الخرطوم ـ «القدس العربي»: أثارت تصريحات رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش في السودان، عبد الفتاح البرهان، حول رفض مقترح الهدنة الذي قدمته دول الرباعية، ونفيه وجود عناصر من الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ردود فعل واسعة.
«الأسوأ حتى الآن»
وفي مداخلة مصورة بثها مكتبه، قال البرهان إن مقترح الهدنة الأخير الذي قدمه الموفد الأمريكي مسعد بولس بالنيابة عن مجموعة الوسطاء هو «الأسوأ حتى الآن»، مؤكدا أن حكومته ترفضه.
واعتبر أن الرباعية، التي تضم إضافة إلى الولايات المتحدة كلا من السعودية ومصر والإمارات، «منحازة» ما دامت أبو ظبي عضوا فيها. واتهم بولس بتكرار مواقف أبو ظبي.
البرهان أكد في خطابه أن «الدولة السودانية مستهدفة»، داعياً إلى توحيد الصفوف لمواجهة ما وصفها بمحاولات تقسيم البلاد.
وشدد على أن «معركة الكرامة معركة بقاء»، معلناً رفضه «أنصاف الحلول»، ومعتبراً أن مقترحات الآلية الرباعية المكونة من الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات، تتضمن «إلغاء وجود الجيش وحل الأجهزة الأمنية والإبقاء على الدعم السريع»، وهو ما وصفه بأنه «غير مقبول».
وانتقد مشاركة الإمارات في وساطة الرباعية، واتهمها بدعم قوات «الدعم السريع»، كما عبّر عن تحفظه على دور بولس، وقال إنه «يحاول فرض حلول لا تراعي شواغل الدولة السودانية».
وشدد على أن الحكومة قدّمت خريطة طريق بديلة تقوم على انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي سيطرت عليها بعد منبر جدة، وتجميعها في مواقع متفق عليها، تمهيدًا لعودة النازحين وبدء عملية سياسية داخلية.
البرهان نفى كذلك اتهامات بإعاقة العمل الإنساني، مؤكدًا أن الحكومة سمحت باستخدام مطارات الأبيض والدمازين وكادقلي، وبإسقاط الإغاثة جوًا في الفاشر، واتهم المجتمع الدولي بـ «التقاعس» عن مساعدة المدنيين في دارفور.
كما انتقد دخول منظمات دولية إلى دارفور دون تنسيق مع الحكومة، معتبرًا الأمر «مساسًا بالسيادة»، رغم تأكيده أنهم «يخدمون المواطنين».
ونفى قائد الجيش السوداني سيطرة الإسلاميين على الجيش والدولة، إذ قال في خطابه: «من يردد هذا الحديث إنما يستخدم فزاعة للإيقاع بين السودانيين»، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية «قادرة على إصلاح نفسها».
في موقف يصب في خانة ما ذهب إليه البرهان حول الهدنة، حذر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، مما وصفها بمحاولات «تقسيم البلاد» تحت غطاء الهدنة الإنسانية، مؤكداً أن الصراع الدائر يمر بـ «لحظة مظلمة سياسياً وإنسانياً».
وقال إن «الحاجة إلى هدنة إنسانية لم تعد خياراً بل ضرورة»، خاصة عقب الأحداث التي شهدتها مدينة الفاشر، مشيراً إلى ما وصفه بـ «تدهور كبير في الأوضاع الإنسانية» ومقتل وتشريد آلاف المدنيين، إضافة إلى الحصار الذي استمر لأكثر من عامين.
واعتبر أن الأمم المتحدة ومنظماتها لم تتمكن من توفير الحد الأدنى من الحماية، مؤكدًا أن الفاشر أصبحت رمزاً لمعاناة المدنيين، خصوصًا الأطفال الذين تحولوا إلى ضحايا في ظل غياب التدخل الدولي الفعال.
قياديان في «صمود» يستنكران نفي وجود عناصر من الحركة الإسلامية في القوات المسلحة
وحمل مناوي قوات «الدعم السريع» مسؤولية التدهور الإنساني، واصفًا إياها بأنها «أخطر من الكوارث الطبيعية لما تسببه من دمار ممنهج للبنية التحتية».
كما اعتبر أن تدخلات إقليمية أسهمت في تعقيد المشهد، منتقدًا ما وصفه بـ «الصمت الدولي» تجاه الانتهاكات.
وقال إن بعض المواقف الإقليمية والدولية لعبت دورًا في تأخير التدخل، ما فاقم معاناة المدنيين وزاد من حدّة الأزمة في البلاد.
وتساءل عن أسباب «تأخر المجتمع الدولي» في التحرك تجاه ما جرى في الفاشر، موضحًا أن إدخال مساعدات غذائية بعد ساعات من وقوع المذبحة « يجيب على الأسئلة المتعلقة بأسباب التأخر أو الجهات المستفيدة منه».
وأكد أن مثل هذه المواقف تغذي مشاعر الإحباط والغضب لدى السودانيين الذين كانوا ينتظرون حماية عاجلة من المجتمع الدولي.
ووضع مناوي جملة من الشروط التي رأى أنها ضرورية لنجاح أي هدنة إنسانية في البلاد.
