القاهرة – شهدت العاصمة المصرية، الخميس، زيارة رسمية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التقى خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث بحث الجانبان مستجدات الأوضاع في السودان وسبل دعم الشعب السوداني، مؤكدين على ضرورة وقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق المدنيين.
دعم مصري ثابت لوحدة السودان
ووفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقباله البرهان على ثوابت الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه واستقراره، مشيراً إلى استعداد بلاده «لبذل كل جهد ممكن» من أجل إنهاء الأزمة الراهنة ومساندة الشعب السوداني في مواجهة الظروف الإنسانية القاسية التي يمر بها.
وأوضح البيان أن المباحثات تناولت تطورات المشهد الميداني والإنساني في السودان، حيث شدد الطرفان على ضرورة وقف العمليات التي تستهدف المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها أمام العدالة، في وقت تتواصل فيه الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدة ولايات من البلاد منذ أبريل/نيسان 2023.
من جانبه، عبّر البرهان عن تقديره العميق لمساندة مصر المستمرة للسودان في مواجهة تحدياته الداخلية، مؤكداً أن الموقف المصري يعكس «عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين الشعبين الشقيقين». كما أثنى على الجهود المصرية الساعية إلى إنهاء النزاع، ودعم المساعي الرامية لتحقيق الاستقرار ووحدة الأراضي السودانية.
وقال وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية عثمان خالد، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السودانية، إن البرهان أجرى مباحثات ثنائية شاملة مع الرئيس السيسي، استعرضا خلالها «العلاقات الأزلية بين البلدين والسبل الكفيلة بتعزيزها وترقيتها»، مشيراً إلى أن الرئيسين وجّها أجهزة الدولة في البلدين إلى تعميق التنسيق في مجالات الأمن والمياه والتجارة والاقتصاد بما يخدم مصالح الشعبين.
تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك
وأضاف خالد أن الجانبين اتفقا على تفعيل آليات العمل المشترك، بما فيها اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين مصر والسودان عام 1976، وذلك في ضوء التحديات الأمنية الإقليمية الراهنة. وتعد هذه الاتفاقية إحدى ركائز التعاون العسكري بين البلدين، إلى جانب اتفاقيات أخرى جرى توقيعها خلال السنوات الماضية، آخرها في مارس/آذار 2021.
وأشار المسؤول السوداني إلى أن الجانبين جددا عزمهما على العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وذلك لتخفيف وطأة الأزمة الإنسانية في السودان وتأمين وصول المساعدات وفتح الممرات الآمنة.
القاهرة تحذر من تجاوز “الخطوط الحمراء”
وفي بيان منفصل، أعلنت الرئاسة المصرية أن هناك “خطوطاً حمراء” لا يمكن تجاوزها بشأن التطورات الجارية في السودان، مؤكدة أن المساس بوحدة الأراضي السودانية يشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، نظراً للترابط الوثيق بين أمن البلدين واستقرارهما.
وأوضحت الرئاسة أن القاهرة تتابع بقلق بالغ ما تشهده مناطق سودانية، خصوصاً مدينة الفاشر في إقليم دارفور، من تصاعد للعنف وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد المدنيين. وحذرت من محاولات تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية تهدد وحدة مؤسسات الدولة السودانية، مشددة على أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة مؤسساته يمثل خطاً أحمر بالنسبة لمصر.
كما أكدت أن القاهرة تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك مع السودان من أجل صون أمن البلدين وحماية استقرارهما، في حال تعرض أي طرف لتهديد مباشر.
الأوضاع الميدانية والإنسانية
وتأتي هذه التطورات بينما تتسع رقعة القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدد من المناطق، لا سيما في ولايات إقليم دارفور وكردفان الكبرى. وتشير التقديرات الأممية إلى أن النزاع المستمر منذ أكثر من عام ونصف العام خلّف عشرات آلاف القتلى، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً وخارجياً نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
وبحسب تقارير ميدانية، تسيطر قوات الدعم السريع على معظم ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من شمال الإقليم، بينما يحتفظ الجيش السوداني بسيطرته على معظم ولايات البلاد الأخرى بما فيها العاصمة الخرطوم.
وتُعد زيارة البرهان إلى القاهرة هي الأولى منذ أشهر، وتأتي في سياق مساعٍ دبلوماسية مكثفة تسعى لإحياء المسار السياسي في السودان وإيقاف الحرب الدائرة فيه. كما تعكس الزيارة رغبة متبادلة في تعزيز التنسيق الأمني والسياسي بين القاهرة والخرطوم لمواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة وحماية المصالح المشتركة في وادي النيل.
ويؤكد مراقبون أن التحركات الدبلوماسية المصرية تجاه السودان تحمل بعداً استراتيجياً واضحاً، إذ تسعى القاهرة إلى منع تفكك الدولة السودانية أو تحولها إلى بؤرة صراع إقليمي تمتد تأثيراته إلى حدودها الجنوبية، ما يجعل من الملف السوداني أولوية قصوى ضمن سياسة الأمن القومي المصري.
