناشد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس دونالد ترامب المساعدة في إنهاء الصراع. وقال ترامب على منصة “تروث سوشيال” إنه سيعمل مع الشركاء الإقليميين “لإنهاء هذه الفظائع”.

في غضون ذلك، لا يزال عدد كبير من الناجين محتجزين تحت تهديد السلاح.

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 270,000 شخص داخل وحول مدينة الفاشر عند سقوطها في 27 تشرين الأول/أكتوبر.

وتقول الأمم المتحدة إن حوالي 106,000 شخص فروا من المدينة خلال الأسابيع الستة الماضية، بينما لا يزال مصير الباقين مجهولا.

ويعتقد ناثانيال ريموند، رئيس مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، أن قوات الدعم السريع قد قتلت عشرات الآلاف من الأشخاص بالفعل. وسيصدر مختبره الأسبوع المقبل تقريرا يرسم خريطة لما لا يقل عن 140 موقعا لتراكم الجثث، ويوثق الجهود الواسعة النطاق التي تبذلها هذه القوات لإخفاء أدلة المذبحة.

 ويقول ريموند: “هناك قوة بحجم لواء تقوم بتنظيف الجثث، ولا إشارة عن عودة الحياة الطبيعية: لا نشاط عند آبار المياه ولا في الأسواق ولا في الشوارع ولا في وسائل النقل المدنية. إنهم يعتقدون أنه يجب عليهم جمع أكبر كمية من الجثث وبأسرع وقت ممكن قبل دخول أي شخص إلى المدينة”. ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن أحد العاملين في المجال الطبي، البالغ من العمر 37 عاما، قوله إنه بقي في المدينة طوال فترة الحصار. وحاول شقيقه الأصغر الفرار في آب/أغسطس، لكن قوات الدعم السريع اختطفته وقتلته، حتى بعد أن دفعت عائلته الفقيرة فدية لخاطفيه.

 وأضاف العامل الطبي أنه عندما اجتاح المقاتلون المدينة، فر مع مجموعة تضم حوالي 100 شخص، لكن سرعان ما أُلقي القبض عليهم. وقال إن حوالي 30 منهم أُعدموا فورا.

وقال: “أخبرتهم أنني طبيب وأنني أساعد الجميع، بمن فيهم أعضاء قوات الدعم السريع”، ويعتقد أن ذلك أنقذ حياته.

طبيب سوداني: “أنزلونا في منزل مهجور وأمرونا بالاتصال بعائلاتنا. قالوا لي: عليك إقناعهم بدفع 50 مليون جنيه سوداني، وإلا سنعدمك فورا”

وروى الطبيب أن الناجين نقلوا في قافلة إلى مدينة كتم، التي تبعد يوما ونصف بالسيارة: “أنزلونا في منزل مهجور وأمرونا بالاتصال بعائلاتنا. قالوا لي: عليك إقناعهم بدفع 50 مليون جنيه سوداني، وإلا سنعدمك فورا”. وأضاف: “اتصلت بأصدقائي لأنني كنت أعلم جيدا أن عائلتي لا تملك المال الكافي”. وذكر الطبيب أن أصدقاءه تفاوضوا على الفدية وخفضوها إلى 15 مليون جنيه سوداني، أي ما يعادل 25,000 دولار تقريبا. وبينما كان ينتظر معرفة مصيره، أحضر المقاتلون المزيد من الشبان من الفاشر، وحثهم رؤساؤهم على القتل كيفما شاؤوا. وتذكر محادثة قيل فيها لخاطفيهم: “عليكم قتل نصفهم للضغط على الباقين لدفع الفدية”.

وقال إنه في اليوم التالي، قام أصدقاؤه بتحويل المبلغ الكامل مقابل حريته، وتم إطلاق سراحه بالقرب من بلدة طويلة، حيث وجد العديد من الهاربين من الفاشر ملجأً.

وقال رجل آخر، يبلغ من العمر 26 عاما، إنه انضم إلى حشد كبير فر غرب المدينة في 26 أيلول/سبتمبر. وتذكر أن المجموعة استهدفت بنيران المدفعية وطائرات مسيرة أثناء فرارهم وعندما وصلوا إلى ساتر ترابي بنته قوات الدعم السريع لتطويق المدينة، فتحت المركبات المدرعة النار. وقال: “حاول البعض الفرار، لكن دون جدوى، وقتل عدد كبير من الناس. وتظاهر آخرون بالموت، وتمددوا بلا حراك على الأرض مثلنا، ثم بدأت المركبات بدهس الناس”.

وأضاف أن سائقي المركبات المدرعة كانوا يمسحون الأرض بنظراتهم، ويدهسون أي شيء يتحرك. وتم “دهس 10 أشخاص تقريبا، من بينهم أختي”، و”لم أستطع إنقاذها”، كما قال الرجل.

وتابع الرجل قائلا إنه في كل حاجز طريق، كان يقتل المزيد من الناس برصاص مقاتلي قوات الدعم السريع أو يتعرضون لهجوم من قبل ميليشيات عربية متحالفة على الجمال. وقال إن الحشد الذي غادر معه الفاشر، والذي كان يبلغ حوالي 150 شخصا، انخفض إلى حوالي 30 شخصا، لكن الأهوال لم تنته. فقد “كنت مع صديقي وزوجته. حاول أحد الجنود أخذ زوجته كخادمة، لكنه رفض وأمسك بها بقوة”، كما روى. ونتيجة لذلك، أُطلق عليه النار، وسقطت زوجته فوقه. قال أحد الجنود: “اتركوهم، دعوهم ينزفون حتى الموت”.

