رغم القتال الدامي واتساع رقعة الدمار وانهيار الأوضاع المعيشية، خرج عشرات السودانيين، الجمعة، إلى شوارع العاصمة الخرطوم ومدينة بورتسودان شرقي البلاد، لإحياء الذكرى السابعة لـ ثورة 19 ديسمبر التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019.
تأتي هذه التظاهرات في ظل ظروف قاسية يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، وهي المرة الأولى التي يُعيد فيها السودانيون إحياء المناسبة في الميدان منذ بداية النزاع، تأكيداً على استمرار مطالبهم بالحكم المدني والديمقراطية.
جذور الثورة وشعلتها التي لا تنطفئ
يرتبط يوم التاسع عشر من ديسمبر بانطلاق الاحتجاجات الأولى في مدينة عطبرة عام 2018، بعدما أثقلت الزيادات في أسعار الخبز والمعيشة كاهل المواطنين، قبل أن تتوسع رقعتها لتتحول إلى انتفاضة شعبية أطاحت بنظام البشير. ومنذ انقلاب أكتوبر 2021، بات هذا اليوم محطة سنوية يستحضر فيها السودانيون شعاراتهم الخالدة: “حرية، سلام، وعدالة”، ويجدّدون العهد على التمسك بمبادئ الثورة.
على منصات التواصل الاجتماعي، امتلأت الصفحات بصور ومقاطع من مواكب 2019. كتب النشطاء منشورات تحيي “الذاكرة الحية”، وتعبّر عن حنين عميق لأيام الحراك الجماهيري حين اجتمع السودانيون على حلم واحد بالحرية والكرامة.
انتقادات للقوى السياسية وتحديات التمثيل
في مقابل المشهد الشعبي، تتعرض القوى السياسية لانتقادات حادة من الشارع السوداني، إذ يرى كثيرون أن الأحزاب التقليدية فشلت في استثمار مكتسبات الثورة، وانشغلت بخلافاتها الداخلية وتقاسم النفوذ. ويعتبر محتجون أن حالة التشرذم بين القوى المدنية عطلت تحقيق التحوّل السياسي المنشود، وأضعفت فرص الوصول إلى حكومة مدنية تمثّل إرادة الشعب بصدق.
وحذّرت تنسيقية لجان المقاومة في منطقة كرري بأم درمان من “محاولات لاختطاف الحراك الثوري وتوظيفه لأجندات خارجية”، مشيرة في بيانها إلى أن “وعي أبناء ديسمبر تشكّل عبر تجربة مؤلمة، كشفت القوى التي ادّعت تمثيل الثورة ثم حوّلتها إلى مصالح فئوية ضيقة”.
الميدان: مظاهرات وصدامات محدودة
شهدت مناطق مختلفة من العاصمة، أبرزها أم درمان والكلاكلة، إلى جانب بورتسودان، مظاهرات رفع خلالها المحتجون أعلام ثورة ديسمبر ورددوا هتافات تطالب بعودة الجيش إلى الثكنات وحل قوات الدعم السريع.
وأكد كيان “غاضبون”، المنظم لأحد المواكب، في بيانٍ له أن المظاهرة كانت سلمية، غير أن الشرطة فرقتها باستخدام الغاز المسيل للدموع واعتقلت بعض المشاركين قبل أن يُستأنف الموكب بشكل متقطع. وشهدت ولايات أخرى، بينها القضارف، اعتقالات مماثلة بحق المحتجين، بينما دعا ناشطون عبر الإنترنت إلى “حملة رقمية” تذكّر بأن الحرب الراهنة “استهدفت مكتسبات الثورة” وأن “طريق الخلاص لا يكون إلا بعودة الدولة المدنية”.
رمزية لا تنطفئ رغم الحرب
في بورتسودان، العاصمة المؤقتة للبلاد منذ سيطرة الدعم السريع على معظم أجزاء الخرطوم، رفع المتظاهرون لافتات تطالب بإنهاء الحرب ووقف نزيف الدم. كما أكدت بيانات صادرة عن قوى مدنية وسياسية أن “ثورة ديسمبر لا تزال حيّة ومتقدة في وجدان الشعب السوداني، وتمثل المخرج الوطني من الأزمة الراهنة”، مجددة دعوتها إلى وقف فوري للقتال والانخراط في عملية سلمية شاملة تحفظ وحدة السودان.
أما لجان مقاومة الدامر فكتبت في منشور بموقع “فيسبوك”: “في هذا اليوم نستعيد شعلة ديسمبر التي كسرت جدار الخوف، ونؤكد عدم الاعتراف بشرعية من قتل الشعب”.
من الثورة إلى الحرب: الصراع على الدولة وميراث الانتقال
القراءة السياسية للأحداث تُظهر أن مأزق السودان لا يتصل فقط بتنازع السلاح، بل بفشل القوى المدنية والعسكرية على السواء في بناء عقدٍ وطني جامع بعد 2019. فالقوى التي حملت راية الثورة وقادت الشارع لم تنجح في تحويلها إلى مشروعٍ سياسي يُوازن بين الطموح الشعبي ومتطلبات الدولة.
انقسمت قوى الحرية والتغيير بين تيارات، وتحولت الصراعات حول السلطة إلى ساحةٍ مفتوحة استغلها العسكر لتوسيع نفوذهم، إلى أن جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليقضي على ما تبقى من ثقة في إمكانية التحول السلمي. ومنذئذٍ، ظلّ الشارع يرى في الأحزاب المدنية شريكاً في الإخفاق، لا ممثلاً للثورة.
ومع اندلاع الحرب بين البرهان وحميدتي، أصبحت ثورة ديسمبر رهينة صراعٍ على أدوات القوة، لا على معنى الحكم المدني ذاته. فكل طرف ادّعى تمثيل “روح الثورة”، بينما غابت روح الدولة.
واقع الحرب والانقسام الجغرافي
تتزامن هذه التحركات الرمزية مع تصاعد حدة القتال في دارفور وكردفان، حيث يخوض الجيش مواجهات مع قوات الدعم السريع التي تسيطر على معظم أراضي الإقليم الغربي، في حين يفرض الجيش نفوذه على نحو 13 من أصل 18 ولاية في البلاد.
وخلفت الحرب، التي تفجرت على خلفية صراع حول توحيد المؤسسة العسكرية، عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من 13 مليون نازح داخل السودان وخارجه، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة.
وبرغم هذا الواقع القاسي، يصرّ السودانيون على التمسك بروح ثورتهم، كأنها الشعلة الأخيرة التي تنير طريقهم وسط العتمة. ففي وجه الحرب والجوع، لا يزال الهتاف “حرية، سلام، وعدالة” يتردّد، كنداءٍ يذكّر بأن الآمال لم تمت بعد، وأن السودان لا يزال يبحث عن فجرٍ جديد يليق بتضحيات أبنائه.
