لا أحد، مهما كانت حساسيتهم الإنسانية، يستطيع أن يدرك تماماً ما يعانيه المصاب، إذ أن هذا الأمر يتناول جوهر طبيعة الإنسان. لذلك، لا يوجد من هو أصدق في محاولته للتعبير عن الألم ممن يشعر به فعلياً. “الجمرة بتحرق الواطيها” هي مقولة حكيمة ومعبّرة تلخص واقع الأمور.
تقرير : خالد فضل
هذه الكتابة لن تعبر عن أصحابها بشكل كامل، بل تأتي فقط لتلبية الشكل الصحفي. إنها تعكس آراءهم وتعرض بعض التحديات التي يواجهونها خلال وجودهم في الهند لتلقي العلاج، وإليك ما قالوه: بلال عمر عبدالرحمن مرجان : يبلغ عمره 32 سنة، تعرض للإصابة في 27 رمضان 2019 في ساحات الاعتصام أمام بوابات القيادة العامة، حيث أصيب بثلاث طلقات، بالإضافة إلى إصابة في الوجه نتيجة سقوطه على الأرض. لقد خضع لثلاث عمليات حتى الآن، فيما لم يتم إجراء العملية الرابعة. يرافقه والدته، لكنه يعاني من حالة صحية سيئة للغاية، حيث لا تزال إحدى الطلقات موجودة في جسده.
اللجنة الفنية وخطأ التقدير :
يقول بلال إن قرار إرسالهم إلى الهند اتخذته اللجنة الفنية التي شكلتها السلطة المدنية الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، وتم تمويله من قبل الحكومة. لكن اللجنة لم تبدأ عملها عبر السفارة السودانية، بل من خلال شخص (منسق) قام بإبرام اتفاقيات مباشرة مع المستشفيات من خلال مكاتب تجارية تتولى مهام الوساطة العلاجية. ويضيف بلال أن عندما يتجهون إلى السفارة، يُخبرون بأن السفارة ليس لديها أي دور سوى أن تكون (الخزينة) فقط لأن جميع المهام موكلة للجنة الفنية والمنسق. ويواصل بلال أنه لا يزال يعاني من آلام حادة، وقد ظهر له مؤخراً ورم يحتاج إلى تدخل عاجل، لكنه لا يملك المال لشراء مسكنات الألم التي يحتاجها باستمرار. ويشدد على أنه منذ تسعة أشهر لا توجد أي جهة تتحمل مصاريفهم.
محمد يونس آدم _27سنة :
تعرضت لإصابة بطلق ناري في إبط اليد اليسرى، وذلك في 17 يناير 2022، بالقرب من معمل ستاك في منطقة شروني وسط مدينة الخرطوم. تضمنت خطة العلاج مرحلتين: الأولى كانت نقل الأعصاب، والثانية كانت عملية نقل للعضلات المتيبسة. كما تم إجراء عملية توصيل الأعصاب الرئيسية الثلاثة بتاريخ 28 فبراير 2023.
عهد السماني _27سنة :
!أصيب في 27 رمضان 2019م، قبل يومين من مجزرة فض الاعتصام في تقاطع شارع النيل مع شارع المحكمة الدستورية في الخرطوم. تعرض لإصابة نتيجة رصاصة من مدافع دوشكا، مما أدى إلى قطع جزئي في الأعصاب في منطقة منتصف الظهر، مما يسبب له آلاما شديدة من منتصف الظهر إلى أصابع القدمين، مصحوبة بشعور كهربائي في كلا القدمين أحياناً. كما أن الإصابة أدت إلى حرق المستقبلات العصبية للأعصاب السليمة وإزاحة ثلاث فقرات قطنية عن مواضعها. يعاني من شلل نصفي وآلام مستمرة في الأعصاب لا تخف إلا باستخدام مسكنات كيميائية عالية الجرعة، وقد توقف العلاج منذ يونيو 2023م.
محمد خالد آدم _
أطلق نار أدى إلى تهتك عظمة الفخذ اليسرى وذلك في 12 نوفمبر 2021 في شارع الأربعين بأم درمان. الآن، يتوجب إجراء تقييم نهائي لحالته، بالإضافة إلى إجراء عملية لإزالة جهاز طبي من داخل الساق المصابة.