وقال إن مقاتلي قوات الدعم السريع قاموا بتغطية أعين الرجل ونحو اثني عشر ناجيا آخرين، وربطوا أيديهم خلف ظهورهم. واقتادوهم “كالمواشي” إلى زمزم، التي كانت سابقا مخيما للاجئين، ووضعوهم مع سجناء آخرين. ثم، كما قال الرجل، استهدف خاطفوهم أفراد الجماعات العرقية المرتبطة بالميليشيات التي دافعت عن الفاشر ضد قوات الدعم السريع.

طُلب من كل شخص تحديد قبيلته، كما قال. “إذا قال أحدهم ‘زغاوة’ أو إحدى القبائل الأفريقية، قتل. وإذا قال أحدهم إنه جندي، قتل أيضا”، كما قال.

وفي النهاية، كما قال الرجل، اقتيد هو وعشرة أسرى آخرين إلى زنزانة في سجن جنوب غرب الفاشر. وفي اليوم الثالث، كما قال، أمرتهم قوات الدعم السريع بالاتصال بعائلاتهم عبر الإنترنت الفضائي وطلب 15 مليون جنيه سوداني. وطلب اثنان من السجناء تخفيض المبلغ، قائلين إن أقاربهم لا يستطيعون جمع هذا المبلغ، لكنهما “قتلا على الفور”، كما قال الرجل.

أمرت قوات الدعم السريع الباقين بالاتصال بعائلاتهم و”أثناء المكالمة، كانوا يوجهون البندقية إلى رؤوسنا”، كما قال الرجل. “كانوا يضربوننا ويذلوننا حتى تستجيب” العائلة.

وقال إن عائلته تمكنت من دفع فديته على دفعات، وأُطلق سراحه مع ثلاثة ناجين آخرين في مخيم للنازحين قريب.

وسلطت رواية ثالثة الضوء على الطبيعة الممنهجة لعملية الابتزاز. فسجن دقريس، في مدينة نيالا، مكتظ بآلاف الأسرى الذين نقلوا من الفاشر، وفقا لشخص مطلع على الوضع. وأضاف المصدر أن المحتجزين لا يفرج عنهم إلا من قبل ضابط قوات الدعم السريع الذين أحضرهم، وذلك بعد دفع الفدية من قبل الأصدقاء أو العائلة عبر تطبيق للدفع الإلكتروني. وأوضح المصدر أن نحو 60 محتجزا حشروا في كل زنزانة عادية، بينما حشر ستة أشخاص في كل زنزانة انفرادية. وقال المصدر: “يتعرض السجناء للتعذيب والعنف على أيدي الحراس، وقد توفي العديد منهم”. وأضاف أن الوفيات الناجمة عن سوء المعاملة والأمراض، بما في ذلك الكوليرا، كانت متكررة لدرجة أن مقبرة جماعية بالقرب من السجن امتلأت سريعا.

وفي بيان صدر هذا الأسبوع، ذكرت شبكة أطباء السودان أن أكثر من 5,000 مدني محتجز في نيالا، بمن فيهم سجن دقريس. ومن بينهم كوادر طبية وسياسيون وإعلاميون.

الواشنطن بوست\ القدس العربي

دخول جيش جنوب السودان إلى هجليج… وجوبا تؤكد: قواتنا تحرس الحقل النفطي ضمن اتفاق ثلاثي

قال قائد جيش دولة جنوب السودان، الفريق أول بول نانق، إن بلاده أرسلت قوات إلى منطقة هجليج النفطية الاستراتيجية الواقعة على الحدود مع السودان، بهدف حماية الحقل النفطي، وذلك بعد أيام من سيطرة قوات الدعم السريع عليه، في وقت تتواصل فيه الاشتباكات في إقليم كردفان.

وأوضح نانق، في تصريحات لإذاعة جنوب السودان الحكومية، أن نشر القوات تم بتوافق ثلاثي بين رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وقال نانق: “اتفق القادة الثلاثة على ضرورة حماية منطقة هجليج باعتبارها منطقة استراتيجية مهمة للغاية للبلدين… والآن قوات جيش جنوب السودان هي التي تتولى المهمة ميدانيًا”.

ووفق ما بثّه تلفزيون جنوب السودان، ينص الاتفاق على انسحاب الجيش السوداني أولًا، يعقبه خروج قوات الدعم السريع من المنطقة، لتمكين جيش دفاع شعب جنوب السودان من حماية المنشآت النفطية وضمان عدم تعرضها لأي تخريب.

كما ذكرت صحيفة الموقف الجنوب سودانية أن الاتفاق الثلاثي يهدف إلى تجنيب الحقل أي أضرار في ظل التوترات العسكرية الجارية، مشيرة إلى أن انتشار القوات الجنوبية جاء كخطوة مؤقتة ضمن تفاهمات ميدانية لحماية البنية التحتية النفطية الحيوية.

من جانبها، لم تصدر الحكومة السودانية أو قوات الدعم السريع بيانًا رسميًا يؤكد التوصل إلى اتفاق بشأن هجليج عقب انسحاب الجيش السوداني، بينما أكدت قوات الدعم السريع في تصريحات سابقة أنها تتولى حماية المنشآت النفطية والعاملين في المنطقة منذ سيطرتها عليها.

وتقع هجليج في منطقة حدودية شديدة الحساسية بين السودان وجنوب السودان، وسبق أن كانت محور نزاع مباشر بين الجانبين، خاصة خلال مواجهات عام 2012 عندما سيطرت عليها قوات جنوب السودان لفترة قصيرة قبل أن يستعيدها الجيش السوداني. وتعتبر جوبا أي تغيير في وضعية الحقل النفطي مسألة تمس أمنها القومي مباشرة.

ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة قد تمهد لمفاوضات جديدة بين الأطراف السودانية، مع إمكانية لعب جوبا دور الوساطة، خصوصًا في ضوء سيطرة الدعم السريع على الحقل واحتمال طرح مطالب جديدة تتعلق بتقاسم العائدات النفطية.

وكانت قوات الدعم السريع قد أعلنت في الثامن من ديسمبر الجاري سيطرتها الكاملة على مدينة هجليج النفطية، ما منحها نفوذًا واسعًا في ولاية غرب كردفان بأكملها.

ويعد حقل هجليج من أكبر الحقول النفطية المنتجة في السودان، كما تمر عبره صادرات نفط جنوب السودان، ما يجعله ذا أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة لكلا البلدين.

ومنذ انفصال جنوب السودان في عام 2011، استحوذت جوبا على نحو 75% من احتياطات النفط السودانية، بينما بقيت البنية التحتية للتصدير ومنها أنابيب النفط وميناء بورتسودان تحت سيطرة الخرطوم، الأمر الذي يجعل التعاون بين البلدين أمرًا حيويًا لاستمرار الإنتاج والتصدير.

يوم تاريخي في مسار العدالة: أول محاكمة للجنائية الدولية في صراع دارفور تحكم على الجنجويدي علي كوشيب بالسجن 20 عامًا

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، حكمًا يقضي بسجن القائد السابق في ميليشيا “الجنجويد” السودانية، علي كوشيب (عبد الرحمن)، لمدة 20 عامًا، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال وحشية خلال الصراع الدامي الذي شهده إقليم دارفور بين عامي 2003 و2004.

وخلصت المحكمة إلى أن عبد الرحمن، المعروف أيضًا باسمه الحركي “علي كوشيب”، والذي سلّم نفسه طوعًا للمحكمة في عام 2020، كان أحد كبار قادة ميليشيا الجنجويد وشارك “بشكل فعّال” في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وأدين كوشيب في أكتوبر/تشرين الأول بـ27 تهمة تشمل القتل والتعذيب وتنفيذ عمليات اغتصاب وجرائم مروعة أخرى. ورفض القضاة حجج الدفاع التي زعمت أن سلطته كانت محدودة، معبرين عن تعاطفهم مع الضحايا.

وقالت رئيسة المحكمة، القاضية جوانا كورنر، إن “عبد الرحمن لم يكتفِ بإصدار أوامر أدت مباشرة إلى الجرائم، بل ارتكبها بنفسه أيضًا”. وأضافت أن الحكم بالسجن 20 عامًا يُعتبر حكمًا موحدًا يدخله السجن حتى نهاية حياته على الأرجح، إذ يبلغ من العمر 76 عامًا.

وكان الادعاء قد طالب بالحكم عليه بالسجن مدى الحياة، معتبرًا إياه “قاتلًا بالفأس”، بينما قال الدفاع إن موكله ضحية خطأ في تحديد الهوية، مضيفًا أن أي حكم يتجاوز سبع سنوات يعادل فعليًا السجن المؤبد نظرًا لتقدمه في السن.

تفاصيل الجرائم وشهادات المحكمة

أوضحت القاضية كورنر أن المحكمة “مقتنعة تمامًا بأن المتهم مذنب بما لا يدع مجالًا للشك المعقول”. وخلال تلاوتها تفاصيل الحكم، روت مشاهد مروعة من الاغتصاب الجماعي والانتهاكات والقتل الجماعي، بينها حادثة أمر فيها كوشيب نحو خمسين مدنيًا بالاستلقاء على الأرض قبل أن يأمر قواته بإطلاق النار عليهم.

وأضافت: “لم يكن المتهم يكتفي بإصدار الأوامر، بل شارك شخصيًا في الضرب والإعدامات”. وأكد المدعون العامون أن كوشيب شارك “بحماسة” في ارتكاب الفظائع بصفته قياديًا كبيرًا في ميليشيا الجنجويد.

نفي الاتهامات وتسليم نفسه

أكد المتهم، المولود عام 1949، براءته، قائلاً خلال جلسة في ديسمبر/كانون الأول 2024: “لستُ علي كوشيب، ولا أعرف هذا الشخص”.
وكان عبد الرحمن قد فرّ إلى جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2020 بعد إعلان الحكومة السودانية نيتها التعاون مع المحكمة. وقرر تسليم نفسه طوعًا، موضحًا أنه فعل ذلك خشية أن يُقتل على يد السلطات السودانية.

ارتباطه بالنظام السابق وصراع دارفور

اعتبرت المحكمة عبد الرحمن أحد القادة البارزين في ميليشيا الجنجويد وحليفًا للرئيس السوداني المخلوع عمر البشير. وفي عام 2003، أطلق البشير هذه الميليشيات لقمع تمرد مسلح من مجموعات غير عربية في دارفور، ما أدى إلى مقتل نحو 300 ألف شخص وتشريد 2.5 مليون آخرين، بحسب الأمم المتحدة.

وقال المدعي العام السابق كريم خان إن عبد الرحمن تسبب في “آلام ومعاناة شديدة للنساء والأطفال والرجال في القرى التي اجتاحها”.

