دمشق ـ لطالما مثلت النساء الحلقة الأضعف خلال الحروب والنزاعات، فهن الفئة الأكثر تعرضا للعنف والسيطرة والأكثر معاناة من ويلاتها، وحتى في حالة وفاة الزوج بسبب الحرب تصبح النساء العائل للأسرة والأطفال وتحمل أعباءهم.
وكردة فعل على الانتهاكات التي تتعرض لها النساء الكرد أطلقت منظمات المجتمع المدني وناشطات حملة رقمية لمناصرة النساء الكرديات على منصات التواصل، عقب انتشار صور ومقاطع فيديو تظهر شخصا مسلحا، يحمل ضفيرة شعر لفتاة كردية قتلت في شمال شرق سوريا، ويتباهى بها أمام الآخرين بطريقة مهينة. وقد أثار هذا المشهد غضباً واسعاً ليس فقط بين المكون الكردي، بل أيضاً في أوساط الناشطات، والإعلاميات والناشطين في العالم العربي وإقليم كردستان، ليتحول بعد ذلك إلى غضب عالمي يرفض بشاعة الانتهاكات في حق النساء.
وقالت الناشطة الكردية في أربيل بهار علي لوكالة الأنباء العراقية، إن الضفيرة أو جديلة الشعر لا تعد مجرد تسريحة في ثقافات كثيرة، بل هي رمز عميق للقوة والعزة والهوية والحرية، وفي المجتمعات الكردية، ينظر للشعر المضَّفر كتمثيل لقوة المرأة، وكرامتها وثباتها في مواجهة القهر، لذلك لا يرى قطع الضفيرة في مثل هذه السياقات فقط كفعل بدني، بل كأنه معنوية ثقيلة والمشهد الذي ظهر في الفيديو لم يكن إهانة لمقاتلة واحدة أو فتاة فحسب بل إساءة لكل النساء، بحسب بهار.
واعتبرت بهر مشاركتها في هذه الحملة موقف أخلاقي ورسالة واضحة بأن كرامة المرأة لا تنتزع، وأن قطعت ضفيرة واحدة، فإن آلاف الضفائر ستنمو للإذلال وانتصارا للكرامة.
ومع مقطع الضفيرة، برزت مقاطع أخرى تُظهر احتجاز نساء وتهديدهن، مع تداول مشاهد عن إلقاء جثمان امرأة من مكان مرتفع أثناء توجيه إهانات، لذلك جاءت الحملة بصيغة تضامن عابر للحدود، إذ ظهرت مشاركات من نساء في دول متعددة عبر مقاطع تضفير الشعر كشكل رمزي للاحتجاج على ما اعتبرنه استهدافاً وإذلالاً للنساء.
وقالت الباحثة الاجتماعية ورئيسة منصة حقوق المرأة العراقية تمارا عامر لوكالة الأنباء العراقية إن “أكثر الشرائح معاناة من ويلات الحروب والانتهاكات والفقر هن النساء، لما لذلك من أثر مباشر على سلامتهن النفسية والجسدية وأمنهن”، مؤكدة استنكارها لما يحدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مع تركيز خاص على ما تتعرض له النساء الكرديات والفلسطينيات والسودانيات.
واعتبرت عامر أن الصمت إزاء ما يجري يعد صمتاً مخجلاً بحق نساء المنطقة، مشيرة إلى أن التاريخ وثّق تضحيات النساء في ظروف مشابهة، ومع ذلك ما زالت كثيرات يدفعن ثمناً باهظاً عبر الاغتصاب والتعذيب النفسي والجسدي، في ظل تقصير في إنقاذ النساء داخل مناطق النزاعات.
