منذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة في يناير/كانون الثاني من عام 2025، أصبح البعض يعبّر عن قلقه إزاء تحول فاشي محتمل في إدارته. وبالعودة إلى التاريخ الأمريكي نستحضر كيف سبق لأفكار اليمين المتطرف أن انتشرت في الولايات المتحدة، خصوصا في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. حاولنا من خلال مقابلات مع مؤرخين معرفة ما إذا كانت هذه المقارنة منطقية ومشروعة اليوم.
فرانس برس :: ستيفاني ترويار، الاقتباس: عماد بنسعيّد
الصورة المعروضة أدناه جابت العالم… ويظهر فيها رئيس شرطة الحدود الأمريكية، غريغوري بوفينو، في 15 من يناير/كانون الثاني وهو يسير في شوارع مينيابوليس مرتديا حذاء عسكريا ومعطفا يذكّر بشكل غريب بالأزياء العسكرية التي ظهرت في ثلاثينيات القرن الماضي، مع تسريحة شعر قصيرة على الجانبين.

في هذه المدينة التي لا تزال تعيش على وقع غضب عارم بعد مقتل رينيه نيكول غود، وهي ناشطة سلمية قُتلت برصاص عنصر من شرطة الهجرة الفدرالية “ICE”، لم يمر هذا الموكب دون أن يذكّر البعض بالنازيين.
هذا المشهد ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الأحداث التي هزت الولايات المتحدة خلال عام منذ عودة دونالد ترامب إلى الحكم: مطاردات للمهاجرين في الشوارع، اختطاف الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، تهديدات بضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، إذلال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، مساندة مطلقة تقريبا لإيلون ماسك. ولم يعد بعض المثقفين يترددون في وصف إدارة الرئيس الأمريكي بأنها “إدارة فاشية”.
“تحول فاشي واضح”
ماتيو بارنيل، متخصص في الحركة الفاشية، وهي حركة يمينية متطرفة نشأت في إيطاليا عام 1919 تقوم على ديكتاتورية الحزب الواحد وعلى مشروع شمولي تام. ماتيو بارنيل يتعامل بحذر مع هذا المصطلح. ويقول هذا الأستاذ في جامعة بايلور في تكساس والذي لم يكن يرغب في استخدام كلمة الفاشية خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب “للفاشية معنى وتاريخ، وغالبا ما يؤدي استخدامها إلى إرباك النقاش”.

اليوم لم يعد مترددا كما كان الحال من قبل: “نلاحظ تحولا فاشيا واضحا خلال ولاية ترامب الثانية، إذ أصبح أكثر عنصرية وأكثر عنفا وذلك بشكل علني. وحشية العناصر الفدرالية في الشوارع الأمريكية واضحة المعالم، فضلا عن سياسة ترامب الخارجية العدوانية، وهو ما يعيد إنتاج أشكال من القمع والعدوان التي ميزت أشهر الفاشيين الأوروبيين مثل هتلر وموسوليني”. ويضيف: “الفاشية الأمريكية عام 2026 تُعرّف قبل كل شيء باعتبارها حركة عنصرية وقومية وطائفية تهدف إلى تدمير الديمقراطية. ترامب يصف خصومه السياسيين بانتظام بأنهم “شيوعيون” أو “خونة” أو “حشرات”. وأنصاره يكررون هذه الخطابات باستمرار.
صلبان معقوفة، قمصان غامقة اللون و”هايل هتلر” في الولايات المتحدة
وهي ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها مثل هذه الأفكار على الأراضي الأمريكية. فبعد أزمة 1929 وخلال فترة الكساد الكبير، ظهرت عدة منظمات فاشية في الولايات المتحدة. وكما يوضح ماتيو بارنيل “كان ظهور هذه الجماعات بمثابة رد فعل على الفوضى الاقتصادية في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي. ملايين الأمريكيين البيض وجدوا أنفسهم مفلسين وكانوا يبحثون عن مذنب مثالي. وقدمت لهم هذه الجماعات حلا سياسيا لمشاكلهم: الفاشية”.
ويتابع “كان الفاشيون الأمريكيون يعرفون أنفسهم صراحة على أنهم ’اشتراكيون قوميون‘، (التسمية التي تعتمدها أحزاب اليمين المتطرف تاريخيا لنفسها)، وكانوا يرفعون الصلبان المعقوفة ويرتدون القمصان غامقة اللون”.
كان لدى هذه المنظمات رؤية قومية واحدة، ودعت إلى تفوق الرجل الأبيض المسيحي، واعتبرت اللجوء إلى العنف ضرورة لتحقيق أهدافها. وكان من أشهرها “الرابطة الألمانية -الأمريكية” التي تأسست عام 1936.

وتقول عالمة الاجتماع أرلين شتاين من جامعة روتغرز في نيوجيرزي: “كان يقودهذه الرابطة فريتس كون، وهو مهاجر ألماني في الأربعين من عمره أعلن نفسه “الفوهرر الأمريكي”. وكانت للرابطة فروع محلية، ومتاجر، ومخيمات صيفية، وحانات، وصحف. وكانت تندد بفكرة “انصهار الأجناس” باعتبارها اختراعا يهوديا، وتعهدت بجعل الولايات المتحدة “بلدا مسيحيا للبيض”.
وقد بلغ عدد أعضائها نحو 100 ألف في المناطق التي تركزت فيها الهجرة الألمانية، خصوصا في وسط غرب وشمال شرق الولايات المتحدة. ونظموا تجمعا عام 1939 في قاعة ماديسون سكوير غاردن في نيويورك حيث تجمع نحو 20 ألف أمريكي كانوا يهتفون “هايل هتلر” ويؤدون التحية النازية.
“فاشية على الطريقة الأمريكية”
يشير المؤرخ الفرنسي أوليفييه بورتان، المتخصص في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر، إلى أن التأثير الانتخابي لهذه الحركات كان “محدودا”، لكنه يؤكد أن “تأثيرها الثقافي والسياسي لا يستهان به”. ويقول: لقد ساهمت في تطبيع بعض الأفكار المعادية للسامية والمعادية للأجانب في الفضاء العام. ويمكن الحديث هنا عن “فاشية على الطريقة الأمريكية”.