وأُطيح بالبشير من السلطة عام 2019 بعد احتجاجات واسعة استمرت لأشهر. وهو يواجه بدوره مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

تداعيات الحكم على الحرب في السودان

شهد السودان منذ أبريل/نيسان 2023 صراعًا جديدًا بين الجيش وقوات “الدعم السريع” التي انبثقت عن ميليشيا الجنجويد. وأسفر النزاع عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين. ويسعى الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية حاليًا إلى إصدار مذكرات توقيف تتعلق بالفظائع المرتكبة في الصراع الدائر.

وتؤكد منظمات حقوقية أن الحرب الجديدة جعلت السودان على شفا المجاعة، فيما يواجه المدنيون انتهاكات جسيمة من الطرفين.

ردود الفعل والرمزية التاريخية للحكم

رحبت مجموعة “محامو الطوارئ” المعنية بتوثيق الفظائع في السودان بالحكم، واعتبرته “يومًا تاريخيًا في مسيرة العدالة السودانية”، مؤكدة أن القرار “يفتح باب الأمل لضحايا الجرائم في دارفور وفي جميع أنحاء البلاد، ويثبت أن الجرائم ضد الإنسانية لن تمر من دون محاسبة”.

ويُعد هذا الحكم أول إدانة تصدرها المحكمة الجنائية الدولية في ما يتعلق بصراع دارفور، الذي بدأ عام 2003 حين تمردت مجموعات من غير العرب على الحكومة المركزية في الخرطوم، متهمة إياها بتهميش الإقليم. وردت السلطات حينها بتسليح ميليشيات عربية لقمع التمرد، ما فجر موجة من الانتهاكات وصفتها منظمات دولية بأنها “إبادة جماعية”.

وكان مجلس الأمن الدولي قد أحال قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005. وتعد هذه المحكمة، ومقرها لاهاي، أول هيئة قضائية دولية دائمة مكلفة بمقاضاة مرتكبي أخطر الجرائم التي يعجز القضاء المحلي عن محاسبتهم عليها.

اليراع / وكالات

سيطرة الدعم السريع على أكبر حقول النفط وانسحاب الشركات الأجنبية: منعطف خطير في مسار الحرب وتهديد مباشر لما تبقّى من اقتصاد السودان وجنوب السودان

في تطور ميداني يُعد من أخطر محطات الصراع السوداني، أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها، صباح الاثنين، على حقل هجليج النفطي الواقع بولاية غرب كردفان جنوبي البلاد، في خطوة تحمل تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة على السودان والمنطقة بأكملها.

وقالت مصادر عسكرية ومحلية إن الهجوم استهدف الموقع الاستراتيجي القريب من حدود جنوب السودان إلى جانب مقر اللواء 90 مشاة التابع للجيش السوداني، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة تسببت في سقوط ضحايا وفق تقديرات أولية.

وأكد مهندس يعمل في القطاع النفطي أن قوات الدعم السريع فرضت سيطرتها على الحقل فجر الاثنين، وأجبرت الفرق الفنية على إغلاق المنشأة ومحطة المعالجة المجاورة، قبل إجلاء العاملين إلى داخل الأراضي الجنوب سودانية.

وفي بيان رسمي، أعلنت قوات الدعم السريع «تحرير منطقة هجليج الاستراتيجية»، واعتبرت أن الخطوة تمثل «منعطفًا حاسمًا في مسار تحرير كامل تراب الوطن لما تحمله هجليج من أهمية اقتصادية كبيرة».

من جانبه، أوضح مصدر عسكري في الجيش السوداني لوكالة فرانس برس أن القوات انسحبت من المنطقة «تجنّبًا لتدمير المنشآت النفطية»، فيما أكدت مصادر أخرى انسحاب القوات الحكومية والعاملين قبل يوم من الهجوم لتفادي خسائر مادية جسيمة.

انعكاسات ميدانية واقتصادية

تُعد هجليج أكبر حقول النفط في السودان، وتشكل عقدة رئيسية لضخ الخام المنتج من جنوب السودان عبر خط الأنابيب المتجه إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر. ويمثل فقدان السيطرة عليها ضربة قاصمة لقطاع الطاقة السوداني، لاسيما بعد فقدان حقل بليلة في المنطقة نفسها منتصف العام الجاري.

وتشير بيانات أميركية إلى أن إنتاج حقل هجليج تراجع إلى نحو 20 ألف برميل يوميًا، مقارنة بذروة الإنتاج التي بلغت 60 ألف برميل عام 2012.

بحسب مراقبين، فإن سقوط هجليج يأتي في ظل تآكل نفوذ الجيش غرب البلاد بعد سيطرة الدعم السريع مؤخرًا على كامل إقليم دارفور، مما يفتح الباب أمام تعزيز موقعها العسكري والتفاوضي، خصوصًا في محيط العاصمة الخرطوم.

وأفادت تقارير بأن شركة البترول الوطنية الصينية بدأت فعليًا إجراءات الانسحاب من أنشطة النفط في السودان وجنوب السودان، معتبرة تصاعد الحرب سببًا قهريًا أوقف العمل في اتفاقيات «تقاسم الإنتاج» و«نقل الخام»

تداعيات إنسانية متصاعدة

على الصعيد الإنساني، أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن قرابة 450 شخصًا نزحوا يوم الجمعة الماضي فقط من مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بسبب تدهور الوضع الأمني. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان أو إلى خارجه منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

في المقابل، اتهمت قوات الدعم السريع الجيش السوداني بارتكاب قصف جوي على معبر أدري الحدودي مع تشاد، بينما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين وتضليل الرأي العام عبر الحملات الإعلامية.

