سيطرة الدعم السريع على أكبر حقول النفط وانسحاب الشركات الأجنبية: منعطف خطير في مسار الحرب وتهديد مباشر لما تبقّى من اقتصاد السودان وجنوب السودان

في تطور ميداني يُعد من أخطر محطات الصراع السوداني، أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها، صباح الاثنين، على حقل هجليج النفطي الواقع بولاية غرب كردفان جنوبي البلاد، في خطوة تحمل تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة على السودان والمنطقة بأكملها.

وقالت مصادر عسكرية ومحلية إن الهجوم استهدف الموقع الاستراتيجي القريب من حدود جنوب السودان إلى جانب مقر اللواء 90 مشاة التابع للجيش السوداني، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة تسببت في سقوط ضحايا وفق تقديرات أولية.

وأكد مهندس يعمل في القطاع النفطي أن قوات الدعم السريع فرضت سيطرتها على الحقل فجر الاثنين، وأجبرت الفرق الفنية على إغلاق المنشأة ومحطة المعالجة المجاورة، قبل إجلاء العاملين إلى داخل الأراضي الجنوب سودانية.

وفي بيان رسمي، أعلنت قوات الدعم السريع «تحرير منطقة هجليج الاستراتيجية»، واعتبرت أن الخطوة تمثل «منعطفًا حاسمًا في مسار تحرير كامل تراب الوطن لما تحمله هجليج من أهمية اقتصادية كبيرة».

من جانبه، أوضح مصدر عسكري في الجيش السوداني لوكالة فرانس برس أن القوات انسحبت من المنطقة «تجنّبًا لتدمير المنشآت النفطية»، فيما أكدت مصادر أخرى انسحاب القوات الحكومية والعاملين قبل يوم من الهجوم لتفادي خسائر مادية جسيمة.

انعكاسات ميدانية واقتصادية

تُعد هجليج أكبر حقول النفط في السودان، وتشكل عقدة رئيسية لضخ الخام المنتج من جنوب السودان عبر خط الأنابيب المتجه إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر. ويمثل فقدان السيطرة عليها ضربة قاصمة لقطاع الطاقة السوداني، لاسيما بعد فقدان حقل بليلة في المنطقة نفسها منتصف العام الجاري.

وتشير بيانات أميركية إلى أن إنتاج حقل هجليج تراجع إلى نحو 20 ألف برميل يوميًا، مقارنة بذروة الإنتاج التي بلغت 60 ألف برميل عام 2012.

بحسب مراقبين، فإن سقوط هجليج يأتي في ظل تآكل نفوذ الجيش غرب البلاد بعد سيطرة الدعم السريع مؤخرًا على كامل إقليم دارفور، مما يفتح الباب أمام تعزيز موقعها العسكري والتفاوضي، خصوصًا في محيط العاصمة الخرطوم.

وأفادت تقارير بأن شركة البترول الوطنية الصينية بدأت فعليًا إجراءات الانسحاب من أنشطة النفط في السودان وجنوب السودان، معتبرة تصاعد الحرب سببًا قهريًا أوقف العمل في اتفاقيات «تقاسم الإنتاج» و«نقل الخام»

تداعيات إنسانية متصاعدة

على الصعيد الإنساني، أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن قرابة 450 شخصًا نزحوا يوم الجمعة الماضي فقط من مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بسبب تدهور الوضع الأمني. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان أو إلى خارجه منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

في المقابل، اتهمت قوات الدعم السريع الجيش السوداني بارتكاب قصف جوي على معبر أدري الحدودي مع تشاد، بينما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين وتضليل الرأي العام عبر الحملات الإعلامية.

تراجع استثمارات النفط وانسحاب الشركات الأجنبية

أفادت مصادر إعلامية سودانية أن شركة البترول الصينية و”بترو إنيرجي” طلبتا عقد اجتماع عاجل لبحث إنهاء اتفاقيات النفط المشتركة في حقل بليلة، مؤكدة أن استمرار الحرب جعل العمل «غير ممكن».

وتُدار الحقول النفطية السودانية منذ عقود عبر شراكات بين الحكومة السودانية وشركات من الصين وماليزيا، إلا أن النزاع الدموي أدّى إلى انسحاب الاستثمارات وتوقف الصيانة والإنتاج في معظم المربعات الغنية بالنفط.

ويرى محللون أن انسحاب الشركات الأجنبية يفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعانيها السودان، حيث تمثل عائدات النفط مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة، ومع توقف الصادرات سيتضاعف الضغط على الاقتصاد المنهك، ويرتفع التضخم وأسعار الوقود والسلع الأساسية.

أبعاد استراتيجية

تقع هجليج على بعد 45 كيلومترًا من منطقة أبيي المتنازع عليها، ما يمنحها أهمية جغرافية إضافية بحكم قربها من الحقول المشتركة مع جنوب السودان. كما تتداخل مصالح جوبا والخرطوم في ضمان استمرار خط الأنابيب الذي يُعد شريان الحياة الاقتصادي للبلدين.

ويرى مراقبون أن هذا التطور يعكس تحول التوازنات داخل السودان بعد 33 شهرًا من الحرب، وأن خسارة الجيش لحقل هجليج تمثل انتكاسة استراتيجية قد تعجّل بتحولات سياسية وإقليمية واسعة.