تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تصاعداً مقلقاً في انتهاكات أجهزة الأمن التابعة للحكم العسكري، ما أعاد إلى الأذهان ممارسات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي أطيح به إثر ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019. ويأتي هذا التصعيد في أعقاب قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق عبد الفتاح البرهان، بإعادة جهاز الأمن والمخابرات الذي كان قد تم حله بعد سقوط النظام السابق، رغم المعارضة الواسعة من قوى الثورة والشارع السوداني، لما يمثله ذلك من عودة إلى أدوات القمع القديمة.
الممارسات القديمة تعود بوجه جديد
منذ إعادة تفعيل الجهاز، برزت مؤشرات واضحة على عودة الأساليب الأمنية القمعية، حيث تم رصد ملاحقات واعتقالات بحق ناشطين سياسيين وشباب من لجان المقاومة. ومع اندلاع الحرب الدائرة بين الجيش ومليشيا «الدعم السريع»، غضّ كثيرون الطرف عن تجاوزات الأجهزة الأمنية، التي استغلت الأوضاع الاستثنائية لتصعيد حملات البطش والتنكيل بزعم الانتماء للدعم السريع، في حين استهدفت فعلياً الأصوات المدنية الرافضة لاستمرار الحرب.
في موازاة ذلك، شنّت منصات تابعة للنظام السابق والحركة الإسلامية حملة دعائية على وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه مقاصد ثورة ديسمبر، واتهام نشطائها بالعمالة أو الفوضوية. هذه الحملات بدا أنها تمهد سياسياً لتبرير الممارسات القمعية الجارية على الأرض.
ذكرى الثورة تتحول إلى اختبار جديد
صادف يوم الجمعة الماضي الذكرى السابعة لاندلاع ثورة ديسمبر، حيث خرجت مواكب سلمية في عدد من المدن السودانية مطالبة بوقف الحرب وحل مليشيا الدعم السريع وعودة الجيش إلى الثكنات — وهي ذات المطالب التي رفعتها الثورة الأولى. لكن السلطات قابلت تلك التحركات بالقمع والاعتقالات، إذ أعلنت «هيئة محامي الطوارئ» أن الأجهزة الأمنية اعتقلت عدداً من الناشطين في ولايتي القضارف والشمالية، محملة السلطات العسكرية مسؤولية سلامتهم وداعية إلى الإفراج الفوري عنهم.

وشهدت مدينة أم درمان استخداماً مكثفاً للغاز المسيل للدموع وتوقيف ناشطين مدنيين رددوا شعارات الثورة. وذكرت لجان مقاومة مختلفة أن حملات مداهمة واسعة طالت منازل نشطاء في ولايات أخرى، حيث تم اقتيادهم إلى مواقع احتجاز غير معلومة. وأكدت لجان مقاومة القضارف أن هذه الممارسات التعسفية تستهدف القوى المناهضة للحرب، محمّلة السلطات مسؤولية أي انتهاكات تطال المعتقلين.
الصحافة تحت النار والمواقف الرسمية المثيرة للجدل
لم يسلم الصحفيون كذلك من هذه الحملة، إذ اعتقلت الأجهزة الأمنية في القضارف الصحفي والناشط السياسي عمر أبو عاقلة مساء الخميس، ونقل إلى جهة مجهولة، ما أثار موجة استنكار من القوى المدنية التي اعتبرت أن تكميم الصحافة يعكس عودة نهج التعتيم الأمني المعروف في عهد النظام السابق.
وفي خضم الجدل، فجّرت تصريحات وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، موجة غضب واسعة. إذ وصف شعارات الديمقراطية التي رفعها المتظاهرون بأنها «غير واقعية وغير قانونية»، محذراً من «تحولها إلى أداة تهديد لاستقرار البلاد». ودعا إلى دعم القوات المسلحة وأجهزتها الأمنية، معتبراً انتقادها ضرباً لوحدة الوطن.
أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من النشطاء والسياسيين الذين عدّوا حديث الوزير امتداداً لخطاب النظام البائد، القائم على التخوين وشيطنة المطالب المدنية. وقال ناشطون إن الوزير يعيد إنتاج خطاب «ما قبل الثورة» الذي يربط بين الأمن والاستقرار وبين تقييد الحريات، معتبرين ذلك نكوصاً عن مبادئ ديسمبر الأساسية: الحرية والسلام والعدالة.
ازدياد المخاوف من انتكاسة الحريات
يرى مراقبون أن الحملات الأمنية المتكررة، إلى جانب الخطاب السياسي المؤدلج لبعض رموز السلطة، تمثل مؤشرات خطيرة على مسار انتكاسي يهدد مكاسب ثورة ديسمبر. ويؤكد محللون أن استمرار الاعتقالات العشوائية واستهداف الأصوات الداعية للسلام يكرس أجواء الخوف ويغلق المجال العام، الأمر الذي يعمّق الأزمة السياسية ولا يعالج جذور الصراع.
مطالبات المنظمات الحقوقية بإطلاق سراح المعتقلين وتوفير محاكمات عادلة لا تزال تواجه تجاهلاً من قبل السلطات، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى محاسبة المسؤولين عن تلك الممارسات داخل الأجهزة الأمنية والوزارات ذات الصلة.
روح الثورة تتحدى القمع
ورغم التضييق الأمني وحملات التخوين، يبدو أن جذوة الثورة السودانية لم تخمد بعد. فالمواكب التي خرجت لإحياء ذكراها السابعة، وما حملته من شعارات للحرية والعدالة، بعثت برسالة قوية بأن الوعي الشعبي لا يزال يقاوم محاولات إعادة إنتاج الاستبداد. وبينما يسعى النظام لتبرير قمعه بذريعة الحرب، يصر الشارع على أن السلام العادل لا يتحقق إلا في ظل حكم مدني ديمقراطي يكفل الحقوق والحريات للجميع.