وشدد على ضرورة انسحاب «الميليشيات المسلحة» من المواقع الحيوية والمدنية، مثل المدارس والمستشفيات والجامعات والأسواق، باعتبار أن وجودها في هذه المناطق يقوض أي حديث عن سلام حقيقي. كما أكد على ضرورة إطلاق سراح المختطفين والمعتقلين، بمن فيهم الأطفال، معتبرًا أن هذا الإجراء يمثل أساسًا لأي هدنة تحمل مضمونًا إنسانيًا.
وفي السياق ذاته، دعا إلى إخراج «المرتزقة الأجانب» الذين اعتبر وجودهم تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وإلى إعادة فتح الطرق الرئيسية بين المدن لضمان انسياب المساعدات الإنسانية وعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها. وأضاف أن أي عملية سلام يجب أن تشمل كل القوى الوطنية من ضحايا الحرب والنازحين والأسر، حتى تكون الهدنة معبّرة عن تطلعات المجتمع السوداني ككل.
وحذر من الاعتقاد بأن «تحرير الخرطوم وحده سيُنهي الحرب»، مشيرًا إلى أن بعض الأطراف المسلحة «لا تملك مشروعًا واضحًا»، بينما قال إن لأطراف أخرى «أهدافًا تمتد إلى منابع النيل والبحر الأحمر وأجزاء من أفريقيا». وأكد أن الأزمة السودانية «ليست مجرد حرب على الأرض بل معركة ضد الإنسانية»، مشددًا على أن أي هدنة لن تكون مجدية ما لم تدمج في إطار شامل للسلام والعدالة يعكس تطلعات الشعب السوداني ويضمن حقه في الحرية وكرامة العيش.
لكن الإمارات سارعت إلى انتقاد البرهان. وقالت وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي «مرة أخرى يرفض الفريق البرهان مبادرات السلام. برفضه الخطة الأمريكية للسلام في السودان، ورفضه المتكرر لوقف إطلاق النار، يُظهر بشكل مستمر سلوكا معرقلا. ويجب قول ذلك بوضوح».
واتُهمت دولة الإمارات على نطاق واسع بتسليح قوات «الدعم السريع» التي تخوض حربا ضد الحكومة المدعومة من الجيش. لكن أبو ظبي تنفي هذه الاتهامات.
وتعليقا على نفي البرهان وجود عناصر من الحركة الإسلامية في القوات المسلحة، اعتبر قياديان من تحالف « صمود» حديث قائد الجيش «إنكارًا للواقع».
وقال القيادي في تحالف صمود والرئيس التنفيذي للتجمع الاتحادي بابكر فيصل، إن الحركة الإسلامية «متغلغلة في هياكل الدولة والأجهزة الأمنية»، معدّدًا أسماء مسؤولين حاليين يتهمهم بالانتماء للحركة الإسلامية منذ عقود، بينهم قيادات في جهاز المخابرات ووزراء في الحكومة.
وأضاف أن سيطرة الإسلاميين «حقيقة ماثلة يعرفها الجميع»، مشيرًا إلى أن الجماعة «تمسك بمفاصل الدولة في مستوياتها المختلفة».
فيما قال القيادي في « صمود» ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر يوسف إن خطاب البرهان «غير مفاجئ»، مضيفًا أن رئيس مجلس السيادة «ظلّ في كل المنعطفات ينحاز لرغبات الحركة الإسلامية».
وأشار إلى أن إنكار وجود الإسلاميين داخل الجيش «يشبه طلب الدليل على شروق الشمس».
وقال إن البرهان سبق وأن تعهّد لمسؤولين أمريكيين بالتخلص من نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، وإنكار وجودهم اليوم «يثير الدهشة».
وأضاف أن طريق البرهان «يتعارض مع مبادرة السلام المطروحة من الرباعية»، والتي تدعو للوصول إلى جيش واحد مهني ومنع عودة النظام السابق، معتبرًا أن الحركة الإسلامية «هي الطرف الوحيد الرافض للحل السياسي».
كذلك قال مستشار قائد قوات «الدعم السريع» الباشا طبيق إن نفي البرهان لوجود الإسلاميين «هروب من الحقيقة»، داعيًا إياه إلى «وقف دعاة الحرب»، وحل «الميليشيات وكتائب البراء بن مالك» التي يقول إنها تقاتل إلى جانب الجيش.
في السياق، أصدرت لجنة تابعة لحكومة «تأسيس»، وهي حكومة موازية، أعلنتها قوات «الدعم السريع» في مناطق سيطرتها، أوامر قبض على البرهان وعضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا وعثمان محمد كبر والي شمال دارفور الأسبق، وذلك فيما سمتها انتهاكات الفاشر.
وعلى الرغم من أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات واسعة، إلا أن مقترحات الوساطة تمنحها فرصة ثانية، وفق مراقبين، بينما يتمسك الجيش بخريطة طريق تشدد على خروج الدعم السريع من المدن وتجميعهم في نقاط بعيدة عن المدنيين وفق التزامات منبر جدة التفاوضي. كما يرفض وجود الإمارات في أي آلية لحل الأزمة في السودان.
دعوة أممية
يأتي ذلك بالتزامن مع دعوات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، مؤكدا على الحاجة إلى السلام في السودان.
وشدد على الحاجة إلى إيصال المساعدات الإنسانية بأمان ودون عوائق وإنهاء تدفق الأسلحة والمقاتلين.
كما دعا غوتيريش الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات من أجل الوصول إلى حل للأزمة المتفاقمة في السودان.

