19.3 C
Khartoum

السودان: حول المواطنة وإلغاء التهميش : د مدى الفاتح- القدس العربي

Published:

يكثر السياسيون السودانيون، خاصة الناقدون لشكل الدولة والمعترضون على نظامها السياسي، من الحديث عن دولة المواطنة المتساوية، كما يستخدمون في السياق ذاته ما يتعلق بمطلب محاربة التهميش السياسي والاجتماعي.
بهذا فإن المواطنة وإلغاء التهميش تستخدم هنا كمترادفات، أو كعبارات تصب في تحقيق المعنى ذاته. ما سوف أذهب إليه في هذا المقال، هو أن هناك اختلافاً كبيراً ما بين البحث عن دولة المواطنة، التي يتساوى تحت ظلها الجميع، والدولة، التي يكون شغلها الشاغل هو إرضاء من يشعرون بالاستضعاف والتهميش.
النموذجان متناقضان ولا يمكنهما أن يلتقيا في مشروع سياسي واحد، فإما أن تبحث كسياسي عن الدولة، التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، وإما أن يكون مطلبك هو تسخير كل الإمكانيات من أجل تدليل مجموعة من المواطنين، دون غيرها لمجرد أنها تظن أن مظلومية تاريخية قد وقعت عليها، تسبب فيها شركاء آخرون في الوطن.
الحديث عن الهامش والمركز، أو عن انعدام العدالة في توزيع الموارد، يعتبر من كلاسيكيات السياسة السودانية، التي فرضها التكوين الثقافي والجغرافي المعقد للبلد. بموجب هذه الاستحقاق المزعوم، أو بمجرد رفع السلاح انطلاقاً منه، فإن بإمكان المرء أن يحصل على تفضيل في الوظائف القيادية، كما يمكنه أن يحصل على تمييز سياسي وحصة أكبر في السلطة.
إقليم دارفور، الذي أنتج العشرات من حركات المعارضة المسلحة، يعتبر المثال الأبرز هنا، حيث يكثر عند قيادات تلك الحركات حديث المقارنة بالحياة في الخرطوم، وكيف أنه قد توفر فيها بشكل ظالم ما لا يتوفر في مدن وقرى الإقليم.
ما لم تكن تقوله هذه القيادات، التي تستخدم هذا الخطاب من أجل إشعار الآلاف بالظلم والتهميش المتعمد، ثم من أجل الاستفادة منهم كوقود للقتال، هو أن وضع مدن دارفور مشابه لوضع مدن وقرى كثيرة في الشمال، المتهم بأخذ نصيب الأسد لمجرد انحدار رؤساء سابقين منه، بل إن المرء لا يحتاج للذهاب للشمال البعيد، فيكفي أن يخرج كيلومترات قليلة خارج الخرطوم ليشعر بالانتقال إلى عالم آخر.
بحثاً عن الكسب السياسي لم يكن كثيرون يرغبون في استشعار هذه الحقيقة، ولعل «الجنجويد»، جند الميليشيا المتمردة حالياً، قد تفاجؤوا هم أنفسهم حينما تعرفوا على المدن والقرى، التي انحدرت منها أسماء وقيادات بارزة، والتي ظنوا أنها تعيش حياة الرغد، قبل أن يكتشفوا أن بعضها يعيش حياة أكثر بؤساً من حواضر دارفور.
صحيح أن هناك خللا في توزيع التنمية والخدمات على مستوى القطر، ما كان يجعل كثيرين يفضلون الانتقال للخرطوم، للبحث عن عمل أو للاستفادة من فرص الدراسة أو العلاج، إلا أن ذلك الخلل، الذي فرضته أسباب كثيرة ـ ليس هذا مجال التوقف عندها ـ لم يكن متعلقاً بموقف ضد مكون عرقي بعينه، أو ضد منطقة ما دون غيرها، بل هو مما تكاد كل الأقاليم تتساوى فيه. الفارق الوحيد هو أن هناك أقاليم تمتلك أصواتا أعلى، ولذلك فإن الدولة تجد نفسها مجبرة على الجلوس معها للتوافق بشكل مرضٍ، ما يهدئ حالة الغضب.

هناك اختلاف كبير ما بين البحث عن دولة المواطنة، التي يتساوى تحت ظلها الجميع، والدولة، التي يكون شغلها الشاغل هو إرضاء من يشعرون بالاستضعاف والتهميش