بعد الحرب العالمية الثانية، جرى تهميش هذه التنظيمات الفاشية، لكن “أفكارها تواصلت من خلال شبكات تروج لتفوق العرق الأبيض، والحركات المعادية للشيوعية المتطرفة، وبعض نظريات المؤامرة”، كما يوضح أوليفييه بورتان.
ويوافقه ماتيو بارنيل الرأي قائلا: “على الرغم من اختفاء هذه الجماعات، فإن أفكارها استمرت. فقد ظهرت مئات، بل آلاف، المنظمات النازية الجديدة والفاشية في النصف الثاني من القرن العشرين”.
ويرى هذا الأستاذ تشابها واضحا بين أفكار الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي ونظريات إدارة ترامب اليوم. ويقارن مثلا بين تصريح مستشار ترامب للأمن الداخلي، ستيفن ميلر الذي قال إن “ثقافة شيوعية وثقافة الـ’ووك‘ ثقافتان سرطانيتان تنخران اليوم التعليم العالي”. وهو ما يطابق طرحا للرابطة الألمانية-الأمريكية عام 1939، حين زعمت أن التعليم الأمريكي مخترق من “يهود ماركسيين”.

في الآونة الأخيرة، أعرب هذا المؤرخ الأمريكي عن قلقه من الرسائل التي نشرتها إدارة ترامب على حساباتها في منصة “إكس”، مثل رسالة وزارة العمل: “وطن واحد، شعب واحد، إرث واحد”، وهو ما يشير مباشرة إلى الشعار النازي “شعب واحد، إمبراطورية واحدة، قائد واحد”.
أو كذلك رسالة وزارة الأمن الداخلي: “سنستعيد وطننا”، المستوحاة، بحسب ماتيو بارنيل، من أغنية” قومية بيضاء” كثيرا ما يرددها ناشطون فاشيون في الولايات المتحدة.
ضرورة العودة إلى التاريخ الأمريكي
يرى ماتيو بارنيل من أنه من الضروري تتبع تاريخ الفاشية في الولايات المتحدة: “يمكن للحركات الفاشية أن تتخفى تحت مظاهر جديدة أو وطنية. وفي غياب تحليل تاريخي، يمكن للفاشية أن تنصهر بسهولة أكبر داخل المؤسسات التقليدية، كما يحدث تحديدا في ظل إدارة ترامب”.
ويشاركه أوليفييه بورتان الرأي نفسه: “التذكير بذلك أمر أساسي، لأن هذه الحركات تذكّر بأن الولايات المتحدة ليست محصنة ضد السلطوية. تظهر سنوات الثلاثينيات كيف يمكن لخطابات الكراهية، حين تُقدَّم على أنها وطنية أو دفاعية، أن تزدهر في أوقات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

لكن عالمة الاجتماع أرلين شتاين ترى أن الأمريكيين يعانون من فقدان ذاكرة حقيقي في هذا الشأن. ففي دراسة بعنوان “لم نكن أبدا نازيين” نشرت حديثا في مجلة Memory Studies، أجرت مقابلات مع أشخاص يتذكرون وجود الرابطة خلال طفولتهم. ولاحظت أن هذه الحركات لم تؤخذ على محمل الجد وتمت السخرية منها لعقود.
وتقول “يعاني معظم الأمريكيين من مشكلة في فهم حركات اليمين المتطرف. فهم يعتقدون أن الوسط المعتدل ينتصر دائما، وأن المتطرفين اليمينيين نادرا ما يشكلون تهديدا فعليا. ونحن اليوم أكثر يقظة تجاه تهديد حركات اليسار المتطرف. تاريخ اليمين المتطرف في الولايات المتحدة لا يُدرَّس في المدارس، أو إذا دُرّس فبشكل هامشي”.
“يجب تصديق الفاشيين”
وعلى الرغم من الوضع الحالي و”الضرر الذي لحق بالنظام الديمقراطي الأمريكي”، تحافظ أرلين شتاين على تفاؤلها: “لا تزال لدينا القدرة على عزل ترامب وشركائه عبر صناديق الاقتراع، حتى لو استخدموا التضليل والهجمات على النظام الانتخابي للتلاعب بعملية الانتخابات الحرة والنزيهة”. انتخابات التجديد النصفي هذا العام ستكون اختبارا حقيقيا وحاسما لمعرفة ما إذا كان هذا النظام لا يزال قادرا على أداء مهمته وعكس إرادة الأغلبية”.
غير أن ماتيو بارنيل في المقابل أكثر تشاؤما بكثير. خصوصا من خلال استناده إلى الماضي، ويرى أن مستقبل الولايات المتحدة قاتم بشكل كبير. ويقول: “الفاشيون لا يتخلون عن السلطة عن طيب خاطر. دونالد ترامب ألمح مرارا إلى احتمال الترشح لولاية ثالثة أو حتى إلغاء الانتخابات. يجب تصديق الفاشيين عندما يقولون مثل هذه الأشياء. دراساتي حول ألمانيا النازية تشير إلى أن ترامب سيبحث عن أي ذريعة لتأجيل انتخابات 2028 إلى أجل غير مسمى، وعلى الأمريكيين أن يستعدوا للنزول إلى الشوارع إذا حدث ذلك.
