25.5 C
Khartoum

رأي اليراع | اقتراح البرهان لضم تركيا لجهود الوساطة: مناورة سياسية أم استدعاء لحلفاء الماضي؟

Published:

تحليل اليراع خاص: مقترح عبد الفتاح البرهان بضم تركيا وقطر إلى جهود الوساطة لإنهاء الحرب في السودان لم يكن، في جوهره، اقتراحاً دبلوماسياً تقنياً بقدر ما كان مؤشراً سياسياً محمّلاً برسائل داخلية وخارجية. فخلف الألفاظ الهادئة التي ساقها قائد الجيش تختبئ محاولة واضحة لإعادة ترتيب موازين القوة، وإعادة إدخال حلفاء الإسلاميين إلى المشهد تحت ذريعة التوازن الإقليمي.

قال البرهان، في تصريحات لوكالة “الأناضول” وعدد من وسائل الإعلام التركية من مقر إقامته في بورتسودان، إنه يقترح “إضافة تركيا وقطر إلى مسار الوساطة الدولية” فيما يبدوا اشارة لدول “الرباعية” المتمثلة في مصر، السعودية، الإمارات، والولايات المتحدة مبرراً ذلك بأن السودان صمد في وجه الحرب “بدعم الأصدقاء والأشقاء”، وعلى رأسهم أردوغان.
الاقتراح بدا في ظاهره خطوة نحو توسيع دائرة الوساطة، لكنه في جوهره انعكاس مباشر لصراع النفوذ بين معسكرين إقليميين يتجاذبان الأزمة السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023: معسكر عربي–غربي تمثله الرباعية، ومعسكر آخر تحاول أنقرة والدوحة التمدد عبره بواجهات مدنية ودينية متشابكة.

خلفيات الرباعية وشروطها الصارمة

تأسست الآلية الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) عام 2025 لتوحيد مسارات الوساطة بعد فشل المبادرات السابقة. طرحت خطة متدرجة بثلاث مراحل — هدنة إنسانية، وقف إطلاق نار، ثم عملية انتقالية إلى حكم مدني — مع خمسة مبادئ رئيسية، أبرزها استبعاد الجماعات المتطرفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ووقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.
وقد مثّلت هذه الشروط، ضمناً، خطاً أحمر ضد عودة الإسلاميين إلى السلطة، وهو ما يفسّر حدة الهجوم الذي شنه “الكيزان”، أي كوادر الحركة الإسلامية السودانية، على بيان الرباعية. فقد رأى هؤلاء أن الخطة تهدف لتهميش المؤسسة العسكرية وإقصاء رموز النظام السابق.

وفي المقابل، رحبت القوى المدنية والسياسية، مثل تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، بالخطة ووصفتها بأنها “فرصة لإنهاء النزاع وبناء عملية سياسية شاملة”. أما الجيش بقيادة البرهان فدخل في حالة من التذبذب السياسي: يعلن القبول ثم يرفض ثم يعيد الحديث عن الانفتاح على مقترحات أخرى، وهو نمط مألوف من المراوغة السياسية في مسار السلطة منذ انقلاب أكتوبر 2021.

البرهان بين المراوغة والارتهان

منذ اندلاع الحرب، لم يتوقف البرهان عن إرسال إشارات متناقضة: يرفض “تدويل الأزمة” ثم يطلب وساطات إقليمية؛ يعلن استقلال قرار الجيش ثم يمتدح دعم دول بعينها. لكن اقتراحه بضم تركيا يمثّل قفزة في خطاب تمهيدي لمشروع أعمق مشروع إعادة تأهيل الإسلاميين عبر استثمار تحالفاتهم التاريخية مع أنقرة والدوحة.

جاء ذلك في توقيت حساس تزداد فيه الضغوط الدولية لعزله عن دور سياسي مستقبلي، كما تتصاعد الاتهامات الأميركية بارتباط الجيش بجماعة الإخوان المسلمين. فقد صرّح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، بأن أي دور للإخوان أو لإيران في السودان “خط أحمر”، تتبعه واشنطن بصرامة. تصريح دعمه الموقف المصري الذي رأى أن الجماعة كانت “سبباً رئيسياً في فوضى السودان”.

