في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، أعلنت تركيا شروعها في التحضير لعمليات تنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية. خطوة وصفها مراقبون بأنها تتجاوز البعد الاقتصادي، لتكون “إعلانا سياسيا هادئا” عن دخول أنقرة مرحلة خلق وإدارة نفوذ داخل القرن الأفريقي، إحدى أكثر مناطق العالم حساسية وتشابكا من حيث المصالح الإقليمية والدولية.
فالقرن الأفريقي، العقدة الاستراتيجية التي تربط البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ومفتاح باب المندب، لم يعد هامشا جغرافيا، بل بات في قلب معادلة الأمن العالمي وتدفقات التجارة والطاقة، ومسرحا مفتوحا لتنافس القوى الإقليمية (مصر والخليج وإسرائيل) وقوى غربية، إلى جانب فاعلين صاعدين يسعون لإعادة تعريف أدوارهم خارج حدودهم التقليدية.
في هذا الإطار، لم يعد النفوذ العسكري وحده كافيا لترسيخ الحضور هناك، بل باتت الاستثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية والطاقة عنصرا حاسمًا في معادلة القوة، وهنا تكمن أهمية الخطوة التركية.
شراكات سياسية وبنية قانونية واقتصادية
اعتادت المنطقة خلال السنوات الماضية على سباق القواعد العسكرية، أمريكية وصينية وأوروبية، ومؤخرا حضور خليجي متنام واهتمام إسرائيلي متصاعد. في هذا السياق، يلفت التحرك التركي الانتباه لأنه يسلك مسارا مختلفا، “النفوذ عبر الاقتصاد السيادي والطاقة”.
فإلى جانب الاهتمام التركي المتصاعد بالإقليم عبر السنوات الماضية (أكبر سفارة تركية في مقديشو، قاعدة عسكرية لتدريب القوات الصومالية)، جاءت الخطوة التركية استنادا إلى اتفاقية التعاون الثنائية التي وقعها البلدان في 2024، وبالتالي حولت أساس العلاقة بين أنقرة ومقديشو من الدعم الأمني والسياسي إلى الاستثمار الاقتصادي المباشر في الطاقة.
فالتنقيب عن النفط التزام طويل الأمد، يفرض حماية بحرية وشراكات سياسية وبنية قانونية واقتصادية، ما يعني أن الحضور التركي يصبح جزءا من بنية الدولة الصومالية نفسها، لا مجرد وجود أمني قابل للتقليص أو التفاوض السريع.
أرض الصومال في قلب المعادلة
لا يمكن فصل الخطوة التركية عن التطورات الأخيرة المتعلقة بإقليم أرض الصومال، خصوصا الاعتراف الإسرائيلي به، وتزايد محاولات أطراف إقليمية ودولية لفرض أمر واقع سياسي جديد. مراقبون للأوضاع في المنطقة فسروا التحرك التركي بأنه رسالة ضمنية حاسمة مفادها أن الموارد السيادية، خصوصا البحرية، تمر عبر الدولة المركزية المعترف بها دوليا، وفي هذه الحالة جمهورية الصومال.
الرسالة قد تمنح مقديشو ورقة قوة إضافية، تضعف منطق تجاوزها من قبل قوى إقليمية عبر صفقات جزئية، سواء معها أو مع الإقليم الانفصالي.
تنافس نماذج لا مجرد تنافس نفوذ
ما يجري في القرن الأفريقي اليوم ليس صراع نفوذ تقليدي بقدر ما هو صراع بين نماذج مختلفة للحضور الخارجي:
- نموذج خليجي يعتمد أساسا على الموانئ والمناطق الحرة والاستثمار اللوجستي السريع.
- نموذج إسرائيلي يركز على الأمن والاستخبارات وحماية خطوط الملاحة.
- ونموذج تركي آخذ في التبلور، يقوم على الجمع بين الطاقة وبناء المؤسسات والشراكة مع الدولة.
هذا النموذج الأخير أقل صدامية لكنه أكثر رسوخا، لأنه يراكم النفوذ ببطء ويجعله مرتبطا باستقرار الدولة المضيفة، لا بتوازنات ظرفية قابلة للانقلاب.
