نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته كاثرين هورليد وحمزة هارون قالا فيه إن قوات الدعم السريع نفذت عمليات اختطاف جماعية بعد سيطرتها على مدينة الفاشر غرب البلاد، حيث احتجزت آلاف المدنيين مطالبةً بفدية باهظة وأعدمت من لم يستطع الدفع، وفقا لشهادات ناجين ومنظمات حقوقية وأقارب المختطفين.
وقد حاصرت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر لمدة عام ونصف بدءا من عام 2024، ومارست القتل والاختطاف بشكل روتيني بحق من حاولوا الفرار. وعندما انسحب الجيش السوداني من آخر مواقعه فيها، أواخر تشرين الأول/أكتوبر وسقطت المدينة في يد الدعم السريع، قام مقاتلوها باختطاف المدنيين بشكل جماعي، بمن فيهم النساء والأطفال. وأفاد ناجون بأن الأسرى تعرضوا للتعذيب والتجويع، ثم أُجبروا على الاتصال بعائلاتهم طالبين منها المساعدة.
وقد تحدثت صحيفة “واشنطن بوست” إلى تسعة من ضحايا الاختطاف وأفراد من عائلاتهم ونشطاء في هذا الشأن. ورغم تعذر التحقق المستقل من الروايات الفردية، إلا أن تفاصيل أساليب الهجوم ومواقع المختطفين ومعاملتهم غالباً ما تتطابق مع تقارير شهود العيان ومنظمات حقوق الإنسان.
صعوبة الاتصالات في الفاشر تجعل من تقييم حجم الانتهاكات المرتكبة هناك أمرا صعبا، لكن الشهادات التي تسربت ترسم صورة مروعة لعائلات تسحق عمدا تحت وطأة المركبات المدرعة ومعتقلين أُعدموا أمام الكاميرات
كما أن صعوبة الاتصالات في الفاشر تجعل من تقييم حجم الانتهاكات المرتكبة هناك أمرا صعبا، لكن الشهادات التي تسربت ترسم صورة مروعة لعائلات تسحق عمدا تحت وطأة المركبات المدرعة ومعتقلين أُعدموا أمام الكاميرات وأطفال يتامى تركوا يهيمون على وجوههم وحيدين في الصحراء.
وقد أعلنت الأمم المتحدة أن السودان هو أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث قتل عشرات الآلاف ونزح 12 مليون شخص على مدار ثلاث سنوات من الحرب الأهلية.
وكشفت روايات الفظائع في الفاشر، إحدى أكبر مدن دارفور، الانقسامات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما دولتان خليجيتان ثريتان حليفتان للولايات المتحدة، لكن مصالحهما في السودان متضاربة.
وتعتبر السعودية داعما للجيش، بينما تتهم الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم عسكري ومالي لقوات الدعم السريع. وقد نفى القادة الإماراتيون هذه الادعاءات، إلا أن الأسلحة المباعة للإمارات ظهرت مرارا في مخازن قوات الدعم السريع، وبدأ قادة الكونغرس من الحزبين في واشنطن بانتقاد الإمارات صراحةً.
ولم تسفر جولات العقوبات الأمريكية المتكررة على كلٍ من قوات الدعم السريع والجيش السوداني، الذي ارتكب أيضًا انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، إلا عن القليل لوقف عمليات القتل.
وفي الشهر الماضي، وخلال زيارة للبيت الأبيض، ناشد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس دونالد ترامب المساعدة في إنهاء الصراع. وقال ترامب على منصة “تروث سوشيال” إنه سيعمل مع الشركاء الإقليميين “لإنهاء هذه الفظائع”.
في غضون ذلك، لا يزال عدد كبير من الناجين محتجزين تحت تهديد السلاح.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 270,000 شخص داخل وحول مدينة الفاشر عند سقوطها في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
وتقول الأمم المتحدة إن حوالي 106,000 شخص فروا من المدينة خلال الأسابيع الستة الماضية، بينما لا يزال مصير الباقين مجهولا.
