منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، تحوّل آلاف الأطفال إلى أكثر ضحايا هذا النزاع الدموي هشاشة، في ظل حرب قد لا تلوح نهايتها في الأفق. ومن بين هؤلاء، تبرز فئة تعرف محليا باسم “الشماسة”، وهم أطفال الشوارع الذين وجدوا أنفسهم في قلب الصراع، بلا حماية، ولا سند اجتماعي، ولا بدائل تحميهم من العنف والجوع والاستغلال.
وتعني كلمة شماسة “أطفال الشمس”، إلا أن واقعهم بعيد عن أي دلالة إيجابية. حيث أن غالبيتهم أيتام ومنحدرون من مناطق مهمشة، ويعيشون في الشوارع ويعملون في مهن بسيطة كتلميع الأحذية وجمع الخردة أو حتى بيع السجائر. وقد جعل منهم تفكك مؤسسات الدولة هدفا سهلا للتجنيد والاستغلال من قبل الجماعات المسلحة.
فئة غير مرئية
ويعيش الشماسة خارج أي نظام حماية اجتماعية. لا يملكون أوراقا ثبوتية، ويتعرضون بشكل متكرر للعنف، والتمييز، والاستغلال. ويؤكد مراقبون إلى أن غالبيتهم ينحدرون من مناطق عانت طويلا من النزاعات، مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
وتشير تقارير ميدانية، أن عددهم يقدر، في الخرطوم وحدها، بأكثر من 20 الف طفل. وقد لعب استمرار الحرب دورا مهما في انضمام آلالف آخرون إلى هذه الفئة. حيث أن أكثر من 5 ملايين طفل سوداني تم تهجيرهم منذ اندلاع الحرب، وفقا لليونيسف.
التجنيد.. من الشارع إلى السلاح
ومع تصاعد الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أصبح الشماسة من أكثر الفئات عرضة للتجنيد، خصوصا في مناطق النزاع. وتفيد الشهادات الميدانية إلى أن بعض الأطفال جرى تجنيدهم قسرا، بينما انضم آخرون طمعا في في المال والحماية.
ويشير تقرير لصحيفة لوموند إلى تسجيل حالات تجنيد لأطفال لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما، شارك بعضهم في أعمال نهب. ويؤكد عاملون اجتماعيون أن السلاح والراتب يشكلان عامل إغراء قويا لمراهقين لم يعرفوا سوى حياة الشارع، في ظل غياب التعليم، وانعدام فرص العيش الكريم، وتفكك منظومات الحماية الإجتماعية.
المخدرات والتعليم… وجهان للأزمة
وبالتوازي مع الحرب، شهدت المدن السودانية انتشارا واسعا للمخدرات، من الحشيش إلى المواد المخدرة الاصطناعية. وأمام قسوة العيش في الشارع وغياب أي أفق، أصبح تعاطي المخدرات بالنسبة لهؤلاء الأطفال وسيلة سهلة للهروب من واقع بالغ العنف والقسوة.
في المقابل، تحاول مبادرات محلية محدودة احتواء هذه الأزمة المتفاقمة. إذ تعمل بعض مراكز إيواء الأطفال على توفير تدريبات مهنية بسيطة لعشرات منهم، فيما تمكن آخرون من العودة إلى مقاعد الدراسة بعد إعادة افتتاح المدارس في بعض الأحياء المتضررة من القتال، في محاولات لاستعادة مسار حياة طبيعي انتزعته الحرب.
ووفقا لتقارير ميدانية، يشير المعلمون إلى أن التحدي الأكبر يبقى في الانقطاع الجماعي لهؤلاء الأطفال عن التعليم. بالتوازي، تشير تقديرات اليونيسف إلى خروج حوالي 14 مليون طفل سوداني في سن الدراسة عن النطام التعليمي بسبب الحرب.
تداعيات على المدى البعيد
ويرى مراقبون في هذه الأرقام “قنبلة موقوتة” تهدد السودان على جميع المستويات، ما قد ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل البلاد.
