في سابقة قانونية بارزة، قضت محكمة هولندية في مدينة زفوله بالسجن 20 عاماً على المواطن الإريتري أمانويل و.، المتهم بقيادة شبكة دولية لتهريب المهاجرين عبر ليبيا نحو أوروبا، في أكبر قضية من نوعها تشهدها هولندا. ويعكس هذا الحكم اتجاهاً متنامياً في القضاء الأوروبي نحو توسيع الاختصاصات القضائية لملاحقة الجرائم العابرة للحدود، خصوصاً تلك المرتبطة بتهريب البشر والاتجار بهم.
وفقاً لقرار المحكمة، أظهر المتهم “انعداماً تاماً للإنسانية” في تعامله مع المهاجرين، الذين وصفهم القضاة بأنهم “ضحايا بحثوا عن الأمان فوجدوا أنفسهم تحت رحمة الجشع والعنف”. واتهمت النيابة أمانويل و. بقيادة شبكة تهريب تستغل المهاجرين عبر احتجازهم في معسكرات بليبيا، حيث تعرّض كثير منهم للتعذيب والاغتصاب والابتزاز، فيما فقد آخرون حياتهم خلال الرحلة.
البعد الإنساني للقضية
تكشف شهادات الضحايا وأقاربهم عن منظومة استغلال كاملة تمتد من إفريقيا إلى أوروبا، حيث كانت عائلاتهم في هولندا تتعرض للابتزاز تحت التهديد بقتل أقاربهم المحتجزين في ليبيا. وقد وصف الشهود أوضاع المعسكرات بأنها “جحيم بلا قانون”، يتم فيها استخدام العنف والتعذيب كوسيلة لفرض الطاعة وضمان دفع الفديات.
ويرى مراقبون أن هذه القضية لا تتمحور فقط حول أفعال فردية بل حول تجارة بشر حديثة تُدار على نطاق واسع، توظّف فقر المهاجرين وغياب قنوات قانونية للهجرة وتحول الحدود الأوروبية إلى نقاط تصفية إنسانية مؤلمة.
وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يطبّق فيها القضاء الأوروبي مبدأ “الاختصاص القضائي العابر للحدود” لمعاقبة أحد قادة شبكات الاحتجاز في ليبيا، رغم أن الجرائم وقعت خارج الأراضي الأوروبية. ويستند الحكم، كما يشرح الخبير في القانون الجنائي الدولي بجامعة أوتريخت، لويجي بروسبيري، إلى صلة واضحة بين الأفعال الإجرامية في ليبيا والعائلات المقيمة في هولندا التي تم ابتزازها مالياً.
ويشير بروسبيري إلى أن القضية تفتح الباب أمام ملاحقات قضائية مماثلة في دول أوروبية أخرى، ما قد يشكل سابقة في تحميل المسؤولية القانونية لمنظمي عمليات التهريب حتى عندما ينفذون جرائمهم خارج أوروبا.
تهريب المهاجرين أم اتجار بالبشر؟
القضية تثير أيضاً السؤال الجوهري حول الخط الفاصل بين “تهريب المهاجرين” و”الاتجار بالبشر”. فبينما يُفترض أن التهريب يقوم على اتفاق مالي بين المهاجر والمهرّب لعبور الحدود، يكشف الواقع عن تحوّل متسارع لهذا النشاط نحو الاستغلال الصريح والاحتجاز والتعذيب والاتجار. وكما يروي ديفيد يامبيو، وهو لاجئ سوداني وناشط في منظمة “اللاجئون في ليبيا”، فإن “المهاجرين الذين يدفعون للمهرّبين أملاً في الوصول إلى أوروبا يُعاملون كسلع بشرية، يُضربون ويُحرقون ويُباعون في صفقات فدية”.

مسؤولية أوروبية وأزمة ضمير جماعي
تأتي هذه التطورات في وقت يعتمد فيه الاتحاد الأوروبي “الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء” لعام 2024، الذي يركّز على تشديد الرقابة على الحدود وتسريع ترحيل المهاجرين غير المؤهلين للجوء بدءاً من يونيو 2026. لكن محللين يرون أن المقاربة الأمنية وحدها لن تعالج جذور المشكلة.
ويحذّر بروسبيري من أن “قمع الهجرة غير النظامية دون توفير ممرات آمنة وقانونية سيؤدي فقط إلى تعزيز دور المهرّبين وشبكات الجريمة المنظمة”، داعياً إلى “نقل النقاش من ردود الفعل السياسية إلى تحمل مسؤولية إنسانية وقانونية مشتركة”.
ورغم الحكم الصادر بحق أمانويل و.، تؤكد النيابة الهولندية أن التحقيق ما زال مستمراً لكشف خيوط الشبكة التي وُصفت بأنها “عملية إجرامية عابرة للقارات”. ومن المقرر أن يمثل مشتبه به رئيسي آخر — الإريتري كيدان ز. ح.، الذي تم تسليمه من الإمارات في ديسمبر 2025 — أمام القضاء الهولندي في 31 مارس المقبل.
إن ما بدأ كقضية جنائية يقترب اليوم من أن يكون اختباراً لمدى استعداد أوروبا لتحمّل مسؤولياتها في قضايا الهجرة، ليس فقط من زاوية الأمن، بل من منظور العدالة وحقوق الإنسان أيضاً.
المصدر: DW (بتصرف تحليلي)
