23.1 C
Khartoum

هجوم بطائرات مسيّرة يخلّف 27 قتيلاً في ولاية سنار ويكشف هشاشة الوضع الإنساني والسياس

Published:

بورتسودان – اليراع

 في تصعيد هو الأشد منذ شهور، استهدفت مليشيا «الدعم السريع» يوم الإثنين مدينة سنجة في ولاية سنار جنوب شرقي السودان بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى مقتل 27 شخصاً وإصابة 73 آخرين وفق مصادر عسكرية وصحية تحدثت لوكالة «فرانس برس».

وأكد وزير الصحة في ولاية سنار إبراهيم العوض أن الضربة نُفذت بينما كانت قوات الجيش السوداني تعقد اجتماعاً في مقر الفرقة 17 بمدينة سنجة، بحضور مسؤولين عسكريين وأمنيين من ولايات سنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض والجزيرة. وأضافت مصادر أمنية، طلبت عدم ذكر هويتها، أن الهجوم استخدم فيه عدد من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، استهدفت بدقة مواقع حساسة داخل المدينة.

وأعلن المكتب الإعلامي لولاية النيل الأبيض أن حاكم الولاية نجا من الهجوم، فيما قُتل مدير المراسم وأحد أفراد الحراسة، بينما أفاد شهود في سنجة بسماع دوي انفجارات كثيفة أعقبها إطلاق مضادات أرضية، نجحت جزئياً في اعتراض بعض المسيّرات.

سنجة، التي تبعد نحو 300 كيلومتر جنوب شرقي الخرطوم، تمثّل محوراً استراتيجياً بين شرق السودان ووسطه، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لأي محاولة من «الدعم السريع» لقطع خطوط إمداد الجيش الممتدة من بورتسودان إلى وسط البلاد.

تصعيد متزامن في جبهات متعددة

تزامن الهجوم مع قصف مماثل بطائرة مسيّرة في ولاية جنوب كردفان، استهدفت سوق كرتالا في منطقة الجبال الستة، ما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين وإصابة 13 آخرين. وقالت «شبكة أطباء السودان» إن جميع الضحايا من المدنيين الذين كانوا داخل السوق، ووصفت الهجوم بأنه “استهداف مباشر وغير مبرر للمدنيين”.

ودانت الشبكة بأشد العبارات القصف، معتبرة أنه يمثل “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ومبادئ حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة”، محمّلة قيادة مليشيا «الدعم السريع» المسؤولية الكاملة عن الهجمات وتداعياتها. كما طالبت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية باتخاذ خطوات عاجلة لحماية المدنيين في مناطق النزاع، والعمل على فتح ممرات إنسانية آمنة، خصوصاً في المناطق المحاصرة بجنوب كردفان منذ أكثر من عامين.

في المقابل، أعلن الجيش السوداني تنفيذ عمليات هجومية مضادة في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق خلال الأيام الثلاثة الماضية، مؤكداً نجاحه في تدمير 56 آلية قتالية ومقتل وإصابة المئات من عناصر الدعم السريع. وفي بيان لاحق، أشار الجيش إلى أن هذه الضربات جزء من حملة واسعة تهدف إلى تحجيم قدرات المليشيا الجوية والبرية، بعد سلسلة من الضربات بالطائرات المسيّرة نفذتها الأخيرة عبر مناطق شاسعة من البلاد.

يأتي هذا التصعيد في وقت أعلنت فيه الحكومة الموالية للجيش نيتها العودة إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو ثلاث سنوات من انتقالها إلى بورتسودان إثر اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. وتشهد ولايات كردفان الثلاث ودارفور والنيل الأزرق منذ شهور موجة عنيفة من الاشتباكات، فيما تزايدت التقارير عن انتهاكات بحق المدنيين ونزوح جماعي في المناطق المتضررة.

وفي ولاية شمال دارفور، لقي 19 شخصاً مصرعهم في منطقة جرجيرة نتيجة هجوم بري شنته قوات «الدعم السريع»، بحسب ما أفادت به القوة المشتركة للحركات المسلحة التي أكدت إحباطها للهجوم بعد معركة عنيفة.

