الخرطوم ـ في وقت تجددت المعارك في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد ساعات من الهدوء الحذر، أطلقت شبكة أطباء السودان نداء عاجلا للتبرع بالدم لإنقاذ عشرات الجرحى الذين يواجهون لحظات دقيقة في ظل ضعف الإمكانات والنقص الحاد في بنك الدم والمعينات والكوادر الصحية.
يأتي ذلك في وقت أكد رئيس مجلس السيادة السوداني، القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، أن الجيش السوداني سيواصل عملياته العسكرية ضد قوات «الدعم السريع» متهما إياها بـ«تدمير البلاد».
جاء ذلك في تصريحات للبرهان، خلال تأديته العزاء في القتلى من جنود الجيش في المعارك الأخيرة، حيث تعهد بمواصلة القتال «حتى الثأر للشهداء» مؤكدًا أن «هذه الراية لن تسقط، ولن تقوم لهذا التمرد قائمة».
وأضاف: «أن الشعب السوداني لا يمكن أن يتعايش مع المتمردين» في إشارة إلى قوات «الدعم السريع» التي تخوض مواجهات مسلحة مع الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023.
وتابع: «هؤلاء الناس دمروا السودان. ما في طريقة تانية للتعايش معهم ولا نشوفهم».
وفي الوقت الذي يتواصل فيه القتال، برز خطاب مغاير من نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، الذي أقر بحجم الدمار العميق الذي تسببت فيه الحرب، داعيًا إلى تحويل الكارثة إلى فرصة لإعادة بناء السودان على أسس جديدة. وفي كلمة ألقاها في مركز أمدرمان الثقافي، قال عقار: «آثار الحرب لا تنتهي بمجرد تنظيم الأماكن، بل قد تستمر لعقود» واصفًا ما تمر به البلاد بأنه «هزة كبيرة للسودان والسودانيين». وأضاف: «يجب أن نخرج من هذه الحرب مختلفين عن فترة ما قبل دخولها. نغيّر تصرفاتنا وأفكارنا وسياساتنا، ولا نعالج الخطأ بالخطأ».
وشدد على ضرورة تجاوز الماضي والدخول في مصالحة وطنية شاملة، قائلاً: «ربما لن ننسى الماضي، لكن يمكن أن نتجاوزه» وأضاف: «هدفنا أن نرفع السودان إلى أعلى درجات الإنسانية».
البرهان تعهّد بمواصلة القتال «حتى الثأر للشهداء»
وفي استعراض لحجم الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية، كشف عقار أن الحرب تسببت في تدمير ما لا يقل عن 600 مصنع، و36 جامعة في العاصمة الخرطوم، إضافة إلى 300 شركة خاصة. وأكد على ضرورة إعادة إعمار هذه القطاعات الحيوية، مشيرًا إلى أهمية توسيع خريطة التنمية لتشمل مناطق الريف التي وصفها بأنها «مهملة».
واقترح أن يتم إنشاء كليات متخصصة مثل الزراعة والبترول والمعادن في المناطق التي تتوفر فيها هذه الموارد، بدلاً من حصرها في العاصمة، مؤكدًا أن هذا التوجه سيسهم في تحقيق تنمية متوازنة وإنهاء التمركز الخدمي في الخرطوم.
وبين نبرة الحسم العسكرية التي تبناها البرهان، وخطاب المصالحة وإعادة البناء الذي طرحه عقار، يعيش السودان مفترق طرق حاسما، يتزامن ذلك مع مبادرة أمريكية لا تزال قيد التداول.
وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت تحذيرات جديدة بشأن الأزمة الإنسانية المتفاقمة في السودان.
ووفقًا لتحديث صدر مؤخرًا عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) فإن أكثر من 10.5 مليون شخص نزحوا من منازلهم، سواء داخليًا أو إلى دول الجوار، ما يجعل من أزمة النزوح في السودان الأكبر في العالم حاليًا.
كما أشارت البيانات إلى أن نحو 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان البلاد، في حاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية، من بينهم 14 مليون طفل، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
وفي مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، إحدى أكثر المناطق تضررًا من القتال، أفادت مصادر محلية «القدس العربي» بتجدد المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، أمس الإثنين بعد هدوء نسبي استمر لساعات. وتحدثت المصادر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى خلال الأيام الماضية جراء قصف مدفعي مكثف طال أحياء سكنية.
وأطلقت شبكة «أطباء السودان» نداءً عاجلاإلى سكان المدينة للتوجه الفوري إلى بنك الدم في المستشفى الجنوبي، والتبرع بالدم لإنقاذ المصابين الذين يتوافدون إلى المستشفى في «حالات حرجة».
وجاء في النداء: «حياة العشرات الآن متوقفة على توفر الدم بشكل عاجل، من بينهم أطفال ونساء حوامل، ولا سبيل لإنقاذهم إلا من خلال التبرع الفوري».
ويعيش سكان الفاشر تحت وطأة القصف المتواصل، والهجمات البرية وسط انقطاع شبه تام للخدمات الطبية، مما دفع منظمات إنسانية إلى التحذير من تداعيات «الكارثة الصحية» في المدينة.
(القدس العربي)

