أثيوبيا تصعَّد اتهاماتها لمصر بعد ساعات من مباحثات مع إسرائيل

القاهرة ـ «القدس العربي»: صعّدت أثيوبيا من لهجتها ضد مصر، في وقت اعتبر مراقبون أن أديس أبابا تلعب دوراً لمصلحة إسرائيل في الضغط على القاهرة، خاصة أن البيان الأثيوبي الأخير جاء بعد ساعات من مكالمة هاتفية بين وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ونظيره الإثيوبي غيديون تيموثاوس، أعلنت تل أبيب أنها تناولت «متانة العلاقات الثنائية والتعاون اللصيق في مجالات الدفاع والأمن والتنمية»، إلى جانب التحضير لاستضافة أديس أبابا مؤتمر المناخ المقبل.
كما جاء البيان في وقت تصاعدت فيه حدة الرسائل المتبادلة بين القاهرة وتل أبيب، بعد نفي مصر ما زعمته إسرائيل من وجود تنسيق يتعلق بفتح معبر رفح من جانب واحد لخروج الفلسطينيين من قطاع غزة.

البيان الإثيوبي

واتهمت أديس أبابا، القاهرة، بعد المكالمة، بشن حملة لزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي على خلفية الخلاف حول سدّ النهضة، واعتبرت «هذا النهج الخاطئ فشلافي الخيال والقيادة، وأنه آن الأوان للتخلي عنه، مؤكدة أن هذه الجهود «لم تُخضع إثيوبيا يوماً».
وذكر بيان لوزارة الخارجية الإثيوبية بأن «الكثير من المسؤولين المصريين يُطلقون تصريحات متكررة رافضين الحوار بشكل قاطع وتُطلق تهديدات مبطنة وأخرى صريحة»، مشيرة إلى أن هذه التصريحات تعكس «العقلية المصرية المتجذرة في الحقبة الاستعمارية».
وأضاف أن بعض المسؤولين يعتقدون أنهم يحتكرون مياه النيل، ويستندون إلى معاهدات تعود للفترة الاستعمارية معتبرين أنها حقوق تاريخية. وزعم البيان الإثيوبي أن طريقة تفكير المسؤولين المصريين حول الحقوق التاريخية المزعومة في مياه النيل تُمَثِل فشلا في منظومة القيادة، مطالباً مصر بالتخلي عما وصفه بـ«الاستراتيجية البالية التي لم تعد تُخيف إثيوبيا قط».
واتهم مصر بعرقلة المفاوضات عبر التعنت والإصرار على ترديد مزاعم احتكارية»، ودعت إثيوبيا الجهات المعنية إلى إدانة ما وصفته بالسلوك «غير المسؤول من جانب مصر بالتظاهر بالانخراط في التفاوض والحوار دون جدوى».
وقال إن إثيوبيا «غير ملتزمة تماماً بأن تطلب الإذن من أي جهة لاستخدام الموارد الطبيعية الموجودة داخل حدودها»، في إشارة إلى فرع النيل الأزرق، الذي تقول إثيوبيا إنه ينبع من المرتفعات الإثيوبية، وأنه يمثل نحو 70 في المئة من حجم مياه الأنهار داخل إثيوبيا.
ويُقصد بمنطقة القرن الإفريقي الجزء الممتد على اليابسة على شكل قرن غرب البحر الأحمر وخليج عدن والمتحكمة في منابع النيل، وتضم دول إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي، بينما تتسع في تعريفات أخرى لتشمل دولاً مرتبطة سياسياً واقتصادياً مثل السودان وجنوب السودان وكينيا وأوغندا.

التصرفات الأحادية

وكان آخر حديث لمسؤول مصري بشأن القضية، تمثّل في انتقاد وزير الخارجية بدر عبد العاطي الإجراءات الإثيوبية الأحادية بشأن ملئ وتشغيل السدّ، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الألماني يوهان فاديفول في برلين الثلاثاء الماضي.
وخلال المؤتمر حذّر عبد العاطي من أن تشكل الإجراءات الإثيوبية خطراً على مصالح مصر المائية وأمنها القومي، مؤكداً أن مصر ستتخذ كافة التدابير اللازمة حيال ذلك، وهو الموقف الذي تلتزم به مصر منذ تعثر المحادثات حول ملئ السد وانتهاء المسار التفاوضي في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وانتقدت مصر الشهر الماضي، في بيان صادر عن وزارة الري والموارد المائية، استمرار ما وصفتها بـ«التصرفات الأحادية وغير المنضبطة» في تشغيل السد الإثيوبي على مجرى النيل الأزرق.
إلى ذلك علّق الإعلامي المصري شريف عامر، على البيان الصادر مؤخراً عن وزارة الخارجية الإثيوبية، معتبراً أنه «بيان عجيب» يستدعي التوقف أمام توقيت صدوره قبل أي شيء آخر، لأنه قد يفسر الكثير.
وبيّن خلال تقديمه برنامج «يحدث في مصر»، المُذاع على قناة «إم بي سي مصر»، أن اللهجة والموقف المصريين لم يحدث فيهما أي تغيير خلال الفترة الماضية، رغم ما جاء في البيان الإثيوبي الذي اتهم مصر بامتلاك «أوهام»، وتناول بشكل مباشر قضايا تتعلق بالقانون الدولي.

