الخرطوم (أ ف ب) – بالقرب من شاطئ نهر النيل، تكسو غابة من الأعشاب لم تُقَلّم منذ سنوات باحة وزارة المالية الملاصقة للقصر الجمهوري في العاصمة السودانية التي تعود إليها الحياة شيئا فشيئا وتستعدّ الأجهزة الحكومية للعودة اليها بعد ثلاث سنوات من الحرب.
في المكان أيضا سيارات مهجورة وزجاج متناثر وأثاث محطّم… فيما ينبّه أحد رجال الأمن الى أن “الأرض لم تُنظّف بعد من الألغام”.
وتصنّف دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام هذا المجمع الحكومي ذا الطراز المعماري الكلاسيكي كـ”منطقة حمراء” كثيفة الألغام.
في الحادي عشر من الشهر الجاري، أعلن رئيس الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني كامل إدريس عودة حكومته إلى الخرطوم من بورتسودان على البحر الأحمر التي انتقلت إليها إثر اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023.
وبينما الحرب تتواصل في مدن كردفان ودارفور في جنوب السودان وغربه، أُعيد في الخرطوم فتح الطرق الرئيسية بينما تتنتشر رافعات البناء في أرجاء المدينة.
في آذار/مارس الماضي، استعاد الجيش السيطرة على كل العاصمة، طاردا قوات الدعم السريع التي كانت سيطرت عليها في بداية الحرب، باتجاه الغرب. ومنذ ذلك الحين، يتفقّد المسؤولون مواقع إعادة الإعمار يوميا، متعهدين بعودة سريعة إلى الحياة الطبيعية.
في الأشهر الأخيرة، رُمّم العديد من المقار الحكومية بما في ذلك مقر رئاسة الوزراء، ولكن ما زالت الكثير من المباني الحكومية مهجورا تكسو واجهاتَه آثار الرصاص.
على الجهة الأخرى من القصر الجمهوري، لم يتبقَ من البنك المركزي سوى هيكل متفحم بنوافذ محطمة، غير أن محافِظة البنك، آمنة ميرغني حسن أعلنت الثلاثاء عودته للعمل من داخل ولاية الخرطوم، معتبرة أن ذلك دليل على دخول البلاد مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
حركة بطيئة
بالقرب من المجمع الحكومي تجلس بائعة الشاي حليمة إسحق البالغة 52 عاما عند مفترق طرق يحيط بها الدمار.
فرّت حليمة جنوبا مع اندلاع الحرب في الخرطوم وعادت إليها قبل أسبوعين. وتقول لوكالة فرانس برس إن “العمل ليس على ما يُرام والسوق لم يعد لسابق عهده. هناك حركة ولكن بطيئة”.
تكسب هذه الأم لخمسة أطفال، ما بين أربعة آلاف جنيه سوداني وخمسة آلاف يوميا، أي نحو دولارين أميركيين، ما يمثّل نحو ثلث دخلها قبل الحرب.
خلال الحرب، فرّ أربعة ملايين شخص من الخرطوم، أي نحو نصف عدد السكان، وعاد منهم مليون شخص بعد سيطرة الجيش على المدينة العام الماضي.
وتقدّر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية بما لا يقل عن 350 مليون دولار أميركي.
ويقول عبد الله أحمد، بائع النوافذ في سوق مواد البناء، “نبيع القليل جدا”.
وأوضح لوكالة فرانس برس أن “الناس لا يملكون المال والشركات الكبرى لم ترجع بعد”.
وأعيد تأهيل وبناء مطار الخرطوم الدولي، لكنه لا يزال مغلقا بعد غارة جوية نفّذتها قوات الدعم السريع بطائرة مسيّرة في أيلول/سبتمبر الماضي، قبل أسابيع قليلة من الموعد المعلن لإعادة افتتاحه.
بالقرب من المجمع الحكومي، يزيل عمّال أنقاضا من أحد المصارف المدمَرة.
ويقول مدير الموقع لوكالة فرانس برس “يجب الانتهاء من كل شيء في غضون أربعة أشهر”.
ويأمل فندق “غراند اوتيل” الذي استضاف الملكة إليزابيث الثانية في الماضي، في استئناف استقبال النزلاء بحلول منتصف شباط/فبراير.
ورغم صمود ردهة الفندق المزينة بالثريات، يبدو جزء كبير من الجانب الخلفي للمبنى مدمّرا. وهو مبنى ذو طراز كلاسيكي شهد أعمال تجديد أثناء طفرة النفط السودانية في نهاية العقد الأول من الألفية الثانية.
وخسر السودان نصف عائداته النفطية خلال الحرب بالإضافة إلى خسارة نحو ثلث إنتاجه من النفط بانفصال الجنوب عام 2011.
ويقف برج “شركة النيل للبترول” الذي افتُتح حين كانت الخرطوم تطمح لأن تكون “دبي إفريقيا”، فارغا ومتفحّما، شاهدا على أحلام السودان المحطّمة.
شوارع مظلمة
في أم درمان على الضفة المقابلة من النيل، تعود الحياة إلى طبيعتها بوتيرة أسرع.
ويمكن رؤية الازدحام المروري في شوارعها الرئيسية التي أصبحت تنافس شارع الحرية التجاري الرئيسي في الخرطوم الذي لم يعد للعمل فيه سوى عدد قليل من متاجره المنهوبة.
ويقول عثمان نادر، وهو بائع أجهزة منزلية، “كثير من أصحاب المتاجر لن يعودوا”، مضيفا “يطالب المورّدون بتعويضات عن البضائع التي دُمّرت خلال القتال”.
ويرى سكان العاصمة السودانية أن عودة المياه والكهرباء هي المسألة الأكثر إلحاحا.
وتقول تغريد عوض سعيد، الطبيبة المتدربة البالغة 26 عاما، “في السابق، كنت أستطيع الخروج مع أصدقائي في المساء (..). الآن الشوارع مظلمة ومهجورة في الليل”، معربة عن أملها بأن تستعيد حياتها كما كانت.
ومعظم من عادوا إلى الخرطوم رجال تركوا عائلاتهم في مدن أخرى.
بالقرب من النيل، يعمل متطوعون على ترميم المسرح الوطني الذي شهد في الماضي عروضا لفنانين كبار مثل أم كلثوم.
ويأمل المدير السابق عبد الرفيع حسن بخيت الذي شارك في فعالية لترميم المبنى أن يعود “كما كان.. بل وأفضل”.
على بُعد كيلومترات قليلة، يزيل عمّال أشجارا متساقطة على المدرجات الحمراء والصفراء لملعب المريخ الملقب بـ”القلعة الحمراء”، وهو معقل أحد أقدم أندية كرة القدم في إفريقيا.
ولا تزال السيارات المحترقة مصطفة على جانبي الطريق خارج الملعب الذي شهد آخر مبارياته قبل اندلاع الحرب بأسبوع واحد، فيما ينافس نادي المريخ مذاك في الدوري الرواندي.