ويعتقد ناثانيال ريموند، رئيس مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، أن قوات الدعم السريع قد قتلت عشرات الآلاف من الأشخاص بالفعل. وسيصدر مختبره الأسبوع المقبل تقريرا يرسم خريطة لما لا يقل عن 140 موقعا لتراكم الجثث، ويوثق الجهود الواسعة النطاق التي تبذلها هذه القوات لإخفاء أدلة المذبحة.
ويقول ريموند: “هناك قوة بحجم لواء تقوم بتنظيف الجثث، ولا إشارة عن عودة الحياة الطبيعية: لا نشاط عند آبار المياه ولا في الأسواق ولا في الشوارع ولا في وسائل النقل المدنية. إنهم يعتقدون أنه يجب عليهم جمع أكبر كمية من الجثث وبأسرع وقت ممكن قبل دخول أي شخص إلى المدينة”. ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن أحد العاملين في المجال الطبي، البالغ من العمر 37 عاما، قوله إنه بقي في المدينة طوال فترة الحصار. وحاول شقيقه الأصغر الفرار في آب/أغسطس، لكن قوات الدعم السريع اختطفته وقتلته، حتى بعد أن دفعت عائلته الفقيرة فدية لخاطفيه.
وأضاف العامل الطبي أنه عندما اجتاح المقاتلون المدينة، فر مع مجموعة تضم حوالي 100 شخص، لكن سرعان ما أُلقي القبض عليهم. وقال إن حوالي 30 منهم أُعدموا فورا.
وقال: “أخبرتهم أنني طبيب وأنني أساعد الجميع، بمن فيهم أعضاء قوات الدعم السريع”، ويعتقد أن ذلك أنقذ حياته.
طبيب سوداني: “أنزلونا في منزل مهجور وأمرونا بالاتصال بعائلاتنا. قالوا لي: عليك إقناعهم بدفع 50 مليون جنيه سوداني، وإلا سنعدمك فورا”
وروى الطبيب أن الناجين نقلوا في قافلة إلى مدينة كتم، التي تبعد يوما ونصف بالسيارة: “أنزلونا في منزل مهجور وأمرونا بالاتصال بعائلاتنا. قالوا لي: عليك إقناعهم بدفع 50 مليون جنيه سوداني، وإلا سنعدمك فورا”. وأضاف: “اتصلت بأصدقائي لأنني كنت أعلم جيدا أن عائلتي لا تملك المال الكافي”. وذكر الطبيب أن أصدقاءه تفاوضوا على الفدية وخفضوها إلى 15 مليون جنيه سوداني، أي ما يعادل 25,000 دولار تقريبا. وبينما كان ينتظر معرفة مصيره، أحضر المقاتلون المزيد من الشبان من الفاشر، وحثهم رؤساؤهم على القتل كيفما شاؤوا. وتذكر محادثة قيل فيها لخاطفيهم: “عليكم قتل نصفهم للضغط على الباقين لدفع الفدية”.
وقال إنه في اليوم التالي، قام أصدقاؤه بتحويل المبلغ الكامل مقابل حريته، وتم إطلاق سراحه بالقرب من بلدة طويلة، حيث وجد العديد من الهاربين من الفاشر ملجأً.
وقال رجل آخر، يبلغ من العمر 26 عاما، إنه انضم إلى حشد كبير فر غرب المدينة في 26 أيلول/سبتمبر. وتذكر أن المجموعة استهدفت بنيران المدفعية وطائرات مسيرة أثناء فرارهم وعندما وصلوا إلى ساتر ترابي بنته قوات الدعم السريع لتطويق المدينة، فتحت المركبات المدرعة النار. وقال: “حاول البعض الفرار، لكن دون جدوى، وقتل عدد كبير من الناس. وتظاهر آخرون بالموت، وتمددوا بلا حراك على الأرض مثلنا، ثم بدأت المركبات بدهس الناس”.
وأضاف أن سائقي المركبات المدرعة كانوا يمسحون الأرض بنظراتهم، ويدهسون أي شيء يتحرك. وتم “دهس 10 أشخاص تقريبا، من بينهم أختي”، و”لم أستطع إنقاذها”، كما قال الرجل.
