شراء السعودية للذهب السوداني جبهة إضافية على خط المواجهة مع الإمارات ام استبدال ادوار ؟

اليراع – مونت كارلو الدولية:

استخلص مقال لموقع “كوريه إنترناسيونال”، استنادا إلى تقارير متعددة، أن السعودية ستتولى شراء الذهب السوداني عبر إنشاء محور جديد لتجارة المعادن الثمينة، ما يعكس نيتها توسيع نفوذها في قطاع الموارد في إفريقيا وإقصاء منافسها الإماراتي.

شراء إنتاج الذهب السوداني

وقد اتفق وزير الصناعة السعودي بندر الخريف ونظيره السوداني نور الدائم طه على أن تتمكن مصفاة الذهب الحكومية السعودية من شراء إنتاج الذهب السوداني مباشرة، كما يعتزم البلدان تعزيز التعاون في التنقيب وإدارة الموارد المعدنية.

في هذا السياق، أفادت السلطات السودانية بأن اتصالات إضافية قد جرت بالفعل في السعودية، حيث التقت وفود سودانية تضم مسؤولين من قطاع الموارد المعدنية برئيس شركة مصفاة الذهب السعودية، الشركة الكبرى المتخصصة في التنقيب عن الذهب وإنتاجه. وأكدت الشركة للوفد السوداني قدرتها على بدء عمليات شراء الذهب السوداني فورا، بالاعتماد على مختبراتها المتكاملة وشبكة لوجستياتها.

منازعة سيطرة دبي على سوق الذهب

ومن شأن هذا الاتفاق أن يجعل السعودية لاعبا مهما في تجارة الذهب بإفريقيا، بما يتماشى مع استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتحويل المملكة إلى فاعل رئيسي في القطاع التعدين العالمي، كما هي بالفعل في قطاع الطاقة.

إضافة إلى ذلك، يأتي هذا التقارب مع السودان في سياق توترات جيوسياسية كبيرة، إذ سيسمح “نظريا” بتحويل الذهب السوداني بعيدا عن الإمارات، ما يتيح للرياض فرصة منازعة السيطرة الطويلة الأمد لدبي على صادرات الذهب في شرق ووسط إفريقيا.

لكن الإحصاءات الرسمية أظهرت أن السودان صدر فقط 20 طنا من الذهب عبر القنوات الرسمية من إجمالي إنتاج بلغ 70 طنا في عام 2025، وفق تصريحات رسمية.

ويمثل هذا التطور تحولا مهما بالنسبة إلى الخرطوم أيضا، التي اعتمدت لفترة طويلة على دبي بوصفها الوجهة الرئيسية لصادراتها من الذهب.

روسيا على الخط 

وكانت وكالة (اسبوتنيك) الروسية قد اوردت تصريح لسليمان بن صالح العثيم، رئيس مجلس إدارة “مصفاة الذهب” السعودية، على هامش فعاليات مؤتمر التعدين الدولي في العاصمة السعودية الرياض الاسبوع الماضي،أكد فيها أن المملكة منفتحة على التعاون مع الدول كافة، بما في ذلك روسيا، للاستثمار في قطاع التعدين، في إطار تعزيز دور المملكة كمركز عالمي للمعادن والاستثمار الصناعي .
وحسب تصريحات وزارة الصناعة والثروة المعدنية يبلغ حجم إنتاج الذهب على مستوى شركات التعدين بالمملكة نحو 6 ملايين أونصة، وتحظى شركة مصفاة الذهب السعودية على 25% من هذه الحصة، حيث حققت خلال عام 2025 إنتاجاً بلغ 1.5 مليوناً أونصة مقارنة بمليون أونصة مستهدفة، وتستهدف انتاج للعام 2026 كما هو عند مليون أونصة.
كما كشفت في وقت سابق الذراع الاستثمارية الدولية لشركة مصفاة الذهب السعودية انها حصلت على مساحة امتياز تبلغ 1200 كيلومتر مربع في إثيوبيا، مع استمرارها في التوسع بفرص استثمارية خارجية ضمن استراتيجية تستهدف امتلاك وتشغيل كامل الخدمات الفنية داخل الدول المستهدفة لرفع سرعة الاستثمار حسب بيانها.

دوقة إدنبرة: العالم يتجاهل ألف يوم من الحرب في السودان

“لا يمكننا محو الفظائع التي وقعت خلال الأيام الألف الماضية، لكن يمكننا أن نُشكّل ما سيأتي بعدها” “دوقة إدنبرة”

سلّطت صوفي، دوقة إدنبرة، الضوء على مأساة الحرب في السودان مع بلوغها ألف يوم، في مقال نادر نشرته صحيفة ذا تلغراف بعنوان “العالم يتجاهل حرب السودان”، وأكدت أن هذا النزاع، الذي اندلع في أبريل/نيسان 2023، تحوّل إلى أخطر أزمة إنسانية في العالم وسط ضعف الاهتمام الدولي.

واستعادت الدوقة زيارتها في أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى مدينة أدرِه التشادية على الحدود مع السودان، حيث التقت لاجئين فرّوا من العنف، ونقلت شهادات صادمة عن فقدان عائلات بأكملها، وعن نساء تعرّضن للاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والماء، في حرب أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص وشرّدت نحو 13.6 مليون، بينهم ملايين لجأوا إلى دول الجوار.

ورغم حجم المأساة، قالت صوفي إن ما منحها الأمل هو “القوة الاستثنائية” التي لمستها لدى النساء اللاجئات، اللواتي يضطلعن بدور أساسي في رعاية الأطفال وإعادة بناء المجتمعات.

ودعت، بصفتها مناصرة لأجندة “المرأة والسلام والأمن” في الأمم المتحدة، إلى تكثيف الجهود الدولية لإنهاء النزاع، مؤكدة أن بلوغ ألف يوم من الحرب يجب أن يشكّل نقطة تحوّل لحماية المدنيين ودعم مسار السلام في السودان، وفيما يلي نص المقال والشهادة التي كتبتها الدوقة صوفي المنتمية للعائلة المالكة البريطانية، وزوجة الأمير إدوارد دوق إدنبرة والشقيق الأصغر للملك تشارلز الثالث.

قبل عام، وأنا أقف على الحدود مع السودان، شاهدتُ سيلا لا يُحصى من الناس يشقّون طريقهم سيراً على الأقدام أو على عربات تجرّها الحمير إلى تشاد المجاورة، بعضهم كان يسافر مع عائلته، فيما كان آخرون بمفردهم، وفي هدوء تلك اللحظة، انتابني ارتعاش وأنا أحاول أن أتخيّل ما اختبره هؤلاء الناس المنهكون والمصدومون نفسياً، وما رأوه، بعدما فرّوا من بلداتهم ومن وحشية الميليشيات المتقاتلة.

لكن هؤلاء كانوا المحظوظين؛ فقد تمكنوا من الوصول إلى قدر من الأمان النسبي في مدينة أدرِه، وهي بلدة حدودية في تشاد، حيث استقبلهم السكان المحليون، بدعم من منظمات محلية ودولية وفّرت لهم الغذاء والماء والمأوى.

لقد ارتفع عدد سكان أدرِه من أربعين ألف نسمة إلى أكثر من مئتي ألف، مع فرار السودانيين من أعمال العنف.

وخلال زيارتي إلى مخيم العبور في “أدرِه”، سمعتُ قصصا عن فقدان عميق وصمود لافت، أطفال صغار قُتلت عائلاتهم بأكملها بطرق لا يمكن وصفها، وأمهات شهدن مقتل أزواجهن وأبنائهن، ونساء تعرّضن للاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والماء.

كانت رواياتهن الشخصية، الصادمة في عمقها، تعكس تجارب عدد لا يُحصى من الآخرين، وكانت أعينهن تروي حكايات فظائع لا ينبغي لأي إنسان أن يراها: “جثث مكدّسة كالجدار، عائلات أُغرقت تحت تهديد السلاح، أطفال شُطروا إلى نصفين، ونساء تعرّضن للاغتصاب والضرب، أما من تمكنوا من الفرار، فيعيشون في خوف دائم من أن يُقتلوا لاحقا”.

ومع دخول العالم عاما جديدا، نواجه محطة قاسية ومروّعة من 1000 يوم من النزاع في السودان، وخلال هذه الفترة، تحولت الأزمة إلى أشد أزمة إنسانية في العالم، إنها لحظة ينبغي أن تدفعنا إلى التوقف والتأمل، ليس فقط بسبب حجم المعاناة، بل لأن هذه الكارثة تطورت وسط قدر ضئيل للغاية من الاهتمام العالمي.

إن المساعدات الطارئة وحدها لا يمكنها معالجة ضخامة هذا الوضع، بل إن الوكالات العاملة هناك بلغت حدّ الإنهاك، فالمجموعات المحلية، والمنظمات الإنسانية، والتجمعات السودانية التي تقودها النساء، تفعل ما في وسعها في مواجهة أعداد هائلة من الأشخاص الذين فقدوا أحبّاءهم ومنازلهم وسبل عيشهم، والذين يحتاجون إلى الدعم الآن وسيحتاجونه لسنوات طويلة مقبلة.

يجب أن تُمنح الفتيات اللواتي انقطع تعليمهن فرصة العودة إلى المدارس، كما يحتاج النساء والرجال والأطفال الذين عانوا من عنف جنسي لا يمكن تصوره إلى الوصول إلى الخدمات الصحية، وإلى أماكن آمنة، وإلى دعم يساعدهم على التعافي واستعادة كرامتهم، فهذه ليست كماليات، بل متطلبات إنسانية أساسية.

ومع ذلك، وحتى في مثل هذه الظروف اليائسة، فإن أكثر ما بقي عالقا في ذهني هو القوة الاستثنائية التي شهدتها، ففي إحدى وحدات الحماية المتنقلة التابعة لمنظمة (بلان إنترناشونال)، التقيتُ بنساء فررن من النزاع يَقمن الآن برعاية أطفال انفصلوا عن عائلاتهم، لقد ذكّرني صمودهن وقيادتهن الهادئة بما شهدته مرارا وتكرارا وهو أن النساء يشكّلن محورا أساسيا ليس فقط للبقاء في الأزمات، بل أيضا لإعادة البناء والسعي نحو سلام دائم، وعندما يتم دعمهن وتمكينهن، تصبح المجتمعات بأكملها أكثر قدرة على التعافي.

وبوصفي نصيرة لأجندة المرأة والسلام والأمن داخل البلاد وخارجها، فقد شهدتُ تفاني وتعاطف المجتمع الدولي، لكننا بحاجة ملحّة إلى المساعدة في إنهاء هذا النزاع المدمّر من أجل إنقاذ الأرواح، والسماح للعائلات السودانية بالعودة لإعادة بناء مستقبلها في أمان.

لا يمكننا تغيير الأيام الألف الماضية، لكن هذه المحطة القاسية تذكّرنا بالفرصة المتاحة أمام المنظمات التي تعمل بلا كلل على الأرض لتشكيل ما سيحدث لاحقاً، فمن خلال الوقوف إلى جانب هؤلاء الأفراد الاستثنائيين، بمن فيهم صانعات السلام والمنظمات التي تقودها النساء، يمكننا المساعدة في ضمان أن تُسمَع أصوات واحتياجات المتضررين من النزاع وأن تحظى بالتقدير، إن شجاعتهم تذكير قوي بأنه حتى في أشد الظروف صعوبة، يمكن للأمل أن يصمد.

إن شعب السودان يستحق تعاطفنا، واهتمامنا، وتضامننا وقبل كل شيء، يستحق أن يعلم أن العالم لم ينسه، وأن السعي إلى السلام لا يزال ممكنا.

مونت كارلو الدولية

بعد أكثر من نصف قرن.. ناسا تستعد للعودة إلى القمر في مهمة تاريخية مأهولة

بعد أكثر من نصف قرن على آخر خطوة للإنسان على سطح القمر، تقف البشرية من جديد على أعتاب لحظة تاريخية، إذ تقترب وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” من إطلاق مهمة “أرتميس 2” (Artemis II)، التي تمثل أول رحلة مأهولة تحلق حول القمر منذ عام 1972، في عودة طال انتظارها إلى مسرح شكل ذروة الطموح الإنساني في القرن العشرين، وأعاد في الوقت نفسه إشعال الجدل والتشكيك حول حقيقة الهبوط السابق على القمر.

ووفق الجداول الزمنية الحالية، قد تنطلق المهمة في غضون أسابيع قليلة، إن اجتازت المراحل النهائية من الاختبارات. وستنطلق الرحلة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا على متن مركبة “أوريون” المثبتة فوق صاروخ “نظام الإطلاق الفضائي (SLS)”، وهو أقوى صاروخ بنته ناسا حتى اليوم.

end of list

وفي رحلة تستغرق قرابة عشرة أيام، يدورون أثناءها حول القمر ثم يعودون إلى الأرض دون هبوط، ستحمل المركبة أربعة رواد فضاء، هم:

صاروخ أوريون الذي سيحمل مركبة المهمة “أرتميس 2” إلى مدارها حول القمر (ناسا)
  • ريد وايزمان: قائد المهمة والمسؤول عن قيادة المركبة وسلامة الطاقم.
  • فيكتور غلوفر: الطيار والمسؤول عن تشغيل المركبة والملاحة.
  • كريستينا كوخ: أخصائية مهمة، تدعم الأنظمة وتنفيذ المهام التقنية.
  • جيريمي هانسن: أخصائي مهمة، يشارك في تشغيل الأنظمة وتنفيذ المهام التشغيلية.

وتحمل هذه المهمة رمزية خاصة، ليس فقط لأنها أول رحلة مأهولة إلى جوار القمر منذ برنامج “أبولو”، بل لأنها تمهد لمرحلة جديدة تسعى فيها ناسا إلى إنزال أول امرأة وأول شخص من ذوي البشرة الملونة على سطح القمر في مهمة “أرتيميس 3” المقبلة.

وجود كريستينا كوخ ضمن الطاقم يعكس هذا التحول، فهي واحدة من أكثر رائدات الفضاء خبرة في المهمات طويلة الأمد، وقد سبق لها تسجيل رقم قياسي في البقاء المتواصل على متن محطة الفضاء الدولية.

اللافت أن “أرتميس 2” لا تهدف إلى تكرار إنجازات الماضي، بل إلى اختبار تقنيات لم تكن متاحة في عصر “أبولو”. فالمركبة ستسلك مسارا يعرف بـ”العودة الحرة”، وهو مسار بيضاوي يشبه رقم ثمانية يلتف حول القمر ويعيد المركبة تلقائيا إلى كوكبنا حتى وإن تعرضت لأي خلل تقني بعد مغادرة مدار الأرض.

هذا النهج يعكس تركيز الوكالة على السلامة، وهو ما شدد عليه مدير وكالة ناسا بيل نيلسون حين قال إن العودة إلى القمر هذه المرة “ليست استعراضا سياسيا، بل هي برنامج علمي طويل الأمد تبنى خطواته بحذر شديد”.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان برنامج “أبولو” الذي أطلقته الولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة، إذ نفذت 17 مهمة بين عامي 1968 و1972، نجحت ست منها في الهبوط على سطح القمر، بدءا من “أبولو 11” الشهيرة عام 1969، وصولا إلى “أبولو 17″، آخر بعثة بشرية غادرت القمر.

وقد جلب رواد تلك المهمات مئات الكيلوغرامات من الصخور من سطح القمر ما زالت تدرس حتى اليوم في مختبرات حول العالم، وأسهمت في فهم نشأة القمر وتاريخ النظام الشمسي.

ورغم ذلك ظل السؤال يتردد لسنوات: إذا كانت ناسا قد نجحت آنذاك، فلماذا لم تعد؟ ويجيب مسؤولون وعلماء بأن السبب لا يعود إلى عدم القدرة، بل إلى تغير الأولويات.

شعار رحلة “أرتميس 2″، وعليه ألقاب رواد الفضاء الأربعة المشاركين (ناسا)

فبعد انتهاء سباق الفضاء مع الاتحاد السوفياتي، تراجعت الحاجة السياسية إلى مهام مكلفة، وتركز الاهتمام على المحطات المدارية والمهمات الروبوتية.

أما اليوم، فقد عاد القمر إلى الواجهة بوصفه نقطة انطلاق نحو المريخ، ومختبرا طبيعيا لتجربة تقنيات العيش والعمل خارج الأرض.

وتشير الدراسات الحديثة إلى وجود جليد مائي في القطب الجنوبي للقمر، يمكن استخدامه مستقبلا للشرب وإنتاج الأكسجين والوقود، وهو ما يجعل فكرة إنشاء وجود بشري دائم أكثر واقعية من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق، أوضحت كاثرين كورنر، المسؤولة عن تطوير أنظمة الاستكشاف في مقر ناسا بواشنطن، أن الوكالة “ستدع العتاد والاختبارات تقود القرارات، وأن سلامة الطاقم تظل فوق أي اعتبارات زمنية أو سياسية”.

رائد الفضاء إدوين ألدرين طيار الوحدة القمرية يسير على سطح القمر أثناء مهمة “أبولو 11” في 1969 (ناسا)

يعتمد برنامج “أرتيميس”، الذي تبلغ كلفته التقديرية حتى الآن نحو 50 مليار دولار، على شراكات دولية وتجارية غير مسبوقة، تشمل وكالات فضاء عالمية وشركات خاصة مثل “سبيس إكس” التي تطور مركبة الهبوط القمرية، في خطوة تعكس تغيرا جذريا في طريقة إدارة الاستكشاف الفضائي مقارنة بعصر “أبولو”.

وبينما يترقب العالم هذا الإطلاق، يعود القمر ليكون مركز اهتمام ليس فقط للعلماء ومحبي الفضاء، بل أيضا للمتشككين الذين يرون في هذه العودة اختبارا حيا لقدرات الإنسان المعاصر، وفرصة لإعادة طرح الأسئلة القديمة تحت ضوء تقنيات حديثة وشفافية أكبر.

وبين الشغف والشك، وبين التاريخ والمستقبل، تقف “أرتميس 2” حلقة وصل بين زمن اعتقد كثيرون أنه انتهى، ومرحلة جديدة قد تعيد رسم علاقة البشر بأقرب جار سماوي لهم.

المصدر: الجزيرة +مواقع إلكترونية

الأمين العام للأمم المتحدة يتهم واشنطن بعدم احترام القانون الدولي ..”اعتقال” مادورو ونقله إلى أمريكا

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ إزاء المستقبل غير الواضح لفنزويلا، عقب العملية العسكرية الأمريكية التي أدت إلى احتجاز الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير الجاري، محذراً من مخاطر تصعيد عدم الاستقرار داخل البلاد وتداعياتها على المنطقة بأكملها.
وأكد الأمين العام بشكل مباشر أن الولايات المتحدة لم تلتزم بقواعد القانون الدولي خلال تنفيذ عمليتها العسكرية في فنزويلا يوم 3 يناير، معتبراً أن هذه الخطوة تشكل “سابقة خطيرة” تهدد أسس العلاقات الدولية وميثاق الأمم المتحدة.
وفي بيان ألقته نيابة عنه وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو أمام اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي اليوم الإثنين، شدد غوتيريش على أن “مستقبل فنزويلا القريب غير واضح، وأنا قلق للغاية من الزيادة المحتملة في عدم الاستقرار في البلاد، والتأثير المحتمل على المنطقة، والسابقة التي قد يشكلها ذلك لطريقة بناء العلاقات بين الدول”.
وأشار البيان إلى أن فنزويلا تعاني منذ عقود من عدم استقرار داخلي عميق، إلى جانب أزمة اجتماعية واقتصادية حادة، وتقويض للمبادئ الديمقراطية، ما دفع ملايين المواطنين إلى الفرار خارج البلاد.
ودعا غوتيريش جميع الأطراف الفنزويلية إلى الانخراط في حوار ديمقراطي شامل يتيح لكافة فئات المجتمع تحديد مصير البلاد بأنفسهم.

