أعلنت إريتريا، الجمعة، انسحابها الرسمي من الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد)، متهمة المنظمة الإقليمية بأنها تحولت إلى «أداة سياسية» تُستخدم ضد بعض الدول الأعضاء، في إشارة ضمنية إلى إثيوبيا، خصمها التاريخي. ويأتي القرار وسط مؤشرات على تجدد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا، ما أثار قلق الأمم المتحدة بشأن استقرار منطقة القرن الإفريقي.
انتقادات حادة وفقدان للثقة
وقالت وزارة الخارجية الإريترية في بيان إن الحكومة أبلغت الأمانة العامة للإيغاد بقرار الانسحاب بعد أن «فقدت المنظمة تفويضها القانوني، وعجزت عن تحقيق الاستقرار الإقليمي أو تلبية تطلعات شعوب القرن الإفريقي». وأوضحت أن المنظمة «انحرفت عن أهدافها الأساسية» وأضحت «منصة مسيّسة تُدار لخدمة أجندات بعض أعضائها».
وأضاف البيان أن استمرار المنظمة في التملص من التزاماتها جعَل عضوية إريتريا «فاقدة الجدوى»، مشيرًا إلى أن أسمرة كانت قد أعادت تفعيل عضويتها في يونيو/حزيران 2023 أملاً في إصلاح هيكلي للإيغاد، لكنها لم تلمس أي تحسن ملموس منذ عودتها.
ردود المنظمة ومساعي التهدئة
من جانبها، أعربت الإيغاد في بيان رسمي عن أسفها العميق للقرار الإريتري، ووصفت الخطوة بأنها جاءت «دون تقديم مقترحات إصلاحية أو المشاركة في مشاورات مؤسسية»، مؤكدة أن قنواتها للحوار كانت «دائمة الانفتاح».
وأشارت المنظمة إلى أن قمة يونيو 2023 كانت قد أقرت عودة إريتريا إلى عضويتها بعد نحو عقدين من التجميد، في خطوة وُصفت حينها بأنها «رمز للوحدة الإقليمية والتضامن». وأضافت أن الأمانة العامة ستواصل الاتصال بالحكومة الإريترية «لتشجيعها على إعادة النظر في قرارها والعودة إلى المنظمة بروح التعاون، دعمًا للسلام والتنمية في المنطقة».
تاريخ متوتر وميراث جيوسياسي شائك
يُعد هذا الانسحاب الثاني لإريتريا من منظمة الإيغاد؛ إذ أعلنت أسمرة في عام 2007 انسحابها الأول احتجاجًا على اتهامات بدعمها حركة الشباب الصومالية، وهي مزاعم نفتها بشدة واتهمت في المقابل إثيوبيا بـ«العدوان على الصومال والتأثير على قرارات المنظمة».
وشهدت العلاقات الإريترية الإثيوبية تحسنًا ملحوظًا عقب اتفاق السلام لعام 2018 الذي أنهى عقدين من القطيعة، وأعقبه دعم أديس أبابا لرفع العقوبات الدولية المفروضة على أسمرة، ما مهد لعودة العلاقات الدبلوماسية والمشاركة الرسمية لإريتريا في قمة الإيغاد الرابعة عشرة.
لكن قرار الانسحاب الجديد يعيد إلى الأذهان مرحلة التوتر التاريخي بين البلدين، والذاكرة ما زالت مثقلة بحرب حدودية طاحنة دارت بين 1998 و2000، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، قبل أن تُوقَّع اتفاقية الجزائر لإنهائها.
مخاوف أممية من عودة التوتر
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ إزاء التوتر المتزايد بين إريتريا وإثيوبيا، محذرًا من أن «أي تصعيد جديد بين البلدين قد يهدد الاستقرار الهش في منطقة القرن الإفريقي برمتها».
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تنافسًا استراتيجيًا متزايدًا بين القوى الإقليمية والدولية، مما يجعل انسحاب إريتريا من الإيغاد حدثًا قد يعيد رسم موازين القوى في شرق إفريقيا، ويثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الإقليمي في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الهشاشة.