ثمة مشكلة أخرى تولد حينما تسعى الدولة لإقناع فئة ما بأنها لا تستهدفها، حيث تجد نفسها غارقة في بحر لا نهائي من الابتزاز، الذي يطلق عليه تلطفا اسم «التمييز الإيجابي»، أما المتمردون المزعجون فينالون النصيب الأكبر من التدليل طمعاً في كسبهم وإنهاء إحساسهم بالغبن. الذي يحدث هو أن هذا يقود لأزمتين، فمن ناحية لا يكف هذا المتمرد الغاضب عن طلب المزيد، فما أن ينال مطلباً حتى يطلب شيئاً آخر وفق سلسلة لا نهاية لها من المطالب والتمنيات، أما من الناحية الأخرى، فإن هذا التدليل يشجع متمردين آخرين على تصليب مواقفهم والوصول بالأمور إلى نهاياتها، حتى يصلوا إلى ذلك المستوى، الذي يجعل الدولة تطلب ودهم وتسعى إلى تنفيذ مطالبهم.
تاريخ السودان الحديث حافل بقصص الابتزاز هذه، لكن بإمكاننا هنا الاكتفاء بمثالين، الأول هو تمرد محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي كان في عام 2007، والذي سبق تمرده الحالي بكثير، كان حينها قائداً شاباً لمجموعة عسكرية من عشيرته استفادت منه الحكومة لقتال الخارجين عليها. كان أولئك الخارجون على الدولة ينتمون لمجموعة من القبائل المنافسة، ما كان يمنح حميدتي دافعاً أكبر للقتال، ويجعل في إضعافها مصلحة له ولرجاله المستنفرين. بعد تحقيق انتصارات متتالية شعر حميدتي بأن النظام يريد أن يجرده من مكاسبه، وأن يتخلى عنه، بعد رضوخ الحركات المتمردة، فأعلن العصيان والتمرد بذريعة الظلم، الذي وقع على مكوناته العرقية، التي لم تجد التقدير الرسمي الكافي. الذي حدث هو أنه، ولاحتواء غضب ذلك المقاتل، الذي كان بعمر صغير نسبياً، لكن بقدرة على إحداث الفوضى، فإن الحكومة رضخت لمطالبه، التي كان منها قبول أعداد من مقاتليه ضمن الجيش النظامي ومنحه وأخوه مبلغاً كبيراً من المال، مع الوعد بترقيته عسكريا بشكل استثنائي. هذه الترقيات السريعة سمحت لحميدتي، بأن يتحول لأحد قيادات القوات المسلحة الرفيعة خلال سنوات قليلة. كما قلت فإن المشكلة هي أن المتمرد لا يعرف الشعور بالامتنان، فحميدتي، الذي صعد بشكل سريع، حتى وصل إلى مرتبة نائب الرئيس بكل ما يحمله ذلك من مكاسب ومكانة، لم يتوقف طموحه عن التمدد، ولم يرضه ما حصل عليه من أموال وفيرة ومنصب كبير، بل بدأ يعمل على الاستحواذ على السودان مستخدماً، على الرغم من كل ما وصل إليه، خطاب التهميش، الذي يحكي عن الظلم، الذي تتعرض إليه فئات كثيرة، يحسب نفسه منها.
أما المثال الثاني من قصص ابتزاز الدولة السودانية، فهو التمرد التاريخي للإقليم الجنوبي، في بداية الألفية وطمعا في كسب المتمردين تم ابتكار مصطلح «الوحدة الجاذبة»، وهو مصطلح كان يعني تقديم محفزات لما كانت تعرف بالحركة الشعبية لتحرير السودان تقنعها بالبقاء ضمن السودان الموحد وإلغاء مطالب تقرير المصير.
كانت السنوات، التي سبقت استفتاء الانفصال، هي سنوات التدليل الشامل للجنوبيين، خاصة للسياسيين منهم، الذين أخذوا نصيبهم في الوظائف الحكومية، ونسبتهم في المشاركة في السلطة المركزية بشكل كامل، مع احتفاظهم بحق حكم الإقليم الجنوبي بشكل لا تتدخل الخرطوم فيه. كل ذلك لم يغيّر شيئاً، ولم يلاحظ المتابعون أي تغير في خطاب الحركة الشعبية التقليدي، المبني على وقوع الظلم وعلى البلد، التي لا تحترم التعدد، والتي يعيش فيها الجنوبيون كمواطنين من الدرجة الثانية. حينها أدرك كثيرون أن السياسيين الجنوبيين لا يفهمون ما تم تقديمه على أساس النية الطيبة، بل على كونه تنازلاً يقدمه الطرف الأضعف، ما يعني أن بالإمكان الحصول على المزيد بمتابعة الضغط. قاد ذلك إلى طرح مطالب صعبة التحقيق حول هوية الدولة وعلمانية العاصمة وغيرها.
اليوم يتشكل نظام سياسي جديد في السودان ينتظر الجميع أن يكون معبراً عن تطلعاتهم، بعد أعوام من الفشل والفوضى. هذا النظام، إما أن يكون نظام ترضيات يتقدم فيه المواطنون وفق خلفياتهم الإثنية والمناطقية، وتتشكل فيه الحكومات وتوزع فيه المناصب، وفق المحاصصات المسبقة، وإما أن يكون نظام إعلاء قيمة المواطنة المحضة، الذي تتصدره الكفاءات الوطنية.

كاتب سوداني لصحيفة القدس العربي

مواضيع مرتبطة

مواضيع حديثة

التخطي إلى شريط الأدوات