ماذا يقول القانون الدولي؟

تناقضت التصريحات بين ترامب ووزير خارجيته قوضت حجج واشنطن بشأن “إلقاء القبض” على مادورو، خبراء في القانون الدولي يوضحون أن الهجوم على سيادة دولة يعتبر انتهاكا للقانون الدولي بل يصفون “اعتقال” مادورو بـ”الاختطاف”.

في عملية عسكرية أمريكية خاطفة تم اعتقال مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمة بتهم عديدة أبرزها “إرهاب المخدرات”. مادورو مثل أمام محكمة في نيويورك ودافع ببراءتهصورة من: Kyle Mazza/Consolidated News Photos/picture alliance

وكان قد ألقي اللقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وتم نقله إلى الولايات المتحتدة في إطار عملية عسكرية أمريكية، لمواجهة سلسلة من التهم المرتبطة بالاتجار بالمخدرات والتآمر لحيازة أسلحة.

الإجراء الأحادي الجانب الذي اتخذته إدارة ترامب  لإلقاء القبض على مادورو ونقله من بلاده في عملية أُطلق عليها اسم “عملية العزم المطلق”، يقال إنه شاركت فيها 150 طائرة لضرب مواقع في شمال فنزويلا، بما في ذلك العاصمة كاراكاس. وتشير بعض التقارير إلى مقتل أربعين شخصًا نتيجة الضربات الأمريكية. وقد قوبلت العملية بالترحيب والإدانة معًا من قبل المراقبين.

وفي حين وصف كثير  من خبراء السياسة الخارجية والقانون الدولي  إزاحة مادورو بأنه أمر إيجابي، فإن هناك شكوكا بشأن مشروعية ما فعلته الولايات المتحدة. وينظر ‘لى مادورو على نطاق واسع بوصفه قائدًا غير شرعي عقب انتخابات عام 2024 التي قال مراقبون  مستقلون إنه خسرها،  وسجله في اضطهاد خصومه.

تمهيد طويل لتغيير النظام

وصفت الإدارة الأولى لترامب في عام 2020 مادورو بأنه “إرهابي مخدرات”، واتهمته برئاسة مجموعة من مسؤولين فنزويليين قيل إنهم استفادوا من تجارة المخدرات.

في ولاية ترامب الثانية، تغيرت العلاقاتا سريعًا بعد أن بدت أكثر ودّية، حيث شهدت تعاون نظام  مادورو  مع إدارة ترامب في إعادة  الفنزويليين في ظل موقف ترامب المتشدد من الهجرة، لتتحول إلى صراع، حين استهدفت الولايات المتحدة ما زعمت أنها قوارب فنزويلية لتهريب المخدرات في البحر الكاريبي. كما أعلن ترامب أن مخدر الفِنتانيل سلاح دمار شامل وهي (مادة أفيونية صناعية قوية جدًا خارج الاستخدام الطبي وتعد من أخطر المخدرات غير المشروعة). لكن لم تُقدَّم سوى أدلة قليلة لدعم هذه الادعاءات.

ورأى بعض المراقبين أن الحملة في الكاريبي والحشد البحري الأمريكي صُمّما للضغط من أجل الاستيلاء على احتياطيات فنزويلا النفطية، وتُعزّز تعليقات ترامب منذ القبض على مادورو هذا الرأي. غير أن احتمال تغيير النظام بات أكثر وضوحًا عقب مقابلة موسّعة أُجريت مؤخرًا مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض.

 طريقة محاولة تغيير النظام أثارت الإدانات، بما في ذلك من قبل الصين.  فقد اتهمت وزارة الخارجية الصينية الولايات المتحدة بارتكاب “أفعال هيمنة” ضد فنزويلا، ووصفت إلقاء القبض على مادورو وزوجته بأنه “انتهاك واضح للقانون الدولي”.

وصف كثير من خبراء السياسة الخارجية والقانون الدولي إزاحة مادورو بأنه أمر إيجابي، لكن هناك شكوك بشأن مشروعية ما فعلته الولايات المتحدة.صورة من: Giorgio Viera/AFP/Getty Images

هل تم خرق مبدأ أساسي في القانون الدولي؟

قادت الولايات المتحدة تأسيس الأمم المتحدة، ووقّعت في عام 1945 على وثيقتها التأسيسية (ميثاق الأمم المتحدة)، الذي يستند إليه العديد من مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك سلامة الأراضي.

وأشار باحثون إلى المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من الميثاق، للقول إن أفعال الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي. وتنص هذه الفقرة على أنه “يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”.

وقال ماركو ميلانوفيتش، مدير قسم القانون الدولي في جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة: “كان ذلك استعمالًا للقوة”. وأضاف: “إذا أرسلت 150 طائرة إلى دولة أخرى، وإذا بدأت بقصف دفاعاتها الجوية، وإذا اختطفت رئيسها، وإذا قتلت عشرات الأشخاص، فهذا استعمال للقوة بالمعنى الوارد في المادة الثانية، الفقرة الرابعة”.

وتوجد استثناءات، أبرزها صدور تفويض عن مجلس الأمن الدولي للشروع في عمل عسكري ضد دولة أخرى. غير أن هذا التفويض لم يُطلب قبل الاستيلاء على مادورو. وهناك استثناء آخر وهو الدفاع عن النفس، إلا أنه، نظرًا للفارق الكبير في القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، يبقى من غير الواضح كيف يمكن أن يصمد هذا التبرير.

ماركو ميلانوفيتش، خبير القانون الدولي: إذا أرسلت 150 طائرة إلى دولة أخرى، وإذا بدأت بقصف دفاعاتها الجوية، وإذا اختطفت رئيسها… فهذا استعمال للقوة بحسب المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدةصورة من: Leonardo Fernandez Viloria/REUTERS

هل فنزويلا دولة مخدرات؟

حتى توصيف الفِنتانيل كسلاح دمار شامل، ووصم مادورو بأنه إرهابي مخدرات، واتهامه بالتآمر ضد الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يُقبل وفق أي معيار دولي بوصفه مبررًا للدفاع عن النفس.

وقال ميلانوفيتش لـ DW: “الدفاع عن النفس يتطلب وجود هجوم مسلح. السماح بتصدير المخدرات من دولة إلى أخرى ليس هجومًا مسلحًا، ولم يُعامل قط على أنه هجوم مسلح”.

كما اعتقال مادورو يبدو أنه التفاف على القانون الداخلي الأمريكي أيضا، فاستخدام الجيش الأمريكي لمهاجمة دولة أجنبية، كما أقرت وايلز في مقابلتها مع مجلة فانيتي فير، يتطلب أيضًا موافقة الكونغرس، وهذه الموافقة لم يتم الحصول عليها.

وفي مؤتمر صحفي ترأسه  ترامب،  حاول  وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تبرير العملية على أنها إجراء لإنفاذ القانون، لا إعلان حرب، قائلًا: “في جوهرها، كانت اعتقالًا لاثنين من الهاربين المطلوبين للعدالة الأمريكية، وقد دعمت وزارة الحرب وزارة العدل في ذلك”.

وقال جيريمي بول، الخبير في القانون الدستوري بجامعة نورث إيسترن في الولايات المتحدة، إن حجة روبيو “معقولة”، لكن تصريحات لاحقة للرئيس عن “إدارة” الولايات المتحدة لفنزويلا وحقولها النفطية “قوّضت تمامًا” هذا التبرير.

وقال بول لـ DW: “لقد أُلقي القبض عليه (مادورو)، وهو الآن رهن الاحتجاز، وسيُحاكم في نيويورك. كان ينبغي أن تكون هذه النهاية، أليس كذلك؟ لا ينبغي أن يكون هناك أي سبب إضافي لحدوث أي شيء آخر”. وأضاف: “كل ما قاله الرئيس ترامب عن حقول النفط، وعن إدارة البلاد، وعن العمل مع مسؤولين فنزويليين مختلفين… كل ذلك يقوّض تمامًا الأساس المنطقي الذي طرحه  وزير الخارجية روبيو. إنه غير متسق كليًا”.

ومثل غيره من المراقبين القانونيين والسياسيين الذين علّقوا منذ إزاحة مادورو، شدد بول أيضا على عدم شرعية الرئيس الفنزويلي السابق، لكنه أعرب عن قلقه من طريقة القبض عليه. وقال: “إن فشل الإدارة الحالية في الالتزام بالقانون الداخلي عبر التشاور مع الكونغرس، أو بالقانون الدولي، أمر مقلق، وآمل أن تسود العقول الهادئة”.

سابقة عمرها 36 عامًا

جاء القبض على مادورو بعد 36 عامًا تمامًا من إطاحة الولايات المتحدة، في عهد الرئيس جورج بوش الأب، بديكتاتور بنما مانويل نورييغا، ونقله إلى فلوريدا لمواجهة تهم تتعلق بالابتزاز وتهريب المخدرات وغسل الأموال.

وتتوازى تلك اللحظة التاريخية مع الوضع الفنزويلي، إذ جاءت أيضًا عقب انتخابات متنازع عليها. كما أُدينت عملية بوش آنذاك لانتهاكها القانون الدولي وفشلها في الحصول على موافقة الكونغرس.

ويبدو مرجحًا أن يسمح قانون أمريكي أساسي مرة أخرى بمحاكمة قائد أجنبي على الأراضي الأمريكية. فمبدأ “كير – فريسبي” هو قاعدة قانونية راسخة، وإن كانت مثيرة للجدل، تتيح ملاحقة المتهم أمام القضاء الأمريكي بغض النظر عن الطريقة التي أُلقي بها القبض عليه.

وقال خبير القانون الدستوري جيريمي بول: “في نهاية المطاف سيكون لدى مادورو محامون، وهذا أمر لا جدال فيه، وسيكون معه محامٍ طوال الإجراءات”. وأضاف: “في النهاية، فإن هذه قضية قانونية، إذا أُدين، سيستأنف الحكم على الأرجح حتى تصل القضية إلى المحكمة العليا”.

المصدر: (اسبوتنك) + DW

حين خانت النخبُ الاستقلال: قصة سقوط الدولة السودانية من وعد النهضة إلى هاوية الفشل

مقال المحرر: حاتم المدني

التاريخ السياسي الحديث للسودان مثالًا مكثّفًا على تعقّد مسارات بناء الدولة في البيئات ما بعد الاستعمارية، حيث تتداخل العوامل التاريخية بالتركيبة الاجتماعية وباختيارات النخب السياسية والعسكرية لتنتج مسارًا طويلًا من الإخفاق البنيوي في بناء دولة مستقرة ومنتجة وعادلة. فعلى الرغم من أن السودان دخل منتصف القرن العشرين وهو يمتلك مقومات موضوعية لنهضة كبيرة من موارد زراعية ومائية هائلة، وإرث إداري حديث، وموقع جغرافي إستراتيجي فإن مسيرته منذ الاستقلال اتجهت في اتجاه مغاير، نحو الانقلابات والصراعات الأهلية والانقسامات الجغرافية والانهيار التنموي. هذا التناقض بين الإمكانات والنتائج هو ما يحاول هذا المقال تحليله في إطار مقاربة سياسية–تاريخية–تنموية مترابطة.

إرث الحكم الثنائي وبذور الأزمة

تشكّلت الدولة السودانية الحديثة في ظل الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري الذي أعقب سقوط دولة المهدية في نهايات القرن التاسع عشر، حيث أعاد هذا الحكم بسط الأمن وفرض سلطة مركزية موحدة بعد فترة من الاضطراب والتنازع القبلي والديني. في إطار هذا الحكم، شُيِّدت أجهزة إدارية حديثة، وأُدخل التعليم النظامي المدني، وأُسِّست مؤسسات خدمية وصحية كانت بمثابة قطيعة نسبية مع أنماط التنظيم التقليدية، كما تم إطلاق مشروعات بنية تحتية كبرى مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والموانئ، ما جعل السودان جزءًا فاعلًا  وإن تابعًا  في الاقتصاد العالمي آنذاك. غير أن هذه الإنجازات جرى بناؤها فوق قاعدة اجتماعية مختلّة، إذ تركّز الاستثمار التعليمي والإداري في أقاليم الشمال النيلي والوسط، بينما حُرمت مناطق واسعة في الجنوب والغرب والشرق من فرص مماثلة، بما أرسى مبكرًا ملامح التفاوت الجهوي الذي سيتحوّل لاحقًا إلى أحد أعمدة الأزمة الوطنية.

السودنة، الاستقلال، واستمرار البنية الاستعمارية

مع تصاعد الحركة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، برزت النخبة المتعلمة التي أنتجها التعليم الاستعماري لاعبًا أساسيًا في المطالبة بالمشاركة في إدارة البلاد، فتبلورت سياسة “السودنة” باعتبارها انتقالًا تدريجيًا للسلطة من أيدي الإداريين الأجانب إلى السودانيين. غير أن هذه العملية اتسمت بالتعجل والاختلال، إذ جرى إحلال نخبة وطنية محدودة غالبيتها من الشمال النيلي والوسط محل جهاز إداري أجنبي متمرس، دون أن تُستكمل عملية التأهيل الفني والمؤسسي اللازمة، ودون معالجة فجوة تمثيل الأقاليم والمجموعات المختلفة داخل مؤسسات الدولة. 

وعندما رُفع علم الاستقلال في الأول من يناير 1956، كان استقلال السودان في جوهره استقلالًا سياسيًا عن المستعمر، لكنه لم يكن استقلالًا عن البنية التي صاغها ذلك المستعمر: دولة مركزية قوية في الخرطوم، محاطة بأطراف مهمشة، ونخبة ضيقة تمسك بمفاصل القرار.

في هذا السياق، جاء قرار الاستغناء السريع عن الكوادر الإدارية الأجنبية التي شكّلت لسنوات العمود الفقري للإدارة الحديثة له ليخلق فراغًا مؤسسيًا حادًا في لحظة كانت تحتاج إلى زيادة في الكفاءة لا إلى إنقاصها. وهكذا، تحوّل الاستقلال إلى لحظة رمزية عالية الشحنة العاطفية، لكنها لم تترافق مع مشروع عملي مدروس لبناء مؤسسات مستقرة، أو لإعادة توزيع السلطة والثروة على نحو يعكس تعددية المجتمع السوداني الفريدة.

الطائفية السياسية والنخب المتعلمة والعسكرة

لم يكن المشهد السياسي الذي ورث الاستعمار متجانسًا أو متوافقًا، بل تشكل من تحالفات وتقاطعات بين ثلاث قوى رئيسية: الأسر والبيوتات الطائفية ذات الجذور الدينية العميقة، والنخب المتعلمة المدنية، والمؤسسة العسكرية. فقد استطاعت الزعامات الطائفية، بحكم نفوذها الروحي والاجتماعي، أن تتحول إلى قوة سياسية منظَّمة من خلال الأحزاب المرتبطة بها، وأن تستثمر الحس الديني والعاطفي لدى قطاعات واسعة من الشعب في معارك سياسية حول السلطة والتمثيل. في المقابل، رأت النخب المتعلمة في هذه البيوتات بوابةً ضرورية للوصول إلى الجمهور وبناء قواعد انتخابية، فانخرطت في تحالفات عززت حضور الطائفية بدل أن تحدّ منه، وهو ما انعكس على بنية الأحزاب وطرق عملها وبرامجها.

ومع تعثر التجربة البرلمانية الأولى، وتفاقم الصراعات الحزبية، وتزايد الشعور بالعجز عن إدارة البلاد وفق قواعد ديمقراطية مستقرة، برز الجيش كفاعل سياسي “منقذ” في خطاب قطاعات من النخبة والمجتمع. فجاء انقلاب 1958 ليؤسس لأول مرة قاعدة تدخّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، ويتبعه لاحقًا انقلاب مايو 1969، ثم انقلاب 1989، في نمط يكشف عن أن الانقلابات العسكرية تحوّلت إلى “آلية دورية” لتغيير السلطة في ظل غياب تقاليد راسخة للتداول الديمقراطي. 

ومع كل دورة انقلابية، كانت المسافة بين الدولة والمجتمع تتسع، وتتغلغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في كل مفاصل إدارة الشأن العام، على حساب الخدمة المدنية المهنية والمؤسسات الرقابية.

التنمية غير المتوازنة والصراع الأهلي

على المستوى التنموي، لم تستطع الحكومات المتعاقبة مدنية كانت أم عسكرية تحويل الثروة المادية والبشرية للسودان إلى مشروع تنموي متوازن ومستدام، بل تم غالبًا توظيف التنمية نفسها كأداة من أدوات السيطرة السياسية. 

فقد تركزت الخدمات الأساسية والبنى التحتية والفرص الاقتصادية في العاصمة ومناطق محددة من الشمال والوسط، بينما بقيت الأقاليم الأخرى في حالة تهميش مزمن، يعاني سكانها من الفقر وضعف الخدمات وغياب التمثيل الملائم في مراكز اتخاذ القرار. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التفاوت مجرد فجوة اقتصادية، بل تحوّل إلى شعور عميق بالظلم لدى سكان الأطراف، غذّى الهويات المحلية والقبلية والإثنية بوصفها بدائل عن هوية وطنية جامعة لم يتح لها أن تتبلور في إطار دولة عادلة.

في هذا المناخ، تفجرت الحروب الأهلية في الجنوب، ثم في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وغيرها من الأقاليم التي شعرت أن الدولة المركزية تمارس عليها تهميشًا مركبًا: سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا ولاحقاً دينياً . 

وقد انتهى الصراع في الجنوب بانفصال دولة جنوب السودان عام 2011، في مشهد يعكس مدى فشل الدولة السودانية في إدارة التعدد وتحويله إلى مصدر قوة. أما في دارفور ومناطق أخرى، فقد تراكمت الانتهاكات والنزوح والدمار، وأصبحت صورة السودان في الأدبيات الدولية أقرب إلى نموذج “الدولة الهشة” أو “الدولة الفاشلة” التي تعجز عن احتكار العنف، وتقديم الخدمات الأساسية، وضبط حدودها، وحماية مواطنيها.

من الدولة الواعدة إلى الدولة الفاشلة 

إذا ما أُجريَت مقارنة بين السودان في منتصف القرن العشرين والسودان في بدايات القرن الحادي والعشرين، سيظهر الفارق بوضوح: فقد كان السودان في فترة ما قبل الاستقلال وبعده بقليل يُنظر إليه كدولة ذات إمكانات كبيرة، بمشروع زراعي عملاق، وشبكة سكك حديدية متقدمة على المستوى الإقليمي، وموارد طبيعية وثروات غير عادية معدنية وغيرها وبشرية قادرة على أن تجعل منه نموذجًا افريقيًا صاعدًا. في المقابل، وجد السودان نفسه بعد عقود من الاستقلال أمام واقع انهيار تلك البنى الإنتاجية، وانكماش المشروع الزراعي، وتدهور السكك الحديدية، وتراجع الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، واتساع رقعة الفقر والهجرة والنزوح.

هذا الانتقال من “الدولة الواعدة” إلى “الدولة الفاشلة الهشة ” لم يكن نتيجة ظرف طارئ، وإنما حصيلة مسار طويل من الخيارات السياسية الخاطئة، والتوظيف الزبائني لموارد الدولة، وإقصاء الكفاءات الإدارية لصالح المحسوبية الحزبية والقبلية والطائفية، بالإضافة إلى عسكرة الحياة العامة وإفسادها واستخدام العنف أداة لإدارة الخلاف. وهكذا، تآكلت شرعية الدولة، وفقد المواطن ثقته في قدرتها على تمثيله وحمايته وتوفير الحد الأدنى من العدل والكرامة.