ورغم أن ولاية سنار ظلت تنعم بهدوء نسبي منذ أن أعاد الجيش سيطرته على مدنها نهاية عام 2024 – بعد معارك ضارية استمرت أياماً ضد قوات «الدعم السريع» التي اجتاحت سنجة قبل أربعة أشهر – فإن الهجوم الأخير أعاد المخاوف من عودة التوتر إلى المنطقة التي كانت تُعد من أكثر مناطق السودان استقراراً خلال العام المنصرم.

التداعيات الإنسانية والاقتصادية

بحسب منظمة الهجرة الدولية، عاد أكثر من 200 ألف نازح إلى ولاية سنار خلال عام 2025، غير أن الوكالة حذرت من أن هذه العودة “هشة وغير مستدامة” بسبب انعدام الأمن والدمار الواسع في البنى التحتية. ومع تصاعد القتال مجدداً، يخشى المراقبون من موجة نزوح ثانية قد تعيد الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

ويتّهم مراقبون «الدعم السريع» باستخدام الطائرات المسيّرة كأداة جديدة لتقويض الخطوط الدفاعية للجيش وإرباك المناطق الحيوية الواقعة تحت سيطرته، وبالأخص في وسط وشرق السودان، كما تستهدف تلك الضربات غالبًا الأسواق والمنشآت المدنية بهدف الضغط النفسي على السكان المحليين.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص ونزوح أكثر من 11 مليوناً داخل السودان وخارجه، ما يجعل الأزمة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية على مستوى العالم.

ويسيطر الجيش السوداني حالياً على معظم مناطق الشمال والشرق والوسط، بما فيها العاصمة الخرطوم وأجزاء من ولاية شمال دارفور، بينما تسيطر مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها على غالبية ولايات دارفور الخمس وعلى مناطق واسعة من كردفان. ويقدَّر أن هذه المناطق تشكل نحو ثلث مساحة السودان البالغة أكثر من 1.8 مليون كيلومتر مربع.

وفي حين يحتضن إقليم دارفور ما يقارب خمس مساحة البلاد، إلا أن غالبية سكان السودان البالغ عددهم قرابة 50 مليون نسمة يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الجيش. ومنذ استعادة الجيش بعض مناطق الخرطوم العام الماضي، عاد نحو 1.2 مليون شخص إلى العاصمة تدريجياً، وبدأت عمليات إعادة الإعمار المحدودة في عدد من المدن.

غير أن مليشيا «الدعم السريع»، التي تُتهم بارتكاب فظائع في دارفور، ما زالت تسيطر على طرق الإمداد الحيوية، وتطلق بين حين وآخر مسيّرات بعيدة المدى إلى عمق المناطق التي يسيطر عليها الجيش، مستهدفة بنى تحتية ومقار خدمية.

البعد الإنساني والسياسي للأزمة

تصف الأمم المتحدة النزاع السوداني بأنه من أكثر الأزمات تعقيداً في العالم، وتتهم الطرفين بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، بما في ذلك القتل العشوائي والحصار ومنع المساعدات الإنسانية. وتشير تقارير أممية إلى أن ملايين المدنيين في كردفان ودارفور يواجهون خطر المجاعة نتيجة انقطاع الإمدادات واستمرار القتال.

وبينما يتبادل الجانبان الاتهامات حول مسؤولية الانتهاكات، يرى مراقبون أن استمرار الحرب يهدد ليس فقط وحدة السودان، بل أيضاً الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي ومنطقة الساحل، في ظل تدفق اللاجئين نحو تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا.

إن الهجوم الأخير في سنار يمثل تحولاً نوعياً في مسار الحرب السودانية، إذ يكشف قدرة «الدعم السريع» على توسيع نطاق عملياتها الجوية رغم الضربات التي تلقتها، ويضع الحكومة الموالية للجيش أمام تحدٍ أمني وعسكري متجدد. كما يعيد إلى الواجهة الحاجة الملحة إلى مبادرة سياسية دولية تضع حداً للحرب وتفتح المجال أمام عملية سلام شاملة تضمن حماية المدنيين وإعادة بناء الدولة الممزقة.

مواضيع مرتبطة

مواضيع حديثة