قد يتضاعف الأثر الصحي الضار لتلوث البلاستيك على الإنسان خلال العقود القادمة إذا استمر الإنتاج بالمعدلات الحالية، وفقاً لدراسة جديدة تربط المخاطر المتزايدة مباشرة بعمليات تصنيع البلاستيك.
البلاستيك موجود في كل مكان — داخل جسم الإنسان، وفي أعماق المحيطات، بل وحتى في مناطق القطب الشمالي النائية. والآن تحذر دراسة حديثة من أنه ما لم يغيّر العالم مساره، فإن أضرار البلاستيك على صحة الإنسان قد تتجاوز الضعف خلال العقدين المقبلين.
ويقول الباحثون إن السبب الرئيسي ليس القمامة البلاستيكية المنتشرة في البيئة أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، بل الانبعاثات الناتجة عن دورة حياة البلاستيك بأكملها، بدءاً من استخراج الوقود الأحفوري والتصنيع، مروراً بالنقل وإعادة التدوير، وانتهاءً بالتخلص من النفايات.
إذ يُصنع نحو 99% من البلاستيك من الوقود الأحفوري، وأصبح وجوده شبه حتمي في حياة البشر: من مواد التغليف والأثاث والملابس إلى مواد البناء والأجهزة الطبية والإطارات.
انبعاثات البلاستيك وانتقاص العمر الصحي العالمي
تقدّر الدراسة، المنشورة في مجلة ذا لانست بلانيتاري هيلث (The Lancet Planetary Health)، أن الانبعاثات المرتبطة بالبلاستيك قد تُفقد سكان العالم مجتمعين ما يعادل 83 مليون سنة من “العمر الصحي” بين عامي 2016 و2040.
وتُعد الدراسة الأولى التي تحسب عدد سنوات الحياة الصحية التي تُفقد نتيجة دورة حياة البلاستيك، بما في ذلك غازات الاحتباس الحراري المنبعثة من استخراج النفط والغاز، والجزيئات الدقيقة التي تُطلق أثناء الإنتاج والنقل، والمواد الكيميائية السامة الناتجة عن التصنيع أو إعادة التدوير أو التخلص من النفايات.
وتؤثر هذه الملوثات بشكل مباشر على صحة الإنسان، مثل المساهمة في أمراض الجهاز التنفسي والقلب، وبشكل غير مباشر عبر الإسهام في تغير المناخ وآثاره الصحية.
في ولاية لويزيانا الأميركية، يُعرف شريط يضم أكثر من 200 مصنع للبتروكيماويات المشاركة في إنتاج البلاستيك باسم “ممر السرطان”، حيث تشير دراسات حديثة إلى أن خطر الإصابة بالسرطان هناك يفوق التقديرات الحكومية بـ11 ضعفاً، رغم استمرار توسع الإنتاج.
وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن يقترب الاستهلاك العالمي للبلاستيك من الثلاثة أضعاف بحلول عام 2060. ومن الطبيعي أن تزداد الانبعاثات، ومعها العبء الصحي العالمي.
قياس الخسارة الصحية
استخدم الباحثون مقياساً صحياً معياريّاً يسمى “سنوات العمر المصححة بالعجز” (DALYs)، إذ تمثل كل سنة من هذا المؤشر سنة واحدة من الحياة الصحية المفقودة، سواء نتيجة الوفاة المبكرة أو تراجع جودة الحياة بسبب المرض.
قدّرت الدراسة أن عام 2016 شهد فقدان نحو 2.1 مليون سنة من العمر الصحي على مستوى العالم بسبب انبعاثات البلاستيك. أما في سيناريو “الاستمرار كالمعتاد”، أي دون تغييرات في معدلات الإنتاج أو التدوير أو التسرب البيئي، فقد تتجاوز الخسارة بحلول عام 2040 نحو 4.5 مليون سنة من العمر الصحي سنوياً — أي أكثر من ضعف الرقم المسجل عام 2016.
حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، أي مع تقليل الاستهلاك وزيادة نسب التدوير وتحسين إدارة النفايات، يُتوقع فقدان نحو 2.6 مليون سنة من العمر الصحي بحلول عام 2040 — أي أكثر بنحو نصف مليون سنة مما كان عليه الوضع قبل ربع قرن.
العبء المناخي للبلاستيك
قال الباحث في الاستدامة بجامعة هامبورغ للتطبيقات، فالتر ليال، وهو غير مشارك في الدراسة، إن “فقدان أكثر من أربعة ملايين سنة من الحياة الصحية في عام 2040 يعادل فقدان خمس ساعات من الصحة الكاملة لكل إنسان على الكوكب”.
وأضاف أن البلاستيك مسؤول حالياً عن نحو 4.5% من الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة البشرية — وهي نسبة أقل من تلك الناتجة عن إنتاج الطاقة أو الزراعة، لكنها تظلّ كبيرة بما يكفي لتستدعي تحركاً سياسياً عاجلاً.
“مجرد قمة جبل الجليد”
أشارت الدراسة إلى أنها لم تشمل عدداً من المخاطر الصحية المحتملة بسبب نقص البيانات العالمية الموثوقة، مثل تأثير الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية على صحة الإنسان، أو تسرب المواد الكيميائية السامة من المنتجات البلاستيكية أثناء الاستخدام اليومي.
وقالت ميغان ديني، الباحثة المشاركة في الدراسة من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، في تصريحات لـDW: “من شبه المؤكد أن التكلفة الصحية الحقيقية لتلوث البلاستيك أعلى من تقديراتنا الحالية، وما قدمناه ربما يكون مجرد قمة جبل الجليد”.
وأضافت ديني: “لدينا ما يكفي من الأدلة لنُدرك أن تلوث البلاستيك يمثل تهديداً عالمياً جدّياً للصحة العامة، وأن الحاجة باتت ملحّة لاتخاذ إجراءات عاجلة”.
ضرورة تقليص الإنتاج
تؤكد الدراسة أن الطريقة الأكثر فاعلية لتقليل الأضرار الصحية المرتبطة بالبلاستيك هي خفض إنتاج البلاستيك الجديد، لا استبداله بمواد أخرى قد تخلق مشكلات بيئية جديدة.
وتقترح ديني أن تعمل الدول على تقليص الاستهلاك، وإلغاء المنتجات غير الضرورية، والتحول إلى أنظمة إعادة الاستخدام، مع قصر استخدام البلاستيك على المجالات التي لا تتوافر فيها بدائل عملية، وحظر استخدام المواد الكيميائية الخطرة في تصنيعه.
وأشارت إلى أن الحلّ الأمثل يتمثل في “تنسيق الجهود والمعلومات عالمياً ضمن معاهدة دولية قوية وملزمة قانونياً تنظم دورة حياة البلاستيك والمواد الكيميائية المرتبطة به”.
لكن مفاوضات الأمم المتحدة حول اتفاق عالمي للبلاستيك انهارت العام الماضي بعد أن عرقلت دول منتجة للنفط الخطط الرامية إلى تقييد الإنتاج الجديد، رغم اتفاق واسع على أن نفايات البلاستيك باتت مشكلة عالمية خطيرة.
ومع ذلك، تخلص ديني إلى القول: “لا يزال بالإمكان اتخاذ الكثير من الإجراءات على المستوى الفردي والمؤسسي والوطني لمواجهة تلوث البلاستيك وتحجيم مخاطره على الإنسان والبيئة”.
المصدر: DW — نُشر المقال أصلاً باللغة الألمانية وتمت ترجمته وتكييفه باللغة الإنجليزية بواسطة جينيفر كولينز.