آفاق الإنقاذ وإعادة البناء

أمام هذا الواقع المعقد، لا يعود السؤال هو: ما الذي حدث؟ بقدر ما يصبح: ما العمل؟ وما الشروط الضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الدولة الوطنية في السودان؟ يبدو واضحًا أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير نفس النخب التي أسهمت في صناعة الأزمة، ولا على مقاربة سطحية ترى الحل في تغيير الوجوه دون تغيير القواعد. المطلوب هو إعادة تفكير جذري في طبيعة الدولة نفسها، وفي العلاقة بين المركز والأطراف، وبين السلطة والمجتمع، وبين الاقتصاد والسياسة وبين توجهات الدولة ومعتقدات الفئات الدينية.

يتطلب ذلك، أولًا، إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والحياد، بما يعيد الاعتبار للمهنية الإدارية، ويقطع مع استخدام الوظيفة العامة كغنيمة سياسية أو طائفية أو دينية . كما يتطلب، ثانيًا، تبني نموذج حقيقي للامركزية او فيدرالية حقيقية تتيح للأقاليم المشاركة الفعلية في إدارة مواردها، ووضع خططها التنموية، والمشاركة في السلطة بعيدًا عن منطق “العطايا” المركزية. ويتطلب، ثالثًا، إخضاع المؤسسة العسكرية بكل تشكيلاتها للسلطة المدنية المنتخبة، وإعادة هيكلة القطاع الأمني بما يضمن احتكار الدولة للعنف في إطار القانون، لا في إطار الصراع بين مراكز قوى مسلحة متعددة.

إلى جانب ذلك، يحتاج السودان إلى مسار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية جاد، يعترف بالجرائم والانتهاكات التي وقعت في الحروب والنزاعات، ويمنح الضحايا حقهم في الحقيقة والإنصاف، ويفتح الباب أمام بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية لا على الهويات المتصارعة. كما يحتاج إلى رؤية تنموية تجعل الإنسان في كل أقاليم السودان محور السياسات، بدل أن يبقى رهينة تجاذبات النخب.

 قولة حق اخيرة 

يكشف التأمل في المسار التاريخي السياسي والتنموي للسودان أن الأزمة الراهنة ليست مجرد تعثر عابر، بل هي نتيجة تفاعل عميق بين إرث استعماري ترك دولة غير متوازنة، ونخب وطنية عجزت أو لم ترد  أن تحوّل الاستقلال إلى مشروع لبناء مؤسسات عادلة وفعّالة.

وبينما يحتفل السودانيون في كل عام بذكرى الاستقلال، لسبعة عقود متتالية يبقى السؤال مفتوحًا: أي استقلال نحتفي به ما لم تستقل الدولة عن الفساد والطائفية والعسكرة، وما لم تصبح مؤسساتها في خدمة المجتمع لا في خدمة فئة ضيقة منه؟ إن استعادة مشروع الدولة الوطنية في السودان لن تكون ممكنة إلا إذا جرى الانحياز بوضوح لكفاءة الإنسان لا لانتمائه، ولعدالة التنمية لا لامتياز النخب، ولحكم القانون لا لحكم السلاح، وهي خيارات صعبة لكنها وحدها ما يمكن أن يضع حدًا لمسار السقوط الحر الذي طال أمده.

مدينة مروي ذاكرة حضارة كوش… حين يواجه مجد التاريخ تهديد الحاضر

الخرطوم ـ «القدس العربي»: على الضفة الشرقية لنهر النيل، في شمال السودان، تقف مدينة مروي الأثرية شاهدة على واحدة من أعظم الحضارات الأفريقية القديمة، وحاملة لذاكرة مملكة كوش التي امتد نفوذها السياسي والثقافي والديني لقرون طويلة عبر وادي النيل، وصولاً إلى شمال أفريقيا. وتمثل مروي معلماً إنسانياً استثنائياً، لا يروي تاريخ السودان وحده، بل فصلاً مهماً من تاريخ الحضارة الإنسانية جمعاء.
تقع المدينة الأثرية على بعد نحو ستة كيلومترات شمال شرقي محطة كبوشية، بالقرب من مدينة شندي، وعلى مسافة تقارب 200 كيلومتر من العاصمة الخرطوم. ويجاور الموقع عدد من القرى المعروفة باسم البجراوية. وكانت مروي عاصمة للمملكة الكوشية لعدة قرون، وأطلق الكوشيون اسمها على الإقليم الواقع بين نهر عطبرة شمالاً، والنيل الأزرق جنوباً، ونهر النيل شرقاً، وهو الإقليم المعروف جغرافياً باسم إقليم البطانة.
ورغم مرور أكثر من ألفين وثلاثمئة عام على ازدهارها، لا تزال آثار مروي قائمة، شامخة في وجه الزمن. غير أن المدينة شهدت في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة فارقة، تقاطعت فيها عظمة الماضي مع أخطار الحاضر، حين شوهدت قوات الدعم السريع في محيط المنطقة الأثرية، بالتزامن مع اشتداد المعارك حولها، ما أثار مخاوف حقيقية على سلامة أحد أهم مواقع التراث العالمي. كانت مروي العاصمة الجنوبية لمملكة نبتة، وتشير النصوص المروية، التي لم تُفك رموزها كاملة بعد، إلى أن عمر المملكة امتد من نحو 800 قبل الميلاد حتى 350 ميلادية، وكان اسمها «ميدوي» أو «بيدوي». وكشفت الأبحاث الأثرية، خاصة في مناطق التكدس البشري، عن دلائل مهمة في المدافن الملكية الكوشية بالمقابر الغربية، التي تعود إلى الفترة ما بين 800 و200 قبل الميلاد.
ويرتبط تطور الثقافة المروية بالأسرة الكوشية الخامسة والعشرين التي نشأت في كوش، والتي لعبت دوراً محورياً في تاريخ المنطقة. كما يُنسب تطور الحياة المدنية في مروي إلى عهد الملك أركماني، الذي بدأ حكمه نحو عام 280 قبل الميلاد، حين نُقلت المدافن الملكية من جبل البركل في نبتة إلى مروي، في خطوة عكست تحولاً سياسياً ودينياً مهماً.

صناع الحديد

قامت مروي في كنف مملكة غنية ومزدهرة، اشتهرت بصناعة الحديد وبنشاطها التجاري الواسع مع الهند والصين ومراكز التجارة العالمية في ذلك الزمان. واستقطبت المدينة عمال التعدين من مختلف أنحاء العالم القديم، ما دفع المؤرخين إلى تسميتها «بيرمنغهام أفريقيا»، نظراً للإنتاج الضخم من خام الحديد والحديد المصنع. وكان المرويون من أمهر صناع الحديد في العالم، مستخدمين أفران الصهر والمحارق بكفاءة عالية. ويذهب بعض العلماء، مثل جورج أندرو ريزنر، إلى أن حضارة مروي امتداد لحضارة كرمة، التي تُعد من أقدم حضارات وادي النيل.
ولم يقتصر ازدهار مروي على الحديد، إذ صدّرت المملكة المنسوجات والمجوهرات، واشتهرت بالمنسوجات القطنية التي بلغت ذروة تطورها نحو عام 400 قبل الميلاد. كما كانت المملكة غنية بالذهب، ونشطة في تجارة الحيوانات النادرة، ما عزز مكانتها الاقتصادية والإقليمية.
أما نظام الحكم النوبي، فكان نظاماً أوتوقراطياً، يحتكر فيه الملك اتخاذ القرار، مع دور محدود أو غير مباشر للملكة الأم، المعروفة بلقب «الكنداكة». وكان الملك يشرف بنفسه على إدارة الخزينة وحملة الأختام والسجلات ورؤساء الكتبة. وبحلول القرن الثالث الميلادي، طوّر المرويون أبجدية كتابية تتكون من 23 حرفاً، استُخدمت لكتابة اللغة المروية، مع وجود دلائل تشير إلى أن ظهورها الأول ربما كان في القرن الثاني الميلادي.
يطلق اسم مروي على المدينة الأثرية وعلى الإقليم الجغرافي الذي قامت فيه، المعروف تاريخياً باسم جزيرة مروي، لوقوعه بين نهر النيل وروافده، خاصة نهر عطبرة. وقد أطلق الكوشيون هذا الاسم على عاصمتهم والمنطقة المحيطة بها، في دلالة على مركزيتها السياسية والروحية.
وتقع الآثار الرئيسية لمروي بالقرب من بلدة البجراوية في الولاية الشمالية. ورغم وجود مدينة حديثة تحمل الاسم نفسه، فإن مروي في السياق التاريخي تشير إلى المدينة الأثرية، التي شكلت القلب الملكي والديني لحضارة كوش.
كانت مروي عاصمة مملكة كوش في مرحلتها المتأخرة، بعد انتقال العاصمة من نبتة، وشكّلت واحدة من أعظم القوى السياسية في المنطقة بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد. ولم تكن كوش مملكة محلية محدودة النفوذ، بل قوة إقليمية كبرى، حكم ملوكها مصر لما يقارب القرن، فيما عُرف بالأسرة الخامسة والعشرين.
وفي مروي، تبلورت حضارة أفريقية أصيلة، تفاعلت مع الحضارات المصرية والهيلينية والشرق أوسطية، مع احتفاظها بخصوصيتها الثقافية والدينية. ويتجلى هذا التفاعل في العمارة والنقوش واللغة المروية والطقوس الدينية وأنماط الحكم.

تنوع معماري وحضور رمزي

يضم الموقع الأثري في مروي عدداً كبيراً من الأهرامات الكوشية، التي تختلف عن الأهرامات المصرية بقاعدتها الضيقة وزاوية ميلها الحادة. وقد شُيّدت كمقابر للملوك والملكات والنخب الحاكمة، وتحمل نقوشاً دينية تعبّر عن معتقدات الكوشيين حول الحياة والموت.
وإلى جانب الأهرامات، تنتشر المعابد والقصور والمنشآت السكنية، فضلاً عن شبكات مياه متطورة، تعكس مستوى متقدماً من التنظيم الحضري والازدهار الاقتصادي القائم على الزراعة والتجارة وصناعة الحديد.
لا تكتمل صورة مروي بدون التوقف عند موقعي النقعة والمصوّرات الصفراء، وهما من أبرز المراكز الدينية في مملكة كوش، ويقعان ضمن إقليم جزيرة مروي، المدرج على قائمة التراث العالمي. وتعود معابد هذين الموقعين إلى الفترة ما بين 350 قبل الميلاد و350 بعده.
وتقع النقعة على بُعد نحو 170 كيلومتراً شمال شرقي الخرطوم، و50 كيلومتراً شرق نهر النيل، شمال منطقة ود بانقا، عند التقاء وادي العوتيب القادم من البطانة بالأودية المتجهة نحو النيل. وكانت النقعة محطة تجارية وموقعاً استراتيجياً مهماً، وتضم آثاراً بارزة، أبرزها معبدا أباداماك وآمون، إلى جانب المعبد الروماني، وقد صنفها علماء الآثار كأحد أهم المراكز الحضارية في أفريقيا.
في عام 2011، أدرجت منظمة اليونسكو جزيرة مروي على قائمة التراث العالمي، اعترافاً بقيمتها الاستثنائية بوصفها شاهداً على حضارة كوش، ووصفتها بأنها تضم الحاضرة الملكية للملوك الكوشيين قرب نهر النيل، إلى جانب المواقع الدينية في النقعة والمصوّرات الصفراء، المرتبطة بشبكة مائية متطورة.

حين تصل الحرب إلى التاريخ

غير أن هذا الإرث الإنساني واجه تهديداً غير مسبوق مع وصول المعارك إلى محيط جزيرة مروي في كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد تداول مقاطع مصورة تُظهر وجود قوات الدعم السريع قرب المواقع الأثرية. وقالت الشبكة الإقليمية للحقوق الثقافية إن هذه القوات دخلت مرتين إلى موقعي النقعة والمصوّرات، ما عرضهما لخطر جسيم.
في المقابل، أعلنت السلطات المحلية في ولاية نهر النيل أن القوات الجوية تصدت لمحاولات التسلل، مؤكدة عودة الهدوء لاحقاً. ورغم ذلك، تحذر منظمات حقوقية وثقافية من أن أي ضرر يلحق بهذه المواقع لن يكون خسارة للسودان وحده، بل للذاكرة الإنسانية جمعاء.
جاء ذلك التهديد بينما تتواصل المعارك المندلعة منذ 15 نيسان/ابريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح وتهجير الملايين، ما يجعل حماية التراث الثقافي تحدياً إضافياً في ظل أزمة إنسانية خانقة.
وتبقى مروي خزينة لذاكرة ملوك وحرفيين وكهنة ومزارعين، تحكي قصة حضارة استطاعت أن تكون قوة عظمى، وأن تترك بصمتها في سجل الإنسانية.

كلمة اليراع: البرهان وحميدتي والإسلاميون… رهان الإفلات من العقاب وفقدان الثقة الشعبية

تدخل الحرب السودانية عامها الثالث، وسط واقع إنساني مأسوي خلف دمارًا واسعًا في البنية التحتية ومقتل عشرات الآلاف، فيما نزح أكثر من 13 مليون شخص داخل وخارج السودان، بحسب تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. ورغم عمق الكارثة، تظل جذورها السياسية والعسكرية ضاربة في تاريخ طويل من الصراع بين مراكز القوى في الدولة السودانية منذ عهد نظام البشير وحتى اليوم.

من دارفور إلى القيادة العامة: بدايات الجرح

بدأت ملامح الأزمة الراهنة منذ حرب دارفور التي شهدت جرائم تطهير عرقي واتهامات مباشرة لقيادات الجيش ومليشيات الجنجويد الخارجة عن السيطرة. كان اللواء عبد الفتاح البرهان وقتها يتولى قيادة سلاح المشاة في دارفور، ولعب دورًا محوريًا في تدريب وتسليح قوات الدعم السريع التي خرجت لاحقًا من رحم الجنجويد.

وبعد سقوط نظام البشير في ثورة ديسمبر 2019 الشعبية، انحاز البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) للثوار ظاهريًا، ليشكلا لاحقًا مجلس السيادة الانتقالي بالشراكة مع قوى الحرية والتغيير. ومع ذلك، أظهرت الأحداث اللاحقة أن العسكريين لم ينووا فعليًا تسليم السلطة لحكومة مدنية كاملة، ما جعل التحالف الانتقالي هشًا منذ البداية.

وفي يونيو 2019، ارتكب الجيش مدعومًا بقوات الدعم السريع وبتواطؤ من بقايا النظام الإسلامي مجزرة مروعة بحق المعتصمين أمام القيادة العامة في الخرطوم. قُتل مئات الشبان وتعرضت النساء لانتهاكات بشعة. ورغم إعلان البرهان وحميدتي تحقيقات لم تظهر نتائجها حتى اليوم، شكلت المجزرة نقطة سوداء في مسار الثورة، وعززت شعور السودانيين بانعدام العدالة وإفلات الجناة من العقاب.

انهيار الحكومة الانتقالية وانقلاب البرهان

تولت حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك المرحلة الانتقالية، محققة نجاحات اقتصادية ملموسة، لكنها واجهت هجمات متصاعدة من بقايا النظام البائد. تدخل البرهان وحميدتي في شؤونها بشكل متكرر، مما مهد لانقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة واعتقل قياداتها.

ورغم الضغط الشعبي والدولي ورفض الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الاعتراف بالانقلاب، أصر الجيش على فرض الأمر الواقع، لتدخل البلاد بعدها مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والاقتصادي انتهت بانفجار الحرب المفتوحة في أبريل 2023.

من شراكة هشة إلى حرب شاملة

بدأت الحرب بين الجيش والدعم السريع بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” الذي نص على خروج المكوّن العسكري من السياسة ودمج قوات الدعم السريع في الجيش. رفض حميدتي ذلك، واتهم البرهان بالسعي للبقاء في الحكم. سرعان ما تحولت الخلافات إلى معارك دامية في شوارع الخرطوم، امتدت إلى معظم ولايات السودان، لتسقط البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

القوى المدنية: تآكل الثقة وتشتت الموقف

عقب اندلاع الحرب، لجأت معظم القيادات المدنية، وعلى رأسها رموز قوى الحرية والتغيير، إلى الخارج. لكن ظهور بعض قياداتها في تحالفات ولقاءات مع حميدتي دعمًا لقواته أدى إلى فقدان ثقتها لدى الشارع الثوري الذي يرى أنها ساوت بين الضحية والجلاد. كما تفاقمت الانقسامات داخل صفوفها نتيجة الولاءات الجهوية والقبلية، ما جعل تأثيرها في الشأن الداخلي شبه معدوم.

الإسلاميون: عودة بوجوه قديمة وأساليب جديدة

منذ سقوط البشير، سعى الإسلاميون لعرقلة أي انتقال ديمقراطي حقيقي. عملوا على إشعال الخلاف بين الجيش والقوى المدنية، ثم انحازوا صراحة للبرهان في حربه ضد حميدتي. ورغم نفي الجيش المتكرر لوجودهم، تثبت الشواهد أنهم ظلوا يحركون الخيوط من وراء الستار، طامحين لاستعادة نفوذهم عبر بوابة الحرب. إلا أن عزلتهم الشعبية، والضغط الدولي لتجريم أنشطتهم، حدّا من قدرتهم على العودة العلنية إلى الساحة السياسية.

الجميع يخاف وقف الحرب

اليوم، تبدو مفارقة الأزمة السودانية في أن القوى المتحاربة جميعها تخاف من وقف الحرب: فالبرهان يخشى المحاسبة على الانقلاب والمجازر، وحميدتي يخاف العقوبة على جرائم قواته، والإسلاميون يدركون أن السلام الحقيقي يعني فتح ملفاتهم من جديد. في المقابل، يقف الشارع السوداني، المثقل بالموت والجوع، فاقدًا للثقة في كل القيادات القائمة.

الطريق إلى المستقبل

يبقى الأمل الوحيد في استعادة مسار التحول الديمقراطي الحقيقي مرهونًا بعودة القوى الشبابية التي فجّرت الثورة واستُبعدت من الحكم. وحدها تلك القوى غير المنخرطة في الفساد أو الدماء تملك الشرعية الأخلاقية لإعادة بناء السودان على أسس العدالة والمواطنة والمحاسبة. فبدونها، سيبقى البلد عالقًا في دوامة حرب يتغذى عليها من يراهنون على الإفلات من العقاب.

سواكن.. مدينة الشعب المرجانية وبوابة السودان إلى الحجاز واليمن

سواكن مدينة ساحلية في شمال شرق السودان، وهي من أقدم الموانئ التاريخية على البحر الأحمر، وارتبطت منذ العصور القديمة بحركة التجارة بين وادي النيل وبلاد بونت والحجاز واليمن. ازدهرت مكانتها في العصور المملوكية والعثمانية بوصفها ميناء رئيسيا ومحطة للحجاج، فترك ذلك إرثا معماريا فريدا شُيّد أغلبه من الحجر المرجاني.

الموقع والجغرافيا

تقع مدينة سواكن في شمال شرق السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتبعد عن مدينة بورتسودان مسافة 54 كيلومترا وعن العاصمة الخرطوم نحو 642 كيلومترا غربا. وتضم المنطقة جزيرتين مرجانيتين دائريتين في حوضها الضحل، إحداهما مهجورة تماما، بينما تشكل الأخرى -وهي جزيرة سواكن– مركز المدينة التاريخية المتصل بالبر عبر جسر صناعي.

