الخرطوم ـ شنّت قوات «الدعم السريع» هجمات بطائرات مسيّرة على مواقع عسكرية وبنى تحتية مدنية، حسب ما أفاد مصدر عسكري سوداني، أمس الأحد، فيما تباينت مواقف القوى السودانية من مبادرة وقف إطلاق النار التي اقترحتها دول الرباعية.
المواقع المستهدفة
وأبلغ المصدر وكالة «فرانس برس» بأن مسيّرات أطلقتها قوات الدعم السريع «هاجمت مقر الفرقة 18 التابعة للجيش في مدينة كوستي، مستودعات الوقود على الضفة الغربية للنيل الأبيض شرق المدينة».
وأشار المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه، إلى أن الهجمات طالت كذلك القاعدة الجوية ومطار كنانة جنوب شرق مدينة كوستي، بينما استهدفت مسيّرات محطة كهرباء أم دياكر شرق كوستي».
وأفاد شهود عيان في كوستي الواقعة على مسافة نحو 320 كيلومترا جنوب الخرطوم، عن سماع دوي انفجارات قوية.
واعتبر مجلس السيادة السوداني أن هذه الهجمات «استهداف ممنهج للبنية التحتية المرتبطة بحياة المواطنين». كما قال إنها «تشكل انتهاكًا مضافًا لسجل طويل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية» وسط ما وصفه بـ«صمت إقليمي ودولي مريب».
كذلك أفاد الناطق باسم القوات المسلحة بأنّ «مسيّرات هاجمت منشآت في مدينة الأبيض» عاصمة ولاية شمال كردفان صباح السبت.
وأكد المصدر عدم وقوع خسائر، وأن المضادات الأرضية «تصدت بفعالية» للمسيّرات في المدينة الواقعة على مسافة 400 كلم جنوب غرب الخرطوم.
وكانت طائرات مسيّرة استهدفت الثلاثاء مواقع عسكرية ومنشآت حيوية في الخرطوم ومحيطها، بينها مصفاة نفط ومحطة كهرباء.
وأعلن «تحالف تأسيس السودان» التابع لقوات «الدعم السريع» مسؤوليته عن الهجمات.
وجاءت الهجمات بعد يومين على دعوة الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر في السودان، على أن يليها وقف دائم لإطلاق النار وعملية انتقالية تؤدي إلى حكم مدني مدتها تسعة أشهر.
وشدّدت الدول الأربع في إعلان مشترك على ضرورة أن تكون العملية «شاملة وشفافة» وأن تنتهي ضمن المهل المحددة بغية «تلبية تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مستقلة بقيادة مدنية تتمتع بقدر كبير من المشروعية والقدرة على المساءلة».
وتعليقا على الدعوة، أكد مجلس السيادة أن الحرب التي تشهدها البلاد «موجهة ضد الشعب السوداني» وأنه وحده من «سيواجهها ويقرر بشأنها».
فيما اعتبرت الحكومة السودانية، الدعوة تدخلاً في الشأن الداخلي في البلاد.
وأكدت وزارة الخارجية ترحيب الحكومة بأي جهد إقليمي أو دولي يساعدها في إنهاء الحرب ووقف هجمات « الدعم السريع» على المدن والبنية التحتية ورفع الحصار عن المدن وتفكيكها بحيث «لا يتكرر ما أرتكب من مآس وجرائم في حق شعب السودان مرة أخرى».
وشددت على أن « حكومة السودان لا تقبل أي تدخلات دولية أو إقليمية لا تحترم سيادة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية المسنودة من الشعب السوداني، وحقها في الدفاع عن شعبها وأرضها، وأنها ترفض أي محاولة للمساواة بينها وبين ميليشيا إرهابية عنصرية تستعين بمرتزقة أجانب من مختلف بقاع الأرض لتدمير الهوية السودانية وطمسها».
وقالت: إن «انخراط الحكومة مع أي طرف كان في الشأن السوداني يعتمد وبشكل واضح على احترام سيادتها الوطنية وشرعية مؤسساتها القومية مبدأً وواقعاً» مؤكدة «رغبتها في تحقيق السلام والأمن والاستقرار وحقن دماء الشعب السوداني والمحافظة على مقدراته».
وأبدت أسفها لما اعتبرته «عجزا من المجتمع الدولي عن إلزام الميليشيا الإرهابية بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي (2736) و (1591) المعنية برفع الحصار على مدينة الفاشر وتخفيف معاناة مواطنيها من شيوخ ونساء وأطفال والسماح بمرور قوافل الإغاثة».
«السيادي» تحدّث عن ضرب «ممنهج» للبنية التحتية… وتباين سياسي حول مبادرة الرباعية
وشددت على أن «تحقيق السلام في السودان هو مسؤولية حصرية لشعب السودان ومؤسسات الدولة القائمة، وأن شعب السودان هو الوحيد الذي يحدد كيف يحكم من خلال التوافق الوطني الذي تسعى له الحكومة».
