اليراع- تجدد القتال في دولة جنوب السودان منذ أواخر الشهر الماضي، مما أدى إلى مقتل المئات ونزوح أكثر من 180 ألف شخص، وسط تحذيرات دولية من تصاعد خطر “صراع عرقي واسع النطاق” قد يجر البلاد مجدداً إلى أتون الحرب الأهلية.
وتتركّز المعارك الدامية حالياً في ولاية جونقلي بين قوات الجيش الحكومي بقيادة الرئيس سلفا كير، والقوات الموالية لنائبه السابق رياك مشار، الموضوع قيد الإقامة الجبرية منذ مارس/آذار الماضي، والمتهم بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.
هجوم واسع وتوجيهات “بالسحق”
وأصدر قائد الجيش، الجنرال بول ماجوك نانغ، أوامر لقواته الأربعاء الماضي بـ”سحق التمرد في غضون سبعة أيام”، فيما أفاد شهود عيان لوسائل الاعلام الدولية أن الجيش استخدم البراميل المتفجرة عشوائياً، ما أجبر آلاف المدنيين على الفرار إلى مناطق المستنقعات.
وحذر خبراء الأمم المتحدة المستقلون الأحد من خطر “عنف جماعي ضد المدنيين”، مشيرين إلى “تصريحات تحريضية” من مسؤولين عسكريين وتعبئة متزايدة للقوات من الجانبين.
الأهالي بين الهرب والموت
وقال دانيال دينغ (35 عاماً)، وهو واحد من آلاف النازحين من مقاطعة دوك في جونقلي، لوكالة فرانس برس عبر الهاتف:
“أنا عالق، وإذا ساءت الأمور، فإن المكان الآمن الوحيد الذي يمكنني الذهاب إليه هو المستنقعات.”
وأضاف دينغ أن معارك عنيفة دارت الأسبوع الماضي بعدما استولت قوات المعارضة على بلدته قبل أن تجبرها القوات الحكومية على التراجع، قائلاً إن “عدد القتلى يبلغ نحو 300 مقاتل” وهو رقم لم يتسنَ التحقق منه. كما أكد أن “معظم الناس يعيشون الآن تحت الأشجار بعد أن نُهبت منازلهم وأُحرقت المرافق الصحية وانتشر الجوع”.
انهيار اتفاق تقاسم السلطة في ظل ازمة إنسانية متصاعدة
تُظهر الأحداث الأخيرة انهياراً فعلياً لاتفاق تقاسم السلطة الذي وُقِّع بين كير ومشار عام 2018، إذ عُطلت بنوده المتعلقة بدمج القوات وتنظيم الانتخابات. وسبقت هذه الأزمة سلسلة اشتباكات متقطعة خلال العام الماضي، لكن القتال الدامي المتواصل منذ ديسمبر/كانون الأول في جونقلي يعد الأعنف منذ سنوات.
وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن عدد النازحين تخطى 180 ألفاً في أربع مقاطعات بجونقلي. وذكر تقرير صادر عنه أن “نهب ومصادرة الأصول الإنسانية من الطرفين أدى إلى تعليق الخدمات الصحية الأساسية لآلاف الأشخاص”.

وبحسب منظمة أطباء بلا حدود، فإن نقص الإمدادات في المنطقة بلغ مستوى “كارثياً”. وقال مدير العمليات في المنظمة، غول بادشاه، من نيروبي:
“ليس لدينا الإمدادات… سيموت أطفال، الأمر بهذه البساطة”.
هجمات جوية و”براميل متفجرة”
أكدت مصادر من منظمات غير حكومية أن الحكومة ردت على تقدم المعارضة في منطقة بيري بهجمات جوية “عشوائية”، تضمنت براميل متفجرة ضد مناطق سكنية. وشوهدت قنابل تسقط قرب مرافق طبية، ما دفع آلاف المدنيين إلى النزوح نحو مدينة بور، عاصمة الولاية.
وقال المسؤول المحلي بول دينغ بول إن “جزءاً كبيراً من جونقلي صُنف منطقة حمراء، ما يعني انعدام وجود الرحلات الجوية والمساعدات الإنسانية”، مضيفاً: “نشهد حشداً واسعاً للقوات العسكرية من كلا الجانبين، مما يشير إلى أن التصعيد وشيك”.
الفساد اساس المشكلة في بلد غني بالنفط وفقير بالجوع
رغم امتلاك جنوب السودان احتياطيات نفطية كبيرة، إلا أن الفساد المستشري حوّله إلى واحدة من أفقر دول العالم. ووفق برنامج الأغذية العالمي، يعاني نحو 7.7 ملايين من أصل 12 مليون نسمة من نقص حاد في الغذاء.
وأكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان أن “الفساد هو أفضل تفسير لاستمرار المشاكل الاقتصادية والإنسانية في البلاد”، خاصة في ظل تخفيضات المساعدات الخارجية.
ونال جنوب السودان استقلاله عن السودان عام 2011، لكنه انزلق سريعاً إلى حرب أهلية استمرت خمس سنوات (2013–2018)، خلّفت نحو 400 ألف قتيل وأربعة ملايين نازح. ورغم توقيع اتفاق سلام عام 2018، فإن بنوده لم تطبّق بالكامل، لتعود البلاد اليوم إلى مشهد دموي مألوف.
تحذيرات دولية وتخوف من الأسوأ
في تطور موازٍ، دعا المعارض البارز ويسلي ويليبي سامسونا إلى مسيرة في العاصمة جوبا للمطالبة بـ”إزالة النظام المعادي للسلام”. وصرّح عضو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بارني أفاكو:
“ما نشهده في جونقلي ليس حادثاً معزولاً، بل تصعيد خطير يتكرر في مناطق أخرى وقد يدفع البلاد إلى دوامة عنف جديدة.”
ومع استمرار القتال واتساع رقعته لتشمل أجزاء من ولايتَي أعالي النيل والاستوائية الوسطى، يبدو أن جنوب السودان يقف مجدداً على شفير الانهيار الوطني، حيث تحولت المستنقعات والحقول إلى ملاجئ أخيرة للمدنيين الباحثين عن النجاة ليس من رصاص الحرب فقط، بل من الجوع والمرض أيضاً.
