مصر والإمارات بين التعاون الاستراتيجي والتباين الجيوسياسي: قراءة في خضم تحولات الخليج

في وقت تشهد فيه العلاقات بين السعودية والإمارات تقلبات واضحة على خلفية ملفات اليمن والسودان والساحل الأفريقي، تتكشف أمام المراقبين مساحة من التباين الاستراتيجي بين مصر والإمارات، رغم استمرار التحالف الرسمي والتعاون الاقتصادي بينهما. هذه التباينات تتجلى بشكل واضح في ملفات السودان وليبيا وسد النهضة والتقارب الإماراتي الإسرائيلي، ومؤخرا أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ككل.

السودان: محور حساس لتباينات القاهرة وأبو ظبي

منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اتخذت القاهرة موقفا داعما للجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، معتبرة أنه الضامن لاستقرار الدولة وحماية مصالح مصر المائية والأمنية.

في المقابل، وجهت اتهامات لدولة الإمارات العربية المتحدة بأنها حاولت استخدام نفوذها لدى قوات الدعم السريع، لتوجيه المشهد السياسي بما يخدم مصالح أبو ظبي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

الحاجة إلى وساطات متعددة الأطراف ظهرت مع تدخل السعودية والولايات المتحدة ضمن ما يعرف بـ”الآلية الرباعية”، التي دعمتها مصر. لكن مع استمرار أبو ظبي في دعم الأطراف التي تجدها القاهرة “خطرا على أمنها القومي”، يعكس حساسية الملف السوداني وتأثيره المباشر على التوازن الإقليمي وعلى العلاقة الاستراتيجية المفترضة بين مصر والإمارات.

سد النهضة: أزمة مائية واستراتيجية

يعتبر سد النهضة الإثيوبي أحد أكثر الملفات إثارة للتباين بين مصر والإمارات. القاهرة تعتبر السد تهديدا وجوديا كونه يمس حصتها من مياه النيل، التي تقدر بنحو55.5  مليار متر مكعب، وقلقها يتركز على تأثيرات السد على حصص المياه خلال سنوات الجفاف.

في الإطار، يبدو أن مصر أخذت على الإمارات موقفها في الأزمة، الذي تبنت فيه “موقفا وسطيا” بالدعوة للتفاوض حول الملف، دون التعبير عن دعم صريح لموقف مصر من القضية، مثل الموقف السعودي، في مواجهة أديس أبابا. هذا التباين في الأسلوب والنهج يعكس مسافة في التنسيق الاستراتيجي، بالرغم من استمرار الحوار الدبلوماسي بين الطرفين.

ليبيا: تقاطع المصالح وتباين السياسات

في ليبيا، تحتل القاهرة وأبو ظبي مواقف متقاربة جزئيا، خصوصا في دعم جهود استقرار طرابلس وحماية الأمن الحدودي لمصر. إلا أن الاختلاف يظهر في الطرق والأدوات، مصر تركز على التنسيق مع الجيش الوطني الليبي (حفتر) والسلطات المدنية (طرابلس) لضمان استقرار حدودها الغربية، بينما سعت الإمارات إلى لعب دور أوسع في بنية السلطة، بما يشمل دعم أطر سياسية ومجتمعية مختلفة لتعزيز نفوذها المحلي.

هذا التباين لم يتجاوز الخطاب الرسمي لكنه يخلق مساحات توتر في بعض القرارات العملية، خصوصًا في إدارة الموارد والتأثير العسكري في المنطقة الغربية من ليبيا.

التقارب الإماراتي الإسرائيلي تحت مجهر القاهرة

من القضايا المثيرة للانتباه التقارب الإماراتي مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقيات التطبيع في 2020، والذي توسع ليشمل مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة.

القاهرة، رغم استمرار التنسيق مع أبو ظبي، تراقب عن كثب هذه التطورات، خصوصا حين يمكن أن تؤثر على ملفات حساسة مثل الأمن البحري أو استقرار البحر الأحمر، أو في أي مفاوضات إقليمية قد تتعلق بسيناريوهات أمنية مشتركة.

تأثير الخلاف السعودي الإماراتي

لا يمكن فهم المشهد المصري الإماراتي بمعزل عن “الخلافات” السعودية الإماراتية في اليمن والسودان.

السعودية، التي ترتبط مع مصر بعلاقات تقليدية واستراتيجية في العديد من المجالات الإقليمية، وجدت نفسها أمام سياسات إماراتية مستقلة، خاصة في ملفات تتعلق بالتحالفات المحلية والنفوذ على الأرض.

هذا التوتر بين الرياض وأبو ظبي يغذي بدوره قراءات حول وجود فجوة بين القاهرة وأبو ظبي، حتى وإن ظلت العلاقات على المستوى الرسمي بعيدة عن الانهيار.

ما الذي يمكن استنتاجه؟

مما سبق، تستمر العلاقات الرسمية بين مصر والإمارات مستقرة وثابتة خاصة على مستوى الاستثمارات والمشروعات المشتركة، مثل الطاقة والبنية التحتية.

إلا أن التباين الاستراتيجي في ملفات السودان وليبيا وسد النهضة، والتقارب الإماراتي الإسرائيلي والخلاف السعودي الإماراتي، كلها عوامل أساسية ستزيد من تعقيد المشهد، وستنعكس بالضرورة على العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي، وفقا لمراقبين.

لكن حتى اللحظة، يبدو أن لعبة التوازن التي أتقنتها القاهرة على مدى عقود من الزمن ما زالت هي الحاكمة، وهي القائمة أساسا على حماية أمن مصر القومي ومصالحها الجيوسياسية، بأقل قدر ممكن من المواجهة أو التصعيد.