وترى عامر أن موجة التضامن التي ظهرت على منصات التواصل تتجاوز الحدود والجنسيات، وتتصل بمبدأ إنساني أوسع قوامه رفض تحويل النساء إلى وقود للحروب، ورفض التعامل معهن بإذلال أو كسر رمزي وجسدي، مع التأكيد أن حماية النساء في النزاعات تبدأ من مساءلة الجناة، وتوفير آليات حماية فاعلة، وضمان أن يبقى صوت الضحايا حاضراً في أي نقاش يتعلق بالأمن والعدالة وحقوق الإنسان”.

بدورها، قالت عضو الهيئة الإدارية لشبكة النساء العراقيات رؤى خلف، لوكالة الأنباء العراقية، إن الانتهاكات التي ترافق الأحداث العسكرية تتكرر بتفاصيلها بصورة قاسية، وتستهدف النساء بصورة خاصة عبر تحويلهن إلى أداة للانتقام والتنكيل، مشيرة إلى أن النساء غالباً ما يكنّ الفئة الأضعف والأكثر هشاشة في فترات الأزمات.
وأضافت، أن ما يحدث من منظورها، ليس حدثاً طارئاً منفصلاً عن السياق الاجتماعي، إنما يرتبط بثقافة تُشحن في أوقات السلم بخطابات ضد النساء، وتُنتج في لحظات الحرب صوراً متكررة من الخطف والسبي والتعذيب والإذلال. وأوضحت أن ذلك يفسر، وفق تعبيرها، لماذا تعلو أصوات النساء في مواجهة الحروب، باعتبارهن الأكثر تضرراً من نتائجها المباشرة في الواقع.
وبيّنت أن المقاطع المتداولة عبر منصات التواصل تمثل جزءاً محدوداً مما يجري على الأرض، لكون الحروب تصنع ظروفاً أشد فظاعة وتعقيداً.
وبحسب خلف، جاءت رمزية الضفيرة جاءت كتعبير مكثف عن كون ضرر الحروب والصراعات المسلحة يقع على النساء بشكل أكبر، وهو ما دفع نساءً كثيرات إلى توحيد موقفهن عبر هذه الرمزية للتأكيد على رفض استهداف النساء ورفض الحرب بأشكالها كافة.
الضفيرة أو جديلة الشعر لا تعد مجرد تسريحة في ثقافات كثيرة، بل هي رمز عميق للقوة والعزة والهوية والحرية
ويحمل تاريخ النضال الكردي حضوراً ثابتاً للنساء الكرديات، بوصفهن جزءاً فاعلاً، بدءاً من أحداث ارتبطت بما يُعرف بثورة أرارات عام 1930، مروراً بتجربة مهاباد عام 1946، وصولاً إلى مساهمات نساء قياديات في تأسيس اتحاد نسوي كردي ديمقراطي في تلك المرحلة، ثم مشاركة النساء في الثمانينيات ضمن جبهات جبال شمال العراق وتركيا، ولاحقاً في شمال سوريا مع اندلاع الاحداث في سوريا، حيث شاركت النساء في القتال ضد تنظيم داعش وجماعات متطرفة أخرى هددت السكان في مناطقهم.
وفي خطوة رمزية، نشرت مواطنة تُدعى شيماء مقطعاً مصوّراً عبر إنستغرام وهي تقصّ خصلة من شعرها، مرتدية عباءة عربية، في مبادرة تضامن مع المقاتلة الكردية التي تعرضت للإهانة. ووجّهت المواطنة السورية رسالة اعتذار عمّا وصفته بانتهاكات ارتُكبت باسم “العروبة والإسلام”.
وأصبحت النّساء الكرديات، اللواتي تصدّرْنَ خطوط المواجهة دفاعاً، عن الأرض والعرض، هدفاً مباشراً لعنف منظّم يسعى إلى كسر إرادتٍهنَّ وتشويه نضالِهنَّ.