ويغلب على سواكن مناخ حار وجاف عموما، مع تقلبات موسمية، إذ تتراوح درجات الحرارة بين 26 درجة مئوية في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، وتبلغ ذروتها في يوليو/تموز بنحو 42 درجة. كما تهطل الأمطار في أشهر عدة من العام، ويُعد نوفمبر/تشرين الثاني أكثرها مطرا.

مدينة سواكن تمتاز بتراث معماري فريد تشكل عبر قرون من النشاط التجاري والبحري (غيتي)

التسمية

سواكن في اللغة العربية لفظ قريب من السكنى بمعنى الإقامة، ويقال: سكن يسكن فهو ساكن، وسواكن جمع ساكنة، كما يُحتمل أن تعني الهدوء والسكينة.

واختلفت الروايات في أصل التسمية، ومن أبرزها ما ذكره الكاتب المصري الشاطر بصيلي، الذي ذهب إلى أن لفظ سواكن من أصل مصري قديم هو “شواخن” ويعني محطة-شوا. وشوا هو اسم مملكة إسلامية بالحبشة (1063-1279).

ووفق رأي بصيلي، فإن تحول كلمة شواخن إلى شواكن أو سواكن يعود إلى خلو لغات البجا من حرف الخاء الذي غالبا ما يُقلب كافا أو هاء في بعض لهجاتها.

وتوجد رواية أخرى ذات طابع أسطوري تقول إن اسم سواكن مشتق من لفظ “سجون” الذي حُرف بمرور الزمن إلى سواجن ثم سواكن. وتربط الرواية المكان بسجون يُقال إن الملك سليمان عليه السلام كان يودع فيها الجن والعصاة والمجرمين.

ويرى آخرون أن الاسم عربي الأصل ومشتق من كلمة “السوق”، ويستدلون على ذلك بوصول مهاجرين من شبه الجزيرة العربية إلى المنطقة واستقرارهم في الضفة المقابلة لموقع سواكن، حيث ازدهر النشاط التجاري هناك.

وتحول الاسم -وفق هذا الرأي- من سواقٍ أو أسواق إلى سواكن. ويدعم هؤلاء هذا الطرح بالاسم الذي يطلقه شعب البجا على سواكن وهو “أوسوك” ومعناه السوق في اللغة البجاوية.

ويشكل البجا السكان الأصليين للمنطقة، إلى جانب مجموعات عربية ومحلية أخرى. وقد استقطبت سواكن عبر تاريخها الطويل تجارا من اليمن والحجاز ومصر وشرق أفريقيا، مما أكسبها طابعا متعدد الثقافات.

التاريخ

وفقا لمصادر مختلفة، فإنه لا يُعرف تاريخ تأسيس مدينة سواكن بدقة، لكن شواهد أثرية تدل على أن المنطقة كانت مأهولة منذ القدم.

ويُعتقد أن قدماء المصريين، منذ عهد الأسرة الخامسة (حوالي 2494-2345 قبل الميلاد)، استخدموا سواكن محطة في طريقهم إلى بلاد بونت في شرق أفريقيا لجلب الذهب واللبان، كما ارتبط ذكرها بالنشاط البحري والتجاري لليونانيين والبطالسة في العصر البطلمي.

وفي القرن الثامن الميلادي، ورد اسم سواكن في مؤلفات الرحالة العرب وعلماء الجغرافيا، وكانت تمر بها أسر أموية هاربة إلى مصر بعد مقتل الخليفة مروان بن محمد (آخر خلفاء بني أمية في المشرق) سنة 750 ميلادية. كما ارتبطت المدينة بنقاط التبادل التجاري على ضفاف النيل، ومر بها الحجاج المسيحيون في طريقهم إلى بيت المقدس.

ومنذ بداية الهجرات العربية وحتى منتصف القرن الـ13، ظلت سواكن قرية صغيرة يعيش فيها البجا وجماعات محلية أخرى، مع نشاط بحري محدود.

ازدهرت سواكن في القرن الـ15 بعد تدمير ميناء عيذاب على الساحل الغربي للبحر الأحمر، في منطقة مثلث حلايب بين السودان ومصر، وذلك على يد السلطان المملوكي سيف الدين برسباي. ومع انهيار عيذاب، أصبحت سواكن الميناء الرئيسي على السواحل الأفريقية للبحر الأحمر، ومحطة عبور مهمة لحجاج بيت الله الحرام.

وفي القرن الـ16، خضعت سواكن للسيطرة العثمانية، وأصبحت مركزا إداريا لحكمهم على مدن الساحل السوداني. غير أن ازدهارها لم يدم طويلا، إذ شهدت المدينة تراجعا ملحوظا نتيجة تضييق الحركة التجارية وتزايد التهديدات الأوروبية في البحر الأحمر.

وفي القرن الـ17 أصبحت سواكن قاعدة عسكرية للحملة العثمانية على اليمن، ثم أُجِرت للوالي محمد علي باشا في القرن الـ19 مقابل جزية سنوية. وقد زاد عدد سكانها من البجا والعرب والتجار القادمين من مصر واليمن والهند وبلدان أخرى، لكنها تدهورت تدريجيا بعد استكمال السيطرة البريطانية والمصرية على السودان.

وفي نهاية القرن الـ19، استخدم البريطانيون المدينة مركزا لقواتهم، ثم شرعوا في بناء ميناء جديد في بورتسودان بداية القرن الـ20، مما أدى إلى نزوح السكان وفقدان سواكن أهميتها التجارية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدينة شبه مهجورة، محتفظة بآثار حضارتها البحرية والتجارية القديمة.

جزيرة سواكن التاريخية انهارت مبانيها وتحولت إلى أطلال تُجسد تاريخا بحريا ازدهر قرونا طويلة (رويترز)

 المعالم

تمتاز مدينة سواكن بتراث معماري فريد تشكل عبر قرون من النشاط التجاري والبحري، وتضم بقايا منازل وآثار من القرون الوسطى شُيدت على الشعب المرجانية وزُينت بالخشب المنقوش، مما يجعلها واحدة من أغنى المناطق الأثرية في شرق أفريقيا. ومن أبرز معالم سواكن:

  • جزيرة سواكن (المدينة الأثرية)

المركز التاريخي للمدينة، وهي جزيرة مرجانية انهارت مبانيها وتحولت إلى أطلال تُجسد تاريخا بحريا ازدهر قرونا طويلة. بُنيت مبانيها بطراز معماري فريد يجمع بين التأثيرات التركية والمملوكية والبريطانية، ومعظمها مكون من طابقين أو 3، ومشيدة بالحجر المرجاني الأبيض ذي الشرفات الواسعة والنوافذ الكبيرة.

كانت الجزيرة ميناء طبيعيا بارزا، يتوغل فيه لسان بحري نحو الداخل ليتكون حوض محمي بطوق من الشعاب المرجانية. وقد زارها عدد من الرحالة والمؤرخين مثل ابن بطوطة وصمويل بيكر، وكذلك قادة وزعماء أبرزهم الخديوي عباس حلمي والجنرال البريطاني اللورد إدموند ألنبي.

وقد ارتبطت الجزيرة بأساطير محلية عديدة، أبرزها قصة “سوا-جن” التي تزعم أن الجن هم من شيدوا مبانيها العملاقة، إضافة إلى الحكايات الشعبية عن قطط سواكن ذات العيون اللامعة التي تضيء الليل، وهي أساطير أسهمت في تعزيز جاذبيتها السياحية.

وشهدت الجزيرة اهتماما كبيرا بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لها في ديسمبر/كانون الأول 2017، إذ أعلن عزم بلاده دعم عملية ترميم المدينة الأثرية، وهو ما لاقى تأييدا من السلطات المحلية.

  • الجزر والشعاب المرجانية

تضم المدينة أيضا جزيرة الحجر الصحي الواقعة على بعد 5.8 كيلومترات من سواكن، وكانت تستخدم قديما مركزا للحجر الصحي للقادمين بحرا، إضافة إلى جزيرة الرمال التي تبعد حوالي 32 كيلومترا وتُعرف بشواطئها ومواقع الغوص القريبة منها.

وتمثل سواكن إحدى أغنى مناطق البحر الأحمر بالشعاب المرجانية، ومن أبرزها شعاب داموث والمدخل وقاض إيتود وبيرنس، وتجذب هواة الغوص لما تتميز به من جمال وتنوع بيولوجي.

  • الحصون والبوابات التاريخية

تقع معظم هذه المعالم في منطقة القيف، وتشمل بقايا سور المدينة وآثار الحقبتين العثمانية والبريطانية. ومن أهمها بوابة اللورد هربرت كتشنر -المعروفة ببوابة شرق السودان- إضافة إلى حصون مهاجر وأبو الهول وطوكر والسودان والأنصاري واليمني. وتمثل هذه الحصون شواهد على مراحل النفوذ المتعاقبة في المنطقة.

  • متحف هداب

أكبر متحف في شرق السودان، وقد أسسه محمد نور هداب، أحد أعلام سواكن. يضم مقتنيات تاريخية تمثل عصورا مختلفة من تاريخ المدينة، تشمل قطع الأثاث والأزياء والصور والوثائق القديمة.

ويحتوي المتحف على مقتنيات تعود للأمير عثمان دقنة، أحد أبرز قادة الثورة المهدية في شرق السودان، من بينها الزي الذي كان يرتديه ووثائق من تلك الحقبة. كما يعرض نماذج من العمارة التقليدية وفنون سكان سواكن وشرق السودان.

  • آثار أخرى

تشمل بقايا المباني القديمة في الجزيرة والساحل، وهي عمارة مميزة شُيدت من الحجر المرجاني وتعكس الازدهار الذي شهدته سواكن عبر التاريخ، ومن أبرزها:

  • قصر التاجر محمد علي الشناوي المبني بالنمط المصري.
  • منزل خورشيد أفندي.
  • مبنى الجمارك القديم.
  • مبنى البنك الأهلي المصري.
  • المسجد الشافعي.
المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

السعودية والإمارات خلافات عميقة وصراع خفي على النفوذ وزعامة المنطقة؟

تقارير مختلفة أشارت مرارا لوجود توترٍ ملحوظٍ بين السعودية والإمارات بسبب ملفات عدة، لكن تقارير جديدة تتحدث عن أن الخلاف تعمق أكثر حتى وصل إلى حد اتهام بن سلمان للإمارات بأنها “طعنت” بلاده في الظهر. فما الذي يحدث؟

منذ فترةٍ ليست بالبعيدة، نُشرت عدة تقارير في وسائل إعلامٍ مختلفة تحدثت عن “فُتورٍ” في العلاقات السعودية – الإماراتية. فتورٌ تحول مع الوقت إلى نزاعٍ على قيادة المنطقة الخليجية والعربية بأكملها، حتى خرج الخلاف أخيراً إلى العلن بتصريحات لولي العهد السعودي الذي قال إن الإمارات طعنت بلاده في الظهر. 

صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية انفردت بنشر تصريحات الأمير محمد بن سلمان، والتي جاءت خلال لقائه بعدد من الصحفيين المحليين بالرياض في مؤتمرٍ صحفيٍ “نادر وغير رسمي” عقد في ديسمبر/كانون الأول وتحدث فيه بكلمات قوية أذهلت الحضور، حيث اتهم دولة الإمارات – الحليف الاستراتيجي للسعودية منذ عقود – بأنها “طعنتنا في الظهر”، وواصل حديثه قائلاً: “سيرون ما يمكنني القيام به”.

نارٌ تحت الرماد

تفجر الخلاف بين الأمير محمد بن سلمان – 37 عاماً – ومعلمه السابق، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان -62 عاماً، مُظهراً بجلاء طبيعة المنافسة على حيازة القوة الجيوسياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وفي أسواق النفط العالمية.

أمضى بن زايد وبن سلمان ما يقرب من عقد من الزمان في الصعود إلى قمة القيادة السياسية في العالم العربي في مسيرة اقتربا خلالها في الأفكار والتوجهات، لكنهما الآن يتنازعان حول من يتخذ القرارات في الشرق الأوسط، وسط مشهد يخفت فيه التواجد الأمريكي شيئاً فشيئاً.

النزاعُ المتصاعدُ بين الرجلين القويين أثار قلق الولايات المتحدة. إذ أبدى مسؤولون أمريكيون توجساً من أن التنافس الخليجي قد يجعل من الصعب إقامة تحالف أمني موحد لمواجهة إيران، وإنهاء الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات في اليمن، إلى جانب ملف تطبيع العلاقات الدبلوماسية لإسرائيل مع الدول الإسلامية.

مسؤول كبير في إدارة بايدن قال لصحيفة وول ستريت جورنال إن “هذان شخصان طموحان للغاية ويريدان أن يكونا لاعبين رئيسيين وأساسيين في المنطقة”. وتشير تحليلات أمريكية إلى أن الرجلين كانا حتى وقتٍ قريبٍ يتعاونان على مستوىً ما، لكن الآن لا يبدو أن أياً منهما مرتاحٌ لوجود الآخر على المستوى نفسه الذي يتواجد فيه غريمه من القوة والحضور الاقليمي والدولي. يقول المسؤول الأمريكي: “بشكلٍ عام، ليس من المفيد للولايات المتحدة أن يكون بينهما هذا القدر من الخلاف العميق”.

كانت مجلة كولومبيا بوليتيكال ريفيو قد نشرت في أبريل/نيسان من هذا العام تقريراً استندت فيه إلى تقرير لصحيفة نيويورك تايمز نشر في يونيو/حزيران من عام 2019 ذكرت فيه أن أقوى حاكم عربي ليس محمد بن سلمان وإنما محمد بن زايد في إشارة إلى النفوذ المتزايد لدولة الإمارات العربية المتحدة . لكن يبدو أن رعاية الإمارات لاتفاق أبراهام والدور القيادي لأبو ظبي في التحالف النامي المناهض لإيران والتفاهم المتواصل مع التوجهات الأمريكية، كلها أمور دفعت بالإمارات إلى المقدمة، وهو ما أثار حفيظة السعودية التي كانت تعتقد أن كل ما هو في الخليج تحت قيادتها.

وبحسب وول ستريت جورنال، فإن بن زايد وبن سلمان لم يتحدثا منذ أكثر من ستة أشهر، بحسب ما قال أشخاصٌ مقربون منهما، فيما امتدت نزاعاتهما الخاصة إلى العلن.

ورغم النفي الإماراتي المستمر عبر جهات وشخصيات متعددة لوجود مثل هذا الخلاف، لكن الشواهد التي تدعم وجوده متعددة ولا يستهان بها

خلافات عميقة حول ملفاتٍ عدة

وللصراع على الزعامة ملفات متعددة لعل منها المنافسة المحتدمة على شراء الأندية الأوروبية لتكون واجهة دعائية لكلا البلدين كجانب من حيازة القوة الناعمة.

فقد اشترت السعودية ف عام 2021 نادي نيوكاسل الإنجليزي وبدأت الاستثمار في أسماء كبرى للاعبين عالميين، فيما اشترت الإمارات نادي مانشستر سيتي – وهو ملك لعضو بارز في العائلة الحاكمة في أبو ظبي. هذا التنافس على شراء الأندية الانجليزية من جانب السعودية أثار غضب بن زايد بشدة – بحسب الصحيفة – فيما يعتقدُ مسؤولون خليجيون أن بعض “الزلات الخطيرة” قد ارتُكِبَت من جانب السعودية في هذا الملف.

 أيضاً، وكجزءٍ من خُطط بن سلمان لإنهاء الاعتماد الاقتصادي للسعودية على النفط، فقد بدأ في دفع الشركات العالمية إلى نقل مقارّها الإقليمية من دبي وأبو ظبي إلى الرياض، في منافسةٍ محمومة، وخصوصاً لدبي ذات السمعة العالمية في مجالات التقنية والاتصالات وغيرها من النشاطات الاقتصادية.

ويخططُ بن سلمان أيضاً في إطار المنافسة المحمومة للإمارات لإنشاء مراكز تقنية بمستويات متطورة للغاية، وإلى جذب المزيد من السياح وتطوير محاور لوجستية من شأنها أن تنافس مكانة الإمارات كمركز للتجارة في الشرق الأوسط. كما أعلن في مارس/آذار عن تأسيس شركة طيران وطنية ثانية تنافس طيران الإمارات ذات التصنيف العالي.

اليمن .. محطة خلاف محتدم

من المعروف أن لكلا البلدين مصالح استراتيجية في متباينة في اليمن، ما قوًّض الجهود المبذولة لإنهاءِ الصراع في البلد الذي دمرته الحرب.

وتُواصلُ الإمارات دعم حركة انفصالية يمنية تسعى إلى استعادة الدولة اليمنية في الجنوب، الأمر الذي قد يدمر المساعي الهادفة إلى الحفاظ على وحدة البلاد. وانتقلت شرارةُ الخلاف بين الجانبين إلى القوات المتحالفة على الأرض في اليمن، إذ قام المقاتلون المدعومون من السعودية والإمارات – والذين كانوا يعملون معًا لهزيمة قوات الحوثي المدعومة إيرانياً – قاموا في بعض الأحيان بإطلاقِ أسلحتهم على بعضهم البعض.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، رعت الإمارات توقيع اتفاق أمني مع مجلس قيادة الرئاسة اليمني – المدعوم من السعودية – ما يمنح أبو ظبي حق التدخل في اليمن والمياه قبالة سواحلها، وهو ما اعتبره المسؤولون السعوديون بمثابة تحدٍ لاستراتيجيتهم في اليمن.

وتخطط السعودية لبناء خط أنابيب يمتد من المملكة إلى بحر العرب عبر محافظة حضرموت، مع ميناء بحري في عاصمتها الإقليمية المكلا، لكن القوات المدعومة من الإمارات في حضرموت تهدد تلك الخطط.

أيضاً، وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن أشخاص مطلعون قالوا إن إدارة بايدن توسطت في اجتماع السابع من مايو/آيار بين محمد بن سلمان والشقيق الأصغر للرئيس الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد، الذي كان يُنظر إليه ذات مرة على أنه أحد المقربين من ولي العهد السعودي. قالت المصادر إن طحنون تم تجميد عمله في الملف اليمني، حيث قام بست رحلات على الأقل إلى المملكة دون أن ينجح في لقاء محمد بن سلمان حتى حصل على مساعدة من الولايات المتحدة للاجتماع به.

خلال الاجتماع، قال محمد بن سلمان لطحنون إن الإمارات العربية المتحدة لا ينبغي أن تعطل محادثات وقف إطلاق النار في اليمن التي يقودها السعوديون ووعد بتقديم تنازلات للإمارات، بحسب المصادر. لكنه أخبر مستشاريه لاحقًا أنه لا ينبغي للسعودية تغيير أي سياسات تجاه الإمارات وأضاف: “لم أعد أثق بهم بعد الآن”.

في هذا السياق، حذر خبراء معهد تشاثام هاوس في لندن، من أن القوات اليمنية المتنافسة تستعدُ لاشتباكاتٍ جديدة تهدد محادثات السلام الجارية. وقال المحللون “إن المملكتين الخليجيتين تُظهرانِ المزيدَ من القوة، وتتصرفانِ بشكلٍ أكثر عدوانية تجاه بعضهما البعض في المنطقة بشكل عام. اليمن هو فقط الخط الأمامي الأول لهذه المواجهة والأكثر نشاطًا”.

وقال مسؤولون يمنيون إنه إذا انسحب السعوديون من اليمن الآن، فإن الشمال – الذي يُسيطر عليه الحوثيون – سيتحالفُ مع إيران وسيتوافق الجنوب مع الإمارات العربية المتحدة، مما يترك للرياض القليل من حرية الحركة في هذا الملف، وهو أمر يُقلق السعودية بشدة.