تراجع استثمارات النفط وانسحاب الشركات الأجنبية

أفادت مصادر إعلامية سودانية أن شركة البترول الصينية و”بترو إنيرجي” طلبتا عقد اجتماع عاجل لبحث إنهاء اتفاقيات النفط المشتركة في حقل بليلة، مؤكدة أن استمرار الحرب جعل العمل «غير ممكن».

وتُدار الحقول النفطية السودانية منذ عقود عبر شراكات بين الحكومة السودانية وشركات من الصين وماليزيا، إلا أن النزاع الدموي أدّى إلى انسحاب الاستثمارات وتوقف الصيانة والإنتاج في معظم المربعات الغنية بالنفط.

ويرى محللون أن انسحاب الشركات الأجنبية يفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعانيها السودان، حيث تمثل عائدات النفط مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة، ومع توقف الصادرات سيتضاعف الضغط على الاقتصاد المنهك، ويرتفع التضخم وأسعار الوقود والسلع الأساسية.

أبعاد استراتيجية

تقع هجليج على بعد 45 كيلومترًا من منطقة أبيي المتنازع عليها، ما يمنحها أهمية جغرافية إضافية بحكم قربها من الحقول المشتركة مع جنوب السودان. كما تتداخل مصالح جوبا والخرطوم في ضمان استمرار خط الأنابيب الذي يُعد شريان الحياة الاقتصادي للبلدين.

ويرى مراقبون أن هذا التطور يعكس تحول التوازنات داخل السودان بعد 33 شهرًا من الحرب، وأن خسارة الجيش لحقل هجليج تمثل انتكاسة استراتيجية قد تعجّل بتحولات سياسية وإقليمية واسعة.

اتهامات جديدة للدعم السريع بالاغتصاب الجماعي لنازحات من الفاشر

افادت شبكة أطباء السودان عن عمليات اغتصاب لنساء نازحات من الفاشر، متهمة أفراد من قوات الدعم السريع بارتكابها. كما اتهم مسؤول محلي تلك القوات بقصف روضة أطفال ومستشفى في ولاية كردفان ما أدى إلى مقتل أطفال.

أسفر هجوم نفذته قوات الدعم السريع بمسيّرة على بلدة كلوقي في ولاية جنوب كردفان في السودان عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم أطفال، بحسب ما أفاد مسؤول محلي وكالة فرانس برس اليوم الأحد (السابع من كانون الأول/ ديسمبر 2025).

 وقال الرئيس التنفيذي لوحدة كلوقي الإدارية عصام الدين السيد لفرانس برس في اتصال عبر ستارلينك: إن المسيّرة قصفت ثلاث مرات الخميس، “الأولى في روضة الأطفال ثم المستشفى وعادت للمرة الثالثة قصفت والناس يحاولون إنقاذ الأطفال”. وحمّل قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، مسؤولية الهجوم.

 وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) يوم الخميس إن الهجوم أسفر عن مقتل أكثر من عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات، في حين قدرت وزارة الخارجية السودانية، عدد القتلى بحوالي 79 شخصا، بينهم 43 طفلا.

 ومن الصعب التحقق من المعلومات الواردة من منطقة كردفان بشكل مستقل، بسبب القيود المفروضة على الوصول إليها وانعدام الأمن المستمر.

 وقال شيلدون يت ممثل اليونيسف في السودان إن “قتل أطفال في مدرستهم انتهاك مروّع لحقوق الطفل”، وحث جميع الأطراف على وقف الهجمات والسماح بالوصول الإنساني.

 وبعد سيطرتها على الفاشر، آخر معاقل الجيش في غرب السودان، في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، نقلت قوات الدعم السريع هجومها شرقا، إلى منطقة كردفان الغنية بالنفط. وأفادت الأمم المتحدة بأنّ أكثر من 40 ألف شخص نزحوا من المنطقة خلال الشهر الماضي.

 ويرى محللون أنّ هجوم الدعم السريع يهدف إلى كسر القوس الدفاعي للجيشحول وسط السودان والتمهيد لمحاولة استعادة المدن الكبرى، بما في ذلك الخرطوم، التي استعادها الجيش في الربيع.

 ومنذ نيسان/أبريل 2023، تسبّبت الحرب في السودان بمقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليونا وبـ”أسوأ أزمة إنسانية” في العالم، وفق الأمم المتحدة.

توثيق عمليات اغتصاب

أفادت شبكة أطباء السودان، امس الأحد، بأنها وثقت 19 حالة للاغتصاب من قبل الدعم السريع بمعسكر العفاض بمدينة الدبة. وقالت  شبكة أطباء السودان، في بيان صحفي امس إن “فريقها بمعسكر العفاض بالدبة وثق تعرض 19 امرأة للاغتصاب أثناء نزوحهن من مدينة الفاشرإلى مدينة الدبة بالشمالية، على يد أفراد ينتمون للدعم السريع. وتشير المعلومات إلى أن اثنتين من المتضررات حاملتان وتتلقيان حاليا رعاية صحية خاصة تحت إشراف فرق طبية محلية”.

وأدانت الشبكة بـ “أشد العبارات عملية الاغتصاب الجماعي التي تمارسها الدعم السريع على النساء الفارات من جحيم الفاشر”، مؤكدة أنها “استهداف مباشر للنساء، في تعدٍ واضح لكل القوانين الدولية التي تجرم استخدام أجساد النساء كسلاح لقهرهن”.