وتابع الرجل قائلا إنه في كل حاجز طريق، كان يقتل المزيد من الناس برصاص مقاتلي قوات الدعم السريع أو يتعرضون لهجوم من قبل ميليشيات عربية متحالفة على الجمال. وقال إن الحشد الذي غادر معه الفاشر، والذي كان يبلغ حوالي 150 شخصا، انخفض إلى حوالي 30 شخصا، لكن الأهوال لم تنته. فقد “كنت مع صديقي وزوجته. حاول أحد الجنود أخذ زوجته كخادمة، لكنه رفض وأمسك بها بقوة”، كما روى. ونتيجة لذلك، أُطلق عليه النار، وسقطت زوجته فوقه. قال أحد الجنود: “اتركوهم، دعوهم ينزفون حتى الموت”.
وقال إن مقاتلي قوات الدعم السريع قاموا بتغطية أعين الرجل ونحو اثني عشر ناجيا آخرين، وربطوا أيديهم خلف ظهورهم. واقتادوهم “كالمواشي” إلى زمزم، التي كانت سابقا مخيما للاجئين، ووضعوهم مع سجناء آخرين. ثم، كما قال الرجل، استهدف خاطفوهم أفراد الجماعات العرقية المرتبطة بالميليشيات التي دافعت عن الفاشر ضد قوات الدعم السريع.
طُلب من كل شخص تحديد قبيلته، كما قال. “إذا قال أحدهم ‘زغاوة’ أو إحدى القبائل الأفريقية، قتل. وإذا قال أحدهم إنه جندي، قتل أيضا”، كما قال.
وفي النهاية، كما قال الرجل، اقتيد هو وعشرة أسرى آخرين إلى زنزانة في سجن جنوب غرب الفاشر. وفي اليوم الثالث، كما قال، أمرتهم قوات الدعم السريع بالاتصال بعائلاتهم عبر الإنترنت الفضائي وطلب 15 مليون جنيه سوداني. وطلب اثنان من السجناء تخفيض المبلغ، قائلين إن أقاربهم لا يستطيعون جمع هذا المبلغ، لكنهما “قتلا على الفور”، كما قال الرجل.
أمرت قوات الدعم السريع الباقين بالاتصال بعائلاتهم و”أثناء المكالمة، كانوا يوجهون البندقية إلى رؤوسنا”، كما قال الرجل. “كانوا يضربوننا ويذلوننا حتى تستجيب” العائلة.
وقال إن عائلته تمكنت من دفع فديته على دفعات، وأُطلق سراحه مع ثلاثة ناجين آخرين في مخيم للنازحين قريب.
وسلطت رواية ثالثة الضوء على الطبيعة الممنهجة لعملية الابتزاز. فسجن دقريس، في مدينة نيالا، مكتظ بآلاف الأسرى الذين نقلوا من الفاشر، وفقا لشخص مطلع على الوضع. وأضاف المصدر أن المحتجزين لا يفرج عنهم إلا من قبل ضابط قوات الدعم السريع الذين أحضرهم، وذلك بعد دفع الفدية من قبل الأصدقاء أو العائلة عبر تطبيق للدفع الإلكتروني. وأوضح المصدر أن نحو 60 محتجزا حشروا في كل زنزانة عادية، بينما حشر ستة أشخاص في كل زنزانة انفرادية. وقال المصدر: “يتعرض السجناء للتعذيب والعنف على أيدي الحراس، وقد توفي العديد منهم”. وأضاف أن الوفيات الناجمة عن سوء المعاملة والأمراض، بما في ذلك الكوليرا، كانت متكررة لدرجة أن مقبرة جماعية بالقرب من السجن امتلأت سريعا.
وفي بيان صدر هذا الأسبوع، ذكرت شبكة أطباء السودان أن أكثر من 5,000 مدني محتجز في نيالا، بمن فيهم سجن دقريس. ومن بينهم كوادر طبية وسياسيون وإعلاميون.
الواشنطن بوست\ القدس العربي

