28.6 C
Khartoum

تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً: قرار ترامب الذي سيربك الإسلام السياسي في السودان والعالم العربي

Published:

اليراع– يُنظر إلى طلب الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية بوصفه تطوراً نوعياً في مقاربة واشنطن لقضايا الإسلام السياسي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على التوازنات الإقليمية، ولا سيما في دول مثل السودان التي شكّل فيها نفوذ الجماعة عاملاً حاسماً في مسار الدولة والصراع فيها. يستند هذا التوجّه إلى اعتبارات أمنية وسياسية متشابكة، تتجاوز البعد القانوني البحت إلى إعادة صياغة موازين القوى بين التيارات الإسلامية والأنظمة الحاكمة والقوى المدنية على حد سواء.​​

خلفية القرار الأمريكي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّه يستعد لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، مؤكداً أنّ الخطوة ستتم “بأقوى العبارات” وأنّ الوثائق النهائية للتصنيف قيد الإعداد في الدوائر المختصة. يأتي هذا الإعلان في سياق نقاش ممتد داخل المؤسسات الأمريكية منذ ولايته الأولى، حيث سبق أن طُرحت المبادرة عام 2019 دون أن تستكمل إجراءاتها القانونية آنذاك. يعكس القرار، بصيغته الجديدة، اتجاهاً أكثر تشدداً مدفوعاً بضغوط من تيارات محافظة في الكونغرس تعتبر الجماعة مصدر تهديد متصاعداً لاستقرار الشرق الأوسط والأمن القومي الأمريكي.​​

الأبعاد القانونية والسياسية للتصنيف

يعني إدراج الإخوان في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من الناحية العملية فرض قيود صارمة على التمويل والنشاط، من بينها تجريم تقديم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعة أو الكيانات المرتبطة بها، وتوسيع صلاحيات الملاحقة القضائية للأفراد والمؤسسات المتعاملة معها. كما يترتب على التصنيف حظر دخول كوادر الجماعة إلى الولايات المتحدة وتجميد الأصول المحتملة الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية، فضلاً عن تأثيره غير المباشر في تعامل المصارف الدولية والمؤسسات المالية مع أي واجهات يُشتبه في ارتباطها بها. سياسياً، يوجّه القرار رسالة واضحة لحلفاء واشنطن بأنّ الانخراط مع الجماعة لم يعد خياراً محايداً، بل مساراً قد يعرّض حكومات أو فاعلين غير حكوميين لمخاطر قانونية وعقوبات ثانوية.​

الإخوان المسلمون في السودان: مسار تاريخي مثقل بالأزمات

تعود جذور حضور جماعة الإخوان المسلمين في السودان إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث تمكّنت تدريجياً من التغلغل في الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، مستفيدة من ضعف البنى الحزبية التقليدية وتداخل الخطاب الديني مع المجال العام. لعب تحالفها مع نظام الرئيس جعفر النميري بعد “المصالحة الوطنية” عام 1978 دوراً محورياً في تمكينها اقتصادياً وسياسياً، وصولاً إلى الدفع باتجاه تبنّي قوانين الشريعة الإسلامية عام 1983، وهي خطوة أسهمت في إعادة إشعال الحرب بين الشمال والجنوب حتى توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005.

عقب سقوط نظام النميري، عادت الجماعة إلى الواجهة تحت مظلة “الجبهة الإسلامية” للمشاركة في المرحلة الديمقراطية التي أعقبت انتفاضة 1985، قبل أن تدعم انقلاب عمر البشير العسكري عام 1989، ما أتاح لها الإمساك بمفاصل السلطة لمدة ثلاثة عقود. شهدت تلك الحقبة توسعاً في نفوذ الأجهزة الأمنية، واندلاع حروب أهلية في أكثر من إقليم، واتساع رقعة الفساد، إلى جانب استخدام خطاب ديني لتبرير الإقصاء والانتهاكات بحق معارضي النظام ومكوّنات اجتماعية ودينية متعدّدة.

ما بعد البشير: عودة النفوذ عبر الدولة العميقة

مع الإطاحة بنظام عمر البشير في ثورة شعبية واسعة عام 2019، برزت مطالب صريحة في الشارع السوداني وفي أوساط القوى المدنية تدعو إلى حظر الجماعة ومساءلة رموزها عن الانتهاكات التي وقعت خلال فترة حكمها. ورغم اتخاذ إجراءات شكلية ضد بعض واجهاتها التنظيمية، فإنّ الشبكات المرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، ظلّت فاعلة ومؤثرة. تتهم قوى سياسية وديمقراطية سودانية الجماعة بلعب دور محوري في دعم انقلاب قائد الجيش على السلطة الانتقالية المدنية، وبتوظيف نفوذها داخل المؤسسة العسكرية لتعطيل مسار التحول الديمقراطي.