ورأت الشبكة أن “استمرار مثل هذه الجرائم يعكس تطورا خطيرا في التعدي على الفئات الأكثر ضعفا”، مؤكدة أن “صمت المجتمع الدولي على هذه الممارسات البشعة يشجع على تكرارها واستفحال آثارها”. وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والآليات الحقوقية المختصة بـ “توفير حماية فاعلة للنساء والأطفال في مسارات النزوح والعبور، وإرسال فرق تحقيق مستقلة لتقصي الحقائق، وضمان وصول آمن للمساعدات الإنسانية والطواقم الطبية”.

ودعت الشبكة إلى “ممارسة ضغوط جادة على قادة الدعم السريع لوقف هذه الاعتداءات فورا، واحترام القانون الدولي الإنساني، وتأمين ممرات آمنة للنساء والأطفال”.

المصدر: DW

احتدام المعارك في كردفان وارتفاع ضحايا قصف الدعم السريع روضة أطفال ومستشفى في كلوقي إلى 80 قتيلا بينهم 43 طفلا

أعلنت السلطات السودانية، الجمعة، ارتفاع حصيلة ضحايا قصف بطائرات مسيرة تابعة لقوات “الدعم السريع” وحركة متحالفة معها، على مواقع مدنية بمدينة كلوقي في ولاية جنوب كردفان جنوبي البلاد، إلى 79 قتيلا بينهم 43 طفلا، إضافة إلى 38 مصابا.

وقالت حكومة الولاية، في بيان، إنها “تندد بأشد العبارات بالجريمة البشعة” التي نفذتها “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، بالتنسيق مع “مليشيا الدعم السريع”، مشيرة إلى أن الهجوم تم عبر 4 صواريخ أطلقتها طائرة مسيرة، واستهدفت روضة أطفال ومستشفى قدير ومناطق مكتظة بالسكان.

وأضاف البيان: “أسفر القصف عن استشهاد 79 مواطنا، بينهم 43 طفلا، و4 نساء، بجانب 38 جريحا، بينهم 11 طفلا و6 نساء”.
بينما قال مدير محلية كلوقي في ولاية جنوب كردفان بالسودان للجزيرة إن عدد ضحايا قصف قوات الدعم السريع لمدينة كلوقي ارتفع إلى 80 قتيلا بينهم 46 طفلا، موازاة مع احتدام المعارك في كردفان وتحذير الأمم المتحدة من الوضع الكارثي جراء الحرب.

وطالبت حكومة الولاية المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية باتخاذ موقف حازم إزاء هذه الانتهاكات، وتصنيف “الدعم السريع منظمة إرهابية”، ومحاسبة حلفائها على ما وصفتها بـ”الجرائم اللاإنسانية”.

جاء ذلك بالتزامن مع اتهام شبكة أطباء السودان، قوات “الدعم السريع” وحركة متحالفة معها بقتل 9 أشخاص وإصابة 7 آخرين إثر هجوم بمسيرات على مرافق مدنية بمدينة كلوقي.

من جهتها اصدرت وزارة الخارجية  السودانية بيان الجمعة قالت فيه أن قوات الدعم السريه نفذت ما وصفتها بالجريمة البشعة بطريقة تؤكد أن هدفها كان هو إيقاع أكبر عدد من القتلى بين المدنيين.

وذكر البيان : ان قوات الدعم السريع “قصفت في البداية روضة أطفال بصواريخ من طائرة مسيرة مما أدى إلى مقتل عدد كبير من التلاميذ، وعندما هب المواطنون لإنقاذ الأطفال المصابين عاودت المليشيا قصف الروضة لتقتل عددًا منهم  بمن فيهم أطفال لم يصابوا في المرة الأولى”. 

وأردف: “ولم تكتف المليشيا بذلك بل لاحقت الضحايا والمسعفين في المستشفى  الريفي الذي نقل إليه المصابون بالقصف، ليرتفع عدد الضحايا إلى 79 قتيلًا و38 من الجرحى”.

وقالت زارة الخارجية إن استهداف الأطفال والمصابين بهذه “الطريقة الإرهابية الفظيعة سابقة لم يعرف العالم مثيلاً لها، حتى من أشد جماعات الإرهاب. وتقدم دليلًا جديدًا على أن المليشيا تترجم تجاهل المجتمع الدولي لفظائعها المتواصلة بأنه تشجيع وإقرار لتلك الجرائم”، على جد قول البيان.

وحملت الخارجية السودانة من سمتهم “رعاة المليشيا” ومجلس الأمن بالأمم المتحدة والفاعلين الدوليين المسؤولية عن استمرار هذه المجازر، مشيرة إلى عجز مجلس الأمن والأطراف الدولية المعنية عن مجرد متابعة تنفيذ قرار المجلس برفع الحصار عن الفاشر ووقف الهجوم عليها،  وتجاهلوا التحذيرات المتتالية من إبادة جماعية وشيكة بالمدينة. واكتفوا بعد وقوع الإبادة الجماعية التي لاتزال مستمرة، بإدانات لفظية لم تترجم لإجراءات تحد من قدرة المليشيا الإرهابية من ارتكاب مثل هذه الفظائع، وفق البيان.

وقالت: “كل ذلك يؤكد أنه لا سبيل للتعايش مع هذه المليشيا التي تفتقد أدنى درجات الحس الإنساني والالتزام بأي عرف أو قانون”، جسبما ذكر البيان.

ولم يصدر عن “قوات الدعم السريع” والحركة الشعبية المتحالفة معها أي تعليق بهذا الخصوص، لكنهما عادة ما يدعيان تجنب إلحاق أذى بالمدنيين خلال الحرب الدائرة في البلاد منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023.
وقال مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، الخميس، إن المفوضية أحصت “مقتل 269 مدنيا على الأقل بسبب الغارات الجوية والقصف والإعدامات الميدانية” في شمال كردفان منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول”.