مواقفٌ متعارضةٌ تُجاه الرؤى الأمريكية

لا يتفق محمد بن سلمان ولا محمد بن زايد تمامًا مع واشنطن في ملفات مهمة مثل أوكرانيا والصين. لكن المسؤولين الأمريكيين يشعرون بقلقٍ متزايدٍ بشأن تواصل محمد بن زايد مع بكين وموسكو، فيما أقام محمد بن سلمان علاقات أقوى مع غريمي واشنطن.

تولى بايدن منصبه وتعهد بمعاملة المملكة كدولة منبوذة بسبب مقتل الصحفي جمال خاشقجي، الأمر الذي قال محمد بن سلمان إنه لم يأمر به. وبدلاً من ذلك، زار بايدن السعودية في يوليو/تموز 2022، ما ساعد في إنهاء عزلة الأمير الطامح للعرش.

والآن، تنظر الشركات الأمريكية التي كانت مترددة في التعامل مع المملكة إلى الأمر بشكل مختلف. من المرجح أن يتسارع الاهتمام الأمريكي بالتعاون مع الأمير الشاب مع اقتراب الموعد النهائي في نهاية العام للشركات التي لديها عقود من الحكومة السعودية لإنشاء مكاتب إقليمية لها في الرياض بدلاً من دبي.

أوبك .. مزيدٌ من الخلافات العميقة

ويمتد الخلاف الإماراتي-السعودي إلى ملف النفط، حيث تتزايد الضغوط السعودية لرفع الأسعار العالمية، لتقترب بذلك من التوجهات الروسية وتزداد ابتعاداً عن الخطط الأمريكية، وهو ما ترى أبو ظبي أنه يخلق انقسامات جديدة في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).

وظهر الخلاف على السطح في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي عندما قررت منظمة أوبك خفض الإنتاج، في خطوة أذهلت إدارة بايدن. وافقت الإمارات على خفض الإنتاج، لكن مسؤوليها أخبروا مسؤولين أمريكيين ووسائل إعلام بشكل سري أن السعودية أجبرتها على الانضمام إلى القرار.

عكست هذه الديناميكية نزاعًا طويل الأمد بين السعوديين والإماراتيين حول السياسات العامة في أوبك ، وهي الهيئة التي هيمنت عليها الرياض منذ فترة طويلة باعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم.

رفع الإماراتيون طاقتهم الإنتاجية من النفط إلى أكثر من أربعة ملايين برميل يوميًا ولديهم خطط لتجاوز حاجز الخمسة ملايين برميل، لكن يُسمح لهم بموجب سياسة أوبك بضخ ما لا يزيد عن ثلاثة ملايين برميل يومياً فقط، ما يكلفها خسارة مئات مليارات الدولارات من الإيرادات. كما أن الزيادة الإماراتية في الطاقة الإنتاجية للنفط تمنحها القدرة المحتملة على تحريك الإنتاج صعودًا وهبوطًا، ومعها أسعار النفط العالمية. حتى وقت قريب، كانت السعودية فقط هي التي تمارس هذا النوع من القوة السوقية.

وصل الإحباط الإماراتي إلى النقطة التي أبلغ عندها مسؤولوها المسؤولين الأمريكيين أنهم مستعدون للانسحاب من أوبك، وفقًا لمسؤولين خليجيين وأمريكيين. وقال مسؤولون أمريكيون إنهم اعتبروا ذلك علامة على الغضب الإماراتي وليس تهديدًا حقيقيًا. وفي اجتماع أوبك الأخير في يونيو/حزيران، سُمح للإماراتيين بزيادة متواضعة في خط إنتاجهم الأساسي.

فإلى أين يمكن أن يصل الخلاف السعودي – الإماراتي؟

المصدر: DW

جيريمي كوربن يراهن على إحياء اليسار عبر حزب اشتراكي جديد في بريطانيا

ليفربول (أ ف ب) – أعلن جيريمي كوربن السبت طموحه الى إنشاء “حزب اشتراكي ديموقراطي جديد” في بريطانيا، وذلك خلال افتتاح المؤتمر الأول للتشكيل الذي شارك في تأسيسه بهدف شغل مساحة إلى يسار المشهد السياسي في البلاد وجذب الناقمين على الحكومة العمّالية.

وقال كوربن، الزعيم السابق لحزب العمال وأحد أبرز وجوه اليسار البريطاني، أمام آلاف الناشطين المجتمعين في ليفربول بشمال إنكلترا إن “حركتنا هي حركة من أجل العدالة والمساواة والاستدامة البيئية”.

ومنذ الانتخابات التشريعية التي حملت حزب العمال بزعامة كير ستارمر إلى السلطة في تموز/يوليو 2024، يشهد المشهد السياسي البريطاني إعادة تشكيل واسعة، مع صعود الليبراليين الديموقراطيين (وسط) وحزب الخُضر (يسار) وحزب “ريفورم يو كاي” المناهض للهجرة.

وللوصول إلى داونينغ ستريت، دفع ستارمر حزب العمال باتجاه الوسطية، وهي استراتيجية فتحت آفاقا أمام كوربن، البالغ 76 عاما والمهمّش منذ مغادرته الحزب في 2020.

وقال النائب المستقل شوكت آدم، حليف كوربن، لوكالة فرانس برس إن “الناس في هذا البلد يحتاجون بشدة إلى بديل حقيقي في مواجهة صعود اليمين المتطرف”، في وقت يتصدر “ريفورم يو كاي” بقيادة الداعم السابق لبريكست نايجل فاراج، نوايا التصويت في بعض الاستطلاعات.

وأُعلن عن هذا الحزب الجديد الذي يحمل موقتا اسم “يور بارتي” (Your Party)، في تموز/يوليو الماضي من جانب كوربن والبرلمانية العمالية السابقة زارا سلطانة (32 عاما).

“إبادة”

جيريمي كوربن مشاركا في مسيرة مؤيدة للفلسطينيين في وسط لندن في 15 شباط/فبراير 2025 © بنجامان كريميل / ا ف ب/ا ف ب/ارشيف

لكن الانطلاقة شابتها اضطرابات، مع بروز توترات داخلية إلى العلن. ودعا كوربن السبت نحو 50 ألف عضو في الحزب الجديد إلى الوحدة، قائلا إن “الانقسام لن يخدم مصالح الناس الذين نريد تمثيلهم”.

وقالت سلطانة الجمعة إن “علينا أن نتحسن في العمل معا”.

وسيختار الناشطون خلال عطلة نهاية الأسبوع الاسم النهائي للحزب، وكذلك ما إذا كان سيُدار بقيادة فردية أو جماعية.

وتولى كوربن قيادة حزب العمال بين 2015 و2020 قبل أن يستقيل عقب الهزيمة التاريخية للحزب في انتخابات 2019 التي فاز فيها المحافظون بزعامة بوريس جونسون. وعُلّقت عضويته لاحقا عام 2020 بسبب اتهامات بعدم بذل جهود كافية لمكافحة معاداة السامية داخل الحزب، وهو ما نفاه باستمرار.

وفي 2024، أعيد انتخابه نائبا مستقلا في دائرته في لندن.

وانضم ستيوارت هيل، وهو عضو محلي سابق في حزب العمال في تينسايد بشمال شرق إنكلترا، إلى الحزب الجديد في تموز/يوليو “بحماسة” بعد مغادرته حزب العمال عام 2023.

وقال هيل لفرانس برس إنه “كان ينتظر بشدة” مبادرة يسارية جديدة، معتبرا أن حزب العمال “غير فعّال بتاتا” ويتبنى، وفق قوله، خطاب “ريفورم يو كاي” بشأن الهجرة.

وقال كوربن السبت إن “فاراج، مصرفي مدينة لندن، ليس صديق العمال”.

وقوبل بتصفيق واسع بعدما ندد بما وصفه بـ”الإبادة” ضد الفلسطينيين في غزة، متهما حكومة ستارمر بـ”التواطؤ” مع الحكومة الإسرائيلية.

منافسة من الخضر 

لكن الطريق ليس سهلا، رغم تعثر الحكومة العمالية وازدياد التململ داخل جناحها اليساري.

وبحسب استطلاع “يو غوف” هذا الأسبوع، قال 12% فقط من الناخبين إنهم قد “يفكرون في التصويت” لحزب كوربن الجديد، في مقابل 29% لصالح حزب الخضر الذي يشهد صعودا مستمرا بقيادة زاك بولانسكي (31 عاما) منذ أيلول/سبتمبر.

وأشار كولم مورفي المتخصص في شؤون اليسار البريطاني بجامعة كوين ماري في لندن، إلى أن بولانسكي، الناشط بقوة على شبكات التواصل الاجتماعي، “أخذ مكان كوربن في تجسيد الصوت الشعبوي واليساري الراديكالي” على الساحة السياسية.

وأثار ستارمر غضب جزء من قاعدته بعد تقليص بعض المساعدات الاجتماعية، لكنه أعلن هذا الأسبوع في موازنة الحكومة زيادة في الحد الأدنى للأجور وفي مخصصات الأسرة.

وقال النائب العمالي ستيف ويذردن “علينا أن نفعل أكثر بكثير للحفاظ على دعم قاعدتنا التقليدية”، مضيفا أن حزب العمال يجب أن يبقى “البيت الطبيعي لليسار”.

نازيون أمام القضاء ـ رمزية محاكمات نورنبرغ وإرثها التاريخي

عد الحرب العالمية الثانية، وضع الحلفاء قيادات النظام النازي على مقاعد الاتهام، حيث واجه مسؤولو دولة ما لأول مرة محكمة دولية للنظر في جرائمهم الكبرى أمام العالم. فما هي رمزية هذه المحاكمة في تاريخ العدالة الدولية؟

“أقاضي الأشخاص التالية أسماؤهم بتهمة ارتكاب جرائم ضد السلام وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية: هيرمان فيلهلم غورينغ. رودولف هيس. يواكيم فون ريبنتروب…”

كانت القاعة 600 في “قصر العدالة” في نورنبرغ ممتلئة عن آخرها عندما بدأ المدعي العام روبرت ه. جاكسون في قراءة الأسماء واحدا تلو الآخر. كانت قائمته طويلة. بدأت “محاكمة المجرمين الرئيسيين في الحرب” ضد 24 من كبار ممثلي الدولة النازية في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1945 في نورنبرغ. تم استجواب أكثر من 230 شاهدا خلال 218 يوما من المحاكمة وقراءة 300 ألف إفادة وكتابة 16 ألف صفحة من المحاضر.

لم يكن اختيار نورمبرغ كمكان للمحاكمة مصادفة. كانت المدينة البافارية في السابق مسرحا لمؤتمرات الحزب النازي. هنا استعرض النظام النازي قوته وهنا تم إعلان قوانين نورمبرغ  تلك القوانين العنصرية والمعادية للسامية التي مهدت الطريق للهولوكوست. ولهذا السبب بالذات كان يجب أن يتم إقامة العدل هنا.

حشود تحتفل بهتلر في مؤتمر الحزب النازي في نورمبرغصورة من: akg-images/picture-alliance

الجرائم لا يجب أن تبقى دون عقاب

كانت هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي يُحاسب فيها قادة دولة على أفعالهم التي تنتهك حقوق الإنسان. وهذا أمر جديد في النظام القانوني الدولي. ولكن بعد خسارة ألمانيا للحرب اتفقت القوى المنتصرة: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي على أن جرائم الرايخ الثالث لا يجب أن تمر دون عقاب. فقد وقع ملايين الأشخاص ضحية للنظام النازي وقُتلوا في معسكرات الاعتقال أو بسبب الحرب والجوع والاستعباد والعمل القسري.

كان من المهم أيضا لأول مرة طرح مسألة المسؤولية الفردية لكل شخص. “كان زعيم دولة مثل هيرمان غورينغ يمكنه حتى ذلك الحين وربما كان يعتقد ذلك أيضا أن يعتمد على أن ألمانيا الدولة التي يعمل لصالحها هي التي ستتحمل المسؤولية وليس هو نفسه”، كما يوضح خبير القانون فيليب غريبكه لـ DW.

لم يعترف أحد بالذنب

عندما بدأت الاستجوابات أعلن المتهمون واحدا تلو الآخر أنهم “غير مذنبين”. “عمليات القتل الجماعي تمت حصريا وبدون أي تأثير بناءً على أوامر زعيم الدولة  أدولف هتلر”، يعلن يوليوس شترايشر وهو  معادٍ للسامية متعصب ومحرر صحيفة “دير شتورمر” التحريضية التي نشرت الدعاية النازية لسنوات.

وقد منع فالتر فونك، الصحفي الذي شغل منصب وزير الاقتصاد ثم رئيس البنك المركزي الألماني (رايخس بنك)  خلال فترة حكم هتلر اليهود من الوصول إلى حساباتهم المصرفية بصفته رئيسا للبنك المركزي. كما أنه أمر بنقل الأشياء الثمينة التي كانت بحوزة اليهود الذين قُتلوا في معسكرات الإبادة، بما في ذلك الذهب المستخدم في علاج أسنانهم إلى البنك المركزي الألماني.

وفي نورمبرغ قال أمام المحكمة: “لم يمت أي شخص بسبب الإجراءات التي أمرت بها. لقد احترمت دائما ممتلكات الغير. كنت دائما حريصا على مساعدة الأشخاص المحتاجين. وكنت أحاول بقدر ما تستطيع قواي أن أضفي السعادة والفرح على حياتهم”.

تقول ماري كلود فايان كوتورييه، الناجية من الهولوكوست: “ترى الجثث ممددة في الفناء. ومن وقت لآخر تتحرك يد أو رأس بين هذه الجثث”.صورة من: Usis-Dite/Leemage/picture alliance

كما أعلن هيرمان غورينغ، المارشال الإمبراطوري المسؤول عن بناء أول  معسكرات الاعتقال بثقة “غير مذنب!”. وردا على سؤال حول ما إذا كانت هناك سياسة تهدف إلى إبادة اليهود أجاب: “لقد قلت بالفعل إنني لم أكن أعرف حتى تقريبا مدى حجم هذه المسألة”. وقال إنه كان يعلم فقط أن “الهجرة اليهودية كانت مخططة وليس إبادة اليهود”.

اثنا عشر حكما بالإعدام وسبعة أحكام بالسجن

لم يبد قادة النازيين أي ندم وألقوا باللوم بشكل ثابت على هتلر وحده. لم يكن من الممكن محاكمته لأنه انتحر في الأيام الأخيرة من الحرب.

لكن كل الإنكار لم يجد نفعا. كانت الأدلة دامغة. أفلام من معسكرات الاعتقال. شهادات شهود عيان من الناجين. رسائل وأوامر من الجناة. لأول مرة رأى العالم الفظائع التي ارتكبت في معسكرات أوشفيتس بيركيناو وبوخنفالد وبيرغن بيلسن.

في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1946 انتهت محاكمة نورنبرغ الأولى. وأصدرت المحكمة أحكاما بالإعدام على اثني عشر من كبار القادة النازيين المتهمين وسبعة أحكام بالسجن وثلاثة أحكام بالبراءة.

اعتبر الألمان المحاكمات “عدالة المنتصرين”

“عندما تم الحكم على المتهمين اعتقد معظم الألمان: الآن تم القبض على المذنبين الحقيقيين وهذا أمر جيد”، يقول برنارد غوتو من معهد التاريخ المعاصر في ميونيخ – برلين. وتضيف زميلته شتيفاني بالم: “أدت محاكمات نورنبرغ إلى ترسيخ رواية معينة في أذهان الشعب الألماني: أن جميع الآخرين لم يكونوا سوى منفذين مجرد أتباع ولا ذنب لهم! تم تبني نوع من منظور الضحية: “نحن ضحايا هذه المجموعة الصغيرة المحيطة بهتلر”.

ألمانيا | محاكمات نورنبرغ | المدعي العام الأمريكي روبرت هـ. جاكسونصورة من: National Archives, College Park, MD, USA

في هذا الإطار كان معظم الألمان معارضين للمحاكمات الاثنتي عشرة اللاحقة ضد المحامين والأطباء والصناعيين. اعتُبرت المحكمة “عدالة المنتصرين” “لأنها تثير على الفور السؤال حول مدى مسؤولية النازيين عن الجرائم التي ارتكبوها”، كما يقول غوتو. “وفجأة لم يعد الأمر يقتصر على غورينغ وكيتل والوهرمات وهيملر وبالطبع هتلر الذين يُزعم أنهم أضلوا الألمان، بل أصبح عبء هذه المسؤولية موزعا على أكتاف أكثر وهو ما لم تقبله غالبية الألمان”.

سلف المحكمة الجنائية الدولية

تُعتبر محاكمات نورنبرغ اليوم علامة فارقة في تاريخ القانون الدولي. في عام 1945 كان هناك أمل في أن المعايير القانونية المطبقة في نورنبرغ ستنطبق على الجميع في المستقبل. لم يعد بإمكان أي مجرم حرب الاعتماد فقط على سلطة منصبه أو قوانين بلده.

“إذا افترضنا أن القانون الجنائي الدولي ظهر لأول مرة في قاعة المحكمة الجنائية في “قصر العدل” في نورنبرغ عام 1945 فيمكننا أن نرسم خطا مباشرا يربط بين تقاليد محاكم الأمم المتحدة لمجرمي الحرب في التسعينيات وصولا إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية”، حسب خبير القانون فيليب غريبكه. “لكن هذا لم يؤدِ بالتأكيد إلى تطبيق القانون الجنائي الدولي بشكل كامل منذ عام 1946 أو كما نراه اليوم”.

لم يتم تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي إلا في عام 1998 وبدأت عملها في عام 2002. لكن ليست كل الدول تعترف بها. من بين 125 دولة طرف في الاتفاقية تغيب القوى العظمى الأهم: الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند. إسرائيل أيضا ليست من بين الدول الأطراف.

هل المحكمة الجنائية الدولية مجرد نمر من ورق؟

لكن حتى الدول التي تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية قد تجاهلت أوامر الاعتقال. حتى الآن كان المبدأ السائد بالنسبة للحاكمين المتهمين هو: من لا يريد الذهاب إلى السجن عليه ببساطة البقاء في منزله. أما الآن فلم يعد ذلك ضروريا. ففي سبتمبر 2024 سافر فلاديمير بوتين الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف بتهمة ترحيل أطفال أوكرانيين إلى روسيا إلى منغوليا حيث استُقبل بكل تكريم. فهذا البلد يعتمد اقتصاديا بشكل كبير على جاره القوي. 

بالمناسبة لم تتمكن المحكمة الجنائية الدولية من توجيه اتهامات إلى بوتين بسبب حربه العدوانية: على عكس الجرائم ضد الإنسانية لا يمكن للمحكمة أن تحاكم رئيس دولة بسبب إصداره أمرا بالغزو إلا إذا كان بلده يعترف بالمحكمة الجنائية الدولية.

دفع هيرمان غورينغ ببراءته. ثم تهرب لاحقا من عقوبة الإعدام بالانتحار.صورة من: akg-images/picture alliance

هناك أيضا مذكرة توقيف صادرة ضد  بنيامين نتنياهو. تقول المحكمة الجنائية الدولية إن رئيس دولة إسرائيل قد تسبب في تجويع وقتل المدنيين الفلسطينيين. لكن خلال زيارة إلى المجر في نهاية عام 2024 أكد رئيس الحكومة فيكتور أوربان لضيفه بشكل واضح أنه سيتمتع بحرية التنقل.