لكن البرهان، في تصعيد جديد، رفض وساطة الرباعية وعدّها منحازة، مشدداً على أن “أي تسوية يجب أن تُبنى على مقترحات الحكومة السودانية وحدها”. هذا الموقف لم يُفاجئ المراقبين، إذ يرى كثير منهم أن الجيش لم يتحرر من نفوذ الإسلاميين، وأن البرهان يوازن بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل التي تحكمها دوائر النفوذ العقائدية داخل المؤسسة العسكرية.

تحالفات متغيرة ومناورات مكشوفة

مساعي البرهان لتوسيع شبكة الحلفاء لم تتوقف عند أنقرة والدوحة. ففي منتصف 2024 أعاد السودان علاقاته مع إيران بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات، خطوة أثارت قلقاً إقليمياً واسعاً. وعلى التوازي، كثّف نائب البرهان مالك عقار اتصالاته مع موسكو، بينما تداولت تقارير غربية عن وجود طائرات مسيّرة إيرانية من طراز “مهاجر–6” في قواعد الجيش بأم درمان.
هذه التحركات لم تُقرأ كبحث عن حلول دبلوماسية بقدر ما عكست توجهاً براغماتياً للبقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كلّف الأمر التحالف مع خصوم الأمس.

الولايات المتحدة حذّرت وقتها بوضوح من “تعميق عزلة النظام العسكري” إذا مضى في اتفاقات الدفاع مع موسكو، لكن البرهان يرى في ذلك بطاقة ضغط سياسية تُشعر الرباعية أنه يملك بدائل، ولو رمزية، خارج تحالفاتها.

الإخوان من الظل إلى الواجهة

رغم نفي البرهان المتكرر لأي صلة تربطه بالإخوان، إلا أن دلائل ارتباط الجيش بالحركة الإسلامية لا يمكن إنكارها. ففي مقاطع مصوّرة متداولة، اعترف قياديون من كتيبة “البراء بن مالك” الإسلامية بأنهم يقاتلون إلى جانب الجيش منذ 2011، وأنهم جزء أصيل من ترسانة الدفاع الحالية.
حتى أحمد عباس، والي سنار الأسبق المقرّب من النظام السابق، تحدّى علناً تصريحات البرهان قائلاً إن جمهور الحركة الإسلامية يشكّل “75% من المقاتلين” في الحرب الحالية.

الواقع، كما يرى مراقبون، أن الجيش السوداني لم يتحرر منذ انقلاب 1989 من قبضة الإسلاميين الذين أعادوا تشكيله أيديولوجياً واقتصادياً وأمنياً، وبقوا كامنين داخل مفاصله بعد سقوط البشير عام 2019.
ولذلك فإنّ كل محاولة لإعادتهم إلى المشهد عبر مداخل دبلوماسية  مثل طلب ضم تركيا للوساطة  تبدو التفافاً على جوهر مطالب الثورة السودانية التي نادت بإقصائهم نهائياً من الحياة السياسية.

فهل هي مناورة مكشوفة أم مقامرة أخيرة؟

في نظر “اليراع”، إن مقترح البرهان بإشراك تركيا وقطر في جهود الوساطة ليس سوى مناورة مكشوفة تهدف لتقويض بنود الرباعية الدولية التي تُشترط استبعاد الإسلاميين. ومن خلال ذلك، يسعى البرهان إلى تثبيت معادلة جديدة تعيد التموضع السياسي للعسكر والإخوان ككتلة واحدة في مواجهة القوى المدنية والفاعلين الدوليين.

إن الحرب في السودان لم تعد فقط مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تحوّلت إلى صراع أعمق على هوية الدولة واتجاهها التاريخي: هل تعود إلى قبضة الإسلام السياسي العسكري، أم تنفتح على مسار مدني ديمقراطي؟
وفي لحظة التوازن الحرجة هذه، تبدو محاولة البرهان لجرّ تركيا مجدداً إلى قلب المعادلة رهاناً محفوفاً بالمخاطر، يختبر صبر الرباعية وإرادة السودانيين على حد سواء.

مواضيع مرتبطة

مواضيع حديثة