وأضاف “إنه أمر صادم حقا أن نرى التاريخ يتكرر في كردفان بعيد الأحداث المروّعة التي جرت في الفاشر”، متابعا “ينبغي ألا نسمح بتكرار ما جرى في الفاشر” حيث وقعت فظائع نسبت إلى قوات الدعم بعد سيطرتها على المدينة.

احتجاز أسر

من جهتها، أفادت شبكة أطباء السودان بأن قوات الدعم السريع تحتجز أكثر من 100 أسرة من مدينة بابنوسة والقرى المحيطة بها غربي كردفان، بينهم أطفال وحوامل في ظروف إنسانية بالغة الخطورة.

وأشارت الشبكة إلى تعرض عدد من المحتجزين، خصوصًا النساء، للضرب والإهانة بتهمة انتماء ذويهم للجيش.

وأضافت أن احتجاز المدنيين وتعريضهم لسوء المعاملة يشكّل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ويعمّق الكارثة الإنسانية التي تعيشها المنطقة.

وبعدما أعلنت قوات الدعم السريع الاثنين السيطرة على مدينة بابنوسة الغنية بالنفط في غرب كردفان، والتي تعتبر آخر معاقل الجيش السوداني في الولاية، نفى الأخير ذلك الثلاثاء، قائلا إن وحداته صدّت هجوما لقوات الدعم.

مدنيون تحت الحصار

في السياق ذاته، حذر المدير الإقليمي لمفوضية اللاجئين في شرق وجنوب أفريقيا مامادو ديان بالدي من أن تصاعد الاشتباكات في إقليم كردفان بالسودان بعد مدينة الفاشر يُبقي المدنيين تحت الحصار.
وتشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، منذ أسابيع، اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني و”الدعم السريع” أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.

ومن أصل 18 ولاية بعموم البلاد، تسيطر “الدعم السريع” على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس غربا، عدا بعض الأجزاء الشمالية من ولاية شمال دارفور في قبضة الجيش، الذي يسيطر على معظم مناطق الولايات الـ 13 المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.

وتتفاقم المعاناة الإنسانية جراء حرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اندلعت في أبريل 2023 بسبب خلاف بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، ما تسبب بمقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص.

اليراع\ الاناضول\ الجزيرة

الكونغرس الأمريكي على أعتاب تصنيف الإخوان «إرهابيين عالميين»: عشرات الدول بينها السودان في مرمى النار

في تطور تشريعي لافت يحمل تداعيات إقليمية واسعة، صادقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي على مشروع قانون يُلزم الإدارة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في عدد كبير من الدول كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، في انسجام غير مسبوق مع مواقف دول عربية محورية مثل مصر والسعودية والإمارات والأردن. ويأتي هذا التحرك في لحظة سياسية حساسة تعيد فيها واشنطن تقييم مقاربتها لجماعات الإسلام السياسي، بعد سنوات من الجدل حول دور الإخوان وشبكاتهم العابرة للحدود وتأثيرها على الاستقرار في الشرق الأوسط والعواصم الغربية على حد سواء.
المقترح الذي قدّمه النائبان ماريو دياز–بالارت (جمهوري عن فلوريدا) وجاريد موسكوفيتز (ديمقراطي عن فلوريدا) حظي بتأييد كامل من الأعضاء الجمهوريين، إضافة إلى دعم ما يقرب من نصف الديمقراطيين في اللجنة، في مشهد نادر من التوافق بين الحزبين في قضية تتعلق بالأمن القومي. ولو تم إقراره، فإن «قانون تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً لعام 2025» سيلزم الإدارة بإضافة جماعة الإخوان وأي من فروعها أو الكيانات التابعة لها الناشطة في عشرات الدول – ومن بينها السودان ومصر واليمن وتونس والمغرب والأردن وقطر وتركيا ولبنان – إلى قائمة المنظمات الإرهابية التي تعتمدها وزارة الخارجية الأميركية.

وينتقل مشروع القانون الآن إلى الجلسة الكاملة لمجلس النواب لمناقشته، في حين ينتظر مشروع موازٍ يقوده السيناتور تيد كروز (جمهوري عن تكساس) أن يُقدَّم رسمياً في مجلس الشيوخ.

انقسام في الكونغرس حول الأمن القومي وحقوق المواطنين

في حين أشاد المؤيدون بمشروع القانون باعتباره اعترافًا متأخرًا بدور جماعة الإخوان في تأجيج التطرف عبر العالم الإسلامي، حذر المنتقدون من أن نطاق القانون الواسع قد يؤدي إلى الخلط بين النشاط الديني السلمي والإرهاب. حذر العضو البارز في اللجنة، غريغوري ميكس (ديمقراطي من نيويورك)، من أن التشريع قد يستهدف المجتمعات المسلمة بشكل غير عادل ويضر بالعلاقات الأميركية مع دول مثل قطر وتركيا، التي لها علاقات مع منظمات مرتبطة بالإخوان.
وقال ميكس: «أنا قلق جدًا بشأن الآثار الداخلية لهذا القانون، فالأحكام الشاملة المتعلقة بالتأشيرات والتصنيفات قد تفضي إلى حظر غير مباشر على المسلمين، مما يعرض ملايين الأشخاص لتدقيق تعسفي.»
غير أن المشارك في تقديم المشروع، النائب جاريد موسكوفيتز، رفض هذه المخاوف، مؤكدًا أن «حلفاءنا في المنطقة—السعودية، الأردن، مصر، والإمارات حظروا جميعهم جماعة الإخوان. هم يعرفون حقًا ما تمثله الجماعة. لقد حان الوقت لتلحق الولايات المتحدة بذلك

نقطة تحول في السياسة الأمريكية المضادة للإسلاموية

يأتي الدفع التشريعي هذا في أعقاب أمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترامب، يوجه فيه وزارة الخارجية ووزارة الخزانة لتقييم فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان لإمكانية تصنيفها. ويُعد هذا التحرك، حسب مصادر مطلعة، أحد أبرز إعادات الترتيب في مجال الأمن القومي خلال الولاية الثانية لترامب.

