36.5 C
Khartoum

جريمة غابة السنط: حين تحترق رئة الخرطوم ويختنق الوعي البيئي

Published:

ليست جريمة غابة السنط حادثة معزولة، بل ذروة لمسار طويل من القطع الجائر والاحتطاب والصمت الرسمي، في بلد يواجه تهديدًا وجوديًا بفعل التصحر وتدهور الغطاء النباتي والجفاف الممتد.

أثار الدمار الممنهج الذي طال غابة السنط في قلب العاصمة الخرطوم صدمة وغضبًا عارمًا وسط السودانيين، خصوصًا الناشطين والمدافعين عن البيئة، بعد انتشار مقاطع مصوّرة تُظهر اختفاء الغابة تقريبًا من الوجود نتيجة للحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ما يرقى إلى جريمة بيئية كبرى ضد إحدى أهم المحميات الطبيعية المسجلة عالميًا في السودان، البلد الذي يقف منذ عقود على حافة هاوية بيئية بسبب التصحر والجفاف وتآكل ثروته الغابية. هذه الكارثة ليست بداية القصة، بل امتدادٌ لمسار طويل من الجرائم البيئية التي طالت الغابات والغطاء النباتي وهددت حياة الإنسان والطبيعة معًا.

 تاريخ طويل للقطع الممنهج والاحتطاب الجائر

منذ دخول الماكينات البخارية إلى السودان في فترة الاستعمار الثنائي البريطاني–المصري، اعتمدت القاطرات، والبواخر النهرية، ووسائل النقل الحديثة آنذاك على الأخشاب كوقود رئيسي، ما فتح الباب أمام قطع منظم ومكثف للأشجار دون رؤية بعيدة المدى أو خطط بديلة للتشجير واستدامة الغابات. ومع غياب بدائل أخرى للطاقة، ظل السودانيون يعتمدون لعقود على الحطب في الطهي والتدفئة، ثم انتقلوا لاحقًا إلى إنتاج الفحم النباتي الذي أصبح سلعة واسعة الانتشار وأساسية في الحياة اليومية.

توسّعت تجارة الفحم واستهلاكه، وتحولت إلى نشاط اقتصادي مربح من دون ضوابط فعّالة، فاندفع المنتجون إلى قطع الأشجار بصورة تجارية واسعة لتغطية احتياجات السكان في المدن والريف، حتى طالت عمليات القطع الغابات المنتِجة لمحاصيل نقدية كالصمغ العربي، وأجزاء واسعة من الأحزمة الشجرية الطبيعية. حاولت الحكومات المتعاقبة، في البداية، تنظيم عمليات القطع عبر مؤسسات الغابات والزراعة، لكن مع ضعف الدولة، وانتشار الفساد، وتراجع سلطة القانون، فقدت الجهات الرسمية السيطرة تدريجيًا على المنتجين، فشهد السودان جرائم قطع مروعة أدت إلى اختفاء العديد من الغابات، وتمدد التصحر، وانقراض أنواع من الكائنات البرية والنباتات.

 “الكمائن” وتعمق الجريمة البيئية

مع التمدد العمراني الحديث، وتحوّل البناء من الطوب النيّ (الطيني) إلى الطوب المحروق، ظهرت مأساة جديدة. إنتاج الطوب المحروق يتطلب كميات ضخمة من الوقود الخشبي، فانتشرت مصانع الطوب التقليدية المعروفة في السودان باسم “الكمائن”، والتي عملت ـ في كثير من الحالات ـ بنهم وجهل لمخاطر نشاطها، فصار أصحاب الكمائن يشجعون على قطع الأشجار لتوفير الوقود، ما رفع الطلب على الأخشاب، وعمّق دائرة القطع الجائر خارج أي إطار مستدام أو قانوني فعّال.

هذا التداخل بين الاحتطاب التجاري، وضعف الرقابة، وسوء التخطيط العمراني، جعل الدولة تفقد ما تبقّى من قدرتها على ضبط الجرائم البيئية. والنتيجة: تراجع الغطاء النباتي في أجزاء شاسعة من البلاد، تمدد الصحراء، تدهور التربة، وانكماش الموائل الطبيعية للثروة الحيوانية البرية التي كانت تعتمد على هذه الغابات.

«من الاحتطاب التقليدي إلى الكمائن التجارية: دورة تدمير متواصلة للغابات السودانية.»

غابة السنط… رئة الخرطوم وذاكرتها البيئية

لم تكن غابة السنط مجرد مساحة خضراء، بل نظامًا بيئيًا متكاملًا يقع عند ملتقى النيلين، على مساحة تناهز 1500 هكتار، أُدرج رسميًا ضمن منظومة المحميات الطبيعية منذ عام 1939، وصُنِّفت كأرض رطبة ذات أهمية عالمية. تتميز أشجار السنط بقدرتها على تحمل الفيضانات السنوية، ما جعل الغابة حزامًا طبيعيًا يحمي الخرطوم من تقلبات النيل ومن زحف الصحراء في الوقت نفسه.

