كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن عرض سوداني لموسكو، قُدم في أكتوبر الماضي، يقضي بالسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر تطل على أحد أكثر الممرات الملاحية حيوية في العالم، في خطوة من شأنها، إذا تم تنفيذها، أن تعيد رسم خرائط النفوذ العسكري في المنطقة.
وبحسب التقرير، يتضمن العرض منح الكرملين حزمة واسعة من الامتيازات في قطاع التعدين، إلى جانب تزويد الخرطوم بأنظمة دفاع جوي متطورة، في إطار مقايضة تعكس سعي الحكومة العسكرية في السودان لتعميق شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، في لحظة يتصاعد فيها التنافس الدولي على التحكم في بوابة التجارة بين أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وسط مخاوف داخلية وخارجية من أن يدفع هذا التوجّه علاقات الخرطوم مع واشنطن والعواصم الأوروبية نحو مزيد من التوتر.
ورفضت الحكومة السودانية التعليق رسميًا على صحة هذه المعلومات، بينما يرى مراقبون أن الخطوة تعكس محاولة الخرطوم الموازنة بين الضغوط الغربية والعلاقات المتنامية مع موسكو
وتكشف المعطيات المنشورة عن العرض السوداني لإنشاء قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر عن تحول يتجاوز كونه ترتيبات ثنائية بين الخرطوم وموسكو،
ليعكس إعادة تموضع استراتيجي في قلب سباق دولي على الممرات البحرية وخريطة النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. في هذا السياق، يبدو السودان، الغارق في حرب داخلية مستمرة، وكأنه يحاول توظيف موقعه الجيوسياسي وموارده الطبيعية كورقة تفاوض كبرى مع القوى العالمية، في ظل تنافس أميركي روسي تتداخل فيه أيضًا الحسابات الصينية والأوروبية على التحكم في بوابة تربط بين المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس.
مضمون العرض وحدوده
تفيد التقارير بأن المقترح الذي قُدّم لموسكو في أكتوبر يمتد لـ25 عامًا، ويمنح روسيا حق نشر ما يصل إلى 300 جندي وإرساء أربع سفن حربية، بينها سفن تعمل بالدفع النووي، في بورتسودان أو منشأة أخرى غير مسماة على البحر الأحمر. في المقابل، يحصل الكرملين على أفضلية في عقود التعدين السودانية، ولا سيما الذهب، إلى جانب تزويد الجيش السوداني بأنظمة دفاع جوي متطورة وأسلحة بأسعار تفضيلية. هذه الصيغة تجعل القاعدة أكثر من مجرد موطئ قدم عسكري، إذ تربط بين الحضور البحري الروسي وبين بنية النفوذ الاقتصادي في قطاع استراتيجي يشكل أحد أعمدة التمويل لحكومة الحرب في الخرطوم.
الأبعاد الجيوسياسية في البحر الأحمر
يمثل البحر الأحمر اليوم إحدى أكثر الساحات ازدحامًا بالمشاريع العسكرية والتجارية المتنافسة، من القاعدة الصينية في جيبوتي والقواعد الأميركية في القرن الأفريقي، وصولاً إلى محاولات موسكو المستمرة منذ سنوات للحصول على منفذ دائم في بورتسودان. امتلاك قاعدة على هذا الشريط الساحلي يمنح روسيا قدرة أكبر على مراقبة الملاحة من وإلى قناة السويس، التي يمر عبرها نحو 12٪ من التجارة العالمية، ويتيح لها إعادة تموين وإصلاح سفنها في “مرفأ دافئ” طالما افتقرت إليه استراتيجيتها البحرية. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أي حضور عسكري روسي دائم في السودان أو ليبيا بوصفه خطوة تسمح لموسكو بتوسيع عملياتها و”العمل دون عقاب”، وفق توصيف مسؤولين وخبراء غربيين.
حسابات السلطة في الخرطوم
من زاوية الداخل السوداني، يعكس العرض محاولة من الحكومة العسكرية لتوظيف الورقة الروسية لتعويض عزلتها المتزايدة عن الغرب والحصول على مصادر تسليح في ظل حرب تستنزف قدرات الجيش أمام قوات الدعم السريع. غير أن هذا الرهان محفوف بكلفة دبلوماسية محتملة، إذ حذر مسؤولون سودانيون من أن الصفقة قد تفتح جبهة توتر جديدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتعمّق صورة الخرطوم كحليف لمعسكر مناوئ للغرب في لحظة استقطاب عالمي حاد. كما تثير فكرة رهن مرفق بحري حيوي وعقود تعدين طويلة الأجل تساؤلات داخلية حول ثمن السيادة الاقتصادية والسياسية في بلد يعيش أصلًا تفككًا لمراكز القوة ومناطق النفوذ.
انعكاسات محتملة على توازنات الإقليم
في حال مضت الصفقة قدمًا، فإنها لن تعيد تشكيل توازن القوى على ساحل البحر الأحمر فحسب، بل قد تعمّق أيضًا تداخل النزاعات المحلية مع أجندات خارجية، بما يحوّل السودان إلى ساحة تنافس مفتوح بين عواصم كبرى. فوجود قاعدة روسية دائمة بجوار ممرات تستخدمها البحرية الأميركية وحلفاؤها، ومع تقدم الصين في بناء الموانئ الأفريقية، يعزز سردية “عسكرة الممرات البحرية” ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى فضاء اشتباك بارد تتقاطع فيه خطوط التجارة مع خطوط الصراع. في هذا المشهد، تبدو خطوة الخرطوم أقرب إلى مقامرة استراتيجية: إما أن توفر مظلة حماية وتسليح تعزز موقع السلطة القائمة، أو أن تتحول إلى عبء يعمّق عزلتها ويزج بالبلاد أكثر في قلب صراعات لا تملك التحكم في مساراتها ولا في نتائجها.

