الخرطوم – نجامينا – باريس | إعداد: حاتم المدني
بعد مرور ثمانية عشر عاماً على واحدة من أفظع الوقائع في تاريخ العمل الإنساني بأفريقيا، ما تزال فضيحة “آرش دو زوي” (L’Arche de Zoé)، التي بدأت في صحارى تشاد وامتدت إلى قاعات القضاء الفرنسي، تمثل درساً قاسياً في هشاشة الرقابة الدولية على أنشطة الإغاثة في مناطق النزاع، وحكاية لم تكتمل فصولها بعد بالنسبة لعشرات الأطفال الذين خُطفوا باسم الرحمة.
في عام 2007، مثل اليوم كانت دارفور تتصدّر عناوين الأخبار بوصفها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، ومع تزايد صور النزوح والجوع، وجد عشرات النشطاء الأوروبيين في المأساة بوابةً نحو “التدخل الإنساني المنقذ”، إلا أن واحدة من تلك المبادرات تحوّلت إلى عملية اتجار بالبشر عابرة للحدود تحت غطاء الإغاثة، قادتها منظمة فرنسية غير حكومية تُعرّف نفسها بأنها “منقذة للأطفال”.
من نوايا الإغاثة إلى خديعة إنسانية
تأسست جمعية “آرش دو زوي” مطلع 2004 في باريس على يد رجل الإطفاء الفرنسي إيريك بروتو، الذي اكتسب شهرة أثناء عمليات الإغاثة بعد كارثة تسونامي في آسيا. قدّمت الجمعية نفسها كمنظمة غير ربحية تعمل لحماية الأيتام من مناطق النزاعات والكوارث الطبيعية.
لكن التحول المريب بدأ عندما أعلنت في صيف 2007 عبر موقعها الإلكتروني عن “خطة إنقاذ لأطفال دارفور”، مع حملة تبرعات واسعة في فرنسا وبلجيكا تحت شعار “أنقذوا أطفال دارفور قبل فوات الأوان”، زاعمة نيتها نقل حوالي 10 آلاف طفل إلى أسر فرنسية وأوروبية “كفيلة برعايتهم وتربيتهم”.
في الظاهر، حمل المشروع نوايا نبيلة. لكن الوثائق والتحقيقات اللاحقة كشفت أن الجمعية لم تحصل على ترخيص من السلطات السودانية أو التشادية، وأنها اعتمدت على وسطاء محليين لجمع الأطفال من مخيمات اللاجئين على الحدود. أحد هؤلاء الوسطاء أقرّ لاحقاً أمام المحكمة بأنه سلّم نحو ستين طفلاً “مقابل مبالغ محددة”، بناءً على وعود زائفة بأنهم سينتقلون إلى مدارس أوروبية آمنة.
لحظة الانكشاف: الطائرة التي أوقفت المشروع
في 25 أكتوبر 2007، أوقفت السلطات التشادية في مدينة أبيشي شرقي البلاد طائرة بوينغ كانت تستعد للإقلاع تقلّ 103 أطفال.
كان أعضاء المنظمة يحملون أوراقاً صادرة باسم برنامج إغاثي مزعوم، ويستعدون لنقل الأطفال إلى فرنسا عبر إسبانيا. إلا أن شكوك مسؤولين محليين وإفادات بعض السكان كشفت سريعاً أن معظم الأطفال ينحدرون من عائلات تشادية فقيرة وليست لهم أي علاقة بدارفور.
بعد ساعات من التحقيق، بدأت تتكشف الحقيقة: الأطفال لم يكونوا أيتاماً، وأُعدّت لهم وثائق هوية مزورة، بينما دفعت بعض الأسر الفرنسية ما بين 1700 إلى 9000 دولار لـ”كفالة” أحد هؤلاء الأطفال المزعومين كأيتام حرب.
وانفجر الغضب في نجامينا، وتحركت الشرطة لتوقيف ستة من أعضاء الجمعية، من بينهم بروتو وشريكته إيميل بريشارد، إضافة إلى عدد من المتعاونين الإسبان والبلجيك.
أزمة دبلوماسية بين باريس ونجامينا
الفضيحة لم تقتصر على الجانب الإنساني. فقد تطورت سريعاً إلى أزمة فرنسية – تشادية من العيار الثقيل.
في حين أصرت حكومة تشاد على محاكمة المتهمين وفق القانون المحلي بتهمة محاولة اختطاف ونقل قسري لأطفال عبر الحدود، تدخل الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي مباشرة، وقام بزيارة عاجلة إلى نجامينا، عاد بعدها إلى باريس مصطحباً عدداً من المتهمين الأجانب من غير الفرنسيين.