ومن المرجح أن يبقى نتنياهو أيضا دون ملاحقة في ألمانيا: “أعتقد أنه من غير المعقول ألا يتمكن رئيس وزراء إسرائيل من زيارة جمهورية ألمانيا الاتحادية”، كما قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس في فبراير/ شباط من هذا العام وهو موقف كان قد اتخذه سلفه أولاف شولتس أيضا.

وبالتالي فإن إحالة مجرم حرب محتمل إلى القضاء في نهاية المطاف يعتمد على حماس الدول الأعضاء. فلاحقا لا تملك محكمة لاهاي الوسائل والسلطات اللازمة لإحالة المشتبه بهم إلى المحكمة.

المصدر:DW

“الجلابية” في المتحف الكبير.. صورة تثير الجدل حول الهوية الوطنية في القاهرة

شهدت مصر قبل أيام افتتاح المتحف الكبير في احتفال عالمي لاقى صدى واسعا، واستقطب حضورا كثيفا من الزوار المصريين والأجانب على مدى الأيام التالية. وقد بلغ الإقبال ذروته يوم الجمعة الماضي، حيث وصل المتحف إلى أقصى طاقته الاستيعابية، مما دفع إدارته إلى وقف استقبال الزوار مؤقتا، ليتجه كثيرون إلى زيارة الأهرامات كبديل.

وسط هذا الزخم، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي صورة لرجل من صعيد مصر يرتدي جلبابا تقليديا، ترافقه زوجته بزي مصري بسيط وعباءة تقليدية. تحولت الصورة خلال ساعات إلى “تريند” واسع الانتشار، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حول علاقة المصريين بهويتهم واعتزازهم بالزي الشعبي التقليدي.

end of list

صورة وجدل الهوية

أثارت الإعلامية “سمر فودة” جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تعليق نشرته عبر صفحتها الشخصية انتقدت فيه السماح بدخول زوار إلى المتحف المصري الكبير وهم يرتدون الجلابيب والعباءات، معتبرة أن “صورة الرجل وزوجته في المتحف بالجلاليب ليست مصر ولا تمثلها، فمصر بلد الأناقة وموضتها تسبق باريس”.

كلمات فودة، ابنة المفكر الراحل فرج فودة، قوبلت بموجة من الاستياء بين المتابعين الذين اعتبروا أن الجلباب جزء أصيل من الهوية المصرية، بل وأحد رموزها الثقافية والاجتماعية، مشيرين إلى أنه يوازي في قيمته بعض أرقى العلامات العالمية في الأزياء الرجالية. وردت فودة لاحقا بقولها “مش مصري ومش هويتنا”.

خلال ساعات، تحوّل الجدل حول “الجلابية” إلى عاصفة على مواقع التواصل، دافع خلالها كثيرون عن الزي الصعيدي والفلاحي باعتباره امتدادا للتراث المصري القديم. وتصدر النقاش رجل صعيدي يُدعى “الحاج رشاد”، صاحب الصورة الشهيرة التي التُقطت له مع زوجته في المتحف، والتي كانت الشرارة الأولى للنقاش.

وفي تفاعل لافت، أعلن السفير المصري محمد مرسي عوض، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أنه سيزور المتحف الكبير مرتديا الجلابية المصرية التقليدية، دعما للهوية الوطنية. كما كتبت عالمة الآثار مونيكا حنا أنها ارتدت الجلابية المصرية في مؤتمر لعلم المصريات بمدينة لايدن عام 2023، مؤكدة أن الحضور “احتفوا بالزي أكثر من البحث الأكاديمي نفسه”، مضيفة “الجلابية الصعيدية هي تطور الرداء المصري القديم، والاعتراض عليها غير مقبول لا تاريخيا ولا ثقافيا.. إيه عقدة الخواجة دي؟”.

وهكذا تحول نقاش بسيط حول الزي الشعبي إلى نقاش مجتمعي أوسع حول الهوية والانتماء والاعتزاز بالثقافة المصرية الأصيلة.

جدل الجلابية يتصاعد رغم الاعتذار

على الرغم من التوضيح والاعتذار اللذين قدمتهما الإعلامية “سمر فودة” بشأن منشورها المثير للجدل حول الجلباب المصري، موضحة أنها لم تكن تقصد الزي التقليدي للمصريين بل “عباءة” الزوجة التي لا تعبر عن الهوية المحلية -وفق وصفها- فإن الجدل لم يتوقف، بل تصاعد مجددا بعد اعتذارها.

فقد اعتبر كثيرون أن تبريرها لم يكن كافيا لإنهاء حالة الغضب الشعبي، خاصة بعدما واصلت التعليق والمناوشة عبر حسابها الشخصي. وزاد التفاعل على مواقع التواصل عقب ظهور الإعلامي عمرو أديب مرتديا “جلابية صعيدية” في برنامجه اليومي “الحكاية”، مؤكدا أن الجلباب جزء من الهوية المصرية الأصيلة، وأن ارتداءه “فخر لا يعيب أحدا”.

وفي سياق متصل، أصدرت وزارة الثقافة المصرية بيانا أكدت فيه أنه لن يُمنع أي مواطن من دخول المتحف المصري الكبير بالزي التقليدي، مشددة على أن الجلباب جزء من التراث الوطني.

ويأتي ذلك ردا على الجدل الذي أثارته فودة في منشورها السابق، حين وصفت حضور الصعايدة والفلاحين بجلابيبهم وزغاريدهم في المتحف بأنه “يشوه المشهد السياحي والثقافي”، وهو ما فُسر على نطاق واسع باعتباره إساءة للهوية المصرية ولرموزها الشعبية.

مبادرة لزيارة المتحف الكبير بالجلباب المصري التقليدي

أطلق محمد مدني العطواني، مستشار شعبة المبدعين العرب للثقافة والتراث الأسواني، مبادرة لدعوة المصريين لزيارة المتحف المصري الكبير مرتدين “الجلابية المصرية التقليدية” بمختلف أشكالها وتصاميمها، باعتبارها رمزا يعبر عن التنوع الثقافي والهوية المصرية الأصيلة.

وأوضح العطواني في تصريح للجزيرة نت، أن المبادرة تهدف إلى تنظيم يوم احتفالي في المتحف الكبير، يشارك فيه المثقفون والفنانون والسفراء وعدد من المصريين من مختلف المحافظات، للتأكيد على أن الجلباب هو امتداد للزي الفرعوني القديم، وأن “الأجانب الذين تُخشى نظرتهم إليه هم في الحقيقة أكثر مَن يقدّر خصوصيته ورمزيته”.

من جانبه، أكد الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ التراث الشعبي بجامعة القاهرة، أن ظهور الجلابية المصرية بأشكالها المتنوعة داخل المتحف الكبير “يُثري المشهد الثقافي ويدعم دور المتحف في إبراز الهوية المصرية”.

وأضاف أن الصور المتداولة للمصريين بزيهم التقليدي إلى جوار تماثيل أجدادهم الفراعنة تُعد أفضل دعاية سياحية لمصر، مشيرا إلى أن الزغاريد والمظاهر الاحتفالية المرتبطة بزيارة المتحف “تعبّر عن فرحة المصريين بإنجاز حضاري يمثلهم جميعا”، مع ضرورة الحفاظ على التنظيم بما يصون صورة مصر أمام العالم.

المصدر: الجزيرة

“أعظم صرح ثقافي في القرن الحادي والعشرين”… أبرز خمس معلومات عن المتحف المصري الكبير

بعد أكثر من عقدين من العمل، يفتتح المتحف المصري الكبير السبت بحفل ضخم في القاهرة. يُكرَّس هذا المتحف للحضارة الفرعونية، التي ضمت ثلاثين سلالة حاكمة على مدى خمسة آلاف عام من التاريخ. إليكم خمس معلومات عن هذا المبنى، الذي تُقدمه الحكومة المصرية بأنه “أعظم صرح ثقافي في القرن الحادي والعشرين”.

يفتتح المتحف المصري الكبير في القاهرة السبت بحضور ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، ويضم المتحف أبرز القطع الأثرية من عصر الفراعنة: تماثيل ضخمة، وتوابيت، وأدوات، ومجوهرات… كانت موزعة في أنحاء مختلفة من البلاد وباتت معروضة في مساحة تزيد عن 50 ألف متر مربع.

فما هي أهم مزايا المبنى الضخم الذي تقول السلطات المصرية إنه “أكبر صرح ثقافي في القرن الحادي والعشرين”؟

  • الهرم الرابع 

صممت شركة “هينغان بينغ” الإيرلندية الواجهة الحجرية والزجاجية للمبنى لتكون “الهرم الرابع” لهضبة الجيزة، بالقرب من أهرام خوفو وخفرع ومنقرع.

يضم المتحف ذو التصميم الحديث نحو مئة ألف قطعة أثرية من 30 سلالة فرعونية، سيُعرض نصفها تقريبا، بينما يُحفَظ الباقي في مخازن أو مستودعات.

تجاوزت كلفة بناء المتحف مليار دولار، واستغرق بناؤه أكثر من عشرين عاما. ومع توقع أن يستقبل خمسة ملايين زائر سنويا، يهدف المشروع لتعزيز إيرادات السياحة الحيوية لدعم الاقتصاد.

  •  تمثال رمسيس الثاني

وُضع تمثال الملك رمسيس الثاني الضخم الذي يزن 83 طنا ويبلغ ارتفاعه 11 مترا، عند مدخل ردهة المتحف الفسيحة.

حكم رمسيس الثاني قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام (1279-1213 قبل الميلاد). ويُعد هذا الفاتح والباني من أشهر ملوك الفراعنة، فقد جاب تمثاله العالم مرتين ضمن جولتين استقطبتا ملايين الاشخاص، الأولى عام 1986، والثانية بين عامي 2021 و2025.

سيكون المتحف المصري الكبير المقر الأخير للتمثال بعدما تنقل مرارا منذ اكتشافه عام 1820 قرب معبد ممفيس جنوب القاهرة. وقد رُفع التمثال أمام محطة القطار المركزية في العاصمة بين عامي 1954 و2006، قبل أن يُنقل في موكب مهيب إلى جوار أهرامات الجيزة.

  • كنوز توت عنخ آمون

في المتحف قاعة مخصصة لتوت عنخ آمون، تضم كنوز الفرعون الذي يعد الشخصية الأشهر في مصر القديمة.

يُعرض فيه أكثر من 4500 قطعة جنائزية من أصل خمس آلاف قطعة اكتشفها عالم الآثار البريطاني هاورد كارتر عام 1922 في مقبرة سليمة في وادي الملوك.

من أشهرها قناع توت عنخ آمون الجنائزي الذهبي المُرصّع باللازورد، وتابوته الحجري المصنوع من الكوارتز الأحمر والذي يحتوي على ثلاثة توابيت مُتداخلة، أصغرها مصنوعٌ من الذهب الخالص، ويزن 110 كيلوغراما.

بعد سنواتٍ من الجدل بشأن سبب وفاة الفرعون الشاب في التاسعة عشرة من عمره (عام 1324 قبل الميلاد)، عزت اختبارات جينية ودراسات إشعاعية أُجريت في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وفاته إلى الملاريا المُصحوبة بمرضٍ في العظام.

  •  قاربان شمسيان 

صُمم مبنى منفصل بمساحة 4000 متر مربع خصيصا لاستضافة المركب الشمسي للفرعون خوفو، والذي يُوصف بأنه “أكبر وأقدم قطعة أثرية خشبية في تاريخ البشرية”.

بُني المركب، المصنوع من خشب الأرز والأكاسيا، قبل نحو 4600 عام، ويبلغ طوله نحو 43,5 مترا، وقد اكتُشف عام 1954 في الركن الجنوبي من أكبر الأهرامات الثلاثة.

وتُمكن للزوار عبر جدار زجاجي، مشاهدة أعمال الترميم الدقيقة الجارية على مركب شمسي ثانٍ اكتُشف عام 1987، ونُقل في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قرب الهرم نفسه.

المتحف المصري الكبير يستعد لافتتاح أسطوري في 3 يوليو © أ ف ب
  • واجهة بانورامية 

افتُتح المتحف بشكل جزئي للعامة في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

أُطلق مشروع المتحف عام 2002 في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، وتأخر بناؤه كثيرا. كما أرجئ افتتاحه الرسمي مرارا بسبب عدم الاستقرار السياسي المرتبط بالربيع العربي، وجائحة كوفيد، ثم التوترات الإقليمية.

بُني المتحف المصري الكبير حول درج ضخم مُزيَّن بتماثيل ومقابر ضخمة، يؤدي إلى واجهة بانورامية واسعة تُطل على الأهرامات.

في الطابق العلوي، تُعرض في 12 قاعة، قطع من تاريخ الحضارة الفرعونية، ممتدة على خمسين قرنا من التاريخ عبر ثلاثين أسرة، بدءا من عصور ما قبل التاريخ وحتى الحقبة اليونانية-الرومانية.

يضم المبنى أيضا مخازن مفتوحة للباحثين، ومختبرات وورش ترميم، ومكتبات، ومركز مؤتمرات، ومطاعم، وأروقة تسوق.

فرانس24/ أ ف ب

صور الأقمار الصناعية كشفت “نمط ممنهج من القتل والتطهير العرقي” في الفاشر

الفاشر – دارفور: أكثر من ألفي مدني – معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن – أُعدموا بدم بارد خلال 48 ساعة فقط بعد أن اجتاحت قوات شبه عسكرية مدينة الفاشر، وفقاً لمسؤولين ومراقبين حقوقيين.

قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب بعض من أبشع الفظائع خلال الحرب السودانية المستمرة منذ عامين، أحكمت سيطرتها على المدينة بعد حصار دام 18 شهراً، لتستكمل بذلك سيطرتها على جميع عواصم ولايات دارفور. وسقوط الفاشر يمثل نقطة تحول مأساوية في حرب طاحنة حصدت آلاف الأرواح.

تطهير عرقي متعمد

كشف تقرير صادر عن “مختبر البحوث الإنسانية” في جامعة ييل الأميركية، استناداً إلى مقاطع فيديو وصور ملتقطة بالأقمار الصناعية، عن وقوع “عمليات قتل جماعي” عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.

وأوضح التقرير أن الصور أظهرت “نمطاً ممنهجاً من التطهير العرقي المتعمد” يستهدف المجموعات غير العربية، وتحديداً قبائل الفور والزغاوة والبرتي. كما أظهر تحليل الصور وجود “أجسام بحجم الإنسان” قرب مواقع تابعة للدعم السريع تحيط بها “بقع حمراء على الأرض” يُعتقد أنها آثار دماء.

وتم أيضاً رصد جثث في أطراف المدينة، ما يدعم صحة المقاطع التي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منذ الأحد، والتي توثق إعدامات جماعية للمدنيين أثناء محاولتهم الفرار. كما أظهرت صور أخرى بالأقمار الصناعية حركة نزوح كثيفة للسكان باتجاه الجنوب، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

عمليات قتل من منزل إلى آخر

وصفت “القوات المشتركة” الموالية للجيش ما جرى بأنه “جرائم فظيعة ضد المدنيين الأبرياء”، مؤكدة أن قوات الدعم السريع نفذت مداهمات منظمة من منزل إلى آخر بين 26 و27 أكتوبر/تشرين الأول، أعدمت خلالها أكثر من ألفي مدني أعزل.

وأكدت مقاطع موثّقة من قبل محللين مستقلين ظهور أحد مقاتلي الدعم السريع – المعروف بمشاركته في مجازر سابقة – وهو يطلق النار على مجموعة من المدنيين من مسافة قريبة. وحذر باحثون في الشأن الإنساني من أن ما حدث يحمل بصمات “حملة تطهير عرقي منسقة” تستهدف الجماعات غير العربية.

وقال شهود ومشاركون في عمليات الإغاثة إن قوات الدعم السريع كانت “تطرق الأبواب منزلاً منزلاً وتقتل الأسر بأكملها”، بينما تصاعد الدخان في أحياء مقطوعة عن شبكات الاتصال لأكثر من أسبوعين.

مخاوف من تطهير واسع

نددت منظمات حقوق الإنسان بما اعتبرته “عملية منظمة ومتعمدة للقضاء على السكان الأصليين غير العرب في دارفور” من خلال القتل الجماعي والنزوح القسري واستخدام سياسة الأرض المحروقة.

دعوات لإنهاء الإفلات من العقاب

وقال “مختبر البحوث الإنسانية” في جامعة ييل: “على العالم التحرك فوراً لممارسة أقصى الضغوط على قوات الدعم السريع وداعميها – لا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة – لوقف جرائم القتل”، مشدداً على أن هذه الأحداث الموثقة ترقى إلى “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

من جهته، أعرب الاتحاد الأوروبي عن “قلقه العميق” من تصاعد العنف، ودعا جميع الأطراف إلى التهدئة. وأوضح المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الاتحاد، أنور العنوني، “نحن نوثق كل الانتهاكات للقانون الإنساني والدولي لحقوق الإنسان، ولا يمكن السماح بالإفلات من العقاب”.

كما حذّر مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من “انتهاكات وجرائم ذات دوافع عرقية”، مؤكداً أن مكتبه تلقى “تقارير مقلقة ومتزايدة عن عمليات إعدام ميدانية” في المدينة.

مدينة أنهكها الحصار والجوع

تأتي المجزرة بعد قرابة عامين من الحصار الذي حوّل الفاشر إلى منطقة منكوبة إنسانياً. وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت قبل سقوط المدينة من أن أكثر من 260 ألف مدني – نصفهم من الأطفال – محاصرون داخلها دون طعام أو دواء.

وأعلنت منظمات الإغاثة أن مخيمات النازحين المحيطة بالمدينة دخلت بالفعل في مرحلة المجاعة، فيما اضطر السكان داخل المدينة إلى أكل علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة.

بسقوط الفاشر، أصبحت قوات الدعم السريع تسيطر على جميع عواصم ولايات دارفور، مما يعزز قبضتها على غرب السودان، ويثير مخاوف من ارتكاب فظائع جديدة مع تراجع الاهتمام الدولي بالنزاع.

حرب بلا نهاية

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، يعيش السودان في أتون صراع دموي أودى بحياة عشرات الآلاف وشرّد أكثر من 15 مليون شخص، في ما وصفته الأمم المتحدة بأنه “أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم”.

ورغم أن كلا الطرفين متهم بارتكاب جرائم حرب، فإن مجزرة الفاشر تمثل مرحلة غير مسبوقة من الوحشية في حرب تنزلق بوتيرة متسارعة نحو العنف العرقي والإبادة الجماعية.

إجراءات التأشيرة الأمريكية تهدد كأس العالم.. حساباتكم على مواقع التواصل قيد الفحص

تثير إجراءات الإدارة الأمريكية بشأن التأشيرات قلق جماهير الكرة حول العالم، خصوصا من ينوون متابعة مباريات منتخباتهم في بطولة كأس العالم القادمة، التي ستستضيف الولايات المتحدة جزءا من مبارياتها. في هذا الإطار، فرضت واشنطن إجراءات إضافية على شروط منح تأشيرات الزيارة، من بينها فحص حسابات التواصل للمتقدمين، باعتبار أن أي تعليق أو منشور تعتبره السلطات غير مناسب قد يتسبب بمنع التأشيرة عن صاحب الحساب.

كأس العالم، الحدث الرياضي الأكثر شهرة على الإطلاق حول العالم، تهدد نسخته المقبلة سلسلة من الإجراءات طبقتها الإدارة الأمريكية بشأن منح التأشيرات لدخول البلاد.

وحسب صحيفة “دايلي ميل” البريطانية، شددت إدارة ترامب شروط منح تأشيرات الدخول للأجانب، وطبقت إجراءات من بينها فحص الأنشطة الرقمية لطالب التأشيرة والكشف عن حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة به، حيث تعتبر أن منشورات معينة، انتقادات سياسية أو حتى نكات، قد تكون سببا لمنع التأشيرة.