دراسة تحذر من أن انهيار سدّ النهضة سيؤدي لتدمير سدود سودانية

وأكد أن ادعاء إثيوبيا بأن امتلاكها «86 في المئة من المياه» يمنحها «حق السيادة» هو طرح لا سند له، قائلاً: «هذا كلام لم يأتِ به الأولون، وبمعرفة بسيطة بالقانون الدولي يمكن التأكد من أنه غير صحيح»، في إشارة إلى القوانين المنظِّمة للأنهار الدولية.
ولفت عامر إلى أن البيان الإثيوبي جاء بعد 24 ساعة فقط من إعلان إسرائيلي عن مكالمة جرت بين وزير خارجية إثيوبيا ونظيره الإسرائيلي، وهو إعلان صدر من الحساب الرسمي لوزير الخارجية الإسرائيلي نفسه، وإلى أن الفترة ذاتها شهدت تصريحات متعددة من مستويات إسرائيلية مختلفة تناولت ما وصفته بـ«الأكاذيب» المتعلقة بمعبر رفح، مؤكداً أن هذا التزامن «ليس صدفة».
وختم شريف بأن ما جرى خلال تلك الساعات يكشف ارتباطاً واضحاً بين الأحداث، وأن التوقيت هو العنصر الأهم لفهم الرسائل المتداخلة بين الجانب الإثيوبي والإسرائيلي.
في السياق، اعتبر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة، أن الموقف المصري تجاه ملف سد النهضة ثابت ولم يطرأ عليه أي تغيير، موضحاً أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة اتسمت بحدة غير معتادة وبُعدٍ عن اللغة الدبلوماسية، رغم أنها صادرة عن جهة رسمية يُفترض أن تستند مواقفُها إلى الحقائق والشفافية.

مغالطات وادعاءات

وبيّن شراقي في تصريحات متلفزة أن البيان الإثيوبي الأخير تضمّن العديد من المغالطات والادعاءات غير الصحيحة، مؤكداً أن مصر لم تتراجع يوماً عن خيار الحوار، وأن المفاوضات بشأن السدّ كانت دائماً قائمة على مبدأ الوصول إلى اتفاق مُنصف يحقق مصالح جميع الأطراف.
ولفت إلى أن نهر النيل الأزرق ليس ملكا لدولة بعينها، بل هو نهر دولي يخضع لقواعد واتفاقيات ملزمة، أهمها ضرورة الإخطار المُسبق وعدم إلحاق الضرر بدول المصب.
وشدد على أن الاتفاقيات التاريخية المُنظّمة لمياه النيل لا يمكن لإثيوبيا إلغاؤها بإرادة منفردة، إذ توجد أطرٌ قانونية وأعرافٌ دولية تنظم استخدام الأنهار المشتركة، إلا أن أديس أبابا لا تلتزم بها في مواقفها الحالية.
وشدد على أن احترام الاتفاقيات الدولية يمثل حجر الأساس للاستقرار بين دول الأحواض المشتركة، مؤكّداً أن مصر تواصل تمسكها بالحلول القانونية والدبلوماسية لحماية حقوقها المائية دون المساس بمصالح الشعوب الأخرى.
إلى ذلك كتب وزير الري الأسبق محمد نصر علام على صفحته على «فيسبوك»: ردود أفعال أثيوبيا يشوبها عدم احترام القانون الدولي، والتنصل من التزاماتها وعدم احترام لأشقائها الأفارقة، أين اتفاقية 1902 التي وقّعها مينلك الثاني إمبراطور أثيوبيا واعتمدها البرلمان والتي التزمت فيها بعدم اقامة أي منشأ على النيل الأزرق يؤثر على تدفقه. وأضاف: ينص القانون الدولي بعدم إقامة أي منشأ على نهر دولي إلا بعد إخطار مسبق للدول المشاركة في النهر والتأكد من عدم الإضرار بها، ومن المؤسف أن أثيوبيا أقامت عشرات المنشأت على النيل الأزرق وروافده بدون أخطار دول النهر أو التأكيد بعدم الاضرار بهم.
وتابع: أثيوبيا تتعجب أن مصر تنادي بحقوقها التاريخية في النيل، مصر استخدمت مياهها في الزراعة منذ أكثر من 5 ألاف سنة، وحفرت الترع وأقامت السدود ومعظم البشرية كانت تعيش في الكهوف وعلى الشجر، فهل ذلك لا يمثل حقوقا تاريخية ؟ فأين التاريخ إذن؟
وواصل: أثيوبيا لم تُخطر مصر بسدها، واستغلت ظروفها الداخلية في 2011 ووضعت حجر الأساس عنوة، ومنذ 2011 في تفاوض بدون طائل، وتعهدت أثيوبيا بدراسة تداعيات السد على مصر والسودان وعلى ضوء نتائجها يتم الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد.
كذلك، هاجم الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، البيان الصادر عن الخارجية الإثيوبية، ووصفه بـ «جعجعة وكلام فاضي».وقال خلال في تصريحات متلفزة: «أقَلُّ ما يوصف به أنه بيان وقح وينافي الحقائق ويتجاهل الحقوق التاريخية المستقرة لدولتَي المصب، طبعاً مصر لا يعنيها الكلام ده ولن تفرّط في حقوقها المائية، ولن ينتقص أحد من قطرة واحدة من مياه النيل، المسألة مسألة حياة أو موت».