محمد غاندي حسن _25 سنة :
أُصيب الشخص في عينه اليمنى نتيجة انفجار عبوة من الغاز المسيل للدموع، مما أدى إلى دخول رصاص سكسك، وذلك بتاريخ 25 أكتوبر 2021 في شارع الأربعين بأم درمان. تم استخراج الرصاص قبل بدء الحرب، ولكن نتج عن ذلك فقدان البصر في العين. تتعدد الإصابات والمأساة واحدة : اجتمع خمسة من المصابين على هموم مشتركة تظلل أيامهم بالمعاناة، وتمنعهم من النوم خلال الليالي الطويلة، لتشرق كل شمس جديدة عليهم بمزيد من الألم، حيث يستمر الوضع منذ أشهر طويلة وسنوات صعبة. يقول بلال: “كنت أخرج للمظاهرات وحدي، أحلم بوطن جديد وشعب سعيد، ولكن اليوم ترافقني والدتي في بلاد غريبة وصعبة، ونحن نعيش الإهمال التام والتجاهل القاسي. لقد توقف العلاج منذ تسعة أشهر على الأقل بعد أن تفاقمت الأوضاع بسبب اندلاع الحرب في أبريل 2023. لم أعد أتحمل معاناة والدتي، جاءت لترافقني في رحلة العلاج التي تحولت إلى كابوس، نقضي أيامنا في الحدائق العامة بعد انتهاء فترة إيجار السكن، ولا نجد من يعيننا سوى بعض المساعدات المتقطعة من سودانيين طيبين، وإجراءات مؤقتة من السفارة لا تستمر مع استمرار آلامنا”. ويضيف عنان، شقيق وصاحب المصاب عهد: “لقد استخدمنا جميع الموارد المتاحة لعائلتنا، استنزفنا كل ما لديهم حتى لم يعد لدينا ما نأخذه، ولم يقصروا معنا فوق طاقاتهم. وما زالت رحلة البحث عن العلاج مستمرة”.
احتياجات عاجلة ومناشدات إنسانية :
يحتاج المصابون إلى استئناف العلاج الذي توقف، واستكمال باقي العمليات لبعضهم الآخر، وتوفير ظروف معيشية مناسبة لهم ولعائلاتهم المرافقة، مثل السكن والنقل والإعاشة والطوارئ. يتطلعون إلى قلوب رحيمة وأيدٍ عطوفة تأخذ حالتهم بعين الإنسانية، ليتمكنوا من متابعة علاجهم في دول تقدّر قيمة الإنسان. يوجهون نداءً إلى المنظمات الإنسانية حول العالم. مطلبهم بسيط، إذ لم يفقدوا الأمل في سماع صوتهم بعد أن أصمّ من أوكل إليه أمرهم في تلك اللجنة الحكومية آذانه عن استغاثاتهم، حيث انقطع التواصل لعدة شهور، بينما يواجهون ظروف المرض وسوء الوضع والإهمال، بل إنهم يواجهون انتهاء مدة إقامتهم في بلد تفتقر فيه الفرص للعمل ويمنع القانون من يحاول أو يستطيع منهم. رغم ذلك، لم ينسوا رفاقهم الذين قضوا نحبهم أثناء هذه الحرب المأساوية في السودان، حيث يقول بلال: “على الرغم من محنتنا، نشعر بالحزن لحال رفاقنا الذين توفوا بسبب الإهمال وانقطاع العلاج، اثنان منهم في النيل الأبيض وثالث في أم درمان مات جوعًا”.تلك مقتطفات من قصة تؤلم القلب حقاً، شباب في ريعان شبابهم، يحلمون بحياة أفضل لأنفسهم ولشعبهم ووطنهم، وقد كلفهم ذلك بقية عمرهم. لا زالوا يحملون قلوباً مليئة بحب الحياة وأرواحاً تتوق ليوم جديد مشرق. من عمق المعاناة، يمدون أعناقهم نحو غدٍ أفضل.. فهل من يمد لهم يد العون؟