ومن المتوقع أن تتوافد جماهير من أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا لحضور مباريات المنتخبات الوطنية، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك العام المقبل.

يذكر أنه منذ أن بدأت السلطات الأمريكية بتطبيق تلك الإجراءات، قامت وكالات السفر حول العالم بتحذير عملائها من مغبة ترك منشورات قد تفهم خطأً على أنها تهديد أو إساءة، حتى لو كانت مكتوبة منذ سنوات.

وبالفعل، رصدت حالة إرباك لدى جماهير الكرة حول العالم بسبب التشديدات والتدقيق الأمني المكثف، حيث يخشى كثيرون أن تمتد فترة الفحوصات الأمنية أكثر من عام، ما يهدد بخسارتهم لتذاكرهم المسبقة الدفع.

ودعت شركات سفر عالمية السلطات الأمريكية إلى مراجعة القواعد الجديدة، التي تعامل حسابات طالبي التأشيرات على منصات إكس أو فيسبوك كمصدر تهديد للأمن القومي. كما حذر مراقبون من أن تلك السياسات قد تؤدي إلى إفراغ المدرجات من عشرات الآلاف من الجماهير، وتحول تأشيرة الدخول من حلم لحضور كأس العالم إلى كابوس، وتتيح للسياسة التسلل إلى لعبة يفترض أن توحد العالم لا أن تفرقه.

دقّات دقيقة لـ”بيغ بن” البريطانية مع عودة عقارب الساعة إلى الوراء

لندن (أ ف ب) عرض اليراع- – يستعد صانع الساعات البريطاني إيان ويستويرث هذا الأسبوع لموجة من التساؤلات والقلق من سكان لندن الذين قد يظنون أن الساعة الأشهر في المملكة المتحدة، «بيغ بن»، قد تعطلت.
فالساعة التي تعلو البرلمان البريطاني والعاصمة لندن، ستتوقف مؤقتًا لإجراء التعديل الموسمي الخاص بالتحول إلى التوقيت الشتوي، وهي واحدة من مناسبتين فقط في العام يُسمح خلالها للساعة بالتوقف.

ويُنفَّذ هذا التغيير في الساعة الثانية فجر الأحد (0100 بتوقيت غرينتش)، حين تُعاد عقارب الساعة في أنحاء المملكة المتحدة إلى الوراء ساعة واحدة، إيذانًا بانتهاء التوقيت الصيفي البريطاني وبدء توقيت غرينتش القياسي.

وقال ويستويرث، البالغ من العمر 63 عامًا ويعمل منذ أكثر من عقدين في قسم الساعات داخل قصر وستمنستر: “نصعد إلى هنا ونوقف الساعة الكبرى – نعم نوقفها فعلاً”.

ومثل معظم الدول الأوروبية، ستعود بريطانيا إلى “التوقيت الشتوي” الأحد، رغم الدعوات المتكررة لإلغاء تغيير التوقيت الموسمي، وآخرها جاء من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز هذا الأسبوع.

«الساعة الكبرى» في برج إليزابيث

تحمل الساعة الشهيرة رسميًا اسم «الساعة الكبرى في ويستمنستر»، غير أن البرج والمبنى بأكمله يُعرفان لدى العامة باسم «بيغ بن»، وهو في الأصل اسم الجرس الأكبر بين الأجراس الأربعة الموجودة داخل برج إليزابيث.
ويُعتقد أن الاسم مستمد من المهندس البريطاني بنجامين هول الذي أشرف على تركيب الجرس في القرن التاسع عشر.

وأوضح ويستويرث أن عملية إعادة ضبط الساعة تبدأ عادة في السادسة مساء السبت، وتشمل إيقاف رنين الأجراس وإطفاء الأنوار المحيطة بميناء الساعة حتى لا يرى المارة وقتًا غير دقيق.
وبينما تتوقف الساعة، يجري الفريق المكوّن من أربعة أشخاص فحصًا وصيانة كاملة تشمل هذا العام البحث عن مصدر “صرير مسموع” يُسمع قبل ربع الساعة. وقال ويستويرث: “نفكّ الساعة وننظفها ثم نعيد تركيبها مجددًا، وبعدها نضبطها على منتصف الليل الجديد”.

صيانة دقيقة ورحلة صعود قديمة

قال ويستويرث: «نصعد إلى هنا ونوقف الساعة الكبرى – نعم نوقفها فعلاً» © جوستين تاليس / أ ف ب

وأضاف ويستويرث: “لا نُشغّل الأضواء أو الأجراس أثناء العمل، لكننا نعيد الساعة للدوران بين الثانية عشرة والثانية فجرًا لضبط الوقت بدقة”.
وعند تمام الثانية فجرًا، تُعاد الأضواء والأجراس للعمل كالمعتاد.

وأوضح مبتسمًا: “في صباح الاثنين بعد تعديل الوقت، نتلقى الكثير من الرسائل من أشخاص يقولون إن ساعتكم لا تعمل أو إنهم فاتوا قطاراتهم بسببنا”.

يُجري الفريق فحص الساعة وشد زنبركاتها ثلاث مرات أسبوعيًا. وتُصنع عقارب الدقائق من صفائح النحاس، أما عقارب الساعات فمن معدن المدفع. ويعتني فريق ويستويرث بنحو ألفي ساعة داخل حرم البرلمان البريطاني، من بينها نحو 400 ساعة تحتاج إلى تدوير أسبوعي.

كان الوصول إلى قمة الساعة في الماضي يتطلب ارتداء خوذة عازلة للصوت وتسلق 334 درجة إلى ارتفاع يبلغ 96 مترًا. لكن بعد انتهاء أعمال الترميم الكبرى في نهاية عام 2022، أُضيف مصعد خدمي غيّر حياة الفريق تمامًا.
وقال ويستويرث: “لقد غيّر المصعد حياتنا حقًا. في السابق، إذا نسينا أداة في الأسفل، كان علينا النزول ثم الصعود مجددًا – كانت مهمة متعبة جدًا.”

إرث متجدد بعد أكثر من قرن ونصف

تُفحَص الساعة وتُشَدّ زنبركاتها ثلاث مرات في الأسبوع © جوستين تاليس / أ ف ب

إلى جانب المصعد، أُضيفت إنارة جديدة بتقنية LED لإضاءة البرج، لكن الساعة نفسها – التي يعود تاريخها إلى عام 1859 – ما تزال محافظة على هيئتها الأصلية.
قبل الترميم الأخير، كان الفريق يستخدم الهواتف المحمولة للمقارنة وضبط دقة التوقيت.

ورغم تسارع إيقاع التكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين، يبقى ويستويرث واثقًا من مستقبل «بيغ بن».
وقال: “ما دام هناك فريق جيد يدير عملها، يمكننا إبقاء هذه الساعة تعمل لمئةٍ وستين عامًا أخرى.”

سرقة “أسطورية” تهز باريس: لصوص ينتزعون مجوهرات “لا تُقدّر بثمن” من متحف اللوفر في سبع دقائق

في عملية جريئة وغير مسبوقة منذ أكثر من ربع قرن، شهدت باريس صباح الأحد سرقة مجوهرات ملكية “لا تقدّر بثمن” من داخل متحف اللوفر، في واقعة أثارت صدمة واسعة داخل فرنسا وخارجها، وأعادت فتح النقاش مجدداً حول هشاشة أمن المتاحف الفرنسية أمام عصابات الجريمة المنظمة.

وقعت الحادثة في وضح النهار، تحديداً بين الساعة التاسعة والنصف والتاسعة وأربعين دقيقة صباحاً، حين توقفت شاحنة صغيرة مزودة برافعة أمام رصيف نهر السين الملاصق للمتحف، وصعد منها أربعة لصوص نحو نافذة في الطابق الأول. وباستخدام أدوات قصّ محمولة، حطموا الزجاج واخترقوا قاعة أبولون الشهيرة التي تضم مجوهرات التاج الفرنسي. هناك، حطموا واجهتين محصنتين تعرضان قطع المجوهرات الملكية، قبل أن يفرّوا من المكان في غضون دقائق معدودة.

وفق مصادر أمنية فرنسية، كان اللصوص مجهّزين بمناشير كهربائية صغيرة، وقد عُثر لاحقاً على دراجة كهربائية تركوها أثناء فرارهم. ولم يصدر عن إدارة المتحف أي تعليق فوري، مكتفية بإعلان إغلاق أبوابه “لأسباب استثنائية”.

سبع دقائق تغيّر تاريخ المتحف

وصف وزير الداخلية لوران نونيز العملية بأنها “محكمة وسريعة”، مشيراً إلى أن الجناة “محترفون على درجة عالية من التنظيم” وربما “أجانب”. وأضاف أن عملية السرقة استغرقت سبع دقائق فقط، مستبعداً أن تكون عملاً عشوائياً.

وتتابع السلطات التحقيق عبر أكثر من 60 محققاً من فرقة مكافحة الجريمة التابعة للشرطة القضائية والمكتب المركزي المختص في مكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية. فيما قدّرت وزارة الثقافة أن اللصوص سرقوا ثماني قطع تراثية “لا تقدّر قيمتها بثمن”، جميعها من القرن التاسع عشر.

من بين المسروقات عقد من الياقوت والماس يعود إلى الملكة ماري-إميلي، زوجة الملك لوي فيليب الأول، يضم ثمانية أحجار ياقوت وأكثر من 600 ماسة، إلى جانب عقد آخر من الزمرد مؤلف من 32 حجر زمرد وأكثر من ألف ماسة تعود للزوجة الثالثة لنابوليون بونابرت. كما أسقط اللصوص أثناء فرارهم تاج الإمبراطورة أوجيني، زوجة نابوليون الثالث، وهو قطعة فريدة تحتوي نحو ألفي ماسة.

دوافع غامضة وسط تحذيرات من “اختراق أمني”

أكدت المدعية العامة في باريس، لور بيكو، أن الجناة كانوا “ملثمين” وهربوا على دراجات نارية، مرجّحة احتمالين أساسيين: إما أنهم نفذوا العملية لصالح جهة معينة، أو سعوا للاستفادة من الأحجار الكريمة في عمليات غسل أموال، نظراً لاستحالة بيع المجوهرات المسروقة بصيغتها الأصلية.

وزارة الثقافة الفرنسية أقرّت بأن تدخل موظفي المتحف السريع أجبر اللصوص على الفرار، تاركين خلفهم بعض معداتهم، لكن ذلك لم يمنع من تصاعد الانتقادات المتعلقة بضعف إجراءات الحماية في الصرح الثقافي الأهم في العالم.

أمن المتاحف في دائرة الاتهام

السرقة هي الأولى من نوعها في متحف اللوفر منذ عام 1998، وجاءت بعد حوادث مشابهة استهدفت متاحف فرنسية خلال الأشهر الماضية، بينها سرقة عينات ذهبية من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، وقطع خزفية من متحف ليموج وسط البلاد، بلغت قيمة خسائرها ملايين اليوروهات.

ورداً على تساؤلات حول الخلل الأمني، قال وزير الداخلية إن “أمن المتاحف الفرنسية هشّ”، مضيفاً أن خطة أمنية جديدة أطلقتها وزارة الثقافة “تشمل اللوفر ضمن أولوياتها”.

صدى سياسي واسع: “فرنسا نُهبت”

وأثارت العملية ردود فعل غاضبة في الأوساط السياسية الفرنسية، إذ اعتبر زعيم حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا أن ما حدث “إهانة لا تُحتمل”، متسائلاً: “إلى متى سيستمر انهيار الدولة؟”، فيما قال لوران فوكييه، رئيس كتلة الجمهوريين في الجمعية الوطنية، إن “فرنسا نُهبت، وعلينا حماية أثمن ما لدينا: تاريخنا”.

إرث مُستباح ودلالات مقلقة

يعدّ متحف اللوفر، الذي استقبل نحو تسعة ملايين زائر في عام 2024، 80% منهم من خارج فرنسا، من أهم رموز الهوية الثقافية الأوروبية والعالمية. ويضم على مساحة 73 ألف متر مربع حوالي 35 ألف عمل فني، من أبرزها لوحة الموناليزا وتماثيل العصور الكلاسيكية.

وفي يناير الماضي، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد تعهد بترميم المتحف وتحديث مرافقه، بعد تحذيرات من إدارته حول تدهور بنيته التحتية. وقال ماكرون حينها إنه يأمل بزيادة عدد الزوار إلى 12 مليوناً سنوياً بعد انتهاء أعمال التوسعة.

لكن عملية السرقة الأخيرة، التي نفذت بدقة وجرأة نادرتين، أعادت إلى الأذهان أكثر قصص السطو جرأة في تاريخ الفن، وألقت بظلال ثقيلة على صورة فرنسا كحارسة لتراث الإنسانية، في بلد يبدو أنه يواجه اختباراً حقيقياً بين ذاكرته الثقافية وواقعه الأمني.

ألوان النوبة… العمارة و»مؤسسة الونسة» والجن في قبيلة نوبية

 محمد تركي الربيعو

تمتاز النوبة في مصر والسودان، بثراء ثقافي وإنساني فريد ترك بصماته على الأرض واللغة والعادات، ورغم عمق هذا الإرث، بقيت الدراسات التي تتناول الحياة النوبية محدودة، إذ انشغل كثير من الباحثين بتاريخ المدن الكبرى، وأهملوا الريف النوبي وما يختزنه من ذاكرة ومعنى. في هذا السياق يأتي كتاب «الونسة النوبية: العادات والتقاليد لقبيلة الكنوز النوبية» تأليف عبير محمود عبد الرحمن، الصادر عن دار الكنزي، محاولة جادة للغوص في تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع النوبي، ولاسيما عند قبيلة الكنوز، التي تقطن أقصى شمال النوبة المصرية.
تسعى المؤلفة إلى رسم صورة داخلية للعالم النوبي من خلال تتبع طقوس الحياة اليومية و»طقوس العبور»، التي تتكرر في حياة الإنسان منذ ميلاده حتى وفاته، من زواج، وولادة، وختان وموت. كما تُفرد مساحة واسعة للحكايات الشعبية والأساطير، وللعلاقات الاجتماعية التي نسجت بنية هذا المجتمع عبر القرون. يشكّل البيت النوبي بألوانه نواة الحياة ومركزها في العالم النوبي. فالبيت الكنزي ليس مجرد مأوى، بل كيان معماري صُمّم بعناية ليتواءم مع المناخ القاسي في جنوب مصر. تمتاز هذه البيوت بقبابها الطينية العالية التي تخفّف من حرارة الصيف، وتحفظ البرودة في الداخل، وتقي من برد الشتاء. وكلما اقترب المنزل من النهر قلّ عدد القباب، وكلما اقترب من الجبل ازداد عددها، في انسجام دقيق بين العمارة والطبيعة.
وتُعدّ غرفة الكانون، أو المطبخ، قلب المنزل ومصدر دفئه اليومي. يُبنى الكانون من الطين النيء ويشبه أصيص الزرع المقلوب، وتستخدم النساء أواني الطين والحديد لتسوية الخبز، الذي يُعد جزءاً من الحياة اليومية وطقساً من طقوس الألفة. حتى أدوات العجن كـ»الماجور» لها طقوسها وأحجامها المخصصة، فيتداخل العملي بالرمزي في أبسط تفاصيل المطبخ النوبي.

طقوس العبور

تعتمد المؤلفة في تتبعها لليومي، على دراسة طقوس العبور ـ الولادة، الزواج، الموت ـ وهو أسلوب عادة ما يعتمده الباحثون الأنثروبولوجيون في دراسة حياة المجتمعات التقليدية. فمن خلال هذه الطقوس يمكن تتبع اليومي وتغيراته عبر الزمن. ويُعد الزواج من أهم مراحل هذه الحياة، إذ لا يُنظر إليه بوصفه ارتباط شخصين فحسب، بل حدثاً جماعياً تشترك فيه القرية كلها. تبدأ المفاوضات بين العائلتين، من دون مشاركة مباشرة من العروس، وفقاً للعادات القديمة، ويُحدد يوم الزفاف عادة مع موسم الحصاد، حين تتوافر الموارد. تُفضّل الليالي القمرية لإقامة الأعراس تفاؤلاً بالنور، وتُستبعد تماماً أيام رمضان.
تصف المؤلفة طقوس الدعوة إلى العرس، التي تقوم بها أم العريس عبر ما يسمى «الأوكجر»، حيث تجوب سيدات العائلة القرية وهنّ يحملن طبق «الكاريدج» المزخرف بسعف النخيل والعطور النوبية، فيتحول الإعلان عن الفرح إلى طقس عطري وجماعي في آنٍ واحد. أما العريس فيرتدي الحرير الأبيض ويحمل سيفه «السمكان» وخنجره «الكاندي» ويركب جمله مصحوباً بـ»الداشو» أو الوزير، الذي يلازمه كظله طوال الاحتفال. أما العروس فتدخل عالماً خاصاً من الزينة والتحضير. تبدأ استعداداتها بما يعرف بـ»دقة العطر البلدي» وهو طقس طويل تصنع فيه النساء «الخمرة» من الصندل والمحلب والمسك والعطور الفرنسية، في توليفة تمثل سر الجمال النوبي ورائحته المميزة. هذه العملية تستغرق أياماً من العمل الجماعي والفرح الأنثوي، وتتحول إلى مناسبة اجتماعية بحد ذاتها. في يوم الزفاف ترتدي العروس جلباباً أبيض مغطّى بشقة حريرية، وتتحلى بالذهب والمجوهرات النوبية، التي تتوارثها النساء عبر الأجيال. الذهب عند الكنوز ليس مجرد زينة، بل رمز عائلي وذاكرة متوارثة. وتظل العروس في حجرتها حتى يأتي موكب العريس وسط طقوس الزغاريد والأناشيد التي تشارك فيها كل نساء القرية.
بعد الزواج تنتقل المؤلفة إلى طقوس الولادة، التي تمثل لحظة مقدسة في الثقافة النوبية. تبدأ الاستعدادات بوضع الباذنجان قرب السيدة الحامل لطرد «المشاهرة»، وتُستدعى القابلة «مونسكر» عند اقتراب المخاض لتتلو آيات من القرآن حتى تتم الولادة بسلام. بعد الولادة تُدفن المشيمة بعناية قرب البيت، حمايةً للأم والطفل من الأرواح الشريرة. يُكحّل المولود بالكحل البلدي الممزوج بماء البصل لوقايته من الأمراض، ويُغذّى جسد الأم بأطعمة دسمة وسمن بلدي ودجاج ولحوم مطهوة في الطواجن، لضمان عافيتها وإدرار الحليب.
أما الختان فيأتي ثاني أهم الطقوس بعد الزواج، وله احتفالات ضخمة تتطلب استعدادات طويلة. يجتمع الناس من القرى المجاورة، وتُقام الولائم وتُذبح الذبائح. في اليوم الأول من الاحتفال، المسمى «باسم»، يتزين الطفل بملابس جديدة، وتبدأ الطبول بالعزف بعد صلاة الظهر. وفي اليوم التالي يُغطى الطفل بالحناء ويستحم في نهر النيل، الذي يحضر في كل المراحل بوصفه شاهداً ومقدساً في آن. بعد الختان تُقام الولائم وتُقدَّم الهدايا، ويتحول الحدث إلى احتفال جماعي بالحياة والتطهر والنمو.
يتوقف الكتاب أيضاً عند التعليم في النوبة القديمة، الذي بدأ في الكتاتيب المنتشرة في القرى، حيث كان الأطفال يتعلمون القرآن ومبادئ الكتابة والقراءة على يد «الفقهاء» القادمين من السودان. هؤلاء المشايخ اندمجوا لاحقاً في المجتمع النوبي وتزوجوا من أهله، فصاروا جزءاً من نسيجه الديني والثقافي.