وبرزت جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928، كحركة عالمية تدعو إلى الوحدة الإسلامية الشاملة والإسلام السياسي تحت شعار الإصلاح المجتمعي. وبمرور الزمن، بنت الجماعة شبكة واسعة من الفروع والكيانات التابعة بعضها، مثل حركة حماس، وجماعات سرية متهمة بالمشاركة مباشرة في أعمال إرهابية.

ولعقود، عاملت الإدارات الأمريكية الإخوان كـ«بديل غير عنيف» عن الجماعات الجهادية مثل القاعدة أو داعش. غير أن المسؤولين والمحللين يرون الآن أن النهج البراغماتي للإخوان – الذي يعتمد على المشاركة السياسية وشبكات الطلاب والمنظمات المدنية للتأثير في المؤسسات – يمثل شكلاً أكثر خفاءً من التطرف يقوض المعايير الديمقراطية من الداخل.

التداعيات الداخلية في امريكا والدولية

إذا تم التصديق النهائي على التصنيف، فسيؤدي إلى فرض عقوبات قانونية ومالية شاملة، تشمل تجميد الأصول وحظر التأشيرات، وتدقيقاً أكبر للمنظمات أو الأفراد المشتبه في صلاتهم بكيانات تابعة لجماعة الإخوان. ويرى المحللون أن هذا الإجراء قد يعيد تشكيل استراتيجيات الولايات المتحدة في التعامل مع الدول ذات الأغلبية المسلمة، مما قد يضغط على العلاقات مع قطر وتركيا، أبرز داعمتي الجماعة.

غير أن المؤيدين يصرون على ضرورة إعادة التوازن. وقال أحد موظفي الكونغرس: «هذا ليس استهدافاً للدين، بل مواجهة لحركة أيديولوجية تستغل المساحة الديمقراطية لتحقيق أجندة غير ديمقراطية.»

كما واصلت اللجنة التقدم بتشريعات مصاحبة تتناول معاداة السامية في أوروبا، وعقوبات على علماء دين إيرانيين أصدروا دعوات للعنف ضد الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأكد المشرعون أن هذه الإجراءات جزء من استراتيجية أوسع لتنسيق الردود الأمريكية على التطرف العابر للحدود والتطرف الأيديولوجي المتزايد.

الزخم العالمي ونهاية التردد الاستراتيجي

تنضم الولايات المتحدة الآن إلى مجموعة متزايدة من الدول التي تعيد تقييم موقفها تجاه جماعة الإخوان. فقد صُنفت دول مثل النمسا والإمارات العربية المتحدة جماعة الإخوان ككيان إرهابي بعد تحقيقات كشفت عن محاولات للتسلل إلى المؤسسات التعليمية والخيرية والسياسية. ولم تعد الحكومات الأوروبية، التي كانت مترددة في البداية خوفًا من وصم المجتمعات المسلمة، تتجاهل النزعات السلطوية والمعادية للتعددية داخل الجماعة.

ويشير الخبراء إلى أن قرار واشنطن قد يحفز تحركات مماثلة بين حلفاء الولايات المتحدة. وقال أحد المحللين الأمنيين الأوروبيين: «إذا قامت الولايات المتحدة بتصنيف الإخوان، فلن يخلق ذلك سوابق قانونية فحسب، بل سيمنح أيضًا تفويضًا أخلاقيًا للديمقراطيات الأخرى لمواجهة التطرف الأيديولوجي الذي يستغل انفتاحها.»

وقد نفى قياديو الجماعة، الذين يتخذون من تركيا مقرًا لهم، وجود روابط تنظيمية مباشرة بين فروعهم الدولية، مؤكدين أن الفروع المحلية تعمل بشكل مستقل وفقًا لقوانين البلدان التي تتواجد فيها. مع ذلك، واصلت منصات الجماعة على الإنترنت تمجيد شخصيات تنتمي لجماعات ارهابية في المنطقة وعالميا، واصفة في كثير من الاحيان تطرفهم بأنها «بطولية» و«ملهمة» وهي لغة يرى المحللون أنها تقوض ادعاءاتهم بعدم العنف.

وسواء نجحت المبادرة في الكونغرس أو توقفت في مجلس الشيوخ، فإن الجدل يشير إلى تحوّل جوهري. بعد عقود من عدم اليقين والحذر الدبلوماسي، يبدو أن واشنطن مستعدة لمواجهة الإسلام السياسي كتهديد أمني عالمي وهو تهديد لم يعد يختبئ وراء الفاصل الدلالي بين «المعتدل» و«المسلح.»

مع اختتام عصر التردد الاستراتيجي، قد تكون الولايات المتحدة على وشك إعادة تشكيل نهجها الكامل تجاه الحركات الإسلامية مختبرة ما إذا كانت الديمقراطيات الغربية قادرة على الدفاع عن مبادئها دون المساومة على تعدديتها.