وقالت الأستاذة الجامعيّة التّونسيّة والمتخصّصة في دراسات الجندر والجنسيات، آمال قرامي، إنَّ العنف المُمارَس على أجساد النّساء في سياق الحروب والصّراعات، لا يمكن قراءته كخرقٍ عرضي لحقوق الإنسان، بل بوصفه أداة استراتيجيّة واعية تُستخدَمُ لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعيّة، سواءً بين الرّجال أنفسهم أو بين الرّجال والنّساء.
وأوضحت القرامي أنَّ نقل المعارك إلى أجساد النّساء يُشكّل أحد أكثر أوجه الصّراع وحشيّة، حيث تتحوّل الأجساد إلى ساحات حرب رمزيّة وماديّة في آنٍ واحد، من خلال القصّ والاغتصاب والنحر والتّمثيل بالجثامين، وغيرها من الممارسات التي تُعبّر عن صراعات الهويّة وتنازُع على السّلطة والهيمنة، وأكّدت أنَّ الغاية الأساسيّة من هذا العنف ليسَتْ فقط إلحاق الأذى بالنّساء، بل إذلال المجتمع بأسره، عبر تكريس شعور العجز والعار لدى الرجال الذين يُصوَّرون كعاجزين عن حماية نسائهم.
وأضافَتْ، أنَّ الجسد الأنثوي يحتل موقعا مركزيا في النّسق الرمزي للثقافات الأبويّة، إذ يُختزل في كونه رمزاً، للخصب والأرض والوطن والقوميّة والسّلام، ما يجعل استهدافه وسيلة لضرب هذه الرموز مجتمعة، وبيّنت أنّ الرسائل الموجهة إلى النّساء المقاتلات تحمل إرادة واضحة لبث الرّعب في نفوس اللواتي اخترْن خوض المعارك دفاعاً، عن أنفسهن وأهاليهَ، ولإعادة فرض الصّور النّمطيّة التي تحصر المرأة في موقع الضّعف والتّبعيّة.
وبحسب القرامي، لا ينفصل التمثيل بأجساد النّساء المقاتلات عن محاولة معاقبة من كسرت القواعد الاجتماعيّة السائدة وتحدّت منظومة الرّجولة المهيمنة، مشيرةً إلى أنَّ النّساء اللواتي أظهرْنَ الشّجاعة والقوة والجرأة ـ وهي صفات تُنسب تقليدياً إلى الرّجال، ينظَر إليهنَّ كتهديد مباشر للنّظام الأبوي، ما يجعلهنّ أهدافاً، رئيسيّة للتصفية والتنكيل، واعتبرت أنَّ هذا السّلوك الوحشي يكشف أنّ النّظام الأبوي ليس مجرّد بنية ثقافيّة، بل منظومة شاملة تُخضع أجساد النّساء للسيطرة في أزمنة السّلم كما في أزمنة الحرب.

بدورها، قالت الناشطة سهى إحمد إن “موجة التضامن الحالية تحتاج إلى أن تتحول إلى ضغطٍ عملي لتعزيز حماية النساء في مناطق النزاع”، معتبرةً أن تكرار مشاهد الخطف والسبي والإذلال عبر سنوات طويلة يكشف قصوراً مستمراً في الاستجابة والإنقاذ، مطالبةً بآليات حماية ملموسة تتقدمها فرق توثيق مستقلة، وممرات آمنة للناجيات، وخدمات طبية ونفسية وقانونية، مع مسارات مساءلة تضمن محاسبة المسؤولين ومنع الإفلات من العقاب.
وأضافت احمد لوكالة الأنباء العراقية أن الذاكرة القريبة في العراق تقدم نموذجاً صارخاً لما يمكن أن تفعله الجماعات المتطرفة حين تُترك النساء في فراغ الحماية، في إشارة إلى ما تعرضت له الإيزيديات من خطف واستعباد وانتهاكات وثقتها تقارير دولية وملفات قضائية على مدى سنوات، ثم انتقلت آثارها إلى حياة الناجيات وعائلاتهن زمناً طويلاً بعد انتهاء المعارك.