كانت الغابة موطنًا لعشرات الأنواع من الطيور النادرة والمهاجرة، مثل الإوز، وخطاف البحر، ومالك الحزين، وأبو منجل، إلى جانب مئات الأنواع من العصافير والزواحف والحشرات. وكانت هذه الهجرات تخضع لرصد دوري من مراكز أبحاث وشرطة الحياة البرية، ما جعل الغابة جزءًا من شبكة بيئية تتجاوز حدود السودان. كما احتضنت الغابة في عام 1946 مدرسة خبراء الغابات التي خرّجت الرعيل الأول من الفنيين والمهندسين الذين شاركوا في مشاريع التشجير في البلاد، لتصبح الغابة، بذلك، جزءًا من الذاكرة المهنية والعلمية السودانية.

 الحرب وانهيار نظام بيئي كامل

مع اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، تغيّر كل شيء. فقد تحولت غابة السنط إلى ساحة مفتوحة لعمليات القطع الجائر، واستخدام الموارد في سياق اقتصاد حرب بلا ضوابط. الصور التي التقطها مصورون سودانيون وأظهرت أرضًا جرداء كانت يومًا ما غابة نابضة بالحياة، كشفت حجم الكارثة: انهيار نظام بيئي عمره عقود في غضون شهور قليلة.

يرى خبراء الغابات أن ما حدث لا يُختزل في “إزالة أشجار”، بل في تدمير سلسلة بيئية كاملة كانت تحمي الخرطوم من التصحر، وتخفف تلوّث الهواء، وتلطّف درجات الحرارة، وتعمل كخزان طبيعي للكربون والرطوبة. اليوم، تبدو الخرطوم مكشوفة، أكثر حرارة، وأكثر اختناقًا، مع احتمالات متزايدة لتسارع تدهور التربة وتراجع معدلات الأمطار، في بلد يُعتبر أصلًا من بين المناطق الأكثر هشاشة أمام تغيّر المناخ في إفريقيا، بحسب تقارير منظمات دولية معنية بالبيئة والمناخ.

«غابة بلا أشجار: المشهد الصادم لغابة السنط بعد عمليات القطع خلال الحرب.»

 من جريمة محلية إلى قضية وجودية

إن جريمة غابة السنط لا تعني فقط فقدان “متنفس أخضر” للعاصمة؛ إنها تعبير عن انهيار الوعي البيئي وتراجع ثقافة الاستدامة في السودان. فالاحتطاب الجائر، وغياب بدائل الطاقة الرخيصة والنظيفة، وضعف سياسات التخطيط العمراني، كلها عوامل تراكمت لتدفع البلاد إلى حافة تهديد وجودي يشمل الأمن البيئي والغذائي والمائي.

تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمات إقليمية عديدة تؤكد أن السودان يفقد سنويًا جزءًا معتبرًا من غطائه الغابي، وأن موجات الجفاف والتصحر تُسهم في النزوح الداخلي، وتغذية الصراعات على الموارد، وإضعاف قدرة المجتمعات الريفية على الصمود. وبذلك، لا تعود الغابة مجرد “مشهد جميل” مفقود، بل خط الدفاع الأول عن حقّ الناس في الحياة في مواجهة التغير المناخي والفقر البيئي.

 ما بعد السنط… ماذا يمكن فعله؟

أمام هذه الصورة القاتمة، يصبح السؤال المركزي: ماذا بعد غابة السنط؟
الإجابة لا يمكن أن تقتصر على الحزن والأسف، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني ودولي يعيد الاعتبار للغابات السودانية، من خلال:

  • سنّ وتطبيق قوانين صارمة تمنع القطع الجائر، وتجريم الاحتطاب التجاري غير المنظم.

  • إطلاق برنامج وطني لإعادة التشجير حول المدن والقرى، مع التركيز على الأنواع المحلية المقاومة للجفاف.

  • توفير بدائل للطاقة (غاز، طاقة شمسية، حلول طهي نظيفة) لتقليل الاعتماد على الحطب والفحم.

  • إدماج التربية البيئية في المناهج التعليمية والإعلام، لبناء وعي جديد يعتبر البيئة جزءًا من الأمن القومي.

  • تفعيل الشراكات مع منظمات دولية (مثل UNEP، الفاو، وبرامج المناخ الدولية) لتمويل مشروعات استعادة الغابات ودعم المجتمعات المحلية.

إن اختفاء غابة السنط ليس نهاية الحكاية، لكنه جرس إنذار متأخر: إما أن يتحول إلى نقطة بداية جديدة لحماية ما تبقى من الغابات والموارد الطبيعية، أو أن يظل علامة على زمن فقد فيه الوطن ذاكرته البيئية وحقه في المستقبل.

 

كلمة اليراع

مواضيع مرتبطة

مواضيع حديثة