ولفتت إلى أن «الانخراط في القضايا الداخلية هو حق سيادي تمنحه حكومة السودان وفقاً للمصالح العليا للشعب السوداني دون وصاية من أي جهة أو تحالف».
في السياق، انتقد التيار الإسلامي العريض، بقيادة علي كرتي، ما وصفها بـ«لغة الاستعلاء والتدخل السافر في الشأن السوداني» كما رفض مشاركة الإمارات في مقترحات الحل، متهماً أبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والمرتزقة.
وجدد رفضه مساواة الجيش بـ«الدعم السريع» مشددًا على أن «أي محاولة لفرض الدعم السريع كطرف في تسوية سياسية لن تنجح» معتبراً أن «الاتهامات الموجهة للحركة الإسلامية محاولة مكشوفة لتشويه صورتها وإضعاف وحدة السودان».
وفي السياق ذاته، أبدت قوى «الحراك الوطني» تحفظها على مقترحات الرباعية، واعتبرت عضوية الإمارات فيها «عاملامهددًا للحياد والثقة الشعبية» متهمة أبو ظبي بـ«دعم انتهاكات قوات الدعم السريع».
في المقابل، رحب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» ببيان الرباعية، مؤكدًا دعمه الكامل لخريطة الطريق المطروحة، والتي تتضمن هدنة إنسانية، ووقفًا دائمًا لإطلاق النار، وعملية سياسية تؤدي إلى تشكيل سلطة مدنية بدعم شعبي واسع. واعتبر أن «بيان الرباعية يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الحرب وبناء سلام دائم».
حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني أعلنا كذلك تأييدهما للبيان المشترك، وأكدا أهمية الالتزام بالمبادئ التي تضمنها، وفي مقدمتها وقف الحرب فورًا، وتسهيل وصول المساعدات، وإطلاق عملية سياسية شفافة بقيادة السودانيين. وحذر الحزبان من خطورة استمرار الصراع، ودعَوا المجتمع الدولي للضغط الجاد على أطراف الحرب لإنهاء القتال، والانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية تعبّر عن إرادة الشعب السوداني. فيما اعتبر حزب التجمع الاتحادي أن تأكيد البيان على سيادة ووحدة السودان كضرورة لازمة لتحقيق الأمن والاستقرار يشكل الأساس السليم لحل الأزمة السودانية والوصول لوقف إطلاق النار وايصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.
وأوضح أن الإقرار بعدم وجود حل عسكري وضرورة الامتناع عن دعم الطرفين المتحاربين يمثل الأساس الصحيح للضغط عليهما للانخراط في التفاوض.
وأكد على ضرورة أن يضع اجتماع وزراء خارجية دول الرباعية المزمع عقده نهاية الشهر الجاري، آليات واضحة ومرتبطة بسقوف زمنية محددة من أجل ممارسة أقصى أنواع الضغط على الأطراف المتحاربة حتى تذهب لطاولة التفاوض من أجل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار والخطوات التالية.
رفض العقوبات
كذلك انتقد وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الأعيسر، ما وصفها بـ«البيانات المتكررة من جهات خارجية» و«العقوبات الأحادية المفروضة على بعض القادة والتنظيمات الوطنية» معتبرًا أنها «محاولات مكشوفة لإجهاض الإنجازات الميدانية التي تحققها القوات المسلحة».
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية، قد فرضت، الجمعة، عقوبات على وزير المالية السوداني ورئيس حركة «العدل والمساواة» جبريل إبراهيم، إضافة إلى مجموعة «البراء بن مالك» المحسوبة على التيار الإسلامي، والتي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية.
ووفق بيان الخزانة، فإن العقوبات جاءت على خلفية «المساهمة في إشعال الحرب الأهلية الوحشية في السودان، وتوثيق صلات مع الحرس الثوري الإيراني».
وأوضحت الوزارة أن إبراهيم «تورط في تقويض الحكومة الانتقالية المدنية السابقة» وزار إيران في تشرين الثاني /نوفمبر الماضي لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي.
كما أشارت الخزانة إلى أن مجموعة «البراء بن مالك» دفعت بأكثر من 20 ألف مقاتل، حصلوا على تدريب وأسلحة إيرانية، ونسبت إليهم انتهاكات جسيمة، بينها «اعتقالات تعسفية، تعذيب، وإعدامات ميدانية» ما جعلهم «عقبة أمام أي حل سياسي للصراع».
ورفض حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، العقوبات المفروضة على إبراهيم، معتبرًا أن الأخير «كان من أبرز المناهضين لاندلاع الحرب ولكن مع تصاعد جرائم الدعم السريع كان يجب اتخاذ موقف والتصدي لها لحماية البلاد» ودعا الإدارة الأمريكية إلى «التحقق من المعلومات والابتعاد عن الشائعات السياسية».
المصدر: «القدس العربي»