مؤسسة الونسة :

يشكّل عالم الونسة قلب الكتاب ويمثل جوهر التواصل النوبي. والونسة في المجتمع النوبي، كما في العديد من المجتمعات القديمة، تعني المجالسة وزيارة الأصدقاء والأهل. وهي ليست مجرد حديث عابر، بل حوار روحي وتبادل وجداني بين أبناء القرية. يجتمع الناس مساءً بعد صلاة العشاء، في بيت امرأة مسنّة غالباً، تقص لهم قصصها وتجاربها وحكاياتها التي تتناقلها الأجيال. في الصيف تكون الونسة في الهواء الطلق، وفي الشتاء في الحوش السماوي. وتوجد أيضاً الونسة الصباحية الخاصة بالعجائز، التي تمتد حتى وقت الظهيرة قبل أن يشتد الحرّ. الونسة ليست ترفاً أو تسلية، بل مؤسسة شفوية تنقل المعرفة والذاكرة والخيال. عبرها تُروى الحكايات القديمة والأساطير، التي تشكل المخيال النوبي. فالراوية تبدأ حكايتها بعد غروب الشمس، إذ يُعتقد أن من يبدأ السرد قبل الغروب قد يُصاب بالعمى. ومع كل قصة، تُستعاد أحداث الماضي وتُستحضر أرواح الأسلاف. من بين أبرز موضوعات الحكايات النوبية الجن والعوالم الماورائية، التي تشكّل جانباً أساسياً من الموروث الروحي. يعتقد الكنوز أن الجن يسكن المناطق الصحراوية والجبلية الواقعة بين القرى، وأن بعض الجن وُجد في تلك الأرض منذ الحروب القديمة التي جرت هناك. تنتشر قصص كثيرة عن أشخاص صادفوا كائنات غريبة أو حيوانات ضخمة ليلاً، وعن رجال حاولوا ركوب حمار ليلاً، فإذا به يرتفع بهم في الهواء ليتبيّن أنه «جني صحراوي».
تتناول المؤلفة أيضاً الأساطير النسائية مثل قصة «بنات النهر» وهنّ كائنات يُعتقد أنهن يصعدن إلى سطح النيل عند الغروب، لذلك يُحرم على النساء النزول إلى النهر في ذلك الوقت وهنّ متزينات بالذهب، خوفاً من أن يخطفنهن. وثمة أسطورة أخرى تحكي عن «فاطمة السمحة والغول» وهي فتاة نوبية جميلة يطاردها مخلوق أسطوري لا يأكل إلا العظام البشرية في موسم فيضان النيل، في دلالة رمزية على العلاقة بين الإنسان والخطر الكامن في الطبيعة. أما أجمل الأساطير وأكثرها رمزية فهي أسطورة حورية البدر. تقول الحكاية إن ضوء القمر ما هو إلا انعكاس لنورها الخفي. هذه الأسطورة تمثل خلاصة المخيلة النوبية التي تمزج بين الطبيعة والأسطورة، وبين القمر والمرأة والحب في صورة واحدة.
من خلال هذا التنوع في الطقوس والأساطير، تكشف المؤلفة عن عمق النظرة النوبية للعالم، حيث يتداخل الواقعي بالرمزي، والطقس بالحكاية، والبيت بالكون. ويُظهر الكتاب أيضاً كيف حافظ النوبيون، رغم التهجير والتغيرات الحديثة، على تراثهم الشفوي ومفرداتهم الخاصة التي تمنحهم تفرّداً داخل النسيج المصري. فالعادات ليست مجرد بقايا من الماضي، بل آليات للبقاء الثقافي والهوية.

كاتب سوري لصحيفة القدس العربي

فطر الكمأة كنز ثمين من باطن الأرض إلى أطباق الملوك

في السنوات الأخيرة، اكتسح فطر الكمأة (الترافل) عالم الطهي ومواقع التواصل الاجتماعي، ليصبح أحد أكثر المكونات شهرة وإغراءً في وصفات الطعام الفاخرة. لم يعد وجوده مقتصرا على المطاعم الراقية، بل انتشر في محتوى الطهاة والمؤثرين الذين يتنافسون على تقديم أطباق تتوّج بشرائح الكمأة أو قطرات من زيتها العطري الفاخر.

ومن المقاطع القصيرة على “تيك توك” و”إنستغرام” إلى وصفات “يوتيوب”، تحول هذا الفطر النادر إلى رمز للترف والمذاق الاستثنائي، حيث تُغمر المعكرونة والبيتزا، وحتى البطاطا المقلية، بلمسته العطرية المميزة التي باتت تُلهم ملايين المتابعين حول العالم.

end of list

الكمأة أو الترافل هي فطر أرضي نادر ينمو في باطن التربة دون أن يظهر له جسم ثمري فوق السطح. تنتمي إلى عائلة التيوبرِيسي ضمن المملكة الفطرية، وتعيش في علاقة تكافلية مع جذور أشجار مثل البلوط والبندق والصنوبر، حيث تمتص المغذيات منها وتمنحها في المقابل عناصر تساعدها على النمو والتوازن البيئي.

تاريخ الكمأة

ذُكرت الكمأة لأول مرة في النصوص السومرية القديمة، ثم في كتابات الإغريق والرومان، حيث ارتبطت بالسحر والحكمة، وعُدّت غذاءً فاخرًا.

في العصور الوسطى، تراجع انتشارها بين عامة الناس، لكنها ظلت عنصرا نادرا على موائد الطبقة الثرية. ومع عصر النهضة، عادت لتتألق خاصة في فرنسا وإيطاليا، لتصبح علامة فارقة في المطبخ الراقي وولائم الملوك.

يعود تاريخ استخراج الكمأة إلى آلاف السنين، إذ عرفها الإنسان منذ العصور القديمة بوصفها طعاما نادرا وذا مكانة خاصة. وقد تناولتها الحضارات القديمة في وصفاتها وطقوسها، وتناقلت عنها الأساطير والرموز المرتبطة بالخصوبة والرخاء.

أقدم الإشارات إلى الكمأة ظهرت في الكتابات السومرية والنقوش المصرية القديمة، حيث عُرفت كغذاء فاخر كان يُقدّم للنبلاء، ويُعتقد أنها كانت تُطهى بالسمن أو الزيت وتُستخدم لأغراض علاجية.

أما الإغريق والرومان فقد نظروا إلى الكمأة كرمز للقوة والسحر والحكمة، وعدّها الفيلسوف بلوتارخ نتاجا لتفاعل البرق والمطر مع الأرض. وقد اعتبرها الرومان “هدية من الآلهة”، وكانوا يقدمونها في ولائم الملوك والأباطرة.

تراجع انتشار الكمأة في القرون الوسطى بسبب الخرافات التي أحاطت بها، إذ ظنّ البعض أنها “ثمرة شيطانية” لأنها تنمو في الظلام تحت الأرض. ورغم ذلك، ظلت حاضرة على موائد النبلاء وضمن المأكولات الراقية في قصور أوروبا.

مع عصر النهضة، استعادت الكمأة مكانتها في المطبخ الأوروبي، خاصة في فرنسا وإيطاليا، حيث أصبحت جزءًا من المائدة الراقية ورمزًا للترف. وفي القرن السابع عشر، أُطلق عليها اسم “جوهرة المائدة” وأصبحت عنصرا أساسيا في الولائم الملكية.

وفي القرن التاسع عشر، بدأ المزارعون في فرنسا وإسبانيا تجارب لاستزراع الكمأة عبر زراعة أشجار البلوط المطعّمة بفطر الكمأة، مما أدى إلى ازدهار إنتاج الكمأة السوداء.

أما اليوم، فتُجمع الكمأة باستخدام الكلاب المدرّبة أو الخنازير لاكتشاف رائحتها النفاذة، في عملية دقيقة تُعرف باسم “صيد الكمأة”، وهي مهنة تقليدية متوارثة في مناطق مثل بيريغورد الفرنسية وألبا الإيطالية.

لماذا تُعدّ الكمأة من أغلى أنواع الفطر في العالم؟

تنمو الكمأة في أعماق التربة متشابكة مع جذور أشجار مثل البلوط والبندق، مما يجعل العثور عليها مهمة شاقة تتطلب خبرة وأدوات خاصة. ورغم محاولات المزارعين لزراعتها في مزارع مخصصة، فإن نموها يظل غامضًا وغير منتظم، حتى في أكثر البيئات رقابة وتنظيمًا.

وتكمن أسباب ارتفاع سعرها في مجموعة من العوامل المتداخلة:

ندرتها الطبيعية: لا تنمو الكمأة إلا في تربة غنية ومع مناخ محدد وبالقرب من أنواع معينة من الأشجار.

موسمها القصير: تُجمع خلال فترة زمنية محدودة من العام، مما يجعل توفرها محدودا، فالكمأة البيضاء الإيطالية مثلًا تُحصد في الخريف والشتاء.

صعوبة زراعتها: حتى في المزارع المتخصصة قد تمر سنوات قبل ظهور المحصول، ودون ضمان نجاح دائم.

العمل اليدوي الشاق: يتطلب البحث عنها تدريب كلاب أو خنازير لاكتشاف رائحتها، ثم استخراجها يدويا ونقلها بسرعة لأنها تفقد جودتها خلال أيام قليلة.

قيمتها الثقافية والذوقية: تُعد رمزا للفخامة في المطبخ العالمي، ويزداد الطلب عليها في مواسم الأعياد والمناسبات الخاصة.

للكمأة عمر قصير جدا بعد جمعها، إذ يمكن أن تفقد نكهتها خلال خمسة أيام إن لم تُحفظ جيدًا، في حين يمكن أن تدوم أسبوعين فقط إذا تم تخزينها بعناية.

هذه العوامل مجتمعة تجعل من الكمأة كنزا أرضيا نادرا لا يقدر بثمن، يجمع بين الندرة والمذاق الفريد والفخامة التاريخية.

سعر الكيلوغرام من الكمأة البيضاء الإيطالية قد يتجاوز 10 آلاف دولار أميركي في بعض المواسم (بيكسلز)

أسعار الكمأة

قد يتجاوز سعر الكيلوغرام من الكمأة البيضاء الإيطالية 10 آلاف دولار أميركي في بعض المواسم.

أما الكمأة السوداء “بيريغورد” فهي أقل سعرًا من البيضاء لكنها تبقى مكلفة، إذ تتراوح أسعارها بين 1200  و2300 دولار أميركي للكيلوغرام. وقد تختلف الأسعار بحسب النوع والحجم والموسم ومكان البيع.

المذاق والرائحة

تتنوع نكهات الكمأة بحسب نوعها، وتشمل نكهات الجوز والبلوط والمالح “الأومامي”. أما رائحتها، فيشبهها البعض بعطر الكستناء المحمصة أو الزيتون الأسود أو اللحم المجفف، وهي رائحة ترتبط ارتباطا وثيقا بمذاقها.

وتُقدّم الكمأة البيضاء خصوصا نيئة أو مبشورة فوق الطعام الساخن لتطلق عطرها، لكن الحرارة العالية تؤدي إلى إضعاف رائحتها.

استخداماتها في المطبخ

تُعتبر الكمأة إضافة فاخرة للأطباق مثل: المعكرونة والريزوتو والبيض واللحوم والأسماك والشوربات والأجبان والزيوت والزبدة المنكّهة.

وتُستخدم أيضًا في منتجات مثل الملح بالكمأة أو المستحضرات المجففة، مما يجعلها عنصرا يجذب عشاق التذوق الفاخر في المطاعم الراقية.

الفوائد الصحية

رغم محدودية الأبحاث، فإن الكمأة تُظهر فوائد غذائية وصحية منها:

  • غناها ببعض البروتينات والأحماض الأمينية والمعادن.
  • احتواؤها على مضادات أكسدة تحارب الجذور الحرة.
  • نشاطها المحتمل ضد بعض البكتيريا والالتهابات.
  • رائحتها المميزة قد تُحفز الشهية وتحسن تجربة تناول الطعام.

الكمأة ليست مجرد فطر نادر، إنها رمز للترف والتميز، تجمع بين التاريخ العريق والجمال الحسي. أسعارها المرتفعة انعكاس لرحلة معقدة تبدأ من أعماق الأرض وتنتهي في أطباق الملوك وعشاق النكهات الفريدة. ولمن يبحث عن تجربة لا تُنسى، فإن قطعة صغيرة من الكمأة قد تحمل عالما كاملا من السحر.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

التشريط والوشم و الشلوخ في مجتمعات جنوب السودان.. طقوس جمالية تواجه الاندثار

في جنوب السودان، خاصة في القرى والمناطق الريفية النائية، يحرص الرجال والنساء من مختلف الأعمار على تزيين وجوههم وجباههم بعلامات وفصود تقليدية تعكس هويتهم وانتماءهم لمجموعاتهم.

وتظل هذه العادات والممارسات حاضرة رغم التحولات الاجتماعية والتأثيرات الحديثة، إذ تحمل كل علامة أو فصد على الوجه دلالات اجتماعية وثقافية تعكس الانتماء القبلي أو المناسبات الطقسية، كما تسهم في الحفاظ على التراث ونقل القيم والتقاليد عبر الأجيال.

مجموعة من شيوخ قبيلة الشلك (مواقع التواصل)

تُعد التشريط والوشم و الشلوخ إحدى العلامات الأساسية لبلوغ مرحلة الرجولة وتحمل المسؤوليات والصعاب لدى الرجال، ولا تزال بعض المجموعات في المناطق الريفية تعتبر الشخص الذي لا يحمل هذه العلامات على وجهه مجرد صبي مهما بلغ من العمر، مما يحرمه من مكانته والمكتسبات المرتبطة بها.

وتشارك غالبية الجماعات الإثنية في أقاليم جنوب السودان في هذا التقليد، خاصة مجموعات الدينكا والشلك، حيث يُعد جزءا من طقوس الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحياة.

وتشهد القرى والأرياف احتفالات كبيرة يحضرها الشباب المولودون في العام نفسه، وتُستخدم فيها أدوات حادة مثل الحراب والسكاكين لعمل الشلوخ على الجباه، بينما يتحمل الشباب هذا التقليد بصبر وجَلَد لإثبات رجولتهم وتجنب السخرية أمام الأسرة والعشيرة والأقران.

قلة من نساء الدينكا ما زلن يحتفظن بشلوخهن (صحيفة ستيزن)

أما بالنسبة للفتيات، فإن الخضوع لعملية التشليخ لا يُعد مجرد طقس تقليدي، بل يحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة ترتبط بالنضج والاستعداد للزواج وتحمل مسؤوليات الأسرة.

فإتمام هذه الطقوس يشير إلى انتقال الفتاة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، ويجعلها مقبولة اجتماعيا ضمن مجتمعها بوصفها زوجة محتملة وقادرة على إنجاب الأبناء.

كما تعكس هذه الممارسة القيم المجتمعية المتعلقة بالشرف والسمعة، وتؤكد أهمية الانتماء للثقافة الجماعية، حيث يُنظر للفتاة التي لم تخضع لهذه الطقوس على أنها غير مكتملة اجتماعيا، مما يؤثر على مكانتها داخل الأسرة والمجتمع الأوسع.

ويذهب عديد من المهتمين والباحثين في التراث الشعبي لجنوب السودان إلى أن عادة الشلوخ قد تعود أصولها إلى فترة الاستعمار الإنجليزي في بدايات القرن العشرين، حين استخدمها المستعمر وسيلة للتمييز بين القبائل المختلفة وتحديد هوياتها الجماعية.

ومع مرور الوقت، تبنت هذه المجموعات الطقس بشكل تلقائي، وأصبح جزءا من ممارساتها الثقافية والاجتماعية من دون وعي بتاريخها الاستعماري، ليتحول إلى رمز للرجولة والانتقال إلى مرحلة جديدة في حياة الفرد.

فتيان من المنداري إحدى المجموعات التي لا تزال تحتفظ بممارسة التشليخ (الجزيرة)

وتتميز كل قبيلة في جنوب السودان بنمط فريد من الشلوخ يميزها عن غيرها، فقبيلة النوير في ولايات أعالي النيل وجونقلي والوحدة تعتمد خطوطا أفقية على الجبهة تتراوح بين 6 و7 خطوط، بينما تأخذ شلوخ قبيلة المنداري في مناطق تركيكا وتالي بالولاية الاستوائية الوسطى شكل 3 سبعات على الجبهة.

أما قبيلة الشلك في أعالي النيل، فلها نمط مختلف يتمثل في ندوب بارزة أسفل الجبهة تُعرف لديهم باسم “طاي”.

يقول دينق لوال، الباحث في الفولكلور، إن عادة الشلوخ بدأت تتراجع في عديد من مناطق البلاد، حتى في بعض المناطق الريفية، بفعل انتشار التعليم الحديث وزيادة الوعي الصحي.

ويضيف في تصريحات للجزيرة نت أن “هذا التراجع يعكس تحولا تدريجيا في الممارسات التقليدية، حيث بدأ الشباب والأسر يعيدون النظر في هذه الطقوس بسبب المخاطر الصحية والرغبة في التكيف مع أساليب الحياة الحديثة، كما أن التعليم مكّن الشباب من التفكير النقدي وفهم أهمية حقوق الفرد والسلامة البدنية، مما أدى إلى انخفاض الإقبال على التشليخ أو تعديل ممارسته لتصبح أقل ضررا”.

وجه لشاب من النوير من الأجيال الأخيرة المحتفظة بشلوخها (مواقع التواصل)

ويؤكد لوال أن هذا التحول لا يعني فقدان الهوية الثقافية، بل يمثل محاولة لإعادة تفسير الرموز التقليدية وربطها بأساليب حياة معاصرة، مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية والانتماء الجماعي الذي كانت الشلوخ تمثله سابقا.

إلى جانب ممارستها كعادة جمالية لها طقوسها المحددة، استخدم عديد من المجتمعات الشلوخ والفصود أيضا لأغراض صحية، إذ كان يُعتقد أنها تساهم في علاج أمراض العيون والصداع المزمن، وربما تمنح الجسم توازنا أو حماية من الأمراض وفق المعتقدات الشعبية.

ومع مرور الوقت، تغيّرت نظرة تلك المجتمعات إلى الشلوخ والفصود، فبينما كانت في السابق علامة على الشجاعة والجمال والنضج الاجتماعي، أصبح كثيرون يعتبرونها اليوم مجرد تشويه للوجه، حيث بدأ الشباب والأسر يولون أهمية أكبر للحفاظ على الصحة الجسدية والمظهر الطبيعي بدلاً من الالتزام بهذه الطقوس المؤلمة.

شباب من الشلك يصبغون وجوههم بعلامات التشليخ (مواقع التواصل)

ويرى بيتر شانق، كاتب صحفي وناشط ثقافي، أن عادة التشليخ تراجعت في مجتمعات جنوب السودان التي اشتهرت بها سابقا، فقد كانت علامة على النضج والفخر والرجولة، لكنها أصبحت اليوم بالنسبة لكثيرين علامة على الجهل والأمية، وقد يتعرض من يخضع لها للسخرية.

ويضيف شانق في تصريحات للجزيرة نت أن “التعليم والوعي الصحي والانفتاح الثقافي أعاد تفسير هذه الممارسات، فأصبح المجتمع يقيمها الآن من منظور السلامة الجسدية والمظهر الاجتماعي، مما أدى إلى انخفاض الإقبال على التشليخ أو استبداله ببدائل أقل ضررًا، مع الحفاظ على رمزيته الثقافية والاجتماعية”.

المصدر: الجزيرة