كيف تنظر إسرائيل ودول الخليج إلى الخطوة التركية؟
إسرائيل تنظر إلى القرن الأفريقي بوصفه عمقا استراتيجيا لأمن الملاحة، وامتدادا غير مباشر لمعادلات الصراع الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن ترسيخ نفوذ تركي طويل الأمد عبر الطاقة، وليس فقط عبر التعاون الأمني، ينظر إليه كعامل قد يفرض لاعبا إضافيا يصعب تجاوزه في حسابات الأمن البحري.
أما دول الخليج، فتتعامل مع الخطوة التركية بقدر من الحذر البراغماتي. فهي تدرك أن نموذج النفوذ القائم على الموانئ والاستثمار اللوجستي السريع يواجه اليوم منافسة من نماذج أكثر عمقا واستدامة، مثل الشراكات السيادية في الطاقة. وفي الوقت ذاته، تخشى بعض العواصم الخليجية من أن يؤدي تعاظم الدور التركي إلى إعادة خلط الأوراق في منطقة استثمرت فيها سياسيا وماليا على مدى سنوات. ومع ذلك، لا يبدو أن الموقف الخليجي يتجه نحو مواجهة مباشرة، بقدر ما يعكس مراقبة دقيقة ومحاولة تكيف مع واقع إقليمي آخذ في التحول.
كيف يرى الفاعلون المحليون في القرن الأفريقي هذا التحرك؟
في المقابل، تختلف النظرة لدى الفاعلين المحليين في القرن الأفريقي، الذين لا ينظرون إلى الخطوة التركية فقط من منظور التنافس الدولي، بل من زاوية المصلحة الوطنية والاستقرار الداخلي.
بالنسبة للحكومة الصومالية في مقديشو، يمثل التنقيب عن النفط فرصة نادرة لتعزيز موارد الدولة، وتثبيت سيادتها البحرية، وتقوية موقعها التفاوضي داخليا وخارجيا.
أما في دول الجوار، مثل إثيوبيا وجيبوتي، فينظر إلى الخطوة التركية باعتبارها مؤشرا على تحوّل ميزان النفوذ في الإقليم، مع تزايد دور الفاعلين غير التقليديين. فإثيوبيا مثلا تابعت تنامي الدور التركي في الإقليم باهتمام، انطلاقا من خشيتها من أثره على مصالحها البحرية. إلا أن تركيا أراحت أديس أباب واحتوت مخاوفها بالوساطة التي أطلقتها في 2024 بينها وبين مقديشو، وأفضت إلى منح إثيوبيا حق الوصول إلى ميناء تجاري.
وبينما ترى بعض النخب المحلية في الحضور التركي شراكة أقل تدخلا في الشؤون الداخلية مقارنة بقوى أخرى، تبقى المخاوف قائمة من أن يؤدي تصاعد التنافس الخارجي إلى مزيد من الضغوط على دول تعاني أصلا من هشاشة اقتصادية وأمنية.
صورة تركيا خارجيا وداخليا
إقليميا، تعزز الخطوة صورة تركيا كقوة مستقلة نسبيا عن المحاور، قادرة على المنافسة دون اللجوء لخيارات العسكرة المفرطة، وتقدم نفسها كشريك تنموي لا كراع أمني فقط.
أما داخليًا، فهي تخدم سردية “الاستقلال الاستراتيجي” التي تعتمد عليها أنقرة، خصوصا في ملف الطاقة، حيث تقدم تركيا كدولة لا تكتفي بالاستيراد، بل تسعى إلى توسيع مجالها الحيوي اقتصاديا وتعزيز حضورها الخارجي.
وهذا ما يكسب القرن الأفريقي اهتماما خاصا في السياسة التركية لأهميته الجيوسياسية والموارد الطبيعية المتنوعة التي يمكن الوصول إليها.
إعادة تعريف أدوات النفوذ في الإقليم
التنقيب التركي قبالة الصومال ليس مجرد بحث عن النفط، بل استثمار في النفوذ طويل الأمد، ومحاولة لإعادة تعريف أدوات القوة في منطقة اعتادت الصدام المباشر من خلال أدوات أقل ضجيجا وأكثر عمقًا: الطاقة بدل القواعد، والدولة بدل الكيانات، والنفوذ المتراكم بدل الحضور المؤقت.
وهي مقاربة قد لا تغيّر موازين القوى فورا، لكنها بلا شك تضع تركيا في قلب معادلة المنطقة لسنوات مقبلة.
المصدر: مونت كارلو الدولية
