تجدد الجدل في السودان حول حقيقة الأوضاع الميدانية في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، بعد أن بثّت قوات الدعم السريع مشاهد مصوّرة قالت إنها توثّق وجود مقاتليها داخل مقر قيادة الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش السوداني. هذه المقاطع، التي نُشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت عناصر من الدعم السريع يتجولون داخل ما وصفوه بـ”المعسكر الرئيسي”، مؤكدين سيطرتهم الكاملة على المدينة.
في المقابل، نفت القوات المسلحة السودانية صحة هذه الادعاءات، وأكدت في بيان رسمي أن بابنوسة لا تزال تحت سيطرتها الكاملة، مشيرة إلى أن وحداتها الميدانية صدّت يوم الإثنين هجوماً واسعاً شنّته قوات الدعم السريع على أطراف المدينة. واتهمت القيادة العامة للدفاع الدعم السريع بمواصلة ما وصفته بـ”حملات تضليل إعلامية” تهدف إلى خلق صورة مغايرة للواقع الميداني وتضليل الرأي العام المحلي والدولي.
تصاعد القتال في غرب كردفان
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد العمليات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع في غرب كردفان، حيث تشهد مدينة بابنوسة منذ أسابيع مواجهات عنيفة للسيطرة على مواقع عسكرية واستراتيجية. ووفق مصادر محلية، تسعى قوات الدعم السريع إلى تعزيز وجودها في المنطقة لفرض واقع ميداني جديد قبل أي محادثات سياسية محتملة.
وذكرت تقارير أن الدعم السريع حشد عشرات الآلاف من المقاتلين مزودين بعتاد عسكري متطور، في محاولة لحسم المعركة لصالحه وبسط نفوذه على الولاية، بما يتيح له التقدم نحو مناطق وسط وشمال السودان لاحقاً. وأفادت مصادر ميدانية بأن الاشتباكات الأخيرة كانت من الأعنف منذ مطلع العام، وترافقت مع استخدام مكثف للطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة.
تصريحات متناقضة واتهامات متبادلة
على المستوى السياسي، أصدر التحالف المؤسس للجناح السياسي لقوات الدعم السريع بياناً قال فيه إن القوات المسلحة ارتكبت “خرقاً جديداً للهدنة الإنسانية” التي دعت إليها دول الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات)، مؤكداً أن هجوم الجيش على مواقع الدعم في بابنوسة يشكّل “انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني”.
وأضاف البيان أن “قوات الدعم السريع التزمت بالهدنة منذ إعلانها”، مشيراً إلى أن “هذا الهجوم هو الثامن من نوعه في غضون أسابيع قليلة، مما يدل على رفض الجيش لأي التزامات قانونية أو إنسانية، واستخدامه الهجمات العسكرية لتعطيل جهود السلام ومنع وصول المساعدات للمدنيين”. وأكد البيان أن قوات الدعم نفذت عملية عسكرية معاكسة أسفرت عن “السيطرة الكاملة على مقر الفرقة 22 مشاة بمدينة بابنوسة”.
أما الجيش السوداني، فقد ردّ في بيان صدر لاحقاً، قائلاً إن ما وصفه بـ”الهدنة المعلنة من طرف قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)” ليست سوى خطوة إعلامية تهدف إلى التغطية على التحركات العسكرية والدعم الخارجي الذي تتلقاه تلك القوات. وجاء في البيان: “تواصل قوات الدعم السريع شنّ الهجمات بالطائرات المسيّرة والمدفعية على مدينة بابنوسة رغم ادعائها الالتزام بهدنة إنسانية، ما يبرهن على عدم مصداقيتها”.
سياق أوسع للأزمة السودانية
ويأتي هذا التوتر في وقت تحاول فيه عدة أطراف إقليمية ودولية الدفع نحو تسوية سياسية تضع حداً للحرب المستمرة منذ أكثر من عام ونصف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي أدت إلى مقتل وإصابة آلاف المدنيين وتشريد الملايين داخل السودان وخارجه.
وكان حميدتي قد أعلن الأسبوع الماضي موافقة قواته على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تشمل وقف الأعمال العدائية وتسهيل وصول الإغاثة الإنسانية، لكن الجيش السوداني اعتبر الإعلان “مناورة سياسية وإعلامية” تهدف إلى كسب التعاطف الدولي وتخفيف الضغوط المتزايدة على قوات الدعم السريع.
ومع استمرار تبادل الاتهامات وتصاعد المعارك في ولايات دارفور وكردفان، يبدو أن فرص التوصل إلى هدنة حقيقية أو اتفاق دائم لوقف إطلاق النار لا تزال بعيدة، وسط انعدام الثقة المتبادل بين الطرفين وتزايد المخاوف الإقليمية من توسع رقعة النزاع إلى مناطق جديدة في البلاد.
