“لا يمكننا محو الفظائع التي وقعت خلال الأيام الألف الماضية، لكن يمكننا أن نُشكّل ما سيأتي بعدها” “دوقة إدنبرة”
سلّطت صوفي، دوقة إدنبرة، الضوء على مأساة الحرب في السودان مع بلوغها ألف يوم، في مقال نادر نشرته صحيفة ذا تلغراف بعنوان “العالم يتجاهل حرب السودان”، وأكدت أن هذا النزاع، الذي اندلع في أبريل/نيسان 2023، تحوّل إلى أخطر أزمة إنسانية في العالم وسط ضعف الاهتمام الدولي.
واستعادت الدوقة زيارتها في أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى مدينة أدرِه التشادية على الحدود مع السودان، حيث التقت لاجئين فرّوا من العنف، ونقلت شهادات صادمة عن فقدان عائلات بأكملها، وعن نساء تعرّضن للاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والماء، في حرب أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص وشرّدت نحو 13.6 مليون، بينهم ملايين لجأوا إلى دول الجوار.
ورغم حجم المأساة، قالت صوفي إن ما منحها الأمل هو “القوة الاستثنائية” التي لمستها لدى النساء اللاجئات، اللواتي يضطلعن بدور أساسي في رعاية الأطفال وإعادة بناء المجتمعات.
ودعت، بصفتها مناصرة لأجندة “المرأة والسلام والأمن” في الأمم المتحدة، إلى تكثيف الجهود الدولية لإنهاء النزاع، مؤكدة أن بلوغ ألف يوم من الحرب يجب أن يشكّل نقطة تحوّل لحماية المدنيين ودعم مسار السلام في السودان، وفيما يلي نص المقال والشهادة التي كتبتها الدوقة صوفي المنتمية للعائلة المالكة البريطانية، وزوجة الأمير إدوارد دوق إدنبرة والشقيق الأصغر للملك تشارلز الثالث.
قبل عام، وأنا أقف على الحدود مع السودان، شاهدتُ سيلا لا يُحصى من الناس يشقّون طريقهم سيراً على الأقدام أو على عربات تجرّها الحمير إلى تشاد المجاورة، بعضهم كان يسافر مع عائلته، فيما كان آخرون بمفردهم، وفي هدوء تلك اللحظة، انتابني ارتعاش وأنا أحاول أن أتخيّل ما اختبره هؤلاء الناس المنهكون والمصدومون نفسياً، وما رأوه، بعدما فرّوا من بلداتهم ومن وحشية الميليشيات المتقاتلة.
لكن هؤلاء كانوا المحظوظين؛ فقد تمكنوا من الوصول إلى قدر من الأمان النسبي في مدينة أدرِه، وهي بلدة حدودية في تشاد، حيث استقبلهم السكان المحليون، بدعم من منظمات محلية ودولية وفّرت لهم الغذاء والماء والمأوى.
لقد ارتفع عدد سكان أدرِه من أربعين ألف نسمة إلى أكثر من مئتي ألف، مع فرار السودانيين من أعمال العنف.
وخلال زيارتي إلى مخيم العبور في “أدرِه”، سمعتُ قصصا عن فقدان عميق وصمود لافت، أطفال صغار قُتلت عائلاتهم بأكملها بطرق لا يمكن وصفها، وأمهات شهدن مقتل أزواجهن وأبنائهن، ونساء تعرّضن للاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والماء.
كانت رواياتهن الشخصية، الصادمة في عمقها، تعكس تجارب عدد لا يُحصى من الآخرين، وكانت أعينهن تروي حكايات فظائع لا ينبغي لأي إنسان أن يراها: “جثث مكدّسة كالجدار، عائلات أُغرقت تحت تهديد السلاح، أطفال شُطروا إلى نصفين، ونساء تعرّضن للاغتصاب والضرب، أما من تمكنوا من الفرار، فيعيشون في خوف دائم من أن يُقتلوا لاحقا”.
ومع دخول العالم عاما جديدا، نواجه محطة قاسية ومروّعة من 1000 يوم من النزاع في السودان، وخلال هذه الفترة، تحولت الأزمة إلى أشد أزمة إنسانية في العالم، إنها لحظة ينبغي أن تدفعنا إلى التوقف والتأمل، ليس فقط بسبب حجم المعاناة، بل لأن هذه الكارثة تطورت وسط قدر ضئيل للغاية من الاهتمام العالمي.
إن المساعدات الطارئة وحدها لا يمكنها معالجة ضخامة هذا الوضع، بل إن الوكالات العاملة هناك بلغت حدّ الإنهاك، فالمجموعات المحلية، والمنظمات الإنسانية، والتجمعات السودانية التي تقودها النساء، تفعل ما في وسعها في مواجهة أعداد هائلة من الأشخاص الذين فقدوا أحبّاءهم ومنازلهم وسبل عيشهم، والذين يحتاجون إلى الدعم الآن وسيحتاجونه لسنوات طويلة مقبلة.
يجب أن تُمنح الفتيات اللواتي انقطع تعليمهن فرصة العودة إلى المدارس، كما يحتاج النساء والرجال والأطفال الذين عانوا من عنف جنسي لا يمكن تصوره إلى الوصول إلى الخدمات الصحية، وإلى أماكن آمنة، وإلى دعم يساعدهم على التعافي واستعادة كرامتهم، فهذه ليست كماليات، بل متطلبات إنسانية أساسية.
ومع ذلك، وحتى في مثل هذه الظروف اليائسة، فإن أكثر ما بقي عالقا في ذهني هو القوة الاستثنائية التي شهدتها، ففي إحدى وحدات الحماية المتنقلة التابعة لمنظمة (بلان إنترناشونال)، التقيتُ بنساء فررن من النزاع يَقمن الآن برعاية أطفال انفصلوا عن عائلاتهم، لقد ذكّرني صمودهن وقيادتهن الهادئة بما شهدته مرارا وتكرارا وهو أن النساء يشكّلن محورا أساسيا ليس فقط للبقاء في الأزمات، بل أيضا لإعادة البناء والسعي نحو سلام دائم، وعندما يتم دعمهن وتمكينهن، تصبح المجتمعات بأكملها أكثر قدرة على التعافي.
وبوصفي نصيرة لأجندة المرأة والسلام والأمن داخل البلاد وخارجها، فقد شهدتُ تفاني وتعاطف المجتمع الدولي، لكننا بحاجة ملحّة إلى المساعدة في إنهاء هذا النزاع المدمّر من أجل إنقاذ الأرواح، والسماح للعائلات السودانية بالعودة لإعادة بناء مستقبلها في أمان.
لا يمكننا تغيير الأيام الألف الماضية، لكن هذه المحطة القاسية تذكّرنا بالفرصة المتاحة أمام المنظمات التي تعمل بلا كلل على الأرض لتشكيل ما سيحدث لاحقاً، فمن خلال الوقوف إلى جانب هؤلاء الأفراد الاستثنائيين، بمن فيهم صانعات السلام والمنظمات التي تقودها النساء، يمكننا المساعدة في ضمان أن تُسمَع أصوات واحتياجات المتضررين من النزاع وأن تحظى بالتقدير، إن شجاعتهم تذكير قوي بأنه حتى في أشد الظروف صعوبة، يمكن للأمل أن يصمد.
إن شعب السودان يستحق تعاطفنا، واهتمامنا، وتضامننا وقبل كل شيء، يستحق أن يعلم أن العالم لم ينسه، وأن السعي إلى السلام لا يزال ممكنا.