لكن القضاء التشادي أصدر أحكاماً قاسية بالسجن ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة ضد ستة فرنسيين، وتعويضات بلغت 25 مليون دولار لأسر الأطفال. ورغم أن ساركوزي ضغط لاحقاً لتسليمهم إلى فرنسا، حيث خفف القضاء الفرنسي العقوبة إلى السجن مع وقف التنفيذ، إلا أن الشق المعنوي للفضيحة بقي حاضراً، وأُغلقت منظمة “آرش دو زوي” نهائياً بعد أن أصبحت عنواناً للفشل الأخلاقي في العمل الإنساني.
موقف الأمم المتحدة: “لا رحمة خارج القانون“
أدان صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) العملية بشدة، ووصفت المسؤولة الأممية آنذاك آن فينمان الحادث بأنه “خارج عن كل الأعراف والقوانين الدولية”، مضيفة:
“من غير المقبول أن يُنتزع الأطفال من أوطانهم دون استيفاء الإجراءات القانونية. ما حدث يهدد جوهر الثقة في العمل الإنساني بأفريقيا.”
كما أشارت تقارير صادرة لاحقاً عن الأمم المتحدة إلى أن معظم الأطفال الذين جرى تهريبهم كانوا يعيشون مع أحد والديهم على الأقل، مما يعني أن المنظمة استغلت فوضى الحرب لتبرير عملية نقل قسري مغلف بشعارات التعاطف.
الأطفال الذين لم يُعرف مصيرهم بعد
بعد مرور ثمانية عشر عاماً، لا يزال الغموض يلفّ مصير بعض الأطفال الذين لم يُستردوا أو حتى يُعرف مكان وجودهم.
تؤكد منظمات حقوقية في تشاد أن عدداً من الضحايا اختفوا من السجلات الرسمية، وأن العائلات لم تتلقَّ أي تعويض مادي.
يقول موسى إسحق، أحد آباء الأطفال الذين أُخذوا آنذاك:
“قالوا إنهم سينقلون ابني إلى مدرسة في فرنسا، لكنني لم أره منذ ذلك اليوم. كأن الأرض ابتلعته. يريدوننا أن ننسى، لكننا لن ننسى.”
الجانب الفرنسي التزم الصمت بعد العفو الرئاسي، بينما فضل بعض المشاركين السابقين في الجمعية تغيير أسمائهم أو العمل في مؤسسات أخرى. ومع غياب اعتراف رسمي بالمسؤولية، ظلت العدالة بالنسبة للأسر التشادية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
دروس لم تُستخلص… وتهديدات مستمرة
التحقيقات التي أجرتها لاحقاً لجان أوروبية ومنظمات رقابية خلصت إلى نتائج مقلقة:
-
ضعف آليات الإشراف على المنظمات غير الحكومية الفرنسية العاملة خارج الحدود.
-
تواطؤ غير مباشر من بعض الجهات الحكومية التي سهلت التنقل والدعم اللوجستي.
-
غياب المعايير الأخلاقية الواضحة عند إدارة حملات التبني والإغاثة في مناطق النزاعات.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان عام 2023 وتجدد موجات النزوح نحو تشاد، عادت المخاوف من تكرار مثل هذه العمليات تحت غطاءات “العمل الخيري”. فقد رصدت منظمات دولية حالات احتيال جديدة تتعلق بكفالة الأطفال واللاجئين في مناطق النزاع، ما أعاد إلى الأذهان فصول قضية “آرش دو زوي” كتحذير من أن التاريخ قد يعيد نفسه إن لم تُفرض رقابة صارمة وشفافية كاملة على أنشطة المنظمات الأجنبية.
بين دارفور ونجامينا وباريس… جرح لم يندمل
فضيحة “آرش دو زوي” لم تكن مجرد حادث موسمي في سجلّ الجمعيات. إنها نقطة سوداء في تاريخ العمل الإنساني الغربي، تكشف كيف يمكن للخير المعلن أن يُستخدم ستاراً للجريمة المنظمة.
وحتى اليوم، تبقى في الذاكرة صور الأطفال الواقفين في مطار أبيشي، والدموع في عيون الأمهات التشاديات اللواتي ودّعن أبناءهن إلى المجهول، وأملٌ لا يزال معلقاً على تحقيق عدالة ربما لن تأتي.
“أنقذوا الأطفال”، كان شعار الحملة قبل 18 عاماً… لكن أحداً لم يسأل: من سينقذهم من المنقذين أنفسهم؟
المصدر: اليراع