تذهب قراءات عديدة إلى أنّ استمرار الحرب في السودان يرتبط جزئياً برهانات من قِبل دوائر مرتبطة بالإخوان على أن بيئة الفوضى تتيح لها استعادة نفوذها أو على الأقل منع تشكّل نظام مدني ديمقراطي يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة. وفي مواجهة مبادرات سلام، وطنية ودولية، دعت إلى تحييد الجماعة عن أي تسوية مقبلة، لوحظ تمسّكها بخطاب يرفض الإقصاء من المجال السياسي، مع مؤشرات على استعداد بعض أجنحتها للجوء إلى العمل المسلح أو استثمار تحالفات مع جماعات عابرة للحدود إذا جرى إغلاق الأبواب أمام عودتها المباشرة إلى السلطة.

تأثير التصنيف الأمريكي على المشهد السوداني

يُرجَّح أن يؤثر أي تصنيف أمريكي رسمي للجماعة كمنظمة إرهابية على بيئة عملها في السودان، سواء على مستوى التمويل الخارجي أو حركة الكوادر والواجهات المدنية المرتبطة بها. قد يدفع ذلك السلطات أو الفاعلين الإقليميين إلى تشديد الرقابة على شبكاتها المالية والخيرية، خصوصاً في ظل حساسية السودان تجاه الضغوط الغربية بعد تجربة العقوبات الطويلة السابقة. كما يمكن أن يُستخدم القرار كأداة تفاوض دولية للضغط على الأطراف السودانية التي يُشتبه في تحالفها مع الجماعة أو تغطيتها لنشاطها السياسي.

في المقابل، يحمل هذا المسار مخاطر موازية؛ إذ إنّ تضييق الهامش السياسي أمام الجماعة من دون توفير مسارات دمج قانونية وشفافة للفاعلين الإسلاميين غير المتورطين في العنف قد يدفع بعض الأجنحة نحو مزيد من الراديكالية. بالنسبة للسودان، الذي يقف على حافة انهيار شامل لمؤسسات الدولة، فإنّ أي انتقال لتنظيمات ذات مرجعية أيديولوجية من العمل العلني إلى العمل السري المسلح سيعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ويُطيل أمد الحرب.

السياق الإقليمي والدولي الأوسع

تأتي الخطوة الأمريكية في وقت أدرجت فيه دول عربية وإقليمية عدّة جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب لديها، بينما اتجهت دول أخرى إلى تقييد أنشطتها القانونية والعلنية مع الإبقاء على هامش محدود للحركة في المجال العام. في المقابل، تستضيف دول أوروبية وآسيوية شخصيات وقيادات مؤثرة من الجماعة، بعضها يمارس نشاطاً إعلامياً وسياسياً كثيفاً، ما يخلق تباينات واضحة بين المقاربات الغربية والعربية لملفّ الإخوان.​

من شأن تصنيف واشنطن للجماعة أن يعمّق الاستقطاب حولها؛ فدول ترى في القرار فرصة لمحاصرة نفوذها داخلياً وخارجياً، وأخرى تخشى من أن يؤدّي ذلك إلى دفع فروع محلية أكثر براغماتية نحو التماهي مع تيارات عنيفة. كما يثير القرار نقاشاً أوسع في مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار الغربية حول حدود التمييز بين الحركات الإسلامية التي تشارك في العملية السياسية وتلك التي تنخرط في العنف، وحول جدوى المعالجات الأمنية الصِرفة في مواجهة تحديات مركّبة يتداخل فيها الاجتماعي والديني والسياسي.

يبدو التوجّه الأمريكي لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية أشبه بإعادة رسم لخريطة العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي بعد عقود من سياسات مترددة ومتباينة. بالنسبة للسودان، يحمل القرار بعدين متعارضين: إمكانية دعم قوى الانتقال الديمقراطي التي تطالب بتحجيم نفوذ الجماعة، وفي الوقت نفسه خطر دفعها أو دفع بعض أجنحتها إلى مواقع أكثر تطرفاً في واقع هشّ أصلاً. نجاح أو فشل هذا المسار سيتوقف على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على موازنة مقتضيات المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، مع ضرورة بناء عملية سياسية شاملة لا تترك فراغاً تملؤه جماعات متطرفة أكثر عنفاً وتنظيماً.

مواضيع مرتبطة

مواضيع حديثة