مخاطر السد

إلى ذلك أصدر مركز رواق للأبحاث والرؤى والدراسات دراسة تحليلية جديدة بعنوان «سد النهضة. فيضانات مفتعلة وكوارث في السودان ودور السد العالي»، تركز على المخاطر المحتملة للسد الإثيوبي الكبير، وتداعياته على دولتي مصر والسودان، في حال وقوع أي خلل في بُنيته أو حدوث كارثة طبيعية.
ولفتت الدراسة إلى أن سد النهضة يقع في منطقة ذات نشاط زلزالي مرتفع، ما يزيد من احتمالية وقوع انهيار جزئي أو كلي، إلى جانب وجود ملاحظات حول عيوب إنشائية ظهرت في تقارير هندسية متعددة، ما يجعل السد عرضة لمخاطر جسيمة.
وأوضحت أن أي انهيار للسد قد يؤدي إلى تدمير سلسلة السدود السودانية على مجرى النيل الأزرق، مسبّباً موجات فيضان واسعة، قد تؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة في المدن والقرى الواقعة على ضفاف النهر، إضافةً إلى التأثير المباشر على الزراعة والبنية التحتية.
وتطرقت الدراسة إلى دور السد العالي في مصر، الذي يمثل خط الدفاع الأول لمواجهة أي تداعيات محتملة للفيضانات، وتوضح الدراسة كيف يمكن استخدام السد العالي كأداة للسيطرة على تدفقات المياه وحماية الأراضي المصرية. كما شددت الدراسة على أهمية تطوير خطط طوارئ مشتركة بين مصر والسودان لمتابعة مستويات المياه وإدارة المخاطر، وتفعيل آليات الإنذار المبكر للتعامل مع أي أحداث مفاجئة.
وتناولت المخاطر المتعلقة بسد النهضة، موضحة أنها ليست مجرد قضية هندسية، بل تتصل بالأمن المائي والسياسي في المنطقة، حيث يمكن أن تؤثر أي أزمة على العلاقات الإقليمية وعلى استقرار المجتمعات المحلية. ولفت المركز إلى أن المتابعة الدقيقة للمشروع الإثيوبي، وتقييم المخاطر بشكل مستمر، ضرورة ملحة لتجنب سيناريوهات الانهيار أو الفيضانات المفتعلة، التي قد تتحول إلى أزمة إقليمية واسعة.
وفي التاسع من سبتمبر/أيلول الماضي، افتتحت إثيوبيا سد النهضة رسمياً في بعد 14 عاماً من بدء أعمال البناء، وبعد 13 عاماً من مفاوضات مع دولتي المصب مصر والسودان لم تُسفر عن اتفاق قانوني عادل ومُلزم لملء وتشغيل السد. وفي اليوم نفسه، شَكَت القاهرة الخطوة الإثيوبية إلى مجلس الأمن وقالت إنها «أحادية ومخالفة للقانون الدولي»، مشددة على احتفاظها بكافة حقوقها في اتخاذ التدابير المكفولة بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومُلوحة بخيارات مفتوحة إذا ما استمرت إثيوبيا في فرض الأمر الواقع.
ويذكر أن مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي أُطلق عام 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار، يُعد أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر وارتفاعه 145 متراً.
وتؤكد أديس أبابا أن السد ضروري لبرنامج إمدادها بالكهرباء، لكنه شكّل منذ البداية مصدر توتر مع مصر والسودان اللتين تبديان قلقاً من تأثيره المحتمل على حصتيهما من المياه، خاصة في سنوات الجفاف.
وفشلت جولات المفاوضات المتعاقبة بين الدول الثلاث على مدار سنوات، وتمسكت مصر والسودان بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل السد.