شهد السودان تصعيداً مقلقاً في وتيرة استخدام الطائرات المسيرة من قبل قوات الدعم السريع، وسط اتهامات بتكثيف الهجمات ضد أهداف مدنية وبنى تحتية حيوية، في سابقة تعكس تحول النزاع إلى “حرب مسيّرات” تزيد من معاناة الملايين.
هجوم جديد يقطع الكهرباء عن شمال وشرق السودان
تعرضت صباح اليوم الخميس محطة كهرباء تحويلية رئيسية في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل لهجوم بطائرات مسيرة، اتُهمت به قوات الدعم السريع، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من ولايات نهر النيل والبحر الأحمر شمال وشرق البلاد، وفقاً لمصادر رسمية وشهود عيان.
وأوضح شهود أن الهجوم أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الدفاع المدني وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير محولات رئيسية أوقفت إمدادات الطاقة في عدد من المناطق. كما استهدفت الطائرات المسيرة أحياءً سكنية ومطار عطبرة، ما تسبب بانفجارات عنيفة في المدينة بينما حاولت الدفاعات الأرضية التصدي للهجوم.
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن الطائرات قد انطلقت من مناطق تخضع لسيطرة الدعم السريع في إقليم كردفان، وخاصة من مدينة بارا التي تشهد توتراً عسكرياً متزايداً منذ أكثر من شهرين.
استهداف المدنيين وموجات نزوح جديدة
وفي جنوب كردفان، تواصلت هجمات مماثلة ضد المدنيين. فقد ذكرت مصادر محلية أن طائرات مسيرة، يُعتقد أنها تابعة لقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية شمال، استهدفت قافلة نازحين كانت في طريقها من مدينة كادقلي نحو مناطق أكثر أماناً، ما أدى إلى مقتل ثماني نساء.
وأكدت تقارير ميدانية من منظمة الهجرة الدولية أن نحو 460 شخصاً فرّوا من كادقلي في الأيام الأخيرة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد الهجمات، مشيرة إلى أن هؤلاء النازحين يتوزعون الآن في مناطق من شمال كردفان والنيل الأبيض والخرطوم، في ظل نقص حاد في الغذاء والمساعدات الطبية.
السكان المحليون أعربوا عن قلق عميق من استمرار استهداف المدنيين، حيث أصبحت الخيارات ضئيلة أمام العائلات العالقة داخل مناطق النزاع، لا سيما مع غياب ممرات إنسانية آمنة وارتفاع مخاطر الانتهاكات على طرق النزوح.
الأمم المتحدة تحذر من حرب المسيرات وتدهور إنساني واسع
وفي بيان صدر من جنيف، أبدى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قلقاً بالغاً إزاء تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في النزاع، مشيراً إلى أن الهجمات الأخيرة أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني منذ مطلع ديسمبر في مناطق متفرقة من كردفان.
تورك كشف أن إحدى الغارات استهدفت روضة أطفال ومستشفى في بلدة كالوقي، أسفرت عن مقتل 89 شخصاً بينهم 43 طفلاً وثمان نساء، في مشهد وصفه بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني”.
كما دان المفوض السامي مقتل ستة من عناصر حفظ السلام الأمميين في هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة الأمم المتحدة في كادقلي الأسبوع الماضي، معتبراً أن هذا النوع من الاستهداف قد يرقى إلى جريمة حرب.
وكرّر تورك دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة، مطالباً الدول ذات النفوذ بالضغط على الأطراف السودانية لوقف دوامة العنف المتصاعد.
تحول مقلق في مسار الحرب
يرى محللون أن استخدام الطائرات المسيرة بكثافة من قبل الدعم السريع يمثل تحولاً نوعياً في مسار الحرب السودانية، ويجعل المدنيين في مرمى نيران لا تميّز بين أهداف عسكرية ومدنية. كما حذر خبراء من أن هذا النمط من الهجمات قد يُعزّز حالة الفوضى وانهيار الخدمات الحيوية، في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث.

